Полный текст (408 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يصلى فيه الجمعة إلا مسجده، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذن فيه وأقيمت فيه الصلاة.
فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه وفضيلة السفر إليه وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده فهذا لا بد -إن كان مؤمنًا بما جاء به الرسول ﷺ أن يقصد السفر إلى مسجده وإن قصد مع ذلك القبر.
لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته العالم أن المسافر إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور -مع هذا العلم والمعرفة والإيمان- أن لا يقصد السفر إلى مسجده، بل لا يقصد إلا مجرد القبر. بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلاً بشريعته [وفضيلة مسجده] وفضيلة السفر إليه. أو جاهلاً بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر، وأنه لم يبن لأجل القبر، ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله، فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون جاهلاً بهذا أو بهذا أو بهذا. وإن كان عالمًا بذلك كله، ومع هذا ليس قصده إلا السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم، والسفر إلى المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه أن الرسول ﷺ رغب في ذلك وبين فضل مسجده، فهذا لا يكون إلا كافرًا بالرسول. ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظمة أولى من قصد المساجد، والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر.
стр. 37
ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة / والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول ومن الشرك برب العالمين، لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه. بل إنما يفعل هذا من كان جاهلاً بسنة الرسول أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك.
وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم.
ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر الرسول.
ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به، وكما هذا نعت المؤمن به، والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع علمهم أنهم يصلون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها دعاهم الإيمان به إلى متابعته ﷺ تسليمًا.
والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وهو المراد بالسفر لزيارة قبره، فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو أنه يستحب السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده أو بدون دخوله، هل قال هذا أحد؟ أو أنه يستحب السفر إلى القبر دون قصد المسجد؟
стр. 38
مع أنه إنما يصل إلى المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع، والصلاة فيه مفضلة، فهل قال مسلم إن هذا المستحب بالنص والإجماع مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، وإنما قصد مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبًّا بنص أو إجماع أو هل قال ذلك إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، وإن لم يكن هنا نص ولا إجماع؟ وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه -مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده- إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به؟ / فإن هذا ليس عليه في النية كلفة أصلاً، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن الصلاة فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر.
فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلاً بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهال يظنون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر، فإذا عرف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن الله يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا.
فإذا لم يعرف أن إمامًا من أهل الاجتهاد قال إنه يستحب السفر إلى مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وأن سفره مشروع ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعًا مستحبًّا، هذا مما يقطع بأنه لا يقوله عالم.
فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور.
وإن قدر أن هذا قول ثالث كان ذلك قولاً خفيًّا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب، والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة، وهذا مبسوط في مكان آخر.
стр. 39
والمقصود هنا [أن ما] حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة القبور كذب بين على المجيب ليس في الجواب، وإنما فيه السفر خاصة، وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل، وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عمومًا فضلاً عن الصالحين والأنبياء، بل نفس السفر الذي ذكر فيه القولين لم يذكر أنه يختار أحد القولين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء، فكيف يجوز أن يحكى عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور، وإنه ادعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟ ثم من المعلوم لكل من قرأ شيئًا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، وذكر النزاع في زيارتها للنساء. هذا موجود في الكتب الصغار والكبار، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا يحصيها إلا الله، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده.
فكيف يحكى إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة؟ و / لو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكى له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال: هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقًا؟ فإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى. فكان الواجب عليه أن يكذب ناقل ذلك فضلاً عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك، وإنما فيه ذكر الخلاف في السفر إليها، والسفر إليها مسألة، وزيارتها [بلا سفر مسألة].
стр. 40
وأما قبر النبي ﷺ فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، والسفر إلى مسجده مستحب بالإجماع ليس من مسائل النزاع.
وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده، وعلم أنه مسجده الذي كان يصلي فيه هو وأصحابه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقًا، وأنه ﷺ جعل الصلاة فيه بألف صلاة، وأنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ونحو ذلك وهو مؤمن بالرسول ﷺ ، فلا بد أن يقصد -إذا سافر إلى هناك- السفر إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول ﷺ أن لا يقصد السفر إلى مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر، لكن كثير من الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى القبر أيضًا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان، ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده.
وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده، والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه. وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد / نبينا ﷺ والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ما رغب في
стр. 41
فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الإيمان بالرسول ﷺ ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره.
ولو قدر أن شخصًا سافر إلى قبر إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده -المسجد الحرام- وهو الحج واعتقد أنهما سواء، أو أن السفر إلى قبره أفضل كان كافرًا. وكذلك بيت المقدس، من اعتقد أن السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرًا.
كذلك السفر إلى النبي ﷺ ، من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول ﷺ وإما كافر به. وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج. وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في الجهل بدين الإسلام، أو كافر مشاق للرسول ﷺ من بعد ما تبين له الهدى متبع غير سبيل المؤمنين.
فمن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة الشرعية المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول ﷺ ، وإما كافر بالرسول ﷺ .
فإن قيل: كيف يزور قبره مع كونه كافرًا به؟ قيل: كثير من الناس يعظمون الرسول ﷺ ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون أنهم لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه، وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثًا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرًا وباطنًا. لكن يقولون: لا يجب علينا اتباعه، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
стр. 42
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرًا وباطنًا، بل ويقولون: هو رسول إلى العامة، أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية. كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام. وهؤلاء من أشد الناس تعظيمًا للقبور / والسفر إليها ودعاء أصحابها، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع. وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده.
والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله ﷺ وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر غيره وإن كان عنده مسجد، فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه، بل سووا بين المستحب بالنص والإجماع وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع، وظنوا أن المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب، فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع.
стр. 43
ولو قال قائل: إنّ إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرًا حلال الدم، ولو قال قائل: لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول ﷺ وقاله علماء المسلمين. فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان من أجهل الناس.
وكذلك لو قال: لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارته المشروعة [في المسجد] كالصلاة والسلام عليه كان مخالفًا للإجماع. لكن من العلماء من لا يسمي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية. وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول.
ولو قال يستحب السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان مخالفًا للنص والإجماع.
وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره وجوابه، كيف يحل له أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على تحريم الزيارة مطلقًا بسفر وغير سفر.
ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه: هل هو صدق وعدل، أم لا؟
ولفظ السؤال:
стр. 44
(ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا ﷺ وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ / أنه قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)، وروي عنه ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
ولفظ الجواب: (الحمد لله، أما من من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
أحدهما: -وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية، ويقولون إن هذا سفر معصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين- أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة.
стр. 45
والقول الثاني: أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله: (فزوروا القبور).
وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ كقوله: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) رواه الدارقطني. وأما ما يذكره بعض الناس من قوله ﷺ (من حج ولم يزرني فقد جفاني) فهذا لا يرويه أحد من العلماء، وهذا مثل قوله: (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له [على الله] الجنة) فإن هذا أيضًا باطل [باتفاق العلماء] لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني).
стр. 46
وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك: (ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في كتب الفقه والحديث -لا محتجًّا به ولا معتضدًا به- ولكن ذكره أبو أحمد ابن عدي في: كتاب الضعفاء، ليبين به ضعف راويه، فذكره من حديث النعمان بن شبل الباهلي المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي / ﷺ قال: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا، يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك فعلم أن الآفة من جهته.
قال موسى بن هارون: كان النعمان هذا متهمًا.
وقال أبو حاتم بن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات.
وقال الدارقطني: الطعن في الحديث من محمد بن محمد لا من النعمان. وأما الحديث الآخر (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة) فهذا ليس في شيء من الكتب، لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع، وقد قيل إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين، فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الاعتضاد
стр. 47
ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذي تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه، وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القارئ صاحب عاصم عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي). وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطعن في حديث حفص هذا دون قراءته.
قال البيهقي في شعب الإيمان: وقد روى حفص بن أبي داود -وهو ضعيف- عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي).
стр. 48
قال يحيى بن معين في حفص هذا: ليس بثقة. وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش، وأبو بكر أوثق منه.
وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذابًا.
وقال البخاري: تركوه.
وقال مسلم بن الحجاج: متروك.
وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث تركته على عمد.
وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك.
وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه، وهو ضعيف الحديث لا يصدق، متروك الحديث.
وقال عبد الرحمن بن خراش: / هو كذوب متروك يضع الحديث.
وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.
وقال ابن عدي: عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة.
стр. 49
وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن هلال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من زار قبري وجبت له شفاعني) قال البيهقي -وقد روى هذا الحديث- ثم قال: وقد قيل: عن موسى عن عبيد الله قال: وسواء قال عبد الله أو عبيد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره.
وقال العقيلي في موسى بن هلال هذا: لا يتابع على حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول.
وقال أبو زكريا النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ ، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدًّا. هذا آخر الحاشية.
стр. 50
قال المجيب في تمام الجواب: وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور، وأجاب عن حديث (لا تشد الرحال) بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).
وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد. ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع.
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري عن / عائشة أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) والسفر إلى المسجدين طاعة ولهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجد أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من
стр. 51
الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة). وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه، وقالوا: لأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة.
وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي، لأن زيارة النبي ﷺ إلى مسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر.
стр. 52
وقوله في قول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال): أنه محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا هو من الحسنات.
فإذن من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة.
ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. بل مالك إمام / أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ . ولو كان هذا اللفظ معروفًا عندهم أو مشروعًا أو مأثورًا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة. والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
стр. 53
(ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇. وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه.
وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت). ثم ينصرف.
стр. 54
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني).
وفي سنن سعيد بن منصور أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني)، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
стр. 55
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا). وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدًا فيتخذ قبره وثنًا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد -إلى زمن الوليد بن عبد الملك- لا يدخل أحد إلى عنده: لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي ﷺ وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا لا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل / أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها.
стр. 56
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا) [سورة نوح: (٢٣)]، قالوا: [هؤلاء كانوا] قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى [البخاري في صحيحه] لما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب. وذكره ابن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف. وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
стр. 57
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾ [سورة الأعراف: (٢٩)]، وقال: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ [سورة الجن: (١٨)]، وقال ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [سورة التوبة: (١٨)]، وقال: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [سورة البقرة: (١٨٧)]، وقال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ [سورة البقرة: (١١٤)]، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). والله تعالى أعلم.
فهذه ألفاظ المجيب، فليتدبر الإنسان ما تضمنته وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب وما ادعوا أنه باطل هل هم صادقون مصيبون في هذا أو هذا أو هم بالعكس؟ والمجيب أجاب بهذا من [بضع عشرة] سنة
стр. 58
بحسب / حال السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها ولا سمى كل من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول، بحسب ما تيسر في هذا الوقت، وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك.
والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة -وإن كان قبر نبينا ﷺ وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد الحديث عندهم معناه تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا ﷺ لم يدخل في العموم.
ثم لهذا القول مأخذان:
أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده، وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه.
والمأخذ الثاني: أن نبينا لا يشبه بغيره من النبيين كما قال طائفة من أصحاب أحمد إنه يحلف به، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيًّا عنه، وهو رواية عن أحمد. ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه. قاله بعضهم في الحلف بهم، وقال بعضهم في زيارة قبورهم. وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة. وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث
стр. 59
نفي الفضيلة والاستحباب ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم، وهو قول ابن عبد البر وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد.
فهذان هما القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب ولم يعرف أحدًا معروفًا من العلماء المسلمين في الكتب قال إنه يستحب السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولاً ثالثًا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدًا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ ، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعًا في الجواب، فإنه من المعلوم أن مسجد النبي ﷺ يستحب السفر إليه بالنص والإجماع، فالمسافر إلى قبره لا بد إن كان / عالمًا بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده ولا يدخل ذلك في جواب المسألة، فإن الجواب إنما كان عمن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا، فإنه يعلم أن الرسول ﷺ قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده، فكيف لا يقصد السفر إليه؟ وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بد أن يقصده. وإنما ينتفي
стр. 60
القصد مع الجهل، إما مع الجهل فإن السفر إلى مسجده مستحب لكونه مسجده لا لأجل القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلا بد أن يقصد السفر إلى مسجده، ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع.
وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه: يسافرون إليه ليدعوه ويدعوه عنده ويدخلون إلى قبره ويقعدون عنده ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر فيصلون في ذلك المسجد تعظيمًا لصاحب القبر. وهذا مما لعن النبي ﷺ أهل الكتاب على فعله، ونهى أمته عن فعله فقال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا) وهو في الصحيحين من غير وجه.
وقال قبل أن يموت بخمس (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم.
فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور وما هو منهي عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب.
стр. 61
فصل
قال:
ـ[فعند ذلك شرح الله صدري للجواب عما نقل فيه من مقالته، وسارعت لإطفاء بدعته وضلالته، فأقول وبالله التوفيق، وأن يوصلنا إليه من أسهل طريق: لقد ضل صاحب هذه المقالة وأضل، وركب طريق الجهالة واستقل. وحاد في دعواه عن الحق وما جاد، وجاهر بعداوة الأنبياء وأظهر لهم العناد. فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور، وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور. وهو ما ورد / عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (زوروا القبور)، وورد عنه أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هُجْرًا)، فرفع [رسول الله] ﷺ الحرج عن المكلف بعد ما كان حظر. والمشهور أن]ـ
стр. 62
ـ[الأمر بعد الحظر يقتضي الوجوب، وأقل درجاته أن يلحق بالمباح أو المندوب.]ـ
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن في هذا الكلام من الجرأة على الله ورسوله وعلماء المسلمين أولهم وآخرهم ما يقتضي أن يعرف من قال هذه المقالة ما فيها من مخالفة دين الإسلام وتكذيب الله ورسوله، ويستتاب منها، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وذلك أنه ادعى أنه من حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة، أو حرم السفر لزيارة القبور، وقال إنه جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد، فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور. ذكر ذلك بحرف الفاء، وليس في كلام المجيب إلا حكاية القولين في السفر، لمجرد زيارة القبور.
فإذا قيل: إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر، كان كل من حرمه مجاهرًا للأنبياء بالعداوة، مظهرًا لهم العناد. ومعلوم أن مجاهرة الأنبياء بالعداوة وإظهار العناد لهم غاية في الكفر، فيكون كل من نهى عن هذا السفر كافرًا.
وقد نهى عن ذلك عامة أئمة المسلمين، وإمامه مالك صرح بالنهي عن السفر لمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ ، مع أن النذر يوجب فعل الطاعة عنده، فلم يجعله مع النذر مباحًا، بل جعله محرمًا منهيًّا عنه لما سئل عمن نذر أن يأتي قبر
стр. 63
رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته وليصل وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد).
ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار كالمدونة لابن القاسم، والتفريع لابن الجلاب، أنه من نذر إتيان المدينة النبوية إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفى بنذره، وإن كان أراد غير ذلك لم يوف بنذره.
فالسفر إلى المدينة ليس عنده مستحبًّا إلا للصلاة في المسجد، فأما من / سافر إليها لغير ذلك -كزيارة قبر الرسول ﷺ ، أو زيارة قبور شهداء أحد، أو أهل البقيع، أو مسجد قباء- فإن هذا السفر عنده منهي عنه فلا يوف بنذره.
стр. 64
فهذا مذهبه في كل منذور من السفر إلى المدينة سوى الصلاة في مسجده، ومسألة إتيان القبر بخصوصه داخلة في ذلك.
وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي إسماعيل ابن إسحاق محتجًّا بذلك على ما ذكره، فدل على ثبوت ذلك عنده عن مالك، قال في كتابه المبسوط لما ذكر قول محمد بن مسلمة: من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه.
قال القاضي إسماعيل: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر، ولا غيره.
وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد).
وهذا يوافق ما في المدونة وغيرها من الكتب، ففي المدونة وهي الأم في مذهب مالك: ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا، وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما،
стр. 65
راكبًا ولا هدي عليه. وكأنه لما سماهما قال لله علي أن أصلي فيهما، ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته.
وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار، وقد صرح فيها أن من نذر المشي أو الإتيان إلى مدينة الرسول ﷺ أو بيت المقدس فلا يأتهما إلا أن يريد الصلاة في المسجدين. فتبين بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس في غير الصلاة في المسجدين ليس طاعة ولا مستحبًّا ولا قربة، بل هو منهي عنه وإن نذره، لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) رواه البخاري وغيره، وهو من حديث مالك في الموطأ.
فمن سافر لبيت المقدس لغير / العبادة المشروعة في المسجد، مثل زيارة ما هنالك من مقابر الأنبياء والصالحين وآثارهم، كان عاصيًا عنده. ولو نذر ذلك لم يجز له الوفاء بنذره.
وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره. وكذلك من سافر إلى مدينة الرسول ﷺ لمجرد القبر لا للعبادة المشروعة في المسجد كان عاصيًا، وإن نذر ذلك لم يوف بنذره سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما هنالك من المقابر والآثار أو مسجد قباء أو غير ذلك.
وقال القاضي عبد الوهاب في الفروق: يلزم المشي إلى بيت الله الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس. والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة فيلزمه، والمدينة والبيت المقدس الطاعة
стр. 66
في الصلاة في مسجديهما فقط فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه، ألا ترى أنه من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه.
فإذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ دون إتيان مسجده، ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذه، والمالكية بل الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن ذلك لا يوفي بنذره، بل مالك والجمهو نهوا عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية، فيلزم هذا لمفتري أن يكون مالك وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء مظهرين لهم العناد، وكذلك سائر الأئمة، والجمهور الذين حرموا السفر لغير المساجد الثلاثة وإن كان المسافر قصده الصلاة في مسجد آخر.
ومعلوم أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغضها إلى الله الأسواق).
والأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر ولا يسن وليس مستحبًّا ولا طاعة ولا برًّا ولا قربة، وجمهورهم يقولون إنه حرام مع أن قصد المساجد للصلاة فيها والدعاء أفضل بسنة رسول الله ﷺ واتفاق علماء أمته من قصد قبور الأنبياء والصالحين والدعاء عندها، بل هذا محرم نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن أهل الكتاب على فعله تحذيرًا / لأمته.
стр. 67
ففي الصحيح أنه قال ﷺ قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وفي الصحاح من غير وجه أنه قال ﷺ في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما فعلوا) قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا).
فمقابر الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ واتفاق أئمة المسلمين على ذلك، من كره الصلاة في المقبرة ومن لم يكره فإن الذين لم يكرهوها قالوا: سبب الكراهة هو نجاسة التراب فإذا كان طاهرًا لم يكره.
وأما اتخاذ القبور مساجد فبسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره وثنًا وهذه علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين من فقهاء المدينة والكوفة وفقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع. بل صاحب الشرع ﷺ الذي حرم هذا السفر يلزم هذا المفتري الجاهل أن يكون مجاهرًا للأنبياء بالعداوة والعناد، بل المساجد غير الثلاثة نهى عن السفر إليها. وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء فمن أعظم العبادات والقربات، يكون واجبًا تارة ومستحبًّا أخرى.
وأما قبور الأنبياء والصالحين فلا يستحب إتيانها -للصلاة عندها والدعاء- عند أحد من أئمة الدين، بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحة كما ذكر
стр. 68
ذلك غير واحد من العلماء، ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها كما كان النبي ﷺ يزور قبور أهل البقيع.
وأما قبره خصوصًا فحجب الناس عنه ومنعوا من الدخول إليه وقال ﷺ : (لا تتخذوا قبري -وفي رواية بيتي- عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني). وكذلك قال في السلام عليه.
والله أمر بالصلاة والسلام عليه مطلقًا وذلك مأمور به في جميع البقاع لا يختص قبره باستحباب ذلك، بل هو مستحب مشروع في جميع البقاع، وتخصيص القبر بذلك منهي عنه، فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عنه طاعة لله ورسوله فهم قاصدون بذلك طاعة الله واتباع رسوله، ولو كانوا مخطئين / لم يكن القاصد لطاعة الأنبياء معاديًا لهم لا سرًّا ولا جهرًا ولا معاندًا لهم، بل موجبًا لطاعتهم والإيمان بهم، ومواليًا لهم ومسلّمًا لحكمهم ولو كان مخطئًا فإن هذا كان قصده، فكيف يجعل معاديًا لهم لا سيما مع أنه مصيب موافق لهم باطنًا وظاهرًا؟
стр. 69
ولو قدر أن المجيب حرم زيارة القبور مطلقًا سفرًا وغير سفر فهذا قول طائفة من السلف مثل الشعبي والنخعي وابن سيرين كما ذكر ذلك عنهم غير واحد، منهم ابن بطال في شرح البخاري، وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين باتفاق المسلمين، ويحكى قولاً في مذهب مالك. ومن قال ذلك لم يكن معاديًا للأنبياء لا سرًّا ولا جهرًا ولا معاندًا لهم لا باطنًا ولا ظاهرًا.
ومن قال عن علماء المسلمين الذين اتفق المسلمون على أمانتهم إنهم كانوا معاندين للأنبياء فإنه يستحق عقوبة مثله.
ولا خلاف بين المسلمين أن النبي ﷺ كان قد نهى عن زيارة القبور أولاًً فكان ذلك محرمًا في أول الإسلام وقد اعترف هذا المعترض بذلك، فهل يقال: إن الرسول لما حرم زيارة القبور كان مجاهرًا للأنبياء بالعداوة ومظهرًا لهم العناد؟ وكذلك سائر الشرع المنسوخ ليس فيه معاداة للأنبياء ولا معاندة لهم لا سرًّا ولا
стр. 70
جهرًا، فإن الله سبحانه لم يشرع معاداة أنبيائه ولا معاندتهم قط، بل الإيمان بجميع الأنبياء كالتوحيد لا بد منه في كل شرعة.
ودين الأنبياء واحد كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)، وقال تعالى: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ [سورة المؤمنون: (٥١ - ٥٢)] قال عامة المفسرين: على ملة واحدة وعلى دين واحد. وقد قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة -إلى قوله- ولتنصرنه﴾ [سورة آل عمران: (٨١)]، فأمر متقدمهم أن يؤمن بمتأخرهم كما أمر متأخرهم أن يؤمن بمتقدمهم، فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معاداة للأنبياء كما لا يكون مقصوده شركًا، فإن الله لم يشرع الشرك قط ولا شرع معاداة الأنبياء قط، لكن من تمسك بالمنسوخ مع علمه بأنه منسوخ يكون مكذبًا. ثم معاداة الأنبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم.
فأين في كتاب الله وسنة رسوله / أنه يستحب السفر لمجرد زيارة قبورهم أو قبور غيرهم حتى يكون مخالف ذلك مخالفًا لذلك النص؟ ولو قدر أنه خالف نصًّا لم يبلغه أو رجح غيره عليه لم يكن ذلك معاداة لهم ولا معاندة، [ولكن أهل الضلال والجهال] يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق وأنها من الإيمان بهم.
стр. 71
أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه إما بشفاعتهم له وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله يعطي سؤله إذا دعاهم.
وأما أن يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب من غير علم منهم ولا قصد كشعاع الشمس الذي يظهر في الماء وبواسطة الماء يظهر في الحائط وأن كانت الشمس لا تدري بذلك، فهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل، وقد ذكره صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيره كما بسط الكلام على ذلك في موضع آخر.
стр. 72
ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد وعلى هذا الوجه ليست من شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطلين. والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته ولا فعله أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ تنهى عما قد يفضي إلى هذا، فكيف إلى هذا، فإنه ﷺ لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد يحذر ما فعلوا وقال (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وخص بيته بأن قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) وفي رواية (بيتي عيدًا)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فإذا كان قد حرم أن
стр. 73
تتخذ مسجدًا يعبد الله فيها لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره.
وقد قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر / بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٨٠)]. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله. والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة، قال الله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ الآية [سورة يونس: (١٨)]، وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [سورة الزمر: (٣)]، وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [سورة البقرة: (١٦٥)]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً -إلى قوله- محذورًا﴾ [سورة الإسراء: (٥٦ - ٥٧)] وقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض -إلى قوله- وهو العلي الكبير﴾ [سورة سبأ: (٢٢ - ٢٣)]، حتى إن الملائكة إذا قضى الأمر صعقوا
стр. 74
ولا يعلمون ما قضاه حتى يفزع عن قلوبهم أي يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه وما قاله، فكيف يشفعون عنده ابتداء؟ قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الآية [سورة الأنبياء: (٢٨)]، وقال: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئًا﴾ الآية [سورة النجم: (٢٦)]، وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين، ولم يقل [أحد من المسلمين] إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما فقال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا).
فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟ لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون: فأحد القولين أن ذلك جائز لا فضيلة فيه، والآخر أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول دلت سنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة وسلف الأمة، فإنه قد ثبت عنه أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وهذه صيغة خبر معناه النهي. ولكن من قال ليست نهيًا
стр. 75
[بل هي نفي للفضيلة] وهذا الاحتمال وإن كان باطلاً فإنما يقدح في رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية [أبي هريرة ومن رواية أبي] سعيد / الخدري. ولفظ حديث أبي سعيد: عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول عليه ما لم أسمع؟ سمعته يقول (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)، وسمعته يقول: (لا تسافر المرأة يومًا من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها). ولفظ أبي سعيد هذا هو الثابت في الصحاح صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال أن السفر إلى غيرها جائز أو غير مكروه فهو مخطىء. والله أعلم.
следующие страницы →