← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9281

المفصل في أحكام الأضحية

حسام الدين عفانة

Полный текст (188 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والعضب صفة تكون في الأذن وفي القرن أيضاً. قال أبو عبيد من أئمة اللغة: [الأعضب المكسور القرن الداخل ... وقد يكون العضب في الأذن أيضاً، فأما المعروف ففي القرن وهو فيه أكثر] (١). ويؤيده ما ورد في حديث علي السابق (أنه ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن). ومكسورة القرن تجزئ عند الشافعية مع الكراهة. قال الماوردي: [فتجوز الأضحية بالجلحاء، وهي الجماء التي خلقت لا قرن لها، وبالعضباء وهي المكسورة القرن سواء دمي موضع قرنها بالكسر أو لم يدم] (٢). وقال الحنفية تجزئ مكسورة القرن إلا إذا بلغ الكسر الدماغ (٣). وعند المالكية ثلاثة أقوال: ١. تجزئ. ٢. لا تجزئ. ٣. الفرق بين أن يدمي القرن المكسور أو لا يدمي، فإن كان القرن يدمي من الكسر، فلا تجزئ وإن كان لا يدمي تجزئ، وهو القول المشهور في المذهب (٤). وقال الحنابلة لا تجزئ مكسورة القرن (٥). وحجة من قال بالإجزاء، أن القرن ليس عضواً مأكولاً، كما أن فقده لا يؤدي إلى فساد اللحم، وهذا بخلاف العضب في الأذن، لأن الأذن عضو مأكول. والنهي الوارد في حديث علي (أن النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن) محمول على الكراهة دون التحريم (٦). والراجح أنها تجزىء إلا إذا كان الدم يسيل فتكره حيتئذ.

стр. 72

قال الحافظ ابن عبد البر: [جمهور العلماء على القول بجواز الضحية المكسورة القرن إذا كان لا يدمي، فإن كان يدمي، فقد كرهه مالك، وكأنه جعله مرضاً بيِّناً. وقد روى قتادة عن جري بن كليب عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن أعضب القرن والأذن. قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: ما عضب الأذن والقرن؟ قال: النصف أو أكثر. قال أبو عمر: لا يوجد ذكر القرن في غير هذا الحديث ... وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء في القرن ... وفي إجماعهم على إجازة الضحية بالجماء ما يبين لك أنَّ حديث القرن لا يثبت ولا يصح وهو منسوخ؛ لأنه معلوم أن ذهاب القرنين معاً أكثر من ذهاب بعض أحدهما] (١). رابعاً: صفات في الأنف: الجدعاء: وهي مقطوعة الأنف، والجدع يستعمل في قطع الأنف والأذن والشفة واليد ونحوها (٢). وقد نص فقهاء الحنفية على أن مقطوعة الأنف لا تجزئ لذهاب عضو منها (٣). خامساً: صفات في اللسان والأسنان: ١. الهتماء: وهي التي انكسرت ثنيتها وهو فوق الثرم (٤). وعند الفقهاء الهتماء التي ذهبت أسنانها والثرماء التي ذهبت بعض أسنانها. فالهتماء وهي التي ذهبت جميع أسنانها: قال الشافعية والمالكية وأبو يوسف من الحنفية لا تجزئ. وعند أبي حنيفة تجزئ إذا كانت ترعى وتعتلف، وهو قول الحنابلة (٥). وأما الثرماء وهي التي ذهبت بعض أسنانها فتجوز عند أبي حنيفة إذا كانت تعتلف، وهو قول الشافعية والحنابلة في أصح الوجهين عندهم. ولأبي يوسف فيها قولان: قول اعتبر فيه بقاء أكثر الأسنان.

стр. 73

وقول اعتبر فيه الاعتلاف (١). والراجح أن الهتماء والثرماء تجزئان في الأضحية ويدل على ذلك ما يلي: أ. ما سبق في حديث يزيد ذو مصر وفيه: (إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئاً يعجبني غير ثرماء فكرهتها. فما تقول؟ قال: أفلا جئتني بها. قلت: سبحان الله تجوز عنك ولا تجوز عني. قال نعم إنك تشك ولا أشك ... الخ) ب. ويؤيد ذلك ما سبق في حديث البراء ﵁ في عيوب الأضحية غير المجزئة، حيث قال الراوي عن البراء وهو عبيد بن فيروز للبراء: قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص فقال البراء: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد. ج. ورد عن طاووس أنه قال في الهتماء: يضحى بها. د. ونقل القاضي حسين عن الإمام الشافعي أنه قال: لا نحفظ عن النبي ﷺ في نقص الأسنان شيء. يعني في النهي (٢). ٢. التي لا لسان لها أصلاً تجزئ عند الحنفية إذا كانت من الغنم فقط. وأما إذا كانت من البقر فلا تجزئ، لأن البقر يأخذ العلف باللسان، فإذا انقطع من اللسان أكثر من الثلث فلا تجزئ عندهم. وقال الشافعية مقطوعة بعض اللسان لا تجزئ (٣). وهو والراجح لذهاب عضو مأكول. سادساً: صفات في الضرع: والضرع: لذات الظلف كالثدي للمرأة ويسمى أيضاً الطُّبْي، ويجمع على أطْباء. وإن كان الطُّبْي يستعمل أيضاً في ذات الخف (٤). ١. الجدَّاء: قال ابن منظور: [شاة جدَّاء قليلة اللبن يابسة الضرع وكذلك الناقة والأتان. وقيل الجدَّاء من كل حلوبة الذاهبة اللبن عن عيب

стр. 74

الجدَّاء الشاة التي انقطعت أخلافها وقيل ... هي المقطوعة الضرع وقيل هي اليابسة الأخلاف ... ] (١). وقال الفقهاء إن الجدَّاء التي يبس ضرعها، لا تجزئ لأن بها نقصاً في الخلقة كذا علله الإمام أحمد (٢). وكذلك فإن مقطوعة الأَطْبَاء لا تجزئ لذهاب عضو منها (٣). ٢. وأما التي خلقت بلا ضرع فتجزئ، وكذا صغيرة الضرع خلقةً فتجزئ، وكذا التي لها ضرع ولكن لا تحلب تجزئ أيضاً (٤). سابعاً: صفات في الذنب والألية: والذنب للإبل والبقر والمعز والألية للضأن. ١. البتراء والمبتورة بمعنى واحد، وهي التي لا ذنب لها خلقةً أو مقطوعاً (٥). فإن كانت لا ذنب لها، خلقة فتجزئ عند الحنابلة، ولا تجزئ عند الحنفية والمالكية والشافعية. وإن كان لها ذنب فقطع فتجزئ عند الحنابلة أيضاً، ولا تجزئ عند الحنفية والمالكية والشافعية (٦). فإن كان بعض الذنب مقطوعاً فتجزئ عند الحنابلة. وأما الحنفية فقالوا مقطوعة أكثر الذنب لا تجزئ فإن كان يسيراً أجزأت. وعند المالكية مقطوعة ثلث الذنب فأكثر لا تجزئ (٧).

стр. 75

وعند الشافعية لا تجزئ. والراجح أن مقطوعة الذنب لا تجزىء، لأنه يعد عيباً فيها. ٢. المخلوقة بلا ألية أصلاً تجزئ عند أبي حنيفة والشافعية والحنابلة ولا تجزئ عند المالكية (١) وأما مقطوعة الألية وهي التي كانت لها ألية فقطعت، فلا تجزئ عند الفقهاء، لأنها فقدت عضواً مأكولاً (٢). وأما إن قطع بعض أليتها فاختلف الفقهاء: فقال الحنفية: إن كان القطع يسيراً أجزأت، وإن كان كثيراً لم تجزئ. وقال المالكية: إن كان القطع ثلث الألية فأكثر فلا تجزئ. وقال الحنابلة: إن قطع دون النصف أجزأت (٣). وأما إن كان لها ألية صغيرة تشبه الذنب فهي مجزئة (٤). والذي أرجحه من أقوال الفقهاء جواز الأضحية بالتي خلقت بلا ذنب أو ألية. وقد نقل جوازها عن ابن عمر ﵁ وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن النخعي (٥) ثامناً: صفات أخرى: ١. الهيماء: من الهيام وهو داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى. وقيل هو داء كالحمى يصيب الإبل لشربها ماءاً آسناً (٦). وقال الشافعية في وجه عندهم لا تجزئ الهيماء (٧). والذي يظهر لي أن الهيماء لا يصح أن يضحى بها إن كانت هزيلة بسبب مرضها، وإلا فتجزئ إن كانت سمينة.

стр. 76

٢. الثولاء: من الثَوَل، وهو داء يصيب الشاة فتسترخي أعضاؤها، وقيل هو جنون يصيب الشاة فلا تتبع الغنم وتستدبر في مرتعها، وقيل هو داء يأخذ الغنم في ظهورها ورؤوسها فتخر منه (١). ويصف الفقهاء الثولاء بأنها المجنونة التي تستدبر المرعى ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل، فإذا كانت كذلك فلا تجزئ في الأضحية. وأما إذا لم يمنعها الثول من الرعي والاعتلاف فتجزئ إذا كانت سمينة (٢). وورد عن الحسن أنه قال: لا بأس أن يضحى بالثولاء، وهذا محمول على أنها سمينة (٣). ٣. الجرباء: من الجرب وهو مرض يصيب الدواب والناس أيضاً (٤). والجرباء لا تجزئ في الأضحية لأن بها مرضاً مفسداً للحم كما أن النفوس تعافها وهذا مذهب الجمهور. وقال الحنفية تجزئ الجرباء إذا كانت سمينة فإن كانت مهزولة فلا تجزئ (٥). ويظهر لي أن القول بعدم الإجزاء هو الأرجح. ٤. المشيعة: وهي التي لاتتبع الغنم عجفاً وضعفاً، وقيل هي التي لا تتبع الغنم عادة وكسلاً وقد قال الفقهاء إن كانت لا تتبع الغنم لهزالها وضعفها، فلا تجزئ وهذه التي ورد النهي عن التضحية بها في حديث يزيد ذو مصر السابق وفيه (والمشيعة ... ). وأما إذا كانت لا تتبع الغنم عادة وكسلاً فتجزئ (٦). ٥. الموجوء والخصي: الموجوء من الوجء وهو أن ترض أنثيا – خصيتا – الفحل رضاً شديداً يذهب شهوة الجماع. وقيل أن توجأ العروق والخصيتان بحالهما (٧).

стр. 77

والخصي: من الخصاء وهو سلُّ خصيتي الفحل (١). وقد قال أكثر الفقهاء إن الخصي والموجوء يجزئان في الأضحية. قال ابن قدامة: [ويجزئ الخصي لأن النبي ﷺ : ضحى بكبشين موجؤين ... وبهذا قال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً] (٢). وقد نسب بعض الشافعية إلى القول الجديد للشافعي أن الخصي لا يجزئ في الأضحية، لأنه قد فات منه الخصيتان وهما مأكولتان. وهذا بناءاً على التفريق بين الموجوء والخصي، لأن الوجئ هو رض عروق البيضتين، والخصاء هو سلهما، وأشار إلى هذا الزركشي. وقد اعتبر الإمام النووي أن نسبة هذا إلى الشافعي ضعيفة واعتبره قولاً شاذاً فقال: [يجزئ الموجوء والخصي، كذا قطع الأصحاب وهو الصواب. وشذ ابن كج فحكى في الخصي قولين وجعل المنع هو قول الجديد وهذا ضعيف منابذ للحديث الصحيح] (٣). وقد ورد في عدد من الأحاديث أن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوئين منها: ١. عن جابر بن عبد الله قال: (ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجهها قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) رواه أبو داود والبيهقي وسكت عنه أبو داود وله طرق تقويه (٤). ٢. وعن عائشة وأبي هريرة ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ ).

стр. 78

رواه ابن ماجة وأحمد والبيهقي والحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح (١). ٣. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين جذعين خصيين) رواه أحمد والطبراني وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وفيه مقال (٢). ٤. وعن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوئين خصيين فقال: أحدهما عمَّن شهد بالتوحيد وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته قال: فكأن رسول الله ﷺ قد كفانا). رواه أحمد وأورده الهيثمي وقال: رواه أحمد وإسناده حسن وقال الشيخ الألباني صحيح (٣) وهذه الأحاديث تدل على جواز التضحية بالموجوء والخصي. وهو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة. قال الخطابي معلقاً على حديث جابر السابق: (وفي هذا دليل على أن الخصي في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب لأن الخصاء يفيد اللحم طيباً، وينفي منه الزهومة وسوء الرائحة) (٤). وقال ابن قدامة: [ولأن الخصاء ذهاب عضو غير مستطاب يطيب اللحم بذهابه ويكثر ويسمن. قال الشعبي: ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه] (٥). وسئل إبراهيم عن الخصي والفحل أيهما أكمل في الأضحية؟ قال: الخصي لأنه إنما طلب صلاحه (٦). ٦. الفحل: الذي كثر نزوه يجزئ، وقال المالكية إن فسد لحمه لا يجزئ (٧). ٧. الحامل: تجزئ، وقال أكثر الشافعية لا تجزئ وخالفهم ابن الرفعة فقال تجزئ (٨).

стр. 79

٨. المجزوزة: وهي التي جز صوفها تجزئ (١). ٩. المكوية: وهي التي بها كيٌّ تجزئ (٢). ١٠. الأنثى: وإن كثرت ولادتها تجزئ، وقال المالكية إذا فسد لحمها لا تجزئ (٣). ١١. الساعلة: وهي التي بها سعال تجزئ (٤). ١٢. فاقدة رجل أو يد لا تجزئ، لأنها فقدت عضواً مأكولاً (٥). ١٣. البكماء: التي فقدت صوتها تجزئ لأنه لا يؤثر على لحمها وشحمها. وقال المالكية لا تجزئ (٦). ١٤. البخراء: وهي متغيرة رائحة الفم تجزئ لأنه شيء عادي أن يكون لها رائحة فم. وقال المالكية لا تجزئ (٧). ١٥. الخنثى: تجزئ لأنها ذكراً أو أنثى وكلاهما يجزئ وليس فيها ما ينقص اللحم (٨) وخلاصة الأمر أن العيوب التي تمنع الإجزاء هي ما كانت مؤذية للحيوان ومنقصة من لحمه وشحمه وثمنه. وينبغي أن تكون الأضحية خالية من أي عيب وهذا هو الأكمل والأحسن فقد كان ابن عمر ﵁ يتقي من الضحايا التي نقص من خلقها. وورد مثل ذلك عن السلف أنهم يكرهون كل نقص في الضحية.

стр. 80

المبحث التاسع الحد الفاصل بين القليل والكثير في عيوب الأضحية اختلف الفقهاء في الحد الفاصل في عيوب الأضحية من حيث القليل والكثير، فمثلاً قالوا إن كان القطع في الأذن قليلاً يجزئ، وإن كان كثيراً فلا يجزئ. فما هو ضابط ذلك؟ قال ابن عابدين: [واختلف أصحابنا في الفاصل بين القليل والكثير. فعن أبي حنيفة أربع روايات: روى محمد عنه في الأصل والجامع الصغير أن المانع ذهاب أكثر من الثلث. وعنه أنه الثلث. وعنه أنه الربع. وعنه أن يكون الذاهب أقل من الباقي أو مثله. والأولى هي ظاهر الرواية والرابعة هي قولهما قال في الهداية: وقالا إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه وهو اختيار الفقيه أبي الليث. قال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة فقال: قولي هو قولك. قيل هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف ووجه الرابعة وهو قولهما وإليها رجع الإمام أن الكثير من كل شيء أكثره وعليها الفتوى] (١). وعند المالكية ما كان دون الثلث فيسير وما كان فوقه فكثير (٢). وعند الشافعية قال إمام الحرمين الجويني: [وأقرب ضبط بين الكثير واليسير أنه إن لاح النقص من البعد فكثير وإلا فقليل] (٣). وقال الحنابلة ما كان دون النصف أجزأ، وما كان أكثر فلا يجزئ، وفي رواية أخرى أن الحد الفاصل بين القليل والكثير الثلث، فما كان دونه أجزأ، وما كان فوقه لا يجزئ (٤).

стр. 81

ويرى ابن حزم الظاهري أن التحديد المذكور عند الفقهاء بالثلث أو النصف أو غيره، لا دليل عليه من الشرع (١). ويرى الشوكاني أن المعفو عنه من العيوب، هو اليسير لأن قوله ﷺ في حديث البراء: (البين عورها والبين مرضها والبين ظلعها) يدل على ذلك (٢).

стр. 82

المبحث العاشر طروءُ العيبِ المخلِّ على الأضحية بعد تعيينها لو اشترى شخص أضحية - شاة أو بقرة أو ناقة - قبل يوم الأضحى، ثم حبسها عنده فأصابها عيب مانع من الإجزاء، كأن كسرت رجلها، أو عجفت، فهل يصح أن يضحي بها وتكون مجزئة أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة كما يلي: القول الأول: يذبحها وتجزؤه، نقل هذا القول عن عطاء والحسن والنخعي والزهري والثوري والشافعي وأحمد واسحق وهو قول الهادوية (١). القول الثاني: لا تجزؤه، ولا بد أن يذبح بدلها، وهو قول الحنفية والمالكية (٢). حجة الفريق الأول: ما ورد في الحديث عن أبي سعيد ﵁ قال: (اشتريت كبشاً أضحي به فعدا الذئب فأخذ أليته فسألت النبي ﷺ فقال: ضح به) رواه أحمد والبيهقي (٣). ورواه ابن ماجة ولفظه عن أبي سعيد قال: (ابتعنا كبشاً نضحي به فأصاب الذئب من أليته أو أذنه فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نضحي به) (٤). وقال في الزوائد: [في إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف قد اتُهِمْ] (٥) وكذَّبه ابن حزم (٦). وفي رواية أخرى عند البيهقي عن أبي سعيد: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن شاة قطع الذئب ذنبها، يضحي بها؟ قال: ضح بها) (٧). وقال المجد ابن تيمية بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: [وهو دليل على أن العيب الحادث بعد التعيين لا يضر] (٨).

стр. 83

قال الشوكاني: [فيه دليل على أن ذهاب الألية ليس عيباً في الضحية، من غير فرق بين أن يكون ذلك بعد التعيين أو قبله، كما يدل على ذلك رواية البيهقي] (١). ومما يؤيد القول الأول: أن ابن الزبير ﵄ رأى هدايا له فيها ناقة عوراء فقال: [إن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها، وإن كان أصابها قبل أن تشتروها فأبدلوها] (٢). وروى عبد الرزاق بإسناده عن الزهري قال: [إذا اشترى الرجل أضحيته فمرضت عنده أو عرض لها مرض فهي جائزة] (٣). وقال ابن قدامة مستدلاً للإجزاء: [ولأنه عيب حدث في الأضحية الواجبة فلم يمنع الإجزاء، كما لو حدث بها عيب بمعالجة الذبح] (٤). حجة الفريق الثاني: قال الزيلعي الفقيه: [ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع من التضحية، كان عليه أن يقيم غيرها مقامها إن كان غنياً. وإن كان فقيراً يجزئه ذلك؛ لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداءً، لا بالشراء فلم يتعين بالشراء. والفقير ليس عليه واجب شرعاً، فتعينت بشرائه بنية الأضحية، ولا يجب عليه ضمان نقصانها، لأنها غير مضمونة عليه فأشبهت نصاب الزكاة] (٥). ثم ذكر حديث أبي سعيد السابق ثم قال: [ويحمل على أنه كان فقيراً لأن الغني لا يجزئه لوجوبها في ذمته ولا كذلك الفقير ... ] (٦).

стр. 84

وأما إذا طرأ العيب على الأضحية حين إضجاعها للذبح، كأن أضجعها فاضطربت فأصابت السكين عينها، فعورت أو كسرت رجلها، فاختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يذبحها وتجزئه أضحية، وهذا قول الحنفية استحساناً والحنابلة، وهو أحد القولين عند الشافعية (١). قال صاحب الدر المختار: [ولا يضر تعيبها من اضطرابها عند الذبح] (٢). وقال الكاساني: [ولو قدم أضحية ليذبحها فاضطربت في المكان الذي يذبحها فيه فانكسرت رجلها ثم ذبحها على مكانها أجزأه. وكذلك إذا انقلبت منه الشفرة فأصابت عينها فذهبت. والقياس أنه لا يجوز. وجه القياس: أن هذا عيب دخلها قبل تعيين القربة فصار كما لو كان قبل حال الذبح. وجه الاستحسان: أن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه لأن الشاة تضطرب فتلحقها العيوب من اضطرابها] (٣). القول الثاني: لا تجزئه، وهو قول المالكية وأصح القولين عند الشافعية (٤). القول الراجح: والذي يظهر لي رجحان القول بجواز الأضحية إن طرأ العيب عليها بعد شرائها، وكذا إن طرأ العيب عليها عند معالجة ذبحها. أما في الحالة الأولى: فقد سبق القول بأن الراجح من أقوال أهل العلم أنه الأضحية سنة وليست واجبة، وهذا قد اشترى الأضحية المجزئة الخالية من العيوب، ثم طرأ العيب بعد ذلك دون تقصير منه، فلا يُكَلَف شراء أخرى، لما في ذلك من المشقة. ويمكن الاستئناس بحديث أبي سعيد السابق، فإنه وإن ضعفه بعض أهل الحديث لأنه من رواية جابر الجعفي.

стр. 85

إلا أن شعبة بن الحجاج روى عنه وفي ذلك تقوية له. قال الحافظ ابن عبد البر: [وقد تكلموا في جابر الجعفي ولكن شعبة روى عنه وكان يحسن الثناء عليه وحسبك بذلك من شعبة] (١). كما وأن رواية جابر الجعفي هذه تتقوى بالرواية الأخرى عند البيهقي، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره. ويمكن الاستئناس بما رواه البيهقي عن ابن الزبير أيضاً، وبما رواه عبد الرزاق عن الزهري. وأما الحالة الثانية - إذا تعيبت عند الذبح -: فأرى أنها مجزئة أيضاً، لأن الغالب على الحيوان الاضطراب عند الذبح، وقد تصيبه السكين قبل ذبحه فلا يمكن التحرز من ذلك، فالقول بالإجزاء هو الأولى، والقول بخلافه فيه تشدد وإلحاق الحرج بالمضحي لأنه سيتكلف بدلها والله أعلم.

стр. 86

المبحث الحادي عشر المجزئ في الأضحية المطلب الأول: المجزئ من الغنم: أولاً: قال جمهور أهل العلم إن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت الواحد، فإذا ضحى بها واحد من أهل البيت، تأدى الشعار والسنة بجميعهم، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي (١). ويدل على ذلك ما يلي: ١. روى الترمذي بإسناده عن عُمارة بن عبد الله قال: (سمعت عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب: (كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت كما ترى). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجة ومالك. قال الإمام النووي: هذا حديث صحيح. والصحيح أن هذه الصيغة تقتضي أنه حديث مرفوع. وصححه الشيخ الألباني (٢). ٢. وروى ابن ماجة بإسناده عن الشعبي عن أبي سريحة ﵁ – وهو صحابي شهد الحديبية - قال: (حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة. كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يُبَخِّلُنا جيراننا). قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (٣) وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد (٤). ٣. ومما يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى في المصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتِيَ بكبشٍ فذبحه رسول الله ﷺ بيده وقال: باسم الله والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي).

стр. 87

رواه أبو داود في باب: الشاة يضحى بها عن جماعة وقد سبق تخريج الحديث. ٤. وعن عبد الله بن هشام قال: (كان رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي (١). ٥. وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأُتِيَ به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية. ثم قال: اشحذيها بحجر ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما. قال النووي: [واستدل بهذا من جوَّز تضحية الرجل عنه وعن أهل بيته واشتراكهم معه في الثواب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور ... ] (٢). وقال الخطابي: [وفي قوله (تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا، وروي عن أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما كانا يفعلان ذلك، وأجازه مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد، وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة] (٣). ٦. وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي ﵁: (أنه كان يضحي بالضحية الواحدة عن جماعة أهله) (٤). ٧. ونقل ابن قدامة عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: [قلت لأبي: يُضَحَّى بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم لا بأس. قد ذبح النبي ﷺ كبشين فقرَّب أحدهما فقال: بسم الله اللهم هذا عن محمد وأهل بيته. وقرَّب الآخر فقال: بسم الله اللهم هذا منك ولك عمن وَحَّدَكَ من أمتي. وحكى عن أبي هريرة أنه كان يضحي بالشاة فتجئ ابنته فتقول: عني، فيقول: وعنك (٥)

стр. 88

قال العلامة ابن القيم: [وكان من هديه ﷺ أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ولو كثر عددهم] (١) ثم ذكر حديث أبي أيوب السابق. وقال الشوكاني: [قوله " يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته " فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت، لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده ﷺ والظاهر اطلاعه فلا ينكر عليهم ... والحق أنها تجزئ عن أهل البيت، وإن كانوا مئة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة] (٢). ثانياً: قال الحنفية والثوري إن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (٣). قال الكاساني: [ ... فلا يجوز الشاة والمعز إلا عن واحد، وإن كانت عظيمةً سمينةً تساوي شاتين مما يجوز أن يُضَحَّى بهما. لأن القياس في الإبل والبقر أن لا يجوز فيهما الاشتراك، لأن القربة في هذا الباب إراقة الدم، وإنها لا تحتمل التجزئة، لأنها ذبح واحد، وإنما عرفنا جواز ذلك بالخبر، فبقي الأمر في الغنم على أصل القياس] (٤). ويرى الحنفية جواز هبة ثواب الأضحية لأكثر من واحد، وعلى ذلك حملوا الأحاديث التي احتج بها الجمهور (٥). وقد زعم الطحاوي أن الأدلة التي احتج بها الجمهور إما منسوخةً أو مخصوصة (٦). وقاس بعض الحنفية الأضحية على الهدي في هذه المسألة، حيث قالوا إن الشاة الواحدة في الأضحية لا تجزئ عن أكثر من واحد، قياساً عل الشاة الواحدة في الهدي، حيث اتفق العلماء على أنها لا تجزئ إلا عن واحد. (٧)

стр. 89

والذي يظهر لي رجحان قول الجمهور بأن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، مهما كان عددهم لقوة الأدلة التي احتجوا بها. ويجاب عن قول الحنفية إن الغنم بقيت على أصل القياس، بأنه مردود لثبوت الأحاديث في ذلك، حيث ثبت الاشتراك على عهد رسول الله ﷺ في الإبل والبقر، وكذلك ورد النص أنهم اشتركوا على عهد رسول الله في الشاة الواحدة، إلا أنه قد ثبت الاشتراك في الإبل والبقر من أهل أبيات شتى، وثبت الاشتراك في الشاة من أهل بيت واحد ... فالقول بأن الاشتراك في الشاة خلاف القياس وأنه لا نص فيه، باطل (١). وأما ادعاء الطحاوي بأن أدلة الجمهور إما منسوخة أو مخصوصة. فقد أجاب النووي عن ذلك بقوله: [ ... وغَلَّطَه العلماء في ذلك، فإن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى] (٢). وأما قياسهم الأضحية على الهدي، بجامع منع الاشتراك في الشاة الواحدة في الهدي، فهو قياس فاسد الاعتبار، لأنه قياس في مقابل النص، والأضحية غير الهدي، ولهما حكمان مختلفان، فلا يقاس أحدهما على الآخر، لأن النص ورد على التفرقة بينهما فوجب تقديم النص على القياس (٣). وقال الزيلعي المحدث: [ويشكل على المذهب أيضاً في منعهم الشاة لأكثر من واحد، بالأحاديث المتقدمة أن النبي ﷺ ضحَّى بكبش عنه وعن أمته] ثم ذكر حديث عبد الله بن هشام السابق (٤).

стр. 90

المطلب الثاني: المجزئ من الإبل والبقر اتفق أكثر أهل العلم على أن البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة تجزئ عن سبعة. قال ابن قدامة: [وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة ﵃، وبه قال عطاء وطاووس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي] (١). واستدلوا بما يلي: ١. عن جابر ﵁ قال: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) رواه مسلم (٢). ٢. وعن حذيفة ﵁ قال: (شَرَّكَ رسول الله ﷺ في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله ثقات (٣). وقال بعض أهل العلم تجزئ البدنة عن عشرة أيضاً، وبه قال سعيد بن المسيب وإسحاق وابن خزيمة (٤). ويدل لهم حديث ابن عباس ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضرنا النحر – وفي رواية الأضحى – فاشتركنا في الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الشيخ الألباني: وإسناده صحيح رجاله رجال الصحيح (٥). ورجح الشوكاني هذا القول وقال: [إنه الحق فتجزئ البدنة والبعير عن عشرة في الأضحية دون الهدي فلا تجزئ إلا عن سبعة] (٦).

стр. 91

قال الساعاتي: [وقد جمع الشوكاني بين حديثي جابر وابن عباس، بأن حديث جابر محمول على الهدي وحديث ابن عباس محمول على الأضحية وقال هذا هو الحق. قلت: وهو جمع حسن، وكأن حديث ابن عباس لم يصح عند الجمهور. وأما البقرة فتجزئ عن سبعة في الهدي والأضحية بالاتفاق] (١). وقد رجح الحافظ ابن عبد البر حديث جابر على حديث ابن عباس فقال: [وحديث (نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية البدنة عن سبعة) واضح لا مدخل فيه للتأويل، وحسبك بقول جابر: (سَنَّ رسولُ الله ﷺ البدنةَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعة). وقال أبو جعفر الطبري: أجمعت الأمة على أن البدنة والبقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، قال وفي ذلك دليل على أن حديث ابن عباس وما كان مثله خطأٌ ووهمٌ أو منسوخ] (٢) وقال البيهقي: [إن حديث جابر أصح من حديث ابن عباس] (٣). ورجح ابن قدامة حديث جابر أيضاً على حديث ابن عباس (٤). ومذهب الجمهور هو الراجح لقوة أدلتهم.

стр. 92

المطلب الثالث: الاشتراك في الأضحية في الإبل والبقر فقط: المراد بالاشتراك، هنا هو أن يشترك سبعة أشخاص في ثمن بقرة أو ناقة ثم يذبحونها أضحية عنهم لكل منهم سُبع. وليس المراد بالاشتراك هنا أن يشتريها واحدٌ فيذبحها ويُشَرِّك غيره في الأجر، فهذا جائز بالاتفاق. وقد اختلف الفقهاء في مسألة اشتراك سبعة أشخاص في ثمن بقرة أو ناقة كما يلي: القول الأول: يجوز اشتراك سبعة في بقرة أو ناقة للتضحية بها، سواء كانوا كلهم أهل بيت واحد، أو متفرقين، أو بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد القربة، وسواء كانت أضحية منذورة أو تطوعاً. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. وأجاز داود الظاهري الاشتراك في أضحية التطوع دون الواجبة (١). وقال الحنفية يجوز الاشتراك بشرط أن يكون السبعة متقربين فإن كان أحدهم يريد اللحم لم تجزئ (٢). وقالت الهادوية يجوز الاشتراك بشرط اتفاق غرض الشركاء ولا يصح مع الاختلاف (٣). القول الثاني: لا يجوز الاشتراك في الأضحية، وهو قول المالكية، فلا يجزئ عندهم أن يشترك سبعة في بقرة أو بدنة، بأن يسهم كلٌ منهم بشيء من الثمن، فإن فعلوا فلا تجزئ عن واحد منهم (٤). ويدل لقول الجمهور بجواز الاشتراك حديث جابر السابق وفيه (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) رواه مسلم. وحديث حذيفة أيضاً وقد سبق وفيه (أن الرسول ﷺ شَرَّكَ في حجته بين المسلمين في البقرة عن سبعة).

стр. 93

ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي عن علي وحذيفة وأبي مسعود الأنصاري وعائشة ﵃ أنهم قالوا البقرة عن سبعة (١). واحتج المالكية بحديث مالك عن ابن شهاب الزهري: (أن رسول الله ﷺ لم يذبح عن أهل بيته إلا بقرة واحدة). قال الحافظ ابن عبد البر: [وقد رواه غير مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ نحر عن نسائه بقرة واحدة. ولا يصح من جهة النقل. وروي من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله. ذكر أبو عيسى الترمذي قال: حدثني إسحاق بن منصور ... عن أبي هريرة قال: (ذبح رسول الله ﷺ عمَّن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن). قال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل – يعني الإمام البخاري – عن هذا الحديث؟ فقال: إن الوليد بن مسلم لم يقل فيه حدثنا الأوزاعي وأراد أخذه عن يوسف بن السفر، ويوسف بن السفر ذاهب الحديث، وضعف محمدٌ – أي البخاري – هذا الحديث] (٢). وقاس بعض المالكية المنع من الاشتراك في الإبل والبقر على منع الاشتراك في الشاة الواحدة. ولم يرتض الحافظ ابن عبد البر هذا القياس (٣). وقال الإمام النووي: [وأما قياسه على الشاة، فعجب لأن الشاة إنما تجزئ عن واحد] (٤) والراجح هو القول الأول بجواز الاشتراك في الإبل والبقر لقوة الأدلة، ولأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك كما سبق في المطلب الأول من هذا المبحث.

стр. 94

المطلب الرابع: ما هو الأفضل في الأضحية من أنواع الأنعام ؟ اختلف الفقهاء في الأفضل في الأضحية من أنواع الأنعام على ثلاثة أقوال: القول الأول: أفضل الأضاحي هي البدنة ثم البقرة ثم الشاة. وهذا قول الشافعية والحنابلة والظاهرية، وبه قال بعض المالكية (١). قال الإمام الشافعي: [والإبلُ أَحبُ إليَّ أن يُضَحَّى بها من البقر، والبقر من الغنم، والضأنُ أَحبُ إليَّ من المعز]. وقال الماوردي: [أفضل الضحايا الثني من الإبل، ثم الثني من البقر، ثم الجذع من الضأن ثم الثني من المعز] (٢). القول الثاني: أفضل الأضاحي الضأن ثم البقر ثم الإبل، وهذا قول المالكية المعتمد عندهم. قال الخرشي: [الضأن بإطلاقه، ذكوره وإناثه وفحوله وخصيانه، أفضل في الأضحية من المعز بإطلاقه، ثم إن المعز بإطلاقه أفضل من الإبل ومن البقر بإطلاقهما] (٣). وقال بعض المالكية أفضلها الغنم ثم الإبل ثم البقر (٤). القول الثالث: أفضل الأضاحي ما كان أكثر لحماً وأطيب، وهذا قول الحنفية، فالشاة أفضل من سبع البقرة، فإن كان سبع البقرة أكثر لحماً فهو أفضل. والأصل عندهم في هذا إذا استويا في اللحم والقيمة، فأطيبها لحماً أفضل، وإذا اختلفا فيهما فالفاضل أولى (٥). حجة الفريق الأول: ١. احتجوا بقوله تعالى:﴾ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴿سورة الحج الآية ٣٦.

стр. 95

٢. قالوا إن البدنة أعظم من البقرة، والبقرة أعظم من الشاة، والله تعالى يقول:﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿سورة الحج الآية ٣٢. ٣. واحتجوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرَّبَ بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّبَ بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّبَ كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّبَ دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّبَ بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكةُ يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم (١). قال النووي: [وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقرة، لأن الرسول ﷺ قدَّمَ الإبل، وجعلَ البقرة في الدرجة الثانية] (٢). ٤. قال ابن قدامة: [ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت البدنةُ فيه أفضل، كالهدي فإنه قد سلَّمَه. ولأنها أكثر ثمناً ولحماً وأنفع] (٣). حجة الفريق الثاني: ١. احتجوا بقول الله تعالى:﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿سورة الصافات الآية ١٠٧. قالوا وكان الذبح العظيم كبشاً، فالله وصفه بالعظيم، ولم يحصل هذا الوصف لغيره (٤). وقال القرطبي: [﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿، أي ضخم الجثة سمين، وذلك كبشٌ لا جملٌ ولا بقرة] (٥). وقال ابن دقيق العيد: [وقد يستدل للمالكية باختيار النبي ﷺ في الأضاحي للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح] (٦)

стр. 96

٢. واحتجوا بأن النبي ﷺ كان يضحي بالكبش، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ : (أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد ... وأخذ الكبش فأضجعه ... ) رواه مسلم وقد سبق. قالوا وقد تكرر من الرسول ﷺ التضحية بالغنم، وهو ﷺ لا يضحي مكرراً ذلك عاماً بعد عام، إلا بما هو الأفضل في الأضحية، فلو كانت التضحية بالإبل والبقر أفضل لفعل ﷺ ذلك الأفضل (١). ٣. واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (خير الكفن الحُلَّةُ، وخيرُ الأضحية الكبشُ الأقرن) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني: ضعيف. وضعفه ابن حزم أيضاً (٢). ورواه البيهقي أيضاً من رواية أبي أمامة ﵁ بإسناد ضعيف كما قال الإمام النووي (٣). حجة الفريق الثالث: ١. وقد يحتج للحنفية بما ورد أن الرسول ﷺ قال: (إن أحب الضحايا إلى الله أغلاها وأسمنها) رواه أحمد والبيهقي والحاكم. وقال الهيثمي: [رواه أحمد، وأبو الأشد – أحد رجال السند - لم أجدْ منْ وَثَّقَهُ ولا جرحه، وكذلك أبوه، وقيل إن جده عمرو بن عبس].وقال الشيخ الألباني: ضعيف (٤) ٢. ويحتج لهم بما جاء عن عطاء عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى﴾ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ﴿الآية. قال ابن عباس: [الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز، على قدر الميسرة فما عظمت فهو أفضل] (٥).

стр. 97

القول الراجح: بعد إجالة النظر في أدلة العلماء في هذه المسألة يظهر لي رجحان قول المالكية في أن الأفضل في الأضحية الغنم ثم الإبل ثم البقر. لأن أدلة المالكية أخص في محل النزاع لأنه ﷺ كان يضحي بالغنم بل بالكباش وقد ثبت ذلك في أحاديث منها: ١. عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين) رواه البخاري ومسلم (١). وفي قول أنس (كان يضحي) ما يدل على المداومة (٢). ٢. حديث عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به ... الخ) رواه مسلم وقد مضى. ٣. حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين ... ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقد سبق. ٤. وعن عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ : (كان إذ أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين ... الخ) رواه أحمد وابن ماجة وقد مضى. ٥. حديث أبي سعيد ﵁ قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل، يأكل في سواد، ويمشي في سواد، وينظر في سواد) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٣). ٦. حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلى، فلمَّا قضى خطبته نزل من منبره وأُتِيَ بكبش فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده ... الخ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقد مضى. ٧. عن ثوبان ﵁ قال: (ضحى رسول الله ﷺ ثم قال: يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة. فما زلت أطعمه منها حتى قدمنا المدينة) رواه مسلم وأبو داود وقد مضى.

стр. 98

٨. عن علي ﵁: (أنه كان يضحي بكبشين أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه. فقيل له. فقال: أمرني به يعني النبي ﷺ فلا أدعه أبداً) رواه الترمذي وأبو داود (١)، وسيأتي الكلام على تخريجه في مبحث الأضحية عن الميت. ومما يدل على أفضلية التضحية بالكبش، أن الصحابة ﵃ كانوا يقتدون بالرسول ﷺ في تضحيته بالكبش، كما في حديث أنس ﵁ السابق وفيه: (كان النبي ﷺ يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين). فهذا يدل على اتباع أنس ﵁ للرسول ﷺ في التضحية بالكبشين، كما يدل الحديث أيضاً على مداومة الرسول ﷺ على التضحية بالكبش (٢). وعن يونس بن ميسرة بن حلس قال: (خرجت مع أبي سعيد الزرقي صاحب رسول الله ﷺ إلى شراء الضحايا. قال يونس: فأشار أبو سعيد إلى كبش أدغم ليس بالمرتفع ولا المتضع في جسمه فقال: اشتر لي هذا. كأنه شبهه بكبش رسول الله ﷺ ) رواه ابن ماجة وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح (٣). وصححه الشيخ الألباني (٤) ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي (٥). وعن النعمان بن أبي فاطمة ﵁: (أنه اشترى كبشاً أعين أقرن، وأن النبي ﷺ رآه فقال: كأنَّ هذا الكبش الذي ذبح إبراهيم. فعمد رجل من الأنصار فاشترى للنبي ﷺ من هذه الصفة، فأخذه النبي ﷺ فضحى به) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات قاله الهيثمي (٦) كما أن أدلة الفريقين الأول والثالث فيها نظر. أما الآية الأولى وهي قوله تعالى:﴾ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴿. فالبدن هي الإبل التي تُهدى إلى الكعبة فليست الآية في خصوص الأضحية.

стр. 99

وأما الآية الثانية؛ وهي قوله تعالى:﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿فهي عامة، لأن شعائر الله أعلام دينه فليست الآية في خصوص الأضحية أيضاً. وأما الحديث؛ وفيه تقريب البدنة ثم البقرة ثم الكبش، فهذا الحديث واردٌ في الهدي في الحج، وليس في خصوص الأضحية. وأما فعل رسول الله ﷺ فقد ورد في الأضحية على وجه الخصوص. وأما قول الفريق الأول بأن تضحية النبي ﷺ بالغنم لبيان الجواز، أو لأنه لم يتمكن ذلك الوقت إلا من الغنم كما قاله الإمام النووي (١). فالجواب إن تكرار تضحيته ﷺ بالغنم يدل على قصده الغنم دون غيرها، ولو لم يتيسر له إلا الغنم في سنة، لتيسر له في غيرها في سنة أخرى. وأما حديث (خير الأضحية الكبش الأقرن) فإنه وإن كان فيه ضعفٌ، إلا أنه يتقوى بالأحاديث الصحيحة الثابتة من فعله ﷺ بالتضحية بالكباش (٢)، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (٣). وأما الحديث الذي احتج به الحنفية، فإنه حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال. وأثر ابن عباس الذي احتج به الحنفية فليس فيه ما يعارض أدلة المالكية والله أعلم. وخلاصة الأمر أنه لا ينبغي العدول عن فعل النبي ﷺ وهو التضحية بالكبش، والأحاديث الواردة بذلك خصوص مقدم على غيره من العمومات (٤).

стр. 100

المطلب الخامس: تسمين الأضحية: اتفق أهل العلم على أنه يستحب أن تكون الأضحيةُ سمينةٌ. قال الإمام البخاري: [باب أضحية النبي ﷺ بكبشين أقرنين، ويُذْكَرُ سمينين]. وقال الحافظ ابن حجر: [قوله " ويذكر سمينين " أي في صفة الكبشين، وهي في بعض طرق حديث أنس من رواية شعبة عن قتادة عنه أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة. - وحديث أنس ﵁ الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر هو: عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يضحي بكبشين) فهذا الحديث عند أبي عوانة فيه (بكبشين سمينين) – ثم قال الحافظ: [وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه ... عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد، والآخر عن أمته من شهد له بالتوحيد والبلاغ)] (١). وقد قال الإمام الشافعي: [استكثار القيمة في الأضحية أفضل من استكثار العدد ... لأن المقصود هنا اللحم والسمين أكثر وأطيب] (٢). وقد اختلف أهل العلم في حكم تسمين الأضحية كما يلي: فذهب جمهور العلماء إلى استحباب تسمين الأضحية (٣). فقد روى البخاري في صحيحه تعليقاً: [قال يحيى بن سعيد قال: سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون] قال الحافظ ابن حجر: [وصله أبو نعيم في المستخرج ... الخ] (٤). وقال الإمام الشافعي: [وزعم بعض المفسرين أن قول الله جل ثناؤه:﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ ﴿، استسمان الهدي واستحسانه] (٥).

стр. 101

قال الماوردي: [اختلف المفسرون في قول الله تعالى:﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿على ثلاثة أقوال: أحدها: أن شعائر الله دين الله كله، وتعظيمها التزامها وهذا قول الحسن. والثاني: أنها مناسك الحج وتعظيمها استيفاؤها وهو قول جماعة. والثالث: أنها البدن المشعره، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وهذا قول مجاهد واختيار الشافعي] (١). وذهب بعض المالكية إلى أنه يكره تسمين الأضحية لأنه سنة اليهود!! (٢). وهذا قول باطل كما قال الإمام النووي (٣). والراجح القول باستحباب تسمين الأضحية، لأن ذلك أعظم لأجرها وأكثر لنفعها والله أعلم. وينبغي التنبيه إلى أنه قد وردت بعض الأحاديث غير الثابتة في تسمين وتعظيم الأضحية وقد سبق ذكرها وبيان درجتها في مبحث فضل الأضحية.

стр. 102

المطلب السادس: أفضل الأضحية لوناً: قال الإمام النووي: [أفضلها، البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها ثم البلقاء، وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود ثم السوداء] (١). وقال ابن قدامة: [والأفضل في الأضحية من الغنم في لونها البياض] (٢). ويدل على ذلك: ١. ما ورد في حديث أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده) رواه البخاري (٣). قال الحافظ ابن حجر: [الأملح: هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر، ويقال هو الأغبر وهو قول الأصمعي. وزاد الخطابي هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود. ويقال الأبيض الخالص قاله ابن الأعرابي، وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية] (٤). وذكر في المصباح المنير من معاني الأملح: نقيُّ البياض (٥). ٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (دمُ عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين) رواه أحمد والحاكم والبيهقي وقال الشيخ الألباني: حديث حسن (٦). والعفراء من العفر وهو بياض ليس بالخالص (٧). وينبغي أن يعلم أن العلماء لم يكرهوا بقية الألوان في الأضحية، إنما الأفضل عندهم الأبيض.

стр. 103

قال الماوردي بعد أن ذكر الألوان المرغوبة في الأضحية: [وباقي هذه الألوان إن ضحى لم يكن فيه كراهية، وإن كان ما اخترناه من الألوان أفضل، فمنها ما كان أفضل لحسن منظره، ومنها ما كان أفضل لطيب مخبره، فإن اجتمعا كان أفضل، وإن افترقا كان طيب المخبر أفضل من حسن المنظر] (١).

стр. 104

المبحث الثاني عشر اجتماع الأضحية والعقيقة إذا اجتمعت الأضحية والعقيقة، كأن أراد شخصٌ أن يعقَ عن ولده يوم عيد الأضحى، أو في أيام التشريق، فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: تجزئ الأضحية عن العقيقة، وبه قال الحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وهشام _ من التابعين _، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١). وبه قال الحنفية، قال ابن عابدين: [ ... وكذا لو أراد بعضهم العقيقة عن ولد قد ولد له من قبل، لأن ذلك جهة التقرب بالشكر على نعمة الولد ذكره محمد] (٢). وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن الحسن قال: [إذا ضحوا عن الغلام فقد أجزأت عنه من العقيقة] ورواه أيضاً عبد الرزاق. وروى عن هشام وابن سيرين قالا: [يجزئ عنه الأضحية من العقيقة]. وروى عبد الرزاق أيضاً عن قتادة قال: [من لم يعق عنه أجزأته أضحيته] (٣). وقال الخلال: [باب ما روي أن الأضحية تجزئ عن العقيقة، ثم ذكر عن الميموني أنه قال لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل –: يجوز أن يضحى عن الصبي مكان العقيقة؟ قال: لاأدري. ثم قال: غير واحد يقول به. قلت: من التابعين. قال نعم ... ثم قال: ذكر أبو عبد الله أن بعضهم قال: فإن ضحى أجزأ عن العقيقة ... ثم قال: إن أبا عبد الله قال: أرجو أن تجزئ الضحية عن العقيقة إن شاء الله تعالى لمن لم يعق ... ثم قال ورأيت أبا عبد الله اشترى أضحية ذبحها عنه وعن أهله

стр. 105

وكان ابنه عبد الله صغيراً فذبحها أراه أراد بذلك العقيقة والأضحية وقسم اللحم وأكل منها] (١). وترى هذه الطائفة من أهل العلم أن المقصود بالأضحية والعقيقة يحصل بذبح واحد، وفي ذلك نوع شَبَهٍ من الجمعة والعيد إذا اجتمعتا. وكما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضاً أو سنة مكتوبة، وقع عنه وعن ركعتي الطواف. وكذلك لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأ عن دم المتعة وعن الأضحية (٢). القول الثاني: لا تجزئ الأضحية عن العقيقة وهو قول المالكية والشافعية (٣) والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، فقد روى الخلال عن عبد الله بن أحمد قال: [سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى تجزئ أن تكون أضحية وعقيقة؟ قال: إما أضحية وإما عقيقة على ما سمّى] (٤)، وعلى هذه الرواية أكثر الحنابلة (٥). وحجة هؤلاء أن كلاً من الأضحية والعقيقة ذبحان بسببين مختلفين، فلا يقوم الواحد عنهما، كدم التمتع ودم الفدية (٦). وقالوا أيضاً إن المقصود بالأضحية إراقة الدم في كل منهما، ولا تقوم إراقة مقام إراقتين (٧). وسئل الشيخ ابن حجر المكي عن ذبح شاة أيام الأضحية بنيتها ونية العقيقة، فهل يحصلان أو لا؟ فأجاب: [الذي دل عليه كلام الأصحاب وجرينا عليه منذ سنين أنه لا تداخل في ذلك، لأن كلاً من الأضحية والعقيقة، سنةٌ مقصودةٌ لذاتها، ولها سبب يخالف سبب الأخرى، والمقصود منها غير المقصود من الأخرى، إذ الأضحيةُ فداءٌ عن النفس، والعقيقةُ فداءٌ عن

стр. 106

الولد، إذ بها نُمُّوهُ وصلاحهُ، ورجاءُ بِرِّهِ وشفاعته، وبالقول بالتداخل يبطل المقصود من كلٍ منهما، فلم يمكن القول به نظير ما قالوه في سنة غسل الجمعة وغسل العيد، وسنة الظهر وسنة العصر، وأما تحية المسجد ونحوها فهي ليست مقصودة لذاتها بل لعدم هتك حرمة المسجد، وذلك حاصلٌ بصلاة غيرها، وكذا صوم نحو الإثنين، لأن القصد منه إحياء هذا اليوم بعبادة الصوم المخصوصة، وذلك حاصلٌ بأي صومٍ وقع فيه. وأما الأضحية والعقيقة، فليستا كذلك كما ظهر مما قررته وهو واضح، والكلام حيث اقتصر على نحو شاة أو سبع بدنة أو بقرة، أما لو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أسباب، منها ضحية وعقيقة والباقي كفارات، كنحو الحلق في النسك فيجزي ذلك، وليس هو من باب التداخل في شيء لأن كل سبع يقع مجزياً عما نوى به. وفي شرح العباب: لو ولد له ولدان، ولو في بطن واحدة، فذبح عنهما شاة، لم يتأدى بها أصل السنة كما في المجموع وغيره، وقال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافاً أ. هـ وبهذا يعلم أنه لا يجزي التداخل في الأضحية والعقيقة من باب أولى، لأنه إذا امتنع مع اتحاد الجنس فأولى مع اختلافه، والله أعلم بالصواب] (١). والذي أراه راجحاً هو عدم إجزاء الأضحية عن العقيقة، وعدم إجزاء العقيقة عن الأضحية، لأن كلاً منهما لها سببها الخاص في إراقة الدم، ولا تقوم إحداهما مقام الأخرى. والمسائل التي ذكروها ليست مسلَّمةً عند جميع العلماء، فحصول العبادتين بنية واحدة، أجازه من أجازه من أهل العلم، لأنهم عدُّوها من قبيل الوسائل لا المقاصد، كما لو نوى بغسله رفع الحدث الأصغر والأكبر، أو نوى بالغسل الجمعة والجنابة، وخالف في ذلك ابن حزم، وأمَّا حصول تحية المسجد وسنَّة المكتوبة، فلأن تحية المسجد تحصل وإن لم يقصدها، وأمَّا ما صححوه من تجويز عبادتين بنيَّةٍ واحدةٍ فالذي يظهر أنَّ الشارع قد اعتبر فيه الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل، كمن يتصدق على ذي رحمه ينال أجرين: أجر الصدقة وأجر صلة الرحم (٢).

стр. 107

الفصل الثاني ما يتعلق بالمضحي ووقت الأضحية

стр. 108

المبحث الأول ما يطلب ممن أراد الأضحية عند دخول أول ذي الحجة ثبت في الحديث الصحيح عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً) رواه مسلم (١). وفي رواية أخرى: (من كان له ذِبح يذبحه فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يضحي) رواه مسلم (٢). والذِبح بكسر الذال: الذبيحة. وقد اختلف العلماء فيمن أراد أن يضحي وأهلَّ عليه هلال ذي الحجة فما حكم الأخذ من شعره وأظفاره على أقوال كما يلي: القول الأول: قال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وابن حزم الظاهريان وأبو الحسن العبادي من الشافعية، إنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية (٣). القول الثاني: قال المالكية والشافعية وبعض الحنابلة يكره له ذلك كراهة تنزيه وليس بحرام (٤). القول الثالث: قال أبو حنيفة وأصحابه يباح ذلك وهو رواية عن مالك (٥). ونقل عن أبي حنيفة القول بالاستحباب وأن من يفعله يكره له ذلك كراهة تنزيه (٦). أدلة القول الأول: احتجوا بحديث أم سلمة السابق وقد ورد بروايات عند مسلم وهي:

стр. 109

أ. عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً). قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه. ب. عن أم سلمة ﵂ ترفعه قال النبي ﷺ : (إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمن ظفراً). ج. عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره). د. عن أم سلمة ﵂ قال رسول الله ﷺ : (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي) (١). ووجه الاستشهاد به أن فيه نهي عن أخذ الشعر والأظفار، ومقتضى النهي التحريم (٢). وروى مسلم بإسناده عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: (كنا في الحمام قبيل الأضحى فأطلى فيه ناس فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا أو ينهى عنه. فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له فقال: يا ابن أخي هذا حديث قد نُسِيَ وترك. حدثتني أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ ... الحديث (٣). وقوله في الحديث أطلى فيه ناس: أي أزالوا شعر العانة بالنورة. واحتجوا أيضاً بما رواه ابن حزم بإسناده أن يحيى بن يعمر كان يفتي بخراسان أن الرجل إذا اشترى أضحية ودخل العشر أن يكف عن شعره وأظفاره حتى يضحي. قال سعيد قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: نعم. فقلت: عمن يا أبا محمد؟ قال عن أصحاب رسول الله (٤). أدلة القول الثاني: قالوا إن النهي الوارد في حديث أم سلمة، محمولٌ على كراهة التنزيه وليس ذلك بحرام.

стр. 110

وأيدوا قولهم بما ثبت من حديث عائشة ﵂ قالت: (لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حلَّ للرجال من أهله حتى يرجع الناس) رواه البخاري ومسلم (١). قال الماوردي: [فكان هدي رسول الله ﷺ وضحاياه، لأنه كان بالمدينة وأنفذها مع أبي بكر ﵁ سنة تسع، وحكمها أغلظ لسوقها إلى الحرم، فلما لم يحرم على نفسه شيئاً كان غيره أولى إذا ضحى في غير الحرم] (٢). وقال أبو عبد الله الآبي المالكي: [مذهبنا أنه لا يلزم العمل بهذه الأحاديث - روايات حديث أم سلمة – لحديث عائشة ... وبعثُ الهدي آكدُ من إرادة الأضحية] (٣). أدلة القول الثالث: احتجوا بحديث عائشة السابق وحملوه على الإباحة وقدموه على حديث أم سلمة. قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث عائشة: [ ... ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول – يعني حديث أم سلمة – ومجيء حديث عائشة ﵂ أحسن من مجيء حديث أم سلمة ﵄ لأنه جاء مجيئاً متواتراً. وحديث أم سلمة فلم يجئ كذلك، بل قد طعن في إسناد حديث مالك، فقيل إنه موقوف على أم سلمة. ثم ذكر الطحاوي حديث أم سلمة برواية مالك وفيه: (عن أم سلمة ﵂ ولم ترفعه قالت: من رأى هلال ذي الحجة ... الخ). وذكر رواية أخرى وفيها: (عن أم سلمة مثله ولم ترفعه ... ). ثم قال الطحاوي: وأما النظر في ذلك فقد رأينا الإحرام ينحظر به أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالاً، منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر وقتل الصيد فكل هذه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكام ذلك مختلفة. فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد حجه، وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإحرام فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإحرام.
следующие страницы →