← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأخرج النسائي - رحمه الله تعالى - من حديث سلمة بن قيس - رضي الله تعالى عنه -: " إذا توضأت فانتثر ". وأخرجه الترمذي - رحمه الله تعالى - أيضاً. وفي رواية من حديث لقيط بن صَبِرة - رضي الله تعالى عنه - المذكور: " إذا توضأت فمضمض "؛ أخرجها أبو داود بإسناد صحيح. وقد صحح حديث لقيط - رضي الله تعالى عنه - الترمذي - رحمه الله تعالى -، والنووي - رحمه الله تعالى -، وغيرهما؛ ولم يأت من أعلّه بما يقدح فيه. وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد - رحمه الله تعالى -، وإسحاق - رحمه الله تعالى -، وبه قال ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى -، وحماد بن أبي سليمان - رحمه الله تعالى (١) -. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء، والمضمضة سنة فيهما. حكى هذا المذهب النووي - رحمه الله تعالى - في " شرح مسلم " عن أبي ثور - رحمه الله تعالى -، وأبي عبيد - رحمه الله تعالى -، وداود الظاهري،

стр. 142

وابن المنذر - رحمه الله تعالى -، ورواية عن أحمد - رحمه الله تعالى -. وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، والثوري - رحمه الله تعالى -، وزيد بن علي - رحمه الله تعالى -. وذهب مالك - رحمه الله تعالى -، والشافعي - رحمه الله تعالى -، والأوزاعي - رحمه الله تعالى -، والليث - رحمه الله تعالى -، والحسن البصري - رحمه الله تعالى -، والزهري - رحمه الله تعالى -، وربيعة - رحمه الله تعالى -، ويحيى بن سعيد - رحمه الله تعالى -، وقتادة - رحمه الله تعالى -، والحكم بن عتيبة - رحمه الله تعالى -، ومحمد بن جرير الطبري - رحمه الله تعالى -، إلى أنهما غير واجبين، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: " عشر من سنن المرسلين ... " - وهو حديث صحيح (١) -، ومن جملتها المضمضة والاستنشاق. ورد بأنه لم يرو بلفظ: " عشر من السنن "، بل بلفظ: " عشر من الفطرة ... " (٢) ، وعلى فرض وروده بذلك اللفظ: فالمراد بالسنة الطريقة، وهي تعم الواجب، لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول، فإن ذلك اصطلاح حادث، وعرف متجدد لا تحمل عليه أقوال الشارع! وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - بلفظ: " المضمضة والاستنشاق سنة "؛ أخرجه الدارقطني - رحمه الله تعالى -، وإسناده ضعيف (٣) .

стр. 143

والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره: ما دل عليه دليل من قوله [ ﷺ ] أو فعله أو تقريره، ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن، فهذه اللفظة أعم من المدعى، فإنها تطلق على الواجب كما تطلق على المندوب، فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة. ولا يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية؛ لأن المراد بالسنة - كما عرفت - في لسان الشارع، ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول؛ فتأمل! (٣ - [غسل الوجه] :) (ثم يغسل جميع وجهه) : والمراد بالوجه ما يسمى وجهاً عند أهل الشرع واللغة. ووجوب غسل الوجه لا خلاف فيه في الجملة، وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة. (٤ - [غسل اليدين مع المرفقين] :) (ثم يديه مع مرفقيه) : هو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا خلاف في ذلك، وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما، ومما يدل على وجوب غسلهما جميعا حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - عند الدارقطني - رحمه الله تعالى -، والبيهقي - رحمه الله تعالى -: أن النبي [ ﷺ ] أدار الماء على مرفقيه، ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "؛ وفي إسناده ضعيفان هما: عباد بن يعقوب، والقاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل (١) .

стр. 144

ولكن يغني عن هذا الضعيف ما في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: أنه توضأ ثم غسل يده، حتى شرع في العضد. ثم قال: رأيت رسول الله [ ﷺ ] يتوضأ هكذا. وفي رواية الدارقطني - رحمه الله تعالى - من حديث عثمان ﵁: أنه غسل وجهه ويديه، حتى مس أطراف العضدين؛ قال الحافظ: وإسناده حسن. وأخرج البزار والطبراني (١) من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه - مرفوعاً -: ثم غسل ذراعيه، حتى يسيل الماء على مرفقيه. وهذا بيان لما في القرآن، فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. (٥ - [مسح الرأس] :) (ثم يمسح رأسه) : ولا خلاف فيه - في الجملة -، وإنما وقع الخلاف: هل المتعين مسح الكل؟ أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أم البعض، والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات، كما في " صحيح مسلم "، وغيره من حديث المغيرة ﵁: أنه [ ﷺ ] توضأ، ومسح بناصيته وعلى العمامة. وأخرج أبو داود (٢) - رحمه الله تعالى - من حديث أنس - رضي الله

стр. 145

عنه -: أنه [ ﷺ ] أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه هي الهيئة التي استمر عليها [ ﷺ ] ، فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان [ ﷺ ] يداوم عليها - وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا -، وإجزاء غيرها في بعض الأحوال. ولا يخفى أن قوله - تعالى -: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال؛ نحو: ضربت رأس زيد، وضربت برأسه، وضربت زيداً، وضربت يد زيد، فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة، وهكذا ما في الآية. وليس النزاع في مسمى الرأس - لغة - حتى يقال: إنه - حقيقة - في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح عليه، وعلى فرض الإجمال: فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع، وتارة بمسح البعض، بخلاف الوجه؛ فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال، بل غسله جميعا، وأما اليدان والرجلان؛ فقد صرح فيهما بالغاية للمسح والغسل. فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به؛ قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب - أو بالثوب -، أو مسحت الحائط - أو بالحائط -، على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط، وإنكار مثل هذا مكابرة.

стр. 146

وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء " وغيرها؛ فليراجع. ( [مسح الأذنين] :) (مع أذنيه) : وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه [ ﷺ ] مسحهما مع مسح رأسه، وقد ثبت عنه [ ﷺ ] بلفظ: " الأذنان من الرأس " من طرق يقوي بعضها بعضا (١) . (ويجزئ مسح بعضه) قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: الفرض أدنى ما يطلق عليه اسم المسح. وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: مسح ربع الرأس. وقال مالك: مسح جميع الرأس. في " سفر السعادة " (٢) : وكان يمسح جميع رأسه أحيانا، وأحيانا يمسح على العمامة، وأحيانا يمسح على الناصية والعمامة، ولم يقتصر على مسح بعض الرأس أبدا، وكان يمسح الآذان ظاهرا وباطنا، ولم يثبت في مسح الرقبة حديث. انتهى.

стр. 147

( [المسح على العمامة] :) (والمسح على العمامة) أو غيرها مما هو على الرأس، فقد ثبت ذلك عنه [ ﷺ ] من حديث عمرو بن أمية الضمري عند البخاري - رحمه الله تعالى - وغيره، ومن حديث بلال ﵁ عند مسلم - رحمه الله تعالى - وغيره، ومن حديث المغيرة ﵁ عند الترمذي ﵀، وصححه -. وليس فيه المسح على الناصية، بل هو بلفظ: ومسح على الخفين والعمامة. وفي الباب أحاديث غير هذه: منها عن سلمان ﵁ عند أحمد - رحمه الله تعالى -، وعن ثوبان ﵁ عند أبي داود وأحمد ﵀ أيضا. والحاصل: أنه قد ثبت المسح على الرأس وحده، وعلى العمامة وحدها، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت. وقد ورد في حديث ثوبان ﵀ ما يشعر بالإذن بالمسح على العمامة مع العذر، وهو عند أحمد ﵀، وأبي داود (١) ﵀: أنه [ ﷺ ] بعث سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي [ ﷺ ] شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين؛ وفي إسناده راشد بن سعد؛

стр. 148

قال الخلال في " علله ": إن أحمد ﵀ قال: لا ينبغي أن يكون راشد ابن سعد سمع من ثوبان ﵁ لأنه مات قديما (١) . (٦ - [غسل الرجلين] :) (ثم يغسل رجليه) : وجهه ما ثبت عنه [ ﷺ ] في جميع الأحاديث الواردة في حكاية وضوئه؛ فإنها جميعها مصرحة بالغسل، وليس في شيء منها أنه مسح؛ إلا في روايات لا تقوم بمثلها الحجة، ويؤيد ذلك قوله [ ﷺ ] للماسحين على أعقابهم: " ويل للأعقاب من النار " - كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما -. ومما يؤيد ذلك وقوع الأمر منه [ ﷺ ] بغسل الرجلين، كما في حديث جابر ﵁ عند الدارقطني (٢) ﵀. ويؤيده - أيضا - قوله [ ﷺ ] : " فمن زاد على هذا أو نقص (٣) فقد أساء وظلم "؛ وهو حديث رواه أهل " السنن "، وصححه ابن خزيمة ﵀، ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص. وكذلك قوله [ ﷺ ] : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به "، وكان في ذلك الوضوء قد غسل رجليه. وكذلك قوله [ ﷺ ] للأعرابي: " توضأ كما

стр. 149

أمرك الله " (١) ، ثم ذكر له صفة الوضوء؛ وفيها غسل الرجلين. وهذه أحاديث صحيحة معروفة، وهي تفيد أن قراءة الجر إما منسوخة أو محمولة على أن الجر بالجوار (٢) ؛ وقد ذهب إلى هذا الجمهور. قال النووي: ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع. وقال الحافظ ﵀ في " الفتح ": إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - خلاف ذلك؛ إلا عن علي - رضي الله تعالى عنه -، وابن عباس ﵁، وأنس ﵁، وقد ثبت الرجوع منهم عن ذلك. وروى سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀، قال: اجتمع أصحاب رسول الله [ ﷺ ]﵃ على غسل القدمين. وقالت الإمامية (٣) : الواجب مسحهما. وقال محمد بن جرير، والحسن البصري ﵀، والجبائي: إنه مخير بين الغسل والمسح. وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح.

стр. 150

ولم يحتج من قال بوجوب المسح إلا بقراءة الجر؛ وهي لا تدل على أن المسح متعين؛ لأن القراءة الأخرى ثابتة بلا خلاف، بل غاية ما تدل عليه هذه القراءة هو التخيير، لو لم يرد عن النبي [ ﷺ ] ما يوجب الاقتصار على الغسل. أقول: الحق أن الدليل القرآني قد دل على جواز الغسل والمسح؛ لثبوت قراءة النصب والجر ثبوتاً لا ينكر (١) . وقد تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار، وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس، بل هو معطوف على الوجوه، فلما جاور المجرور انجر. وتعسف القائلون بالمسح، فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار والمجرور في قوله: ﴿برؤسكم﴾ (٢) ، كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور. وكل ذلك ناشئ عن عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف، ولو وجد أحد القائلين بأحد التأويلين اسما مجرورا في رواية ومنصوبا في أخرى مما لا يتعلق به الاختلاف، ووجد قبله منصوبا لفظا ومجرورا: لما شك أن النصب عطف على المنصوب والجر عطف على المجرور، وإذا تقرر هذا؛ كان الدليل القرآني قاضيا بمشروعية كل واحد منهما على انفراده، لا على مشروعية الجمع بينهما؛ وإن قال به قائل - فهو من الضعف بمكان؛ لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة -.

стр. 151

انظر الأعضاء المتقدمة على هذا العضو من أعضاء الوضوء؛ فإن الله سبحانه شرع في الوجه الغسل فقط، وكذلك في اليدين، وشرع في الرأس المسح فقط؛ ولكن الرسول [ ﷺ ] قد بين للأمة أن المفروض عليهم هو غسل الرجلين لا مسحهما، فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه [ ﷺ ] ، وكلها مصرحة بالغسل، ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين، فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح؛ فالواجب الغسل بما وقع منه [ ﷺ ] من البيان المستمر جميع عمره (١) . وإن كان ذلك لا يوجب الإجمال؛ فقد ورد في السنة الأمر بالغسل ورودا ظاهرا؛ ومنه الأمر بتخليل الأصابع؛ فإنه يستلزم الأمر بالغسل؛ لأن المسح لا تخليل فيه، بل يصيب ما أصاب، ويخطئ ما أخطأ. والكلام على ذلك يطول جدا. والحاصل: أن الحق ما ذهب إليه الجمهور؛ من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح (١) . قال في " الحجة البالغة ": ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء، فأنكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر الآية (٢) ؛ فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول، وبين من أنكر غزوة بدر وأحد - مما هو كالشمس في رابعة النهار -. نعم؛ من قال بأن الاحتياط (٣) الجمع بين الغسل والمسح، أو أن أدنى

стр. 152

الفرض المسح - وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة على تركه -؛ فذلك أمر يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف جلية الحال. انتهى. قلت: ويدفعه ما تقدم من الدليل على عدم إجزاء المسح والجمع بينه وبين الغسل؛ فلا فائدة للتوقف في ذلك. (مع الكعبين) ؛ أي: مع القدمين للآية - وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم -؛ فالكلام في ذلك كالكلام في المرفقين، ولكنه لم يثبت في غسلهما عنه [ ﷺ ] مثل ما ثبت في المرفقين، وإذا تقرر أنه لا يتم الواجب إلا بغسلهما: ففي ذلك كفاية مغنية عن الاستدلال بدليل آخر. ( [شروط المسح على الخفين] :) (١ - [أن يلبسهما على طهارة] :) (وله المسح على الخفين) ، ويشترط في المسح عليهما: أن يكون أدخل رجليه فيهما وهما طاهرتان. قال الشافعي ﵀: يشترط كمال الوضوء عند اللبس. وقال أبو حنيفة ﵀: عند الحدث. ومسح أعلى الخف فرض، ومسح أسفله سنة عند الشافعي ﵀. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يمسح إلا الأعلى. وبالجملة: فوجهه ما ثبت تواتراً عن النبي [ ﷺ ] من فعله وقوله.

стр. 153

وقد قال الإمام أحمد ﵀: فيه أربعون حديثا، وكذلك قال غيره. وقال ابن أبي حاتم ﵀: إنه رواه عن النبي [ ﷺ ] من الصحابة (رض) (١) أحد وأربعون رجلا. وقال ابن عبد البر ﵀: أربعون رجلا. وقال ابن منده: إن الذين رووه من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عن النبي [ ﷺ ] ثمانون رجلا. ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك ﵀، أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة ﵃ اختلاف؛ لأن كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته. وقد ذكر أحمد ﵀ أن حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - في إنكار المسح باطل. وكذلك ما روي عن عائشة ﵂ وابن عباس ﵁ قد أنكره الحفاظ، ورووا عنهم خلافه. وكذلك ما روي عن علي ﵁ أنه قال: سبق الكتاب الخفين؛ فهو منقطع. وقد روى عنه مسلم ﵀، والنسائي ﵀ القول بالمسح

стр. 154

عليهما بعد موت النبي [ ﷺ ] . وقد روى الإمام المهدي (١) في " البحر " عن علي ﵁ القول بمسح الخفين. وقد ثبت في " الصحيح " من حديث جرير ﵁: أنه [ ﷺ ] مسح على الخفين؛ وإسلام جرير - رضي الله تعالى عنه - كان بعد نزول المائدة؛ لأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع. وقد روى المغيرة ﵁ عن النبي [ ﷺ ] المسح على الخفين، وأنه فعل ذلك في غزوة تبوك، وتبوك متأخرة عن المريسيع بالاتفاق. وقد ذكر البزار ﵀ أن حديث المغيرة ﵁ هذا رواه عنه ستون رجلا. وبالجملة: فمشروعية المسح على الخفين أظهر من أن يطول الكلام عليهما، ولكنه لما كثر الخلاف فيها وطال النزاع؛ اشتغل الناس بها، حتى جعلها بعض أهل العلم من مسائل الاعتقاد. (٢ - [أن يكون المسح مؤقتا] :) وقد ورد توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، وبيوم وليلة للمقيم. قال ابن القيم ﵀ في " إعلام الموقعين " (٢) : سئل رسول الله [ ﷺ ]

стр. 155

عن المسح على الخفين؟ فقال: " للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما "، وسأل رسول الله [ ﷺ ] أبي بن عمارة ﵁، فقال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: " نعم "، قال: يوما؟ قال: " ويومين "، قال: وثلاثة أيام؟ قال: " نعم، وما شئت ". ذكره أبو داود (١) ﵀. وطائفة قالت: هذا مطلق، وأحاديث التوقيت مقيدة، والمقيد يقضي على المطلق انتهى. وأما مسح الرقبة؛ فقد ورد من الروايات ما يصلح للتمسك به على مشروعية مسح الرقبة (٢) ، وقد بسطه المجتهد الرباني في " شرح المنتقى " (٣) ، وقد كاد يقع الإجماع بين أهل المذاهب على أنه بدعة. (٣ - [النية] :) (ولا يكون وضوءاً شرعياً إلا بالنية لاستباحة الصلاة) ؛ لحديث: " إنما الأعمال بالنيات " وهو في " الصحيحين " وغيرهما، وورد من طرق بألفاظ. قال في " التلخيص ": لم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة ﵏ من لم يخرجه؛ سوى مالك ﵀، فإنه لم يخرجه في " الموطأ "، وإن كان ابن دحية ﵀ وهم في ذلك، وادعى أنه في " الموطأ " (٤) .

стр. 156

قال الهروي: كتب هذا الحديث عن سبع مئة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء، حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا، هذا ما كنت وقفت عليه؛ ثم إن في " المستخرج لابن منده " ﵀ عدة طرق، فضممتها إلى ما عندي، فزادت على ثلاث مئة طريق. انتهى. فإن كان المقدر عاما (١) فهو يفيد أنه لا يثبت العمل الشرعي إلا بها، وإن كان خاصا؛ فأقرب ما يقدر الصحة، وهي تفيد ذلك. قال في " الفتح ": " وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقاصد، واختلفوا في الوسائل ". ومن ثم خالفت الحنفية ﵏ في اشتراطها للوضوء، ورد ابن القيم ﵀ على الحنفية ﵏ بأحد وخمسين وجها في " إعلام الموقعين " فليرجع إليه. وقد نسب القول بفرضية النية إلى الشافعي ﵀، ومالك ﵀، والليث ﵀، وربيعة ﵀، وأحمد بن حنبل ﵀، وإسحاق بن راهويه ﵀. ( [فصل: سنن الوضوء] ) (١ - [التثليث] ) (ويستحب التثليث) : وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه

стр. 157

[ ﷺ ] غسل كل عضو ثلاث مرات، وبيّن أن الواجب مرة واحدة. (في غير الرأس) : لأن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح فيها بإفراد مسح الرأس، ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه (١) . ( [بيان حكم الترتيب] :) وأما الترتيب: فمن جملة ما استدل به القائل بوجوب الترتيب: أن الآية مجملة باعتبار أن (الواو) لمطلق الجمع على أي صفة كان؛ فبيّن النبي [ ﷺ ] للأمة أن الواجب من ذلك هيئة مخصوصة هي المروية عنه، وهي مرتبة. وأيضا؛ الوضوء الذي قال فيه [ ﷺ ] : " لا يقبل الله الصلاة إلا به " كان مرتبا (٢) ؛ والحديث المذكور - وإن كان في جميع طرقه مقال -؛ لكنها يقوي بعضها بعضا؛ ويؤيده ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم مرفوعا عن أبي هريرة: " إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم " (٣) : قال ابن دقيق العيد: هو خليق بأن يصح. وقد حقق الكلام على هذا شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ". (٢ - [إطالة الغرة والتحجيل] :) (وإطالة الغرة والتحجيل) : لثبوته في الأحاديث الصحيحة، كقوله [ ﷺ ] :

стр. 158

" إن أمتي يُدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء " (١) ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. (٣ - [السواك] :) (وتقديم السواك استحباباً) : وجهه الأحاديث المتواترة من قوله [ ﷺ ] وفعله، وليس في ذلك خلاف. قال في " الحجة ": " قوله [ ﷺ ] : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "؛ معناه: لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا للصلاة كالوضوء؛ وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جدا؛ وهي دلائل واضحة على أن لاجتهاد النبي [ ﷺ ] مدخلاً في الحدود الشرعية، وأنها منوطة بالمقاصد، وأن رفع الحرج من الأصول التي بُني عليها الشرائع. وقول الراوي في صفة تسوكه [ ﷺ ] : يقول: أع أع؛ كما يتهوع. أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصي الفم، فيخرج بلاغم الحلق والصدر، والاستقصاء في السواك يذهب بالقُلاع ويصفي الصوت ويطيب النكهة ". انتهى. (٤ - [غسل الكفين ثلاثاً] :) (وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة) :

стр. 159

لحديث أوس بن أوس الثقفي، قال: رأيت رسول الله [ ﷺ ] توضأ، فاستوكف ثلاثاً "؛ أي: غسل كفيه، أخرجه أحمد ﵀، والنسائي ﵀. وثبت في " الصحيحين " من حديث عثمان ﵁: " فأفرغ على كفيه ثلاث مرات يغسلهما ". وثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ يروونه عن النبي [ ﷺ ] . (فصل: [نواقض الوضوء] ) (١ - [خروج شيء من أحد السبيلين] :) (وينتقض الوضوء بما خرج من الفرجين من عين أو ريح) : فقد وردت الأدلة بذلك مثل حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ "، وقد فسره أبو هريرة ﵁ لما قال له رجل: ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. ومعنى الحدث أعم مما فسره به، ولكنه نبه بالأخف على الأغلظ. ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك. (٢ - [الجماع] :) (وبما يوجب الغسل) في الجماع، ولا خلاف في انتقاضه به أيضا.

стр. 160

(٣ - [نوم المضطجع] :) (ونوم المضطجع) : وجهه أن الأحاديث الواردة بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث: " من نام فليتوضأ " مقيدة بما ورد أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع، وقد روي من طرق متعددة، والمقال الذي فيها ينجبر بكثرة طرقها (١) ؛ وبذلك يكون الجمع بين الأدلة المختلفة. وفي ذلك ثمانية مذاهب استوفيناها في " مسك الختام شرح بلوغ المرام "، واستوفاها الماتن في " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار "، وذكر الأحاديث المختلفة وتخريجها، وترجيح ما هو الراجح. قال الشافعي ﵀: النوم ينقض الوضوء إلا نوم ممكِّن مقعدته.

стр. 161

وقال أبو حنيفة ﵀: لو نام قائماً أو قاعداً أو ساجداً؛ لا وضوء عليه، حتى ينام مضطجعاً أو متكئاً ". كذا في " المسوى ". (٤ - [أكل لحم الإبل] :) (وأكل لحم الإبل) : وجهه قوله [ ﷺ ]- لما قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ - قال: " نعم "، وهو في " الصحيح " من حديث جابر بن سمرة ﵁. وقد روي - أيضا - من طريق غيره. وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، واستدلوا بالأحاديث التي نسخت الأحاديث الواردة في الوضوء مما مست النار. ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء منها منسوخاً. وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل ﵀، وإسحاق بن راهويه ﵀، ويحيى بن يحيى ﵀، وابن المنذر ﵀، وابن خزيمة ﵀، والبيهقي ﵀، وحكي عن أصحاب الحديث ﵏، وحكي عن جماعة من الصحابة ﵃ كما قال النووي ﵀. قال البيهقي ﵀ حكي عن بعض أصحابنا عن الشافعي

стр. 162

- ﵀ أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي ﵀: قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة ﵁، وحديث البراء ﵁. قال في " الحجة ": " وأما لحم الإبل فالأمر فيه أشد، لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة ﵃ والتابعين ﵃ ولا سبيل إلى الحكم بنسخه، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج (١) ، وقال به أحمد (رح) (٢) ، وإسحاق (رح) ؛ وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان. والله أعلم ". وقد أطال ابن القيم (رح) في " إعلام الموقعين " (٣) في إثبات النقض به. أقول: الإنصاف في هذا أن لحوم الإبل ناقضة للوضوء، وحديث النقض من الصحة بمكان يعرفه من يعرف هذا الشأن: أخرجه مسلم و " أهل السنن "، وصححه جماعة من غيرهم؛ ولم يأت عنه [ ﷺ ] ما يخالف هذا من قول أو فعل أو تقرير، وإلى هذا التخصيص ذهب جماعة من أهل العلم - كما تقدم -. ومن أراد الاطلاع على مذاهب العلماء وأدلتهم في هذه المسألة؛ فهي مستوفاة في مؤلفات شيخنا العلامة الشوكاني. وأما حمل الوضوء على غسل اليد؛ فالواجب علينا حمل ألفاظ الشارع

стр. 163

على الحقائق الشرعية إن وجدت، وهي ههنا موجودة؛ فإنه في - لسان الشارع وأهل عصره -؛ لغسل أعضاء الوضوء لا لغسل اليد فقط. ولم يصح من أحاديث الغسل قبل الطعام وبعده شيء (١) . (٥ - [القيء] :) (والقيء) : وجهه ما روي عنه [ ﷺ ] : أنه قاء فتوضأ (٢) ؛ أخرجه أحمد (رح) ، و " أهل السنن " (رح) . قال الترمذي: هو أصح شيء في الباب. وصححه ابن منده (رح) . وليس فيه ما يقدح في الاحتجاج به، ويؤيده أحاديث، منها: حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -، عنه [ ﷺ ] : " من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي؛ فلينصرف فليتوضأ "؛ وفي إسناده إسماعيل بن عياش؛ وفيه مقال (٣) . وفي الباب عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، والمجموع ينتهض للاستدلال به. وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة (رح) ، وأصحابه (رح) .

стр. 164

وذهب الشافعي (رح) وأصحابه (رح) إلى أنه غير ناقض، وأجابوا عن أحاديث الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين! ولا يخفى أن الحقيقة الشرعية مقدمة. وفي " الحجة البالغة ": قال إبراهيم (رح) بالوضوء من الدم السائل والقيء الكثير، والحسن (رح) بالوضوء من القهقهة في الصلاة، ولم يقل بذلك آخرون، وفي كل حديث لم يُجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه. والأصح في هذه أن من احتاط فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن لا: فلا سبيل عليه في صراح الشريعة. والدم السائل والقيء الكثير ملوثان للبدن مبلدان للنفس، والقهقهة في الصلاة خطيئة تحتاج إلى كفّارة، فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه، ولا عجب أن يأمر ويرغب فيه من غير عزيمة. وفي " المسوى ": قال الشافعي ﵀: خروج النجاسة من غير الفرجين لا يوجب الوضوء. وقال أبو حنيفة ﵀: يوجبه بشرطه. انتهى (١) .

стр. 165

( [القلس والرعاف] :) (ونحوه) والمراد بنحو القيء: هو القلس والرعاف، والخلاف في القلس كالخلاف في القيء. قال الخليل (١) : هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه - وليس بقيء -. وفي " النهاية ": القلس ما خرج من الجوف، ثم ذكر مثل كلام الخليل. وأما الرعاف فقد ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة ﵀، وأبو يوسف ﵀، ومحمد ﵀، وأحمد بن حنبل ﵀، وإسحاق ﵀، وقيدوه بالسيلان. وذهب ابن عباس ﵁، ومالك ﵀، والشافعي ﵀ وروي عن ابن أبي أوفى ﵁، وأبي هريرة ﵁، وجابر بن زيد ﵁، وابن المسيب ﵀، ومكحول ﵀، وربيعة ﵀ إلى أنه غير ناقض. وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال، وبالمعارضة بمثل حديث: أن النبي [ ﷺ ] احتجم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه؛ رواه الدارقطني (٢) ﵀، وفي إسناده صالح بن مقاتل، وهو ضعيف. ويُجاب عن الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه (٣) ، وعن المعارضة بأنها غير

стр. 166

صالحة للاحتجاج، وبأن دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه من الأعماق تأثير في النقض. في " المسوى " قال الشافعي ﵀: الرعاف والحجامة لا ينقضان الوضوء. وقال أبو حنيفة ﵀: ينقضان إذا كان الدم سائلاً. وقال مالك ﵀: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا دم ولا من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم. (١) انتهى. أقول: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم، وجميع ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها، وقد تقرر أن كون الشيء ناقضاً للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج؛ وإلا وجب البقاء على الأصل؛ لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله، وإلا فليس بشرع. ومع هذا؛ فقد كان الصحابة ﵃ يباشرون مع معارك القتال ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ما هو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس، فلو كان خروج الدم ناقضاً: لما ترك [ ﷺ ] بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه، وكثرة الحامل عليه. ومثل الدم القيء في عدم ورود دليل يدل على أنه ناقض، وغاية ما

стр. 167

هناك حديث إسماعيل بن عياش، وفيه من المقال ما لا يخفى. (٦ - [مس الذكر] :) (ومس الذكر) : وقد دل على ذلك حديث بسرة بنت صفوان ﵂، أن النبي [ ﷺ ] قال: " من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ "؛ رواه أحمد ﵀، وأهل " السنن " ﵏، ومالك ﵀، والشافعي ﵀، وابن خزيمة ﵀، وابن حبان ﵀، والحاكم ﵀، وابن الجارود. وصححه أحمد ﵀، والترمذي ﵀، والدارقطني ﵀، ويحيى بن معين ﵀، والبيهقي ﵀، والحازمي ﵀، وابن حبان ﵀، وابن خزيمة ﵀. قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ﵃؛ منهم: جابر ﵁، وأبو هريرة ﵁، وأم حبيبة ﵂، وعبد الله بن عمر ﵄، وزيد بن خالد ﵁، وسعد بن أبي وقاص ﵁، وعائشة ﵂، وابن عباس ﵄، ابن عمرو ﵄، والنعمان بن بشير ﵁، وأنس ﵁، وأبي بن كعب، ومعاوية بن حيدة (١) - رضي

стр. 168

الله عنه -، وقبيصة ﵁، وأروى بنت أُنيس (١) ﵂ (٢) . وحديث بسرة ﵂ بمجرده أرجح من حديث طلْق بن علي ﵁ عند أهل " السنن " ﵏ مرفوعاً، بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال [ ﷺ ] : " إنما هو بضعة منك "؛ فكيف إذا انضم إلى حديث بسرة ﵂ أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه؟ ﴿ ومن مال إلى ترجيح حديث طلق: فلم يأت بطائل﴾ وقد تقرر في الأصول: أن رواية الإثبات أولى من رواية النفي، وأن المقتضي للحظر أولى من المقتضي للإباحة. قد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين ﵃، والأئمة ﵏، ومالوا إلى العمل بحديث بسرة؛ لتأخر إسلامها. وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك. والحق الانتقاض. وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج؛ وهو أعم من

стр. 169

القُبُل والدُبُر، كما أخرجه ابن ماجه ﵀ من حديث أم حبيبة ﵂، قالت: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " من مس فرجه فليتوضأ "، وصححه أحمد ﵀، وأبو زرعة ﵀، وقال ابن السكن ﵀: لا أعلم له علة. وأخرج الدارقطني ﵀ من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: " إذا مسّت إحداكن فرجها فلتتوضأ "؛ وفي إسناد عبد الرحمن بن عبد الله العمري؛ وفيه مقال (١) . وأخرج أحمد ﵀، والترمذي ﵀، والبيهقي ﵀، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: عن النبي [ ﷺ ] قال: " أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ "، وفي إسناده بقية بن الوليد، ولكنه صرح بالتحديث (٢) . قال في " المسوى ": قال الشافعي ﵀: يجب الوضوء على من مس الفرج، وشرطه أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع. وقال أبو حنيفة ﵀: مس الفرج لا ينقض؛ واحتج بقوله [ ﷺ ] : " هل هو إلا بضعة منك؟ ! ". انتهى. قالوا: إن مس الفرج لما كانت حاجة الناس إليه عامة، والبلوى به دائمة: وجب أن ينقل شرعاً ثابتاً متواتراً مستقراً.

стр. 170

أقول: قد وقع في الأصول أن الحكم الذي تعم به البلوى لا بد أن يُنقل نقلاً مستفيضاً؛ والقائل بذلك بعض الحنفية. وخالفهم الجمهور لعموم الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد. وهذه القاعدة كثيراً ما ترى المشغوفين بمحبة ما ألفوه من مذاهب الأسلاف يدفعون بها الحجج الشرعية التي يوردها خصومهم ﴿ فإذا استدلوا لأنفسهم على إثبات حكم قد دأبوا عليه ودرجوا، وصار عندهم من المألوفات المعروفات: مالوا عن ذلك ولم يُعرِّجوا عليه، وهذا ستراه في غير موطن من كتب المتمذهبين، فإن كنت ممن لا تنفق عليه التدليسات، ولا يغره سراب التلبيسات: فلا تلعب بك الرجال من حال إلى حال بزخارف ما تنمقه من الأقوال. (فكن رجلا رِجْله في الثَّرى ... وهامة همته في الثُرَيّا) ولا حرج على المجتهد إذا رجح غير ما رجحناه؛ إنما الشأن في التكلم في مواطن الخلاف بما يتبرأ منه الإنصاف، اللهم﴾ بصرنا بالصواب، واجعل بيننا وبين العصبية من لطفك أمنع حجاب. وفي " الحجة البالغة ": " موجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات: إحداها: ما اجتمع عليه جمهور الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، وتطابق فيه الرواية والعمل الشائع، وهو البول والغائط والريح والمذي والنوم الثقيل وما في معناها.

стр. 171

الثانية: ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين ﵃، وتعارض فيه الرواية عن النبي [ ﷺ ] ؛ كمس الذكر لقوله [ ﷺ ] : " من مس ذكره فليتوضأ "؛ قال به عمر وسالم وعروة وغيرهم ﵃، ورده علي وابن مسعود ﵄ وفقهاء الكوفة، ولهم قوله [ ﷺ ] : " هل هو إلا بضعة منك؟ ! "؛ ولم يجيء الثلج (١) بكون أحدهما منسوخاً. ( [لمس المرأة لا ينقض الوضوء] :) ولمس المرأة، قال به عمر وابن مسعود وإبراهيم ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ (٢) ، ولا يشهد له حديث، بل يشهد حديث عائشة ﵂ بخلافه، لكن فيه نظر؛ لأن في إسناده انقطاعاً (٣) . وعندي أن مثل هذه العلة إنما تعتبر في مثل ترجيح أحد الحديثين على الآخر، ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض. والله تعالى أعلم. وبالجملة: فجاء الفقهاء من بعدهم على ثلاث طبقات: آخذ به على ظاهره، وتارك له رأساً، وفارق بين الشهوة وغيرها. ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء شهوة دون شهوة

стр. 172

الجماع، أن مس الذكر فعل شنيع، ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه في الاستنجاء، فإذا كان قبضاً عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة. والثالثة: ما وُجد فيه شبهة من لفظ الحديث؛ وقد أجمع الفقهاء من الصحابة والتابعين - رضي الله تعالى عنهم - على تركه. ( [الوضوء مما مسته النار منسوخ] :) كالوضوء مما مست النار؛ فإنه ظهر عمل النبي [ ﷺ ] ، والخلفاء، وابن عباس، وأبي طلحة وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - بخلافه، وبيّن جابر ﵁ أنه منسوخ. قلت: " عامة أهل العلم على أن الوضوء مما مسته النار منسوخ، وتأول بعضهم على غسل اليد والفم، قال قتادة ﵁: من غسل فمه فقد توضأ ". كذا في " المسوى ".

стр. 173

(٥ - باب الغسل) ( [الفصل الأول: موجبات الغسل] ) (١ - [خروج المني] : وأصله تعميم البدن بالغسل:) (يجب بخروج المني بشهوة ولو بتفكر) وقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث: " الماء من الماء "، وأحاديث: " في المني الغسل "، وصدق اسم الجنابة على من كان كذلك؛ وقد قال الله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ ، والاطهار استيعاب جميع البدن، بالغسل (١) . كذا في " المسوى ". ولا أعلم في ذلك خلافاً، وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وكذلك بين من بعدهم: هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج مني أم لا يجب إلا بخروج المني؟ والحق: الأول لحديث: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل "؛ أخرجه البخاري، ومسلم وغيرهما ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرج نحوه مسلم، وأحمد، والترمذي - رحمهم الله تعالى، وصححه - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -.

стр. 174

فهذان الحديثان - وما ورد في معناهما - ناسخان لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المني. ويدل على ذلك حديث أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه -، قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: " الماء من الماء " رخصة كان رسول الله [ ﷺ ] رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. وأخرج مسلم (١) - رحمه الله تعالى - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن رجلا سأل رسول الله [ ﷺ ] عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل - وعائشة - رضي الله تعالى عنها - جالسة -؟ فقال رسول الله [ ﷺ ] : " إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل ". وقال في " الحجة البالغة ": " اختلف أهل الرواية هل يُحمل الإكسال - أي: الجماع من غير إنزال - على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة - أعني ما يكون معه الإنزال -؟ والذي صح رواية، وعليه جمهور الفقهاء: هو أن من جهد فقد وجب عليهما الغسل، وإن لم ينزل. واختلفوا في كيفية الجمع بين هذا الحديث، وحديث: " إنما الماء من الماء ": فقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: للاحتلام.

стр. 175

وفيه ما فيه ﴿لأنه يأباه سبب ورود الحديث كما أخرجه مسلم. وقال أبي - رضي الله تعالى عنه -: كانت رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها. وقد روي (١) عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب وأبي أيوب - رضي الله تعالى عنهم - فيمن جامع امرأته ولم يُمْن، قالوا: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره "، ورفع ذلك إلى النبي [ ﷺ ] . ولا يبعد عندي أن يُحمل ذلك على المباشرة الفاحشة؛ فإنه قد يطلق الجماع عليها. قلت: على هذا أكثر أهل العلم: أن غسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بإدخال الحشفة في الفرج، أو بخروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة. (٢ - [التقاء الختانين] :) (بالتقاء الختانين) وعلى هذا أكثر أهل العلم: أن من جامع امرأته فغيّب الحشفة؛ وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل. والختان: موضع القطع من ذكر الغلام، ونواة (٢) الجارية.

стр. 176

(٣ -[انقطاع الحيض] ، ٤ -[والنفاس] :) (وب انقطاع الحيض والنفاس) ولا خلاف في ذلك. وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة، وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بانقطاع النفاس. (٥ - [الاحتلام مع وجود بلل] :) (و) كذلك وقع الإجماع على وجوبه (بالاحتلام) ؛ إلا ما يُحكى عن النخعي - رحمه الله تعالى -، ولكنه إنما يجب إذا وجد المحتلم بللاً. (مع وجود بلل) : كما في حديث عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله [ ﷺ ] عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال: " يغتسل "، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه "؛ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ﵏ ورجاله رجال الصحيح؛ إلا عبد الله بن عمر العمري؛ وفيه مقال خفيف (١) . وأخرج نحوه أحمد والنسائي - رحمهما الله - من حديث خولة بنت حكيم - رضي الله تعالى عنها -. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما - رحمهم الله تعالى - من حديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -: أن أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت:

стр. 177

يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: " نعم؛ إذا رأت الماء ". وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك. والمراد من البلل المني، فإن رأى بللاً ولم يتيقن أنه مني؛ لم يجب الغسل عند أكثر أهل العلم. قال في " الحجة ": " أراد الحكم على البلل دون الرؤيا؛ لأن الرؤيا تكون تارة حديث نفس، ولا تأثير له، وتارة تكون قضاء شهوة، ولا تكون بغير بلل، فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل. وأيضا؛ فإن البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط، وأما الرؤيا فإنها كثيراً ما تُنسى ". انتهى. (٦ - [الموت] :) (وبالموت) : المراد وجوب ذلك على الأحياء؛ إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن؛ أي: يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات. وقد حكى المهدي في " البحر " والنووي ﵀، الإجماع على وجوب غسل الميت، وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية. وسيأتي الكلام على غسل الميت، وصفته وتفاصيله - إن شاء الله تعالى -.

стр. 178

وفي " الحجة ": وأما غسل الميت: فلأن الرشاش ينتشر في البدن. وجلست عند محتضر، فرأيت أن الملائكة الموكلة بالقبض لها نكاية عجيبة في المحتضرين، ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة لتنبه النفس لمخالفها. (٧ - [إسلام الكافر] :) (وبالإسلام) : وجهه ما أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، وابن خزيمة ﵏ عن قيس بن عاصم ﵁: أنه أسلم، فأمره النبي [ ﷺ ] أن يغتسل بماء وسدر. وصححه ابن السكن ﵀. وأخرج أحمد وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁ أن ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، فقال النبي [ ﷺ ] : " اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل " (١) . وأصله في " الصحيحين "، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنه اغتسل. قال في " الحجة ": قال (٢) لآخر: " ألق عنك شعر الكفر "؛ وسره أن يتمثل عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى. وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه ﵏.

стр. 179

وذهب الشافعي ﵀ إلى عدم الوجوب. والحق الأول. ويؤيده ما وقع منه [ ﷺ ] من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع، وقتادة الرهاوي ﵁ كما أخرجه الطبراني ﵀، وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب ﵁، كما أخرجه الحاكم ﵀ في " تاريخ نيسابور "؛ وفي أسانيدها مقال (١) . ( [الفصل الثاني: كيفية الغسل] ) ( [تعريف الغسل] :) (والغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو ينغمس فيه) أقول: الغسل شرعاً ولغة هو ما ذُكر. وقد وقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل؛ ولكنه لا يخفى أن مجرد بل الثوب أو البدن من دون دلك لا يسمى غسلاً، كما يفهم ذلك من الاستعمالات العربية، وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي: أنه [ ﷺ ] أتبعه الماء ولم يغسله؛ وهو في " صحيح مسلم " ﵀، وغيره. ( [وجوب المضمضة والاستنشاق] :) (مع المضمضة والاستنشاق) : فقد ثبتا في الغسل من فعله [ ﷺ ] ، ووجه الوجوب ما قدمناه في الوضوء.

стр. 180

وفيهما وفي السواك إزالة المخاط والبَخر. (والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعياً إلا بالنية لرفع موجبه) لما قدمناه في الوضوء. ( [مندوبية الوضوء قبل الغسل ما عدا غسل القدمين] :) (ونُدب) لا أنه وجب؛ لأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقدم. (تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين) : لما قد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أنه كان [ ﷺ ] إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على سائر جسده، ثم يغسل رجليه، وهو من حديث عائشة ﵂. وورد في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ميمونة ﵂ بلفظ: أنه [ ﷺ ] أفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه، فغسل قدميه. وثبت عنه [ ﷺ ] : أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل، كما أخرجه أحمد وأهل " السنن " ﵏. وقال الترمذي ﵀: حسن صحيح.
следующие страницы →