← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9283

رسالة إنقاذ الهالكين في حكم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن الكريم

البركوي

Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي رواية له (١) قال رسول الله ﷺ : (بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).

стр. 37

وعن ابن عباس ﵄ (١) قال: قال رجل يا رسول الله: إني أقف المواقف أريد بها وجه الله تعالى فأريد أن يُرى موطني فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ حتى نزلت (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما والبيهقي (٢). وروي عن أبي هريرة (٣) ﵁ (٤) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من تزين بعمل الآخرة وهو (٥) لا يريدها ولا يطلبها (٦)، لعن في السموات والأرض) رواه الطبراني في الأوسط (٧).

стр. 38

وروي عن [الجارود] (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه ومحق ذكره وأثبت اسمه في النار) رواه الطبراني في الكبير (٢).

стр. 39

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال (١) رسول الله ﷺ : (يخرج في آخر الزمان رجال يجتلبون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى أبي يغترون أم علي يجتئرون فبي حلفت لأبعثن على أولئك (٢) منهم فتنة تدع الحليم حيراناً) رواه الترمذي (٣). وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعوذوا (٤) بالله من جبِّ الحَزَنْ، قالوا يا رسول الله وما جُبُ الحَزَنْ؟ قال ﷺ : وادٌ في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، قيل يا رسول الله (٥) من يدخله قال أُعدَّ للقراء المرائين بأعمالهم وإن أبغض القراء إلى الله الذين يزورون (٦) الأمراء) رواه ابن ماجة (٧).

стр. 40

وعن محمود بن لبيد ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله تعالى إذا جزى (٢) الناس بأعمالهم، اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً) رواه أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء [عن الشرك] (٤)، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري، فإني منه بريء وهو للذي أشرك) رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي ورواة ابن ماجة ثقات (٥).

стр. 41

وعن القاسم بن مخيمرة (١) أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حبة من (٢) خردل من رياء) رواه ابن جرير الطبري (٣) مرسلاً (٤). وروي عن أبي الدرداء ﵁ (٥) عن رسول الله ﷺ قال: (إن الاتقاء على العمل، أشد من العمل، وإن الرجل ليعمل العمل، فيكتب له عمل صالح معمول به في السر يُضعَّفُ (٦) أجره سبعين ضعفاً، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه، فيكتب علانية ويمحى تضعيف أجره، كله ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ثانية، ويحب أن يذكر به ويحمد عليه، فيمحى من (٧) العلانية ويكتب رياءً، فليتق الله امرؤٌ صان دينه وإن الرياء شرك) رواه البيهقي (٨).

стр. 42

وعن أنس ﵁ (١) قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله فيقول الله: ألقوا هذه واقبلوا هذه فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيراً فيقول الله: إن هذا كان (٢) لغير وجهي وإني لا أقبل إلا ما ابتغي به وجهي) رواه (٣) البزار والطبراني بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح والبيهقي. وعن أبي علي (٤) رجل من بني كاهل قال خطبنا أبو موسى الأشعري (٥) فقال: يا أيها الناس: اتقوا هذا (٦) الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله ابن حزن (٧) وقيس بن المضارب (٨)

стр. 43

فقالا: والله لتخرجن (١) مما قلت أو [لنأتين عمر (٢) مأذوناً لنا أو غير مأذون] (٣)، فقال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه) رواه أحمد والطبراني [ورواته إلى] (٤) أبي علي محتج بهم في الصحيح، وأبو علي وثقه ابن حبان، وقال الحافظ

стр. 44

المنذري (١) ولم أرَ أحداً جرحه (٢)، ورواه أبو يعلى (٣) بنحوه من حديث حذيفة (٤) إلا أنه قال فيه يقول كل يوم ثلاث مرات (٥).

стр. 45

وعن ابن عمر ﵄ (١) قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلَّم علماً لغير الله [أو] (٢) أراد به غير الله، فليتبوء مقعده من النار) أخرجه الترمذي (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (٤) ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة يعني ريحها) أخرجه أبو داود (٥) ﵀.

стр. 46

المبحث الثاني في حقيقة الرياء لغة وشرعاً وما يتعلق به اعلم أن الرياء بالمد في اللغة مصدر رآه على فاعله، أي أراه خلاف ما عليه (١). وفي الشرع إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة (٢). والمراد بنفع الدنيا، الحظ العاجل، أعني قبل الموت سواء أراده من الله تعالى أو من الناس , قال الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (٣) فليس الاعتبار بلفظة (٤) الرياء واشتقاقها من الرؤية، وإنما سميت هذه الإرادة الفاسدة بهذا الاسم، لأنها أكثر ما يقع من قبل الناس ورؤيتهم، كذا قال الإمام حجة الإسلام (٥) في منهاج العابدين (٦).

стр. 47

ويؤيده أن الرياء ضد الإخلاص، كما أن التكبر ضد التواضع والحسد ضد النصيحة (١) والإخلاص هو إرادة نفع الآخرة بعملها فقط. وإن شئت قلت إرادة التقرب إلى الله تعالى بطاعته دون شيء آخر. قال القشيري (٢) في رسالته: [الإخلاص إفراد الحق في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر]. انتهى (٣). ولا ضير في كونهما شافعيين (٤)، إذ الرياء والإخلاص من الأخلاق، لا من أعمال الجوارح، فلا يكون من الفقه المصطلح (٥). والفقهاء لم يتكلفوا ببيان جميع ما لزم العبد، بل العلوم التي هي فرض عين (٦) ثلاثة: علم التوحيد مقدار ما يعرف به ذات الله تعالى

стр. 48

وصفاته على ما يليق به تعالى، وتصديق نبيه ﷺ في جميع ما جاء به من عند الله تعالى (١). وعلم الأخلاق مقدار ما يحصل به تعظيم الله تعالى، وإخلاص عمله وإصلاحه (٢). وعلم الفقه مقدار ما يتعين عليه فعله أو تركه (٣). والباحثون عن الأول هم المتكلمون (٤)، وعن الثاني هم (٥) المتصوفون (٦)، وعن الثالث الفقهاء. وإن أبيت إطلاق الرياء على ما لم يوجد فيه إراءة (٧) العمل، كمن استأجر رجلاً على مال معلوم (٨) ليصلي ركعتين، أو يصوم يوماً ويعطي ثوابه له أو لواحد من أقرباءه، فلا شبهة في إلحاقه بالرياء في الحكم الشرعي، إذ مضرة الرياء وقبحه ليس إلا لإخلاله بالإخلاص وهو مشترك بينهما.

стр. 49

ويدل على هذا ما ذكرنا من الآيات والأخبار، فمن اشتغل بشيء من الآيات والأذكار والأدعية، لحفظ نفسه أو لواحد من أصدقاءه من الآفات الدنيوية، أو لقهر العدو، فإن كان مراده من الحفظ والقهر، التفرغ للعبادة والتمكن من تأييد مذهب (١) أهل الحق، والرد على أهل البدع ونشر العلم، وحث (٢) الناس على العبادة، ونحو ذلك، فهذه كلها إرادة سديدة، ونيات محمودة، لا يدخل شيء منها في باب الرياء، إذ المقصود منها أمر الآخرة بالحقيقة. قال الإمام حجة الإسلام في منهاج العابدين: [اعلم أنني سألت بعض مشايخنا عما

стр. 50

يعتاده أولياؤنا من قراءة سورة الواقعة في أيام العسر (١)، أليس المراد بذلك أن يدفع الله تعالى تلك الشدة عنهم (٢) ويوسع عليهم بشيء (٣) من الدنيا، على ما جرت به العادة، فكيف يصح إرادة متاع الدنيا بعمل الآخرة؟ فقال في جوابه كلاماً معناه: أن المراد منه أن يرزقهم الله تعالى قناعة أو قوتاً (٤) يكون لهم عدة على عبادة الله تعالى، وقوة على درس العلم، وهذه من جملة إرادة الخير دون الدنيا] (٥) انتهى. وإن كان مراده منهما، التلذذ والتنعم بالدنيا، أو شرف النفس والرئاسة، فهذه رياء محظور. وكذا الدعاء لمن أنعم عليك من الناس أو (٦) قراءة القرآن لروحه أو لروح

стр. 51

أبويه (١) مثلاً إن (٢) أردت به امتثال (٣) قوله تعالى (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (٤) وقوله ﷺ : (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) (٥) فذلك محمود. وإن أردت استمالة قلبه، ليزيد إنعامه ويتلذذ به (٦) فذلك رياء محظور، وقس على هذا التصدق لِدفع البلاء ونحوه، فمناط الفرق هو النية والعزيمة، (فالله (٧) تعالى لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم (٨) وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم) (٩)، (إنما الأعمال بالنيات ولكل (١٠) امرئ ما نوى) (١١) ٠).

стр. 52

المبحث الثالث في حكم الرياء وما يلحق به اعلم أن الرياء حرام قطعي بلا (١) خلاف، يستحق فاعله العذاب بالنار، وتكلموا في تأثيره في العمل بإبطاله وإحباط أجره. والقول (٢) الفصل (٣) فيه أن الرياء إن وقع بعد العمل، بأن أظهره وحدَّث به إرادة نفع الدنيا، فهذا مخوف، وما رويناه (٤) عن أبي الدرداء ثانياً في المبحث الأول يدل على أنه محبط، لكن قال الغزالي: الأقيس أنه مثاب على عمله الذي قد مضى، ومعاقب على مراءاته بطاعة الله تعالى بعد الفراغ منه، فلا يحبط الرياء الواقع بعد انتهاء (٥) العمل أجره (٦)، إذ لا إحباط بالمعصية عند أهل السنة لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (٧) وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) (٨).

стр. 53

وإن وقع في العمل ففيه تفصيل: فذلك أن الرياء قسمان: رياء محض، ورياء تخليط (١)، والأول يبطل العمل بالكلية، حتى لا يستحق ثواباً أصلاً، ويلزم إعادته إن كان واجباً، لانعدام النية، سواء عقد العمل مع الرياء، أو ورد في أثناءه، إن كان عبادة لا تتجزئ، مثل الصلاة والصوم والحج. وإن كان متجزءً، كالقراءة والصدقة، فالخالي صحيح، والمقارن فاسد، مثال الأول من (٢) صلى الفرض لرؤية الناس، أو لقول أبيه أو سيده مثلاً، إن صليت فرضاً أعطيك (٣) درهماً، ولو لم يره، أو لم يقل أحد لم يصل.

стр. 54

ومثال الثاني أن يصلي ركعتين، فحضر ملك من الملوك وهو يشتهي أن ينظر إليه ولولا الناس لقطع الصلاة فأتمها (١) خوفاً من مذمة الناس. والثاني لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما مستقلاً بالبعث على العمل، أو لا يكون واحدٌ منهما مستقلاً، وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما، أو يكون الرياء مستقلاً دون نية التقرب أو على العكس. والأول تردد فيه الغزالي لتعارض الأدلة (٢)، والذي عندي كونه مسقطاً (٣) للواجب لوجود (٤) النية. والثاني مبطل، كالرياء المحض لعدم نية التقرب، إذ معناها كونها باعثة، وجزء الباعث ليس بباعث. والثالث أولى بالإبطال. والرابع لا يبطل لكن ينقص (٥) ثوابه.

стр. 55

وأما الأحاديث التي وقع فيها حكاية النبي ﷺ (قوله تعالى فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي (١) ونحوه، فقد قال الغزالي فيها: إن الشركة المطلقة محمولة على التساوي في العرف والشرع (٢) فيكون من القسم الثاني. وأما ما وقع فيه (لا يقبل الله تعالى من الأعمال إلا ما خلص له)، (ولا يقبل الله تعالى عملاً فيه حبة خردل من رياء) ونحوه. فالجواب عنها أن عدم القبول، لا يستلزم عدم الجواز، ولا عدم الثواب (٣) أصلاً، وما قيل في الخلاصة (٤) أن الرياء لا يقع في الفرائض، محمول على الرابع، إذ الثلاثة الأول قلما يقع للمؤمن في الفرائض، وعلى تقدير وقوعها تخرجها عن الفريضة (٥) فلا يكون

стр. 56

واقعاً في الفرائض. ومعنى عدم وقوعه في الفرائض، أن لا يخرجها عن الفرضية، وعن (١) كونها مسقطة للقضاء، فلا ينافي نقص أجرها، وإلا فوقوع الرياء بالأقسام (٢) الأربعة في الفرائض، أي فيما كان على صورة الفرائض معلوم بالضرورة. قال الفقيه أبو الليث في تنبيه الغافلين: هذا على (٣) وجهين، إن كان يؤدي الفرائض رياء الناس، ولو لم يكن رياء الناس لكن لا يؤديها، فهذا منافق تام، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (٤)، يعني في الهاوية مع آل فرعون، لأنه لو كان توحيده صحيحاً خالصاً، لكان لا يمنعه عن أداء الفرائض. وإن كان يؤدي الفرائض، إلا أنه يؤديها عند الناس أحسن وأتم، وإن لم يره أحد يؤديها ناقصة، فله الثواب الناقص، ولا ثواب لتلك الزيادة وهو مسؤول عنها محاسب عليها.

стр. 57

المقالة الثالثة في الفرق بين الصلة الشرعية والأجرة اعلم أن الفرق (١) بينهما ظاهر (٢) جداً، لمن له أدنى دربة في الفقه، يقول الفقهاء في مواضع كثيرة هذه صلة وليست بأجرة , وتلك أجرة وليست بصلة، فهما متقابلتان (٣) فالأجرة ما عين بازاء عمل من الأعمال، وجعل عوضاً عنه وغرضاً للعامل من عمله، فالمعطي إنما يعطي ليعمل العامل، والأجير إنما يعمل ليأخذها فلا يستحق (٤) العامل بهذا العمل ثواباً في الآخرة، وإنما يستحق الأجرة في الدنيا، وتحل له إذا روعيت شرائط صحة الإجارة.

стр. 58

وأما الصلة، فهبة مبتدئة (١) بسبب اتصاف المعطى (٢) بعمل من أعمال (٣) البر، أو ليتصف به، بأن يستعين بها في تحصيله، كأرزاق القضاة والمعلمين والمتعلمين، والأئمة والمؤذنين، من بيت مال المسلمين، والأوقاف المشروطة لواحد منها، فمن اشتغل بعمل من هذه (٤) الأعمال، للتقرب إلى الله يحل له ما أخذه من الصلة، ويستحق الثواب من الله تعالى في الآخرة (٥). وإن اشتغل ليأخذها، فالمأخوذ حرام، ولا يستحق ثواباً من الله تعالى، لأنها يلزم أن تنقلب أجرة، والمفروض أنها صلة، ولأن (٦) استحقاق الصلة، إنما يكون بعمل البر، والذي قصد منه نفع الدنيا، ليس من أعمال البر، فلا يوجد شرط صحة الاستحقاق والحل.

стр. 59

نعم قد يريد رجل مثلاً تعلم القرآن (١) والعلم (٢) لله تعالى، وهو فقير فيمنع الاشتغال بالمعاش عن التعلم، فيطلب حجرة من مدرسة لها وظيفة معينة (٣)، لتكفي مؤونة معاشه وليتفرغ للتعلم لله تعالى، والله تعالى يعلم ما في قلبه، أنه يريد أخذ المال ليتعلم وليستعين به فيه، ولا يريد التعلم لأخذ المال، فيحل له المال، وإن عكس يحرم، وقس عليه نظائره. ويدل على هذا التفصيل، أن المتقدمين من أصحابنا (٤) لم يجوزوا الإجارة على تعليم القرآن والفقه، وجوزوا أخذ الصلة من بيت مال المسلمين والوقف المشروط له (٥).

стр. 60

وأفتى بعض المتأخرين (١) بجواز الإجارة عليه في زماننا، لظهور التواني في أمر الدين ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن والفقه، فاضطررنا إلى تجويز الإجارة المذكورة إذ الضرورات تبيح المحظورات. فنقول: لو تصور الصلة فيمن (٢) يعمل (٣) لأجلها، وحلت له لما (٤) لزم من الامتناع التضييع، ولا (٥) تتحقق الضرورة في التجويز، كما لم يلزم في الأجرة، فلا يحتاج إلى أن يفتى بجواز ما أجمع المتقدمون من أصحابنا على عدم جوازه، فظهر أن لزوم التضييع والضرورة، لأجل أن الزمان قد تغير ومال أكثر الطباع إلى

стр. 61

(١) الدنيا وفترت (٢) عن الآخرة، فلا يوجد في كل بلد من يعلِّم حسبةً حتى يحل له الصلة، فلو امتنعنا عن الفتوى بجواز الإجارة يلزم التضييع، ولكن إذا علموا أن (٣) وصول المال بسبب التعليم رغبوا فيه وازدحموا عليه، فيوجد في كل بلد عدد كثير من المعلمين، بل رشوا واستشفعوا بالرؤساء في تقلد (٤) أمر التعليم، فقلنا بجوازها للضرورة.

стр. 62

المقالة الرابعة في تحرير الدعوى وتعيينها من بين المتشابهات اعلم أن الكلام في القراءة على وجه مشروع في نفسه مع قطع النظر عن النية، بأن يكون بلا لحن ولا تغن ولا مس مصحف مع حدث صغير أو كبير ولا خلط هزل أو فحش أو غيبة أو نحوها، ولا ترك أدب وتعظيم، إذ القراءة بواحد من المنفيات حرام ومعصية، فكيف يجوز الأخذ والإعطاء (١) بمقابلة المعصية؟ ولو تتبعت القراءة بالأجرة في زماننا، لوجدت أكثرها متصفة بها أو ببعضها ولا شبهة لأحد من الخواص والعوام، ممن له أدنى معرفة بأصول الشرع وفروعه (٢)

стр. 63

في عدم جواز هذه القراءة فلنسم القراءة التي جمعت الشروط السابقة بالصحيحة والتي لم تجمع بالفاسدة. فنقول: الإعطاء للقراءة الصحيحة أو معها يحتمل وجوهاً وكذا الأخذ لها أو معها، أما وجوه (١) الأول فثلاثة: أن لا (٢) يقصد المعطي أن يكون ما أعطاه أجرة أو ثمناً، أو أن (٣) يكون صلة بشرط القراءة أو بدونه، لكن يلتمس من المعطى القراءة باختياره. بحيث لو لم يقرأ لم يغضب ولم يقطع إعطاءه، وإلا صار أحد القسمين الأولين، ثم القسم الأول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقصد كونه ثمناً للقراءة الماضية، بأن يكون ثوابها له أو لواحد من أحبائه. وثانيهما: كونه أجرة للآتية، وهذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يأمر بإعطاء ثوابها له، أو لواحد من أصدقاءه.

стр. 64

وثانيها: أن يقصد كون ثوابها للقارئ، ويكون هو سبباً لعبادته. وثالثها: أن يقصد تدبر القارئ معاني القرآن فيتعظ به. ورابعها (١): أن يقصد تكرار القراءة حتى لا ينسى القارئ القرآن. وخامسها (٢): أن يقصد استماع الحاضرين، بأن يأمره أن يقرأ بالجهر بين جماعة وسادسها: أن يقصد استماع أرواح الأموات، بأن [يأمره أن] (٣) يقرأ عند القبر بالجهر (٤). وسابعها: أن يقصد الكل أو (٥) البعض المركب. والقسم الثاني يحتمل هذه الثمانية، لكن لا بد أن يكون مقام الأمر بإعطاء الثواب، الالتماس بالاختيار لئلا يكون أجرة.

стр. 65

والقسم الثالث أيضاً يحتمل هذه الثمانية، فالمجموع أربعة وعشرون. أما وجوه الثاني، فوجوه الأول بعينها، ويزيد عليها أن يقصد المعطي صلة بلا شرط قراءة، ولا التماس، ولكن القارئ يقرأ من عند نفسه ويعطي ثوابه للمعطي، امتثالاً لقوله ﷺ : (من اصطنع إليكم معروفاً فجازوه (١)، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم، فإن الله شاكر يحب الشاكرين) رواه الطبراني في الأوسط (٢). وأما قصد الرياء والسمعة من المعطي أو القارئ، فلا نعده من الأقسام لظهور فساده.

стр. 66

فبضرب أربعة وعشرين في مثله (١) يحصل خمسمائة وستة وسبعون (٢)، وبضم القسم الزائد، يصير سبعة وسبعين، والذي أردنا إبطاله من هذه الجملة أن يكون قصد المعطي، كون المعطى أجرة للقراءة الآتية، ليكون ثوابها له أو لواحد من أصدقائه. وقصد القارئ من قراءته أخذ المال بحيث لو لم يعط (٣) لم يقرأ، وإن انتظم معاشه وتفرغ لها، لأن الشائع في زماننا هذا، أن يقف رجل شيئاً ويكتب في وقفيته، يعطى درهماً (٤) أو درهمان كل يوم لقراءة جزء واحد من كتاب الله تعالى لروحي أو لروح أبي أو غيرهما، أو (٥) تجيء عجوز

стр. 67

عالماً (١)، فتقول أعطيك خمسين درهماً مثلاً، لتختم لي أو لروح فلان القرآن ختمة واحدة، فيقرأ القارئ طمعاً للمال، ولو علم عدم إعطاءه لم يقرأ، ولو قرأ ولم يعط يغضب عليه، ويطلب منه أجرة (٢)، بل ربما يجره إلى باب القاضي ويشتمه. والفطن إذا تأمل فيما ذكرنا سابقاً، لا يخفى عليه صور الجواز من صور عدمه، فإن بعضها جائزٌ بلا شبهةٍ [وبعضها غير (٣) جائزٍ بلا شبهة] (٤)، وبعضها جائزٌ مع شبهة عدم الجواز وبعضها على العكس، وإن الشائع في زماننا من صور عدم الجواز، بل هو أشد قبحاً من الجميع. ونستغني عما نذكره في المقصد إن شاء الله تعالى، ولكن نريد تعميم النفع وزيادة الإيضاح وتوكيد (٥) الإبطال، لكون الطباع مألوفة بجوازه، بل بكونه قربة عظيمة الأجر، كثير الثواب، حتى ترى كثيراً من الفقراء

стр. 68

يذابون في الكسب، ويتعبون أنفسهم، فيحصلون الدراهم، ويقنعون بالعيش الخشن فيقفونها (١) على قراءة الأجزاء، ويظنون بسبب الجهل والحمق، أن قراءة القرآن بالأجرة، عبادة تستوجب الثواب، وأن ذلك الثواب يصل إليهم، وأن القارئ المسكين، يظن أن القراءة لأجل المال جائزة، وأن المأخوذ بمقابلتها حلال طيب، راجح على كثير من الحلال، وأنه مشغول بالعبادة، فإذا كان حال المعطي والقارئ هذا، فتعسر مفارقة المعتاد، إذ قيل العادة طبيعة (٢) ثانية، فلا بد من التوكيد (٣) والتكرير، والله الميسر لكل عسير. فإن قلت فمن أين تعين أن ما شاع في زماننا [في بلادنا] (٤) هو الصورة المذكورة؟

стр. 69

لم لا يجوز أن يكون مراد الواقف والمعطي، أن يكون معطاه صلة، ويقرأ القارئ حسبة لله تعالى ويعطي ثوابه للمعطي؟ قلت: لا يجوز، أما الأول، فلأن المعطي إنما يعطي ليقرأ له بأمره على مراده، حتى يراقبه هل يداوم على القراءة وربما يُسلط عليه نقَّاطاً (١). وإذا ترك القراءة يوماً يغضب عليه، ويقول تأكل الحرام، وربما يمنع وظيفة ذلك اليوم، بل ربما يعزله وينصب مكانه آخر، وربما يماكس القارئ ويطلب منه القراءة بالقليل، والقارئ يطلب الكثير، ويقول الطالب فلان العالم يقرأ بأقل من هذا، حتى تراضيا على شيء معين، فيجري بينهما ما يجري بين المستأجر والبناء والنجار، والعبرة في أمثاله للأغراض دون الألفاظ، حتى صارت الهبة بشرط العوض بيعاً، والكفالة

стр. 70

بشرط البراءة حوالة، والحوالة بشرط البقاء كفالة وغير ذلك. وهل للأجرة معنى غير هذا؟ وإنما (١) الصلة ما يعطى للقراءة لله تعالى، فلا يتصور فيها الأمر والنهي لأجل المعطى والمماسكة والتراضي على شيء معين. وأما الثاني فلأن القارئ إنما يقرأ لأخذ المال، ولو لم يعط لم يقرأ، وإن لم يمنع مانع، فهل تكون القراءة حسبة [لله تعالى] (٢) هكذا، نعم يتصور ما ذكرت في الأخوين (٣) في الله (٤) تعالى يقرأ أحدهما بالتماس الآخر، أو (٥) بدونه فيعطي ثوابه لروح أبيه، فيعطي الآخر له ولا يأمره ولا يماسكه، ولو لم يعط لم يترك أخوه القراءة، وليس هذا مما نحن فيه.

стр. 71

فإن قلت فبين لنا إجمالاً حال ما عدا الصورة المذكورة، وإن لم تكن في صدده حتى يحيط علمنا بجملته، ونكون على بصيرة في هذا الأمر، فإن الاستنباط (١) مما ذكر سابقاً لا يقدر عليه كل أحد. قلت: القراءة لأجل الدنيا، أعني ما كان الباعث عليها حظاً عاجلاً، لا يجوز وكذا الأخذ لها والإعطاء عليها، إلا أن يريد المعطي صلة بدون شرط القراءة، ويلتمس منه القراءة باختياره فيحلان. وأما القراءة لله تعالى فطاعة (٢)، وكذا الإعطاء لها. وأما الأخذ عليها، فإن أراد المعطي صلة، يجوز، وإن أراد الأجرة، فلا يجوز فتأمل. ثم إن مدَّعانا هاهنا، أن الأجرة (٣) على (٤) قراءة القرآن، وإعطاء الثواب للمعطي، أو لواحد من أحبائه، لا يجوز في نفس الأمر، ولم يذهب إليه أحد من المجتهدين، الذين سوغ لهم الاجتهاد، كما لا يجوز الإجارة على الصلاة والصوم بالاتفاق.

стр. 72

ولا تظنن أن الشافعي (١) يجوزه بناءً على تجويز الإجارة على التعليم (٢) وأمثاله، فإنه باطل (٣). أما أولاً، فلأن الشافعي وكذا مالكاً (٤) لم يريا وصول العبادات البدنية للميت (٥)، فكيف يجوز أن الإجارة التي هي تمليك المنفعة بعوض، والمنفعة هاهنا لا تقبل التمليك؟ وأما ثانياً، فلأن التعليم وأمثاله له (٦) منفعة غير الثواب، وهو حصول العلم للغير، ونحوه غرض المستأجر ذلك، دون إعطاء ثواب التعليم ونحوه، وإذا أخذ الأجرة على التعليم لا يحصل له ثواب، ولكن يحصل العلم للغير وهو المراد. وكذا المراد من الأذان إعلام وقت (٧) الصلاة ولا ينافيه أخذ الأجرة

стр. 73

وإن نافى حصول الثواب (١). وكذا أخذ الأجرة على الإمامة، لا ينافي صحة حصول الاقتداء وحصول ثواب الجماعة للمقتدين، ألا ترى أنه يجوز الاقتداء بمن (٢) لم ينوِ (٣) الإمامة، بل يجوز الاقتداء بمن نوى (٤) أن لا يصير إماماً، نعم ينافي حصول ثواب الإمامة (٥) للإمام (٦) كما ينافيه (٧) عدم النية، فالفرق ظاهر والقياس فاسد. وأما ثالثاً فلأن الثواب منوط على النية عند الشافعي وجميع المجتهدين، وفيما نحن فيه لم يوجد نية، فلا يحصل له ثواب، فكيف تجوز الإجارة لأجل الثواب؟ فلا ثواب ولا منفعة فلا إجارة، إذ هي تمليك المنفعة بعوض. وأما رابعاً فلأن القراءة مثل الصلاة والصوم بلا فرق، فقد قال الغزالي في فاتحة

стр. 74

العلوم: (يجوز أخذ الأجرة على التعليم والإمامة والتأذين، وأما أخذ الأجرة على الصلاة فحرام (١) بالاتفاق)، فدل هذا أن أخذ الأجرة على الصوم (٢) والقراءة لا يجوز أيضاً بدلالة النص. وأما أئمتنا فلم (٣) يجوزوا الإجارة على الطاعة أصلاً (٤). وبعض المتأخرين جوزوا في التعليم دون الإمامة والتأذين لما ذكرنا سابقاً (٥)، أو لأن الأول يمنع الاشتغال بالكسب، وأنه منع (٦) العطاء من بيت المال، فلو قلنا بعدم الجواز، يلزم تضييع حفظ القرآن ولا كذلك الأخيران (٧). ثم بعض آخر (٨) ممن جاءوا بعدهم لما رأوا تغير الزمان وأنهم لا يداومون الإمامة

стр. 75

والتأذين حسبة بل يدَّافعون، قالوا لو قلنا بعدم الجواز يختل أمر الجماعة، وهي من شعائر الدين، فأفتينا بجوازهما أيضاً لضرورة حفظ الدين مع وجود معنى الإجارة فيهما، وكذا في التعليم لما بينا سابقاً، ولا ضرورة في القراءة وإعطاء الثواب بالأجرة، ولا يوجد معنى الإجارة فيه أيضاً فكيف يجوز؟ اعلم أن بعض الجهلة المتزيين بزي العلماء في زماننا، زعموا أن فيها (١) ضرورة أيضاً فبعضهم يقول الضرورة في جانب حفظ القرآن، إذ تغير زماننا فلو لم يجز (٢) لم يشتغل أحد بقراءة القرآن، فيضيع حفظه، ولأنه حينئذ لا يعلِّمون صبيانهم القرآن، إذ غرضهم من تعليم القرآن، تحصيل (٣) المال عند كبرهم بسبب القراءة
следующие страницы →