← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

( [الأدلة على طهارة المنِيّ] :) (وفيما عدا ذلك خلاف) : وأما المني؛ فاحتجوا على نجاسته بأمور: الأول: حديث عمار، وقد سلف عدم صلاحيته للاحتجاج. والثاني: بما ورد عن جماعة من الصحابة، وذلك لا تقوم به حجة؛ لأنه لم يكن إجماعاً ولا مرفوعاً. والثالث: بما ورد في المَذْي (١) من الأمر بغسل الفرج والأُنثيين. ويجاب عنه: أنه إثبات لنجاسة المني بقياس؛ لأنهما متغايران، على أنه يمكن أن يكون التغليظ في المذي؛ إما لكونه يخرج غالباً مختلطاً بالبول، أو لأنه ليس بأصل للنسل. ويلزم أن يطهُر بالنضح؛ لما ورد عند أبي داود، والترمذي - وصححه - من حديث سهل بن حُنَيْف بلفظ: " يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء، فتنضح به حيثما ترى أنه (٢) أصاب من ثوبك " (٣) . وأما الجواب عن حديث أمره [ ﷺ ] لعائشة بفرك المني؛ بأن المراد به الفرك قبل الغسل، لا مجرد الفرك فقط! فهذا خلاف ما تقتضيه المقابلة للفرك بالغسل.

стр. 107

وكان أقرب من هذا أن يجاب: بأن الفرك لم يكن بأمره [ ﷺ ] ؛ إنما قالت عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله [ ﷺ ]- كما في كتب الحديث -. والأمر الرابع: أن النبي [ ﷺ ] كان يغسل موضع المني من ثوبه؛ ويجاب عنه: بأن هذا فعل لا يصلح لإثبات النجاسة المستلزم لوجوب الإزالة، مع احتمال أن يكون غسله تقذُّراً لما فيه من مخالفة النظافة. وأما فرك عائشة لمنيِّه [ ﷺ ] من ثوبه حال صلاته بأنه (١) لم يعلم بذلك: فالجواب عنه بأنه لو كان نجساً لما أقره الله على ذلك، كما ثبت في حديث خلع النعل بعد دخوله في الصلاة لإخبار جبريل له بذلك. وقد قدمت لك أن الحكم بكون الشيء نجساً لا يُقبل إلا بدليل تقوم به الحجة؛ غير معارض بما هو أنهض أو مساوٍ؛ لأن الحكم بكون الشيء نجساً يستلزم تعبد العباد بحكم من أحكام الشرع تعم به البلوى. وقد أوردت في " مِسك الختام شرح بلوغ المرام " حجج المختلفين، ورجّحت هناك ما رجّحت، وظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي ندين به عند الله. وفي " سُبُل السلام ": والحق أن الأصل الطهارة، والدليل على القائل بالنجاسة، فنحن باقون على الأصل. وذهب الحنفية ﵏ إلى نجاسة المني كغيرهم، ولكن قالوا: يطهره الغسل، أو الفرك، أو الإزالة بالخِرقة، أو الإذخرة؛ عملاً بالحديثين،

стр. 108

وبين الفريقين القائلين بالنجاسة والقائلين بالطهارة مجادلات ومناظرات واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي " شرح العمدة ". انتهى ( [الأصل في الأشياء الطهارة] :) (والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه) : لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى، وقد أرشدنا رسول الله [ ﷺ ] إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله - تعالى - عنها، وأنها عفو؛ فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته؛ فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد، أو غلط في الاستدلال، كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرّمه الله - تعالى -، زاعماً أن النجاسة والتحريم متلازمان. وهذا الزعم من أبطل الباطلات، فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام (١) ؛ فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك، وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته، فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلاً: " إنما حُرِّم من الميتة أكلها " (٢) ، ولو كان مجرد تحريم شيء

стр. 109

مستلزماً لنجاسته؛ لكان مثل قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخره دليلاً على نجاسة النساء المذكورات في الآية! ( [المسلم طاهر حياً وميتاً] :) والمسلم لا ينجس حيّاً ولا ميتاً، كما ثبت ذلك عنه [ ﷺ ] في " الصحيح "، وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق (١) ، كالأنصاب والأزلام وما يُسكر من النبات والثمرات بأصل الخلقة. فإن قلت: إذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيَّته أو ركسيَّته يدل على أنه نجس - كما قلت في نجاسة الروثة ولحم الخنزير - فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله - تعالى -: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾ ؟﴾ قلت: لما وقع الخمر ههنا مقترناً بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرِّجسيّة إلى غير النجاسة الشرعية. ( [نجاسة المشرك] :) وهكذا قوله - تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ : لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين، كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم، والتوضؤ من آنيتهم والأكل فيها، وإنزالهم المسجد: كان ذلك دليلاً على أن المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية، بل قد ورد (٢) البيان من الشارع

стр. 110

لذلك بما لا يحتاج إلى زيادة، فقال في وفد ثقيف لما أنزلهم المسجد: " ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء؛ إنما أنجاسهم على أنفسهم "، فهذا يدل على أن تلك النجاسة حُكمية لا حِسِّيّة، والتعبد إنما هو بالنجاسة الحسية. وأما ما ورد فيه ما يدل على نجاسته - ولكنه قد عورض بما هو أرجح منه -: فلا شك أن يتعين العمل بالأرجح، فإن عورض بما يساويه؛ فالأصل عدم التعبد بما يتضمن ذلك الحكم، حتى يرد مورداً خالصاً عن شَوْب المعارضة، أو راجحاً على ما عارضه. وبالجملة: فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع، ولا يتزحزح عن هذا المقام إلا بحجة شرعية. قال في " سبل السلام ": " والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة؛ فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكل المخدرات والسمومات القاتلة لا دليل على نجاستها، وأما النجاسة فيلازمها التحريم فكل نجس محرم ولا عكس، وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم؛ فإنه يحرم لبس الحرير والذهب؛ وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعاً، إذا عرفت هذا: فتحريم الحُمُر والخمر - الذي دلت عليه النصوص - لا يلزم منه نجاستها، بل لا بد من دليل آخر عليه؛ وإلا بقيا على الأصول

стр. 111

المتفق عليها من الطهارة، فمن ادعى خلافه فالدليل عليه ". انتهى. وقد أوضح الماتن في مصنفاته: ك " شرح المنتقى " و " وبل الغمام حاشية شفاء الأوام " هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة ما لا يحتاج الناظر في ذلك إلى النظر في غيره؛ فليراجع. (فصل [تطهير النجاسات] ) ( [الاقتصار على ما ورد في الشرع] :) (ويطهر ما يتنجس بغسله) ؛ أي: بإسالة الماء عليه، ثم إن ورد فيه شيء عن الشارع؛ كان الواجب الاقتصار في صفة التطهير على ذلك الوارد، من دون مخالفة بزيادة عليه أو نقصان عنه، كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بمسحه، وقد تقدم ما يدل على ذلك، وتقدم - أيضا - ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم الحيض وبلعاب الكلب. وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره؛ كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية، وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره؛ فالواجب علينا إذهاب تلك العين. (حتى لا يبقى لها عين ولا لون ولا ريح ولا طعم) : لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أو طعمه - قد بقي فيه - جزء من العين، وإن لم يبق جرمها ولونها؛ إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الريح، وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الطعم.

стр. 112

( [تطهير النعل بالمسح] :) (والنعل بالمسح) وكذلك الخف؛ لأنه جسم صلب لا يتخلل فيه النجاسة، والظاهر أنه عام في الرطبة واليابسة، فيطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك. ثم إن النبي [ ﷺ ] لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما يأتي من الزمان، وأطلعه الله على ما يأتي به المصابون بالوسوسة من التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس: أوضح هذا المعنى إيضاحا ينهدم عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال، فقال: " إذا جاء أحدكم المسجد؛ فلينظر نعليه، فإن كان فيها خبث فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما ". ولفظ أحمد وأبي داود: " إذا جاء أحدكم إلى المسجد؛ فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما ". فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك، فإنه - أولا - بين لهم أنهم إذا وجدوا النجاسة في النعلين وجودا محققا؛ فعلوا المسح بالأرض، ثم أمرهم بالصلاة في النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها. ( [تلبيس الشيطان على الموسوسين] :) ثم ترى أحدهم يلعب به الشيطان حتى يصير ما هو فيه نوعا من الجنون! فيغسل يده أو وجهه مرة بعد مرة، حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر، مع دلك شديد، وكلفة عظيمة، واستغراق للفكر، وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة مغلظة ولا مخففة، فلا يزال في تعب ونصب

стр. 113

ومزاولة، لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية، ثم إذا فرغ من العضو الأول بعد جهد جهيد؛ شرع في العضو الثاني ثم كذلك، وكثير منهم من يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس، فما بلغ الشيطان هذا المبلغ من أحد من العصاة؛ لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها للنفس ولا رفعة للقدر، وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات - كما قال رسول الله [ ﷺ ] فيمن تجاوزها -: " ... فقد أساء وتعدى وظلم "، فجمع له [ ﷺ ] بين هذه الثلاثة أنواع، ثم لم يقنع منه بهذا، حتى صيره تاركا للفريضة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بلفظ: قال رسول الله [ ﷺ ] : " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. وأخرج أهل " السنن "، وأحمد من حديث بريدة، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". وأخرج الترمذي عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: " كان أصحاب محمد [ ﷺ ] لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر؛ غير الصلاة ". فانظر كيف صار هذا الموسوس - بنص رسول الله [ ﷺ ]- مسيئا متعديا ظالما كافرا (١) ، إن بلغ إلى الحد الذي ذكرناه، فهذا باعتبار ما له عند ربه. وأما باعتبار ما له عند الخلق؛ فأقل الأحوال أن يقال: مجنون يلعب به الشيطان في مخالفة شريعة الرحمن، ف ﴿خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾ ، ومع هذا؛ فهو يعذب نفسه بأشد العذاب، وكثيرا ما يفضي

стр. 114

به ذلك إلى علة كبيرة تكون سببا لهلاكه، فيلقى ربه قاتلا لنفسه في معصية، فلا يراح رائحة الجنة، كما ثبت عنه [ ﷺ ] فيمن قتل نفسه (١) ، وهذه المحنة يقع فيها العالم والجاهل. فمن كان جاهلا؛ اعتذر لنفسه بأعذار شيطانية قد استزله الشيطان بها؛ فمنهم من يقول: لم أتيقن كمال الثلاث الغسلات في كل عضو ﴿وهو قد غسل ذلك العضو مئات﴾ ﴿ ومنهم من يقول: أريد أن أغسل غسلا مشروعا، لا تبقى شعرة ولا بشرة إلا وقد شملها الغسل والدلك﴾ فتراه يقلب يديه ورجليه ويدلك كل موضع منه في مقدار الجثة (٢) دلكا فظيعا، فيشرع بالأنملة، ثم يدلك جزءا بعد جزء، حتى يفرغ من الأصبع، ثم يأخذ في الأخرى، ثم كذلك؛ فلا يفرغ من غسل يده؛ إلا بعد مدة طويلة، ثم يلعب به الشيطان، فيشككه فيما قد غسله أنه لم يغسله، فيعود إليه، ثم كذلك، فلا يكمل الثلاث الغسلات في زعمه؛ إلا بعد أن يبلغ بنفسه إلى حد يرحمه من رآه. ومن كان عالما؛ يعترف بأن هذا الفعل مخالف للشريعة، وأنه وسوسة شيطانية، وهو أقبح الرجلين؛ فإنه ممن أضله الله على علم، ونادى على نفسه بأنه منقاد لطاعة شيطانه في مخالفة خالقه، مستغرق بعبادة عدو الله إبليس، لم يبق فيه بقية تزجره عن معصيته، فلم يستحي من الله؛ فيحمله الحياء على إيثار الرحمن على الشيطان، ولم يستحي من الناس؛ فيردعه حياؤه عن

стр. 115

التحدث لعباد الله بأنه قد اشتغل عن ربه بطاعته الشيطان ﴿وفي مثل هذا قال رسول الله [ ﷺ ] : " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ". والحاصل: أن هذه المحنة قد عمت وطمت؛ عند كل فرد من أفراد العباد منها جزء من الأجزاء وإن قل﴾ والكل من طاعة الشيطان ومخالفة الرحمن، والناجي من ذلك هو الكبريت الأحمر وعنقاء مغرب، والغراب الأبقع (١) . ومن أنكر هذا فليجرب نفسه، ويعمل بمثل هذا النص الثابت عنه [ ﷺ ] في مسح الأذى الذي يعلق بالنعل في الأرض، ثم يصلي فيه، وينظر عند ذلك كيف يجد نفسه؟ ﴿مع أن ذلك هو المهيع الذي لا يرجح المجتهد سواه، إن أنصف من نفسه فليصدق فعله قوله، وإن كان مقلدا فله بالأئمة الأسلاف قدوة، وهم الأقل من القائلين بذلك، وهيهات ذاك؛ فإن الشكوك والخيالات قد جعلها الشيطان ذريعة يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة المستهترين بمحبتها؛ لأنه وجد قوما لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب الفجور، فحفر لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة؛ فهم أشقى أتباعه. اللهم﴾ أعذنا من نزعات الشيطان، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ( [التطهير بالاستحالة] :) (والاستحالة مطهرة) ؛ أي: إذا استحال الشيء إلى شيء آخر، حتى كان

стр. 116

ذلك الشيء الآخر مخالفا للشيء الأول - لونا وطعما وريحا -، كاستحالة العذرة رمادا. وقد أوضحت ذلك في كتابي " دليل الطالب " فليراجع، وحققه الماتن في " وبل الغمام "، و " السيل الجرار "، وغيرهما. (لعدم وجود الوصف المحكوم عليه) يعني: فقدْ فقدَ الوصف الذي وقع الحكم من الشارع بالنجاسة عليه، وهذا هو الحق. والخلاف في ذلك معروف. ( [تطهير ما لا يمكن غسله] :) (وما) كان (لا يمكن غسله) من المتنجسات كالأرض والبئر (ف) تطهيره (بالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى) أي: لا يوجد (للنجاسة أثر) ؛ لأنها لو كانت باقية لكان التعبد بإذهابها باقيا، ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي لها جرم ولون؛ وأما مثل البول؛ فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ذنوب من ماء، فإن وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة - بالبول - طاهرة. أقول: البول على الأرض يطهره مكاثرة الماء عليه، وهو مأخوذ مما تقرر عند الناس قاطبة: أن المطهر الكثير يطهر الأرض، وأن المكاثرة تذهب بالرائحة المنتنة، وتجعل البول متلاشيا كأن لم يكن. في " المسوى ": قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " إذا أصاب الأرض بول أو غيره من النجاسة المائعة، فصب عليها الماء حتى غلبها؛ طهرت،

стр. 117

والغسالة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير، ولكنها لا تطهر، وفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة ". وعند الحنفية - رحمهم الله تعالى - الغسالة نجسة، والأرض لا تطهر بصب الماء حتى تزول عنها الغسالة. انتهى. ( [الأصل في التطهير هو الماء] :) (والماء هو الأصل في التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع) : لأن كون الأصل في التطهير هو الماء، قد وصف بذلك في الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد، بل قوله [ ﷺ ] : " الماء طهور " يرشد إلى ما ذكرنا إرشادا تشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول، فإذا ثبت عن الشارع أن تطهير شيء من النجاسات يكون بغير الماء - كمسح النعل بالأرض ونحو ذلك -؛ كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها، بل نقتصر عليه هناك، ويتعين الماء فيما عداها، وهذا هو الحق. وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات، وذهب أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر. ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون: إن الماء يتعين في مثل ذلك. ويرد على أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد عن الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع.

стр. 118

(٣ - باب قضاء الحاجة) والحاجة: كناية عن خروج البول والغائط، وهو مأخوذ من قوله [ ﷺ ] : " إذا قعد أحدكم لحاجته "، وعبر عنه الفقهاء ب (باب الاستطابة) ؛ لحديث: " ولا يستطيب بيمينه "، والمحدثون ب (باب التخلي) ؛ مأخوذ من قوله: " إذا دخل أحدكم الخلاء "، والتبرز من قوله: " البراز في الموارد ". والكل من العبارات صحيح. ( [آداب قضاء الحاجة] :) (١ - أن يستتر) : (على المتخلي الاستتار) : فينبغي أن يبعد؛ لئلا يسمع منه صوت أو يشم منه ريح أو يرى منه عورة. ( [٢ - أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض] :) (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) عند قضاء الحاجة، ويستتر بمثل حائش نخل مما يواري أسفل بدنه، " ... فمن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " (١) ، وذلك لأن الشيطان جبل على أفكار فاسدة وأعمال شنيعة. كذا في " الحجة ".

стр. 119

وذلك لما ورد من الأدلة الدالة على وجوب ستر العورة عموما وخصوصا؛ إلا عند الضرورة، ومنها قضاء الحاجة، فلا يكشف عورته إلا عند القعود. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: " من أتى الغائط فليستتر ". ( [٣ - أن يبعد في المذهب أو يدخل الكنيف] :) (والبعد) : لما أخرجه أهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث جابر ﵁، قال: خرجنا مع النبي [ ﷺ ] في سفر، فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى. ولفظ أبي داود: كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. ورجاله رجال الصحيح؛ إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي، ففيه مقال يسير. (أو دخول الكنيف) ؛ يعني: إذا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان، وهناك كنيف؛ فليس عليه إلا أن يدخله، وإن قرب من الناس؛ لما سيأتي من حديث ابن عمر. ( [٤ - أن يترك الكلام] :) (و) أما (ترك الكلام) : فلحديث: " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك " (١) ؛ أخرجه أحمد، وأبو

стр. 120

داود، وابن ماجة من حديث أبي سعيد. وأخرج نحوه ابن السكن (١) - وصححه - من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه -. ( [٥ - أن لا يصطحب ما فيه اسم الله] :) (و) أما ترك (الملابسة لما له حرمة) : فلحديث أنس ﵁ عند أهل " السنن " - وصححه الترمذي، والمنذري، وابن دقيق العيد - بلفظ: كان النبي [ ﷺ ] إذا دخل الخلاء ينزع خاتمه. ولم يأت من ضعفه (٢) بما تقوم به الحجة في التضعيف. ( [٦ - أن لا يتخلى في الموارد والظل والطرق] :) (وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع) : كالتخلي في ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم والماء الدائم، فقد ورد في ذلك أحاديث: منها حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم - رحمه الله تعالى -، وأحمد - رحمه الله تعالى -، وأبي داود - رحمه الله تعالى -، قال: " اتقوا اللاعنين "، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ ﴿قال: الذي يتخلى في طريق

стр. 121

الناس أو في ظلهم "؛ وافهم أن الحكمة الاحتراز عن لعنهم وتأذيهم. ومنها حديث معاذ بن جبل عند أبي داود، وابن ماجة، والحاكم، وابن السكن - وصححاه -، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ". وقد أعل (١) بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ - ولم يسمع منه -. وفي الباب أحاديث فيها مقال. ( [٧ - أن لا يبول في الجحر] :) ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها: الجحر؛ لحديث عبد الله بن سرجس، قال: نهى رسول الله [ ﷺ ] أن يبال في الجحر. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي. وقد أعل بأنه من رواية قتادة عنه - ولم يسمع منه -، ولكنه قد صحح سماعه منه علي بن المديني، وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن (٢) . والجحر؛ قد يكون مأوى حية أو مثلها، فتخرج وتؤذي. ( [٨ - أن لا يبول في مستحمه] :) ومنها ما أخرجه أحمد - رحمه الله تعالى -، وأهل " السنن " من حديث عبد الله بن مغفل، عن النبي [ ﷺ ] ، قال: " لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم

стр. 122

يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه " (١) . ومنها ما أخرجه مسلم - رحمه الله تعالى -، وأحمد - رحمه الله تعالى - والنسائي - رحمه الله تعالى - وابن ماجة - رحمه الله تعالى - عن جابر - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي [ ﷺ ] نهى أن يبال في الماء الراكد. (أو عرف) : وجهه أنهم يتأذون بذلك، وما كان ذريعة إلى ما لا يحل، فهو لا يحل. ( [٩ - ترك استقبال واستدبار القبلة] :) (وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة) : قد ورد في ذلك أحاديث: منها ما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي أيوب بلفظ: " إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا " وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، ومن حديث سلمان - أيضا -. وابن ماجة، وابن حبان من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو داود من حديث عبد الله بن مغفل، والدارمي في " مسنده "، من حديث سهل بن حنيف. ( [أقوال العلماء] :) وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال، استوفاها الماتن في

стр. 123

" نيل الأوطار ". وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر، قال: رقيت يوما على بيت حفصة - رضي الله تعالى عنها -، فرأيت النبي [ ﷺ ] على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة "، وجعلوا هذا الحديث ناسخا لأحاديث النهي. ومن جملة ما استدلوا به: حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وأبي داود - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى؛ وحسنه - وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، والبزار - رحمه الله تعالى -، وابن الجارود - رحمه الله تعالى -، وابن خزيمة - رحمه الله تعالى -، وابن حبان - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، والدارقطني - رحمه الله تعالى -، قال: نهى النبي [ ﷺ ] أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. قد نقل الترمذي عن البخاري - رحمه الله تعالى - تصحيحه، وصححه - أيضا - ابن السكن، وحسنه - أيضا - البزار. ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول: أن فعله [ ﷺ ] لا يعارض القول الخاص بالأمة، فما وقع منه [ ﷺ ] لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة (١)

стр. 124

فإن قلت: حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، قالت: ذكر لرسول الله [ ﷺ ] أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم؟ فقال: " أو قد فعلوها؟ ﴿حولوا مقعدتي قبل القبلة "، قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ؛ لأن النبي [ ﷺ ] فعله لقصد التشريع للأمة، ولمخالفة من كان يكره الاستقبال. ولكنه لم يصح؛ فإن في إسناده خالد بن أبي الصلت: قال ابن حزم: هو مجهول، وقال الذهبي في " الميزان " في ترجمة خالد بن أبي الصلت: إن هذا الحديث منكر (١) . وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما أخرجه أبو داود - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، عن مروان الأصفر ﵁، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته؛ مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن﴾ أليس قد نهي عن ذلك؟ ! فقال: بلى، إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. وقد حسن (٢) الحافظ في " الفتح " إسناده، ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا كان قد سمع من النبي [ ﷺ ] ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق. وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله [ ﷺ ] في بيت حفصة

стр. 125

- ﵂: فلا يكون هذا الفهم حجة، ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال. قال الشافعي ﵀: الاستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان، ووجه الجمع عنده تنزيل النهي والإباحة على حالتين. وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: مكروهان فيهما سواء، ووجه الجمع عنده أن النهي للتنزيه، والفعل لبيان الجواز في الجملة. كذا في " المسوى ". قال في " سبل السلام: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: أقربها: يحرم في الصحارى دون العمران؛ لأن أحاديث الإباحة وردت في الإباحة فحملت عليه، وأحاديث النهي عامة، وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله التي سلفت: بقيت الصحراء على التحريم، وقد قال ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره. وهذا القول ليس بالبعيد؛ لبقاء أحاديث النهي على بابها، وأحاديث الإباحة كذلك. انتهى. وروي عن عائشة عند الترمذي: أن النبي [ ﷺ ] لم يبل قائما. وروي عن عمر عند الترمذي (١) : أن النبي [ ﷺ ] نهاه أن يبول قائما.

стр. 126

وروى الحاكم: أن بوله [ ﷺ ] قائما كان لمرض؛ لكن ضعفه الدارقطني، والبيهقي، فلم يكن صالحا لحمل بوله على حال الضرورة، فالأولى أن يقال: إن فعله [ ﷺ ] لبيان الجواز، وإن البول من قيام مكروه فقط، وفعله للمكروه لبيان حكم شرعي جائز. ولا ريب أن البول من قيام: من الجفاء (١) والغلظة والمخالفة للهيئة المستحسنة، مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل وثيابه، فأقل أحوال النهي مع هذه الأمور: أن يكون البول من قيام مكروها. وهذا على فرض أن فعله [ ﷺ ] لقصد التشريع حتى يكون لبيان الجواز، ويكون صارفا للنهي، فإن لم يكن كذلك؛ فالنهي باق على حقيقته، والبول من قيام من خصائصه (٢) ، ولكن بعد ثبوت النهي من طريق صحيحة أو حسنة (٣) ﴿ وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ". ( [١٠ - أن يستجمر بثلاثة أحجار] :) (وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة) ؛ أي: مسحات؛ لأنها لا تنقي

стр. 127

غالبا بأقل من ثلاثة أحجار؛ لما في " صحيح مسلم " وغيره من حديث سلمان: أن النبي [ ﷺ ] نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، وعن الاستنجاء برجيع أو عظم. وأخرج أحمد - رحمه الله تعالى -، والنسائي - رحمه الله تعالى -، وأبو داود - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه الله تعالى - والدارقطني - رحمه الله تعالى -؛ وقال: إسناده صحيح حسن - من حديث عائشة ﵂، أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإنها تجزيء عنه ". وأخرج نحوه أبو داود، والنسائي من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي - رحمه الله تعالى -، وابن ماجة - رحمه الله تعالى -، من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروثة والرمة. وأخرج ابن خزيمة، وابن حبان، والدارمي، وأبو عوانة في " صحيحه "، والشافعي - رحمهم الله تعالى - من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أيضا بلفظ: " وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار ". وفي الباب أحاديث غير ما ذكرناه. ثم اعلم أنه قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في " المسوى شرح الموطأ ": قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " الاستنجاء واجب، والمراد ثلاث مسحات ".

стр. 128

وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: سنة، والمراد الإنقاء. وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار، وإن حصل الإنقاء بما دونها، فإن لم يحصل يجب أن يزيد حتى يحصل، فإن حصل بعدها بشفع يستحب أن يختم بالوتر. وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: " يسن الإنقاء ولا يستحب الإيتار ". وتأويل الحديث عنده: أن المراد بالإيتار هو التثليث، كنى به عن الإنقاء، ويستحب الاستنجاء بالماء من غير وجوب. عن عمر بن الخطاب: " يتوضأ بالماء لما تحت إزاره ". قلت: معنى الوضوء ههنا الغسل والتنظيف؛ وعليه عامة أهل العلم. انتهى. وورد كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن عباس ﵁: " حجران للصفحتين (١) ، وحجر للمسربة " - بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة -: مجرى للحدث من الدبر. ( [١١ - أن يستجمر بما يقوم مقام الأحجار فيما عدا المنهي عنه] :) (وما يقوم مقامها) : للضرورة؛ أي: إذا لم توجد الأحجار، ما لم يكن ذلك الغير مما ورد النهي عنه - كالروثة والرجيع والعظم -، فإنه لا يجوز ولا يجزيء.

стр. 129

قال في " الحجة ": لأنه طعام الجن، وكذا سائر ما ينتفع به، ويستحب الجمع بين الحجر والماء (١) . وأقول: لا شك أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاستنجاء بالحجارة من دون ماء؛ لأنه أقطع للنجاسة، فلا تبقى بعده عين للنجاسة ولا ريح، بخلاف الاستنجاء بالحجارة - وهو الاستجمار -، فإذا لم يبق جزء من عين النجاسة بقي أثر من آثارها، وإذا لم يبق شيء من الآثار بقيت الريح، ومع هذا؛ فهو من السنن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مقرونا بما لا خلاف في مشروعيته، إنما الشأن في كونه يجب على من قضى الحاجة - إذا أراد القيام إلى الصلاة - أن يستنجي بالماء، ولا يكفيه الاستجمار بالأحجار ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم يصلي. والاستدلال على الوجوب بحديث أهل قبا، لا يخفى أن غاية ما فيه تخصيصهم بالأمر بذلك دون غيرهم، فإن سائر الصحابة كانوا إذ ذاك لا يستنجون بالماء، ولهذا خص الله أهل قباء بالثناء، ثم لم يرد أنه [ ﷺ ] أمر غير أهل قبا بذلك. وقد ذهب إلى أنه يكفي الأحجار: ابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، والشافعية، والحنفية، كما حكى ذلك في " البحر الزخار " عنهم. بل حكى - أيضا - عن عطاء أن غسل الدبر محدث. وعن سعيد بن المسيب: ما يفعله إلا النساء.

стр. 130

هكذا في " البحر ". وروى عنه أنه كان يقول: إذن لا يزال في يدي نتن - يعني: إذا غسل فرجه بالماء -. ويدل على عدم الوجوب أحاديث الأمر بالاستجمار. وما ورد - من أن ثلاثة أحجار ينقين المؤمن - لم يصح ﴿ والحاصل: أنه لا نزاع في كون الماء أفضل؛ إنما النزاع في أنه يتعين ولا يجزيء غيره، وهذا كله على فرض ثبوت قوله في حديث أهل قبا: " ذلكموه فعليكموه "﴾ ولكنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث؛ بل الذي في " الجامع " عن أنس: ان النبي [ ﷺ ] قال لأهل قبا: " إن الله قد أحسن الثناء عليكم؛ فما ذاك "؟ ، قالوا: نجمع في الاستجمار بين الأحجار والماء. قال في " الجامع ": ذكره رزين (١) . وفي " التلخيص " (٢) عن البزار في " مسنده " قال: نبأنا عبد الله بن شبيب: نبأنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: وجدت في كتاب أبي: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن العباس، قال: نزلت هذه الآية في أهل قبا: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ، فسألهم رسول الله [ ﷺ ] ؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. قال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الزهري؛ إلا محمد بن عبد العزيز،

стр. 131

ولا عنه إلا ابنه. انتهى. ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم، فقال: ليس له ولأخويه - عمران وعبيد الله - حديث مستقيم. وعبد الله بن شبيب - أيضا - ضعيف. وأصل الحديث في " سنن أبي داود "، " والترمذي "، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة. وليس في شيء هنا الجمع بين الأحجار والماء، فمحل الاستدلال على وجوب الاستنجاء بالماء - هو قوله لهم: " فعليكموه " (١) : إغراء لهم على الفعل بمعنى: الزموه - لم يثبت حتى يثبت ما دل عليه. ( [الأدلة على الاستنجاء بالأحجار للقبل أو الدبر] ) واعلم أن الأدلة في هذه المسألة غير مقيدة بكون الأحجار المذكورة للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما جميعا؛ إذ يصدق قوله (٢) [ ﷺ ] : وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار؛ على من أراد أن يستنجي بعد البول فقط، أو بعد الغائط فقط، أو بعدهما. وكذلك قوله (٣) [ ﷺ ] وكان يأمرنا بثلاثة أحجار؛ يصدق على كل ذاهب

стр. 132

إلى الغائط سواء ذهب إلى البول فقط، أو إلى الغائط فقط، أو لهما. والمراد بالغائط في قوله [ ﷺ ] : " إذا أتى أحدكم الغائط ": المكان المطمئن، لا نفس الخارج، كما صرح به أئمة اللغة. وكذلك قوله: " وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار ": شامل لكل قاض للحاجة - سواء ذهب إلى البول فقط، أو الغائط فقط، أو ذهب إليهما جميعاً -. وكذلك قوله [ ﷺ ] : " فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطب بهنّ؛ فإنها تجزئ عنه ": يتناول من بال فقط، كما يتناول من تغوّط فقط. وكذلك قوله [ ﷺ ] : " فليستنج بثلاثة أحجار ": يصدق على كل قاض للحاجة كما عرفت. وكذلك حديث: أمرنا رسول الله [ ﷺ ] أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار، وقوله: " وأعدوا النبل (١) ". إذا تقرر هذا: علمت أنه شرع الاستجمار لمن بال، كما شرع لمن تغوط، وأن يكون بثلاثة أحجار: ولم يَرِدْ ما يخالف هذا من شرع ولا لغة ولا اشتقاق. والاستنجاء: هو غسل البدن عن الأذى بالماء ومسحه بالحجر؛ كما صرح به صاحب " النهاية "، وصاحب " الصحاح "، " والقاموس ".

стр. 133

والاستجمار عندهم: استعمال الجِمار والتمسح بالجِمار - وهي الأحجار الصغار -، وهو استعمال من غير تقييد. قال في " القاموس ": استجمر: استنجى. انتهى. وهو - كما لا يخفى - يصدُق على من استنجى بها للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما. وكذلك تصدق الاستطابة على مسح الذكر والفرج. قال في " النهاية ": الاستطابة والإطابة: كناية عن الاستنجاء، وسمي بها من الطيب؛ لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء؛ أي: يطهره. ومثل ذلك في " الصحاح "، و " القاموس ". ثم قد وردت أحاديث فيها مجرد الأمر بثلاثة أحجار من غير ذكر استنجاء ولا استطابة ولا استجمار؛ ولا نزاع في صدقها على الذاهب إلى البول كما تصدق على الذاهب إلى الغائط. وحينئذ تعلم أنه شرع لمن بال أن يستجمر بالأحجار عقب البول، كما شرع لمن تغوط أن يفعل ذلك، ولا ينافي ذلك حديث: " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً "؛ كما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث عيسى بن يزداد، عن أبيه. وقد قال ابن معين: لا يعرف عيسى ولا أبوه.

стр. 134

وقال الثوري: اتفقوا على أنه ضعيف. وقال أبو حاتم: حديثه مرسل: لأن الحديث - وإن كان مما لا تقوم به الحجة (١) - لكنه يمكن الجمع بينه وبين أحاديث الاستجمار؛ إذ الاستجمار إنما هو المسح بالجِمار لما تلوث بالبول أو الغائط من خارج الفرج أو الذكر، لا لاستخراج ما كان داخلهما، فالنتر والاستجمار مختلفان - مفهوماً وصدقاً وزماناً ومكاناً وصفة -، فكيف يجعل أحدهما معارضاً للآخر؟ ﴿لا سيما وحديث النتر بمكان من الضعف لا تقوم به الحجة على فرض انفراده، فكيف يؤخذ به وتترك أحاديث الاستجمار المتواترة تواتراً معنوياً عند من له أدنى ممارسة للفن؟﴾ وقد أوضحت ذلك في " دليل الطالب على أرجح المطالب "؛ فليراجع. (١٢ - [الاستعاذة عند دخول الكنيف] :) (وتُندب الاستعاذة عند الشروع) ؛ أي: الدخول؛ لأن الحشوش مُحتضَرة (٢) يحضرها الشياطين؛ لأنهم يحبون النجاسة، ووجهه ما أخرجه الجماعة من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه -، قال: كان النبي [ ﷺ ] إذا دخل الخلاء قال: " اللهم ﴿إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ". وقد روى سعيد بن منصور في " سننه ": أنه كان [ ﷺ ] يقول: " اللهم﴾ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "، وإسناده على شرط مسلم.

стр. 135

(١٣ - [أن يستغفر ويحمد بعد قضاء الحاجة] :) (والاستغفار والحمد بعد الفراغ) : لأنه وقت ترك ذكر الله - تعالى - ومخالطة الشياطين، والدليل عليه ما أخرجه ابن ماجه - رحمه الله تعالى - بإسناد صالح (١) من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه -، قال: كان النبي [ ﷺ ] إذا خرج من الخلاء قال: " الحمد لله الذي أذهب عني الأذى (٢) ". وأخرج نحوه النسائي - رحمه الله تعالى -، وابن السني - رحمه الله تعالى -، من حديث أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - ورمز السيوطي - رحمه الله تعالى - لصحته (٣) - وأخرج أحمد - رحمه الله تعالى -، وأبو داود - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى -، وابن ماجه - رحمه الله تعالى - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النبي [ ﷺ ] إذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك ". وصححه ابن حبان - رحمه الله تعالى -، وابن خزيمة - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -.

стр. 136

(٤ - باب الوضوء) (الفصل الأول: فرائض الوضوء] ) ( [متى فُرض الوضوء ؟] :) فُرض مع الصلاة قبل الهجرة بسنة، وهو من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم، لا لأنبيائهم. (١ - [التسمية إذا ذكر] :) (يجب على كل مكلَّف) : لمن أراد الصلاة وهو مُحْدِث أو جنب (أن يسمي) ؛ وجه وجوب التسمية ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي [ ﷺ ] ، أنه قال: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "؛ أخرجه أحمد - رحمه الله تعالى -؛ وأبو داود - رحمه الله تعالى -؛ وابن ماجه - رحمه الله تعالى -، والترمذي - رحمه الله تعالى -، في " العلل "، والدارقطني - رحمه الله تعالى -، وابن السكن - رحمه الله تعالى -، والحاكم - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى -، وليس في إسناده ما يُسقطه عن درجة الاعتبار. وله طرق أخرى (١) من حديثه عند الدارقطني - رحمه الله تعالى -

стр. 137

والبيهقي ﵀. وأخرج نحوه أحمد - رحمه الله تعالى -، وابن ماجه - رحمه الله تعالى - من حديث سعيد بن زيد ﵁، ومن حديث أبي سعيد ﵁. وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة ﵂، وسهل بن سعد ﵁ وأبي سبرة ﵁، وأم سبرة ﵂، وعلي ﵁، وأنس ﵁. ولا شك ولا ريب أنها جميعاً تنتهض للاحتجاج؛ بها، بل مجرد الحديث الأول ينتهض للاحتجاج لأنه حسن، فكيف إذا اعتضد بهذه الأحاديث الواردة في معناه؟ ﴿ ولا حاجة للتطويل في تخريجها فالكلام عليها معروف، وقد صرح الحديث بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله، وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم، فضلاً عن الوجوب؛ فإنه أقل ما يستفاد منه (١) .

стр. 138

(إذا ذكر) : تقييد الوجوب بالذِّكر؛ للجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث: " من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لأعضاء وضوئه " (١) ؛ أخرجه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي ﵀ من حديث ابن عمر ﵁، وفي إسناده متروك. ورواه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى - من حديث ابن مسعود ﵁، وفي إسناده - أيضا - متروك. ورواه أيضا الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى - من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه ضعيفان. وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها، وليس فيها أيضا دلالة على المطلوب من أن الوجوب ليس إلا على الذِّكر، ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو والنسيان، وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز، فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية، ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية، وبعد هذا كله: ففي التقييد بالذكر إشكال. قال في " الحجة البالغة ": قوله [ ﷺ ] : " لا وضوء لمن لا يذكر الله " هذا الحديث لم يُجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه، وعلى تقدير صحته؛ فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي [ ﷺ ] فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي [ ﷺ ] ،

стр. 139

ويعلّمون الناس ولا يذكرون التسمية، حتى ظهر زمان أهل الحديث (١) ، وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر بالقلب (٢) ؛ فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية، وحينئذ يكون صيغة: " لا وضوء " على ظاهرها. نعم؛ التسمية أدب كسائر الآداب - لقوله [ ﷺ ]-: " كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر " (٣) ، وقياساً على مواضع كثيرة. ويحتمل أن يكون المعنى: لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضي مثل هذا التأويل؛ فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ. انتهى. وأقول: قد تقرر أن النفي في مثل قوله: " لا وضوء ... " يتوجه إلى الذات إن أمكن، فإن لم يمكن؛ توجه إلى الأقرب إليها - وهو نفي الصحة -؛ فإنه أقرب المجازيْن، لا إلى الأبعد - وهو نفي الكمال -، وإذا توجه إلى الذات - أي: لا ذات وضوء شرعية، أو إلى الصحة -: دل على وجوب التسمية؛ لأن انتفاء التسمية قد استلزم انتفاء الذات الشرعية، أو انتفاء صحتها؛ فكان تحصيل ما يُحصِّل الذات الشرعية، أو صحتها واجباً، ولا يتوجه إلى نفي الكمال إلا لقرينة؛ لأن الواجب الحمل على الحقيقة، ثم على أقرب المجازات إليها إن تعذر الحمل على الذات، ثم لا يحمل على أبعد المجازات إلا لقرينة. يمكن أن يقال: إن القرينة - ههنا - المسوِّغة لحمل النفي على المجاز الأبعد

стр. 140

هي ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه "؛ وسنده ضعيف (١) . (٢ - [المضمضة والاستنشاق] :) (ويتمضمض ويستنشق) : وجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله، وقد بين النبي [ ﷺ ] ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا، ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق، فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغسله من جملة المضمضة والاستنشاق. وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁، قال: أمر رسول الله [ ﷺ ] بالمضمضة والاستنشاق (٢) . وثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أيضا - أن النبي [ ﷺ ] قال: " إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر ". وثبت عند أهل " السنن " - وصححه الترمذي، رحمه الله تعالى - من حديث لقيط بن صبرة - رضي الله تعالى عنه - بلفظ: " ... وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً (٣) ".

стр. 141

وأخرج النسائي - رحمه الله تعالى - من حديث سلمة بن قيس - رضي الله تعالى عنه -: " إذا توضأت فانتثر ". وأخرجه الترمذي - رحمه الله تعالى - أيضاً. وفي رواية من حديث لقيط بن صَبِرة - رضي الله تعالى عنه - المذكور: " إذا توضأت فمضمض "؛ أخرجها أبو داود بإسناد صحيح. وقد صحح حديث لقيط - رضي الله تعالى عنه - الترمذي - رحمه الله تعالى -، والنووي - رحمه الله تعالى -، وغيرهما؛ ولم يأت من أعلّه بما يقدح فيه. وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد - رحمه الله تعالى -، وإسحاق - رحمه الله تعالى -، وبه قال ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى -، وحماد بن أبي سليمان - رحمه الله تعالى (١) -. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء، والمضمضة سنة فيهما. حكى هذا المذهب النووي - رحمه الله تعالى - في " شرح مسلم " عن أبي ثور - رحمه الله تعالى -، وأبي عبيد - رحمه الله تعالى -، وداود الظاهري،

стр. 142

وابن المنذر - رحمه الله تعالى -، ورواية عن أحمد - رحمه الله تعالى -. وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، والثوري - رحمه الله تعالى -، وزيد بن علي - رحمه الله تعالى -. وذهب مالك - رحمه الله تعالى -، والشافعي - رحمه الله تعالى -، والأوزاعي - رحمه الله تعالى -، والليث - رحمه الله تعالى -، والحسن البصري - رحمه الله تعالى -، والزهري - رحمه الله تعالى -، وربيعة - رحمه الله تعالى -، ويحيى بن سعيد - رحمه الله تعالى -، وقتادة - رحمه الله تعالى -، والحكم بن عتيبة - رحمه الله تعالى -، ومحمد بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -، إلى أنهما غير واجبين، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: " عشر من سنن المرسلين ... " - وهو حديث صحيح (١) -، ومن جملتها المضمضة والاستنشاق. ورد بأنه لم يرو بلفظ: " عشر من السنن "، بل بلفظ: " عشر من الفطرة ... " (٢) ، وعلى فرض وروده بذلك اللفظ: فالمراد بالسنة الطريقة، وهي تعم الواجب، لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول، فإن ذلك اصطلاح حادث، وعرف متجدد لا تحمل عليه أقوال الشارع! وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - بلفظ: " المضمضة والاستنشاق سنة "؛ أخرجه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، وإسناده ضعيف (٣) .

стр. 143

والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره: ما دل عليه دليل من قوله [ ﷺ ] أو فعله أو تقريره، ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن، فهذه اللفظة أعم من المدعى، فإنها تطلق على الواجب كما تطلق على المندوب، فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة. ولا يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية؛ لأن المراد بالسنة - كما عرفت - في لسان الشارع، ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول؛ فتأمل! (٣ - [غسل الوجه] :) (ثم يغسل جميع وجهه) : والمراد بالوجه ما يسمى وجهاً عند أهل الشرع واللغة. ووجوب غسل الوجه لا خلاف فيه في الجملة، وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة. (٤ - [غسل اليدين مع المرفقين] :) (ثم يديه مع مرفقيه) : هو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما، ومما يدل على وجوب غسلهما جميعا حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى -: أن النبي [ ﷺ ] أدار الماء على مرفقيه، ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "؛ وفي إسناده ضعيفان هما: عباد بن يعقوب، والقاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل (١) .

стр. 144

ولكن يغني عن هذا الضعيف ما في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أنه توضأ ثم غسل يده، حتى شرع في العضد. ثم قال: رأيت رسول الله [ ﷺ ] يتوضأ هكذا. وفي رواية الدارقطني - رحمه الله تعالى - من حديث عثمان ﵁: أنه غسل وجهه ويديه، حتى مس أطراف العضدين؛ قال الحافظ: وإسناده حسن. وأخرج البزار والطبراني (١) من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه - مرفوعاً -: ثم غسل ذراعيه، حتى يسيل الماء على مرفقيه. وهذا بيان لما في القرآن، فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. (٥ - [مسح الرأس] :) (ثم يمسح رأسه) : ولا خلاف فيه - في الجملة -، وإنما وقع الخلاف: هل المتعين مسح الكل؟ أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أم البعض، والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات، كما في " صحيح مسلم "، وغيره من حديث المغيرة ﵁: أنه [ ﷺ ] توضأ، ومسح بناصيته وعلى العمامة. وأخرج أبو داود (٢) - رحمه الله تعالى - من حديث أنس - رضي الله

стр. 145

عنه -: أنه [ ﷺ ] أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هي الهيئة التي استمر عليها [ ﷺ ] ، فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان [ ﷺ ] يداوم عليها - وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا -، وإجزاء غيرها في بعض الأحوال. ولا يخفى أن قوله - تعالى -: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال؛ نحو: ضربت رأس زيد، وضربت برأسه، وضربت زيداً، وضربت يد زيد، فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة، وهكذا ما في الآية. وليس النزاع في مسمى الرأس - لغة - حتى يقال: إنه - حقيقة - في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح عليه، وعلى فرض الإجمال: فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع، وتارة بمسح البعض، بخلاف الوجه؛ فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال، بل غسله جميعا، وأما اليدان والرجلان؛ فقد صرح فيهما بالغاية للمسح والغسل. فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به؛ قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب - أو بالثوب -، أو مسحت الحائط - أو بالحائط -، على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط، وإنكار مثل هذا مكابرة.
следующие страницы →