← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

كُلِّهِ، وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالِاضْطِرَارِيَّةِ، وَعَلَى أَنَّ الرَّبَّ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْأَفْعَالِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] (١) مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَيُثْبِتُونَ عِلْمَهُ الْمُحِيطَ، وَمَشِيئَتَهُ النَّافِذَةَ، وَقُدْرَتَهُ الْكَامِلَةَ، وَخَلْقَهُ لِكُلِّ شَيْءٍ. وَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى فَهْمِ قَوْلِهِمْ، عَلِمَ أَنَّهُمْ جَمَعُوا مَحَاسِنَ الْأَقْوَالِ، وَأَنَّهُمْ وَصَفُوا اللَّهَ بِغَايَةِ الْكَمَالِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَمْسِكُونَ (٢) بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ هُوَ الْقَوْلُ السَّدِيدُ السَّلِيمُ مِنَ التَّنَاقُضِ (٣) الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ (٤) وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ. [فصل من كلام الرافضي على مقالة أهل السنة في القدر أنه لا فرق بين الإحسان والإساءة لأنهما صادران من الله والرد عليه] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٥) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى (٦) عِنْدَنَا فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا غَايَةَ الْإِحْسَانِ طُولَ عُمُرِهِ، و [بَيْنَ] مَنْ أَسَاءَ (٧) إِلَيْنَا غَايَةَ الْإِسَاءَةِ طُولَ عُمُرِهِ، وَلَمْ يَحْسُنْ مِنَّا

стр. 1332

شُكْرُ الْأَوَّلِ وَذَمُّ الثَّانِي، لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ صَادِرَانِ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] عِنْدَهُمْ (١) ". فَيُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ اشْتِرَاكَ الْفِعْلَيْنِ فِي كَوْنِ الرَّبِّ خَلَقَهُمَا لَا يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ (٢) أَنَّ الْأُمُورَ الْمُخْتَلِفَةَ تَشْتَرِكُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ (٣) لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا سِوَى اللَّهِ مُشْتَرِكٌ (٤) فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ، وَأَنَّهُ رَبُّهُ وَمَلِيكُهُ. ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ (٥) أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ بَيْنَهَا مِنَ الِافْتِرَاقِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا الْخَلَّاقُ، فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، [وَقَالَ] (٦) : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: ١٩، ٢٠] وَاللَّهُ خَالِقُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلَا تَسْتَوِي الْجَنَّةُ وَ [لَا] النَّارُ (٧) ، (٨ وَاللَّهُ خَالِقُ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَلَا يَسْتَوِي الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٨ - ٨) (٨) ٨) ، وَاللَّهُ خَالِقُ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ وَلَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَاللَّهُ خَالِقُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَالْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ خَالِقُ مَا يَنْفَعُ وَمَا يَضُرُّ، وَمَا يُوجِبُ اللَّذَّةَ وَمَا يُوجِبُ الْأَلَمَ، وَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقُ الْأَطْعِمَةِ

стр. 1333

الطَّيِّبَةِ وَالْخَبِيثَةِ، ثُمَّ إِنَّ الطَّيِّبَ يُحَبُّ وَيُشْتَهَى، وَيُمْدَحُ وَيُبْتَغَى، وَالْخَبِيثُ يُذَمُّ وَيُبْغَضُ (١) وَيُجْتَنَبُ، وَاللَّهُ خَالِقُ هَذَا وَهَذَا، وَاللَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ (٢) ، وَخَالِقُ [الشَّيَاطِينِ وَ] الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَغَيْرِهَا (٣) مِنَ الْفَوَاسِقِ، فَهَذَا (٤) مَحْمُودٌ مُعْظَمٌ، وَهَذَا فَاسِقٌ يُقْتَلُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَهُوَ خَالِقٌ (٥) فِي هَذَا طَبِيعَةً كَرِيمَةً تَقْتَضِي الْخَيْرَ وَالْإِحْسَانَ، وَفِي هَذَا طَبِيعَةً خَبِيثَةً تُوجِبُ الشَّرَّ وَالْعُدْوَانَ، مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٦) . وَإِذَا (٧) كَانَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مُتَطَابِقَيْنِ عَلَى أَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلنَّاسِ وَمَصْلَحَةً لَهُمْ يُحَبُّ وَيُمْدَحُ [وَيُطْلَبُ] (٨) ، وَإِنْ كَانَ جَمَادًا أَوْ حَيَوَانًا بَهِيمِيًّا (٩) ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَنْ جَعَلَهُ مُحْسِنًا لِلنَّاسِ يُحَصِّلُ لَهُمْ بِهِ مَنَافِعَ وَمَصَالِحَ أَحَقَّ بِأَنْ يُحَبَّ وَيُمْدَحَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الشَّرِّ. وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مَحْمُودًا وَمَشْكُورًا عَلَى إِحْسَانِهِ، وَمَذْمُومًا عَلَى إِسَاءَتِهِ، إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ مُحْسِنًا إِلَيْنَا وَلَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا إِذَا فَعَلَ الْخَيْرَ، وَلَا ابْتَلَانَا بِهِ إِذَا فَعَلَ الشَّرَّ، وَهَذَا حَقِيقَةُ مَا قَالَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ الْقَدَرِيُّ (١٠) .

стр. 1334

وَمَعْلُومٌ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ شَرْعًا وَعَقْلًا، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ حَيْثُ يُشْكَرُ الْعَبْدُ لَا يُشْكَرُ الرَّبُّ وَحَيْثُ يُشْكَرُ الرَّبُّ لَا يُشْكَرُ الْعَبْدُ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ (١) لَا يَكُونُ لِلَّهِ عَلَيْنَا مِنَّةٌ فِي تَعْلِيمِ الرَّسُولِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَيْنَا رِسَالَاتِ (٢) رَبِّهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ يَكُونُ إِرْسَالُ اللَّهِ [لَهُ] (٣) مِنْ جِنْسِ إِرْسَالِ مَخْلُوقٍ إِلَى مَخْلُوقٍ (٤) ، فَذَاكَ تَفَضَّلَ بِنَفْسِ الْإِرْسَالِ لَا بِأَنْ جَعَلَ الرُّسُلَ تَتْلُوا وَتُعَلِّمُ وَتُزَكِّي، بَلْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مُنْتَسِبَةٌ (٥) عِنْدَهُمْ فِيهَا لِلرَّسُولِ (٦) الَّذِي خَلَقَهَا [عِنْدَهُمْ] دُونَ الْمُرْسِلِ الَّذِي (٧) لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا مِنْهَا. وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ الرَّسُولُ نَطَقَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُنْطِقْهُ اللَّهُ وَلَا أَنْطَقَ اللَّهُ شَيْئًا، بَلْ جَعَلَ فِيهِ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يَنْطِقَ وَأَنْ لَا يَنْطِقَ، وَهُوَ يُحْدِثُ أَحَدَهُمَا مَعَ اسْتِوَاءِ الْحَالِ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ وَبَعْدَهُ، بِدُونِ مَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَى إِحْدَاثِ النُّطْقِ وَتَيْسِيرِهِ لَهُ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ لَا يَكُونُ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ بِاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ،

стр. 1335

وَتَعْلِيمِ الْعُلَمَاءِ لَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَدْلِ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَكُونُ اللَّهُ مُبْتَلِيًا لَهُمْ إِذَا ظَلَمَهُمْ وُلَاةُ [الْأُمُورِ] (١) . وَفِي الْأَثَرِ [الْمَعْرُوفِ] (٢) : " «يَقُولُ اللَّهُ [ ] (٣) : " أَنَا اللَّهُ (٤) مَالِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي، مَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً، وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً، فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَأَطِيعُونِي أَعْطِفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ» (٥) . وَعِنْدَ الْقَدَرِيِّ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُلُوكَ لَا (٦) عَادِلِينَ وَلَا جَائِرِينَ، وَلَا مُحْسِنِينَ وَلَا مُسِيئِينَ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدًا مُحْسِنًا إِلَى أَحَدٍ، وَلَا مُسِيئًا إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ [يُنْعِمَ] (٧) عَلَى أَحَدٍ بِمَنْ (٨) يُحْسِنُ إِلَيْهِ وَيُكْرِمُهُ، وَلَا يَقْدِرُ [عَلَى] (٩) أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَنْ يُعَذِّبُهُ وَيُهِينُهُ ". وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ لَمْ يَبْعَثِ (اللَّهُ) عِبَادًا لَهُ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَلَا جَعَلَهُمْ فَاعِلِينَ، بَلْ أَعْطَاهُمْ قُدْرَةً، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ يُرْسِلِ الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (١٠) .

стр. 1336

وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيِّ (١) لَا يَسْتَحِقُّ [اللَّهُ] أَنْ يُشْكَرَ بِحَالٍ (٢) ، فَإِنَّ الشُّكْرَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ، وَالنِّعَمُ إِمَّا دِينِيَّةٌ وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ وَإِمَّا أُخْرَوِيَّةٌ، فَالنِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِيَّةِ كَالْإِرْسَالِ وَخَلْقِ الْقُدْرَةِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَهُوَ عِنْدَهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدًا مُؤْمِنًا وَلَا مُهْتَدِيًا وَلَا صَالِحًا وَلَا بَرًّا وَلَا تَقِيًّا، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْكَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَا يُقْدِرُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ (٣) وَأَمَّا النِّعَمُ الْأُخْرَوِيَّةُ فَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ (٤) [عَلَيْهِ] (٥) عِنْدَهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُوَفِّيَ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ (٦) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ (٧) مِنْ بَابِ الْعَدْلِ الْمُسْتَحَقِّ لَا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ (٨) وَالْإِحْسَانِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَضَى دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَى فَضْلٍ وَلَا إِحْسَانٍ. وَمِنْ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ كَيْفَ يَعِيبُ أَهْلَ الْإِيمَانِ (٩) الَّذِينَ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ [حَالٍ وَ] نِعْمَةٍ (١٠) ، وَيَشْكُرُونَ مَنْ أَجْرَى اللَّهُ الْخَيْرَ عَلَى يَدَيْهِ،

стр. 1337

فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ (١) ، وَمَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَ مُقَابَلَتِهِ بِالْعَدْلِ (٢) ، وَأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ أَفْضَلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عُقُوبَتِهِ حَقٌّ لِلَّهِ، وَيَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِإِحْسَانِ الْأَوَّلِ (٣) لِيَشْكُرَهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِإِسَاءَةِ هَذَا إِلَيْهِ كَمَا يَبْتَلِيهِ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ لِيَصْبِرَ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَيَرْضَى بِقَضَائِهِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَقْضِي اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ (٤) قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ (٥) فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ» " (٦)

стр. 1338

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٨٣] (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: ٥] فَإِرْسَالُهُ الشَّيَاطِينَ وَبَعْثُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِينَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَهُوَ (٢) أَمْرٌ شَرْعِيٌّ أَمَرَهُمْ بِهِ، كَمَا أَرْسَلَ (٣) رُسُلَهُ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَكَمَا بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ (٤) ؟ أَمْ هُوَ تَقْدِيرٌ وَتَسْلِيطٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّطُ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا (٥) عَاصِيًا لِدِينِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ (٦) . ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْأَرْضِ مُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا (٧) يَمْدَحُونَ الْمُحْسِنَ وَيَذُمُّونَ الْمُسِيءَ فُطِرُوا عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، فَيُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ، وَأَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَسَلَّطَ هَذَا وَيَسَّرَ هَذَا، وَيَمْدَحُونَ هَذَا وَيَذُمُّونَ هَذَا، وَأَهْلُ الْإِثْبَاتِ الْمُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ يَمْدَحُونَ الْمُحْسِنَ وَيَذُمُّونَ الْمُسِيءَ، (٨) ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْفِعْلَيْنِ. فَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ (٩) أَنْ لَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا - لُزُومُ مَا لَا يَلْزَمُ (١٠)

стр. 1339

وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ يَكُونَ: (١) اللَّهُ جَعَلَ هَذَا مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ وَالثَّوَابِ، وَهَذَا مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ فَإِذَا كَانَ قَدْ جَعَلَ هَذَا مُسْتَحِقًّا وَهَذَا مُسْتَحِقًّا، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُمْدَحَ هَذَا وَيُذَمَّ هَذَا (٢) ، لَكِنَّ خَلْقَهُ لِهَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ كَخَلْقِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِكْمَةِ الْكُلِّيَّةِ فِي خَلْقِ (٣) الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَعَلَى رَأْيِ الْقَدَرِيِّ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ وَالشُّكْرَ إِلَّا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ مُحْسِنًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ إِلَّا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ مُسِيئًا (٤) ، بَلْ مَنْ لَا يَقْدِرُ [اللَّهُ] أَنْ (٥) يَجْعَلَهُ مُحْسِنًا وَلَا مُسِيئًا فَعِنْدَهُ (٦) لَا مَدْحَ وَلَا ذَمَّ إِلَّا بِشَرْطِ عَجْزِ اللَّهِ [تَعَالَى] (٧) وَقُصُورِ مَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ، وَحُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِدُونِ مُحْدِثٍ. [فصل من كلام الرافضي على مقالة أهل السنة في القدر الْمَعْصِيَةُ إِمَّا مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْهُمَا] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٨) : " وَمِنْهَا التَّقْسِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الْإِمَامُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاظِمُ (٩) ، وَقَدْ سَأَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ، فَقَالَ: الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ؟ فَقَالَ الْكَاظِمُ (١٠) : الْمَعْصِيَةُ إِمَّا

стр. 1340

مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنَ اللَّهِ (١) أَوْ مِنْهُمَا (٢) ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ أَعْدَلُ وَأَنْصَفُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ وَيُؤَاخِذَهُ (٣) بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْهُمَا فَهُوَ شَرِيكُهُ، وَالْقَوِيُّ أَوْلَى بِإِنْصَافِ عَبْدِهِ الضَّعِيفِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْعَبْدِ (٤) وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ وَقَعَ الْأَمْرُ (٥) وَإِلَيْهِ تَوَجَّهَ (٦) الْمَدْحُ وَالذَّمُّ. وَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَوَجَبَ لَهُ (٧) الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ (٨) فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ ". فَيُقَالُ: أَوَّلًا: هَذِهِ الْحِكَايَةُ لَمْ يَذْكُرْ لَهَا إِسْنَادًا فَلَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا، فَإِنَّ الْمَنْقُولَاتِ (٩) إِنَّمَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ، لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الْكَذِبِ فِي هَذَا الْبَابِ، كَيْفَ وَالْكَذِبُ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (١٠) مِنَ الْمُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَبِمَذْهَبِهِ، وَكَلَامُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى

стр. 1341

الْقَدَرِيَّةِ (١) مَعْرُوفٌ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ (٢) وَقَدْ بَسَطَ (٣) الْحِجَجَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِمَا لَمْ يَبْسُطْهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَتْبَاعُهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ (٤) مَذْهَبُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ، وَمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَخَرَجَ عَنْ هَذَا (٥) مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا يُمْكِنُهُ (٦) أَنْ يَحْكِيَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْهُ، بَلْ هُمْ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يُفْتَى بِقَوْلِهِمْ مَذْمُومُونَ مُعَيَّبُونَ مِنْ (٧) أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ (٨) ، فَكَيْفَ يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسْتَصْوَبَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ؟ وَأَيْضًا فَمُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَالنَّقْلُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ (٩) ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ. وَقُدَمَاءُ الشِّيعَةِ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا شَاعَ فِيهِمْ رَدُّ (١٠) الْقَدَرِ مِنْ حِينِ اتَّصَلُوا بِالْمُعْتَزِلَةِ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهٍ (١١) .

стр. 1342

وَأَيْضًا، فَهَذَا الْكَلَامُ الْمَحْكِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُهُ أَصَاغِرُ الْقَدَرِيَّةِ وَصِبْيَانُهُمْ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حِينِ حَدَثَتِ الْقَدَرِيَّةُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَبْلَ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ صَدُوقٌ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ (١) وَالْقَدَرِيَّةُ حَدَثُوا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ، بَلْ حَدَثُوا فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ زَمَنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ (٢) . [وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ كَذِبٌ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إِنَّمَا اجْتَمَعَ بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ سَأَلَهُ (٣) أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا اجْتَمَعَ بِهِ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ مِنْ أَقْرَانِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ (مِمَّنْ) (٤) يَأْخُذُ عَنْهُ مَعَ شُهْرَتِهِ بِالْعِلْمِ، فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مِنْ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ] (٥) ؟

стр. 1343

وَمَا ذَكَرَهُ (١) فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: هُوَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ وَيُؤَاخِذَهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ، هُوَ أَصْلُ كَلَامِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِي يَعْرِفُهُ عَامَّتُهُمْ وَخَاصَّتُهُمْ، وَهُوَ أَسَاسُ مَذْهَبِهِمْ وَشِعَارُهُ (٢) ; وَلِهَذَا سَمَّوْا أَنْفُسَهُمُ الْعَدْلِيَّةَ، فَإِضَافَةُ هَذَا إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ لَوْ كَانَ حَقًّا لَيْسَ فِيهِ فَضِيلَةٌ [لَهُ] وَلَا مَدْحٌ (٣) ، إِذَا كَانَ صِبْيَانُ الْقَدَرِيَّةِ يَعْرِفُونَهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كَذِبًا مُخْتَلَقًا عَلَيْهِ؟ وَيُقَالُ: ثَانِيًا: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ (٤) . وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ؟ " لَفْظٌ

стр. 1344

مُجْمَلٌ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ وَالطَّاعَةَ عَمَلٌ وَعَرَضٌ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ (١) ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِالْعَبْدِ لَا مَحَالَةَ، وَلَيْسَتْ قَائِمَةً بِاللَّهِ [﵎] (٢) بِلَا رَيْبٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ يُقَالُ: هُوَ مِنَ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهُ بَائِنًا عَنْهُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ قَامَ بِهِ وَاتَّصَفَ بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] (٣) : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: ١٣] (٤) ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: ٥٣] . وَاللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا مُتْقَنًا، كَمَا قَالَ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ٧] وَقَالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ النَّمْلِ: ٨٨] فَلِهَذَا لَا يُضَافُ إِلَيْهِ الشَّرُّ مُفْرَدًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ [اللَّهِ تَعَالَى] (٥) ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٦٢] وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [سُورَةُ الْفَلَقِ: ١، ٢] وَالثَّالِثُ كَقَوْلِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [سُورَةُ الْجِنِّ: ١٠] وَ [قَدْ]

стр. 1345

قَالَ ن، م: قَالَ. فِي أُمِّ الْقُرْآنِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧] فَذَكَرَ أَنَّهُ فَاعِلُ النِّعْمَةِ، وَحَذَفَ فَاعِلَ الْغَضَبِ، وَأَضَافَ الضَّلَالَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ الْخَلِيلُ [﵇] (١) ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٨٠] ، وَلِهَذَا كَانَ لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فَسَمَّى (٢) نَفْسَهُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْتَضِيَةِ لِلْخَيْرِ. وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الشَّرُّ فِي الْمَفْعُولَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٩٨] (٣) ، وَقَوْلِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ (٤) الْأَنْعَامِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٦٥] (* وَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ: (٥) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: ١٦٧] . *) (٦) وَقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [سُورَةُ الْحِجْرِ: ٤٩، ٥٠] وَقَوْلِهِ: ﴿حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سُورَةُ غَافِرٍ: ١٣] . وَهَذَا لِأَنَّ مَا يَخْلُقُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا شَرٌّ (٧) بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ

стр. 1346

فَلَهُ فِيهَا (١) حِكْمَةٌ، هُوَ بِخَلْقِهِ لَهَا (٢) حُمَيْدٌ مَجِيدٌ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، فَلَيْسَتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ شَرًّا وَلَا مَذْمُومَةً، فَلَا يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يُشْعِرُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ (٣) الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ وَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَالصُّوَرِ الْمُسْتَقْبَحَةِ وَالْأَجْسَامِ الْخَبِيثَةِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَذِرَاتِ (٤) لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ. فَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ الْعَذِرَةُ وَهَذِهِ الرَّوَائِحُ الْخَبِيثَةُ مِنَ اللَّهِ، أَوْهَمَ ذَلِكَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: الْقَبَائِحُ مِنَ اللَّهِ [أَوِ الْمَعَاصِي مِنَ اللَّهِ] (٥) ، قَدْ يُوهِمُ ذَلِكَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ ذَاتِهِ، كَمَا تَخْرُجُ مِنْ ذَاتِ الْعَبْدِ، وَكَمَا يَخْرُجُ الْكَلَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يُوهِمُ [ذَلِكَ] أَنَّهَا (٦) مِنْهُ قَبِيحَةٌ وَسَيِّئَةٌ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. بَلْ جَمِيعُ خَلْقِهِ خَلْقُهُ لَهُ حَسَنٌ عَلَى قَوْلَيْ (٧) التَّفْوِيضِ وَالتَّعْلِيلِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ لِلطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَعْرَاضِ: هَذَا الطَّعْمُ الْحُلْوُ وَالْمُرُّ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ هَذَا النَّبَاتِ، وَهَذِهِ الرَّوَائِحُ الطَّيِّبَةُ أَوِ الْخَبِيثَةُ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ (٨) ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَقَدْ يُوهِمُ إِذَا قِيلَ:

стр. 1347

إِنَّهَا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (١) ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ (٢) ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمُفَوِّضَةِ: أَقُولُ (٣) فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (٤) فِي الْكَلَالَةِ، وَقَالَ عُمَرُ نَحْوَ ذَلِكَ. وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَشَرَعَهُ وَأَحَبَّهُ (٥) وَرَضِيَهُ، وَالْخَطَأُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يُحِبَّهُ وَلَمْ يَشْرَعْهُ، بَلْ هُوَ مِمَّا زَيَّنَهُ الشَّيْطَانُ لِنَفْسِي فَفَعَلْتُهُ بِأَمْرِ الشَّيْطَانِ، فَهُوَ مِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ. وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ وَالطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي مِنَ الْعَبْدِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِهِ وَحَاصِلَةٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ الْمُتَّصِفُ بِهَا الْمُتَحَرِّكُ بِهَا، الَّذِي يَعُودُ حُكْمُهَا عَلَيْهِ (٦) ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِمَا اتَّصَفَ بِهِ الْمَحَلُّ وَخَرَجَ مِنْهُ (٧) : هَذَا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ، كَمَا يُقَالُ: هَذِهِ الرِّيحُ (٨) مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذِهِ الثَّمَرَةُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا الزَّرْعُ مِنْ

стр. 1348

هَذِهِ الْأَرْضِ، فَلَأَنْ يُقَالُ مَا صَدَرَ مِنَ الْحَيِّ (١) بِاخْتِيَارِهِ: هَذَا مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهَا قَائِمَةً بِغَيْرِهِ وَجَعَلَهَا عَمَلًا لَهُ وَكَسْبًا وَصِفَةً (٢) ، وَهُوَ خَلَقَهَا بِمَشِيئَةِ نَفْسِهِ وَقُدْرَةِ نَفْسِهِ بِوَاسِطَةِ خَلْقِهِ لِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ (٣) ، كَمَا يَخْلُقُ الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا، فَيَخْلُقُ السَّحَابَ بِالرِّيحِ، [وَالْمَطَرَ بِالسَّحَابِ] (٤) ، وَالنَّبَاتَ بِالْمَطَرِ. وَالْحَوَادِثُ تُضَافُ إِلَى خَالِقِهَا بِاعْتِبَارٍ، وَإِلَى أَسْبَابِهَا بِاعْتِبَارٍ، فَهِيَ مِنَ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَصِفَاتِهَا مِنْهُ، وَهِيَ مِنَ الْعَبْدِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ مِنَ الْمُتَحَرِّكِ الْمُتَّصِفِ بِهَا وَإِنْ كَانَ جَمَادًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ حَيَوَانًا (٥) ؟ وَحِينَئِذٍ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ الْعَبْدِ (٦) لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْإِضَافَةِ، كَمَا [أَنَّا] (٧) إِذَا قُلْنَا: هَذَا الْوَلَدُ مِنْ هَذِهِ (٨) الْمَرْأَةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا وَلَدَتْهُ، وَمِنَ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهُ (٩) لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ. وَإِذَا قُلْنَا هَذِهِ الثَّمَرَةُ مِنْ (١٠) الشَّجَرَةِ، وَهَذَا الزَّرْعُ مِنَ الْأَرْضِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ حَدَثَ فِيهَا، وَمِنَ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْهَا (١١) ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ.

стр. 1349

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [سُورَةُ الطُّورِ: ٣٥] فَالْمَشْهُورُ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ رَبٍّ؟ وَقِيلَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ عُنْصُرٍ؟ وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى (١) . لَمَّا قَتَلَ الْقِبْطِيَّ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [سُورَةُ الْقَصَصِ: ١٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٧٩] مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٧٨] . فَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا (٢) النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ ; وَلِهَذَا قَالَ: مَا أَصَابَكَ، وَلَمْ يَقُلْ: مَا أَصَبْتَ. كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٢٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٥٠] فَبَيَّنَ أَنَّ النِّعَمَ وَالْمَصَائِبَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ ابْتِدَاءً وَالْمُصِيبَةُ بِسَبَبٍ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ مَعَاصِيهِ (٣) . كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ٣٠] ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ] (٤) الْأُخْرَى: (٥)

стр. 1350

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٦٥] ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ عَدْلٌ، كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، فَهُوَ مُحْسِنٌ إِلَى الْعَبْدِ بِلَا سَبَبٍ مِنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَلَا يُعَاقِبُهُ إِلَّا بِذَنْبِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَلَقَ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا لِحِكْمَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَكِيمٌ عَادِلٌ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. وَإِذَا كَانَ غَيْرُ اللَّهِ يُعَاقِبُ عَبْدَهُ (١) عَلَى ظُلْمِهِ وَإِنْ كَانَ (٢) مُقِرًّا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ، فَاللَّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَدْ (٣) يَفْعَلُ مَصْلَحَةً اقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ، لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِتَعْذِيبِ حَيَوَانٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ (٤) ، فَاللَّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هِيَ مِنَ اللَّهِ خَلْقًا لَهَا (٥) فِي غَيْرِهِ وَجَعْلًا لَهَا عَمَلًا لِغَيْرِهِ، وَهِيَ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلًا [لَهُ] قَائِمًا بِهِ وَكَسْبًا يَجُرُّ بِهِ مَنْفَعَةً إِلَيْهِ (٦) أَوْ يَدْفَعُ بِهِ مَضَرَّةً، وَكَوْنُ الْعَبْدِ هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْفِعْلُ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ حُكْمُهُ الْخَاصُّ انْتِفَاعًا بِهِ أَوْ تَضَرُّرًا (٧) ، جِهَةً لَا تَصْلُحُ لِلَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا تَقُومُ

стр. 1351

بِهِ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا، وَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ أَحْكَامُهَا، الَّتِي تَعُودُ إِلَى مَوْصُوفَاتِهَا. وَكَوْنُ الرَّبِّ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَجَعَلَهَا عَمَلًا لِغَيْرِهِ بِخَلْقِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَمَشِيئَتِهِ (١) وَفِعْلِهِ جِهَةً لَا تَصْلُحُ لِلْعَبْدِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَهِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَإِذَا قِيلَ هِيَ فِعْلُ (٢) اللَّهِ فَالْمُرَادُ أَنَّهَا (٣) مُفَعْوِلَةٌ لَهُ، [لَا أَنَّهَا] (٤) هِيَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ [الْإِمَامِ] (٥) أَحْمَدَ (٦) وَهُوَ قَوْلُ [ابْنَيْهِ يَعْنِي ابْنَيِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى] (٧) : الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ (٨) وَ [الْقَاضِي] أَبِي الْحُسَيْنِ (٩) وَغَيْرِهِمَا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ وَيُؤَاخِذَهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، [فَنَحْنُ] (١٠) نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْ عَبْدَهُ وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ

стр. 1352

إِلَّا بِمَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ بِاخْتِيَارِهِ وَقُوَّتِهِ (١) لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ. وَأَمَّا كَوْنُ الرَّبِّ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْعَبْدِ هُوَ الْمَلُومُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ يَلُومُهُ عَلَى ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ، مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَجَمَاهِيرُ الْأُمَمِ مُقِرَّةٌ بِالْقَدَرِ، وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَذُمُّونَ الظَّالِمِينَ (٢) وَيُعَاقِبُونَهُمْ لِدَفْعِ ظُلْمِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، كَمَا أَنَّهُمْ (٣) يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ (٤) الْحَيَوَانَاتِ الْمُضِرَّةِ وَالنَّبَاتَاتِ الْمُضِرَّةِ (٥) وَهُمْ مَعَ هَذَا يَسْعَوْنَ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا وَشَرِّهَا. وَهُمْ أَيْضًا مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَاذِبَ وَالظَّالِمَ مَذْمُومٌ بِكَذِبِهِ وَظُلْمِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ سَيِّئٌ (٦) فِيهِ، وَأَنَّ نَفْسَهُ (٧) الْمُتَّصِفَةَ بِذَلِكَ خَبِيثَةٌ ظَالِمَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ الْإِكْرَامَ الَّذِي يُنَاسِبُ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ. وَلَيْسَ فِي [فِطَرِ] (٨) النَّاسِ أَنْ يَجْعَلُوا مُقَابَلَةَ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ ظُلْمًا لَهُ، وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ، فَاللَّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى الظُّلْمِ لِذَلِكَ (٩) ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ [مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ] (١٠) . وَأَمَّا عَلَى

стр. 1353

طَرِيقَةِ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ وَالتَّفْوِيضِ فَالظُّلْمُ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ لِذَاتِهِ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، أَوْ تَعَدَّى مَا حُدَّ لَهُ، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِكُلِّ حَالٍ (١) فَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يُمَثَّلُ بِالْخَلْقِ (٢) لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، بَلْ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فَمَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَمَا تَنَزَّهَ عَنْهُ مِنَ النَّقْصِ فَهُوَ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ، وَمَا كَانَ سَائِغًا لِلْقَادِرِ الْغَنِيِّ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ سَائِغًا لَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا قَبُحَ مِمَّنْ يُتَضَرَّرُ مِنْهُ يَكُونُ قَبِيحًا مِنْهُ (٣) ، فَإِنَّ الْعِبَادَ لَنْ يَبْلُغُوا ضُرَّهُ فَيَضُرُّوهُ وَلَنْ يَبْلُغُوا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ اللَّهَ عَادِلٌ لَيْسَ ظَالِمًا (٤) ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ ظُلْمًا مِنَ الْعَبْدِ يَكُونُ ظُلْمًا مِنَ الرَّبِّ، وَلَا مَا كَانَ قَبِيحًا مِنَ الْعَبْدِ يَكُونُ قَبِيحًا مِنَ الرَّبِّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. تَحْقِيقُ (٥) ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لَلَزِمَ أَنْ يَقْبُحَ مِنْهُ أُمُورٌ فَعَلَهَا فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنِ الْعِبَادِ إِذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَمْرٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْآمِرُ وَتَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَفْعَلُهُ (٦) بَلْ يَعْصِيهَ فَيَسْتَحِقُّ (٧) الْعِقَابَ، كَانَ (٨) ذَلِكَ مِنْهُ عَبَثًا وَقَبِيحًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ لِلْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ.

стр. 1354

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مُرَادِي (١) مَصْلَحَةُ الْمَأْمُورِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ بَلْ مَفْسَدَةٌ، لَكَانَ ذَلِكَ قَبِيحًا [مِنْهُ] (٢) . وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا لِمُرَادٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَا يَحْصُلُ، لَكَانَ (٣) ذَلِكَ قَبِيحًا مِنْهُ. وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّ [اللَّهَ] خَلَقَ (٤) الْكُفَّارَ لِيَنْفَعَهُمْ وَيُكْرِمَهُمْ (٥) وَأَرَادَ ذَلِكَ بِخَلْقِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ لَا يَنْتَفِعُونَ، وَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنَ الْعِبَادِ لَوْ رَأَى عَبِيدَهُ أَوْ إِمَاءَهُ (٦) يَزْنُونَ وَيَظْلِمُونَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ، لَكَانَ مَذْمُومًا مُسِيئًا، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا مُسِيئًا. وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ: هُوَ أَرَادَ بِخَلْقِهِ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَيُثِيبَهُمْ، فَخَلَقَهُمْ لِلنَّفْعِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ (٧) لَا يَنْتَفِعُونَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا قَبِيحٌ مِنَ الْخَلْقِ وَلَا يَقْبُحُ مِنَ الْخَالِقِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ عَبِيدِهِ مِنَ الْقَبَائِحِ، فَمَنْعُهُ لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُعَرِّضَهُمْ لِلثَّوَابِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ إِلَّا الْعِقَابُ، كَالرَّجُلِ الَّذِي يُعْطِي وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ مَالًا لِيَرْبَحَ فِيهِ (٨) ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ سُمًّا يَأْكُلُهُ (٩) ، فَمَنْعُهُ لَهُ مِنَ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ.

стр. 1355

وَكَذَلِكَ إِذَا أَعْطَى غَيْرَهُ سَيْفًا لِيُقَاتِلَ بِهِ الْكُفَّارَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ بِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُؤْمِنِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ قَبِيحًا مِنْهُ. وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ تَعْرِيضَ هَذَا لِلثَّوَابِ، وَاللَّهُ لَا يَقْبُحُ ذَلِكَ مِنْهُ (١) ، وَهَذَا (٢) حَالُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْقَدَرِيَّةُ مُشَبِّهَةُ الْأَفْعَالِ: قَاسُوا أَفْعَالَ اللَّهِ عَلَى أَفْعَالِ خَلْقِهِ، وَعَدْلَهُ عَلَى عَدْلِهِمْ، وَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ. [الْوَجْهُ] (٣) الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْعَبْدِ كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الطَّاعَةُ مِنْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَعَلَهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ فَاعِلًا لَهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، بَلْ هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ. كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٢٨] ، وَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ٢٤] . وَلِأَنَّ كَوْنَهُ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ حَادِثٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَالْعَبْدُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْفَاعِلُ لِكَوْنِهِ فَاعِلًا ; لِأَنَّ كَوْنَهُ فَاعِلًا (٤) إِنْ كَانَ حَدَثَ بِنَفْسِ كَوْنِهِ فَاعِلًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ حَدَثَ (٥) بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.

стр. 1356

وَإِنْ كَانَ بِفَاعِلِيَّةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ حَدَثَتْ بِالْأُولَى (١) لَزِمَ الدَّوْرُ الْقَبْلِيُّ، وَإِنْ كَانَتْ حَدَثَتْ (٢) بِغَيْرِهَا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْأُمُورِ الْمُتَنَاهِيَةِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ ; فَعُلِمَ أَنَّ كَوْنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنَ الْعَبْدِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْمَدْحَ وَالذَّمَّ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فَقِيرًا إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَسْتَغْنِي عَنِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ (٣) ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقَ جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَأَنْ يَكُونَ نَفْسُ فِعْلِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْمُمْكِنَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ. [فصل من كلام الرافضي على مقالة أهل السنة في القدر أن الْكَافِرَ يَكُونُ مُطِيعًا بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى] (فَصْلٌ) قَالَ [الرَّافِضِيُّ] (٤) : " وَمِنْهَا أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ مُطِيعًا بِكُفْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا هُوَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ الْكُفْرَ، وَقَدْ فَعَلَهُ وَلَمْ يَفْعَلِ الْإِيمَانَ الَّذِي كَرِهَهُ اللَّهُ مِنْهُ (٥) فَيَكُونُ قَدْ أَطَاعَهُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُرَادَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا كَرِهَهُ (٦) ، وَيَكُونُ النَّبِيُّ عَاصِيًا لِأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالْإِيمَانِ الَّذِي يَكْرَهُهُ اللَّهُ [مِنْهُ] (٧) وَيَنْهَاهُ عَنِ الْكُفْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْهُ " (٨) .

стр. 1357

الْجَوَابُ [مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ] : أَنَّ هَذَا (١) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ: هَلْ هِيَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ؟ أَوْ مُوَافَقَةُ الْإِرَادَةِ؟ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ أَمْ لَا؟ وَأَنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ وَالِاسْتِدْعَاءِ هَلْ هُوَ الْإِرَادَةُ أَوْ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرَادَةِ أَوْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا؟ وَمِنَ الْمَعْلُومِ (٢) أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نُظَّارِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ (٣) لِلْقَدَرِ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ لَا مُوَافَقَةُ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْقَدَرِيُّ لَمْ يُبَيِّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَلَا فَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِيهِ، بَلْ أَخَذَ ذَلِكَ دَعْوَى مُجَرَّدَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافَقَةُ الْإِرَادَةِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ مُنَازِعُوهُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، كَفَى فِي هَذَا الْمَقَامِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ بِمَا تَقَدَّمَ (٤) مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُهَا بِإِرَادَتِهِ، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْكُفْرِ (٥) وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، فَعُلِمَ بِأَنَّهُ قَدْ (٦) يَخْلُقُ بِإِرَادَتِهِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ. وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (٧) وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ (٨) حَقَّهُ فِي غَدٍ (٩) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَخَرَجَ الْغَدُ وَلَمْ يَقْضِهِ، مَعَ

стр. 1358

قُدْرَتِهِ عَلَى الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَطَالَبَهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ (١) ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ لَحَنِثَ (٢) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ (٣) الْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ مَأْمُورٍ إِذَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٩٩] مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يَشَأْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٢٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ ضَلَالَهُ (٤) وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْهُ (٥) بِالضَّلَالِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: طَرِيقَةُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ (٦) وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَوْعَانِ: إِرَادَةٌ (٧) تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ، وَإِرَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ. فَالْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَمْرِ أَنْ يُرِيدَ مِنَ الْعَبْدِ فِعْلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ (٨) وَأَمَّا إِرَادَةُ الْخَلْقِ فَأَنْ يُرِيدَ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ. فَإِرَادَةُ الْأَمْرِ هِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَهِيَ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ. وَالثَّانِيَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ (٩) بِالْخَلْقِ هِيَ الْمَشِيئَةُ وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ.

стр. 1359

فَالْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٨٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٢٨] ، وَقَوْلِهِ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٦] وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٣٣] . وَالثَّانِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٢٥] وَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ٣٤] . وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ لِمَنْ يَفْعَلُ الْقَبَائِحَ (١) : هَذَا يَفْعَلُ مَا لَا يُرِيدُهُ اللَّهُ. وَإِذَا (٢) كَانَ كَذَلِكَ فَالْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ لَيْسَ مُرَادًا لِلرَّبِّ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ، وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ تِلْكَ الْإِرَادَةِ أَوْ مُوَافَقَةٌ لِلْأَمْرِ (٣) الْمُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ الْإِرَادَةِ، فَأَمَّا مُوَافَقَةُ مُجَرَّدِ النَّوْعِ الثَّانِي فَلَا يَكُونُ بِهِ مُطِيعًا، وَحِينَئِذٍ فَالنَّبِيُّ يَقُولُ [لَهُ] (٤) : بَلِ الرَّبُّ يُبْغِضُ كُفْرَكَ (٥) وَلَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ لَكَ

стр. 1360

أَنْ تَفْعَلَهُ وَلَا يُرِيدُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَالنَّبِيُّ يَأْمُرُهُ بِالْإِيمَانِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ لَهُ (١) وَيُرِيدُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ يُقَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (٢) مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ: وَهُوَ (٣) أَنَّ الْحُبَّ وَالرِّضَا هَلْ هُوَ الْإِرَادَةُ أَوْ هُوَ صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْإِرَادَةِ؟ فَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ [الْإِمَامِ] (٤) أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا يَجْعَلُونَهُمَا (٥) جِنْسًا وَاحِدًا. ثُمَّ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: بَلْ هُوَ لَا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَلَا يُرِيدُهُ (٦) ، وَالْمُثْبِتَةُ يَقُولُونَ: بَلْ هُوَ يُرِيدُ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ. وَأُولَئِكَ يَتَأَوَّلُونَ الْآيَاتِ الْمُثْبِتَةَ لِإِرَادَةِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٢٥] ، وَ [قَوْلِهِ] (٧) : ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ٣٤] . وَهَؤُلَاءِ يَتَأَوَّلُونَ الْآيَاتِ النَّافِيَةَ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ بِهَا (٨) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٠٥] ، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٧] ، وَقَوْلِهِ (٩) : ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٠٨] .

стр. 1361

وَأُمًّا جَمَاهِيرُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، [وَهُوَ قَوْلُ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ، مِثْلِ ابْنِ كِلَابٍ كَمَا ذَكَرَهُ (١) أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ] مَا (٢) ، فَإِنَّ النُّصُوصَ (٣) قَدْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَلَا يُحِبُّ ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى (٤) لَا يَرْضَاهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٥) أَوْ لَا يَرْضَاهَا وَلَا يُحِبُّهَا (٦) دِينًا بِمَعْنَى: لَا يُرِيدُهَا - يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَرْضَى الْإِيمَانَ أَيْ مِنَ الْكَافِرِ (٧) أَوْ لَا يُرِيدُهُ غَيْرَ دِينٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَعَاصِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: ٣٨] ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» " (٨) .

стр. 1362

وَالْأُمَّةُ (١) مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ، وَيُحِبُّ الْمَأْمُورَاتِ، دُونَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ وَالصَّابِرِينَ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَأَنَّهُ يَمْقُتُ الْكَافِرِينَ وَيَغْضَبُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ» ". (٢) وَقَالَ: " «مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» ". (٣) ، وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» " (٤) ،

стр. 1363

" « [إِنَّ] اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» " (١) ، وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» " (٢) . وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» " (٣) ، " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ

стр. 1364

ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» " (١) . وَقَالَ: " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ [الْمُؤْمِنِ] (٢) مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مُهْلِكَةٍ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَاضْطَجَعَ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَلَمَّا أَفَاقَ إِذَا أ، ب: فَإِذَا. بِدَابَّتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا [الرَّجُلِ] (٣) بِرَاحِلَتِهِ» " وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصِّحَاحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهُوَ مُسْتَفِيضٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ (٤) ، وَكَذَلِكَ أَمْثَالُهُ. وَإِذَا (٥) كَانَ كَذَلِكَ فَالطَّاعَاتُ يُرِيدُهَا مِنَ الْعِبَادِ الْإِرَادَةَ (* الْمُتَضَمِّنَةَ

стр. 1365

لِمَحَبَّتِهِ لَهَا وَرِضَاهُ بِهَا إِذَا وَقَعَتْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا، وَالْمَعَاصِي يُبْغِضُهَا وَيَمْقُتُهَا وَيَكْرَهُ مِنَ الْعِبَادِ *) (١) أَنْ يَفْعَلُوهَا وَإِنْ أَرَادَ (٢) أَنْ يَخْلُقَهَا هُوَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ (٣) وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَرِهَهَا (٤) لِلْعَبْدِ لِكَوْنِهَا تَضُرُّ الْعَبْدَ [وَيُبْغِضُهَا أَيْضًا] (٥) - أَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَخْلُقَهَا هُوَ لِمَا لَهُ فِيهَا (٦) مِنَ الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَحْسُنُ مِنْ أَحَدِ الْمَخْلُوقِينَ وَيَقْبُحُ مِنَ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْفَاعِلِينَ الْفَاعِلِينَ: (٧) ، فَكَيْفَ يَلْزَمُ أَنَّهُ مَا قَبُحَ مِنَ الْعَبْدِ قَبُحَ (٨) مِنَ الرَّبِّ مَعَ أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِلْمَخْلُوقِ مَعَ الْخَالِقِ (٩) وَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ قَدْ (١٠) يُرِيدُ مَا لَا يُحِبُّهُ، كَإِرَادَةِ الْمَرِيضِ لِشُرْبِ (١١) الدَّوَاءِ الَّذِي يُبْغِضُهُ (١٢) ، وَيُحِبُّ مَا لَا يُرِيدُهُ كَمَحَبَّةِ الْمَرِيضِ الطَّعَامَ الَّذِي يَضُرُّهُ، [وَمَحَبَّةِ الصَّائِمِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَمَحَبَّةِ الْإِنْسَانِ لِلشَّهَوَاتِ الَّتِي يَكْرَهُهَا بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ] (١٣) . فَقَدْ عَقَلَ ثُبُوتَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ

стр. 1366

لِلْآخَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ: (١) . فَكَيْفَ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فِي حَقِّ الْخَالِقِ تَعَالَى؟ وَقَدْ يُقَالُ: كُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ مُرَادَةٌ مَحْبُوبَةٌ (٢) ، لَكِنَّ فِيهَا مَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ مُرَادٌ بِالذَّاتِ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ (٣) مَرَضِيٌّ لَهُ، وَفِيهَا (٤) مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُرَادٌ بِالْعَرَضِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْمُرَادِ الْمَحْبُوبِ لِذَاتِهِ. فَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ الْعَافِيَةَ لِنَفْسِهَا (٥) وَيُرِيدُ شُرْبَ الدَّوَاءِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَيْهَا، وَهُوَ (٦) يُرِيدُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا (٧) فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُرَادٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمَحْبُوبُ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى مُرَادٍ لِغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا قَدْ لَا يُحَبُّ لِنَفْسِهِ، أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِرَادَةِ (٨) مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَالْإِرَادَةُ نَوْعَانِ: فَمَا كَانَ مَحْبُوبًا فَهُوَ مُرَادٌ لِنَفْسِهِ، وَمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ غَيْرَ مَحْبُوبٍ فَهُوَ (٩) مُرَادٌ لِغَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا تَنْبَنِي مَسْأَلَةُ مَحَبَّةِ الرَّبِّ [ ] (١٠) نَفْسَهُ وَمَحَبَّتِهِ لِعِبَادِهِ، فَإِنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا هُوَ

стр. 1367

الْإِرَادَةُ (١) الْعَامَّةُ، قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ لَا يُحِبُّ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا يُحَبُّ، وَتَأَوَّلُوا مَحَبَّتَهُ [تَعَالَى] (٢) لِعِبَادِهِ بِإِرَادَتِهِ (٣) ثَوَابَهُمْ وَمَحَبَّتَهُمْ لَهُ بِإِرَادَةِ طَاعَتِهِمْ (٤) لَهُ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَ [مِنْهُمْ] طَائِفَةٌ (٥) كَثِيرَةٌ قَالُوا: هُوَ مَحْبُوبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ، وَلَكِنَّ مَحَبَّتَهُ لِغَيْرِهِ بِمَعْنَى مَشِيئَتِهِ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ [وَأَئِمَّةُ] أَهْلِ (٦) الْحَدِيثِ [وَأَئِمَّةُ] (٧) التَّصَوُّفِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ، بَلْ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ لِذَاتِهِ إِلَّا هُوَ. وَهَذَا (٨) حَقِيقَةُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ (٩) وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهَ مَعْبُودًا لِذَاتِهِ، وَلَا أَثْبَتَ التَّلَذُّذَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ أَقْوَالِ الْخَارِجِينَ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِكَوْنِ اللَّهِ هُوَ الْمَعْبُودُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ هَذَا الْقَوْلُ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ قُتِلَ مَنْ أَظْهَرُهُ، وَهُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ يَوْمَ الْأَضْحَى، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِرِضَا عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: " ضَحُّوا أَيُّهَا

стр. 1368

النَّاسُ، تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا " ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ» ". (١) . وَقَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ [فِي دُعَائِهِ] (٣) : " «وَأَسْأَلُكَ (٤) لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» " (٥) . وَرَوَى [الْإِمَامُ] أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ [وَغَيْرُهُمَا] عَنْ (٦) عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ [يَقُولُ فِي] دُعَائِهِ (٧) : " «أَسْأَلُكَ

стр. 1369

لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، مِنْ ع، م: فِي. غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» " (١) . وَأَمَّا الَّذِينَ أَثْبَتُوا أَنَّهُ مَحْبُوبٌ، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِغَيْرِهِ بِمَعْنَى (٢) مَشِيئَتِهِ، فَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَخْرُجُونَ إِلَى مَذَاهِبِ الْإِبَاحَةِ (٣) ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [وَيَرْضَى ذَلِكَ] (٤) ، وَأَنَّ الْعَارِفَ إِذَا شَهِدَ هَذَا الْمَقَامَ (٥) لَمْ يَسْتَحْسِنْ حَسَنَةً وَلَمْ يَسْتَقْبِحْ سَيِّئَةً لِشُهُودِهِ الْقَيُّومِيَّةَ الْعَامَّةَ، وَخَلْقَ الرَّبِّ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا [طَائِفَةٌ مِنَ الشُّيُوخِ الْغَالِطِينَ] (٦) مِنْ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ وَالنُّظَّارِ (٧) ، وَهُوَ غَلَطٌ عَظِيمٌ. وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَ [اتِّفَاقُ] سَلَفِ (٨) الْأُمَّةِ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْبِيَاءَهُ

стр. 1370

وَأَوْلِيَاءَهُ، وَيُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا يُحِبُّ الشَّيَاطِينَ وَلَا مَا نَهَى عَنْهُ، وَإِنْ [كَانَ] (١) كُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهَا بَيْنَ الْجُنَيْدِ [بْنِ مُحَمَّدٍ] (٢) وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْفَرْقِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يُفَرِّقُوا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ وَمَا لَا يُحِبُّهُ، فَأَشْكَلَ هَذَا عَلَيْهِمْ لِمَا رَأَوْا أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيمَا خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ مَا لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ، وَكَانَ مَا قَالَهُ الْجُنَيْدُ وَأَمْثَالُهُ (٣) هُوَ الصَّوَابُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: الْإِرَادَةُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا [بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَهُوَ] (٤) أَنْ يُرِيدَ الْفَاعِلُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا، فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا (٥) فَهَذِهِ إِرَادَةٌ (٦) لِفِعْلِ الْغَيْرِ. وَكِلَا النَّوْعَيْنِ مَعْقُولٌ (٧) فِي النَّاسِ، لَكِنَّ الَّذِينَ قَالُوا: [إِنَّ] (٨) الْأَمْرَ لَا (٩) يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ، لَمْ يُثْبِتُوا إِلَّا النَّوْعَ (١٠) الْأَوَّلَ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَالَّذِينَ
следующие страницы →