← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قَالَ: إِنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَّا ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، (١) فَإِنَّ النَّافِيَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا عَلَى الْمُثْبِتِ الدَّلِيلُ، (٢) وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى النَّفْيِ. الْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذُكِرَ، بَلْ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ (٣) عَلَى الصِّدْقِ دَلَالَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ، فَإِنَّ اقْتِرَانَ الْمُعْجِزَةِ (٤) بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهَا لِصِدْقِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِمَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ: إِنْ كُنْتَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى هَؤُلَاءِ فَانْقُضْ عَادَتَكَ وَقُمْ وَاقْعُدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَصْدِيقِهِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ (٥) لَوْ لَمْ تَدُلَّ الْمُعْجِزَةُ (٦) عَلَى الصِّدْقِ لَلَزِمَ عَجْزُ الْبَارِئِ عَنْ تَصْدِيقِ رَسُولِهِ، وَالْعَجْزُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى التَّصْدِيقِ إِلَّا بِالْمُعْجِزَةِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمَا، وَالْأُولَى طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْمَعَالِي وَمَنِ اتَّبَعَهُ وَكِلَاهُمَا طَرِيقَةٌ لِلْأَشْعَرِيِّ (٧) وَعَلَى هَذَا فَإِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ (٨) عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ: هَلْ هُوَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ أَمْ لَا؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: إِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَهُ

стр. 1297

اللَّهُ (١) فَهُوَ صَادِقٌ، إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُعْجِزُ (٢) بِمَنْزِلَةِ التَّصْدِيقِ بِالْقَوْلِ، وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ إِنْشَاءِ الرِّسَالَةِ، وَالْإِنْشَاءُ لَا يَحْتَمِلُ (٣) التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: أَرْسَلْتُكَ أَوْ وَكَّلْتُكَ أَوْ نَحْوِ (٤) ذَلِكَ إِنْشَاءٌ، وَإِذَا كَانَتْ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى إِنْشَاءِ الرِّسَالَةِ (٥) لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِغَرَضٍ، ولَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ الْقَبَائِحَ، فَإِنَّ الْإِنْشَاءَ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (٦) وَنَحْوِ ذَلِكَ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَحَالَ أَنْ يَفْعَلَ لِغَرَضٍ اسْتَحَالَ أَنْ يُظْهِرَ الْمُعْجِزَ (٧) لِأَجْلِ التَّصْدِيقِ، يُجِيبُ عَنْهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ بِأَنَّهُ (٨) قَدْ يَفْعَلُ الْمُتَلَازِمَيْنِ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْأَدِلَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِمَدْلُولَاتِهَا، فَيَفْعَلُ (٩) الْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ (١٠) ، وَهُوَ قَدْ أَرَادَ خَلْقَهَا وَأَرَادَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِمَدْلُولِهَا دَالَّةً عَلَيْهِ لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا، كَذَلِكَ خَلَقَ الْمُعْجِزَةَ هُنَا فَأَرَادَ خَلْقَهَا (١١) وَأَرَادَ أَنْ تَكُونَ

стр. 1298

مُسْتَلْزِمَةً لِمَدْلُولِهَا الَّذِي هُوَ صِدْقُ الرَّسُولِ، دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهَا (١) ، وَإِذَا أَرَادَ خَلْقَهَا وَأَرَادَ هَذَا التَّلَازُمَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الصِّدْقِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَ الْمَرَادَيْنِ (٢) لِأَجْلِ الْآخَرِ، إِذِ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِإِرَادَتِهِمَا (٣) جَمِيعًا. فَإِنْ قِيلَ: الْمُعْجِزُ لَا يُدْلِ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ لِلْعِلْمِ (٤) بِأَنَّ فَاعِلَهُ أَرَادَ بِهِ التَّصْدِيقَ. قِيلَ: هَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ. وَنَحْنُ لَيْسَ مَقْصُودُنَا نَصْرَ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةٍ، بَلْ هَذَا الْقَوْلُ مَرْجُوحٌ (٥) عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ (٦) أَنْ نُبَيِّنَ حُجَّةَ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ خَيْرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِذَا كَانَ فَاعِلًا لِلْقَبِيحِ جَازَ أَنْ يُصَدَّقَ الْكَذَّابُ "، هَذِهِ حُجَّةٌ ثَانِيَةٌ (٧) ، وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا هُوَ قَبِيحٌ مِنْهُ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَبِيحٌ (٨) مِنْهُمْ لَا مِنْهُ كَمَا أَنَّهُ ضَارٌّ لَهُمْ (٩) لَا لَهُ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ:

стр. 1299

[إِنَّ] (١) ذَلِكَ الْفِعْلَ مَفْعُولٌ لَهُ وَهُوَ فِعْلٌ لِلْعَبْدِ (٢) ، وَأَمَّا نَفْسُ خَرْقِ الْعَادَةِ فَلَيْسَتْ فِعْلًا لِلْعِبَادِ (٣) حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهَا قَبِيحَةٌ مِنْهُمْ، فَلَوْ قُدِّرَ (٤) فِعْلُ ذَلِكَ لَكَانَ (٥) قَبِيحًا مِنْهُ لَا مِنَ الْعَبْدِ، وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ. فَمَنْ قَالَ: إِذَا خَلَقَ اللَّهُ مَا هُوَ ضَارٌّ لِلْعِبَادِ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ مَا هُوَ ضَارٌّ (٦) كَانَ قَوْلُهُ بَاطِلًا. كَذَلِكَ إِذَا جَازَ أَنْ يَخْلُقَ فِعْلَ الْعَبْدِ [الَّذِي] (٧) هُوَ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ (٨) خَلْقُهُ قَبِيحًا مِنْهُ، لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنْ يَخْلُقَ مَا هُوَ قَبِيحٌ مِنْهُ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ فِيهِ. وَتَصْدِيقُ الْكَذَّابِ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِخْبَارِ (٩) أَنَّهُ صَادِقٌ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (١٠) يَجْرِي مَجْرَى الْقَوْلِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ صِفَةُ نَقْصٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ بِالْعَقْلِ (١١) وَبِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ فِعْلُ قَبِيحٍ، بَلْ كُلُّ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فَهُوَ حَسَنٌ إِذَا فَعَلَهُ، يَقُولُ: إِنَّ مَا يَسْتَلْزِمُ سَلْبَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَإِثْبَاتَ النَّقْصِ لَهُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ: كَالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ صِفَةُ نَقْصٍ

стр. 1300

بِالضَّرُورَةِ، وَالصِّدْقُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَتَصْدِيقُ (١) الْكَذَّابِ (٢) نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ، [كَمَا أَنَّ تَكْذِيبَ الصَّادِقِ نَوْعٌ مِنَ الْكَذِبِ] (٣) ، وَإِذَا كَانَ الْكَذِبُ صِفَةَ نَقْصٍ امْتَنَعَ مِنَ اللَّهِ مَا هُوَ نَقْصٌ. وَهَذَا الْمَقَامُ (٤) لَهُ بَسْطٌ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٥) ، [وَنَحْنُ لَا نَقْصِدُ تَصْوِيبَ قَوْلِ كُلِّ (٦) مَنِ انْتَسَبَ إِلَى السُّنَّةِ بَلْ نُبَيِّنُ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يَتَّفِقُوا قَطُّ عَلَى خَطَأٍ، وَلَمْ تَنْفَرِدِ الشِّيعَةُ عَنْهُمْ قَطُّ (٧) بِصَوَابٍ، بَلْ كُلُّ مَا خَالَفَتْ فِيهِ الشِّيعَةُ جَمِيعَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَالشِّيعَةُ فِيهِ مُخْطِئُونَ، كَمَا أَنَّ مَا خَالَفَتْ فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ فِيهِ ضَالُّونَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يُخْطِئُ. وَمَنْ وَافَقَ (٨) جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِحِكْمَةٍ وَلَا لِسَبَبٍ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ، وَلَا يُحِبُّ بَعْضَ الْأَفْعَالِ وَيُبْغِضُ بَعْضَهَا، فَقَوْلُهُ فَاسِدٌ (٩) مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَعْجَزُونَ عَنْ بَيَانِ امْتِنَاعِ كَثِيرٍ مِنَ النَّقَائِصِ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ تَنْزِيهَهُ عَنِ النَّقْصِ لَا يُعْلَمُ (١٠) بِالْعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ.

стр. 1301

فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ قُلْتُمْ إِنَّ الْكَذِبَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ؟ . قَالُوا: لِأَنَّهُ نَقْصٌ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُحَالٌ. فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ تَنْزِيهَهُ عِنْدَكُمْ عَنِ النَّقْصِ (١) لَمْ يُعْلَمْ إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَنْزِيهِهِ عَنِ الْكَذِبِ، فَإِنْ صَحَّ الِاحْتِجَاجُ عَلَى هَذَا بِالْإِجْمَاعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّطْوِيلِ. وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى، وَهَذَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجُوزُ (٢) أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَلَا يَعْنِيَ بِهِ شَيْئًا. وَقَالَ: خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ: هَلْ (٣) يَجُوزُ أَنْ يُنْزِلَ كَلَامًا لَا يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَعْنَاهُ، لَا أَنَّهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا نِزَاعٌ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا عَبَثٌ، وَالْعَبَثُ (٤) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا الْمُحْتَجُّ يُجَوِّزُ عَلَى اللَّهِ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يُنَزِّهُهُ عَنْ فِعْلٍ، فَهَذَا (٥) وَأَمْثَالُهُ مِنْ تَنَاقُضِ الْمُوَافِقِينَ لِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي الْقَدَرِ كَثِيرٌ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَلَا جُمْهُورِهِمْ] (٦) ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] (٧) .

стр. 1302

[فصل من كلام الرافضي على مقالة أهل السنة في القدر لَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ أَنَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ عَفُوٌّ] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (١) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ أَنَّهُ (٢) . (٣) (٤) ; لِأَنَّ الْوَصْفَ بِهَذِهِ (٥) إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ كَانَ اللَّهُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ فِي حَقِّ الْفُسَّاقِ، بِحَيْثُ إِذَا أَسْقَطَهُ (٦) عَنْهُمْ كَانَ غَفُورًا عَفُوًّا رَحِيمًا (٧) . وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ الْعِقَابُ لَوْ كَانَ الْعِصْيَانُ مِنَ الْعَبْدِ لَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى " (٨) . فَيُقَالُ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:. أَحَدُهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ (٩) : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَصْفَ بِهَذِهِ (١٠) إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا، بَلِ الْوَصْفُ بِهَذِهِ (١١) يَثْبُتُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْعِقَابِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الِاسْتِحْقَاقِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، فَإِذَا (١٢) كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُعَذِّبَ الْعُصَاةَ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، صَحَّ مِنْهُ مَغْفِرَتُهُ وَحِلْمُهُ وَعَفْوُهُ (١٣) .

стр. 1303

الثَّانِي: [أَنْ يُقَالَ] (١) : إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ " يَعْنِي بِهِ أَنَّ عِقَابَهُ لِلْعُصَاةِ عَدْلٌ مِنْهُ، أَوْ يَعْنِي بِهِ (٢) أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ لِلْعُصَاةِ عَدْلٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ عَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ إِحْسَانًا مِنْهُ وَفَضْلًا. وَهَذَا يَقُولُ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا أَفْعَالٌ لَهُمْ مَخْلُوقَةٌ لَهُ (٣) ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا أَفْعَالٌ لَهُ كَسْبٌ لَهُمْ مُتَّفِقُونَ (٤) ، عَلَى أَنَّ الْعِقَابَ عَدْلٌ مِنْهُ، [وَإِنْ عُنِيَ بِهِ كَوْنُهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ] (٥) . الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْعَفْوُ إِمَّا أَنْ يُوصَفَ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْعِقَابُ قَبِيحًا عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُوصَفَ بِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْعِقَابُ سَائِغًا غَيْرَ قَبِيحٍ (٦) . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ غَفَّارًا لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى، لِأَنَّ عِقَابَ هَؤُلَاءِ قَبِيحٌ، وَالْمَغْفِرَةُ لَهُمْ وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ رَحِيمًا بِمَنْ (٧) . يَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ غَفُورًا رَحِيمًا لِمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ. وَلَمَّا كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ (٨) أَنَّهُ غَفَّارٌ لِلتَّائِبِينَ (٩) رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ،

стр. 1304

عُلِمَ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، (١) وَإِنْ كَانَ الْعِقَابُ مِنْهُ مُمْتَنِعًا بِتَقْدِيرِ (٢) أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ (٣) كَمَا فِي مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِمَنْ لَا يَحْسُنُ عِقَابُهُ عِنْدَهُمْ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْعِصْيَانَ مِنَ الْعَبْدِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَاعِلُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبِمَعْنَى أَنَّهُ كَاسِبُهُ لَا فَاعِلُهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ (٤) يَسْتَحِقُّ الْإِنْسَانُ (٥) أَنْ يُعَاقِبَ الظَّالِمَ (٦) أَوْلَى بِذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خَالِقًا لِذَلِكَ فَذَاكَ أَمْرٌ يَعُودُ إِلَيْهِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ لَمْ (٧) يَصْدُرْ إِلَّا لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ مَنْ لَا يُعَلِّلُ بِالْحِكْمَةِ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ: (٨) . [فصل كلام الرافضي عن تكليف ما لا يطاق عند أهل السنة والرد عليه من وجوه] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٩) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ (١٠) تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِلْكَافِرِ (١١) بِالْإِيمَانِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا،

стр. 1305

وَالسَّمْعُ قَدْ مُنِعَ مِنْهُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] ". وَالْجَوَابُ عَنْهُ (١) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ لَهُمْ فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، وَعَلَى هَذَا فَالْكَافِرُ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَانِ أَبَدًا، وَمَا ذَكَرَهُ (٢) وَارِدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوْعَانِ: فَالْقُدْرَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي التَّكْلِيفِ تَكُونُ قَبْلَ الْفِعْلِ وَبِدُونِ الْفِعْلِ، وَقَدْ تَبْقَى (٣) إِلَى حِينِ الْفِعْلِ. وَالْقُدْرَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلْفِعْلِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً عِنْدَ وُجُودِهِ. وَأَصْلُ قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةٍ يَهْتَدُونَ بِهَا (٤) لَمْ يُعْطِهَا الْكَافِرَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا حِينَ الْفِعْلِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ، وَأَنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ سَوَاءٌ، وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ قُدْرَتِهِ (٥) . حَالَ الْفِعْلِ فَإِذَا كَانَ قَادِرًا قَبْلَ الْفِعْلِ وَبَقِيَتِ الْقُدْرَةُ إِلَى حِينِ الْفِعْلِ لَمْ يَنْقُضْ (٦) هَذَا أَصْلَهُمْ، لَكِنَّ مُجَرَّدَ الْقُدْرَةِ الصَّالِحَةِ لِلضِّدَّيْنِ (٧) يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، فَلَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِمَّا (٨) يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ

стр. 1306

مُؤْمِنًا، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ إِرَادَتُهُ لِلْإِيمَانِ (١) ، وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ يُدْخِلُونَهَا فِي جُمْلَةِ الْقُدْرَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْفِعْلِ، وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، وَقَدْ بُيِّنَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا (٢) الْمَوْضِعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَحِينَئِذٍ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَافِرَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَانِ يُبْطِلُ هَذَا الْإِيرَادَ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ (٣) فَإِنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَهُ، وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ هُوَ الصَّوَابُ فَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ (٤) وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. الْوَجْهُ الثَّانِي (٥) : أَنْ يُقَالَ: تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: (٦) مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، كَتَكْلِيفِ الزَّمَنِ الْمَشْيَ وَتَكْلِيفِ الْإِنْسَانِ الطَّيَرَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٧) فَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ عِنْدَ [جَمَاهِيرِ] (٨) أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ: وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَا يَقْتَضِي لُزُومَ (٩) وُقُوعِ هَذَا. وَالثَّانِي: مَا لَا يُطَاقُ لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ، كَاشْتِغَالِ الْكَافِرِ بِالْكُفْرِ (١٠) ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي صَدَّهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَكَالْقَاعِدِ فِي حَالِ قُعُودِهِ، فَإِنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْقُعُودِ (١١)

стр. 1307

يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا. وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ لِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ تُنَافِي إِرَادَةَ الضِّدِّ (١) الْآخَرِ، وَتَكْلِيفُ الْكَافِرِ الْإِيمَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِقَبِيحٍ عَقْلًا [عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ] (٢) ، بَلِ الْعُقَلَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَمْرِ الْإِنْسَانِ وَنَهْيِهِ بِمَا (٣) لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِاشْتِغَالِهِ بِضِدِّهِ، إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الضِّدَّ (٤) وَيَفْعَلَ الضِّدَّ الْمَأْمُورَ بِهِ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ هَلْ يُسَمَّى هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لِكَوْنِهِ تَكْلِيفًا بِمَا (٥) انْتَفَتْ فِيهِ الْقُدْرَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ، فَمِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مَنْ يُدْخِلُ هَذَا فِي تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، كَمَا يَقُولُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، وَيَقُولُونَ: مَا لَا يُطَاقُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مِنْهُ مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، وَمَا لَا يُطَاقُ (٦) لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا لَا يَدْخُلُ فِيمَا لَا يُطَاقُ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمُسْتَطِيعِ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ إِذَا لَمْ يَحُجَّ إِنَّهُ كُلِّفَ بِمَا لَا يُطِيقُ (٧) ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أُمِرَ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَتَرَكَ ذَلِكَ كَسَلًا أَنَّهُ كُلِّفَ (٨) مَا لَا يُطِيقُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: ١٠١] لَمْ يَرِدْ

стр. 1308

بِهِ هَذَا، فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ قَبْلَ الْفِعْلِ لَيْسَ مَعَهُمُ الْقُدْرَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ، فَلَا يُخْتَصُّ بِذَلِكَ الْعُصَاةُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ سَمَاعَ الْحَقِّ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لَا تَسْتَطِيعُ أَنْفُسُهُمْ [مَعَهَا] سَمَاعَهُ (١) . لِبُغْضِهِمْ لِذَلِكَ (٢) لَا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الْحَاسِدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمَحْسُودِ لِبُغْضِهِ لَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ (٣) . وَعَدَمُ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا يَمْنَعُ (٤) الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ بِمَا يَكْرَهُهُ، وَيَنْهَاهُ عَمَّا يُحِبُّهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢١٦] ، وَقَالَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: ٤٠] ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَهُ (٥) ، وَعَلَى تَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يَكُونَ (٦) الْعَبْدُ مُرِيدًا لَهُ، وَلَا مِنْ شَرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَارِهًا لَهُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ (٧) ، وَالْمَشْرُوطُ فِي التَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ لَا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لَهُ، لَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُرِيدًا لَهُ، فَالْإِرَادَةُ (٨) شَرْطٌ فِي وُجُودِهِ لَا فِي وُجُوبِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: (٩) أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِذَا فُسِّرَ بِأَنَّهُ الْفِعْلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ

стр. 1309

قُدْرَةٌ عَلَيْهِ تُقَارِنُ مَقْدُورَهَا كَانَ دَعْوَى (١) امْتِنَاعِهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ مَوْرِدَ النِّزَاعِ فَيَحْتَاجُ نَفْيُهُ إِلَى دَلِيلٍ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ (٢) : أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلْقَدَرِ (٣) مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ، بَلْ مِنْ غَالِيَّتِهِمْ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ، كَتَكْلِيفِ أَبِي لَهَبٍ الْإِيمَانَ مَعَ تَكْلِيفِ تَصْدِيقِ خَبَرِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا لَكِنَّ (٤) هَذَا الْقَدَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ ذَلِكَ وَلَا عَلَى جَوَابِ مُعَارَضَتِهِ، بَلِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَهُوَ قَبِيحٌ عَقْلًا. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي تَحْسِينٍ وَلَا تَقْبِيحٍ، فَإِنْ لَمْ يُكْمِلِ الْبَحْثَ فِي هَذِهِ اللَّوَازِمِ (٥) لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لِلْقَدَرِ، أَوْ عَلَى الْمُثْبِتِينَ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ [﵄] . ﵄: (٦) [فصل كلام الرافضي على الأفعال الاختيارية عند أهل السنة والرد عليه] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٧) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُنَا (٨)

стр. 1310

الِاخْتِيَارِيَّةُ [الْوَاقِعَةُ] (١) بِحَسَبِ قُصُودِنَا (٢) وَدَوَاعِينَا، مِثْلَ حَرَكَتِنَا يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَحَرَكَةَ الْبَطْشِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ (٣) فِي الصَّنَائِعِ الْمَطْلُوبَةِ لَنَا، كَالْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ مِثْلَ حَرَكَةِ النَّبْضِ وَحَرَكَةِ الْوَاقِعِ مِنْ شَاهِقٍ (٤) بِإِيقَاعِ غَيْرِهِ، لَكِنَّ الضَّرُورَةَ قَاضِيَةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَحْكُمُ بِأَنَّا [قَادِرُونَ عَلَى الْحَرَكَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ] (٥) وَغَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى الْحَرَكَةِ إِلَى السَّمَاءِ [مِنَ الطَّيَرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ] (٦) . قَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ: حِمَارُ بِشْرٍ أَعْقَلُ مِنْ بِشْرٍ ; لِأَنَّ حِمَارَ بِشْرٍ لَوْ أَتَيْتَ بِهِ إِلَى جَدْوَلٍ صَغِيرٍ وَضَرَبْتَهُ لِلْعُبُورِ (٧) فَإِنَّهُ يَطْفِرُهُ (٨) وَلَوْ أَتَيْتَ بِهِ إِلَى جَدْوَلٍ كَبِيرٍ لَمْ يَطْفِرْهُ (٩) ; لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ (١٠) بَيْنَ مَا يَقْدِرُ عَلَى طَفْرِهِ (١١) وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (١٢) وَبِشْرٌ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ الْمَقْدُورِ [عَلَيْهِ] (١٣)

стр. 1311

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُ إِمَامٍ مَعْرُوفٍ وَلَا طَائِفَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ (١) ، بَلْ وَلَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، إِلَّا مَا يُحْكَى (٢) عَنِ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَغُلَاةِ الْمُثْبِتَةِ أَنَّهُمْ سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ، وَقَالُوا: إِنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَةِ الْأَشْجَارِ بِالرِّيَاحِ، إِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُمْ (٣) . وَأَشَدُّ الطَّوَائِفِ قُرْبًا مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ (٤) أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُثْبِتُ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُحْدَثَةً وَاخْتِيَارًا، وَيَقُولُ إِنَّ الْفِعْلَ كَسْبٌ لِلْعَبْدِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ: لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي إِيجَادِ الْمَقْدُورِ. فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْكَسْبَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْأَشْعَرِيُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً (٥) ، وَلَهُ قُدْرَةٌ وَاخْتِيَارٌ، وَقُدْرَتُهُ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَقْدُورِهَا، كَمَا تُؤَثِّرُ الْقُوَى وَالطَّبَائِعُ (٦) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ.

стр. 1312

فَمَا ذَكَرَهُ لَا يَلْزَمُ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ الْخَطَأَ، لَكِنْ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى خَطَأٍ، كَمَا تَتَّفِقُ الْإِمَامِيَّةُ عَلَى خَطَأٍ، بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ خَالَفَتْ فِيهَا الْإِمَامِيَّةُ أَهْلَ (١) السُّنَّةِ فَالصَّوَابُ فِيهَا مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا مَا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَتَنَازَعَتْ فِيهِ الْإِمَامِيَّةُ، فَذَاكَ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا بِالْإِمَامِيَّةِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ وَفِعْلٌ، وَهُوَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٢٨] ، وَقَالَ [تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ] (٢) : ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: ٤٠] ، وَقَالَ [تَعَالَى] (٣) : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ٢٤] (٤) وَقَالَ [تَعَالَى] (٥) : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: ٧٣] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سُورَةُ الْمَعَارِجِ: ١٩، ٢١] فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا، وَالْمُقِيمَ لِلصَّلَاةِ مُقِيمَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمَامَ الْهَادِي إِمَامًا هَادِيًا.

стр. 1313

وَقَالَ عَنِ الْمَسِيحِ [ ﷺ ] (١) : ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٣١، ٣٢] ، فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ بَرًّا بِوَالِدَتِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ جَبَّارًا شَقِيًّا. وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ اللَّهَ [ ] (٢) خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَقَالَ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: ٤١] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (٣) : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: ٢٨، ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: ٢٩، ٣٠] ، وَقَوْلُهُ (٤) : ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ - فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: ٥٤، ٥٥] فَأَثْبَتَ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ [تَعَالَى] (٥) . (٦) . وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ (٧) . وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْعِبَادَ يَفْعَلُونَ وَيَصْنَعُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيُؤْمِنُونَ وَيَكْفُرُونَ

стр. 1314

وَيَتَّقُونَ وَيَفْسُقُونَ وَيَصْدُقُونَ وَيَكْذِبُونَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ (١) ، وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمُ اسْتِطَاعَةً وَقُوَّةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَأَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ (٢) هَذَا كُلِّهِ. وَالْخَلْقُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَوْنِ أَفْعَالِ (٣) الْعِبَادِ مَخْلُوقَةً مَفْعُولَةً لِلرَّبِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ (٤) نَفْسُ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ فِعْلٍ يَفْعَلُ فِعْلًا، فَإِنَّهَا فِعْلٌ لِلْعَبْدِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَلَيْسَتْ فِعْلًا لِلرَّبِّ [تَعَالَى] (٥) بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، بَلْ هِيَ مُفَعْوِلَةٌ لَهُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَتَّصِفُ بِمَفْعُولَاتِهِ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الشَّنَاعَاتِ لَزِمَتْ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ فِعْلِ الرَّبِّ وَمَفْعُولِهِ، وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ فِعْلٌ لِلَّهِ (٦) ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْجَهْمُ [بْنُ صَفْوَانَ] (٧) وَمُوَافِقُوهُ، وَالْأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ (٨) وَلِهَذَا ضَاقَ بِهَؤُلَاءِ (٩) الْبَحْثُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَزِمَتْ مَنْ لَا يُثْبِتُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ (١٠) أَسْبَابًا وَقُوًى وَطَبَائِعَ، وَيَقُولُ (١١) : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، فَلَزِمَهُ (١٢) أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ بَيْنَ الْقَادِرِ

стр. 1315

وَالْعَاجِزُ، وَإِنْ أَثْبَتَ قُدْرَةً وَقَالَ إِنَّهَا مُقْتَرِنَةٌ بِالْكَسْبِ، قِيلَ لَهُ (١) : لَمْ تُثْبِتْ فَرْقًا مَعْقُولًا بَيْنَ مَا تُثْبِتُهُ مِنَ الْكَسْبِ وَتَنْفِيهِ مِنَ الْفِعْلِ (٢) ، وَلَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، إِذَا كَانَ مُجَرَّدُ الِاقْتِرَانِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، فَإِنَّ [فِعْلَ] (٣) الْعَبْدِ يُقَارِنُ حَيَاتَهُ وَعِلْمَهُ (٤) وَإِرَادَتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ تَأْثِيرٌ إِلَّا مُجَرَّدَ الِاقْتِرَانِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا. وَكَذَلِكَ [قَوْلُ] (٥) مَنْ قَالَ: إِنَّ (٦) الْقُدْرَةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي صِفَةِ الْفِعْلِ لَا فِي أَصْلِهِ، كَمَا يَقُولُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ أَثْبَتَ تَأْثِيرًا بِدُونِ خَلْقِ الرَّبِّ، لَزِمَ (٧) أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْحَوَادِثِ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ [تَعَالَى] (٨) ، وَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِخَلْقِ الرَّبِّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالصِّفَةِ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ أَهْلِ (٩) السُّنَّةِ وَجُمْهُورِهِمْ فَيَقُولُونَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: ٥٧] (١٠) ، وَقَالَ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٦٤] ، وَقَالَ:

стр. 1316

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٦] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَحْدُثُ (١) الْحَوَادِثَ بِالْأَسْبَابِ. وَكَذَلِكَ [دَلَّ] الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ (٢) الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سُورَةُ التَّغَابُنِ: ١٦] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: ١٥] ، وَقَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: ٥٤] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ (٣) يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ " فَقَالَ: أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا (٤) أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتُ عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ: " بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا " فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ» (٥) . وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِهِ. وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً (٦) وَيَقُولُونَ: إِنَّ تَأْثِيرَهَا فِي مَقْدُورِهَا كَتَأْثِيرِ

стр. 1317

[سَائِرِ] الْأَسْبَابِ فِي مُسَبِّبَاتِهَا (١) . وَالسَّبَبُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِالْمُسَبِّبِ (٢) بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى مَا يُعَاوِنُهُ، فَكَذَلِكَ (٣) قُدْرَةُ الْعَبْدِ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِالْمَقْدُورِ. وَأَيْضًا فَالسَّبَبُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ وَيَعُوقُهُ، وَكَذَلِكَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ (٤) وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ السَّبَبِ وَمَا يُعِينُهُ وَصَارِفٌ عَنْهُ مَا يُعَارِضُهُ وَيَعُوقُهُ، وَكَذَلِكَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ (٥) وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ مِنَ الْفَرْقِ الضَّرُورِيِّ (٦) بَيْنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بِحَسَبِ قُصُودِنَا (٧) وَدَوَاعِينَا وَبَيْنَ الْأَفْعَالِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، مِثْلَ حَرَكَةِ النَّبْضِ وَحَرَكَةِ الْوَاقِعِ مِنْ شَاهِقٍ بِإِيقَاعِ غَيْرِهِ حَقٌّ (٨) يَقُولُهُ [جَمِيعُ] (٩) أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَمَاعَةِ أَتْبَاعِهِمْ، لَمْ يُنَازِعْ (١٠) فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ (١١) لِسَانُ صِدْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَالْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (١٢) وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ وَخُلَفَاءُ الْمُرْسَلِينَ (١٣) .

стр. 1318

وَإِذَا كَانَ فِي الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مِنْ يَلْزَمُهُ بُطْلَانُ (١) الْفَرْقِ كَانَ قَوْلُهُ بَاطِلًا، وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُ (٢) نُفَاةِ الْقَدَرِ أَبْطَلُ مِنْهُ، فَهَذَا (٣) الْقَدَرِيُّ رَدَّ بَاطِلًا بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ (٤) لَا يُوَافِقُونَهُ لَا عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا، لَكِنْ يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ أَبْطَلُ (٥) . وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَادِثَةٌ كَائِنَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْحَوَادِثِ، وَهِيَ مُمْكِنَةٌ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُمْكِنَاتِ فَمَا مِنْ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْحَوَادِثِ وَالْمُمْكِنَاتِ (٦) مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ إِلَّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ تَامٍّ، فَإِذَا كَانَ فِعْلُ الْعَبْدِ (٧) حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ (٨) فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ (٩) وَإِذَا قِيلَ (١٠) : الْمُحْدِثُ هُوَ الْعَبْدُ، فَيَكُونُ الْعَبْدُ صَارَ مُحْدِثًا لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، هُوَ أَيْضًا أَمْرٌ حَادِثٌ (١١) فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، إِذْ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ

стр. 1319

لَمْ يَزَلْ مُحْدِثًا لَهُ لَزِمَ دَوَامُ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْحَادِثِ، وَإِذَا كَانَ إِحْدَاثُهُ (١) لَهُ حَادِثًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ. وَإِذَا قِيلَ: الْمُحْدِثُ إِرَادَةُ الْعَبْدِ. قِيلَ: فَإِرَادَتُهُ أَيْضًا حَادِثَةٌ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ. وَإِنْ قِيلَ: حَدَثَتْ (٢) بِإِرَادَةٍ مِنَ الْعَبْدِ (٣) . قِيلَ: تِلْكَ الْإِرَادَةُ (* أَيْضًا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ، فَأَيُّ مُحْدِثٍ فَرَضْتَهُ فِي الْعَبْدِ (٤) إِنْ كَانَ حَادِثًا فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَادِثِ الْأَوَّلِ *) (٥) ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا، لِأَنَّ مَا يَقُومُ بِالْعَبْدِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا. وَإِنْ قُلْتَ: هُوَ وَصْفٌ لِلْعَبْدِ (٦) وَهِيَ قُدْرَتُهُ الْمَخْلُوقَةُ فِيهِ مَثَلًا، لَمْ يَنْفَعْكَ (٧) هَذَا لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: فَإِذَا كَانَتْ (٨) . [هَذِهِ] (٩) الْقُدْرَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَحِينَ حُدُوثِهِ، فَلَا بُدَّ (١٠) مِنْ سَبَبٍ آخَرَ حَادِثٍ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا (١١) ، وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (١٢) بِلَا مُرَجِّحٍ، وَحُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ (١٣) حَالُ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ

стр. 1320

يَفْعَلُ وَحَالُهُ حِينَ الْفِعْلِ سَوَاءً لَا مَزِيَّةَ (١) لِأَحَدِ الْحَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ (٢) ، وَكَانَ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْحَالِ بِكَوْنِهِ فَاعِلًا فِيهَا دُونَ الْأُخْرَى تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ (٣) بِدُونِ (٤) مُرَجِّحٍ. وَهَكَذَا إِذَا قِيلَ: فِعْلُهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، وَالْمُمْكِنُ لَا يَتَرَجَّحُ وَجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ تَامٍّ، وَالْمُرَجِّحُ إِذَا (٥) . كَانَ مِنَ الْعَبْدِ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْفِعْلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَسْتَلْزِمَ وُجُودُهُ وُجُودَ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَامًّا. وَلِأَجْلِ هَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةٍ دُونَ الْكَافِرِينَ (٦) بِأَنْ هَدَاهُمْ لِلْإِيمَانِ، وَلَوْ كَانَتْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ نِعْمَتِهِ عَلَى الْكَافِرِينَ لَمْ يَكُنِ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ١٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢١٢] ، وَقَالَ تَعَالَى:

стр. 1321

﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٢٥] . وَالْقَدَرِيَّةُ جَعَلُوا نِعْمَتَهُ الدِّينِيَّةَ (١) عَلَى الصِّنْفَيْنِ سَوَاءً، وَقَالُوا: إِنَّ الْعَبْدَ أُعْطِيَ (٢) قُدْرَةً تَصْلُحُ لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ طَرَفَيْ مَقْدُورِهِ (٣) عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجَّحٍ وَادَّعَوْا هَذَا فِي قُدْرَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَةِ الْعَبْدِ. وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى هَذَا فِي قُدْرَةِ الرَّبِّ (٤) كَثِيرٌ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الرَّبَّ لَا يَقُومُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، [بَلْ وَوَافَقَهُمْ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ] (٥) ، وَصَارَ الرَّازِيُّ (٦) وَأَمْثَالُهُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ (٧) بِتِلْكَ الْحُجَّةِ يَتَنَاقَضُونَ، فَإِذَا نَاظَرُوهُمْ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ تَامٍّ، سَوَاءٌ صَدَرَ عَنْ قَادِرٍ مُخْتَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، (٨) تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ لَهُمْ: الْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ حَادِثٍ: (٩) أَجَابُوا بِجَوَابِ (١٠) الْقَدَرِيَّةِ، فَقَالُوا:

стр. 1322

الْقَادِرُ الْمُخْتَارُ يُرَجِّحُ أَحَدَ طَرَفَيْ مَقْدُورِهِ (١) بِلَا مُرَجِّحٍ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ، وَقَدْ يُفَرِّقُونَ (٢) بَيْنَ فِعْلِ الرَّبِّ وَفِعْلِ الْعَبْدِ بِأَنَّ الرَّبَّ يُرَجِّحُ بِمَشِيئَتِهِ (٣) الْقَدِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ إِرَادَتَهُ حَادِثَةٌ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَكِنْ قَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِرَادَةَ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ هِيَ الْمُرَجِّحَةُ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ قَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ نِسْبَتُهَا إِلَى جَمِيعِ مَا يُقَدَّرُ وَقْتًا لِلْحَوَادِثِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، فَتَرَجَّحَ أَحَدُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِذَا قُدِّرَ حَالُ الْفَاعِلِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَحِينَ الْفِعْلِ سَوَاءً، ثُمَّ قُدِّرَ اخْتِصَاصُ أَحَدِ الْحَالَيْنِ بِالْفِعْلِ لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَرِ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ. وَلِهَذَا كَانَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَلَامَهُمْ كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ مُتَرَدِّدِينَ (٤) بَيْنَ عِلَّةِ الدَّهْرِيَّةِ وَقَادِرِ الْقَدَرِيَّةِ وَمُرِيدِ الْكُلَّابِيَّةِ، (٥) لَا يَجْعَلُونَ الرَّبَّ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ (٦) . وَلَمَّا كَانَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ بِهَذِهِ الْحَالِ [لَا يَجْعَلُونَ الرَّبَّ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ بِمَشِيئَتِهِ] (٧) جَعَلَتْ (٨) الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ (٩) هَذَا (١٠) عُمْدَتَهُمْ فِي امْتِنَاعِ حُدُوثِ الْعَالَمِ

стр. 1323

وَوُجُوبِ قِدَمِهِ، وَلَكِنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ (١) عَلَى مَذْهَبِهِمْ، فَإِنَّ غَايَةَ هَذَا أَنْ يَسْتَلْزِمَ دَوَامَ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، لَا يَدُلُّ (٢) عَلَى قِدَمِ الْفَلَكِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ أَعْيَانِ الْعَالَمِ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: هَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ، [وَالتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ] (٣) . وَمُرَادُهُمُ التَّسَلْسُلُ فِي تَمَامِ التَّأْثِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا التَّسَلْسُلُ فِي الْآثَارِ فَهُوَ قَوْلُهُمْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّسَلْسُلَ الْمُمْتَنِعَ (٤) هُنَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ (٥) ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: لَا يَفْعَلُ (٦) هَذَا الْحَادِثَ حَتَّى يَحْدُثَ مَا بِهِ بِهِ: (٧) يَصِيرُ فَاعِلًا لَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَادِثًا مَعَ حُدُوثِهِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَ، صَارَ هَذَا تَسَلْسُلًا فِي تَمَامِ التَّأْثِيرِ (٨) وَإِذَا قِيلَ: لَا يُحْدِثُ شَيْئًا حَتَّى يُحْدِثَ شَيْئًا كَانَ هَذَا دَوْرًا مُمْتَنِعًا، فَهُوَ تَسَلْسُلٌ إِذَا أُطْلِقَ الْكَلَامُ فِي الْحَوَادِثِ، وَدَوْرٌ (٩) إِذَا عُيِّنَ الْحَادِثُ. وَهِيَ (١٠) حُجَّةٌ إِلْزَامِيَّةٌ لِأُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ،

стр. 1324

[وَدَوَامُهَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلَا يَفْعَلَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَهُ] (١) يَسْتَلْزِمُ (٢) التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، أَوِ التَّسَلْسُلِ [الْمُتَّفَقِ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَالدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ] (٣) ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ (٤) وَالتَّسَلْسُلُ الْمُتَّفَقُ عَلَى امْتِنَاعِهِ هُوَ التَّسَلْسُلُ فِي الْمُؤَثِّرَاتِ [وَفِي تَمَامِ التَّأْثِيرِ] (٥) ، فَأَمَّا التَّسَلْسُلُ فِي الْآثَارِ فَهُوَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ. وَأُولَئِكَ يُبْطِلُونَ الْقِسْمَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّفَاوُتُ. وَجَمَاهِيرُ الْفَلَاسِفَةِ مَعَ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ (٦) فَإِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ. وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ: (٧) إِنْ كَانَ التَّسَلْسُلُ [فِي الْآثَارِ] (٨) مُمْتَنِعًا بَطَلَ قَوْلُكُمْ، وَإِذَا بَطَلَ الْقَوْلُ بَطَلَتْ حُجَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ. وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا بَطَلَتْ حُجَّتُكُمْ [لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَاتُهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا بِمَشِيئَتِهِ أَوْ فَعَّالًا بِمَشِيئَتِهِ، فِعْلًا بَعْدَ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِ قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْمَفْعُولَاتِ] (٩) ، فَالْحُجَّةُ بَاطِلَةٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ تَسَلْسُلُ (١٠) الْآثَارِ مُمْكِنًا أَمْكَنَ حُدُوثُ الْأَفْلَاكِ بِأَسْبَابٍ قَبْلَهَا حَادِثَةٍ.

стр. 1325

وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَخْبَرَتْ بِأَنَّ (١) اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَأَنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا عُلِمَ (٢) بِالِاضْطِرَارِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ (٣) ، وَأَدِلَّتُكُمْ لَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ قِدَمَ السَّمَاوَاتِ فَقَوْلُكُمْ بِقِدَمِهَا لَيْسَ فِيهِ (٤) حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلرُّسُلِ بِلَا سَبَبٍ. وَأَيْضًا فَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يُبْطِلُ قَوْلَكُمْ، فَإِنَّ الْأَفْلَاكَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعَالَمِ مُسْتَلْزِمٌ (٥) لِلْحَوَادِثِ، فَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ لَهُ قَدِيمٌ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُوجِبُ مُسْتَلْزِمًا (٦) لِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، إِذْ لَوْ جَازَ تَأَخُّرُ مُوجِبِهِ عَنْهُ [لَمْ تَكُنْ (٧) عِلَّةً تَامَّةً لِاسْتِلْزَامِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ مَعْلُولَهَا وَإِذَا لَمْ تَكُنْ (٨) عِلَّةً تَامَّةً امْتَنَعَ أَنْ يُقَارِنَهُ مُوجِبُهُ لِامْتِنَاعِ قِدَمِ الْمَعْلُولِ بِدُونِ عِلَّةٍ تَامَّةٍ. وَأَيْضًا فَلَوْ جَازَ تَأَخُّرُ مُوجِبِهِ] (٩) مَعَ جَوَازِ مُقَارَنَتِهِ لَهُ فِي الْأَزَلِ لَافْتَقَرَ تَخْصِيصُهُ (١٠) بِأَحَدِهِمَا إِلَى مُرَجِّحٍ غَيْرِ الْمُوجِبِ بِذَاتِهِ (١١) ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُرَجِّحٌ غَيْرُهُ فَامْتَنَعَ

стр. 1326

وُجُودُ الْأَفْلَاكِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ مَشْهُودَةٌ عَيَانًا، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ هَذَا، وَيَقُولُونَ بِأَنَّهَا مَعْلُولٌ عِلَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ مُوجِبُهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَصْلُ قَوْلِهِمْ، قِيلَ لَهُمْ: فَمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْحَوَادِثَ تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (١) ، وَمَا يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا لَا تَكُونُ أَجْزَاؤُهُ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً، فَلَا تَكُونُ صَادِرَةً عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ، [فَامْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْحَوَادِثُ صَادِرَةً عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ] (٢) ، وَامْتَنَعَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ بِدُونِ الْحَوَادِثِ اللَّازِمَةِ لَهُ ; لِأَنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْفَلَكُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ خَالِيًا عَنِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ ثُمَّ حَدَّثَتْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ حِينَئِذٍ: فَلَا بُدَّ (٣) لِتِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ سَبَبٍ، فَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ جَازَ أَنْ يَحْدُثَ بِدُونِ سَبَبٍ حَادِثٍ، أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي الْفَلَكِ، وَبَطَلَتْ حُجَّتُهُمْ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَبَبٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَدَوَامُ الْحَوَادِثِ، وَأَنَّ الْفَلَكَ وَكُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ لَمْ يَزَلْ مُقَارِنًا لِلْحَوَادِثِ (٤) ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ قَارَنَ الْحَوَادِثَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا.

стр. 1327

وَالنَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا فِيمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ، وَهُوَ مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ (١) وَمَا لَا بُدَّ أَنْ تُقَارِنَهُ الْحَوَادِثُ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا أَوْ لَا يَجِبُ حُدُوثُهُ بَلْ يَجُوزُ قِدَمُهُ، سَوَاءً كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ، أَوْ كَانَ مُمْكِنًا، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ الْغَنِيِّ عَمَّا سِوَاهُ وَبَيْنَ الْمُمْكِنِ الْفَقِيرِ (٢) إِلَى غَيْرِهِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ بِامْتِنَاعِ دَوَامِ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ (٣) وَامْتِنَاعِ فِعْلِ الرَّبُّ وَتَكَلُّمِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ (٤) فِي الْأَزَلِ وَأَنَّ (٥) ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَهَؤُلَاءِ مُتَنَازِعُونَ فِي إِمْكَانِ (٦) دَوَامِ فَاعِلِيَّتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَ [الْقَوْلُ] الثَّانِي (٧) : قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ مَا سِوَى اللَّهِ: إِمَّا الْأَفْلَاكُ وَإِمَّا الْعُقُولُ وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُونَ الرَّبَّ [سُبْحَانَهُ] (٨) مُوجِبًا بِذَاتِهِ، لَا يُمْكِنُهُ إِحْدَاثَ شَيْءٍ وَلَا تَغْيِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَوَادِثَ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ، بَلْ [صَدَرَتْ] وَحَدَثَتْ (٩) بِلَا مُحْدِثٍ. وَ [الْقَوْلُ] الثَّالِثُ: (١٠) قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ

стр. 1328

كُلِّ شَيْءٍ، وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، مَعَ دَوَامِ قَادِرِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ فَاعِلًا أَفْعَالًا تَقُومُ بِنَفْسِهِ (١) . وَأَقْوَالُ أَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ (٢) وَأَسَاطِينِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَرِسْطُو تُوَافِقُ (٣) قَوْلَ هَؤُلَاءِ، بِخِلَافِ أَرِسْطُو (٤) وَأَتْبَاعِهِ الَّذِينَ قَالُوا بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ (٥) ، فَإِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ (٦) . وَأَيْضًا فَإِنَّ كَوْنَ الْمَفْعُولِ الْمُعَيَّنِ لَازِمًا لِلْفِعْلِ قَدِيمًا بِقِدَمِهِ دَائِمًا بِدَوَامِهِ (٧) مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْفَاعِلَ غَيْرُ مُخْتَارٍ فَكَيْفَ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؟ .

стр. 1329

وَمَا (١) يَذْكُرُونَهُ مِنْ تَقَدُّمِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ بِالذَّاتِ دُونَ الزَّمَانِ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُوجَدُ (٢) إِلَّا فِيمَا يَكُونُ شَرْطًا، فَإِنَّ الشَّرْطَ قَدْ يُقَارِنُ الْمَشْرُوطَ، أَمَّا الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ فِعْلُ فَاعِلٍ لِلْمَعْلُولِ فَهَذِهِ لَا يُعْقَلُ (٣) فِيهَا مُقَارَنَتُهَا لِلْمَعْلُولِ فِي الزَّمَانِ. وَهُمْ يُمَثِّلُونَ تَقَدُّمَ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ بِالذَّاتِ دُونَ الزَّمَانِ بِتَقَدُّمِ حَرَكَةِ الْيَدِ عَلَى حَرَكَةِ الْخَاتَمِ، وَتَقَدُّمِ الْحَرَكَةِ عَلَى الصَّوْتِ (٤) وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ مَا يُمَثِّلُونَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَا فَاعِلًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا بِالزَّمَانِ، وَأَمَّا فَاعِلٌ غَيْرُ مُتَقَدِّمٍ فَلَا يُعْقَلُ قَطُّ (٥) . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ [هَذِهِ] (٦) الْأُمُورِ، فَإِنَّهَا أَضَلُّ مَقَالَاتِ (٧) أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا (٨) . وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَصْلِ الْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَيَوَانِ تَحْدُثُ بِلَا فَاعِلٍ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ (٩) أَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ وَجَمِيعِ الْحَوَادِثِ تَحْدُثُ (١٠) بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَافَقَ

стр. 1330

الْقَدَرِيَّةَ (١) مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَا تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ، وَقَالُوا (٢) : إِنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ، كَمَا تَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ (٣) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي فِعْلِ الرَّبِّ (٤) مَا لَزِمَ الْقَدَرِيَّةَ. وَلِهَذَا عَامَّةُ شَنَاعَاتِ هَذَا الرَّافِضِيِّ (٥) هِيَ (٦) عَلَى هَؤُلَاءِ. وَهَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ طَوَائِفِ (٧) الْمُثْبِتِينَ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ (٨) ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ الزَّيْدِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ (٩) أَقَلُّ خَطَأً (١٠) مِنْ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ، بَلْ أَصْلُ خَطَئِهِمْ (١١) مُوَافَقَتُهُمْ لِلْقَدَرِيَّةِ فِي بَعْضِ خَطَئِهِمْ (١٢) ، وَأَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يَقُولُونَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ (١٣) ، وَكَذَلِكَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ لَا يُقِرُّونَ (١٤) بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْخَطَأِ (١٥) ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَعَلَى أَنَّ الْعَبْدَ قَادِرٌ مُخْتَارٌ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ (١٦) ، وَاللَّهُ خَالِقُ ذَلِكَ

стр. 1331

كُلِّهِ، وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالِاضْطِرَارِيَّةِ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْأَفْعَالِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] (١) مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَيُثْبِتُونَ عِلْمَهُ الْمُحِيطَ، وَمَشِيئَتَهُ النَّافِذَةَ، وَقُدْرَتَهُ الْكَامِلَةَ، وَخَلْقَهُ لِكُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى فَهْمِ قَوْلِهِمْ، عَلِمَ أَنَّهُمْ جَمَعُوا مَحَاسِنَ الْأَقْوَالِ، وَأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ بِغَايَةِ الْكَمَالِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَمْسِكُونَ (٢) بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْقَوْلُ السَّدِيدُ السَّلِيمُ مِنَ التَّنَاقُضِ (٣) الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ (٤) وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ. [فصل من كلام الرافضي على مقالة أهل السنة في القدر أنه لا فرق بين الإحسان والإساءة لأنهما صادران من الله والرد عليه] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٥) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى (٦) عِنْدَنَا فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا غَايَةَ الْإِحْسَانِ طُولَ عُمُرِهِ، و [بَيْنَ] مَنْ أَسَاءَ (٧) إِلَيْنَا غَايَةَ الْإِسَاءَةِ طُولَ عُمُرِهِ، وَلَمْ يَحْسُنْ مِنَّا

стр. 1332

شُكْرُ الْأَوَّلِ وَذَمُّ الثَّانِي، لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ صَادِرَانِ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] عِنْدَهُمْ (١) ". فَيُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ اشْتِرَاكَ الْفِعْلَيْنِ فِي كَوْنِ الرَّبِّ خَلَقَهُمَا لَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ (٢) أَنَّ الْأُمُورَ الْمُخْتَلِفَةَ تَشْتَرِكُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ (٣) لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا سِوَى اللَّهِ مُشْتَرِكٌ (٤) فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ، وَأَنَّهُ رَبُّهُ وَمَلِيكُهُ. ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ (٥) أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ بَيْنَهَا مِنَ الِافْتِرَاقِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا الْخَلَّاقُ، فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، [وَقَالَ] (٦) : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: ١٩، ٢٠] وَاللَّهُ خَالِقُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَا تَسْتَوِي الْجَنَّةُ وَ [لَا] النَّارُ (٧) ، (٨ وَاللَّهُ خَالِقُ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَلَا يَسْتَوِي الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٨ - ٨) (٨) ٨) ، وَاللَّهُ خَالِقُ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ وَلَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَاللَّهُ خَالِقُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَالْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ خَالِقُ مَا يَنْفَعُ وَمَا يَضُرُّ، وَمَا يُوجِبُ اللَّذَّةَ وَمَا يُوجِبُ الْأَلَمَ، وَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقُ الْأَطْعِمَةِ

стр. 1333

الطَّيِّبَةِ وَالْخَبِيثَةِ، ثُمَّ إِنَّ الطَّيِّبَ يُحَبُّ وَيُشْتَهَى، وَيُمْدَحُ وَيُبْتَغَى، وَالْخَبِيثُ يُذَمُّ وَيُبْغَضُ (١) وَيُجْتَنَبُ، وَاللَّهُ خَالِقُ هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ (٢) ، وَخَالِقُ [الشَّيَاطِينِ وَ] الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَغَيْرِهَا (٣) مِنَ الْفَوَاسِقِ، فَهَذَا (٤) مَحْمُودٌ مُعْظَمٌ، وَهَذَا فَاسِقٌ يُقْتَلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَهُوَ خَالِقٌ (٥) فِي هَذَا طَبِيعَةً كَرِيمَةً تَقْتَضِي الْخَيْرَ وَالْإِحْسَانَ، وَفِي هَذَا طَبِيعَةً خَبِيثَةً تُوجِبُ الشَّرَّ وَالْعُدْوَانَ، مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٦) . وَإِذَا (٧) كَانَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مُتَطَابِقَيْنِ عَلَى أَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلنَّاسِ وَمَصْلَحَةً لَهُمْ يُحَبُّ وَيُمْدَحُ [وَيُطْلَبُ] (٨) ، وَإِنْ كَانَ جَمَادًا أَوْ حَيَوَانًا بَهِيمِيًّا (٩) ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَنْ جَعَلَهُ مُحْسِنًا لِلنَّاسِ يُحَصِّلُ لَهُمْ بِهِ مَنَافِعَ وَمَصَالِحَ أَحَقَّ بِأَنْ يُحَبَّ وَيُمْدَحَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الشَّرِّ. وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مَحْمُودًا وَمَشْكُورًا عَلَى إِحْسَانِهِ، وَمَذْمُومًا عَلَى إِسَاءَتِهِ، إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ مُحْسِنًا إِلَيْنَا وَلَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا إِذَا فَعَلَ الْخَيْرَ، وَلَا ابْتَلَانَا بِهِ إِذَا فَعَلَ الشَّرَّ، وَهَذَا حَقِيقَةُ مَا قَالَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ الْقَدَرِيُّ (١٠) .

стр. 1334

وَمَعْلُومٌ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ شَرْعًا وَعَقْلًا، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ حَيْثُ يُشْكَرُ الْعَبْدُ لَا يُشْكَرُ الرَّبُّ وَحَيْثُ يُشْكَرُ الرَّبُّ لَا يُشْكَرُ الْعَبْدُ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ (١) لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَلَيْنَا مِنَّةٌ فِي تَعْلِيمِ الرَّسُولِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَيْنَا رِسَالَاتِ (٢) رَبِّهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ يَكُونُ إِرْسَالُ اللَّهِ [لَهُ] (٣) مِنْ جِنْسِ إِرْسَالِ مَخْلُوقٍ إِلَى مَخْلُوقٍ (٤) ، فَذَاكَ تَفَضَّلَ بِنَفْسِ الْإِرْسَالِ لَا بِأَنْ جَعَلَ الرُّسُلَ تَتْلُوا وَتُعَلِّمُ وَتُزَكِّي، بَلْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُنْتَسِبَةٌ (٥) عِنْدَهُمْ فِيهَا لِلرَّسُولِ (٦) الَّذِي خَلَقَهَا [عِنْدَهُمْ] دُونَ الْمُرْسِلِ الَّذِي (٧) لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا مِنْهَا. وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ الرَّسُولُ نَطَقَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُنْطِقْهُ اللَّهُ وَلَا أَنْطَقَ اللَّهُ شَيْئًا، بَلْ جَعَلَ فِيهِ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يَنْطِقَ وَأَنْ لَا يَنْطِقَ، وَهُوَ يُحْدِثُ أَحَدَهُمَا مَعَ اسْتِوَاءِ الْحَالِ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ وَبَعْدَهُ، بِدُونِ مَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَى إِحْدَاثِ النُّطْقِ وَتَيْسِيرِهِ لَهُ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ لَا يَكُونُ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ،

стр. 1335

وَتَعْلِيمِ الْعُلَمَاءِ لَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَدْلِ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَكُونُ اللَّهُ مُبْتَلِيًا لَهُمْ إِذَا ظَلَمَهُمْ وُلَاةُ [الْأُمُورِ] (١) . وَفِي الْأَثَرِ [الْمَعْرُوفِ] (٢) : " «يَقُولُ اللَّهُ [ ] (٣) : " أَنَا اللَّهُ (٤) مَالِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي، مَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً، فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَأَطِيعُونِي أَعْطِفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ» (٥) . وَعِنْدَ الْقَدَرِيِّ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُلُوكَ لَا (٦) عَادِلِينَ وَلَا جَائِرِينَ، وَلَا مُحْسِنِينَ وَلَا مُسِيئِينَ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدًا مُحْسِنًا إِلَى أَحَدٍ، وَلَا مُسِيئًا إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ [يُنْعِمَ] (٧) عَلَى أَحَدٍ بِمَنْ (٨) يُحْسِنُ إِلَيْهِ وَيُكْرِمُهُ، وَلَا يَقْدِرُ [عَلَى] (٩) أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَنْ يُعَذِّبُهُ وَيُهِينُهُ ". وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ لَمْ يَبْعَثِ (اللَّهُ) عِبَادًا لَهُ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَلَا جَعَلَهُمْ فَاعِلِينَ، بَلْ أَعْطَاهُمْ قُدْرَةً، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ يُرْسِلِ الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (١٠) .
следующие страницы →