← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9283

رسالة إنقاذ الهالكين في حكم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن الكريم

البركوي

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن قلت فبين لنا إجمالاً حال ما عدا الصورة المذكورة، وإن لم تكن في صدده حتى يحيط علمنا بجملته، ونكون على بصيرة في هذا الأمر، فإن الاستنباط (١) مما ذكر سابقاً لا يقدر عليه كل أحد. قلت: القراءة لأجل الدنيا، أعني ما كان الباعث عليها حظاً عاجلاً، لا يجوز وكذا الأخذ لها والإعطاء عليها، إلا أن يريد المعطي صلة بدون شرط القراءة، ويلتمس منه القراءة باختياره فيحلان. وأما القراءة لله تعالى فطاعة (٢)، وكذا الإعطاء لها. وأما الأخذ عليها، فإن أراد المعطي صلة، يجوز، وإن أراد الأجرة، فلا يجوز فتأمل. ثم إن مدَّعانا هاهنا، أن الأجرة (٣) على (٤) قراءة القرآن، وإعطاء الثواب للمعطي، أو لواحد من أحبائه، لا يجوز في نفس الأمر، ولم يذهب إليه أحد من المجتهدين، الذين سوغ لهم الاجتهاد، كما لا يجوز الإجارة على الصلاة والصوم بالاتفاق.

стр. 72

ولا تظنن أن الشافعي (١) يجوزه بناءً على تجويز الإجارة على التعليم (٢) وأمثاله، فإنه باطل (٣). أما أولاً، فلأن الشافعي وكذا مالكاً (٤) لم يريا وصول العبادات البدنية للميت (٥)، فكيف يجوز أن الإجارة التي هي تمليك المنفعة بعوض، والمنفعة هاهنا لا تقبل التمليك؟ وأما ثانياً، فلأن التعليم وأمثاله له (٦) منفعة غير الثواب، وهو حصول العلم للغير، ونحوه غرض المستأجر ذلك، دون إعطاء ثواب التعليم ونحوه، وإذا أخذ الأجرة على التعليم لا يحصل له ثواب، ولكن يحصل العلم للغير وهو المراد. وكذا المراد من الأذان إعلام وقت (٧) الصلاة ولا ينافيه أخذ الأجرة

стр. 73

وإن نافى حصول الثواب (١). وكذا أخذ الأجرة على الإمامة، لا ينافي صحة حصول الاقتداء وحصول ثواب الجماعة للمقتدين، ألا ترى أنه يجوز الاقتداء بمن (٢) لم ينوِ (٣) الإمامة، بل يجوز الاقتداء بمن نوى (٤) أن لا يصير إماماً، نعم ينافي حصول ثواب الإمامة (٥) للإمام (٦) كما ينافيه (٧) عدم النية، فالفرق ظاهر والقياس فاسد. وأما ثالثاً فلأن الثواب منوط على النية عند الشافعي وجميع المجتهدين، وفيما نحن فيه لم يوجد نية، فلا يحصل له ثواب، فكيف تجوز الإجارة لأجل الثواب؟ فلا ثواب ولا منفعة فلا إجارة، إذ هي تمليك المنفعة بعوض. وأما رابعاً فلأن القراءة مثل الصلاة والصوم بلا فرق، فقد قال الغزالي في فاتحة

стр. 74

العلوم: (يجوز أخذ الأجرة على التعليم والإمامة والتأذين، وأما أخذ الأجرة على الصلاة فحرام (١) بالاتفاق)، فدل هذا أن أخذ الأجرة على الصوم (٢) والقراءة لا يجوز أيضاً بدلالة النص. وأما أئمتنا فلم (٣) يجوزوا الإجارة على الطاعة أصلاً (٤). وبعض المتأخرين جوزوا في التعليم دون الإمامة والتأذين لما ذكرنا سابقاً (٥)، أو لأن الأول يمنع الاشتغال بالكسب، وأنه منع (٦) العطاء من بيت المال، فلو قلنا بعدم الجواز، يلزم تضييع حفظ القرآن ولا كذلك الأخيران (٧). ثم بعض آخر (٨) ممن جاءوا بعدهم لما رأوا تغير الزمان وأنهم لا يداومون الإمامة

стр. 75

والتأذين حسبة بل يدَّافعون، قالوا لو قلنا بعدم الجواز يختل أمر الجماعة، وهي من شعائر الدين، فأفتينا بجوازهما أيضاً لضرورة حفظ الدين مع وجود معنى الإجارة فيهما، وكذا في التعليم لما بينا سابقاً، ولا ضرورة في القراءة وإعطاء الثواب بالأجرة، ولا يوجد معنى الإجارة فيه أيضاً فكيف يجوز؟ اعلم أن بعض الجهلة المتزيين بزي العلماء في زماننا، زعموا أن فيها (١) ضرورة أيضاً فبعضهم يقول الضرورة في جانب حفظ القرآن، إذ تغير زماننا فلو لم يجز (٢) لم يشتغل أحد بقراءة القرآن، فيضيع حفظه، ولأنه حينئذ لا يعلِّمون صبيانهم القرآن، إذ غرضهم من تعليم القرآن، تحصيل (٣) المال عند كبرهم بسبب القراءة

стр. 76

فإذا لم يجز (١) أخذ المال على القراءة امتنعوا عن التعليم. وبعض آخر يقول الضرورة في جانب القارئ، حيث يضطرون لفقرهم على أخذ الأجرة على القراءة. فهذان القولان [ظاهرا] (٢) البطلان، بيِّنا الفساد، إذ هما بعد كونهما خرقاً للإجماع (٣)، بخلاف القول بجواز التعليم والإمامة والتأذين بالأجرة، إذ هو مختلف فيه في الصدر الأول، كذب محض وافتراء صرف. أما (٤) الدليل الأول للقول الأول، فلأنه لو صدق لدل على جواز الأخذ على تعليم القرآن (٥) وعلى القراءة جهراً على أهله. أما القراءة بالإخفاء وإعطاء الثواب بالأجرة فلا دلالة عليها، بل القراءة بالإخفاء على الدوام لمن لم يرسخ في القرآن يقرؤه على الخطأ واللحن حتى يعسر تعليمه كما يشاهد في قراءة الأجزاء في زماننا.

стр. 77

وأما الدليل الثاني للقول (١) الأول فباطل جداً، كيف وأن تغير الزمان إنما كان بغلبة حب الدنيا والرئاسة، ومعلوم أن ناصيتها في أيدي الأمراء وهم محتاجون إلى القراء والعلماء للإمامة والخطابة والقضاء (٢) والفتوى وغيرها (٣)، فيكثر الاشتغال بالقرآن والعلم لنيل الرئاسة والدنيا. أما الثاني فالضرورة التي تبيح الحرام أن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ألا ترى أن السؤال حرام على من له قوت يوم، ولا يوجد قارئ على هذه الحالة، وإن وجد فلا كلام فيه، إذ يجوز له أكل الميتة ولحم الخنزير ومال الغير بلا إذن، وما جاز للضرورة لا يتعداها فاعلم ذلك.

стр. 78

ثم إنَّا نذكر إن شاء الله تعالى أدلة كثيرة على مدَّعانا، بعضها (١) يشمل غير مدعانا أيضاً من بعض الصور السابقة، فلا ضير (٢) فيه، وبعضها لا يفيد قطعاً بل ظناً ولا ضير فيه أيضاً، إذ غرضنا التقوية والتأييد، لا استقلاله (٣) بالدلالة على أن الظن كاف في باب العمل ولا يلزم اليقين، فالله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 79

المقصد في إثبات المدعى وفيه مسلكان المسلك الأول في الإثبات (١) التحقيقي: فإن قلت الإثبات التحقيقي إنما يكون للمجتهد ولا مجتهد في زماننا، قال في الخلاصة: [القاضي (٢) إذا قاس مسألة على مسألة وحكم فظهر روايةً أن الحق بخلافه فالخصومة للمدعى عليه يوم القيامة على القاضي وعلى المدعي، لأن القاضي آثم بالاجتهاد، لأنه ليس أحدٌ من أهل الاجتهاد في زماننا، والمدعي آثم بأخذ المال. انتهى]. قلت المسائل المثبتة (٣) بالشرع قسمان: نصية قطعية كالثابت بحكم الكتاب والسنة المشهورة والإجماع، مثل وجوب الصلاة وحرمة الربا وغيرهما (٤)، فلا تقليد فيها للمجتهد.

стр. 80

واجتهادية ظنية ففيها التقليد، وما نحن بصدده من قبيل الأولى. ولو سلم فالإثبات التحقيقي يمكن لمن كان مضطلعاً على مأخذ الأحكام، أهلاً للنظر مترقياً من درجة التقليد المحض، وهو الذي أجيز له الفتوى. قال الفقيه أبو الليث في البستان: [لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء، ويعلم من أين قالوا، ويعلم معاملات الناس، فإن عرف أقاويل العلماء ولم يعرف مذاهبهم، فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء (١) الذين هو ينتحل مذهبهم قد اتفقوا عليها، فلا بأس (٢) بأن يقول هذا (٣) جائز وهذا لا يجوز، ويكون قوله على سبيل الحكاية.

стр. 81

وإذا كانت مسألة قد اختلفوا فيها، فلا بأس بأن يقول هذا جائز في قول فلان، ولا يجوز في قول فلان، ولا يجوز [له أن يختار] (١) أحد الأقوال، فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته]. وروي عن عصام بن يوسف (٢) أنه قال كنت في مأتم فاجتمع فيه [أربعة] (٣) من أصحاب أبي حنيفة (٤)، زفر (٥) بن الهذيل (٦) وأبو يوسف (٧) وعافية بن يزيد (٨)

стр. 82

وآخر، وكلهم أجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا (١). وروى إبراهيم بن يوسف (٢) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى أنه قال: [لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا. انتهى] (٣).

стр. 83

ويمكن أن ندعي (١) الاجتهاد في هذه المسألة، بناء على ما هو الحق من جري (٢) الاجتهاد، وإن منعه قوم (٣). وكيف لا وأصحاب أبي حنيفة مثلاً مجتهدون بلا خلاف، مع أنهم يقلدون أبا حنيفة في كثير من المسائل (٤) ويجتهدون في بعضها، إما مع القدرة على المخالفة، كأبي يوسف ومحمد (٥)، وإما فيما لا رواية عنه على

стр. 84

خلافه، كظهير الدين (١) وقاضي خان (٢) ونحوهما، ولهذا (٣) لم يُعدوا (٤) مذاهب مستقلة كما عُدَّ الشافعي ومالك ونحوهما إذ لا تقليد لهم لأحد أصلاً. ويؤيد هذا ما ذكر في مناقب أبي يوسف ﵀ أنه قال في مرض موته: [إلهي أنت تعلم أني لم أحكم في قضائي فيما علمته باجتهادي إلا به، وفيما لم (٥) أعلم (٦) جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، فاعف عني واغفر لي بكرمك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين].

стр. 85

وأما ما ذكر في الخلاصة، فمحمول على المجتهد المطلق، أو القادر على مخالفته في البعض، يدل عليه قوله فظهر رواية أن الحق بخلافه، على أنه لا دليل عليه أيضاً إلا الاستقراء الناقص (١) فهو لا يفيد. كيف وقد ذهب (٢) بعض العلماء [إلى] (٣) عدم جواز خلو الزمان عن (٤) المجتهد. إذا تقرر هذا فنقول: يدل على مدَّعانا كتاب الله تعالى وسنة حبيبه ﵊ (٥) وإجماع الأمة والقياس الصحيح. اعلم أولاً أن النصوص محمولة على ظواهرها ما لم يمنع مانع، وأن العبرة بعموم اللفظ (٦) وإطلاقه لا بخصوص السبب وتقييده (٧).

стр. 86

وإن شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قص (١) الله تعالى ورسوله من غير نسخ (٢). وأن النهي للتحريم (٣)، وأن تأويل الراوي وتوجيهه الآية أو الحديث بدون الرفع إلى رسول الله ﷺ لا يكون حجة على الغير (٤). وأن ترتب الحكم على المشتق يدل على عِليَّة مأخذ الاشتقاق (٥) على ما ثبت في موضعها.

стр. 87

أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) (١) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) (٢)، وجه الاستدلال أن المراد بالاشتراء الاستبدال (٣) والأخذ، وبآياتي آيات (٤) الكتاب، وبالثمن القليل الدنيا، بدليل إطلاقه عليها في الكتاب قال الله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (٥)، والسنة والعرف قال: هي الدنيا أقل من القليل وعاشقها أذل من الذليل تُصِمُ (٦) بسحرها قوماً وتعمي فهم متحيرون بلا دليل وإن الضمير في به، لما أنزل الله، لقربه وذكره صريحاً، فدل الآيتان على (٧) أن الاشتراء حرام، وأنه والكتمان سببان لأكل النار، فثبت حرمة أخذ الدنيا بسبب القرآن.

стр. 88

قال الفقيه أبو الليث في تفسير هذه الآية: ولأجل هذه الآية كره إبراهيم النخعي (١) بيع المصحف، فانظر إلى احتياطه، فإن المصحف عبارة عن الأوراق والنقوش، وليس شيء منهما من آيات الله تعالى. ولكن (٢) لما كان النقوش دالاً على نظم القرآن وبيع المدلول حراماً، جعل بيع ما يشتمل على داله مكروهاً احتياطاً. ومنه قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ ... الآية) وقد سبق في المقدمة. ووجه الاستدلال أن المراد من كان يريد بعمل (٣) الآخرة بقرينة السياق فإن إرادة الدنيا بعمل الآخرة فهو رياء. وأما إرادة الدنيا بعمل الدنيا جائز (٤) بلا خلاف، فكيف يستحق به (٥) عذاب النار

стр. 89

وقد دلَّ عليه ترتب الحكم، وقراءة القرآن من أفضل أعمال (١) (٢) الآخرة. ومنه قوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (٣). وقوله تعالى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (٤). وجه الاستدلال أن الضميرين للقرآن والحصر إضافي، فالمعنى ما القرآن إلا ذكرى (٥) للعالمين، لا يتجاوز إلى كونه مما يسأل عليه الأجر من الخلق. ومنه قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ... الآية)، أي يريد بعمل الآخرة وقد مرَّ وجه الاستدلال.

стр. 90

وأما السنة: فمنها قوله ﷺ : (اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به) (١) ذكره صاحب الهداية (٢) في كتاب الإجارة (٣). ومنها ما رواه (٤) الترمذي عن عمران بن الحصين (٥) ﵁، أنه مرَّ على قاصٍ (٦) يقرأ ثم يسأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به (٧) فإنه سيجيء أقوامٌ يقرؤون القرآن ويسألون (٨) الناس به) (٩). وجه الاستدلال أن الأمر للوجوب، وأن قوله (فإنه سيجيء) سيق للذم، ولا ذم في المباح.

стр. 91

ومنها ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت (١) وصححه التوربشتي (٢) قال علّمت (٣) ناساً من أهل الصفة القرآن وأهدى إليَّ رجل قوساً، فقلت ليست بمال

стр. 92

وأرمي بها في سبيل الله تعالى، فأتيته ﵊ فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إليَّ قوساً (١) ممن كنت أعلمه القرآن، وليست بمال فأرمي بها في سبيل الله تعالى، فقال ﷺ : إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار (٢) فاقبلها) (٣). ومنها ما ذكره (٤) الشيخ أبو منصور (٥) ﵀ في تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٦)، أي المستسلمين لأمر الله تعالى، الذين لا يأخذون للوعظ والنصيحة وتعليم الدين أجراً، فإن مقتضى الإسلام ذلك قال ﷺ : (لا تأخذوا للعلم والقرآن ثمناً فتسبقكم الدنيا إلى الجنة) (٧). انتهى

стр. 93

ومنها ما ذكر في المقدمة من قوله ﷺ : (فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب) (١). أقول فإذا لم يكن له ثواب، فكيف تصح هذه الإجارة التي هي في الحقيقة (٢) بيع الثواب، إذ ليس غرض المستأجر نفس القراءة، ولا انتفاع القارئ به (٣) ولا انتفاع الغير بالسماع والتعليم، بل غرضه تسليم ثوابها له، وبيع المعدوم باطل، ولو سلم وجوده فليس بمال، لأنه ليس بعين يجري فيه التنافس (٤) والابتذال، ولو سُلِّم فليس بمقدور التسليم، ولو سُلِّم أنه ليس ببيع، فالإجارة تمليك المنفعة بعوض، والمنفعة هاهنا هي الثواب لا نفس القراءة بل هي

стр. 94

مرادة لأجله حتى إن المستأجر إذا علم عدم حصول الثواب لم يعطه حبة على مجرد القراءة، فالمعقود (١) عليه ليس إلا تسليم الثواب، فإذا لم يسلم لا يستحق الأجر، كمن أستأجره (٢) رجل ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة، فذهب ووجده ميتاً فرده فلا أجر له (٣). وقوله ﷺ : (من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السماوات والأرض) (٤). وقوله ﷺ : (من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه ومحق (٥) ذكره وأثبت اسمه في النار) (٦) (٧). وبالجملة كل ما ورد في ذم الرياء من الآيات والأخبار يدل عليه لما ذكرنا (٨) في المقدمة أنه رياء أو ملحق به.

стр. 95

وأما الإجماع فمن وجهين: الأول (١) إن الأمة اتفقوا على أن لا ثواب للعمل إلا بالنية لقوله (٢) ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات ولكل إمرىء ما نوى) (٣)، وهو حديث مشهور (٤) تجوز به الزيادة على الكتاب (٥)، وقد مرَّ أن النية ليست عبارة عن القول ولا الإخطار (٦) بالبال حتى توجد إذا قال القارىء أنا أقرأ لله تعالى وأعطي ثوابه للمعطي وأخطر بباله معناه وقال المعطي أيضاً أنا أعطي لله تعالى وأخطر بباله معناه، بل هي الحالة الباعثة على العمل المعبر عنها بالقصد والعزم، ولم توجد فيما نحن فيه على ما هو المفروض، فلم يحصل (٧) ثواب (٨) فلا إجارة ولا بيع لما سبق وجهه.

стр. 96

والثاني أنهم أجمعوا على تحريم الرياء، وقد عرفت أن ما نحن فيه رياء (١)، أو ملحق به فكيف يجوز أخذ الأجرة على المعصية؟ وأما القياس: فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن القراءة (٢) مثل الصلاة والصوم في كونهما عبادة بدنية محضة، فكما لا يجوز أخذ الأجرة عليهما لا يجوز عليها. والثاني: أنها (٣) بيع الثواب بالحقيقة كما مر، فأشبه بيع ثواب الأعمال التي عملها رجل في الزمان الماضي، فكما أن هذا باطل بلا خلاف فكذا هذا.

стр. 97

نكتة مقنعة: اعلم يا أخي وفقك الله تعالى وإيانا، أني أذكر لك أصلاً أصيلاً يكفيك في هذا الباب إن كان لك عقل ودين، وهو أنَّا عرفنا الدين وحصول الثواب والعقاب من الشارع (١)، إذ ليس العقل مستقلاً فيه، ولو جاز حصول الثواب باستئجار الغير على القراءة، لفعله رسول الله ﷺ أو حث عليه أو لفعله الصحابة والتابعون، الذين هم خير القرون بشهادة خير الأنام، ولم يرو عن النبي ﷺ ولا عن واحد من الصحابة والتابعين فعله ولا الحث عليه. كيف وقد أنكر مالك والشافعي مع قرب عهدهما، وصول ثواب العبادات البدنية الخالصة إلى الغير، فيكون بدعة قال ﷺ

стр. 98

(من أحدث في أمرنا (١) هذا ما ليس منه فهو رد) (٢). وقال في الهداية: [ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، لأنه ﵊ لم يزد عليهما مع حرصه على الصلاة] (٣)، فانظر كيف جعل عدم فعله ﷺ في باب العبادة دليلاً على الكراهة (٤). وقال صاحب مجمع البحرين (٥) في شرحه: [أن رجلاً يوم العيد في الجبانة أراد أن يصلي قبل صلاة العيد، فنهاه علي ﵁ (٦)، فقال الرجل: إني أعلم أن الله تعالى لا يعذب العبد (٧) على الصلاة. فقال علي ﵁: وإني أعلم أن الله تعالى لا يثيب على فعل حتى يفعله رسول الله ﷺ أو يحث عليه] (٨). انتهى.

стр. 99

نكات أخرى (١): سمَّى حبيبُ الله الدنيا جيفةً وملعونةً (٢)، فهل يليق لأمته أن يستبدلوا كلام الله الذي لا يمسه إلا المطهرون بجيفة ملعونة، وأي استخفاف يزيد على هذا، وبأي وجه ينظر إلى وجه (٣) رسول الله ﷺ يوم (٤) القيامة. وأي شيء يعطى للمستأجر إذا طلب الأجر فيه (٥) يوم تبلى السرائر، نعوذ بالله تعالى [من شرورنا ومن شر الشيطان] (٦) ومن (٧) شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

стр. 100

المسلك الثاني في الإثبات (١) التقليدي: يكفي فيه ما هو المذكور في عامة الكتب، وهو لا يجوز الإجارة على الطاعات وذكر في بعضها كالهداية، أن بعض أصحابنا المتأخرين استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لظهور التواني في الأمور الدينية (٢)، ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى (٣). وذكر في بعضها جوازه على الإمامة (٤) والتأذين وتعليم الفقه أيضاً، ولم يذكر في واحد منها الاستئجار على القراءة وإعطاء الثواب فبقي داخلاً تحت العام. وقال في الاختيار (٥): (الذي صرح فيه جواز الاستئجار على الإمامة والتأذين)، ومجمع الفتاوى (٦) ولو (٧) أوصى بأن يطين قبره أو يجعل عليه قبة أو يدفع شيء إلى

стр. 101

من يقرأ عند قبره القرآن (١)، فالوصية باطلة لأن عمارة القبور للإحكام مكروه (٢)، وأخذ الشيء للقراءة لا يجوز، لأنه كالأجرة. فانظر إلى هذا كيف نفى الجواز عن مشابه (٣) الأجرة فكيف عن الأجرة؟ وإنما قال كالأجرة لعدم تعيين (٤) المقروء واليوم (٥)، ولم يجعل صلة إذ لا يتصور (٦) معناها هاهنا (٧) كما ذكرنا في المقدمة. ولهذا قال بعضهم: هذا إذا لم يعين القارئ. أما إذا عينه ينبغي أن يجوز على وجه الصلة دون الأجرة. ووجهه والله أعلم، أن تعيينه يدل على أن المعين صديقه أو رجل كريم شفيق يدعو ويترحم للأموات، وأنه يلتمس منه باختياره أن يقرأ لله تعالى خالصاً عند

стр. 102

قبره بحكم الصداقة أو (١) الكرم لا للطمع إلى ما أوصى إليه وأنه صلة منه (٢) يدفع إليه قرأ أو لم يقرأ. وقال في التتارخانية (٣) نقلاً عن المحيط (٤): [وإذا أوصى أن يدفع إلى إنسان كذا من ماله ليقرأ القرآن على قبره فهذه الوصية باطلة، قال بعض إذا كان القارئ معيناً ينبغي أن يجوز وصيته له على وجه الصلة دون الأجرة، والصحيح أنه لا يجوز وإن كان القارئ (٥) معيناً].

стр. 103

وهكذا قال أبو النصر (١) وكان يقول لا معنى لهذه الوصية (٢) ولصلة القارئ لقراءته لأنه هذا بمنزلة الأجرة والإجارة في ذلك باطلة (٣) وهذا بدعة لم (٤) يفعلها أحد من الخلفاء انتهى (٥). قال في الخلاصة: رجل أوصى لقارئ القرآن أن (٦) يقرأ عند قبره بشيء فالوصية باطلة. ونقل تاج الشريعة (٧) في شرح الهداية أن القراءة بالأجرة لا يستحق بها الثواب لا للميت ولا للقارئ. ووجهه انعدام النية وهي مناط الثواب لما بينا. وهذا القدر كاف للعاقل المتدين وبالله التوفيق.

стр. 104

خاتمةٌ في دفع ما يظن أنه يدل على خلاف المدعى اعلم أولاً أن الأدلة (١) الشرعية أربعة، فإن وقع التعارض بينهما فالحكم للأقوى، فيجب تأويل الآخر كما يجب تأويل المتشابهات مثل قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (٢) لمخالفتها الأدلة العقلية (٣)، فإن تساويا يطلب التوفيق (٤) بينهما إن أمكن، وإن لم يمكن (٥) تساقطا وصير إلى ما دونهما من الأدلة، وأن دليل المقلد فتوى ثقة في علمه ودينه أو نقل في (٦) كتاب معتبر معتمد عليه، مشهور بين العلماء الثقات، ولا يجوز له العمل بفتوى كل أحد، ولا بنقل كل كتاب. قال الفقيه أبو الليث في البستان: [ولو أن رجلاً سمع (٧) حديثاً أو سمع مسألة فإن لم يكن القائل ثقة [علماً وعملاً] (٨) فلا يسعه أن يقبل (٩) منه إلا أن يكون قولاً يوافق الأصول فيجوز له أن يعمل به [ولا يقع به] (١٠) العلم.

стр. 105

وكذلك لو وجد حديثاً مكتوباً أو مسألة، فإن كان موافقاً للأصول فيجوز له (١) أن يعمل به وإلا فلا. انتهى. والمراد بالأصول الأدلة الأربعة والكتب المعتبرة ولا يعرف موافقته إلا كل متتبع ممارس للحديث أو الفقه. [فإذا تقرر هذا] (٢) فنقول تتبعنا الأدلة الأربعة والكتب المعتبرة، فلم نجد ما يخالف مدَّعانا ولو ظاهراً ومن وجه إلا حديثاً واحداً، أخرجه البخاري (٣) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو [سليم] (٤) وعرض لهم رجل من أهل الماء فقال هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً أو [سليماً] (٥) فانطلق رجل منهم فقرأ فاتحة الكتاب على شاءٍ (٦)

стр. 106

فبرأ (١) فجاء بالشاء (٢) إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، فقالوا أخذت على كتاب الله تعالى أجراً، حتى قدموا المدينة، فقالوا يا رسول (٣) الله أخذ فلان على كتاب الله أجراً فقال رسول الله ﷺ : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) (٤). انتهى. فنقول في جوابه إن الحنفية نقل عنها ابن الحجر (٥) جواز أخذ الأجرة على الرقية (٦) حيث قال في شرح هذا الحديث: [خالف الحنفية الجمهور فنفوا جواز أخذ الأجرة في التعليم (٧) [وأجازوه في الرقى وقالوا] (٨)، لأن تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله تعالى، وهو القياس في الرقى إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر (٩) وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب. وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن

стр. 107

[رواها] (١) أبو داود (٢) وغيره] (٣)، وعلى هذه الرواية فلا إشكال أصلاً، إذ نقدر في الحديث الشريف محذوفاً بقرينة سبب الورود أي رقية كتاب الله تعالى. فإن قلت فلم جاز هذا ولم يجز ما ادعيت بطلانه وما الفرق بينهما؟ قلت الفرق (٤) من وجهين: الأول ورود الحديث في الرقية فترك فيه القياس وأجيز فيه استحساناً كما ذكره (٥) ابن الحجر، ولم يرد فيما نحن فيه خبر ولا أثر حتى نجوزه فبقي على القياس. والثاني إن (٦) فيما نحن فيه المقصود والمعقود (٧) عليه تسليم الثواب، فإذا لم يحصل بانعدام النية لم يجز. وفي الرقى المقصود حصول الشفاء وقد جعل الله تعالى في بعض الآيات والأدعية خاصية الشفاء للأمراض البدنية، ولم يدل دليل

стр. 108

على اشتراط النية هاهنا كما دل على اشتراطها في استحقاق الثواب. على أن الرقية ليس مجرد القراءة، بل مركبة من أقوال وأفعال مخصوصة مثل النفخ والتفل ومسح اليد وغير ذلك، وكم من شيء يجوز ضمناً وإن لم يجز قصداً فالفرق واضح. ومنع التوربشتي من الحنفية جواز الاستئجار على الرقية أيضاً، وأجاب عن الحديث الشريف (١) بأن قال: وقد روي هذا الحديث من وجوه كثيرة في بعض طرقه ألفاظ تبين وجه الحديث، فمن ذلك (فاستضافوهم فلم يضيفوهم) رواه مسلم في كتابه (٢) [ومنه (فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم) رواه البخاري في كتابه (٣)] (٤) عن أبي (٥) سعيد الخدري (٦). ومنه أيضاً (فصالحوهم على قطيع من الغنم) (٧) فوجه الحديث

стр. 109

أن أهل تلك السرية كانوا مسافرين، وقد وجب على أهل الماء حقهم على ما صح من (١) حديث عقبة بن عامر ﵁ (٢) (قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال رسول الله ﷺ إن نزلتم بقوم فأمروا [لكم] (٣) ما ينبغي للضيف فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم) (٤) فأبيح لهم أخذ ذلك عوضاً عن حقهم الذي منعوا. ويدل على صحة هذا التأويل قول أبي سعيد (فصالحوهم على قطيع من الغنم) فكان أبو سعيد في تلك السرية، ولم تكن الرقية علة لاستحقاقهم ذلك وإنما كانت ذريعة إلى استخلاص حقهم. وهذا المعنى وما يشاكله هو الصواب (٥) في تأويل هذا الحديث لئلا يخالف حديث عبادة بن الصامت. ثم ذكر ذلك

стр. 110

الحديث على ما ذكرنا سابقاً. ثم قال فإن قيل فإذن ما وجه قوله ﵊ في حديث ابن عباس ﵁: (إن أحق ما أخذتم (١) عليه أجراً كتاب الله تعالى) (٢)؟ قلنا أراد به أجر الآخرة كان سؤالهم عن أخذ الأجرة عليه فعرض هو ﵊ بما هو الحقيق فيه والمطلوب منه. وهذا (٣) [النوع من] (٤) الخطاب يسميه أهل البلاغة التحويل للكلام، ومن هذا الباب قوله ﷺ : (الصرعة من يملك نفسه عند الغضب) (٥)، وقوله ﷺ : (المحروب من حرب دينه) (٦).
следующие страницы →