← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 9287

الجامع الأموي في دمشق

علي الطنطاوي

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجامع الأموي في دمشق وصف وتأريخ بقلم علي الطنطاوي كتبت مقدمة الطبعة الأولى في دمشق سنة ١٩٦٠، ومكتبتي أمامي وأوراقي تحت يدي. وأكتب هذه المقدمة في مكة المكرمة سنة ١٩٨٩ وقد بَعُدت المكتبة عني، وضاعت الأوراق مني، والدرج الذي أودعته أخبار الأموي لم أعد أعرف ما فعل الله به، ولا بما كان فيه من أوراق، ولم أعد أستطع أن أعوضه. ومن أين لي أن أن أعود إلى الكتب التي طالعتها، والسنين الطويلة التي أمضيتها أتتبع أخبار الأموي من صفحات الكتب ومن أفواه العلماء، وكلما وجدت خبراً نقلته وذكرت من أين أخذته، أو ممن سمعته. ولعلها موعظة جاءتني من الله، إذ آثرتُ مصلحتي على مصلحة المسلمين، وضننتُ بما اهتديت إليه على الناس، وخفت أن يأخذوا المصادر التي جمعتها ولا ينسبوها إليّ ... وكنت أؤمل أن أجعل منها كتاباً كبيراً عن الأموي، فضاع الأمل. ولم يبقَ إلا هذا المختصر. أسأل الله أن ينفع به، وأن يثيب كاتبه وناشره عليه. مكة المكرمة ٠٣/ ٠٥/١٤٠٩ هـ ٠١/ ٠١/١٩٨٩ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، وعلى سائر رسل الله وأنبيائه. اللهم منك العون، وعليك الاتكال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ... وبعد، فإن من دأبي كلما ازدحمت عليّ المتاعب، وركبتني الهموم، وضياق صدري، وانقبض قلبي، أن أمشي حتى أجد مسجداً خالياً، فأدخله فأصلي ركعتين، وأقعد، أشعر بسكون المسجد من حولي، وبجلال الحق من فوقي، حتى أجد الطمأنينة والرضا، كأني نجوت من البحر الهائج إلى الجزيرة الآمنة، وتركت الصحراء المحرقة إلى الواحة الظليلة، وكأن ما كنت فيه من المشكلات، وما كان في صدري من الهموم، قد ذهب كله، لما دخلت حمى الله وصرت في بيته واعتصمت به من الناس وشرورهم، ومن نفسي وسوئها، ومن الشيطان ووسواسه. وإذا كان العرف الدولي على أن بيوت سفراء الدول الأجنبية قِطَع من بلادهم ولو كانت في بلاد الناس، فإن بيوت الله رياض من رياض الجنة، وإن كانت في هذه الدنيا، فمن دخلها كان ضيف الله، وكان جاره. فهي أبواب السماء المفتحة دائماً إن سُدّت في وجه البائسين اليائسين أبواب الأرض، وهي منار الهدى إن ضل بالسالكين الطريق، وإن كان في الدنيا الخير والشر، فهاهنا الخير الذي لا شر معه، وإن كان فيها الحق والباطل، فهاهنا الحق الذي لا باطل فيه.

стр. 3

ومن هنا تخرج الكلمة من حلوق المؤذنين، وأفواه الخطباء والمدرسّين فتمشي في الفضاء، من فوق رؤوس الملوك والكبراء، والأغنياء والأقوياء، كلٌّ يخضع لها ويصغي إليها، لأنها كلمة الخالق، وإن جاءت على ألسنة ناس من المخلوقين. هذه قلاع الإيمان في وجه الإلحاد. هذه حصون الفضيلة، أمام الرذائل والشهوات. والمسجد هو المعبد في الإسلام، وهو البرلمان، وهو المدرسة، وهو النادي، وهو المحكمة. هو (المعبد): يدع المسلمين أحقادهم ومطامعهم وشرورهم وفسادهم على الباب، ويدخلون إليه بقلوب متفّتحة للإيمان، متطلّعة إلى السماء، متحلّية بالخشوع، ثم يقومون صفّاً واحداً، يستوي فيه الكبير والصغير، والأمير والحقير، والغني والفقير، أقدامهم متراصّة، وأكتافهم متزاحمة، وجباههم جميعاً على الأرض، يستوون في شرف العبودية، وفي شرعة العبادة. وهو (البرلمان): ما دهى المسلمين أمر، ولا عرض لهم عارض، إلا نودي: "الصلاة جامعة" فاجتمع الشباب في المسجد. ففي المسجد يكون انتخاب الخليفة، وفيه تكون البيعة، وفيه تُبحث القوانين، تستمدّ من الشرع ثم تعلن فيه على الناس. وهو (النادي): إن قدم أمير بلداً كان أول ما يدخله من البلد المسجد، على منبره يعلن سياسته، ويذيع منهاجه، وإن كانت حرب، عُقدت الرايات في المسجد، وليس في الإسلام حروب هجومية لمجرد

стр. 4

الفتح والاستعمار والكسب، بل فيه الحرب الدفاعية فقط، حرب الدفاع عن العقيدة: أن يمنع أحد مسيرها، وعن أصحابها: أن يحول أحد بينهم وبين قيامهم بفرض الدعوة إليها. إنهم مكلّفون بحمل المصباح الذي أضيء من غار حراء، لينوّروا به الدنيا، ويبددوا به الظلام عن أهلها فإذا انبرى لهم من يحاول إطفاء المصباح، ومن يريد منع نور الله أن يصل إلى عباده، حاربوه حتى يفيء ويرجع، فإن فاء ورَجَع إلى الحق كان واحداً منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى إلا عناداً فحارب فغُلب على أمره لم يُكرهوه على الإسلام، ولم يكلفوه شططاً، ولم يحمّلوه إلا ضريبة محدودة، هي تكاليف الدفاع الذي يتولّونه هم وحدهم. ضريبة هي أشبه بـ (البدل العسكري)، يدفعه المغلوبون من أموالهم، ويدفع المسلمون الغالبون ضريبة الجهاد من أرواحهم. والمسجد هو (المدرسة): وفي المساجد وُضعت أسس الثقافة الإسلامية، وفيها ارتفعت ذراها، وشُيّدت صروحها. وكان يدرّس في المسجد كل علم ينفع الناس: من علوم القرآن، وعلوم السنة، وعلوم الشريعة، وعلوم اللسان، وعلوم سنن الله في الأكوان. وكل علم تحتاج إليه الأمة الإسلامية يكون تعلمه فرض كفاية في نظر الإسلام، حتى الكيمياء والفيزياء والرياضيات. ونجد بعد ذلك مَنْ تبلغ به الجهالة أن يَصِم بالجمود ديناً يجعل تعلّم الكيمياء فرضاً كفرض العبادات. والمسجد هو (المحكمة): وعلى بُسُط المساجد وأمام أعمدتها وأساطينها أُصدرت أعدل الأحكام وأجرؤها، وفيها سُطرت أروع صفحات القضاء البشري، ولطالما أقام القضاة فا الجَمّال والحَمّال

стр. 5

مع أمير المؤمنين (١)، والأجير والفقير مع الأمير الكبير (٢)، ثم حكموا له عليه، لا يبالون مع الحق صغيراً ولا كبيراً. وقد تشرّفتُ فزرتُ آلافاً من المساجد، في الداني من بلاد الإسلام، عامرها ودائرها، فرأيت المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى، والأزهر المعمور، ومسجد أبي حنيفة والجيلاني في بغداد، وابن طولون والمتوكل في القاهرة، سرّ مَنْ رأى، وآثار مسجدّي الكوفة والبصرة، والمسجدين العظيمين: المسجد الجامع في دهلي، وآثار مسجد قوة الإسلام في دهلي القديمة، ومساجد الملايا وجاوه، فما رأيت فيها كلّها بعد المساجد الثلاثة التي ميزّها الله وجعل الصلاة فيها أفضل بدرجات، مسجداً هو أقدم قدماً، وأفخم مظهراً، وأجمل عمارة، وأحلى في العين منظراً، من الجامع الأموي في دمشق. كان مدرسة دمشق، في الحلقات يدرّس فيها فيها كل علم، وكان النادي يجتمع فيه الناس كلما دهم البلدَ خطب، وكان الأموي في عهد نشأتنا الأولى لبّ دمشق، فكانت الدار القريبة هي القريبة من الأموي، والبعيدة هي البعيدة عن الأموي، وكانت الأرض الغالية هي التي جاورت الأموي، وكان الأموي ملعبنا ونحن أطفال، ثم كان مدرستنا الثانية ونحن طلاب، ندخله إذا انصرفنا من المدرسة فنصلي فيه، ونقف على حلقاته، وما كان يخلو وقت فيه من حلقتين أو أكثر، وكنا نتبوأ مقاعدنا

стр. 6

من بعضها، نأخذ الفقه والحديث واللغة والنحو، وكنا نؤمُّه في عشايا الصيف مع آبائنا، نتخذ من صحنه متنزّهاً وأُنساً، وكنا نؤمّه في ليالي الشتاء نتخذ من حرمه ملجأ وأمناً، وكان الأموي مثابة النضال الوطني على عهد الانتداب، فيه تُلقى الخطب، وفيه تُعدّ المظاهرات، ومنه تسري روح النضال في الناس، فكان للدين والدنيا، وللعبادة والعلم، ولكل ما فيه رضا الله ونفع الناس، وكذلك يكون المسجد في الإسلام. وأكثر ما كثر عليه تَردادي، واتصل به حبلي، لما كنت في المدرسة الجَقمَقية، ثم لما صرت من بعد في مكتب عنبر، وأُولعت من أيام الجقمقية (سنة ١٩١٩ م) بأن أنقل كل خبر أجده عن الأموي، واستمرذلك أكثر من أربعين سنة، من تلك الأيام إلى الآن (١)، فاجتمع لي من الأوراق والجذاذات والمذكرات ما يملأ درجاً كبيراً. وكنت كلما عزمت على تصفيته، وإخراجه في كتاب، تعاظمني الأمر فتهيّبته، وقد جمعتُ كل ما وجدته عنه في ابن عساكر، و"الدارس"، و "محاسن الشام"، و "مسالك الأبصار"، و"البداية والنهاية"، و"الروضتين" وذيله، و "شذرات الذهب"، و"معجم البلدان"، و"النجوم الزاهرة"، وتاريخ ابن القلانسي، و"السلوك" للمقريزي، وكتب ابن طولون، وما كتبه القاسمي وبدران. ورأيت بعض الرسائل المخطوطة، وكتباً أخرى لا أريد الآن إحصاءها. وكنت كلما تقادم العهد، ازدادت هذه الأوراق كثرة، وازددت لها تهيباً، حتى إذا صح مني العزم قليلاً، استخرجت سلسلة الأحاديث التي كنت حدّثت بها من إذاعة دمشق عن الأموي من سنين ثم تركتُها، فلما طلبتْ مني المديرية العامة للأوقاف أن أكتب شيئاً عن الأموي، يكون

стр. 7

كالدليل للسائح، استخرجتُ منها هذه الخلاصة التي أقدمها اليوم، ولم أغزّ كلَّ خبر فيه اعتماداً على أني سأُخرج إن شاء الله الكتاب الكبير عن الأموي وكلَّ خبر فيه معزوّ إلى مصدره، ولأني جربت في كتابي عن أبي بكر وعمر أن أذكر كل مصدر، وأعيّن الطبعة من الكتاب والجزء والصفحة، فأخذ ناسٌ من (أكبر) كُتّابنا ومؤلفينا ما فيهما ولم يُشيرا إليهما، وادّعيا أنهما أخذا من الأصول التي نقلت منها. وأنا أسأل الله التوفيق، وأن يجعلنا من المخلصين. دمشق: ٤ رمضان ١٣٧٩ هـ ١ آذار ١٩٦٠ م علي الطنطاوي

стр. 8

حياة الأموي لكل موجود إن حقّقتَ حياة: الجبال والأنهار، والمدن والعمارات، كلها حية تولد وتموت، وتشبّ وتهرم، وتصحُّ وتمرض. هذا الأموي الذي جئتُ أعرض عليكم خطوطاً من صورته، وملامح من تاريخه، له حياة طويلة، ولحياته تاريخ طويل. تاريخ لا يدري إلا ببعضه التاريخ، لأن الأموي وُلد قبل أن يُكتب التاريخ. لا نعرف ولا يعرف أحد مَنْ الذي وضع الحجر الأول فيه، ولا متى شُيّد، فكأنه قام ليصل الأزل بالأبد. صارع النار والدمار، وثبت على الأدهار والأعصار، تكسّرت على جدرانه موجات القرون كما تتكسّر الأمواج على صخرة الشاطئ، ثم ترتد عنه ميتة وهو حي قائم. ذهب أمية بمالها وسلطانها، ولبث وحده يخلد في الدنيا اسم أمية، فكان أبقى من كل ما نالت أمية من مال ومن سلطان. كان معبداً من أكثر من ثلاثة آلاف سنة، تداولته أيدي اليونان والرومان وأقوام كانوا قبلهم، ثم صار للمسيح، ثم انتهى لمحمد. كنيسة صارت إلى مسجد ... هدية السيد للسيد (١)

стр. 9

صلى الله على سيدنا المسيح وعلى سيدنا محمد خاتم الأنبياء الذي نسخت شريعتهُ الشرائعَ وعلى كل نبي أرسله الله بالهدى والتوحيد والدين القيّم، لا نفرّق بين أحدٍ من رسله، نؤمن بكل نبي بعثه الله على ما بُعث عليه، وكل كتاب أنزله الله على ما نزل عليه، ونقول: كلٌّ من عند ربنا ونحن له مسلمون. ... وُلد المسجد ليلةَ الفتح، حين شرّف الله الشام وأراد لها الخير، فاستظلّت براية القرآن، واتّبعت داعي الله وسلكت طريق الموصل (إن شاء الله) إلى الجنة، ثم شبّ واكتهل، ونما واكتمل، على عهد الوليد، يوم كانت دمشق تمرح في جنة غَرس محمد، وتنعم هانئةً بالأم والرخاء في فَيْئ الصرحِ الذي شاده محمد ﷺ على محمد حين كانت الليالي أعراساً، والأيام أفراحاً، والدنيا ترقص ابتهاجاً وتميس من السرور. هنالك كان الأموي يتبوأ في دمشق سُدّة ملك، قد لبس الفسيفساء، وتحلّى بالذهب، وتسربل بستر الوشي والديباج، وتاه على كل بناء في الأرض. ثم أراه الزمان من حلوه ومرّه، ومن نعيمه ما يُري كلّ (حي) في الوجود. ولست أستطيع أن أعرض عليكم تاريخ الأموي، يوماً بيوم، فلقد كانت تتعاوره الأيدي دائماً: أيدي المصائب والبغاة، بالخراب والدمار، وأيدي المصلحين بالعمارة والإصلاح، حتى غدا وفي كل شبر منه تاريخ، وصار كفسيفسائه، كل قطعة منه من طبيعة ومن لون، ولكل يوم من حياته الطويلة قصة!.

стр. 10

ومن كانت له دار يسكنها هو، وسكنها أبوه من قبله خمسين سنة، يتعهّدها فيها بالإصلاح وبالتجديد، لم يستطع أن يحدّد تاريخ كل باب فيها وكل جدار، فكيف بالأموي وهو من ألف وثلاثمئة سنة عرضة للإصلاح والتجديد. بقي الأموي على صفته الأولى (التي ستقرؤونها بعد صفحات) أو على قريب منها نحواً من أربعمئة سنة، أي إلى سنة ٤٦١ حين نشب فيه الحريق العظيم، فنسخ آياتِ حُسنه، وطمس وجه جماله، وصيّره تلالاً من التراب، وبقي على ذلك أربع عشرة سنة إلى سنة ٤٧٥ حين جُدّد بأمر ملكشاه السلجوقي. ثم تتالت عليه الزلازل والحرائق على ما سيأتي تفصيله، ولم يكن عمل البشر في صحن المسجد أقل من عمل الطبيعة (١)، فلقد انتابه الإهمال مرة حتى صار كأنه خان أو فندق، وامتلأ صحنه باللاجئين والمقيمين، وصار الرجل يجد لنفسه موضعاً فيه يضع فيه حاجاته وصندوقه، ويقيم لنفسه مقصورةً أو كوخاً، ويستقر فيه، وبلغ ما فيه من هذه المقاصير أكثر من ثلاثمئة، واتخذ فيه الأمراء حواصل ومستودعات، وبقي ذلك مدة لا يُعرف مقدارها حتى جاء الملك الظاهر، فكان من بداية إصلاحاته أن طرد هؤلاء الناس، ونظّفه وغَسَل رخامه، وفرشه وأعاده مسجداً للعبادة والعلم.

стр. 11

وعبث به التتر والمغول مرتين، مرة في أواخر القرن السابع الهجري، إذ عطّلوه واتخذوه معسكراً لهم، ونصبوا فه المنجنيقات لرمي القلعة، وارتكبوا فيه أنواع الإثم والفجور. ومرة على عهد تيمورلنك الذي أساء إلى دمشق إساءة لم يأت مثلها أحد. ثم كان الحريق الأخير سنة ١٣١١ الذي ذهب بالمسجد كله (أي الحرم)، وجدّده أهل الشام. وفيما يلي من الفصول بعضُ التفصيل لهذا الإجمال.

стр. 12

جولة في الأموي تعالوا، أولاً، نلم بالمسجد كله بنظرة واحدة، أكون أنا فيها دليلكم، أصفه لكم بإجمال وإيجاز، ثم أعود في الفصول التالية، فأفصّل ما أجملته، وأسهب فيما أوجزته. السور والدهاليز: نحن الآن في باب البريد، أترون هذه القنطرة وهذه الأعمدة الكبار؟ هذه بقايا أعمدة السور الخارجي للمعبد، والكتابات التي تبدو عليها كتابات محدثة من عهد المماليك. أما قناطر السور الداخلي، فترون بقايا ركائزها لاصقات بالجدران على طرفي باب المسجد. وكان لكل باب من الأبواب الأربعة دهليز، وأعظمها دهليز الباب الشرقي، ثم الباب الغربي (وهو هذا)، ثم الباب الشمالي، ولا تزال آثار ذلك كله واضحة، ولا تزال بقايا أعمدة الدهليز الشرقي وأعمدته الكبار مائلة قد غطّتها الدكاكين. وقد بقيت هذه الدهاليز إلى القرن السادس، وترون وصفها فيما كتبه ابن جبير وأثبتناه في آخر هذا البحث. مداخل الأموي: وهذه الدكاكين التي تشوّه منظر الجامع في السوق الضيّق من هنا (١)، وفي

стр. 13

القباقبية من هناك، كان الأمراء يمنعون أمثالها حرمة للأموي، وقد صدر الأمر سنة ٦٤٧ هبهدمها كلها. وكانت عنايتهم بمداخل الأموي وما حوله كعنايتهم به نفسه، ففي سنة ٦١٠ أمر الملك العادل بوضع سلاسل في أيام الجُمع على الطريق المؤدية إلى الجامع كيلا تصل الدواب إليه، كالسلسلة الممدودة الآن على مدخل سوق الحميدية، في موضع باب النصر الذي كان أحد أبواب دمشق (١). وفي سنة ٦٦٣ بلّط الطريق من باب الجامع إلى القناة التي كانت عند درجات المسكية التي أُزيلت من أكثر من خمسين سنة ونحن نعرفها، وعُمل إلى جانبها القبلي بركة واشذروان (الشاذروان معناه عندهم لسان من البناء يتدفق منه الماء أو نحو ذلك، ولا يزال يُستعمل بهذا المعنى في الحجاز. والكلمة فارسية الأصل)، وغُطّيت الساقية التي كانت هناك، وجُعل للبركة أنابيب يجري فيها الماء إلى الجهة المقابلة، وسُحب ماؤها من نهر قنوات لينتفع بها الناس عند انقطاع ماء نهر نابلس (بانياس). ولقد خبّرني ناظر الجامع الشيخ حمدي الحلبي أن تلك الساقية لا تزال موجودة ولكنها مغطّاة وهي تمرّ تحت بيت الخطابة. النوفرة: وكان من عنايتهم بتجميل مداخل الأموي، أن أُقيمت الفوّارة (النوفرة) أسفل درج المسجد عند باب جيرون. وقد أنشئت سنة ٤١٦ وجُرّ إليها الماء من نهر قنوات ظاهر قصر حجاج (نسبة للحجاج بن الوليد بن عبد الملك)،

стр. 14

فوصل إليها الماء ليلة الجمعة ٧ ربيع الأول ٤١٧، وكان القائم بإنشائها القاضي حمزة الحسيني ناظر الجامع. وسقطت سنة ٤٥٧ من جِمال احتكّت بها فأُعيد إنشاؤها. ثم سقطت عمدُها وما عليها في حريق اللبادين (النوفرة) وباب الساعات في سنة ٥١٦، وكان حريقاً عظيماً. وأعيد بناؤها. وفي سنة ٥١٤ أُقيم عليها شاذروان. وفي سنة ٦٠٧ تخرّبت فأصلحت، وجُدّد الشاذروان والبركة، وبُني أمامها المسجد وجُعل له إمام راتب. وفي سنة ٨١٤ بيض شاذروان الفوارة، وأُعيد جريُ الماء فيها بعدما انقطع أمداً. أبواب الأموي: وللمسجد ستة أبواب: هذا الباب الذي تقف عليه الآن وهو باب البريد، وهو كما ترون ثلاثة أبواب، باب كبير في الوسط، وبابان على جنبيه، وكان ثاني البابين الرئيسين للمعبد. أما الباب الرئيسي الأول فهو باب جيرون المقابل له، وعُرف بعد القرن الخامس بباب الساعات وباب اللبادين، وهو مثله في ثلاثة أبواب ويسمى الآن باب النوفرة، وقوسه لا يزال كما كان من القديم. وقد بقي باب المعبد الأصلي وهو من خشب الصنوبر البالغ المتانة، وكان مصفحاً بالنحاس، له مامير كبار بارزة إلى حريق سنة ٧٥٣ فتشوّه وأثّر فيه الحريق فنقل إلى خزانة الحاصل (إي إلى المستودع) ثم فُقد. وقَدّر المؤرخون عمر هذا الباب حين الحريق بأكثر من ألف سنة. ثم الباب المسدود الآن وهو وراء المحراب وله باب كبير في

стр. 15

الوسط وصغيران على الجانبين وكان يدخل معاوية والخلفاء من الأوسط، فلما بنى الوليد وأزال الكنيسة صار الخلفاء يدخلون من الباب الأصغر على يسار المحراب. والباب القبلي هو الذي كان يُعرف بباب الزيادة، وكان يسمى باب الساعات، ثم انتقل هذا الإسم إلى باب جيرون لأن الساعات نُقلت إليه، ويسمى الآن باب القوافين. وباب الناطفانيين وهو باب الفراديس ويسمى الآن باب العمارة. والباب المحدث إلى مدرسة الكلاسة. وفي سنة ٦٠٧ جُدّد باب البريد (أي الأبواب الثلاثة) وركّبت عليها صفائح النحاس الأصفر. وجدّده الملك الظاهر كذلك سنة ٦٧٣. وفي سنة ٧١٩ حلّيت الأبواب وحسّنت، كان قد سُدّ البابان الصغيران من الباب الشرقي (باب جيرون) بعد حادثة تيمورلنك، وبُنيت دكاكين في رحبة الجامع فهُدّمت أول سنة ٨٢٠، ورُكّب البابان الصغيران الغربيان سنة ٨١٩، والبابان الشرقيان سنة ٨٢٠، وقد جُدّدت صفائح النحاس على الأبواب حديثاً (١). خلع النعال: ولنخلع الآن النعال ولندخل. وكان الدخول إلى المساجد في أول الإسلام بالنعال، لأن الأرض في الحجاز جافة والمساجد غير مفروشة، وكذلك كان يُدخل إلى صحن الأموي، كما يظهر، وفي ربيع الآن سنة ٨٢٧ فُوّض النظر على الجامع إلى إمامه الحنفي، وهو رجل مصري يقال له تقي الدين العمادي، فألزم الناس ألا

стр. 16

يمشوا في الصحن إلا حفاة، فشقّ ذلك عليهم، ولكنه أصرّ وعمل على الأبواب درابزينات (١) وحواجز لخلع النعال وبقي ذلك إلى شوال من تلك السنة، ثم عُزل العمادي، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه. وفي سنة ٧٢٢ لما جُدّد المسجد بعد حادثة التتار، منع ناظر الجامع ابن المرحل (وهو محد بن عمر العثماني) الدخول بالنعال، بأمر نائب الشام تنكز. وفي شعبان سنة ٨١٦ سُمح بالمشي فيه بالنعال، ثم مُنع ذلك في وقت من الأوقات، واستمر المنع إلى الآن. ...

стр. 17

في صحن الأموي لقد دخلنا من باب البريد، نحن بين بابين على اليمين وعلى اليسار، لندخل من اليسار، هذه القاعة الكبيرة التي اتخذتها دائرة الأوقاف للاستقبال هي مشهد عثمان. والمشاهد مساجد صغيرة ملحقة بالجامع، كان لكل منها إمام خاص. فإذا خرجنا منه، وجدنا بعده باباً لغرفة واسعة، وكانت تسمى قديماً بيت الزيت الغربي، وكانت (كما هي اليوم) مستودعاً للمسجد. فإذا صرنا في زاوية الرواق، وجدنا آثار غرفة، كانت هناك قديماً هي زاوية الغزالي لأنه نزل بها، وهي في الأصل أساس الصومعة الغربية التي أُزليت هي والشرقية المقابلة لها قبل الفتح الإسلامي. وهذا الباب الصغير المفتوح في شمال المسجد، هو باب مدرسة الكلاّسة التي أنشأها نور الدين سنة ٥٥٥، ثم احترقت هي ومنارة العروس بعد إنشائها بأمد يسير، فجدّدها صلاح الدين هي والمنارة، وهذه هي المنارة الرئيسية اليوم، وفيها أذان الجماعة الذي أُحدث في عصور متأخرة. ذلك لأنها تطل على صحن المسجد، وفيها الآلة الفلكية التي تسمى البسيط، والبسيط الذي كان فيها من صنع ابن الشاطر رئيس المؤذنين بالجامع في القرن الثامن، ثم انكسر بيد جدنا الشيخ محمد الطنطاوي المتوفى سنة ١٣٠٤، فصنع البسيط الموضوع الآن، ويقول

стр. 18

الشيخ الخاني في كتابه "الحدائق": إنه جاء أكمل من الأول إذ زاد فيه قوس الباقي للفجر (١). وبعد المنارة باب الفراديس، ثم الخانقاه (وأصلها خانه قاه أي دار العبادة) السميساطية، بناها السميساطي المتوفى سنة ٤٥٣ وكانت في الأصل دار عمر بن عبد العزيز، ثم نوافذ التربة الكاملية التي دُفن فيها الملك الكامل الأيوبي، ثم مشهد زين العابدين المعروف اليوم بمشهد الحسين، في شرقي الصحن، وفيه الآن القبر المشهور أن في رأس الحسين، وفي المسجد الملاصق للأزهر في مصر قبر آخر لرأس الحسين. ولابن تيمية رسالة في تحقيق مدفن الرأس مطبوعة معروفة، ينفي بها أن يكون الرأس في مصر. ثم باب جيرون. القباب: وفي الصحن ثلاث قباب. أولاها: القبة الغربية (قبة المال)، أنشأها الفضل بن صالح بن علي العباسي (ابن عم المنصور)، لما كان أميرَ دمشق سنة ١٧١ أيام المهدي، ويظهر أنها كانت مغلقة، والناس يتوهمون أن فيها مالاً، ولم أجد خبراً لفتحها إلا ما كان سنة ٩٢٢ هإذ فتحها (سيباي) فلم يجد فيها إلا أوراقاً

стр. 19

ومصاحف بالخط الكوفي، وقد فُتحت في سنة ١٣٠٦ فوُجدت فيها مصاحف ومخطوطات نُقلت إلى إسطنبول. ثانيتهما: القبة الشرقية، بُنيت كذلك أيام المهدي سنة ١٦٠، وتُعرف بقبة زين العابدين، وكانت تُسمى قبة يزيد، وتُسمى الآن قبة الساعات إذ كانت فيها ساعات المسجد. والثالثة: القبة التي على بركة الماء، وقد كانت من الرخام، وأُقيمت سنة ٣٦٩ (١)، وكان لها أنابيب من نحاس قيل في وصفها: فوارة كلما فارت فرت كبدي ... وماؤها فاض بالأنفاس فاندفعا كأنها الكعبة العظمى فكل فتى ... من حيث قابل أنبوباً لها ركعا وسمعت أنها أزيلت الآن. البلاط: كانت أرض الصحن كلها مغطاة بفصوص الفسيفساء، لم يكن فيه بلاط، وبقي ذلك إلى حريق سنة ٤٦١، فذهب كله وصارت أرضه طيناً في الشتاء وغباراً في الصيف مهجورة، وبقيت كذلك إلى شعبان سنة ٦٠٢، فهُدمت القنطرة الرومانية عند الباب الشرقي، ونُشرت حجارتها، وبدئ بتبليط صحن الجامع الأموي على عهد الوزير صفي الدين ... وزير العادل، وكمل تبليطه سنة ٦٠٤، وذلك أنهم لما أرادوا فتح نوافذ للتربة الكامية المحدثة على الجامع، لم يمكّنوهم من ذلك إلا بشرط تبليطه. وفي سنة ٦١١ جُدّد بلاط أرض الجيامع من الداخل، بعدما صارت حفراً و (جُوَراً)، وتم سنة ٦١٤، ووضع متولّي دمشق مبارز الدين إبراهيم (المتوفّى سنة ٦٢٣) آخر بلاطة بيده، وكانت عند باب الزيادة، وكان ذلك على عهد الملك العادل. وكان الملك الظاهر قد أصلح في الجامع إصلاحات كثيرة، منها أنه فرش

стр. 20

باب البريد بالبلاط نحو سنة ٦٧٠ هـ، أما البلاط الحالي فقد رصف نحو سنة ١٣٠٠، على عهد الناظر الشيخ أحمد الحلبي، وقد تكسّر من إلقاء الأعمدة عليه عند عمارة المسجد بعد الحريق الأخير. ومستوى أرض الجامع اليوم أعلى من أرضه على عهد الوليد. وتبيّن من حفريات مهندس الأوقاف (١) من أمد قريب، حول قبة المال، أن قواعد الأعمدة على عمق ثلاثة أمتار (٢)، والقبة بُنيت أيام المهدي العباسي، وأخبرني جار الجامع الشيخ عبد القادر العاني أنه رأى عند الحفر لتجديد الحائط قطعة من أرض الجامع الأصلية مغطاة بفصوص على شكل الفسيفساء على عمق مترين ونصف، ولكن هذه الفصوص أكبر من فصوص فسيفساء الجدران. وأقدم قطعة من البلاط اليوم هي التي أمام العمود الرابع من الرواق الغربي، وفيها حجران كبيران يظهر أنهما من القنطرة التي هدمت لرصف الجامع بالبلاط سنة ٦٠٢.

стр. 21

في الحرم فلندخل الآن إلى الحرم (١). إن هذه الأبواب المتصلة المفضية إلى الحرم، لم يكن لها في الأصل في الأصل مصاريع، وإنما كانت عليها الستر إلى حريق سنة ٤٦١. فإذا دخلنا، وجدنا إلى اليسار مشهد أبي بكر، المعروف الآن بمشهد السفرجلاني، ثم مدخل المنارة الشرقية، ثم المحراب المالكي، وهو المحراب الأصلي للمسجد قبل أن يبنيه الوليد، وكان يسمى محراب الصحابة (٢)، وأنشئ المحراب الكبير عند عمارة الوليد وجُعل للخطيب. في سنة ٦١٧ نُصب محراب الحنابلة بالرواق الثالث الغربي (قرب البئر) أي وراء الصف الثالث من الأعمدة، وقد عارض في نصبه بعضُ الناس، ولكن ركن الدين المعظمي قام بنصرة الحنابلة، وصلى فيه الموفق ابن قدامة المقدسي، ثم رفع في حدود سنة ٧٣٠، وعوّضوا عنه بالمحراب الغربي عند باب الزيادة، وهو باقٍ إلى اليوم. وعمل محراب الشافعي الآن سنة ٧٢٨ بأمر تنكز، وخص بالحنفية، وصارت المحاريب أربعة: محراب الخطيب، ومحراب الحنفي (وهو الشافعي الآن)، والمالكي، والحنبلي. وكانوا قبل سنة ٦٩٤ يصلون في وقت واحد، ثم رُسم للحنابلة أن يصلوا قبل الإمام الكبير، وفي سنة ٨١٩ انتقل الإمام الأول من محراب المالكية إلى محراب الحنفية (وهو الشافعي الآن). ثم استقرت الحال

стр. 22

على أن أول من يصلي إمام الكلاسة، ثم إمام مشهد الحسين، ثم الشافعي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، ثم إمام مشهد أبي بكر، ثم إمام مشهد عروة، ثم إمام مشهد عثمان. ثم اقتصر الأمر على أئمة المسجد الأربعة. والعمل على ذلك إلى الآن بهذا الترتيب، أي الشافعي فالحنفي فالمالكي فالحنبلي (١). القبر: أما القبر فقد نقل ابن عساكر أنهم رأوا عند عمارة المسجد مغارة، فخبروا بها الوليد، فنزل إليها والشموع بين يديه فوجد كنيسة صغيرة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، فيها صندوق فيه سفط (قفّة) فيه رأس، سليم الجلدة والشعر، مكتوب عليه أنه رأس يحيى بن زكريا، فأمر بتركه على حاله، وجعل للعمود القائم على المغارة علامة تميّزه، وبقي كذلك فترة ثم وُضع فوقه تابوت عليه اسم يحيى، رآه ووصفه (كما سيأتي) ابن جبير في أواخر القرن السادس الهجري، وبقي ذلك إلى تاريخ رحلة ابن بطوطة، ثم أقيمت هذه القبة في وقت لم أقف على تحديده إلى الآن. ولم يتخذ الوليد عليه قبراً، لأنه لم يثبت عنده أن الرأس ليحيى، ولأن إقامة القبور في المساجد أو بناء المساجد عليها ممنوع في الإسلام، والرسول ﷺ حذّر منه ولعن فاعله، وكان ذلك من آخر ما نطق به ﷺ قبل وفاته (٢). ولا يُحتج لجواز اتخاذ القبور مساجد بقبره ﷺ ،

стр. 23

فإن قبره لم يكن في المسجد، بل كان في داره، فلما دخلت الدار في المسجد عند التوسعة (١)، صار فيه. وقد نص الحنفية أن من آداب زيارة قبره ﷺ ألا يستقبل الزائر القبر بل يقف بحذاء رأسه الشريف ويصلي عليه ويدعو له، وهو مستقبل القبلة (٢). مع أن الثابت من تاريخ سيدنا يحيى بن زكريا ﵉، وهو الذي يسميه النصارى (يوحنا المعمدان) أنه كان على عهد المسيح ﵇، وأن الإمبراطور الروماني أمر بقتله وسلّم رأسه إلى (تلك) الراقصة الفاجرة، فعَبَثت به ولم يُعلم مصيره، فهو قد قُتل في الأردن، قبل عمارة الأموي بنحو ستمئة سنة، فمن أين وصل الرأس إلى هذه المغارة؟ وكيف قطع هذه المسافة على الأرض، وهذه المسافة في الزمان، ثم استقر سليماً في هذا السفط؟. أما تسمية الكنيسة بمار يوحنا فلا يدل على شيء، لأن عند المسيحيين أكثر من عشرين كنيسة، في كل منها قبر ليحيى ﵇ (٣). هذا وعندهم أكثر من عشرين قديساً باسم (مار يوحنا). فمن قال بأن الاسم المقصود هنا هو ليوحنا المعمدان؟. وعلى فرض صحة الخبر الذي رواه ابن عساكر، فإنه لا يثبت إلا أنهم وجدوا رأساً عليه اسم يحيى لا يُعرف من كتبه ولا تاريخ كتابته، وليس لدينا أي دليل على أن هذا القبر هو ليحيى، وليس لدينا دليل كذلك على نفي أن فيه رأس يحيى ﵇. فالله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 24

ووراء المحراب والمنبر، الباب الذي سُدّ من قديم، ويبدو أعلاه الآن للمار من القباقبية، ظاهراً من وراء الدكاكين. وكان يعد المنبر مقصورة الخطابة، ثم بيت الخطابة، وهي موجودة، ثم محراب الشافعي، ثم باب الزيادة، ثم محراب الحنبلي في موضع المقصورة المسماة بمقصورة الخضر، ثم قاعة الحنابلة، ثم المئذنة الغربية، ثم مشهد عروة (أو ابن عروة) على جانب باب البريد الأيمن للداخل. ***

стр. 25

عمارة الأموي عمارة المسجد من هدي الأنبياء وسنن المؤمنين، وقد بنى إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام الكعبة، البيت الحرام، وكان أول ما صنعه الرسول ﷺ بعد الهجرة، هو ببناء مسجد المدينة. وإن كانت عمارة المساجد بالعبادة والعلم والإيمان مقدّمة على تثبيت الأركان، وتعلية الجدران، والإكثار من الزخارف والألوان، بل إن زخرفة المساجد والزيادة في عمارتها على حد الضرورة مما كرهه الإسلام ورغب عنه السلف الصالح. وقد نص الحنفية على أن الكتابة على جدرانها، ولا سيما في القبلة، لا تستحسن (١). وكان هذا المسجد في الأصل معبداً وثنياً، فأخذه النصارى فصيّروه كنيسة، فلما كان الفتح الإسلامي ودخل خالد عنوة من جهة الباب الشرقي، ودخل أبو عبيدة صلحاً من جهة باب الجابية، تم الاتفاق على أن تقسم الكنيسة قسمين، ما كان منها في الأرض التي وصل إليها أبو عبيدة صلحاً بقيت كنيسة، وما كان منها فيما فُتح عنوة صار مسجداً. وكانت هذه قوانين الحرب المتعارفة، وكان للظافر أن يمتلك المرافق العامة فيما فتحه بالسيف، وبذلك القانون أخذ النصارى هذا المعبد الوثني من قَبلُ وصيّروه كنيسة.

стр. 26

وكان المسجد في أقل من نصف مساحته الآن (أي من باب النوفرة إلى ما قبل القبة)، وكان له محراب واحد هو محراب المالكية اليوم. واستمرت الحال على ذلك إلى أيام الوليد، فكان النصارى يصلون فيؤذّن المسلمون فيزعجونهم، ويصلي المسلمون فيضرب النصارى النواقيس. وضاق المسجد بأهله، وأراد الوليد أن يضم الكنيسة إلى المسجد، وكان الوليد هو الحاكم المطلق في نحو عشرين دولة من دول اليوم، هي: الجمهورية العربية المتحدة والعراق والأردن وفلسطين والحجاز واليمن وتركيا وليبيا وتونس ومراكش والجزائر وإسبانيا والحبشة وإيران والأفغان وجمهوريات أرمينية وبخاري وتركستان وقسم من باكستان. ولكنه كان مع هذا السلطان مقيداً بقيد القرآن، والقرآن والسنة يحرّمان ظلم المواطن الذمي، أي المواطن المسيحي بعرف الناس اليوم، ولا يجوز التعدّي عليه ما لم ينقض هوالعهد، لذلك لم يقدر أن يُصدر أمراً بأخذ الكنيسة جبراً، فدعا رؤوس النصارى وعرض عليهم أن يعطوه بقية الكنيسة ويبني لهم بدلاً منها كنيسةً أعظم منها، فأبوا، فعرض عليهم أن يبني لهم أربع كنائس ويعطيهم مبالغ ضخمة من المال، فأبوا وقالوا: إننا نتمسك بالعهد الذي كان بيننا وبينكم. فقال لهم: أنتم خالفتم العهد وأحدثتم كنائس جديدة لم يكن في المعاهدة بناؤها فأنا أهدمها. وعزم على ذلك، ودخل عليه أخوه المغيرة فوجده مهموماً فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟. فخبره، فقال: أخرج العهد فأنظره. فأخرجه فنظر فيه، فإذا القسم المفتوح عنوة، يمتد إلى آخر الكنيسة وبذلك تكون كلها حقاً للمسلمين، فألف لجنة مشتركة (إسلامية ونصرانية) فقامت بمسح ذلك، فظهر بالمساحة أن الكنيسة كلها من حق المسلمين، وأنها تدخل المسجد.

стр. 27

فقالوا: يا أمير المؤمنين، كنت أقطعتنا أربع كنائس، وعرضت علينا من المال كذا وكذا، فإن رأيتي أن تتفضل به علينا. فامتنع أولاً، ثم أعطاهم الكنائس الأربع، وبنى لهم كنيسة مار يوحنا الكبرى. أي إن الدولة الإسلامية، في أقوى عصورها، تبني للنصارى الكنائس من مالها، ثم يتذرع المستعمرون بالخوف على النصارى في بلادنا من حكم الإسلام! وقالوا: إن من يهدم الكنيسة يجنّ. فأخذ الوليد المعول وقال: أنا أحب أن أجن في سبيل الله، وضرب به وتبعه الناس، ثم دعوا باليهود فأكملوا هدمها (١)، ولم يبق في المسجد من الكنيسة إلا الجدران وأساس الصومعتين الأماميتين. على أن صاحب "معجم البلدان" يروي أنه نقض الحيطان وأعاد بناءها على أساس جديد حفر له حتى بلغ الماء. وسمع إمبراطور القسطنطينية بذلك، فأراد أن يصرفه عن عمارة المسجد، فكتب إليه: إن كان هدم الكنيسة حقاً وصلاحاً، ولم يفعله أبوك، إنه لوصمة عليك. ولما ورد الكتاب على الوليد، قعد يفكّر في جوابه، فدخل عليه الفرزدق الشاعر فقال له: جوابه حاضر، وهو قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً﴾. ... وحشد لبنائه العمال من كل مكان وأراد أن يقيم السقف على أسطوانات (أعمدة)، فاقترح عليه بنّاء شامي أن يقصر الأعمدة، ويعقد بعضها بأقواس، ويقيم فوقها أعمدة صغاراً، لها قناطر تحمل السقف، فصنع ذلك وبقي إلى يومنا هذا.

стр. 28

هندسة الأموي: وكانت هندسته مبتكرة، شهد بذلك كل من رآه من قديم وحديث من المسلمين وغير المسلمين. من ذلك أن المهدي لما قدم الشام في طريقه إلى بيت المقدس، دخل مسجد دمشق، ومعه كاتبه أبو عبيد الله الأشعري، فقال له: يا أبا عبيد الله، سبقنا بنو أمية بثلاث. قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟. قال: هذا البيت (يعني المسجد)، ونبل الموالي، فإن لهم موالي ليس لنا مثلهم، وعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا مثله أبداً. ولما وصل إلى بيت المقدس ورأى قبة الصخرة، قال: يا أبا عبيد الله، وهذه رابعة. ولما دخل المأمون مسجد دمشق، ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم، قال لهما: - ... ما أعجب ما في هذا المسجد؟. - ... قال المعتصم: ذهبه وبقاؤه فإنا نجعله في قصورنا فلا تمضي عليه العشرون سنة حتى يتغير. - ... قا: ما ذاك الذي أعجبني فيه. - ... قال يحيى: تأليف رخامه، فإني رأيت شيئاً ما رأيت مثله. - ... قال: ما ذاك الذي أعجبني فيه. - ... قالا: وما الذي أعجبك؟. - ... قال: بنيانه على غير مثال متقدم. ووصفه أحد الكُتّاب، وكان قدم دمشق سنة ٤٣٢ هـ، بأنه بكر

стр. 29

الدهر، ونادرة الوقت، وأن أمية أبقت به ذكراً لا ينقطع. وقال صديقنا الدكتور صلاح المنجد (١) بأن المستشرقين العارفين بالآثار مُقِرّون بأن تخطيط المسجد وهندسته شيء مبتكر، لا يشبه هندسة الكنائس البيزنطية، وأن كثيراً منها يخرج عن طريقة العمارة السورية النصرانية المتوارثة. بناء القبة: ولما أُقيم هيكل البناء عمد الوليد إلى رفع القبة، وأرادها سامقة باسقة، فلما تمت سقطت، فشق ذلك على الوليد فجاءه بنّاء شامي، فقال: أنا أرفعها بشرط. قال: وما هو؟ قال: أن تُعطوني عهد الله ألا يمد أحد غيري يده إلى بنائها. قال: لك ذلك. فحفر حتى بلغ الماء. ثم وضع الأساس وغطاه بالحصر، واختفى، وطلبوه سنة كاملة فلم يصلوا إليه، فلما كان بعد السنة جاء، فقال له الوليد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: تخرج معي حتى أُريك. فخرج والناس معه، حتى كشف الحصر، فوجد البنيان قد انحط ونزل قليلاً. وقال: من هنا كان سقوطها، فابنِ الآن فإنها لا تهوي إن شاء الله. وبنى واستقرت القبة. هدية اليهودية: وعزم على أن يغطي القبة بالذهب، فنهاه العقلاء وأرَوْه أن ذلك يستفرغ خزائن من المال، ولا ينفع شيئاً فأمر أن تُغطّى بالرصاص.

стр. 30

وجمع الرصاص من كل مكان، وبقيت قطعة من السقف لم يجدوا لها رصاصاً إلا عند امرأة أبيت أن تبيعه إلا بوزنه ذهباً، فكتب بذلك العاملُ إلى الوليد، فقال له: اشتره منها بوزنه ذهباً، فلما قال لها ذلك قالت: هو هدية مني إلى المسجد. فقال لها: كيف ضئنتِ به أولاً إلا بوزنه ذهباً ثم سمحت به هدية؟ قالت: أنا لا أريد الذهب ولكن أردتُ أن أختبر عدل الإسلام. قالوا: وكانت يهودية. فكُتب على صفحائه كلمة (الله). الأروقة والفسيفساء: فتم المسجد صحناً مكشوفاً، حوله ثلاثة صفوف من الأعمدة من غرب وشمال وشرق، وحَرَم مسقوف في وسطه رواق عالٍ من الشمال إلى الجنوب تتوّجه قبة النسر، وثلاثة أروقة من الشرق إلى الغرب، كانوا يسمّونها البلاطات وكلّه من المرمر، وقد أُسدت على أبواب الحرم وعلى الثلث الأدنى من جدرانه الستور المزدوجة، كما يكون اليوم في دور الموسرين المترفين، ولكنها من الديباج والوشي، وغُطّي باقي الجدار وجدران الصحن بالفسيفساء. والفسيفساء (والكلمة يونانية أصلها بسيفوسيس) فصوص صغيرة، تكون من الزجاج والحجر، ومن الرخام ومن الصدف، مختلفة الألوان والأشكال، فمنها المثلث والمربع والمستدير والمستطيل، ترصف على طبقة من الجص المصمغ أو نحوه، وربما صُنعت فصوصها من مواد مختلفة، تُخلط وتُطبخ على طريقة كانت معروفة، وربما حُلّيت بالذهب وغُطّيت بطبقة من الزجاج أو ما يشبهه. وقد توصلت وزارة أوقاف الشام إلى صنع مثلها في هذه الأيام. وكانت أرض المسجد وجدرانه وسقوفه مغطاةً بهذه الفصوص

стр. 31

المذهبة (١)، التي جمعت صور بلاد الدنيا (كما قال المؤرخون)، فما يريد المرء إقليماً إلا وجده في الجامع، مصوّراً كهيئته، فيراه من غير أن يتعب بالسفر إليه وصّور كل شجرة، مثمرة وغير مثمرة، ومكة والكعبة فوق المحراب، وإلى جنبها صورة كرمة، حسبوا ما أُنفق عليها فقالوا: إنه بلغ سبعين ألف دينار. والله أعلم. ويظهر من خبر المأمون (وقد تقدم) أن هذه النقوش بقيت على رونقها وزينتها إلى عصره. وفي خبر أبي الليث الذي رواه ابن عساكر أنها بقيت إلى سنة ٤٣٢ هـ، بل لقد بقيت على حالها إلى حريق سنة ٤٦١ كما نقل ابن كثير. القناديل: وعُلّق في المسجد قناديل البلور، في السلاسل المذهبة، وجُعل فيها المسك، فكان الناس إذا أُطفئت يأخذون بأنوفهم من ريح المسك، وكان فيها ثريا ثمينة نادرة تسمى (القليلة) فبقيت إلى أيام الأمين، وكان يحب البلور، فكتب إلى والي دمشق أن يوجّه بها إليه، فلما قُتل ردها المأمون إلى مكانها، وكانت في محراب الصحابة (محراب المالكي الآن)، ثم ذهبت فجعل مكانها برنية من زجاج، ثم انكسرت فلم يُجعل في مكانها شيء. نفقات البناء: وهال الناس ما أنفق الوليد على المسجد، وتكلّموا فيه، وكانت للشعب رقابة فعلية على الخليفة، وإن لم تكن يومئذ صحف ولا برلمان،

стр. 32

وأتاه حاجبه وقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس يتحدثون أنك أنفقت الأموال في غير حقها فنادى: "الصلاة جامعة". وكان هذا النداء بمثابة دعوة للناس إلى اجتماع شعبي طارئ، فاجتمعوا في المسجد، فقال لهم، لقد أبلغني حرسي أنكم تقولون: إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، ألا يا عمر بن مهاجر (وكان أمين الخزانة) قم فأحضر ما لديك من الأموال في بيت المال. فأتت البغال تدخل بالمال ويصب على الأقطاع، حتى إن من كان في جهة الشمال لم يُبصر مَن كان في جهة القبلة. قال: الموازين! فأتت الموازين، فوُزن المال وأحصي فوجدوا أن في بيت المال من المدّخر ما يقوم بنفقات الدولة سنين. صفائح التاريخ: وكُتب تاريخ المسجد على صفائح مذهبة فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السموات وما في الأرض. منذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كُرسيه السموات والأرض ولا يَؤوده حفظهما وهو العلي العظيم. لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده وديننا الإسلام ونبينا محمد ﷺ . أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله الوليد أمير المؤمنين في ذي القعدة من سنة ست وثمانين". النصارى والأموي: ولما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز، ورأى النصارى عدله وسيرته، وحكمه يرد مدينة سمرقند إلى أهلها لما جاؤوا ببيّنةٍ على أنها فُتحت

стр. 33

غدراً (١)، طمعوا في استرجاع الكنيسة، ورفعوا دعواهم إليه وأدلوا بالمعاهدة الى شرطت لهم ألا تهدم كنائسهم، ولا تسكن، فكلمهم وحاول إرضاءهم ودفع لهم مئة ألف دينار أي نحو مليوني درهم. فأبوا. فأمر بأن تُعاد إليهم الكنيسة. وكلف محمد بن سويد القهري بهذه المهمة فأكبر ذلك محمد وأكبره الناس، وقالوا: كيف تدفع إليهم مسجدنا بعدما صلينا فيه وقرأنا فيُهدم فيعاد كنيسة؟. فقال رجل منهم: ارفعوا دعوى (مقابلة) إلى أمير المؤمنين، بأننا نتمسك بالمعاهدة، والمعاهدة تحمي كنائسهم التي كانت حين الفتح، ولكنها تمنعهم أن يُحدثوا غيرها، وقد أحدثوا بعد الفتح سبع كنائس ما لهم فيها حق، وعليهم بحكم المعاهدة أن يهدموها. فإن أحبّوا فإنا نعطيهم الكنيسة التي صارت مسجداً، ونهدم كل ما أحدثوا من كنائس، وإن شاؤوا تُركت لهم كل كنيسة أحدثوها، ونجعل للمعاهدة ملحقاً نعترف لهم بها، فاستمهلوا، ثم قبلوا بذلك، وتنازلوا عن دعواهم. عمر وزخارف الأموي: ثم نظر عمر إلى هذه الزينة وهذه الزخارف، فعزم على إبطالها، لأن كل ذلك مخالف لسنة الرسول ﷺ في بناء المساجد، والإسلام يكره زخرفة المساجد، والسرف في بنائها، لئلا تشغل المصلين بروعة بنائها عن مراقبة ربهم، وحسن التوجّه إليه، وكل ما نرى في المساجد الآن من الزخرف والفن والنقوش والتعالي في البنيان والتزيُّد من الفرش، كل ذلك مما رغب الإسلام عنه وكرهه، كما كره إقامة القبور فيها والكتابة على جدرانها. ثم إن عمر بن عبد العزيز قال: لقد هممت أن أعمد إلى تلك الفسيفساء وذلك الرخام فأقلعه، وأجعل مكانه طوباً، وأنزع تلك

стр. 34

السلاسل وأجعل مكانها حبالاً، وأنزع تلك البطائن (أي الستائر) فأبيع جميع ذلك، وأدخله بيت المال، فبلغ ذلك أهل دمشق، فاشتد ذلك عليهم، فخرج إليه أشرافهم، وفيهم رجل يقال له خالدن فقال: ائذنوا لي حتى أكون أنا المتكلم. فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان استأذنوا على عمر، فأذن لهم، فلما دخلوا سلّموا عليه، فقال خالد: يا أمير المؤمنين بلغنا أنك هممت أن تفعل كذا وكذا في مسجدنا، فقال لهم: رأيت أموالاً أُنفقت في غير حقها وأنا مستدرك ما أدركت فأجعل قرارها في بيت المال، فقال له خالد: والله ما ذلك لك يا أمير المؤمنين. فقال له: لمن هو؟ ألأمك الكافرة؟ وغضب عمر، وكانت أمر خالد نصرانية (١). فقال له: إن تكن كافرة، فقد ولدت مؤمناً. فاستحيا عمر، وقال: صدقت. ثم قال: ما معنى قولك، ما ذلك لي؟ فقال: لأنا كنا معشر أهل الشام وإخواننا من أهل مصر وإخواننا من أهل العراق، نغزو فيُفرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قسماً من الفسيفساء، وذراعاً في ذراع من رخام، فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب ويستأجرون من يحمله إلى دمشق، ويحمله أهل حمص إلى حمص ويستأجرون من يحمله إلى دمشق، ويحمل أهل دمشق ومن وراءهم حصتهم إلى دمشق. فذلك قولي، ما ذلك لك. فسكت عمر، ثم جاء كتاب من يزيد بن معمر يخبره أن قارباً ورد عليه من رومية في عشرة من الروم، عليهم رجل منهم، يريدون الوفود على أمير المؤمنين، فكتب إليه أن وجّههم إليّ، ووجّه معهم عشرة من المسلمين واجعل عليهم رجلاً منهم وليكن يحسن التكلم بالرومية ولكن لا يُعلموهم بأنهم يعرفون لغتهم. وذلك لأجل أن يحملوا كلامهم، ففعل ما أمره به وساروا حتى أتوا دمشق، فنزلوا خارج باب البريد، فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم الوالي في دخول المسجد، فأذن لهم فمروا في

стр. 35

الصحن حتى دخلوا من الباب الذي يواجه القبة، فكان أول ما استقبلوه المنبر، ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة فخر رئيسهم مغشيّاً عليه، فحُمل إلى منزله فأقام ما شاء الله أن يقيم ثم أفاق فقالوا له بالرومية: ما قصتك؟ عهدنا بك من رومية وما أنكرنا منك شيئاً، وصحبتنا في طريقنا فما أنكرناك، فما الذي عرض لك حين دخلت هذا المسجد؟ فقال: إنا معشر أهل رومية نتحدت أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدّة سيبقونها، فلذلك أصابني ما أصابني. فلما قدموا على عمر أخبروه بما سمعوا منه، فقال: لا أرى مسجد دمشق إلا غيظاً على الكفار فنزل عما كان همّ به من أمره. ***

стр. 36

أطوار الأموي وأحداثه مرت بالمسجد أحداث جسام، لا أستطيع أن أستقصيها في هذه العجالة، إنما أعرض إليها عرضاً، وموعدنا بتفصيل أمرها كتابي الكبير عن الجامع، إن وفّق الله إليه وأذن بإتمامه. الحرائق والزلازل: فمن أكبر الأحداث التي أصابته الحرائق. وكان بقي سليماً، جدرانه كلها وسقوفه مغطاة بفصوص الفسيفساء المذهبة، ونقوشه بادية، وستره مسدلة، إلى سنة ٤٦١، حين انقسمت الدولة دولتين، وصارت الخلافة خلافتين، وادعى العبيديون أنهم من نسل فاطمة ﵂، وأقاموا حكومة باسمها، اتخذت لها غير مذهب جمهور المسلمين مذهباً، وأحدثت منكرات وبدعاً. وكان الخلاف قد استحكم في دمشق بين غلمان العباسيين وغلمان الفاطميين، ووصل إلى سَلّ السيوف وإراقة الدماء، والترامي بالنار، فأصابت النار دار الإمارة وهي الدار الخضراء (التي لم يبق منها الآن إلا مصبغة صغيرة في زقاق ضيّق، اسمها المصبغة الخضراء) فاحترقت الدار وامتد الحريق إلى المسجد، فأكلته النار أكلاً ومحت محاسنه، وأذهبت كل ما كان فيه، فلم يبق منه إلا الجدران الأربعة. وصارت أرضه بعد الفسيفساء التي تأخذ العقول تلالاً من التراب، طيناً في الشتاء، وغباراً في الصيف. وجُمعت فصوص الفسيفساء فأُودعت في المشاهد، إلى أن أخرجها ناظر المسجد القاضي الشهرزوري أيام السلطان نور الدين.

стр. 37

وبقي المسجد مخرباً أربع عشرة سنة حتى جُدّدت عمارة السقف والقبة أيام ملكشاه السلجوقي على يد الوزير نظام الملك (مؤسس المدرسة النظامية). أما الصحن فبقي تراباً وطيناً، حتى بلط أيام الملك العادل بعد الستمئة. كما مرّ في الكلام على بلاط الجامع. وفي سنة ٥٦٢ كان حريق حي اللبادين (النوفرة) فسَرَتْ النار إلى الأموي، فأحرقت قسماً منه من جهة باب جيرون. وفي سنة ٥٧٠ أصابه حريق جزئي آخر، حين احترقت مدرسة الكلاسة وامتدت النار إلى مئذنة العروس فاحترقت. وفي سنة ٦٤٦ احترقت سلالم المنارة الشرقية والبيوت التي في أسفلها وتضعضعت. وفي سنة ٦٨١ كان حريق جزئي آخر، إذ احترق سوق اللبادين وسوق جيرون فامتدت النار إلى حيطان الجامع ووصلت إلى قسم من السقف. وفي سنة ٧٤٠ كان الحريق الكبير في دمشق، فأكلت النار أسواقاً برمّتها وكانت خسائر فادحة في الأموال، ووصلت النار إلى الجامع فاحترقت المئذنة الشرقية وقسم من الجانب الشرقي. وأصابه حريقان جزئيان سنة ١٠٦٤ وسنة ١١٣١. وكان الحريق الثاني الذي شمل المسجد كله هو الحريق الأخير سنة ١٣١١ وسيأتي حديثه. أما الزلازل التي تتابعت على المسجد فمنها: زلزال سنة ١٣١ الذي انشق منه سقف المسجد على طوله. وفي سنة ٢٣٣ كان زلزال شديد أسقط المنارة فانهالت حجارتها على المسجد وخرّبت رُبُعَه، وتراكمت فيه كأنها جبل.

стр. 38

وفي سنة ٥٥٢ كانت زلزلة عظيمة أسقطت كثيراً مما كان قد بقي من فصوص الفسيفساء. وفي سنة ٥٩٧ كانت أشد زلزلة على الأموي، إذ أسقطت قسماً من المنارة الشرقية وتشقّقت منها قبة النسر، وقيل إنها سقطت بعد ذلك على الناس. وزلزال سنة ٧٠٢ الذي تشققت منه بعض جدران الجامع. وزلزال سنة ١١٧٣ الذي سقطت منه قبة عائشة، وتخرّب بعض المسجد. إصلاحات في الأموي: أما الإصلاحات الكبرى فيه فمنها: أنها جُدّدت عمارة الحائط الشمالي سنة ٥٠٣، أيام المستظهر العباسي بأمر الوالي طغتكين. وسنة ٨٢٧ نُزع الرخام عن الجدار القبلي من الجهة الغربية، فوُجد في خلل، فحضر تنكز نفسه ومعه القضاة والخبراء وتقرر هدمه وإصلاحه واستأذن السلطان فأذن له، فعمره واستنفر له الناس، فتطوّعوا للعمل، وأخذوا له حجارة وجدوها في أصل المنارة الغربية المزالة عند الغزالية، فتمت العمارة في أقل من ستة أشهر. وفي سنة ٧٢٩ كمل ترميم الحائط القبلي. وفي سنة ٧٣٠ رمم الجانب الشرقي حتى صار كالغربي. القبة: قبة النسر جُدّدت سنة ٤٧٥ وسُقفت المقصورة والطاقات والأركان الأربعة في عهد نظام الملك وزير ملكشاه السلجوقي.

стр. 39

وفي سنة ٥٧٥ جدّد صلاح الدين ركنين من القبة. وفي شوال سنة ٦٠٢ أُصلحت عدة من دعائم القبة من جهة الشمال. وفي سنة ٦١١ أُسندت قبة النسر بأربعة أوتاد من الخشب، طول كل منها ٣٢ ذراعاً بذراع العمال، جيء بها من بساتين الغوطة. وفي سنة ٦٧٨ جدّدت أربعة دعائم في قبة النسر من ناحية الغرب. أما القبة القائمة الآن فهي والحرم كله من بناء أهل الشام بعد الحريق الأخير، كما سيأتي. المآذن: أما المآذن فقد كان في الزوايا الأربع قبل أن يصير جامعاً أربع صوامع، فتهدّمت الصومعتان الشماليّتان من القديم ولم تجدّدا وبقي أساسهما، وأُخذ من حجارة الأساس في الصومعة الشمالية الغربية لبناء الجدار القبلي سنة ٧٢٨. ولما بنى الوليد المسجد رفع فوق الصومعتين الأماميتين المئذنتين (الغربية والشرقية) وبنى مئذنة وسط الجدار الشمالي، هي مئذنة العروس، وجعلها مذهبة كلها من أعلاها إلى أسفلها. واحترقت المئذنة الشمالية (العروس) في حريق مدرسة الكلاسة في المحرم سنة ٥٧٠، فجددها السلطان صلاح الدين. وفي سنة ٦٤٦ احترق القسم الأعلى من المنارة الشرقية وسلالمها والغرف التي في أسفلها، وأعادها الملك الصالح الأيوبي. وفي أسفل المنارة الشرقية بيت طهارة وغرفتان. أما الغربية فبأسفلها قاعة بلا ماء جددها السلطان قاتيباي المتوفّى سنة ٩٠١ بعد خرابها في حرب تيمورلنك، وكان أول يوم أُذّن فيها بعد تعطيلها وتجديدها ٢ رمضان ٨١٤. وأُقيم في ذي القعدة ٨١٤ داربزين مئذنة العروس.

стр. 40

وسنة ٨١٦ فرغ من بناء الغربية، وكان قد تخرب رأسها في حرب تميورلنك. وقد جُدّد النصف الأعلى من مئذنة العروس من عهد قريب. ونُقض في أيامنا النصف الأعلى من المئذنة الشرقية لخللٍ ظهر فيه وأُعيد كما كان. المشاهد: وفي سنة ٥٩٦ جُدّد مشهد عروة وفُتح بعد ما أُغلق مدة (وربما سمي مشهد ابن عروة وكان يسمى قديماً مشهد علي ويدعى اليوم مشهد اليافي وهو مُعَدّ اليوم للوضوء). وفي سنة ٦٦٨ جدد الملك الظاهر مشهد زين العابدين (مشهد الحسين)، بعدما استولى عليه الخراب، وطرد من كانوا يتخذونه ملجأ إلا واحداً منهم رأى فيه الصلاح والعبادة، وأُغلق مدة في أيام العثمانيين وأُهمل، فجدّده الوالي سليمان باشا وفتحه. وفي سنة ٦٩٨ جُدّد مشهد عثمان (المتّخذ الآن بهواً للاستقبال)، بإشراف ناظر الجامع الناصر بن عبد السلام، وجُعل له إمام راتب. الرخام والفسيفساء: في سنة ٦٣٠ جُدّد ترخيم باب الجامع الشرقي. جَدّد الظاهر (١) نحو سنة ٦٦٨ كثيراً من الرخام في الحائط الشمالي، وكثيراً من الفسيفساء في الجدار الغربي، وأصلح رخامه ورمّمه وجلب
следующие страницы →