← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1541–1572 · переход к 1546.

стр. 1541

يقسمون خراجها بينهم. وقد ذهب إلى ما ذكرناه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون. وأخرج مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أيما قرية أتيتموها، فأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم ". أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين - من خراج، ومعاملة، وجزية، وصلح، وغير ذلك - ينبغي تفويض قسمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النصح لرعيته، ويبذل جهده في مصالحهم، فيقسم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها، ولا يلزمه في ذلك سلوك طريق معينة سلكها السلف الصالح؛ فإن الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. فإن رأى الصلاح في تقسيم ما حصل في بيت المال في كل عام؛ فعل، وإن رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر، أو الأسبوع، أو اليوم؛ فعل. ثم إذا فاض من بيت مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخر لدفع ما ينوبهم؛ جعل ذلك في مناجزة الكفرة، وفتح ديارهم، وتكثير جهات المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح؛ فإن تقوية جيوش المسلمين هي الأصل الأصيل في دفع المفاسد، وجلب المصالح.

стр. 1542

ومن أعظم موجبات تكثير بيت المال، وتوسيع دائرته العدل في الرعية، وعدم الجور عليهم، والقبول من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم. وهذا معلوم بالاستقراء في جميع دول الإسلام والكفر، فما عدل ملك في رعيته؛ إلا ونال بعدله أضعاف أضعاف ما يناله الجائر بجوره، مع ما في العدل من السلامة من انتقام الرب في هذه الدار، أو في دار الآخرة؛ فإنها جرت عادة الله - سبحانه - بمحق نظام الظلم، وخراب بنيانه، وهدم أساسه حتى صارت دول الظلمة من أعظم العبر للمعتبرين؛ فإنه لا بد أن يحل بهم من نكال الله وسخطه ما يعرفه من له فطنة واعتبار وتفكر، ومن نظر في تواريخ الدول؛ رأى من هذا ما يقضي منه العجب. فالحاصل: أن الظالم ممن خسر الدنيا والآخرة: أما خسران الآخرة؛ فواضح معلوم من هذه الشريعة بالضرورة. وأما خسران الدنيا؛ فهو وإن تم له منها نصيب نزر فهو على كدر وتخوف، ونغص وتحيل، ووحشة من رعيته، فلا يزال متوقعا لزوال ملكه في كل وقت بسبب ما قد فعله بهم، وهم مع ذلك على بغضه، وهو منطو على بغضهم، وينضم إلى ذلك كله تناقص الأمر، وخراب البلاد، وهلاك الرعية، وفقر أغنيائهم، ففي كل عام هو في نقص؛ مع ما جرت به عادة الله من قصم الظلمة وهلاكهم في أيسر مدة. فأقل الملوك مدة أشدهم بطشا وأكثرهم ظلما، وهذا هو الغالب، وما

стр. 1543

خالفه فنادر. فأين حال هؤلاء الظلمة في الدين والدنيا من حال الملوك العادلين بالرعية، المحبوبين عندهم، الممتعين بلذة العدل؛ مع لذة العيش الصافي عن كدر المخاوف؛ التي لا يأمن الظلمة هجومها عليهم في كل وقت؟ ! ولو لم يكن من ذلك كله إلا الأمن من عقاب الله وانتقامه؛ بل الرجاء في ثوابه وجزيل إفضاله، وما وعد به العادلين في الآخرة؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لكان مغنيا. ( [بيان أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا] :) (ومن أمنه أحد المسلمين؛ صار آمنا) ؛ لحديث علي عند أحمد (١) وأبي داود، والنسائي، والحاكم، عن النبي ﷺ ، قال: " ذمة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم ". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - مرفوعا - بلفظ: " يد المسلمين على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم،

стр. 1544

ويرد عليهم أقصاهم (١) ، وهم يد على من سواهم ". وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث ابن عمر مطولا. وأخرجه ابن ماجه من حديث - معقل بن يسار - مختصرا - بلفظ: " المسلمون يد على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم ". وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة - مختصرا - أيضا -. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - أيضا - بلفظ: " إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". وهو في " الصحيحين " من حديث علي. وأخرجه البخاري من حديث أنس. وفي الباب أحاديث. وقد أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا. قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة ". انتهى.

стр. 1545

وأما العبد؛ فأجاز أمانه الجمهور. وأما الصبي؛ فقال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن أمان الصبي غير جائز ". انتهى. وأما المجنون؛ فلا يصح أمانه بلا خلاف. قلت: إنما يصح الأمان من آحاد المسلمين؛ إذا أمن واحدا أو اثنين. فأما عقد الأمان لأهل ناحية على العموم؛ فلا يصح إلا من الإمام؛ على سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة، كعقد الذمة، ولو جعل ذلك لآحاد الناس؛ صار ذريعة إلى إبطال الجهاد. ( [بيان أن الرسول كالمؤمِّن] :) (والرسول كالمؤمن) ؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد (١) ، وأبي داود والنسائي، والحاكم: أن رسول الله ﷺ قال لرسولَي مسيلمة: " لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: أن رسول الله ﷺ قال لهما: " والله؛ لولا أن

стр. 1546

الرسل لا تقتل؛ لضربت أعناقكما ". وقد أخرج أحمد (١) ، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان - وصححه -: أن رسول الله ﷺ قال لأبي رافع لما بعثته قريش إليه، فقال: يا رسول الله ﴿لا أرجع إليهم، فقال له رسول الله ﷺ : " إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن - يعني: الإسلام -؛ فارجع ". ( [توسيط القول في جواز مهادنة الكفار] :) (وتجوز مهادنة الكفار) وملوكهم وقبائلهم؛ إذا اجتهد الإمام وذوو الرأي من المسلمين، فعرفوا نفع المسلمين في ذلك، ولم يخافوا من الكفار مكيدة. (ولو بشرط، وإلى أجل أكثره عشر سنين) ؛ لحديث أنس عند مسلم، وغيره: أن قريشا صالحوا النبي ﷺ ؛ فاشترطوا عليه: أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله﴾ أنكتب (٢) هذا؟ قال: " نعم؛ إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا ". وهو في " البخاري "، وغيره من حديث المسور بن مخرمة، ومروان

стр. 1547

- مطولا -، وفيه: أن مدة الصلح بينه ﷺ وبين قريش عشر سنين. وقد اختلف أهل العلم في جواز مصالحة الكفار على رد من جاء منهم مسلما، وفعله ﷺ قد دل على جواز ذلك، ولم يثبت ما يقتضي نسخه. ( [بيان قدر مدة الصلح مع الكفار] :) وأما قدر مدة الصلح؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين؛ لأن الله - سبحانه - قد أمرنا بمقاتلة الكفار في كتابه العزيز، فلا يجوز مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها، ولكنه لما وقع ذلك من النبي ﷺ ؛ كان دليلا على الجواز إلى المدة التي وقع الصلح عليها، ولا تجوز الزيادة عليها رجوعا إلى الأصل، وهو وجوب مقاتلة الكفار ومناجزتهم الحرب. وقد قيل: إنها لا تجوز مجاوزة أربع سنين، وقيل: ثلاث سنين، وقيل: لا تجوز مجاوز سنتين. ( [تفصيل القول في جواز تأبيد المهادنة بالجزية] :) (ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية) ؛ لما تقدم من أمره ﷺ بدعاء الكفار إلى إحدى ثلاث خصال؛ منها الجزية. وحديث عمرو بن عوف الأنصاري - في " الصحيحين "، وغيرهما -: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين، أمر

стр. 1548

عليهم العلاء ابن الحضرمي. وأخرج أبو عبيد (١) ، عن الزهري - مرسلا - قال: قبل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين، وكانوا مجوسا. وأخرج أبو داود (٢) من حديث أنس: أن النبي ﷺ بعث خالدا إلى أكيدر دومة (٣) ، فأخذوه فأتوا به، فحقن دمه، وصالح على الجزية. وأخرج أبو عبيد في كتاب " الأموال "، عن الزهري: أن أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى. وقد جعل النبي ﷺ على أهل اليمن؛ على كل حالم دينارا كل سنة، أو قيمته من المعافري (٤) ، يعني: أهل الذمة منهم؛ رواه الشافعي في " مسنده " عن عمر بن عبد العزيز، وهو ثابت في حديث معاذ المشهور عند أبي داود. وأخرج البخاري، وغيره من حديث المغيرة بن شعبة: أنه قال لعامل كسرى: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية.

стр. 1549

وأخرج البخاري عن ابن أبي نجيح، قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير؛ وأهل اليمن عليهم دينار؟ ﴿قال: جعل ذلك من قبيل اليسار. وقد وقع الاتفاق على أنها تقبل الجزية من كفار العجم؛ من اليهود، والنصارى، والمجوس. قال مالك والأوزاعي وفقهاء الشام: إنها تقبل من جميع الكفار؛ من العرب وغيرهم (١) . وقال الشافعي: إن الجزية تقبل من أهل الكتاب؛ عربا كانوا أو عجما، ويلحق بهم المجوس في ذلك. وقد استدل من لم يجوز أخذها إلا من العجم فقط؛ بما وقع في حديث ابن عباس عند أحمد (٢) ، والترمذي - وحسنه -: أن النبي ﷺ قال لقريش؛ أنه يريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، ويؤدي إليهم بها العجم الجزية؛ يعني: كلمة الشهادة.

стр. 1550

وليس هذا مما ينفي أخذ الجزية من العرب؛ ولا سيما مع قوله ﷺ في حديث سليمان بن بريدة - المتقدم -: " وإذا لقيت عدوك من المشركين؛ فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - "، وفيها الجزية. قال في " المسوى " - في باب أخذ الجزية من أهل الكتاب -: " قال - تعالى -: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ . قلت: عليه أهل العلم في الجملة. وقال الشافعي: الجزية على الأديان لا على الأنساب؛ فتؤخذ من أهل الكتاب؛ عربا كانوا أو عجما، ولا تؤخذ من أهل الأوثان. والمجوس لهم شبهة كتاب. وقال أبو حنيفة: لا يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف. وفي حديث ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عمر بن الخطاب أخذها من البربر (١) . وفي حديث جعفر بن علي بن محمد، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ ! فقال عبد الرحمن بن

стр. 1551

عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول لهم: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (١) . قلت: وعليه أهل العلم. قال مالك: مضت السنة: أن لا جزية على نساء أهل الكتاب (٢) ، ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم. قلت: وعليه أهل العلم. ( [بيان مقدار الجزية] :) وأما قدرها: فضرب عمر بن الخطاب الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورق: أربعين درهما؛ مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. قلت: قد صح (٣) من حديث معاذ؛ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل حالم دينار أو عدله معافريا. فاختلفوا في الجمع بينه وبين حديث عمر:

стр. 1552

فقال الشافعي: أقل الجزية دينار على كل بالغ في كل سنة، ويستحب للإمام المماسكة ليزداد، ولا يجوز أن ينقص من دينار، وأن الدينار مقبول من الغني والمتوسط والفقير. وتأول أبو حنيفة حديث عمر على الموسرين، وحديث معاذ على الفقراء؛ لأن أهل اليمن أكثرهم فقراء، فقال: على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط ديناران، وعلى كل فقير دينار. وعن عمر بن عبد العزيز: من مر بك من أهل الذمة؛ فخذ بما يديرون به من التجارات؛ من كل عشرين دينار؛ فما نقص فبحساب ذلك؛ حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثلث دينار؛ فدعها ولا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول. قلت: عليه أبو حنيفة. وقال الشافعي: الذي يلزم اليهود والنصارى من العشور: هو ما صولحوا وقت عقد الذمة (١) . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون. قلت: عليه أبو حنيفة.

стр. 1553

وقال الشافعي: لا تسقط بالإسلام ولا بالموت؛ لأنه دين حل عليه كسائر الديون ". انتهى. ( [بيان منع المشركين وأهل الذمة من توطن جزيرة العرب] :) (ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون من (١) جزيرة العرب) ؛ لحديث ابن عباس - في " الصحيحين "، وغيرهما -: أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم "، ونسيت الثالثة - والشك (٢) من سليمان الأحول -. وأخرج مسلم، وغيره من حديث عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب،؛ حتى لا أدع فيها إلا مسلما ". وأخرج أحمد من حديث عائشة: أن آخر ما عهد رسول الله ﷺ : أن قال: " لا يترك بجزيرة العرب دينان ": وهو من رواية ابن إسحاق؛ قال: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنها (٣) .

стр. 1554

والأدلة - هذه - قد دلت على إخراج كل مشرك من جزيرة العرب؛ سواء كان ذميا أو غير ذمي، وقيل: إنما يمنعون من الحجاز فقط؛ استدلالا بما أخرجه أحمد (١) ، والبيهقي من حديث أبي عبيدة بن الجراح، قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ". وهذا لا يصلح لتخصيص العام؛ لما تقرر في الأصول من أن التخصيص بموافق العام لا يصح. وقد حكى ابن حجر في " فتح الباري " عن الجمهور: أن الذي يمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة؛ قال: وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها؛ لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم الجزيرة (٢) . وعن الحنفية: يجوز مطلقا؛ إلا المسجد الحرام. وعن مالك: يجوز دخولهم الحرم للتجارة. وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلا؛ إلا بإذن الإمام. أقول: الأحاديث مصرحة بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وذكر الحجاز هو من التنصيص على بعض أفراد العام لا من تخصيصه؛ لأنه قد

стр. 1555

تقرر في الأصول: أن مفاهيم اللقب لا يجوز العمل بها إجماعا؛ إلا عند الدقاق. ولفظ الحجاز يدل على أن غيره من مواضع الجزيرة يخالفه بمفهوم لقبه؛ هذا هو الصواب الذي ينبغي التعويل عليه. وقد جمع المغربي - مؤلف شرح " بلوغ المرام " - رسالة رجح فيها التخصيص، وقد دفعها الماتن ﵀ بأبحاث، ليس هذا موضع ذكرها. قال في " المسوى " - في باب لا يدخل المسجد الحرام كافر -: " قال الله - تعالى -: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ". قلت: قوله ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ : معناه المسجد الحرام وما حوله من الحرم (١) ؛ يدل عليه قوله - تعالى -: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ ، وعليه أهل العلم؛ قالوا: لا يجوز لكافر أن يدخل الحرم بحال؛ سواء كان ذميا أو لم يكن، وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام، وهو في الحرم؛ فلا يأذن في دخوله بل يخرج الإمام إليه، أو يبعث من يسمع رسالته. قلت: قد صح في غير حديث: أن النبي ﷺ أدخل الكفار في مسجده.

стр. 1556

من ذلك: ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري المسجد: فقال الشافعي: لا يدخلون المسجد إلا بإذن مسلم. وقال آخرون: يجوز له الدخول ولو بغير إذن، وتأويل الآية على قولهم: أنهم أخيفوا بالجزية. أقول: لا ريب أن مواطن العبادة المعدة للمسلمين ينبغي تنزيهها من أدران المشركين؛ فهم الذين لا يتطهرون من جنابة، ولا يغتسلون من نجاسة، فإن كان تلويثهم لمساجد المسلمين بالنجاسات، او استهزاؤهم بالعبادة مظنونا؛ فذلك مفسدة، وكل مفسدة ممنوعة؛ ما لم يعارضها مظنة إسلام من دخل منهم المسجد؛ لما يسمعه ويراه من المسلمين؛ فإن تلك المفسدة مغتفرة بجنب هذه المصلحة التي لا يقدر قدرها. وأما إذا كان تلويثهم المسجد غير مظنون؛ فلا وجه للمنع؛ ولا سيما قد تقرر أنه ﷺ كان ينزل كثيرا من وفود المشركين مسجده الشريف، وهو أفضل من غيره من المساجد؛ غير المسجد الحرام ". ثم قال في " المسوى ": " قال مالك: قال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ أجلى يهود خيبر. قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران، وفدك. فأما يهود خيبر؛ فخرجوا منها، ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء.

стр. 1557

وأما يهود فدك؛ فكان لهم نصف الثمر ونصف الأرض؛ لأن رسول الله ﷺ كان صالحهم على نصف الثمر ونصف الأرض، فأقام لهم عمر بن الخطاب نصف الثمر، ونصف الأرض قيمته؛ من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب، ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها. قلت: عليه أهل العلم، قالوا: الحجاز؛ يجوز للكافر دخولها بالإذن، ولا يقيم بها أكثر من مقام السفر؛ فإن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما أجلاهم؛ أجل - لمن يقدم منهم تاجرا - ثلاثا ". انتهى. ( [الفصل الرابع: حكم قتال البغاة] ) ( [بيان وجوب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق] :) (ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ، فأوجب الله - سبحانه - قتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، ولا فرق بين أن يكون البغي من بعض المسلمين على إمامهم، أو على طائفة منهم. قال في " المسوى ": " قال الواحدي والبغوي وغيرهما: نزلت هذه الآية في ضرب كان بينهم بالجريد والأيدي والنعال، فأصلح النبي ﷺ بينهم (١) .

стр. 1558

والظاهر: أنها في قتال ومضاربة يكون في الغضب بين المسلمين؛ حيث يكون حكم الله - تعالى - معلوما؛ لقوله - تعالى -: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ، وليست في البغاة؛ وهم الذين لهم منعة وشبهة، فنصّبوا رئيسا وخرجوا على الإمام العدل؛ إذ ليس هناك قاطع يطلب منهم الفيء إليه؛ بل كل فرقة منهما تدعي أن ما ذهبت إليه هو الحق الموافق لكتاب الله. وإنما يستفاد حكم البغاة من آثار علي - رضي الله تعالى عنه - حين قاتل أهل البصرة وأهل الشام وأهل النهروان، وهذا أحسن ما فهمت في هذه الآية، والعلم عند الله تعالى ". انتهى. أقول: اعلم أن هذا الفصل مستفاد من اجتهادات الصحابة ﵃ وأكثر من روي عنه في ذلك؛ علي - كرم الله وجهه -، ولم يثبت في ذلك عن النبي ﷺ شيء؛ إلا حديث ابن مسعود الآتي، وقد ضعفه جماعة من المسلمين (١) ، وقد أجمع المسلمون على بعض الأحكام؛ كعدم جواز سبي البغاة. والحاصل: أن أصل دم المسلم وماله العصمة، ولم يأذن الله بسوى قتال الطائفة الباغية حتى تفيء، فيجب الاقتصار على هذا، ويكون الجائز قتال من لم يحصل منه الفيء؛ وإن كان جريحا أو منهزما؛ من غير فرق بين من له فئة ومن لا فئة له؛ ما دام مصرا على بغيه. وأما المال؛ فلا يجوز أخذ شيء منه. هذا ما عندي في ذلك، فإن ثبت ما يخالفه؛ فالثابت شرعا أولى بالاتباع.

стр. 1559

( [بيان حكم قتل أسير البغاة وغنيمة أموالهم والإجهاز على جريحهم] ) (ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مدبرهم، ولا يجاز (١) على جريحهم، ولا تغنم أموالهم) : لما أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: " يا ابن أم عبد! ما حكم من بغى من أمتي؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : " لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم ". وفي لفظ: " ولا يذفف (٢) على جريحهم، ولا يغنم منهم "؛ سكت عنه الحاكم. وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ. وقال البيهقي: ضعيف. وقال صاحب " بلوغ المرام ": إن الحاكم صححه فوهم؛ لأن في إسناده كوثر بن حكيم، وهو متروك (٣) . وصح عن علي من طرق نحوه - موقوفا -.

стр. 1560

والصحيح: أنه نادى بذلك منادي علي يوم صفين، ولم يثبت الرفع. وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي من طريق عبد خير، عن علي بلفظ: نادى منادي علي يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم. وأخرج سعيد بن منصور عن مروان بن الحكم، قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن. وأخرج أحمد - في رواية الأثرم، واحتج به -، عن الزهري، قال: هاجت الفتنة - وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون -؛ فأجمعوا: أن لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن؛ إلا ما وجد بعينه. وأخرج البيهقي عن أبي أمامة، قال: شهدت صفين؛ فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون قتيلا. وأخرج البيهقي، عن علي، أنه قال يوم الجمل: إن ظفرتم على القوم؛ فلا تطلبوا مدبرا، ولا تجيزوا على جريح، وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه، وما سوى ذلك؛ فهو لورثتهم ". قال البيهقي: هذا منقطع. والصحيح أنه لم يأخذ شيئا، ولم يسلب قتيلا. ويؤيد جميع هذه الآثار: أن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحرمة؛

стр. 1561

فلا يحل شيء منها إلا بدليل شرعي. والمراد بالإجازة على الجريح، والإجهاز، والتذفيف: أن يتمم قتله ويسرع فيه. ( [بيان أنه لا قصاص في أيام الفتنة] :) وما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القود؛ يدل على أنه لا قصاص في أيام الفتنة، وقد أخرج هذا الأثر - عن الزهري - البيهقي؛ بلفظ: هاجت الفتنة الأولى، فأدركت - يعني: الفتنة - رجالا ذوي عدد من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد معه بدرا، وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر الفتنة؛ لا يقام فيها على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولا حد في سبي امرأة سبيت، ولا يرى عليها حد، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها زوجها الأول ". انتهى. قال في " البحر ": ولا يجوز سبيهم، ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعا؛ لبقائهم على الملة. وحكى عن النفس الزكية، والحنفية، والشافعية: أنه لا يغنم منهم شيء. ( [بيان حكم من حارب عليا ﵁] :) أقول: وأما الكلام فيمن حارب عليا - كرم الله وجهه -؛ فلا شك ولا

стр. 1562

شبهة أن الحق بيده في جميع مواطنه. أما طلحة والزبير ومن معهم؛ فلأنهم قد كانوا بايعوه، فنكثوا بيعته بغيا عليه، وخرجوا في جيوش من المسلمين، فوجب عليه قتالهم. وأما قتاله للخوارج؛ فلا ريب في ذلك، والأحاديث المتواترة قد دلت على أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وأما أهل صفين؛ فبغيهم ظاهر؛ لو لم يكن في ذلك إلا قوله ﷺ لعمار: " تقتلك الفئة الباغية "؛ لكان ذلك مفيدا للمطلوب. ثم ليس معاوية ممن يصلح لمعارضة علي، ولكنه أراد طلب الرياسة والدنيا بين قوم أغتام (١) ؛ لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فخادعهم بأنه طلب بدم عثمان، فنفق ذلك عليهم، وبذلوا بين يديه دماءهم وأموالهم، ونصحوا له؛ حتى كان يقول علي لأهل العراق أنه يود أن يصرف العشرة منهم بواحد من أهل الشام صرف الدراهم بالدينار. وليس العجب من مثل عوام الشام؛ إنما العجب ممن له بصيرة ودين كبعض الصحابة المائلين إليه، بعض فضلاء التابعين، فليت شعري؛ أي أمر اشتبه عليهم في ذلك الأمر؛ حتى نصروا المبطلين وخذلوا المحقين؛ وقد سمعوا قول الله - تعالى -: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ، وسمعوا الأحاديث المتواترة في تحريم عصيان

стр. 1563

الأئمة ما لم يروا كفرا بواحا، وسمعوا قول النبي ﷺ لعمار أنه: " تقتله الفئة الباغية "؟ ﴿ ولولا عظيم قدر الصحابة، ورفيع فضل خير القرون؛ لقلت: حب الشرف والمال قد فتن سلف هذه الأمة كما فتن خلفها﴾ اللهم غفرا (١) ﴿﴾ ثم اعلم أنه قد جاء القرآن والسنة بتسمية من قاتل المحقين باغيا كما في الآية المتقدمة، وحديث عمار بن ياسر المتقدم، فالباغي مؤمن يخرج عن طاعة الإمام التي أوجبها الله - تعالى - على عباده، ويقدح عليه في القيام بمصالح المسلمين، ودفع مفاسدهم من غير بصيرة، ولا على وجه المناصحة، فإن انضم إلى ذلك المحاربة له والقيام في وجهه؛ فقد تم البغي، وبلغ إلى غايته، وصار كل فرد من أفراد المسلمين مطالبا بمقاتلته؛ لقوله : ﴿فإن بغت إحداهما﴾ الآية. وليس القعود عن نصرة الحق من الورع؛ بعد قول الله : ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي﴾ . والحاصل: أنه إذا تبين الباغي ولم يلتبس، ولا دخل في الصلح؛ كان

стр. 1564

القعود عن مقاتلته خلاف ما أمر الله به، وأما مع اللبس؛ فلا وجوب حتى يتبين المحق من المبطل؛ لكن يجب السعي في الصلح كما أمر الله به. وليس من البغي إظهار كون الإمام سلك في اجتهاده في مسألة أو مسائل طريق مخالفة لما يقتضيه الدليل؛ فإنه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده، ويخلو به ويبذل له النصيحة (١) ، ولا يذل سلطان الله. ولا يجوز الخروج على الأئمة - وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ -؛ ما أقاموا الصلاة (٢) ، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيه في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد ابتلي علي ﵁ بقتال البغاة على اختلاف أنواعهم، وإذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم -؛ فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول؛ أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد؛ فليس أحدهما أولى من الآخر؛ بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما، حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على التخالف؛ كان على أهل

стр. 1565

الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك. وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام، أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره، أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته. فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر. فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار؛ فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات. فالتكليف بالطاعة - والحال هذه -؛ تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد؛ فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب؛ فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر؛ لا يدرون بمن له الولاية في اليمن، وهكذا العكس. فاعرف هذا؛ فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما يدل عليه

стр. 1566

الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن؛ أوضح من شمس النهار. ومن أنكر هذا؛ فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها، والله المستعان! (١) ( [الفصل الخامس: من أحكام الإمامة] ) ( [بيان وجوب طاعة الإمام إلا في معصية الله] :) (وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله) ؛ باتفاق السلف الصالح؛ لقوله - تعالى -: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ، وللأحاديث المتواترة في وجوب طاعة الأئمة؛ منها: ما أخرجه البخاري من حديث أنس مرفوعا: " اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي؛ كأن رأسه زبيبة (٢) ؛ ما أقام فيكم كتاب الله ". وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عنه ﷺ : " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ".

стр. 1567

وفي " الصحيحين " - أيضا - من حديث ابن عمر، عنه ﷺ : " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره؛ إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة ". والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا. ( [متى يجوز الخروج على الإمام ؟] :) (ولا يجوز الخروج) بعد ما حصل الاتفاق. (عليهم ما أقاموا الصلاة ولم يظهروا كفرا بواحا) ؛ لحديث عوف بن مالك - عند مسلم (١) ، وغيره -، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم "، قال: قلنا: يا رسول الله ﴿أفلا ننابذهم عند ذلك؟﴾ قال: " لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة؛ ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية، ولا ينزعن يدا عن طاعة ". وأخرج مسلم - أيضا -، وغيره من حديث حذيفة بن اليمان، أن رسول الله ﷺ قال: " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال؛ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان "، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟

стр. 1568

قال: " تسمع وتطيع؛ وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع ". وأخرج مسلم - أيضا -، وغيره من حديث عرفجة الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أتاكم - وأمركم جميع على رجل واحد -؛ يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه ". وفي " الصحيحين " من حديث عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله ﷺ [على السمع والطاعة] (١) في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله؛ " إلا أن تروا كفرا بواحا؛ عندكم فيه من الله برهان ". والبواح - بالموحدة والمهملة -؛ قال الخطابي: معنى قوله: بواحا: يريد ظاهرا. وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة عنه، ﷺ : " من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة؛ فميتته جاهلية " (٢) . وأخرج نحوه أيضا عن ابن عمر. وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: " من حمل علينا السلاح؛ فليس منا ".

стр. 1569

وأخرجاه أيضا من حديث أبي موسى. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وسلمة بن الأكوع. والأحاديث في هذا الباب لا يتسع المقام لبسطها. وقد ذهب إلى ما ذكرناه: جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج على الظلمة - أو وجوبه -؛ تمسكا بأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي أعم مطلقا من أحاديث الباب، ولا تعارض بين عام وخاص، ويحمل ما وقع من جماعة من أفاضل السلف على اجتهاد منهم، وهم أتقى لله، وأطوع لسنة رسوله ﷺ ممن جاء بعدهم من أهل العلم. قال في " الحجة البالغة ": " ثم إن استولى من لم يجمع الشروط؛ لا ينبغي أن يبادر إلى المخالفة؛ لأن خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة أشد مما يرجى من المصلحة. وبالجملة؛ فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين؛ حل قتاله - بل وجب -؛ وإلا لا؛ وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه؛ بل يخاف مفسدته على القوم، فكان قتاله من الجهاد في سبيل الله ". انتهى. ( [بيان وجوب الصبر على جور الأئمة] :) (ويجب الصبر على جورهم) ؛ لما تقدم من الأحاديث.

стр. 1570

وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من رأى من أميره شيئا يكرهه؛ فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبرا، فمات؛ فميتته جاهلية ". وفيهما من حديث أبي هريرة - مرفوعا -: " أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم ". وأخرج أحمد (١) من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: " يا أبا ذر ﴿كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيء؟ "؛ قال: والذي بعثك بالحق؛ أضع سيفي على عاتقي، وأضرب حتى ألحقك، قال: " أولا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟﴾ تصبر حتى تلحقني ". وفي الباب أحاديث كثيرة. ( [بيان وجوب النصيحة للأئمة] ) (وبذل النصيحة لهم) ؛ لما ثبت في " الصحيح " من أن: " الدين النصيحة؛ لله ولرسوله ولأئمة المسلمين " - من حديث تميم الداري بهذا اللفظ -. والأحاديث الواردة في مطلق النصيحة متواترة، وأحق الناس بها الأئمة. ( [بيان ما يجب على الأئمة نحو رعيتهم] :) (وعليهم) ؛ أي: على الأئمة (الذب عن المسلمين، وكف يد الظالم،

стр. 1571

وحفظ ثغورهم، وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال، وتفريق أموال الله في مصارفها، وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف، والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة) ؛ وذلك معلوم من أدلة الكتاب والسنة التي لا يتسع المقام لبسطها. ولا خلاف في وجوبها جميعا على الإمام، وهذه الأمور هي التي شرع الله - تعالى - نصب الأئمة لها، فمن أخل من الأئمة والسلاطين بشيء منها؛ فهو غير مجتهد لرعيته، ولا ناصح لهم؛ بل غاش خائن. وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث معقل بن يسار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من عبد يسترعيه الله رعية؛ يموت - يوم يموت - وهو غاش لرعيته؛ إلا حرم الله عليه الجنة ". وفي لفظ لمسلم: " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ينصح لهم؛ إلا لم يدخل الجنة ". وأخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئا، فرفق بهم؛ فارفق به ". وبالجملة؛ فعلى الإمام والسلطان أن يقتدي برسول الله ﷺ ، وبالخلفاء الراشدين في جميع ما يأتي ويذر؛ فإنه إن فعل ذلك؛ كان له ما لأئمة العدل من الترغيبات الثابتة في الكتاب والسنة. وحاصلها: الفوز بنعيم الدنيا والآخرة.

стр. 1572

وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (تم الكتاب وربنا محمود ... وله المكارم والعلا والجود) (وعلى النبي محمد صلواته ... ما ناح قمري وأورق عود) [انتهى المجلد الثالث من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، وبه يتم الكتاب؛ والحمد لله الملك الوهاب] . (١)