← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وأخرج مسلم - أيضا - من حديث معقل بن يسار، عن النبي ﷺ ، قال: " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ينصح لهم؛ إلا لم يدخل الجنة ". وأخرج أبو داود (١) من حديث جابر، قال: " كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير، فيرجي الضعيف، ويردف ويدعو لهم ". وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة كذا وكذا، فضيق الناس الطريق، فبعث رسول الله ﷺ مناديا فنادى: " من ضيق منزلا، أو قطع طريقا؛ فلا جهاد له ". وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وسهل بن معاذ ضعيف (٢) . وقد جاءت الأدلة المفيدة للقطع بوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن

стр. 1507

المنكر، وأحق الناس بذلك الأمير. ( [مشروعية التورية إذا أراد غزوا] :) (ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يوري بغير ما يريده) ؛ لحديث كعب بن مالك، عن النبي ﷺ : أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. ( [مشروعية الاستطلاع إذا أراد الإمام غزوا] :) (و) يشرع له (أن يذكي (١) العيون، ويستطلع الأخبار) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: " من يأتيني بخبر القوم؟ "، قال الزبير: أنا ... الحديث. وثبت في " صحيح مسلم "، وغيره: أن النبي ﷺ بعث عينا ينظر عير أبي سفيان. وثبت أنه بعث من يأتيه بمقدار جيش المشركين يوم بدر، وغيره. وكان يأمر من يستطلع أخبار العدو، ويقف في المواضع التي بينه وبينهم. وذلك مدون في الكتب الموضوعة في السيرة والغزوات. ( [مشروعية ترتيب الجيش واتخاذ الرايات] :) (و) يشرع له أن (يرتب الجيوش، ويتخذ الرايات والألوية) ، وقد وقع منه

стр. 1508

صلى الله عليه وسلم من ترتيب جيوشه عند ملاقاته للعدو ما هو مشهور، وكان يأمر بعضا يقف في هذا المكان، وآخرين في المكان الآخر، وقال للرماة يوم أحد: إنهم يقفون حيث عينه لهم، ولا يفارقوا ذلك المكان، ولو تخطفه هو ومن معه الطير. وقد كانت له رايات؛ كما في حديث ابن عباس عند الترمذي (١) ، وأبي داود، قال: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. وأخرج أبو داود من حديث سماك بن حرب، عن رجل من قومه، عن آخر منهم، قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وفي إسناده مجهول. وأخرج أهل " السنن "، والحاكم، وابن حبان من حديث جابر: أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض (٢) . وفي حديث الحارث بن حسان: أنه رأى في مسجد رسول الله ﷺ رايات سودا، أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح. وفي الباب أحاديث. ( [وجوب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال] :) (وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال: إما الإسلام، أو

стр. 1509

الجزية، أو السيف) ؛ لحديث سليمان بن بريدة، عن أبيه عند مسلم، وغيره قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية؛ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين؛ فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا؛ فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ... " الحديث. وفي الباب أحاديث. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تقديم الدعوة لمن لم تبلغهم الدعوة، ولا تجب لمن قد بلغتهم. وذهب قوم إلى الوجوب مطلقا. وقوم إلى عدم الوجوب مطلقا. ( [حكم قتل النساء والشيوخ والأطفال] :) (ويحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا) ؛ أن يقاتلوا، فيدفعوا بالقتل

стр. 1510

(لضرورة) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وأخرج أبو داود من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صغيرا، ولا امرأة "، وفي إسناده خالد بن الفرز (١) ، وفيه مقال. وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث رباح (٣) بن ربيع؛ أنه قال ﷺ : " لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا "، والعسيف: الأجير. وأخرج أحمد (٤) من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " لا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع "، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو ضعيف، وقد وثقه أحمد. وأخرج أحمد أيضا، والإسماعيلي في " مستخرجه " من حديث كعب بن

стр. 1511

مالك (١) ، عن عمه: أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر؛ نهى عن قتل النساء والصبيان، ورجاله رجال الصحيح (٢) . وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - من حديث سمرة مرفوعا، بلفظ: " اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم (٣) ". وقد قيل: إنه وقع الاتفاق على المنع عن قتل النساء والصبيان؛ إلا إذا كان ذلك لضرورة؛ كأن يتترس بهم المقاتلة أو يقاتلون. وقد أخرج أبو داود في " المراسيل " عن عكرمة: أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة يوم حنين، فقال: " من قتل هذه؟ "، فقال رجل: أنا يا رسول الله ﴿غنمتها وأردفتها خلفي، فلما رأت الهزيمة فينا؛ أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني، فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ . ووصله الطبراني في " الكبير " (٤) .

стр. 1512

قلت: قال الشافعي: النهي عن قتل نسائهم وصبيانهم إنما هو في حال التمييز والتفرد، وأما البينات فيجوز، وإن كان فيه إصابة ذراريهم ونسائهم. ( [المثلة حرام] :) (والمثلة) ؛ لما تقدم قريبا في حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن جده، وفيه: " ولا تمثلوا ". وأخرج نحو ذلك أحمد، وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال. وأحاديث النهي عن المثلة كثيرة. ( [حكم الحرق بالنار للمحارب والمتاع والمال] :) (والإحراق بالنار) ؛ لحديث أبي هريرة عند البخاري، وغيره، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: " إن وجدتم فلانا وفلانا - لرجلين - فاحرقوهما بالنار "، ثم قال حين أردنا الخروج: " إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما ". وأما تحريق الشجر والأصنام والمتاع؛ فقد ثبت الإذن بذلك عن الشارع؛ إذا كان فيه مصلحة. ( [حكم الفرار من الزحف] :) (و) يحرم (الفرار من الزحف إلا إلى فئة) ، وقد نطق بذلك القرآن

стр. 1513

الكريم؛ قال الله - تعالى -: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ . وثبت في " الصحيحين "، وغيرهما: أن الفرار من الزحف هو من السبع الموبقات. ولا خلاف في ذلك في الجملة، وإن اختلفوا في مسوغات الفرار. وقد جوز الله - تعالى - الفرار إلى الفئة. وأما التحرف للقتال؛ فهو وإن كان فيه تولية الدبر؛ لكنه ليس بفرار على الحقيقة. قال في " المسوى ": " قوله: ﴿متحرفا لقتال﴾ : هو أن ينصرف من ضيق إلى سعة، أو من سفل إلى علو، أو من مكان منكشف إلى مستتر، ونحو ذلك مما هو أمكن له في القتال. قوله: ﴿أو متحيزا﴾ ؛ أي: يصير إلى حيز فئة من المسلمين؛ يستنجدهم ويقاتل معهم. وبالجملة؛ يجب ثبات المسلمين يوم الزحف في مقابلة زحفهم من الكفار، والفرار حينئذ كبيرة. ( [حكم تبييت العدو ليلا] :) (ويجوز تبييت الكفار) ؛ لحديث الصعب بن جثامة في " الصحيحين "،

стр. 1514

وغيرهما، أن رسول ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ ثم (١) قال: " هم منهم ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث سلمة ابن الأكوع، قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق، وكان أمره علينا رسول الله ﷺ . والبيات: هو الغارة بالليل. قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل، وأن يبيتوا، وكرهه بعضهم، قال أحمد وإسحاق: لا بأس به؛ أن يبيت العدو ليلا. ( [الكذب في الحرب جائز] :) (والكذب في الحرب) ؛ لما ثبت عند مسلم (٣) ، وغيره من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ لما بعث محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف؛ قال: يا رسول الله! فأذن لي فأقول، قال: " قد فعلت "؛ يعني: يأذن له بأن يخدعه بمقال ولو كان كذبا؛ كما وقع منه في هذه القصة، وهي أيضا في " البخاري ".

стр. 1515

وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة، قالت: لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب - مما يقول الناس - إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. وهذا الكذب المذكور هنا: هو التعريض والتلويح بوجه من الوجوه؛ ليخرج عن الكذب الصراح؛ كما قاله جماعة من أهل العلم (١) . ( [الخداع في الحرب جائز] :) (والخداع) في الحرب؛ لما في " الصحيحين " من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " الحرب خدعة (٢) ". وفيهما من حديث أبي هريرة، قال: سمى النبي ﷺ الحرب خدعة. قال النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن؛ إلا أن يكون فيه نقض عهد.

стр. 1516

( [الفصل الثاني: أحكام الغنائم] ) ( [كيف تقسم الغنيمة على الجيش والمصارف الأخرى ؟] :) (وما غنمه الجيش كان لهم أربعة أخماسه، وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (٢) واليتامى والمساكين﴾ . قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تخمس؛ فالخمس للأصناف التي ذكرت في القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين. وقوله - تعالى -: ﴿فأن لله خمسه﴾ : ذهب عامة أهل العلم إلى أن ذكر الله - تعالى - فيه للتبرك به، وإضافة هذا المال إليه لشرفه، ثم بعد ما أضاف جميع الخمس إلى نفسه بين مصارفها. واختلفوا في سهم ذوي القربى: قال أبو حنيفة: إنما يعطون لفقرهم. وقال الشافعي: لقرابتهم من رسول الله ﷺ كالميراث، غير أنه أعطى القريب والبعيد من ذوي القربى، ولا يفضل عنده فقير على غني، ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهما، ومن ذلك ما ورد في القرآن في الفيء والغنيمة.

стр. 1517

وأخرج أبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن عبسة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلم؛ أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: " ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا؛ إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ". وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت، وحسنه ابن حجر. وأخرج نحوه - أيضا - أحمد، وأبو داود، والنسائي، ومالك، والشافعي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحسنه أيضا ابن حجر. وروي نحو ذلك أيضا من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية. ( [كيف توزع الغنيمة بين الفارس والراجل ؟] :) (ويأخذ الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل سهما) ؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث. منها حديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما، وله ألفاظ فيها التصريح بأن النبي ﷺ أسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل سهما. وفيهما معنى ذلك من حديث أنس، ومن حديث عروة البارقي. ومنها حديث الزبير بنحو ذلك عند أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وحديث أبي رهم عند الدارقطني، وأبي يعلى، والطبراني. وحديث أبي هريرة عند الترمذي، والنسائي.

стр. 1518

وحديث جرير عند مسلم، وغيره. وحديث عتبة بن عبد عند أبي داود. وحديث جابر، وأسماء بنت يزيد عند أحمد. وفي الباب أحاديث. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفارس يأخذ له ولفرسه سهمين، والراجل سهما؛ وتمسكوا بحديث مجمع بن جارية عند أحمد، وأبي داود (١) ، وقال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة؛ فيهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهما. وهذا الحديث في إسناده ضعف. قال أبو داود: إن فيه وهما، وإنه قال: ثلثمائة فارس! وإنهم كانوا مائتين. ( [يتساوى القوي والضعيف من أفراد الجيش] :) (ويستوي في ذلك القوي والضعيف، ومن قاتل ومن لم يقاتل) ؛ لحديث

стр. 1519

ابن عباس عند أبي داود (١) والحاكم، وصححه أبو الفتح (٢) في " الاقتراح " على شرط البخاري: أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بالسوي بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل، ونزول قوله - تعالى -: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ . وأخرج نحوه أحمد برجال الصحيح من حديث عبادة بن الصامت. وأخرج أحمد من حديث سعد بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله ﴿الرجل يكون حامية القوم؛ ويكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: " ثكلتك أمك ابن أم سعد﴾ وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ ﴿". وأخرجه البخاري أيضا، والنسائي عن مصعب بن سعد، قال: رأى سعد أن له فضلا على من دونه، فقال النبي ﷺ : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟﴾ ". وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -. قال في " الحجة البالغة ": " ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش - كالبريد والطليعة والجاسوس - يسهم

стр. 1520

له؛ وإن لم يحضر الواقعة؛ كما كان لعثمان يوم بدر ". ( [تنفيل بعض الجيش جائز بحسب المصلحة] :) (ويجوز تنفيل بعض الجيش) ؛ لما أخرجه مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم الراجل؛ جمعهما له. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي - وعزاه المنذري في " مختصر السنن " إلى مسلم -: أن النبي ﷺ نفل سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيفا. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وحكى بعض أهل العلم الإجماع عليه. واختلف العلماء؛ هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس؟ وقد ورد في تنفيل السرية حديث حبيب بن مسلمة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، وصححه ابن الجارود، وابن حبان، والحاكم: أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (١) . وأخرج نحوه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن حبان من حديث عبادة بن الصامت.

стр. 1521

وأخرج أحمد وأبو داود، وصححه الطحاوي من حديث معن بن يزيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا نفل إلا بعد الخمس ". وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك كله. وفيهما: أنه نفل بعض السرايا بعيرا بعيرا. وفي الباب أحاديث. قال في " الحجة البالغة ": " وعندي: إن رأى الإمام أن يزيد لركبان الإبل، أو للرماة شيئا، أو يفضل العراب على البراذين (١) لشيء دون السهم؛ فله ذلك بعد أن يشاور أهل الرأي، ويكون أمرا لا يختلف عليه لأجله. وبه يجمع اختلاف سير النبي ﷺ وأصحابه في الباب ". ( [للإمام صفي وسهم] :) (وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش) ؛ لحديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عند أبي داود والنسائي، وسكت عنه أبو داود (٢) ، والمنذري قال: كنا

стр. 1522

بالمربد (١) ؛ إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها، فإذا فيها: " من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش (٢) : إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ وسهم الصفي؛ فأنتم آمنون بأمان الله ورسوله ". فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال: رسول الله ﷺ . قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله، وسمى الرجل النمر ابن تولب. وأخرج أبو داود (٣) عن الشعبي - مرسلا - قال: كان للنبي ﷺ سهم يدعى الصفي؛ إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، فرسا؛ يختاره قبل الخمس. وأخرج أبو داود أيضا من حديث ابن عون (٤) مرسلا نحوه.

стр. 1523

وأخرج أحمد، والترمذي (١) - وحسنه - من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر. وأخرج أبو داود (٢) من حديث - عائشة -، قالت: كانت صفية من الصفي. وأخرج أبو داود أيضا من حديث أنس نحوه. ويعارضه ما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أنس - أيضا - قال: صارت صفية لدحية الكلبي، ثم صارت لرسول الله ﷺ . وفي رواية: إنه اشتراها منه بسبعة أرؤس. ( [ما جاء في الرضخ من الغنيمة لمن حضر] :) (ويرضخ من الغنيمة لمن حضر) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم، وغيره: أنه سأله سائل عن المرأة والعبد؛ هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس؟ فأجاب: أنه لم يكن لهما سهم معلوم؛ إلا أن يحذيا (٣) من غنائم القوم.

стр. 1524

وفي لفظ: أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء؛ فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم (١) ؛ فلم يضرب لهن ". وأخرج أبو داود (٢) ، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - من حديث عمير مولى آبي اللحم: أنه شهد خيبر مع مواليه، فأمر له ﷺ بشيء من خرثي (٣) المتاع. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث حشرج بن زياد، عن جدته، أم أبيه: أنها خرجت مع النبي ﷺ غزوة خيبر سادسة ست نسوة، فبلغ رسول الله ﷺ ، فبعث إلينا، فجئنا، فرأينا فيه الغضب، فقال: " مع من خرجتن؟ ﴿وبإذن من خرجتن؟﴾ "، فقلنا: يا رسول الله ﴿خرجنا نغزل الشعر، ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونناول السهم ونسقي السويق، فقال: " قمن فانصرفن (٤) ، حتى إذا فتح الله عليه خيبر؛ أسهم لنا كما أسهم للرجال، قال: فقلت لها: يا جدة﴾ وما كان ذلك؟ قالت: تمرا. وفي إسناده رجل مجهول، وهو حشرج.

стр. 1525

وقال الخطابي " إسناده ضعيف لا تقوم به الحجة. وأخرج الترمذي عن الأوزاعي - مرسلا - قال: أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر. وحديث حشرج - كما عرفت - ضعيف، وهذا مرسل؛ فلا ينتهضان لمعارضة ما تقدم. وقد حمل الإسهام هنا على الرضخ جمعا بين الأحاديث. وقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم للنساء والصبيان؛ بل يرضخ لهم فقط إن رأى الإمام ذلك. ( [للإمام إيثار المؤلفين] :) (ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا) ؛ لحديث أنس في " البخاري "، وغيره: أن النبي ﷺ قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفا لهم، وترك الأنصار والمهاجرين. وهكذا ثبت في " الصحيح " من حديث ابن مسعود وغيره: أن النبي ﷺ أعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب. والقصة مشهورة مذكورة في كتب السير بطولها. والمراد بأشراف قريش: أكابر مسلمة الفتح؛ كأبي سفيان بن حرب،

стр. 1526

وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية. ( [المالك أحق بماله إذا رده الكفار] :) (وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين؛ كان لمالكه) ؛ لحديث عمران بن حصين عند مسلم، وغيره: أن العضباء ناقة رسول الله ﷺ أصيبت، فركبتها امرأة من المسلمين، ورجعت إلى رسول الله ﷺ وقد كانت نذرت أن تنحرها إن نجاها الله عليها - فقال النبي ﷺ : " لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد ". وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عمر: أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له، فلحق بأرض الروم، وظهر عليه المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ . وفي رواية لأبي داود: أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسم. وقد ذهب الشافعي، وجماعة من أهل العلم إلى أن أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئا من أموال المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل الغنيمة وبعدها. وروي عن علي، والزهري، وعمرو بن دينار، والحسن: أنه لا يرد أصلا، ويختص به أهل المغانم.

стр. 1527

وروي عن عمر، وسليمان بن ربيعة، وعطاء، والليث، ومالك، وأحمد، وآخرين: إن وجده صاحبه قبل القسمة؛ فهو أحق به، وإن وجده بعد القسمة؛ فلا يأخذه إلا بالقيمة. وقد روي عن ابن عباس الدارقطني مثل هذا التفصيل مرفوعا، وإسناده ضعيف جدا. وروي عن الفقهاء السبعة. قال في " المسوى ": " وعليه أكثر أهل العلم في الجملة، ولهم في التفاصيل اختلاف ". ( [بيان تحريم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل تقسيمها] :) (ويحرم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف) ؛ لحديث رويفع بن ثابت عند أحمد (١) ، وأبي داود، والدارمي، والطحاوي، وابن حبان: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتناول مغنما حتى يقسم، ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه، ولا أن يركب دابة

стр. 1528

من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه "، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. وقال ابن حجر: إن رجال إسناده ثقات، وقال أيضا: إن إسناده حسن. وأخرج البخاري من حديث ابن عمر، قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه. زاد أبو داود (١) : فلم يؤخذ منهما الخمس، وصحح هذه الزيادة ابن حبان. وأخرج أبو داود (١) ، والبيهقي - وصححه من حديث ابن عمر - أيضا -: أن جيشا غنموا في زمن رسول الله ﷺ طعاما وعسلا؛ فلم يأخذوا منهم الخمس. وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ متبسما. وأخرج أبو داود (٢) ، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن أبي أوفى، قال: أصبنا طعاما يوم خيبر، وكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينطلق.

стр. 1529

وأخرج أبو داود (١) من حديث القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، قال: كنا نأكل الجزر في الغزو ولا نقسمه، حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا، وأخرجتنا مملوءة منه، وقد تكلم في القاسم غير واحد. وقد ذهب إلى جواز الانتفاع بالطعام والعلف للدواب بغير قسمة الجمهور؛ سواء أذن الإمام أو لم يأذن. وقال الزهري: لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره. وقال سليمان بن موسى: يأخذ؛ إلا أن ينهى الإمام. قال مالك في " الموطأ ": " لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ما وجدوا من ذلك كله؛ قبل أن تقع في المقاسم ". وقال أيضا: " أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو؛ كما يأكلون من الطعام ". وقال: " ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم؛ أضر ذلك بالجيوش ".

стр. 1530

قال: " فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدخر ذلك شيئا يرجع به إلى أهله ". قلت: وعليه أهل العلم. ( [بيان تحريم الغلول وما جاء في الترهيب منه] :) (ويحرم الغلول) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما في قصة العبد الذي أصابه سهم، فقال الصحابة: هنيئا له الشهادة يا رسول الله ﴿فقال: " كلا والذي نفس محمد بيده؛ إن الشملة لتلتهب عليه نارا؛ أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم "، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: يا رسول الله﴾ أصبت هذا يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : " شراك من نار، أو شراكان من نار ". وأخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر؛ قتل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : " كلا؛ إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ". وأخرج البخاري، وغيره من حديث ابن عمر، قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركرة (١) ، فمات، فقال

стр. 1531

رسول الله ﷺ : " هو في النار "، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها، وقد قال الله - سبحانه -: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ . وثبت في " البخاري "، وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس، على رقبته شاة ... " الحديث. وقد نقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر. وقد ورد في تحريق متاع الغال ما أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال، وضربوه، وفي إسناده زهير بن محمد الخراساني (١) .

стр. 1532

وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي من حديث عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ ، قال: " إذا وجدتم الغال قد غل؛ فأحرقوا متاعه واضربوه "، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة؛ تكلم فيه غير واحد (١) . ( [يجوز للإمام أن يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسرى] :) (ومن جملة الغنيمة: الأسرى) ؛ ولا خلاف في ذلك. (ويجوز القتل أو الفداء أو المن) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، وقوله - تعالى -: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ . وقد ثبت عن رسول الله ﷺ القتل للأسرى، وأخذ الفداء منهم، والمن عليهم؛ ثبوتا متواترا في وقائع: ففي يوم بدر قتل بعضهم، وأخذ الفداء من غالبهم. وأخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: " لو كان مطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له ".

стр. 1533

وفي " مسلم " من حديث أنس: أنه ﷺ أخذ الثمانين النفر، الذين هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، ثم إن النبي ﷺ أعتقهم، فأنزل الله : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة﴾ الآية. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسارى؛ فيقتل، أو يأخذ الفداء، أو يمن. وقال الزهري، ومجاهد، وطائفة: لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا. وعن الحسن، وعطاء: لا يقتل الأسير؛ بل يتخير بين المن والفداء. وعن مالك: لا يجوز المن بغير فداء. وعن الحنفية: لا يجوز المن أصلا؛ لا بفداء ولا بغيره. ( [الفصل الثالث: أحكام الأسير والجاسوس والهدنة] ) ( [بيان جواز استرقاق الكفار من عرب أو عجم] :) (ويجوز استرقاق العرب) ؛ لأن الأدلة الصحيحة قد دلت على جواز استرقاق الكفار؛ من غير فرق بين عربي وعجمي، وذكر وأنثى، ولم يقم دليل يصلح للتمسك قط في تخصيص أسر العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلة قائمة متكاثرة على أن حكمهم حكم سائر المشركين.

стр. 1534

منها: حديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما: أنها كانت عند عائشة سبية من بني تميم، فقال رسول الله ﷺ : " أعتقيها؛ فإنها من ولد إسماعيل ". وأخرج البخاري، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال حين جاء وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : " أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين؛ إما السبي، وإما المال ... " الحديث. وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن جويرية بنت الحارث - من سبي بني المصطلق - كاتبت عن نفسها، ثم تزوجها رسول الله ﷺ على أن يقضي كتابتها، فلما تزوجها؛ قال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ! فأرسلوا ما بأيديهم من السبي. وأخرجه أحمد من حديث عائشة. وقد ذهب إلى جواز استرقاق العرب: الجمهور. وحكى في " البحر " عن الحنفية: أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام، أو السيف، واستدل بقوله - تعالى - ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ الآية. ولا يخفى أنه لا دليل في الآية على المطلوب، ولو سلم ذلك؛ كان ما وقع منه ﷺ مخصصا لذلك، وقد صرح القرآن الكريم بالتخيير بين المن

стр. 1535

والفداء، فقال: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ ، ولم يفرق بين عربي وعجمي. واستدلوا أيضا بما أخرجه الشافعي، والبيهقي: أن النبي ﷺ قال يوم حنين: " لو كان الاسترقاق جائزا على العرب؛ لكان اليوم؛ إنما هو أسرى "، وفي إسناده الواقدي، وهو ضعيف جدا. ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض، وهو أشد ضعفا من الواقدي. وقد أخذ رسول الله ﷺ الفدية من ذكور العرب في بدر، وهو فرع الاسترقاق. أقول: فقد سبى ﷺ جماعة من بني تميم، وأمر عائشة أن تعتق منهم كما تقدم. وبالغ ﷺ ؛ فقال: " من فعل كذا؛ فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل "، وقال لأهل مكة: " اذهبوا فأنتم الطلقاء " (١) . والحاصل: أن الواجب الوقوف على ما دلت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ من التخيير في كل مشرك بين القتل، والمن، والفداء، والاسترقاق، فمن ادعى تخصيص نوع منهم، أو فرد من أفرادهم؛ فهو مطالب بالدليل.

стр. 1536

وأما أسر نساء العرب؛ فالأمر أظهر من أن يذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في كتب الحديث: " الصحيحين "، وغيرهما، وفي كتب السير جميعها. ( [حكم قتل الجاسوس] :) (وقتل الجاسوس) ، لحديث سلمة بن الأكوع عند البخاري وغيره؛ قال: أتى النبي ﷺ عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل، فقال النبي ﷺ : " اطلبوه فاقتلوه "، فسبقتهم إليه فقتلته، فنفلني سلبه. وهو متفق على قتل الجاسوس الحربي. وأما المعاهد والذمي؛ فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك. وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود عن فرات بن حيان: أن النبي ﷺ أمر بقتله، وكان عينا لأبي سفيان، وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من

стр. 1537

الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إنه مسلم، فقال رسول الله ﷺ : " إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم؛ منهم فرات بن حيان "، وفي إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب، ولا يحتج بحديثه (١) ، وهو يرويه عن سفيان. ولكنه قد روى الحديث المذكور عن سفيان بشر بن السري البصري، وهو ممن اتفق على الاحتجاج به البخاري ومسلم (٢) . ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني، وهو ثقة (٣) ( [بيان أن الحربي إذا أسلم طوعا أحرز أمواله] :) (وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه، أحرز أمواله) ؛ لحديث صخر ابن عيلة: أن النبي ﷺ قال: " إذا أسلم الرجل؛ فهو أحق بأرضه وماله ".

стр. 1538

أخرجه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات (١) . وفي لفظ: " إن القوم إذا أسلموا؛ أحرزوا أموالهم ودماءهم ". وأخرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة - مرفوعا -: " من أسلم على شيء فهو له ". وضعفه ابن عدي بياسين الزيات الراوي له عن أبي هريرة. قال البيهقي: " وإنما يروى عن ابن أبي مليكة وعن عروة - مرسلا - ". وقد أخرجه عن عروة - مرسلا - سعيد بن منصور برجال ثقات: أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة، فأسلم ثعلبة وأسد بن سعيه (٢) ، فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار. ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الثابت من طرق أنه ﷺ قال: " فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها ".

стр. 1539

وقد ذهب الجمهور إلى أن الحربي إذا أسلم طوعا؛ كانت جميع أمواله في ملكه، ولا فرق بين من أسلم في دار الحرب أو دار الإسلام. ( [بيان أن عبد الكافر إذا أسلم ثبتت له الحرية] :) (وإذا أسلم عبد الكافر صار حرا) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد (١) ، وابن أبي شيبة، قال: أعتق رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إليه من عبيد المشركين. وأخرجه أيضا سعيد بن منصور - مرسلا -. وقصة أبي بكرة في تدليه من حصن الطائف مذكورة في " صحيح البخاري ". ورواها أبو داود عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، قال: سألنا رسول الله ﷺ أن يرد إلينا أبا بكرة، وكان مملوكنا، فأسلم قبلنا، فقال: " لا؛ هو طليق الله، ثم طليق رسوله ". وأخرج أبو داود، والترمذي - وصححه - من حديث علي، قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يعني: يوم الحديبية - قبل الصلح، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: والله يا محمد ﴿ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله﴾ ردهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال:

стр. 1540

" ما أراكم تنتهون يا معشر قريش ﴿حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا "، وأبى أن يردهم، وقال: " هم عتقاء الله " (١) . وأخرج أحمد عن أبي سعد الأعسم، قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد؛ إذا جاء فأسلم، ثم جاء مولاه فأسلم: أنه حر، وإذا جاء المولى، ثم جاء العبد بعد ما أسلم مولاه: فهو أحق به، وهو مرسل (٢) . ( [حكم الأرض المغنومة مفوض إلى الإمام يفعل فيها ما فيه المصلحة] :) (والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام، فيفعل الأصلح من قسمتها، أو تركها مشتركة بين الغانمين، أو بين جميع المسلمين) ؛ لأن النبي ﷺ قسم أرض قريظة والنضير بين الغانمين، وقسم نصف أرض خيبر بين المسلمين، وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس. كما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث بشير بن يسار، عن رجال من الصحابة. وأخرج نحوه - أيضا - أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة. وقد ترك الصحابة ما غنموه من الأراضي مشتركة بين جميع المسلمين﴾

стр. 1541

يقسمون خراجها بينهم. وقد ذهب إلى ما ذكرناه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون. وأخرج مسلم، وغيره من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " أيما قرية أتيتموها، فأقمتم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله؛ فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم ". أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين - من خراج، ومعاملة، وجزية، وصلح، وغير ذلك - ينبغي تفويض قسمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النصح لرعيته، ويبذل جهده في مصالحهم، فيقسم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها، ولا يلزمه في ذلك سلوك طريق معينة سلكها السلف الصالح؛ فإن الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. فإن رأى الصلاح في تقسيم ما حصل في بيت المال في كل عام؛ فعل، وإن رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر، أو الأسبوع، أو اليوم؛ فعل. ثم إذا فاض من بيت مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخر لدفع ما ينوبهم؛ جعل ذلك في مناجزة الكفرة، وفتح ديارهم، وتكثير جهات المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح؛ فإن تقوية جيوش المسلمين هي الأصل الأصيل في دفع المفاسد، وجلب المصالح.

стр. 1542

ومن أعظم موجبات تكثير بيت المال، وتوسيع دائرته العدل في الرعية، وعدم الجور عليهم، والقبول من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم. وهذا معلوم بالاستقراء في جميع دول الإسلام والكفر، فما عدل ملك في رعيته؛ إلا ونال بعدله أضعاف أضعاف ما يناله الجائر بجوره، مع ما في العدل من السلامة من انتقام الرب في هذه الدار، أو في دار الآخرة؛ فإنها جرت عادة الله - سبحانه - بمحق نظام الظلم، وخراب بنيانه، وهدم أساسه حتى صارت دول الظلمة من أعظم العبر للمعتبرين؛ فإنه لا بد أن يحل بهم من نكال الله وسخطه ما يعرفه من له فطنة واعتبار وتفكر، ومن نظر في تواريخ الدول؛ رأى من هذا ما يقضي منه العجب. فالحاصل: أن الظالم ممن خسر الدنيا والآخرة: أما خسران الآخرة؛ فواضح معلوم من هذه الشريعة بالضرورة. وأما خسران الدنيا؛ فهو وإن تم له منها نصيب نزر فهو على كدر وتخوف، ونغص وتحيل، ووحشة من رعيته، فلا يزال متوقعا لزوال ملكه في كل وقت بسبب ما قد فعله بهم، وهم مع ذلك على بغضه، وهو منطو على بغضهم، وينضم إلى ذلك كله تناقص الأمر، وخراب البلاد، وهلاك الرعية، وفقر أغنيائهم، ففي كل عام هو في نقص؛ مع ما جرت به عادة الله من قصم الظلمة وهلاكهم في أيسر مدة. فأقل الملوك مدة أشدهم بطشا وأكثرهم ظلما، وهذا هو الغالب، وما

стр. 1543

خالفه فنادر. فأين حال هؤلاء الظلمة في الدين والدنيا من حال الملوك العادلين بالرعية، المحبوبين عندهم، الممتعين بلذة العدل؛ مع لذة العيش الصافي عن كدر المخاوف؛ التي لا يأمن الظلمة هجومها عليهم في كل وقت؟ ! ولو لم يكن من ذلك كله إلا الأمن من عقاب الله وانتقامه؛ بل الرجاء في ثوابه وجزيل إفضاله، وما وعد به العادلين في الآخرة؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لكان مغنيا. ( [بيان أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا] :) (ومن أمنه أحد المسلمين؛ صار آمنا) ؛ لحديث علي عند أحمد (١) وأبي داود، والنسائي، والحاكم، عن النبي ﷺ ، قال: " ذمة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم ". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - مرفوعا - بلفظ: " يد المسلمين على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم،

стр. 1544

ويرد عليهم أقصاهم (١) ، وهم يد على من سواهم ". وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث ابن عمر مطولا. وأخرجه ابن ماجه من حديث - معقل بن يسار - مختصرا - بلفظ: " المسلمون يد على من سواهم؛ تتكافأ دماؤهم ". وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة - مختصرا - أيضا -. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة - أيضا - بلفظ: " إن ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". وهو في " الصحيحين " من حديث علي. وأخرجه البخاري من حديث أنس. وفي الباب أحاديث. وقد أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا. قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة ". انتهى.

стр. 1545

وأما العبد؛ فأجاز أمانه الجمهور. وأما الصبي؛ فقال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن أمان الصبي غير جائز ". انتهى. وأما المجنون؛ فلا يصح أمانه بلا خلاف. قلت: إنما يصح الأمان من آحاد المسلمين؛ إذا أمن واحدا أو اثنين. فأما عقد الأمان لأهل ناحية على العموم؛ فلا يصح إلا من الإمام؛ على سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة، كعقد الذمة، ولو جعل ذلك لآحاد الناس؛ صار ذريعة إلى إبطال الجهاد. ( [بيان أن الرسول كالمؤمِّن] :) (والرسول كالمؤمن) ؛ لحديث ابن مسعود عند أحمد (١) ، وأبي داود والنسائي، والحاكم: أن رسول الله ﷺ قال لرسولَي مسيلمة: " لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: أن رسول الله ﷺ قال لهما: " والله؛ لولا أن
следующие страницы →