← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا هَاشِمٍ (١) . أَوْصَى إِلَى بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَوْصَى إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. فَهَذِهِ أَقْوَالُ مَنْ يَقُولُ بِوُصُولِ النَّصِّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ أَبِي هَاشِمٍ. وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ قَالَ: بَلِ النَّصُّ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى ابْنِهِ (٢) . عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ثُمَّ إِلَى ابْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ " (٣) .، وَأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَوْصَى إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ، فَهُمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ، وَالْمَهْدِيُّ - فِيمَا زَعَمُوا - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ " (٤) . بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ حَيٌّ مُقِيمٌ بِنَاحِيَةِ الْحَاجِرِ (٥) . وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ مُقِيمًا هُنَاكَ إِلَى أَوَانِ خُرُوجِهِ. وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْإِمَامَ بَعْدَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ (٦) . الْخَارِجُ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ (٧) ". . وَزَعَمُوا أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، وَأَنْكَرُوا إِمَامَةَ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ

стр. 1682

وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَوْصَى إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ. (* ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ *) (١) . (٢) (٣) . وَمِنْهُمْ مَنْ مَالَ إِلَى (٤) . . تَثْبِيتِ أَمْرِ (٥) . مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ (٦) . . وَقَالُوا: إِنَّمَا أَوْصَى أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ دُونَ بَنِي هَاشِمٍ، كَمَا أَوْصَى مُوسَى ﵇ (٧) . إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ دُونَ وَلَدِهِ، وَدُونَ وَلَدِ هَارُونَ ﵇ (٨) . ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ أَبِي مَنْصُورٍ رَاجِعٌ (٩) . إِلَى وَلَدِ عَلِيٍّ، كَمَا رَجَعَ الْأَمْرُ بَعْدَ يُوشَعَ " (١٠) . إِلَى وَلَدِ هَارُونَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ (١١) \ ٩٧: إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ نَصَّ عَلَى ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّ جَعْفَرًا حَيٌّ لَمْ يَمُتْ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، وَهُوَ الْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ (١٢) . .

стр. 1683

وَمِنَ الرَّافِضَةِ (١) \ ٩٨. مَنْ يَقُولُ: إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ مَاتَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ بَعْدَ جَعْفَرٍ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ إِسْمَاعِيلُ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَقَالُوا: لَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ ; لِأَنَّ أَبَاهُ قَدْ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّهُ وَصِيُّهُ وَالْإِمَامُ بَعْدَهُ. وَمِنَ الرَّافِضَةِ الْقَرَامِطَةُ: يَزْعُمُونَ أَنَّ خِلَافَةَ النَّبِيِّ ﷺ اتَّصَلَتْ بِالنَّصِّ إِلَى جَعْفَرٍ (٢) .، كَمَا يَقُولُهُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ، وَأَنَّ جَعْفَرًا (٣) . نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ ابْنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ حَيٌّ إِلَى الْيَوْمِ - يَعْنِي إِلَى أَوَائِلِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ] (٤) . لَمْ يَمُتْ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى (٥) . يَمْلِكَ الْأَرْضَ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ رَوَوْهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ، يُخْبِرُونَ فِيهَا (٦) . أَنَّ سَابِعَ الْأَئِمَّةِ قَائِمُهُمْ. وَهَؤُلَاءِ (٧) . يُقَالُ لَهُمْ: السَّبَعِيَّةُ كَمَا يُقَالُ لِأُولَئِكَ: الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ وَهَؤُلَاءِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُونَ (٨) . مَقَالَاتَهُمْ فِي أَوَائِلِ الْأَمْرِ قَبْلَ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ، قَبْلَ ظُهُورِهِمْ بِالْمَغْرِبِ (٩) . وَالْقَاهِرَةِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ انْتَشَرَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ

стр. 1684

الرَّابِعَةِ وَبَعْدَهَا مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، وَظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ لَا فِي الْغُلَاةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. وَمِنْ بَقَايَا هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِخُرَاسَانَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ أَهْلُ بَيْتِ ابْنِ سِينَا مِنَ الْمُسْتَجِيبِينَ (١) . لِدَعْوَتِهِمْ زَمَنَ الْحَاكِمِ. وَكَذَلِكَ هَذَا الطُّوسِيُّ وَأَمْثَالُهُ (٢) . مِنْ أَعْوَانِهِمْ، وَكَذَلِكَ سِنَانٌ وَغَيْرُهُ. وَأَذْكِيَاؤُهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ وَجَهْلَهُمْ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ خِدْمَتِهِمْ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَالشَّهَوَاتِ مَا لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَهُمْ يُعَاوِنُونَهُمْ كَمَا يُعَاوِنُ (٣) . أَمْثَالَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، لِتُنَالَ بِهِمُ الْأَغْرَاضُ. وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا فِي وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا فِي وَلَدِ (٤) . مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، لَا فِي إِسْمَاعِيلَ وَابْنِهِ، وَلَا فِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا فِي ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ مَنْ خَلَفَ مِنْ وَلَدِهِ. (٥) \ ٩٩: وَهَؤُلَاءِ يُقَالُ لَهُمْ: الْفَطَحِيَّةُ (٦) . ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ كَانَ أَفْطَحَ الرِّجْلَيْنِ، قَالُوا: وَهَؤُلَاءِ عَدَدٌ كَثِيرٌ.

стр. 1685

وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ يَقُولُ بِإِمَامَةِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ أَبِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (١) . حَيٌّ لَمْ يَمُتْ وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغْرِبَهَا. وَهَذَا الصِّنْفُ يُدْعَوْنَ الْوَاقِفَةَ (٢) ; لِأَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَلَمْ يُجَاوِزُوهُ، وَيُسَمَّوْنَ الْمَمْطُورَةَ ; لِأَنَّ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَاظَرَهُمْ، فَقَالَ: أَنْتُمْ أَهْوَنُ عَلِيَّ (٣) . مِنَ الْكِلَابِ الْمَمْطُورَةِ (٤) .، فَلَزِمَهُمْ هَذَا اللَّقَبُ " (٥) . . وَمِنْهُمْ قَوْمٌ وَقَفُوا (٦) \ ١٠١ فِي أَمْرِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، فَقَالُوا: لَا نَدْرِي أَمَاتَ أَمْ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ ابْنِهِ أَحْمَدَ (٧) . . وَمِنَ الرَّافِضَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُنْتَظَرِ عِنْدَ الِاثْنَيْ

стр. 1686

عَشْرِيَّةَ إِمَامًا آخَرَ هُوَ الْقَائِمُ الَّذِي يَظْهَرُ فَيَمْلَأُ الدُّنْيَا (١) . عَدْلًا وَيَقْمَعُ الظُّلْمَ. " (٢) . فَهَذَا بَعْضُ اخْتِلَافِ الرَّافِضَةِ الْقَائِلِينَ بِالنَّصِّ، فَإِذَا كَانُوا أَعْظَمَ تَبَايُنًا وَاخْتِلَافًا مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ، امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الطَّائِفَةَ النَّاجِيَةَ ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا فِي الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ أَنْ تَكُونَ مُتَّفِقَةً فِي أُصُولِ دِينِهَا كَاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أُصُولِ دِينِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةُ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ أُصُولَ الدِّينِ (٣) . أَرْبَعَةٌ: التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْإِمَامَةُ. وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالْإِمَامَةِ. وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فَغَايَتُهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِهَا كَإِقْرَارِ سَائِرِ (٤) . الْأُمَّةِ. (* وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْإِمَامَةِ أَعْظَمُ مِنِ اخْتِلَافِ سَائِرِ الْأُمَّةِ *) (٥) . فَإِنْ قَالَتِ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ: نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، فَيَكُونُ الْحَقُّ مَعَنَا

стр. 1687

دُونَهُمْ (١) . قِيلَ: لَهُمْ وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْكُمْ، فَيَكُونُ الْحَقُّ مَعَهُمْ دُونَكُمْ، فَغَايَتُكُمْ أَنْ تَكُونَ سَائِرُ فِرَقِ الْإِمَامِيَّةِ (٢) . مَعَكُمْ بِمَنْزِلَتِكُمْ مَعَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي يَجْمَعُ أَهْلَ الْحَقِّ (٣) . [فصل قول الرافضي " الوجه الثالث أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم " والرد عليه] فَصْلٌ. (٤) . قَالَ الرَّافِضِيُّ (٥) .: " الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لَهُمْ وَلِأَئِمَّتِهِمْ (٦) -.، قَاطِعُونَ بِذَلِكَ (٧) .، وَبِحُصُولِ ضِدِّهَا لِغَيْرِهِمْ (٨) . . وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُجِيزُونَ وَلَا يَجْزِمُونَ (٩) . بِذَلِكَ لَا لَهُمْ وَلَا لِغَيْرِهِمْ. فَيَكُونُ اتِّبَاعُ أُولَئِكَ أَوْلَى ; لِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا مَثَلًا خُرُوجَ شَخْصَيْنِ مِنْ بَغْدَادَ يُرِيدَانِ الْكُوفَةَ فَوَجَدَا طَرِيقَيْنِ سَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا طَرِيقًا، فَخَرَجَ ثَالِثٌ يَطْلُبُ الْكُوفَةَ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ (١٠) ؟ فَقَالَ: إِلَى الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُ: هَلْ طَرِيقُكُ

стр. 1688

تُوصِّلُكَ إِلَيْهَا (١) وَهَلْ طَرِيقُكَ آمِنٌ أَمْ مُخَوِّفٌ؟ وَهَلْ طَرِيقُ صَاحِبِكَ تُؤَدِّيهِ إِلَى الْكُوفَةِ؟ وَهَلْ هُوَ آمِنٌ أَمْ مَخُوفٌ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ سَأَلَ صَاحِبَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَعْلَمُ (٢) . أَنَّ طَرِيقِي يُوَصِّلُنِي إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُ آمِنٌ، وَأَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقَ صَاحِبِي لَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِآمِنٍ (٣) .، فَإِنَّ الثَّالِثَ إِنْ تَابَعَ الْأَوَّلَ عَدَّهُ الْعُقَلَاءُ سَفِيهًا، وَإِنْ تَابَعَ الثَّانِيَ نُسِبَ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَزْمِ ". (* هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَسَأَلَ الثَّانِيَ فَقَالَ [لَهُ الثَّانِي] (٤) .: لَا أَعْلَمُ أَنَّ طَرِيقِي تُؤَدِّينِي إِلَى الْكُوفَةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ آمِنٌ أَمْ مَخُوفٌ *) (٥) . (٦) . وَالْجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:. أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ اتِّبَاعُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ (٧) . تُدَّعَى لَهُمُ الطَّاعَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ لَهُمْ (٨) . النَّجَاةَ وَاجِبًا (٩) .، كَانَ اتِّبَاعُ (١٠) . خُلَفَاءِ

стр. 1689

بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ كَانُوا يُوجِبُونَ طَاعَةَ أَئِمَّتِهِمْ طَاعَةً (١) . مُطْلَقًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ النَّجَاةَ مُصِيبِينَ عَلَى الْحَقِّ (٢) .، وَكَانُوا فِي سَبِّهِمْ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ، وَقِتَالِهِمْ لِمَنْ قَاتَلُوهُ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ مُصِيبِينَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ طَاعَةَ الْأَئِمَّةِ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِذَنْبٍ، وَأَنَّهُ (٣) . لَا ذَنْبَ لَهُمْ فِيمَا أَطَاعُوا فِيهِ الْإِمَامَ، بَلْ أُولَئِكَ أَوْلَى بِالْحُجَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُطِيعِينَ (٤) . أَئِمَّةً أَقَامَهُمُ اللَّهُ وَنَصَّبَهُمْ وَأَيَّدَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ، فَإِذَا كَانَ مِنْ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِعِبَادِهِ، كَانَ تَوْلِيَةُ أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ (٥) . مَصْلَحَةً لِعِبَادِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللُّطْفَ وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي حَصَلَتْ بِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي حَصَلَتْ (٦) . بِإِمَامٍ مَعْدُومٍ أَوْ عَاجِزٍ. وَلِهَذَا حَصَلَ لِأَتْبَاعِ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَعْظَمُ مِمَّا حَصَلَ لِأَتْبَاعِ الْمُنْتَظَرِ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِمَامٌ يَأْمُرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ (٧) . وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرِ، وَلَا يُعِينُهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَلَا دُنْيَاهُمْ، بِخِلَافِ أُولَئِكَ فَإِنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِأَئِمَّتِهِمْ مَنَافِعَ كَثِيرَةً فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَعْظَمَ مِمَّا انْتَفَعَ هَؤُلَاءِ بِأَئِمَّتِهِمْ.

стр. 1690

فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ (١) . حُجَّةُ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ (٢) . إِلَى مُشَايَعَةِ عَلِيٍّ ﵁ صَحِيحَةً، فَحُجَّةُ أُولَئِكَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُشَايَعَةِ عُثْمَانَ ﵁ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فَهَذِهِ (٣) . أَبْطَلُ مِنْهَا. فَإِذَا (٤) . كَانَ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةُ مُتَّفِقِينَ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ جَزْمَ أُولَئِكَ بِنَجَاتِهِمْ إِذَا أَطَاعُوا أُولَئِكَ (٥) . الْأَئِمَّةَ طَاعَةً مُطْلَقَةً خَطَأٌ وَضَلَالٌ، فَخَطَأُ هَؤُلَاءِ وَضَلَالُهُمْ إِذَا جَزَمُوا بِنَجَاتِهِمْ لِطَاعَتِهِمْ (٦) . لِمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ نَائِبُ الْمَعْصُومِ - وَالْمَعْصُومُ لَا عَيْنَ لَهُ وَلَا أَثَرَ - أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَيْسَ لَهُمْ أَئِمَّةٌ يُبَاشِرُونَهُمْ بِالْخِطَابِ، إِلَّا شُيُوخَهُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيَصُدُّونَهُمْ (٧) . عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَصُدُّونَهُمْ (٨) . عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي (٩) .: أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ إِنَّمَا كَانَ كَانَ: (١٠) . يَكُونُ مُطَابِقًا لَوْ ثَبَتَ مُقَدِّمَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ لَنَا إِمَامًا مَعْصُومًا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا وَكَذَا. (١١) . الْمُقْدِمَتَيْنِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، بَلْ بَاطِلَةٌ. دَعِ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى، بَلِ الثَّانِيَةَ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ (١٢) . الَّذِينَ يُدَّعَى فِيهِمُ الْعِصْمَةُ قَدْ مَاتُوا مُنْذُ سِنِينَ

стр. 1691

كَثِيرَةٍ، وَالْمُنْتَظَرُ لَهُ غَائِبٌ (١) . أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَعِنْدَ آخَرِينَ هُوَ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ. وَالَّذِينَ يُطَاعُونَ (٢) . شُيُوخٌ (٣) . مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ، أَوْ كُتُبٌ صَنَّفَهَا بَعْضُ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ مَا فِيهَا مَنْقُولٌ عَنْ أُولَئِكَ الْمَعْصُومِينَ. وَهَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ الْمُصَنِّفُونَ (٤) . لَيْسُوا مَعْصُومِينَ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا مَقْطُوعًا لَهُمْ بِالنَّجَاةِ. فَإِذًا الرَّافِضَةُ لَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا أَئِمَّةً لَا يَقْطَعُونَ بِنَجَاتِهِمْ وَلَا سَعَادَتِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا قَاطِعِينَ لَا (٥) . بِنَجَاتِهِمْ، وَلَا بِنَجَاةِ أَئِمَّتِهِمُ الَّذِينَ يُبَاشِرُونَهُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ حَقًّا حَقًّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .، وَإِنَّمَا هُمْ فِي انْتِسَابِهِمْ إِلَى أُولَئِكَ الْأَئِمَّةِ بِمَنْزِلَةِ كَثِيرٍ (٦) مِنْ أَتْبَاعِ شُيُوخِهِمُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى شَيْخٍ قَدْ مَاتَ مِنْ مُدَّةٍ وَلَا يَدْرُونَ (٧) . بِمَاذَا أَمَرَ (٨) ، وَلَا بِمَاذَا نَهَى، بَلْ لَهُ (٩) أَتْبَاعٌ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، (* يَأْمُرُونَهُمْ بِالْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ الشَّيْخِ وَفِي خُلَفَائِهِ، وَأَنْ يَتَّخِذُوهُمْ أَرْبَابًا، وَكَمَا تَأْمُرُ شُيُوخُ الشِّيعَةِ

стр. 1692

أَتْبَاعَهُمْ، وَكَمَا تَأْمُرُ شُيُوخُ النَّصَارَى أَتْبَاعَهُمْ، فَهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ *) (١) ، فَيَخْرُجُونَ عَنْ حَقِيقَةِ شَهَادَةِ (٢) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدْعَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُخْشَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلَّا هُوَ (٣) ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ الدِّينُ إِلَّا لَهُ، لَا لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَأَنْ لَا نَتَّخِذَ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالْأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ؟ ! وَالرَّسُولُ - (٤) هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَلَا يُطَاعُ مَخْلُوقٌ طَاعَةً مُطْلَقَةً إِلَّا هُوَ، فَإِذَا جُعِلَ الْإِمَامُ وَالشَّيْخُ كَأَنَّهُ إِلَهٌ يُدْعَى مَعَ مَغِيبَةٍ وَبَعْدَ مَوْتِهِ (٥) ، وَيُسْتَغَاثُ بِهِ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْحَوَائِجُ وَالطَّاعَةُ إِنَّمَا هِيَ لِشَخْصٍ حَاضِرٍ يَأْمُرُ بِمَا يُرِيدُ، وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيدُ (٦) كَانَ (٧) الْمَيِّتُ مُشَبَّهًا بِاللَّهِ تَعَالَى (٨) .، وَالْحَيُّ مُشَبَّهًا بِرَسُولِ اللَّهِ - (٩) ، فَيَخْرُجُونَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَصْلُهُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَشَهَادَةُ أَنَّ (١٠) مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

стр. 1693

ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَعَلَّقُونَ بِحِكَايَاتٍ تُنْقَلُ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا خَطَأٌ مِنْهُ، فَيَعْدِلُونَ عَنِ النَّقْلِ الصِّدْقِ عَنِ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ إِلَى نَقْلٍ غَيْرِ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مُخْطِئِينَ فِي هَذَا (١) ، فَالشِّيعَةُ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ خَطَأً ; لِأَنَّهُمْ أَعْظَمُ كَذِبًا فِيمَا يَنْقُلُونَهُ (٢) عَنِ الْأَئِمَّةِ، وَأَعْظَمُ غُلُوًّا فِي دَعْوَى عِصْمَةِ الْأَئِمَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَتْبَاعِ (٣) الشُّيُوخِ الْأَحْيَاءِ الْمُضِلِّينَ الْغَالِينَ فِي شَيْخٍ قَدْ مَاتَ، مُخْطِئِينَ فِي قَطْعِهِمْ بِالنَّجَاةِ، فَخَطَأُ الشِّيعَةِ فِي قَطْعِهِمْ بِالنَّجَاةِ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ طَرِيقَ الشِّيعَةِ صَوَابٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَطْعِ وَالْجَزْمِ بِالنَّجَاةِ، فَطَرِيقُ الْمَشَايِخِيَّةِ (٤) صَوَابٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَطْعِ بِالنَّجَاةِ (٥) ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ (٦) طَرِيقُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ (٧) كَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَأَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ (٨) شَرِبَهَا الْأَنْبِيَاءُ، وَيَزِيدُ كَانَ مِنْهُمْ طَرِيقًا صَوَابًا. وَإِذَا كَانَ يَزِيدُ نَبِيًّا، كَانَ مَنْ خَرَجَ عَلَى نَبِيٍّ كَافِرًا، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كُفْرُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ رِزْقٍ لَا يَرْزُقُنِيهِ الشَّيْخُ لَا أُرِيدُهُ - طَرِيقًا

стр. 1694

صَحِيحًا. وَطَرِيقُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَ [إِنَّ] كُلَّ مَسْجِدٍ فَإِنَّ اللَّهَ [قَدْ] وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ (١) ، و: وَكُلَّ مَسْجِدٍ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ. طَرِيقًا صَحِيحًا. وَطَرِيقُ مَنْ يَقُولُ: عَلَى الدُّرَّةِ الْبَيْضَاءِ كَانَ اجْتِمَاعُنَا ... وَفِي قَابِ قَوْسَيْنِ اجْتِمَاعُ الْأَحِبَّةِ طَرِيقًا صَحِيحًا. وَطَرِيقُ مَنْ يَقُولُ (٢) : إِنَّ شَيْخَهُ قَدْ أَسْقَطَ عَنْهُ الصَّلَاةَ طَرِيقًا صَحِيحًا، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ أَتْبَاعِ الْمَشَايِخِ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ (٣) جَازِمُونَ بِنَجَاتِهِمْ وَسَعَادَةِ مَشَايِخِهِمْ، أَعْظَمُ مِنْ قَطْعِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ لِلْأَئِمَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ. فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنِ اتِّبَاعِ الْجَازِمِ بِالنَّجَاةِ وَاجِبًا، وَجَبَ اتِّبَاعُ هَؤُلَاءِ. وَمِنْ جُمْلَةِ اتِّبَاعِ (٤) هَؤُلَاءِ الْقَدْحُ فِي الشِّيعَةِ وَإِبْطَالُ طَرِيقَتِهِمْ (٥) ، فَيَلْزَمُ مِنَ اتِّبَاعِ الْجَازِمِ إِبْطَالُ قَوْلِ الشِّيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اتِّبَاعُ الْجَازِمِ مُطْلَقًا طَرِيقًا صَحِيحًا بَطَلَتْ حُجَّتُهُ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ (٦) : إِنْ كَانَ اتِّبَاعُ أَهْلِ الْجَزْمِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ طَرِيقَةِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، (* وَيَتَّبِعُونَ أَهْلَ

стр. 1695

الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ *) (١) ، وَلَا يُوجِبُونَ طَاعَةَ مُعَيَّنٍ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَضْمَنُونَ السَّعَادَةَ إِلَّا لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَقُولُونَ (٢) : إِنَّ مَنْ سِوَاهُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَلَا يُطَاعُ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ (٣) اتِّبَاعُ هَؤُلَاءِ نَقْصًا وَخَطَأً وَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ أَهْلِ الْجَزْمِ مُطْلَقًا، وَجَبَ اتِّبَاعُ شِيعَةِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ وَشِيعَةِ الْمَشَايِخِ الْمَحْفُوظِينَ. وَشِيعَةُ هَؤُلَاءِ يَقْدَحُونَ فِي هَؤُلَاءِ، وَشِيعَةُ هَؤُلَاءِ يَقْدَحُونَ فِي هَؤُلَاءِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ (٤) بَاطِلًا حَقًّا (٥) ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَهَذَا إِنَّمَا لَزِمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَاسِدٌ؛ وَهُوَ اتِّبَاعُ مَنْ يَجْزِمُ بِلَا عِلْمٍ وَلَا دَلِيلٍ، فَكُلُّ مَنْ جَعَلَ اتِّبَاعَ الشَّيْخِ الْجَازِمِ وَالْمُجَازِفِ بِلَا حُجَّةٍ (٦) . وَلَا دَلِيلٍ، أَوِ الْإِمَامِيَّ الْجَازِمَ الْمُجَازِفَ (٧) بِالنَّجَاةِ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ مِمَّا (٨) يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، لَزِمَ تَنَاقُضُ أَقْوَالِهِمْ، بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهَا لَا تَتَنَاقَضُ (٩) .

стр. 1696

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَنْعُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْمِثَالِ (١) الَّذِي ضَرَبَهُ وَجَعَلَهُ أَصْلًا قَاسَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لَهُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: طَرِيقِي آمِنٌ يُوَصِّلُنِي، وَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: لَا عِلْمَ لِي بِأَنَّ طَرِيقِي آمِنٌ يُوَصِّلُنِي، أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ، لَمْ يَحْسُنْ فِي الْعَقْلِ تَصْدِيقُ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ يَجُوزُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَكُونَ هَذَا (٢) مُحْتَالًا عَلَيْهِ، يَكْذِبُ حَتَّى يَصْحَبَهُ فِي الطَّرِيقِ فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا (٣) لَا يَعْرِفُ مَا فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْخَوْفِ، وَأَمَّا ذَاكَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَضْمَنْ لِلسَّائِلِ شَيْئًا، بَلْ رَدَّهُ إِلَى نَظَرِهِ. فَالْحَزْمُ فِي مِثْلِ (٤) هَذَا أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ أَوْلَى بِالسُّلُوكِ: أَحَدُ ذَيْنِكَ (٥) الطَّرِيقَيْنِ أَوْ غَيْرُهُمَا (٦) وَلَوْ كَانَ (٧) كُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّ (٨) طَرِيقِي آمِنٌ مُوصِّلٌ يَكُونُ أَوْلَى بِالتَّصْدِيقِ مِمَّنْ تَوَقَّفَ، لَكَانَ كُلُّ مُفْتَرٍ وَجَاهِلٍ يَدَّعِي فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْتَبِهَةِ أَنَّ قَوْلِي فِيهَا هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَا قَاطِعٌ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ اتِّبَاعِي أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ وَيَسْتَدِلُّونَ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشُّيُوخُ الْكَذَّابُونَ الَّذِينَ يَضْمَنُونَ لِمُرِيدِهِمْ (٩) الْجَنَّةَ، وَأَنَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّهُمْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ مَنْ أَعْطَاهُمُ الْمَالَ أَعْطَوْهُ

стр. 1697

الْحَالَ الَّذِي يُقَرِّبُهُ إِلَى ذِي الْجَلَالِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ ذَوِي (١) الْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ الَّذِينَ لَا يَضْمَنُونَ لَهُ إِلَّا مَا ضَمِنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَكَانَ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَئِمَّةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ كَالْمُعِزِّ وَالْحَاكِمِ وَأَمْثَالِهِمَا أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ أَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ; لِأَنَّ أُولَئِكَ يَدَّعُونَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَكَشْفِ بَاطِنِ الشَّرِيعَةِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ أَعْظَمَ مِمَّا تَدَّعِيهِ الِاثْنَا عَشْرِيَّةَ لِأَصْحَابِهِمْ، وَيَضْمَنُونَ لَهُ (٢) هَذَا مَعَ اسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قَدْ أَسْقَطْنَا عَنْكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالزَّكَاةَ، وَضَمَنَّا لَكَ بِمُوَالَاتِنَا الْجَنَّةَ [وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِذَلِكَ] (٣) وَالِاثْنَا عَشْرِيَّةَ يَقُولُونَ: لَا يَسْتَحِقُّ (٤) الْجَنَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَاتِ وَيَتْرُكَ الْمُحَرَّمَاتِ (٥) فَإِنْ كَانَ اتِّبَاعُ الْجَازِمِ بِمُجَرَّدِ جَزْمِهِ أَوْلَى، كَانَ اتِّبَاعُ هَؤُلَاءِ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ مَنْ يَقُولُ: أَنْتَ إِذَا أَذْنَبْتَ يُحْتَمَلُ أَنْ تُعَاقَبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْفَى عَنْكَ، فَيَبْقَى بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْجَزْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ صَاحِبِهِ وَلَا عَلَى صِدْقِهِ، وَأَنَّ التَّوَقُّفَ وَالْإِمْسَاكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الدَّلِيلُ هُوَ عَادَةُ الْعُقَلَاءِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ (٦) " إِنَّهُمْ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لَهُمْ دُونَ أَهْلِ السُّنَّةِ " كَذِبٌ كَذِبٌ: (٧) ، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ

стр. 1698

اعْتَقَدَ اعْتِقَادَهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَاتِ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْإِمَامِيَّةِ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. وَإِنْ كَانَ (١) حُبُّ عَلِيٍّ حَسَنَةً لَا يَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، فَلَا (٢) يَضُرُّهُ تَرْكُ الصَّلَوَاتِ، وَلَا الْفُجُورُ بِالْعَلَوِيَّاتِ (٣) وَلَا نَيْلُ أَغْرَاضِهِ بِسَفْكِ دِمَاءِ (٤) بَنِي هَاشِمٍ إِذَا كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا. فَإِنْ قَالُوا: الْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ، عَادَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ الِاعْتِقَادَ الصَّحِيحَ وَأَدَّى الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ يَدْخُلُ (٥) الْجَنَّةَ، فَهَذَا اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّهُمْ يَجْزِمُونَ (٦) بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ (٧) لِعَدَمِ الْعِلْمِ (٨) بِدُخُولِهِ فِي الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ (٩) أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّقْوَى عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا يَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ [صَلَّى

стр. 1699

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (١) وَلَهُمْ فِيمَنِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِمَامِيَّةِ جَزْمٌ مَحْمُودٌ اخْتُصُّوا بِهِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَإِنْ قَالُوا: إِنَّا (٢) نَجْزِمُ لِكُلِّ شَخْصٍ رَأَيْنَاهُ مُلْتَزِمًا لِلْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا تَارِكًا لِلْمُحَرَّمَاتِ، بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَنَا بِبَاطِنِهِ مَعْصُومٌ. قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِيَّةِ بَلْ إِنْ كَانَ إِلَى هَذَا طَرِيقٌ صَحِيحٌ فَهُوَ طَرِيقٌ لِأَهْلِ (٣) السُّنَّةِ، وَهُمْ بِسُلُوكِهِ أَحَذَقُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَا (٤) طَرِيقٌ صَحِيحٌ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ، فَلَا (٥) فَضِيلَةَ فِيهِ بَلْ فِي عَدَمِهِ. فَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَدَّعُونَ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَحَقُّ بِهِ، وَمَا ادَّعُوهُ مِنَ الْجَهْلِ فَهُوَ نَقْصٌ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَبْعَدُ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ (٦) الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.

стр. 1700

كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: " وَجَبَتْ وَجَبَتْ ". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا عَلَيْهَا: (١) . شَرًّا فَقَالَ: " وَجَبَتْ وَجَبَتْ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: " هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: " وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» (٢) . . وَفِي الْمُسْنَدِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (٣)

стр. 1701

وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ (١) فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ (٢) أَوْ تُرَى لَهُ» (٣) . «وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (٤) يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (٥) . وَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ

стр. 1702

الْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (١) . وَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ (٢) فَإِنَّ الْوَاحِدَ (٣) قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ (٤) ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ (٥) أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا (٦) قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : " «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا (٧) .، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (٨)

стр. 1703

وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَكْمَلُ وَأَتَمُّ مِمَّا هِيَ عِنْدَ الشِّيعَةِ، فَلَا طَرِيقَ لَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِالسَّعَادَةِ وَحُصُولِهَا، إِلَّا وَذَلِكَ (١) الطَّرِيقُ أَكْمَلُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَجْزِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لِأَئِمَّتِهِمْ أَعْظَمَ مِنْ جَزْمِ الرَّافِضَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ أَئِمَّتَهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ هُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهُمْ جَازِمُونَ بِحُصُولِ النَّجَاةِ لِهَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ (٢) . فِي الْجَنَّةِ (٣) ، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . (٤) ، بَلْ يَقُولُونَ:

стр. 1704

إِنَّهُ " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» "، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢) . فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ (٣) أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ بِالنَّجَاةِ: إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا مُعَيَّنًا (٤) ، شَهَادَةً مُسْتَنِدَةً إِلَى عِلْمٍ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا شَهِدُوا (٥) بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، أَوْ شَهِدُوا بِالزُّورِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ [﵀] (٦) : مَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَشْهَدَ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ.

стр. 1705

الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي شُهِدَ لَهُ بِالنَّجَاةِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُطَاعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنْ نَازَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ هُوَ الْمُطَاعَ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِيمَا يَقُولُهُ بِاجْتِهَادِهِ (١) إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ (٢) . فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَلَا إِمَامَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، [فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَنْ يَجِبُ أَنْ يُطَاعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] (٣) وَهُمْ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَاكِمُ (٤) وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ: كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَهُمْ يَشْهَدُونَ (٥) لِإِمَامِهِمْ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلَائِقِ، وَيَشْهَدُونَ بِأَنَّ كُلَّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ فَفَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ وَتَرَكَ مَا نَهَى عَنْهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ بِهَذَا وَهَذَا هُمْ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الرَّافِضَةِ مِنْ شَهَادَتِهِمْ لِلْعَسْكَرِيَيْنِ (٦) وَأَمْثَالِهِمَا بِأَنَّهُ مَنْ أَطَاعَهُمْ (٧) دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَثَبَتَ أَنَّ إِمَامَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَكْمَلُ، وَشَهَادَتَهُمْ لَهُ وَلَهُمْ إِذَا (٨) أَطَاعُوهُ

стр. 1706

أَكْمَلُ، وَلَا سَوَاءَ. وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ) [سُورَةُ النَّمْلِ: ٥٩] فَعِنْدَ الْمُقَابَلَةِ يُذْكَرُ فَضْلُ الْخَيْرِ الْمَحْضِ عَلَى الشَّرِّ الْمَحْضِ، [وَإِنْ كَانَ الشَّرُّ الْمَحْضُ] (١) لَا خَيْرَ فِيهِ. وَإِنْ أَرَادُوا بِالْإِمَامِ الْإِمَامَ الْمُقَيَّدَ، فَذَاكَ لَا يُوجِبُ أَهْلُ السُّنَّةِ طَاعَتَهُ (٢) ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَمَرَ بِهِ مُوَافِقًا لِأَمْرِ الْإِمَامِ الْمُطْلَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَ [اللَّهُ بِطَاعَتِهِ فِيهِ] (٣) ، فَإِنَّمَا هُمْ مُطِيعُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يَضُرُّهُمْ تَوَقُّفُهُمْ فِي الْإِمَامِ الْمُقَيَّدِ: هَلْ هُوَ فِي الْجَنَّةِ أَمْ لَا؟ كَمَا لَا يَضُرُّ أَتْبَاعُ الْمَعْصُومِ عِنْدَهُمْ (٤) إِذَا أَطَاعُوا نُوَّابَهُ، مَعَ أَنَّ نُوَّابَهُ قَدْ يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لَا سِيَّمَا وَنُوَّابُ الْمَعْصُومِ عِنْدَهُمْ لَا يُعْلَمُ (٥) أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ الْمَعْصُومُ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا يَقُولُهُ مَعْصُومُهُمْ. وَأَمَّا أَقْوَالُ (٦) الرَّسُولِ ﷺ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ، فَمَنْ أَمَرَ بِهَا فَقَدَ (٧) عُلِمَ أَنَّهُ وَافَقَهَا، وَمَنْ أَمَرَ بِخِلَافِهَا عُلِمَ أَنَّهُ خَالَفَهَا، وَمَا خَفِيَ مِنْهَا (٨) فَاجْتَهَدَ فِيهِ (٩) نَائِبُهُ، فَهَذَا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةِ نَائِبٍ لِمَنْ تُدَّعَى

стр. 1707

عِصْمَتُهُ (١) وَلَا أَحَدَ يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَمَرَ بِهِ هَذَا الْغَائِبُ الْمُنْتَظَرُ، فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ نَائِبِهِ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا. فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّ النُّوَّابَ عَالِمُونَ بِأَمْرِ مَنْ قَبْلَهُ (٢) ، فَعِلْمُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ مِنْ عِلْمِ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ مَنْ يَدَّعُونَ (٣) عِصْمَتَهُ، وَلَوْ طُولِبَ أَحَدُهُمْ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ ثَابِتٍ بِمَا يَقُولُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ لَمَا وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْإِسْنَادِ وَالْعِلْمِ بِالرِّجَالِ النَّاقِلِينَ مَا (٤) لِأَهْلِ السُّنَّةِ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ السَّعَادَةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَطَاعَ رَسُولَهُ، وَتَوَعَّدَ بِالشَّقَاءِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَمَنَاطُ السَّعَادَةِ طَاعَةُ (٥) اللَّهِ وَرَسُولِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٦٩] وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى (٦) يَقُولُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سُورَةُ التَّغَابُنِ: ١٦] ، فَمَنِ اجْتَهَدَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ (٧) كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَقَوْلُ الرَّافِضَةِ (٨) : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ إِمَامِيًّا، كَقَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ

стр. 1708

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُنْتَظَرَ (١) الَّذِي يَدَّعِيهِ الرَّافِضِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ طَاعَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَوْلٌ مَنْقُولٌ عَنْهُ، فَإِذًا مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ ﷺ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَذَا الْإِمَامِ، وَمَنْ آمَنَ بِهَذَا الْإِمَامِ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا إِذَا أَطَاعَ الرَّسُولَ ﷺ (٢) فَطَاعَةُ الرَّسُولِ - (٣) هِيَ مَدَارُ السَّعَادَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ (٤) [وَمُحَمَّدٌ ﷺ ] (٥) فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ قَدْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى طَاعَتِهِ (٦) بِمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ، فَتَبَيَّنَ (٧) أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ جَازِمُونَ بِالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ الْجُزْءُ الثَّالِثُ مِنْ كِتَابِ " مِنْهَاجِ السُّنَّةِ فِي نَقْضِ كَلَامِ الشِّيعَةِ الْقَدَرِيَّةِ " لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَيَتْلُوهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - الْجُزْءُ الرَّابِعُ، وَأَوَّلُهُ: فَصْلٌ: قَالَ الرَّافِضِيُّ: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ. . . إِلَخْ.

стр. 1709

[كلام الرافضي على خصائص الأئمة الاثنى عشر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ (١) . قَالَ الرَّافِضِيُّ: " [الْوَجْهُ] (٢) الرَّابِعُ (٣) : أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُمْ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالِاشْتِغَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ (٤) وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ (٥) زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ إِلَى آخِرِ الْعُمُرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْعُلُومَ (٦) ، وَنَزَلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿هَلْ أَتَى﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: ١] ، وَآيَةُ الطَّهَارَةِ، وَإِيجَابُ الْمَوَدَّةِ لَهُمْ، وَآيَةُ الِابْتِهَالِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلِيٌّ [﵁] (٧) يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَيَتْلُو الْقُرْآنَ مَعَ شِدَّةِ ابْتِلَائِهِ بِالْحُرُوبِ وَالْجِهَادِ.

стр. 1710

فَأَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [﵁] (١) كَانَ أَفْضَلَ الْخَلْقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢) وَجَعَلَهُ اللَّهُ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ (٣) حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ٦١] وَوَاخَاهُ [رَسُولُ اللَّهِ] وَزَوَّجَهُ (٤) ابْنَتَهُ، وَفَضْلُهُ لَا يَخْفَى (٥) وَظَهَرَتْ مِنْهُ (٦) مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى ادَّعَى قَوْمٌ فِيهِ (٧) الرُّبُوبِيَّةَ وَقَتَلَهُمْ، وَصَارَ إِلَى مَقَالَتِهِمْ آخَرُونَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ كَالْغُلَاةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ. وَكَانَ وَلَدَاهُ سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٨) «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» إِمَامَيْنِ بِنَصِّ النَّبِيِّ ﷺ (٩) ، وَكَانَا أَزْهَدَ النَّاسِ وَأَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِمَا (١٠) ، وَجَاهَدَا (١١) فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى قُتِلَا، وَلَبِسَ الْحَسَنُ (١٢) الصُّوفَ تَحْتَ ثِيَابِهِ الْفَاخِرَةِ مِنْ

стр. 1711

غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ أَحَدٌ (١) بِذَلِكَ، «وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا الْحُسَيْنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ (٢) ، وَإِبْرَاهِيمَ (٣) عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ، فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ [﵇] (٤) وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ لَكَ بَيْنَهُمَا (٥) ، فَاخْتَرْ مَنْ شِئْتَ مِنْهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٦) : إِذَا مَاتَ الْحُسَيْنُ بَكَيْتُ (٧) أَنَا وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، وَإِذَا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بَكَيْتُ أَنَا عَلَيْهِ، فَاخْتَارَ مَوْتَ إِبْرَاهِيمَ (٨) فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْحُسَيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ (٩) : أَهْلًا وَمَرْحَبًا بِمَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيمَ» . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (١٠) يَصُومُ نَهَارَهُ وَيَقُومُ لَيْلَهُ، وَيَتْلُو الْكِتَابَ الْعَزِيزَ، وَيُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَيَدْعُو كُلَّ رَكْعَتَيْنِ (١١) بِالْأَدْعِيَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ وَعَنْ آبَائِهِ (١٢) ثُمَّ يَرْمِي الصَّحِيفَةَ كَالْمُتَضَجِّرِ، وَيَقُولُ (١٣) : أَنَّى لِي بِعِبَادَةِ

стр. 1712

عَلِيٍّ (١) ، وَكَانَ يَبْكِي كَثِيرًا (٢) حَتَّى أَخَذَتِ الدُّمُوعُ مِنْ لَحْمِ خَدَّيْهِ، وَسَجَدَ حَتَّى سُمِّيَ ذَا الثَّفِنَاتِ (٣) ، «وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الْعَابِدِينَ» . وَكَانَ قَدْ حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاجْتَهَدَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (٤) فَلَمْ يُمْكِنْهُ مِنَ الزِّحَامِ (٥) فَجَاءَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ فَوَقَفَ (٦) النَّاسُ لَهُ وَتَنَحَّوْا عَنِ الْحَجَرِ حَتَّى اسْتَلَمَهُ (٧) ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ الْحَجَرِ سِوَاهُ (٨) ، فَقَالَ هِشَامُ [بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ] : مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ [الشَّاعِرُ] (٩) : هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ... وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ (١٠) الْعَلَمُ يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ ... رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ

стр. 1713

إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ... إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ ... أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ (١) قِيلَ هُمُ هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ... بِجِدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ يَنْشَقُّ نُورُ الْهُدَى عَنْ صُبْحٍ غُرَّتِهِ ... كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِهَا الظُّلَمُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ ... طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ اللَّهُ شَرَّفَهُ قِدْمًا وَفَضَّلَهُ ... جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَمُ (٢) مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَلْجًا وَمُعْتَصَمُ ... لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بَعْدَ غَايَتِهِمْ وَلَا يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُمُوا ... هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ وَالْأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى وَالرَّأْيُ (٣) مُحْتَدِمُ ... لَا يَنْقُصُ (٤) الْعُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكُفِّهِمُ سِيَّانَ ذَلِكَ إِنْ أَثْرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا ... مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُ نَعَمُ ... يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ (٥) وَالْبَلْوَى بِحُبِّهِمُ وَيُسْتَرَقُّ بِهِ الْإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ ... مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُهُمُ فِي كُلِّ بِرٍّ (٦) وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ ... مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوْلَوِيَّةَ ذَا (٧) فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الْأُمَمُ (٨)

стр. 1714

فَغَضِبَ هِشَامٌ وَأَمَرَ بِحَبْسِ الْفَرَزْدَقِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، [فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ (١) أَتَحْبِسُنِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالَّتِي ... إِلَيْهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِيَ مُنْبِيهَا (٢) تُقَلِّبُ رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ وَعَيْنًا لَهُ حَوْلَاءَ (٣) بَادٍ عُيُوبُهَا ] (٤) . فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ (٥) زَيْنُ الْعَابِدِينَ (٦) بِأَلْفِ دِينَارٍ فَرَدَّهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا قَلَتُ هَذَا غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (٧) ، فَمَا آخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (٨) : نَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ (٩) لَا يَعُودُ إِلَيْنَا مَا خَرَجَ مِنَّا، فَقَبِلَهَا (١٠) الْفَرَزْدَقُ.

стр. 1715

وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قَوْمٌ يَأْتِيهِمْ رِزْقُهُمْ لَيْلًا وَلَا يَعْرِفُونَ مِمَّنْ هُوَ، فَلَمَّا مَاتَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (١) ، انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ (٢) وَعَرَفُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ (٣) . وَكَانَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ (٤) أَعْظَمَ النَّاسِ زُهْدًا وَعِبَادَةً، بَقَرَ السُّجُودُ جَبْهَتَهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ [أَهْلِ] (٥) وَقْتِهِ، سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَاقِرَ، وَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ إِلَيْهِ (٦) وَهُوَ صَغِيرٌ فِي الْكُتَّابِ، فَقَالَ لَهُ: جَدُّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَعَلَى جَدِّيَ السَّلَامُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: (٧) «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحُسَيْنُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يُلَاعِبُهُ، (٨) فَقَالَ: يَا جَابِرُ، يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ إِذَا (٩) كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ وَلَدُهُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ مَوْلُودٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ، يَبْقُرُ (١٠) الْعِلْمَ بَقْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» (١١) . وَرَوَى عَنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ.

стр. 1716

وَكَانَ ابْنُهُ الصَّادِقُ (١) ﵇ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَعْبَدَهُمْ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيرَةِ (٢) إِنَّهُ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ: كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (٣) عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ النَّبِيِّينَ، وَهُوَ الَّذِي نَشَرَ فِقْهَ الْإِمَامِيَّةِ، وَالْمَعَارِفَ الْحَقِيقَةَ، وَالْعَقَائِدَ الْيَقِينِيَّةَ، وَكَانَ لَا يُخْبِرُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَقَعَ، وَبِهِ سَمَّوْهُ الصَّادِقَ الْأَمِينَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ (٤) جَمَعَ أَكَابِرَ الْعَلَوِيِّينَ (٥) لِلْبَيْعَةِ لِوَلَدَيْهِ، فَقَالَ الصَّادِقُ (٦) : هَذَا (٧) الْأَمْرُ لَا يَتِمُّ، فَاغْتَاظَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لِصَاحِبِ الْقَبَاءِ الْأَصْفَرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمَنْصُورُ بِذَلِكَ فَرِحَ لِعِلْمِهِ بِوُقُوعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ (٨) ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْهِ (٩) ، وَلَمَّا هَرَبَ كَانَ يَقُولُ: أَيْنَ قَوْلُ صَادِقِهِمْ؟ وَبَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ. وَكَانَ ابْنُهُ مُوسَى الْكَاظِمُ (١٠) يُدْعَى بِالْعَبْدِ الصَّالِحِ، وَكَانَ أَعْبَدَ أَهْلِ زَمَانِهِ (١١) ، يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، وَسُمِّيَ الْكَاظِمَ لِأَنَّهُ كَانَ (١٢) إِذْ بَلَغَهُ عَنْ

стр. 1717

أَحَدٍ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهِ بِمَالٍ. وَنَقَلَ فَضْلَهُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: رَوَى (١) عَنْ شَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا سَنَةَ تِسْعٍ (٢) وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَنَزَلْتُ الْقَادِسِيَّةَ فَإِذَا شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ شَدِيدُ السُّمْرَةِ، عَلَيْهِ ثَوْبُ صُوفٍ مُشْتَمِلٌ بِشَمْلَةٍ، فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ، وَقَدْ جَلَسَ مُنْفَرِدًا عَنِ النَّاسِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا الْفَتَى (٣) مِنَ الصُّوفِيَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، وَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ إِلَيْهِ أُوَبِّخْهُ (٤) ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ (٥) فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا (٦) قَالَ: يَا شَقِيقُ، اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا (٧) عَبْدٌ صَالِحٌ قَدْ نَطَقَ عَلَى مَا فِي خَاطِرِي (٨) ، لَأَلْحَقَنَّهُ وَلَأَسْأَلَنَّهُ أَنْ يُحَالِلَنِي (٩) ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِي (١٠) ، فَلَمَّا نَزَلْنَا وَاقِصَةَ إِذَا بِهِ يُصَلِّي (١١) ، وَأَعْضَاؤُهُ تَضْطَرِبُ، وَدُمُوعُهُ تَتَحَادَرُ. فَقُلْتُ: أَمْضِي إِلَيْهِ وَأَعْتَذِرُ، فَأَوْجَزَ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا شَقِيقُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [سُورَةُ طه: ٨٢] فَقُلْتُ: هَذَا مِنَ الْأَبْدَالِ، قَدْ تَكَلَّمَ عَلَى

стр. 1718

سِرِّي مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا [زُبَالَةَ] (١) إِذَا بِهِ قَائِمٌ عَلَى الْبِئْرِ وَبِيَدِهِ رِكْوَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَقِيَ مَاءً (٢) فَسَقَطَتِ الرِّكْوَةُ مِنْ يَدِهِ (٣) فِي الْبِئْرِ فَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: أَنْتَ رَبِّي (٤) إِذَا ظَمِئْتُ إِلَى الْمَاءِ وَقُوَّتِي إِذَا أَرَدْتُ الطَّعَامَا. يَا سَيِّدِي مَالِي سِوَاهَا. قَالَ (٥) شَقِيقٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبِئْرَ قَدِ ارْتَفَعَ مَاؤُهَا، فَأَخَذَ الرِّكْوَةَ (٦) وَمَلَأَهَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى (٧) أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ مَالَ (٨) إِلَى كَثِيبِ رَمْلٍ هُنَاكَ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ وَيَطْرَحُهُ فِي الرِّكْوَةِ وَيَشْرَبُ (٩) . فَقُلْتُ: أَطْعِمْنِي مِنْ فَضْلِ مَا رَزَقَكَ اللَّهُ أَوْ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ (١٠) . فَقَالَ: يَا شَقِيقُ، لَمْ تَزَلْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنَا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (١١) فَأَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي الرِّكْوَةَ فَشَرِبْتُ مِنْهَا فَإِذَا هُوَ سَوِيقٌ وَسُكَّرٌ، مَا شَرِبْتُ وَاللَّهِ أَلَذَّ مِنْهُ وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا (١٢) فَشَبِعْتُ وَرَوِيتُ. وَأَقَمْتُ (١٣) أَيَّامًا لَا أَشْتَهِي طَعَامًا

стр. 1719

وَلَا شَرَابًا، ثُمَّ لَمْ أَرَهُ حَتَّى دَخَلْتُ (١) مَكَّةَ، فَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً إِلَى جَانِبِ قُبَّةِ الْمِيزَابِ (٢) نِصْفَ اللَّيْلِ يُصَلِّي بِخُشُوعٍ وَأَنِينٍ وَبُكَاءٍ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ذَهَبَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ يُسَبِّحُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، وَخَرَجَ (٣) فَتَبِعْتُهُ، فَإِذَا لَهُ حَاشِيَةٌ وَأَمْوَالٌ وَغِلْمَانٌ (٤) ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا رَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ، وَدَارَ بِهِ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ (٥) : مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُوسَى (٦) بْنُ جَعْفَرٍ (٧) ، فَقُلْتُ: قَدْ عَجِبْتُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعَجَائِبُ إِلَّا لِمِثْلِ هَذَا السَّيِّدِ. هَذَا رَوَاهُ الْحَنْبَلِيُّ. وَعَلَى يَدِهِ تَابَ (٨) بِشْرٌ الْحَافِي لِأَنَّهُ ﵇ (٩) اجْتَازَ عَلَى دَارِهِ بِبَغْدَادَ، فَسَمِعَ الْمَلَاهِيَ وَأَصْوَاتَ الْغِنَاءِ وَالْقَصَبِ يَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ، فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ وَبِيَدِهَا قُمَامَةُ الْبَقْلِ (١٠) ، فَرَمَتْ بِهَا فِي الدَّرْبِ، فَقَالَ لَهَا (١١) : يَا جَارِيَةُ، صَاحِبُ هَذَا الدَّارِ حُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟

стр. 1720

فَقَالَتْ: بَلْ حُرٌّ، فَقَالَ: صَدَقْتِ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَخَافَ مِنْ مَوْلَاهُ. فَلَمَّا دَخَلَتِ الْجَارِيَةُ قَالَ (١) مَوْلَاهَا وَهُوَ عَلَى مَائِدَةِ السُّكْرِ (٢) : مَا أَبْطَأَكِ عَلَيْنَا (٣) ؟ قَالَتْ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِكَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ حَافِيًا حَتَّى لَقِيَ مَوْلَانَا مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ فَتَابَ عَلَى يَدِهِ (٤) . [الجواب على قول الرافضي إن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت] وَالْجَوَابُ عَنْهُ (٥) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُمْ عَنْ (٦) أَهْلِ الْبَيْتِ: لَا الِاثْنَا عَشْرِيَّةٍ وَلَا غَيْرُهُمْ، بَلْ هُمْ مُخَالِفُونَ لِعَلِيٍّ ﵁ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (٧) فِي جَمِيعِ أُصُولِهِمُ الَّتِي فَارَقُوا فِيهَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: تَوْحِيدُهُمْ وَعَدْلُهُمْ وَإِمَامَتُهُمْ، فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٨) وَ [أَئِمَّةِ] أَهْلِ الْبَيْتِ (٩) مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ، وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَإِثْبَاتِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَإِثْبَاتِ فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ كُلُّهُ (١٠) يُنَاقِضُ
следующие страницы →