← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقد ورد الدليل في أمور، منها الصوم؛ لحديث: " من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه "، ولكن ليس في هذا الحديث وجوب على الميت، بل الإيجاب على الولي (١) ، وغاية ما يستفاد من قوله: " صام عنه "؛ أنه يجزىء ذلك الصوم عن الميت. وأما الحج؛ فلم يرد ما يدل على وجوب الوصية على الميت به، بل ورد ما يدل على وقوع الحج من القريب عن قريبه الميت؛ كما في حديث من نذرت أخته أن تحج، فماتت قبل أن تحج (٢) ، وكذلك ورد ما يدل على وقوع الحج من الولد لأبيه، إذا كان في الحياة عاجزا عن الإتيان بالفريضة؛ كما في خبر الخثعمية.

стр. 667

وأما إيجاب الوصية بالحج، أو أنه يجزىء من كل أحد عن كل ميت: فلا دليل على ذلك فيما أعلم. نعم؛ إذا أوصى بالحج بنصيب من ماله؛ فقد جعل الله له ثلث ماله في آخر عمره يتصرف به كيف يشاء؛ ما لم يكن ضرارا؛ فالموصي بالحج كأنه أوصى بنصيب من ماله المأذون له بالتصرف في ثلثه، فيجب امتثال وصيته. وأما كون ذلك يسقط الواجب على الميت؛ فمحل تردد عندي، ولا سيما إذا كان الذي حج عنه ليس من قرابته (١) ؛ فإن القرابة لها تأثير في القيام ببعض الواجبات البدنية من الحي عن الميت؛ كما في حديث: " صام عنه وليه "، وكما في حديث الذي نذرت أخته أن تحج. وأما حديث: " حج عن نفسك، ثم عن شبرمة " (٢) : فهو - وإن كان في بعض " السنن " -؛ لكن لم يصرح فيه بأن الملبي عن شبرمة كان أجنبيا عنه، بل ورد في رواية: وهو أخ له أو صديق؛ ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. وفي لفظ؛ أنه قال له النبي ﷺ : " من شبرمة؟ "، قال: أخ لي أو قريب لي؛ وقد أخرج هذه الرواية البيهقي. والظاهر: أن اعتناءه به، وتلبيته عنه، وطيبة نفسه بأن يكون حجه له؛

стр. 668

للقرابة بينهما؛ إذ من البعيد أن يفعل ذلك لغير من بينه وبينه قرابة؛ ثم ليس في الحديث أن شبرمة هذا قد كان مات إذ ذاك. وأما ما رواه الثعلبي في " تفسيره " بلفظ: " من أوصى بحجة؛ كانت أربع حجج، وحجة للذي كتبها "؛ فمع كونه غير مرفوع؛ لا يدرى كيف إسناده؟ والثعلبي ليس من أهل الرواية، فقد روى في " تفسيره " الموضوعات. وقد أخرج البيهقي مثل ما ذكره عن جابر مرفوعا، كما ذكره صاحب التخريج؛ فينظر في سنده؛ فما أظنه يصح (١) . والحاصل: أن هذا البحث طويل الذيول، متشعب الحجج والنقول، فمن رام العثور على الصواب؛ فعليه ب " الفتح الرباني فتاوى الشوكاني "، و " دليل الطالب على أرجح المطالب "؛ لهذا العبد الضعيف. وليس مقصودنا هنا إلا التنبيه على الحق الحقيق بالقبول؛ وإن أباه أكثر العقول. وحديث: " فدين الله أحق أن يقضى "؛ ليس المراد به دفع الأجرة لمن

стр. 669

يحج، بل المراد أن الحج عن الوالد يصح من الولد؛ كما يصح منه قضاء الدين. ولا يرد على هذا أن اللفظ عام والاعتبار به؛ لأنا نقول: العموم ليس هو إلا باعتبار فعل فريضة الحج، لا باعتبار دفع المال لمن يحج؛ فهذا لم يرد به دليل، فعرفت بهذا أن ما يوصي به الميت من أجرة من يحج عنه؛ يكون خارجا من ثلثه المأذون به له. وأما من قال بوجوب الوصية على من لم يحج؛ فكان قياس قوله؛ أن تكون الأجرة الموصى بها من رأس المال؛ لأن وجوب الوصية فرع وجوب الأجرة في مال الموصي، ولا فرق بين وجوب مثل الأجرة من ماله، وبين وجوب مثل الزكاة. وأما ما يذكرونه من الفرق بين ما يتعلق بالمال ابتداء وانتهاء، وبين ما يتعلق بالبدن ابتداء وبالمال انتهاء: فشيء لا مستند له، ولا معول عليه.

стр. 670

(٢ - باب العمرة المفردة) وقد تقدمت صفتها. ( [يحرم للعمرة من الميقات] :) (يحرم لها من الميقات) ، أي: كالتنعيم؛ لأن الإحرام لها كالإحرام للحج، وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت؛ فإنها للحج والعمرة. ( [من كان في مكة يحرم للعمرة من الحل] :) (ومن كان في مكة خرج إلى الحل) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم، فتحرم للعمرة منه. (ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر) ، ولا خلاف في ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة: أنه أمر من لم يكن معه هدي بالطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، فمن فعل ذلك؛ فقد حل الحل كله؛ فواقعوا النساء بعد ذلك.

стр. 671

( [العمرة مشروعة في جميع أيام السنة] :) (وهي مشروعة) : في " العالمكيرية ": العمرة عندنا سنة، وليست بواجبة. وللشافعي قولان: أظهرهما أنها فرض، والثاني: سنة. أقول: ولم يأت من قال بوجوبها بدليل ينتهض للوجوب، بل كل ما روي في ذلك متكلم عليه، مع أنه معارض بأحاديث أوردها من قال بعدم الوجوب مصرحة بذلك، وهي لا تخلو عن مقال. والواجب العمل على البراءة الأصلية، حتى يرد ناقل ينقل عنها، ولم يأت إلا ما يفيد مطلق المشروعية، لا المقيدة بالوجوب. فالحق ما قاله من ذهب إلى عدم الوجوب. (في جميع السنة) : لحديث عائشة عند أبي داود: أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال. وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة؛ إلا التي اعتمر مع حجته. ومن ذلك عمرة عائشة التي أمر النبي ﷺ عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم؛ فإن ذلك كان مع حجتها مع النبي ﷺ ، وقد كان أهل الجاهلية يحرمون العمرة في أيام الحج، فرد عليهم النبي ﷺ واعتمر، وأمر بالعمرة فيها.

стр. 672

وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة ". أقول: ثبت اعتماره ﷺ في أشهر الحج، بل روي أن عمَرَه كلها كانت في أشهر الحج، وإنما فعل ذلك لقصد الرد على المشركين؛ فإنهم كانوا يرونها في أشهر الحج من أفجر الفجور. وأما تعليل بعض الفقهاء للكراهة بأن العمرة تشغل عن أعمال الحج: فليست أعمال الحج بمستغرقة لشوال والقعدة وبعض الحجة؛ بل هي في بعض أيام ذي الحجة؛ فما بال من ذهب إلى كراهة العمرة في أشهر الحج، وخالف هدي محمد ﷺ ؟ ! والحاصل: أن هذا ونحوه صنيع من لا يدري بالمدارك؛ خفيها وجليها، والله المستعان. ومن أراد الاطلاع على تفصيل أحكام الحج والعمرة على الوجه الثابت المأثور: فليرجع إلى منسكنا " رحلة الصديق إلى البيت العتيق "، وإلى كتابنا " مسك الختام شرح بلوغ المرام ".

стр. 673

(الكتاب الثامن: كتاب النكاح)

стр. 674

(٨ - كتاب النكاح) ( [الفصل الأول: أحكام الزواج] ) ( [تعريف النكاح] :) قال الزمخشري في " الكشاف ": " النكاح: الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث إنه طريق له، ونظيره تسمية الخمر إثما؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم ". انتهى. ولا ينافي هذا كثرة ورود النكاح في القرآن بمعنى العقد؛ حتى قال في " الكشاف ": " إنه لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأن الكثرة ليست من خواص الحقيقة، ولا مخرجة للمجاز عن كونه مجازا، كما تقرر في موضعه ". على أن دعوى الكلية التي ذكرها صاحب " الكشاف " ممنوعة؛ فإن قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ لا يصح أن يراد به العقد؛ كما دل عليه الدليل من السنة، وذهب إليه جماهير الأمة، وكذلك ما ورد في كتاب الله من ألفاظ النكاح للمملوكات لا يكون إلا للوطء؛ إذ لا عقد هناك.

стр. 675

وبالجملة؛ فمعنى النكاح حقيقة: الوطء، ومجازا: العقد؛ كما صرح به الزمخشري، وهو أقعد بمعرفة اللغة من غيره؛ لا سيما التمييز بين المعاني الحقيقية والمجازية؛ فإنه المرجوع إليه في ذلك دون غيره ممن صارت مؤلفاتهم الآن متداولة بين أهل هذه العصور؛ كما لا يخفى على فطن. ( [لمن يشرع الزواج ؟] ) (يشرع لمن استطاع الباءة) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء (١) ". والمراد بالباءة: النكاح. والأحاديث الواردة في الترغيب في النكاح كثيرة. وقال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ .

стр. 676

( [على من يجب الزواج ؟] :) (ويجب على من خشي الوقوع في المعصية) ؛ لأن اجتناب الحرام واجب، وإذا لم يتم الاجتناب إلا بالنكاح كان واجبا. وعلى ذلك تحمل الأحاديث المقتضية لوجوب النكاح؛ كحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما، أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج، وقال بعضهم: أصلي ولا أنام، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر؛ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ! لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ". وأخرج ابن ماجة، والترمذي من حديث الحسن، عن سمرة، أن النبي ﷺ نهى عن التبتل. قال الترمذي: إنه حسن غريب. قال: وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن، عن سعد ابن هشام، عن عائشة. ويقال: كلا الحديثين صحيح. انتهى. وفي سماع الحسن عن سمرة مقال معروف. وأخرج النهي عن التبتل: أحمد، وابن حبان في " صحيحه " من حديث أنس.

стр. 677

وأخرج ابن ماجة من حديث عائشة، أن النبي ﷺ قال: " النكاح من سنتي؛ فمن لم يعمل بسنتي فليس مني ". ( [التبتل حرام] :) (والتبتل غير جائز) : لما تقدم. وقد رد ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون. وكانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون إلى الله بترك النكاح، وهذا باطل؛ لأن طريقة الأنبياء ﵈ التي ارتضاها الله تعالى للناس: هي إصلاح الطبيعة، ودفع اعوجاجها، لا سلخها عن مقتضياتها. (إلا لعجز عن القيام بما لا بد منه) ؛ لما ثبت في الكتاب العزيز من النهي عن مضارة النساء، والأمر بمعاشرتهن بالمعروف، فمن لا يستطيع ذلك؛ لم يجز له أن يدخل في أمر يوقعه في حرام. وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في العزبة والعزلة. ( [الأحكام الخمسة تعتري الزواج] :) أقول: الحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح، أو كان فعله له أولى من تركه من دون احتياج؛ فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا؛ للأدلة الواردة فيها. ومن لم يكن محتاجا إليه، ولا كان فعله أولى له - كالحصور والعنين -؛

стр. 678

فقد يكون في حقه مكروها؛ إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات؛ من طلب العلم أو غيره مما يحتاج إليه أهله، أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من دون أن تقدم على المعصية، وأما إذا كان في غنية، بحيث لا يشتغل عن الطاعات، وكانت المرأة لا تتضرر بترك الجماع، ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى الباءة؛ فالظاهر أنه مباح، وإن لم يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل، فثم أدلة أخرى تقتضيها، وقواعد كلية؛ ولو قيل: إنه لا يكون في تلك الصورة مباحا؛ بل مكروها - لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان -؛ لم يكن بعيدا من الصواب. ( [الصفات التي ينبغي توفرها في الزوجة] :) (وينبغي أن تكون المرأة ودودا) ، لأن تواد الزوجين به تتم المصلحة المنزلية، وكثرة النسل بها تتم المصلحة المدنية والملية. وود المرأة لزوجها دال على صحة مزاجها، وقوة طبيعتها، مانع لها من أن يطمح بصرها إلى غيره، باعث على تجملها بالامتشاط وغير ذلك، وفيه تحصين فرجه ونظره. (ولودا) ؛ لحديث أنس عند أحمد (١) وابن حبان - وصححه -: أن النبي ﷺ قال: " تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ". وأخرج نحوه أحمد من حديث ابن عمر، وفي إسناده جرير بن عبد الله

стр. 679

العامري، وقد وثق، وفيه ضعف. وأخرج نحوه أبو داود (١) ، والنسائي، وابن حبان، من حديث معقل بن يسار. (بكرا) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ قال له: " تزوجت بكرا أم ثيبا؟ "، قال: ثيبا. قال: " فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ ! ". (ذات جمال) ؛ فإن الطبيعة البشرية راغبة في الجمال، وكثير من الناس تغلب عليهم الطبيعة. والجمال وما يشبهه من الشباب مقصد من غلب عليه حجاب الطبيعة. (وحسب) ؛ يعني: مفاخر آباء المرأة؛ فإن التزوج في الأشراف شرف وجاه. (ودين) ؛ أي: عفة عن المعاصي، وبعدها عن الريب، وتقربها إلى بارئها بالطاعات. والدين مقصد من تهذب بالفطرة؛ فأحب أن تعاونه امرأته في دينه، ورغب في صحبة أهل الخير. (ومال) ؛ بأن يرغب في المال، ويرجى مواساتها معه في مالها، وأن يكون أولاده أغنياء؛ لما يجدون من قبل أمهم.

стр. 680

والمال والجاه مقصد من غلب عليه حجاب الرسم. ووجهه ما في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك ". وفي " صحيح مسلم " وغيره، أن النبي ﷺ قال: " إن المرأة تنكح على دينها، ومالها، وجمالها؛ فعليك بذات الدين تربت يداك ". قال في " الحجة ": " قال ﷺ : " خير النساء اللاتي ركبن الإبل؛ نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده " (١) . أقول: يستحب أن تكون المرأة من كورة وقبيلة؛ عادات نسائها صالحة؛ فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وعادات القوم ورسومهم غالبة على الإنسان، وبمنزلة الأمر المجبول هو عليه. وبين أن نساء قريش خير النساء؛ من جهة أنهن أحنى إنسان على ولد في صغره، وأرعاه على الزوج في ماله ورقيقه، ونحو ذلك. وهذان من أعظم مقاصد النكاح، وبهما انتظام تدبير المنزل، وإن أنت فتشت حال الناس اليوم في بلادنا، وبلاد ما وراء النهر وغيرها؛ لم تجد أرسخ

стр. 681

قدما في الأخلاق الصالحة، ولا أشد لزوما لها من نساء قريش ". انتهى. ( [إلى من تخطب المرأة الكبيرة ؟] ) (وتخطب الكبيرة إلى نفسها) ؛ لما في " صحيح مسلم " (١) : أن النبي ﷺ أرسل إلى أم سلمة يخطبها. ( [ما هو المعتبر من الكبيرة إذا خطبت إلى نفسها ؟] :) (والمعتبر حصول الرضا منها) ؛ لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره: " الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها ". وفي " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وعائشة نحوه. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والدارقطني، من حديث ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ . قال الحافظ: ورجال إسناده ثقات (٢) . وروي نحوه من حديث جابر؛ أخرجه النسائي (٣) ، ومن حديث عائشة؛

стр. 682

أخرجه أيضا النسائي (١) . وأخرج ابن ماجة (٢) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته؛ قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء؛ ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه أحمد، والنسائي، من حديث ابن بريدة، عن عائشة (٣) . قال في " الحجة البالغة ": " أقول: لا يجوز أيضا أن يحكم الأولياء فقط؛ لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها، ولأن حار العقد وقاره راجعان إليها، والاستئمار طلب أن

стр. 683

تكون هي الآمرة صريحا، والاستئذان طلب أن تأذن ولا تمنع، وأدناه السكوت. وإنما المراد استئذان البكر البالغة دون الصغيرة، كيف ولا رأي لها؟ ! قد زوج أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - عائشة من رسول الله ﷺ وهي بنت ست سنين ". انتهى. ( [هل الكفاءة في الزواج معتبرة ؟] :) (لمن كان كفأ) ؛ لحديث علي عند الترمذي، أن النبي ﷺ قال: " ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم (١) إذا وجدت لها كفؤا " (٢) . ولكن ليس في هذا الحديث ما يدل على اعتبار الكفاءة في النسب؛ بل يحمل على أن المرأة إذا وجدت لها كفؤا ترضى خلقه ودينه؛ كما سيأتي. وأخرج الحاكم، من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " العرب أكفاء بعضهم لبعض؛ قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل؛ إلا حائك، أو حجام ". وفي إسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إنه كذب، لا أصل له، وذكر الحفاظ أنه موضوع، وقد أوضح الكلام عليه الماتن في كتابه - في

стр. 684

الموضوعات - الذي سماه " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ". ولكن رواه البزار في " مسنده " من طريق أخرى عن معاذ بن جبل رفعه: " العرب بعضها أكفاء لبعض "؛ وفيه سليمان بن أبي الجون (١) . ويغني عن ذلك ما في " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة: " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام؛ إذا فقهوا ". ولكن ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إثبات كون البعض خيرا من بعض لا يستلزم أن الأدنى غير كفؤ للأعلى. وهكذا حديث: " إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم " (٢) : فإن هذا الاصطفاء لا يدل على أن الأدنى غير كفؤ للأعلى. وأخرج الترمذي، من حديث أبي حاتم المزني، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه؛ فأنكحوه؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير "، قالوا: يا رسول الله ﴿وإن كان فيه؟﴾ قال: " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " - ثلاث مرات -؛ وقد حسنه الترمذي، وقال: " هذا حديث حسن غريب ".

стр. 685

ونقل المناوي عن البخاري أنه لم يعده محفوظا، وعده أبو داود في المراسيل، وأعله ابن القطان بالإرسال، وضعف راويه، وأبو حاتم المزني له صحبة، ولا يعرف له عن النبي ﷺ غير هذا الحديث (١) . وأخرج الدارقطني، عن عمر، أنه قال: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء ". ( [بيان اعتبار الكفاءة في النكاح] :) أقول: استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح، من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن فتاة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته؟ ! قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء. وأخرجه أحمد، والنسائي، من حديث ابن بريدة عن عائشة (٢) . ومحل الحجة منه قولها: ليرفع بي خسيسته؛ فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤ لها. ولا يخفى أن هذا إنما هو من كلامها، وإنما جعل النبي ﷺ الأمر إليها؛

стр. 686

لكون رضاها معتبرا، فإذا لم ترض لم يصح النكاح؛ سواء كان المعقود له كفؤا أو غير كفؤ. أيضا هو زوجها بابن أخيه؛ وابن عم المرأة كفؤ لها. واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد، والنسائي - وصححه -، وابن حبان، والحاكم (١) ، من حديث بريدة مرفوعا: " إن أحساب أهل الدنيا الذين (٢) يذهبون إليه المال ". وبما أخرجه أحمد، والترمذي - وصححه هو والحاكم (٣) - من حديث سمرة مرفوعا: " الحسب المال، والكرم التقوى ". ويحتمل أن يكون المراد: أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا - كما صرح به في حديث بريدة -، وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال، وعدم اعتدادهم بالدين، فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع. وقد ثبت أنه ﷺ زوج مولاه زيد بن حارثة

стр. 687

بزينب بنت جحش القرشية، وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بنت قيس القرشية، وزوج عبد الرحمن بن عوف بلالا بأخته. وأخرج أبو داود: أن أبا هند حجم النبي ﷺ ، فقال: " يا بني بياضة ﴿أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه ". أخرجه أيضا الحاكم، وحسنه (١) ابن حجر في " التلخيص ". وأخرج البخاري، والنسائي، وأبو داود، عن عائشة: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - وكان ممن شهد بدرا مع النبي ﷺ تبنى سالما، وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأة من الأنصار. قال رسول الله ﷺ : " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه؛ فزوجوه؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض ". أخرجه الترمذي، من حديث أبي هريرة. قال في " الحجة البالغة ": " أقول: ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة، كيف وهي مما جبل عليه طوائف الناس، وكاد يكون القدح فيها أشد من القتل؟﴾ والناس على مراتبهم، والشرائع لا تهمل مثل ذلك، ولذلك قال عمر: لأمنعن النساء إلا من أكفائهن؛ ولكنه أراد أن لا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة المال،

стр. 688

ورثاثة الحال، ودمامة الجمال، أو يكون ابن أم ولد، ونحو ذلك من الأسباب بعد أن يرضى دينه وخلقه؛ فإن أعظم مقاصد تدبير المنزل: الاصطحاب في خلق حسن، وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح الدين ". وقال في " المسوى " في باب الكفاءة. " قال الله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ ، وقال تعالى: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ . قلت: هذه الآيات تدل على تفاوت مراتب الناس، وأن ذلك أمر ثابت فيهم، ولم يرده الله تعالى، فكان تقريرا. ثم اختلفوا في تحديد المعاني التي يقع بها التفاوت، فذهب أكثرهم إلى أنها أربعة: الدين، والحرية، والنسب، والصناعة، والمراد من الدين: الإسلام والعدالة. واعتبر الشافعي السلامة من العيوب المثبتة للخيار أيضا، ومعنى اعتبار الكفاءة عند أبي حنيفة: أن المرأة إذا زوجت نفسها من غير الكفؤ؛ فللأولياء أن يفرقوا بينهما. وعند الشافعي: أن أحد الأولياء المستوين إذا زوجها برضاها نم غير كفؤ؛ لم يصح، وفي قول: يصح. وله الفسخ إذا زوج الأب بكرا صغيرة أو بالغة بغير رضاها، وفيه القولان أيضا ". انتهى.

стр. 689

أقول: قوله ﷺ : " من ترضون دينه وخلقه "؛ فيه دليل على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق. وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين: مالك. ونقل عن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر ابن عبد العزيز، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ . واعتبر الكفاءة في النسب: الجمهور. وقال أبو حنيفة: قريش أكفاء بعضهم بعضا، والعرب كذلك. وليس أحد من العرب كفؤا لقريش، كما ليس أحد من غير العرب كفؤا للعرب؛ وهو وجه للشافعية. قال في " الفتح ": " والصحيح تقديم بني هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض ". قال الشافعي: " ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث ". وأما ما أخرجه البزار، من حديث معاذ رفعه: " العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض "؛ فإسناده ضعيف. قال في " الفتح ": " واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه؛ فلا تحل المسلمة لكافر ". انتهى.

стр. 690

وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النكاح على الإطلاق: العلم؛ لحديث: " العلماء ورثة الأنبياء ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، من حديث أبي الدرداء، وضعفه الدارقطني في " العلل "، قال المنذري: " هو مضطرب الإسناد ". وقد ذكر البخاري في " صحيحه " بغير إسناد (١) . والقرآن الكريم شاهد على ما ذكرناه. فمن ذلك قوله - تعالى -: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ، وقوله - تعالى -: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ، وقوله - تعالى - ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ ، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " - وقد تقدم -. وبالجملة: إذا تقرر لك هذا؛ عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق، لا في النسب. لكن؛ لما أخبر ﷺ بأن حسب أهل الدنيا المال، وأخبر ﷺ كما ثبت في " الصحيح " عنه - أن في أمته ثلاثا من أمر الجاهلية: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة؛ كان تزوج غير الكفؤ في النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر.

стр. 691

قال الماتن ﵀: " ومن هذا القبيل؛ استثناء الفاطمية من قوله: (ويغتفر برضا الأعلى والولي) ، وجعل بنات فاطمة ﵂ أعلى قدرا وأعظم شرفا من بنات رسول الله ﷺ لصلبه ". فيا عجبا كل العجب من هذه التعصبات الغريبة، والتصلبات على أمر الجاهلية، وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية من أهل العلم؛ فكيف يتركها من لم يعرف ذلك؟ ! والخير كل الخير في الإنصاف والانقياد لما جاء به الشرع؛ ولهذا أخرج الحاكم في " المستدرك " - وصححه (١) - عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: " أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس ". فهذا نص في محل الخلاف. انظر أمهات العبرة الطاهرة، الذين هم قدوة السادة وأسوة القادة في كل خير ودين، من كن؟ فأم أبي العترة الإمام زين العابدين علي بن الحسين: شهريانو بنت يزدجرد ابن شهريار بن شيرويه بن خسروبرويز بن هرمز بن نوشيروان - ملك الفرس -. وأم الإمام موسى الكاظم أم ولد؛ اسمها حميدة. وأم الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم أم ولد أيضا؛ اسمها تكتم.

стр. 692

وأم الإمام علي بن محمد بن علي المذكور الملقب بالجواد والتقي أم ولد؛ اسمها خيزران، وقيل: ريحانة. وأم الإمام علي بن محمد الملقب بالهادي والعسكري أم ولد، اسمها سمانة. وأم الإمام حسن بن علي الملقب بالزكي والخالص والعسكري أم ولد؛ اسمها سوسن. وأم الإمام محمد بن حسن الملقب بالحجة والقائم والمهدي أم ولد؛ اسمها نرجس. وهكذا كان شأن التزوج في أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يعرج أحد منهم على الكفاءة في النسب، وإنما أخذ بذلك الجهلة من الأمة، لا سيما أهل القرى والقصبات من نسل العترة والصحابة ﵃ أجمعين -. وأكثرهم خائضون في الباطل، عاطلون عن حلي العلم الموصل إلى الحق؛ وكان أمر الله قدرا مقدورا. ( [إلى من تخطب الصغيرة ؟] :) (و) تخطب (الصغيرة إلى وليها) ؛ لما في " صحيح البخاري " وغيره، عن عروة: أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر (١) .

стр. 693

(ورضا البكر صمتها) ؛ لما تقدم من الأحاديث الصحيحة. ( [متى تحرم الخطبة] :) (١ - [في العدة] :) (وتحرم الخطبة في العدة) ؛ لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها ثلاثا، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة، وقال لها رسول الله ﷺ : " إذا حللت فآذنيني "؛ فآذنته (١) الحديث، وهو في " صحيح مسلم " وغيره. وأخرج البخاري (٢) ، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ ، قال: يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر (٣) لي امرأة صالحة. وأخرج الدارقطني، عن محمد بن علي الباقر ﵉: أنه دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة، فقال: " لقد علمت أني رسول الله، وخيرته من خلقه، وموضعي من قومي "؛ وكانت تلك خطبته ". والحديث منقطع.

стр. 694

قال في " الفتح ": " واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم: من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن، وكذا من وقف نكاحها، وأما الرجعية فقال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها. والحاصل؛ أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح في الأولى، وحرام في الأخيرة، ومختلف فيه في البائن ". (٢ - [الخطبة على الخطبة] :) (و) الخطبة (على الخطبة) ؛ لحديث عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: " المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر "؛ وهو في " صحيح مسلم "، وغيره. وأخرج البخاري، وغيره، من حديث أبي هريرة: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه؛ حتى ينكح أو يترك ". وأخرج أيضا، من حديث ابن عمر: " لا يخطب الرجل على خطبة الرجل؛ حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له ". وقد ذهب إلى تحريم ذلك الجمهور. ( [جواز النظر إلى المخطوبة] :) (ويجوز) له (النظر إلى المخطوبة) ؛ لحديث المغيرة عند أحمد، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي، والدارمي، وابن حبان - وصححه -: أنه خطب امرأة

стр. 695

فقال النبي ﷺ : " انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يودم (١) بينكما "، فأتى أبويها، فأخبرهما بقول رسول الله ﷺ ، فكأنهما كرها ذلك، فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر؛ وإلا فإني أنشدك (٢) ؛ كأنها عظمت ذلك عليه، فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من موافقتها؛ ذكره أحمد، وأهل " السنن " (٣) .

стр. 696

وأخرج مسلم، من حديث أبي هريرة، قال: كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : " أنظرت إليها؟ "، قال: لا، قال: " فاذهب فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا ". وفي الباب أحاديث. ( [الولي شرط لصحة النكاح] :) (ولا نكاح إلا بولي) ؛ لحديث أبي موسى عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، عن النبي ﷺ ، قال: " لا نكاح إلا بولي ". وحديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان، والحاكم، وأبي عوانة، أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها؛ فلها المهر بما استحل من فرجها؛ فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ". وفي الباب أحاديث. قال الحاكم: " وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ ؛ عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش "، ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا. أقول: الأدلة الدالة على اعتبار الولي - وأنه لا يكون العاقد سواه، وأن العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل -؛ قد رويت من طريق جماعة

стр. 697

من الصحابة، فيها الصحيح والحسن وما دونهما، فاعتباره متحتم. وعقد غيره مع عدم عضله باطل بنص الحديث، لا فاسد؛ على تسليم أن الفساد واسطة بين الصحة والبطلان. ولا يعارض هذه الأحاديث حديث: " الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن "، ونحوه كحديث: " ليس للولي مع الثيب أمره، واليتيمة تستأمر " (١) ؛ لأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيبا، والبكر يمنعها الحياء من التعيين، فلا بد من استئذانها، وليس المراد أن الثيب تزوج نفسها، أو توكل من يزوجها مع وجود الولي؛ فعقد النكاح أمر آخر. وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت إليه الظاهرية؛ من اعتبار الولي في البكر دون الثيب. والولي عند الجمهور هو الأقرب من العصبة (٢) ، وروي عن أبي حنيفة: أن ذوي الأرحام من الأولياء. ( [من هو الولي ؟] :) أقول: الذي ينبغي التعويل عليه عندي هو أن يقال: " إن الأولياء هم

стр. 698

قرابة المرأة الأدنى فالأدنى، الذين يلحقهم الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم. وهذا المعنى لا يختص بالعصبات؛ بل قد يوجد في ذوي السهام؛ كالأخ لأم، وذوي الأرحام؛ كابن البنت، وربما كانت الغضاضة معهما أشد منها مع بني الأعمام ونحوهم. فلا وجه لتخصيص ولاية النكاح بالعصبات، كما أنه لا وجه لتخصيصها بمن يرث، ومن زعم ذلك فعليه الدليل، أو النقل بأن معنى الولي في النكاح - شرعا أو لغة - هو هذا. وأما ولاية السلطان فثابتة بحديث: " إذا تشاجر الأولياء فالسلطان ولي من لا ولي لها "؛ فهذا الحديث، وإن كان فيه مقال (١) ؛ فهو لا يسقط به عن رتبة الاستدلال؛ وهو يدل على حكمين: الأول: أن تشاجر الأولياء يوجب بطلان ولايتهم، ويصيرهم كالمعدومين. الثاني: أنهم إذا عدموا كانت الولاية للسلطان (٢) .

стр. 699

وإذا تحرر لك ما ذكرناه في الأولياء؛ فاعلم أن من غاب منهم عند حضور الكفء ورضا المكلفة به - ولو في محل قريب، إذا كان خارجا عن بلد المرأة ومن يريد نكاحها -؛ فهو كالمعدوم، والسلطان ولي من لا ولي له، اللهم إلا أن ترضى المرأة ومن يريد الزواج بالانتظار لقدوم الغائب، فذلك حق لهما، وإن طالت المدة. وأما مع عدم الرضا فلا وجه لإيجاب الانتظار، ولا سيما مع حديث: " ثلاث لا يؤخرن إذا حانت - منها -: الأيم إذا حضر كفؤها "، كما أخرجه الترمذي والحاكم؛ وجميع ما ذكر من تلك التقديرات بالشهر وما دونه؛ ليس على شيء منها أثارة من علم. ومع ذلك؛ فالقول بأن غيبة الولي الموجبة لبطلان حقه هي الغيبة التي يجوز الحكم معها على الغائب؛ هو قول مناسب إذا صح الدليل على أنه لا يجوز الحكم على الغائب؛ إلا إذا كان في مسافة القصر؛ فإن لم يصح دليل على ذلك؛ فالواجب الرجوع إلى ما ذكرناه. فإن قلت: إذا كان ولي النكاح هو أعم من العصبات كما ذكرته؛ فما وجهه؟ قلت: وجهه أنا وجدنا الولاية قد أطلقت في كتاب الله - تعالى - على ما هو أعم من القرابة: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ ، ووجدناها قد أطلقت في سنة رسول الله ﷺ على ما هو أخص من ذلك؛ قال ﷺ : " السلطان ولي من لا ولي له ". ولا ريب أنه لم يكن المراد في الحديث ما في الآية؛ وإلا لزم أنه لا

стр. 700

ولاية للسلطان إلا عند عدم المؤمنين، وهو باطل؛ لأنه أحدهم؛ بل له مزية عليهم لا توجد في أفرادهم. وإذا ثبت أنه لم يكن المراد بالولي في الحديث الأولياء المذكورين في الآية؛ فليس بعض من يصدق عليه اسم الإيمان أولى من بعض إلا بالقرابة؛ [فتبين أن المراد القرابة] (١) ؛ ولا ريب أن بعض القرابة أولى من بعض. وهذه الأولوية ليست باعتبار استحقاق نصيب من المال، أو استحقاق التصرف فيه حتى يكون كالميراث أو كولاية الصغير؛ بل باعتبار أمر آخر؛ وهو ما يجده القريب من الغضاضة التي هي العار اللاصق به، وهذا لا يختص بالعصبات كما بينا؛ بل يوجد في غيرهم، ولا شك أن بعض القرابة أدخل في هذا الأمر من بعض. فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثم الإخوة لأبوين، ثم الإخوة لأب أو لأم، ثم أولاد البنين وأولاد البنات، ثم أولاد الإخوة وأولاد الأخوات، ثم الأعمام والأخوال، ثم هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحجة، وإن لم يكن بيده إلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يعول على ذلك؛ وبالله التوفيق. قال في " الحجة ": " وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم. واستبداد النساء بالنكاح وقاحة منهن؛ منشؤها قلة الحياء، واقتضاب على

стр. 701

الأولياء، وعدم اكتراث بهم. وأيضا؛ يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير؛ وأحق التشهير أن يحضر أولياؤها، ولا يجوز أن يحكم في النكاح النساء خاصة؛ لنقصان عقلهن، وسوء فكرهن؛ فكثيرا ما لا يهتدين للمصلحة. ولعدم حماية الحسب منهن غالبا؛ فربما رغبن في غير الكفء، وفي ذلك عار على قومها، فوجب أن يجعل للأولياء شيء من هذا الباب؛ لتسد المفسدة. وأيضا فإن (١) السنة الفاشية في الناس من قبل - ضرورة -؛ أنهن عوان (٢) بأيديهم، وهو قوله - تعالى -: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ ". انتهى. قال الشافعي: " لا ينعقد نكاح امرأة إلا بعبارة الولي القريب، فإن لم يكن؛ فبعبارة الولي البعيد، فإن لم يكن؛ فبعبارة السلطان، فإن زوجت نفسها أو غيرها بإذن الولي أو بغير إذنه؛ بطل ولم يتوقف ".

стр. 702

وتأويل قوله: " لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها ": لا يزوجها إلا وكيل الولي، ويفهم تزويجها بنفسه بالأولى. وقال أبو حنيفة: ينعقد نكاح المرأة الحرة العاقلة البالغة برضاها - وإن لم يعقد عليها ولي - بكرا كانت أو ثيبا. وتأويل الحديث: أنه يكره لها ذلك؛ خشية أن تقصر في رعاية الكفاءة وغيرها، أو تنسب إلى الوقاحة. أو تأويله: إن للولي حق الاعتراض في غير الكفء. فمعنى قوله: " لا تنكح "؛ أي: لا تستقل بنكاحها إلا بإذنه؛ لأن له حق الاعتراض في غير الكفء. وقال محمد: ينعقد موقوفا على إذنه؛ كذا في " المسوى ". ( [الشاهدان شرط لصحة النكاح] :) (وشاهدين) ؛ لحديث عمران بن حصين عند البيهقي، والدارقطني في " العلل "، وأحمد في رواية ابنه عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك. وأخرج الدارقطني، والبيهقي، من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن

стр. 703

تشاجروا؛ فالسلطان ولي من لا ولي له " (١) . وإسناده ضعيف. وأخرج الترمذي، من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة " (٢) . وصحح الترمذي وقفه. وهذه الأحاديث - وما ورد في معناها - يقوي بعضها بعضا؛ وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. قال في " شرح السنة ": " أكثر أهل العلم على أن النكاح لا ينعقد إلا ببينة، ولا ينعقد حتى يكون الشهود حضورا حالة العقد، واختلفوا في صفة الشهود؛ قال الشافعي: لا ينعقد إلا بمشهد رجلين عدلين، وقال أبو حنيفة: ينعقد برجل وامرأتين، وبفاسقين ". كذا في " المسوى ". وفي " الموطإ " في باب: " لا يحل نكاح السر ": " مالك: عن أبي الزبير المكي، أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة؛ فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت ". ( [متى تبطل ولاية الولي ؟] :) (إلا أن يكون) الولي (عاضلا أو غير مسلم) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿فلا

стр. 704

تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ ، ولتزوجه ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان من غير وليها؛ لما كان كافرا حال العقد. ( [جواز التوكيل لعقد النكاح] :) (ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكل لعقد النكاح؛ ولو واحدا) ؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود (١) : أن النبي ﷺ قال لرجل: " أترضى أن أزوجك فلانة؟ "، قال: نعم، وقال للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا؟ "، قالت: نعم؛ فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في " البحر " عن الشافعي، وزفر: أنه لا يجوز. وقال في " الفتح ": وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك،؛ ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجه السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه، ووافقه زفر. وأما استحباب النثار؛ فأقول: لم يصح في ذلك شيء؛ كما أوضحه في " النيل "، و " السيل "، ولا بأس بنثر شيء من المأكولات، فهو من جملة

стр. 705

الإطعام المندوب؛ إنما الشأن في الحكم بمشروعية انتهابه مع ورود الأحاديث الصحيحة بالنهي عن النهبى؛ والظاهر أن هذا نوع منها، ولم يرد ما يدل على التخصيص؛ لا من وجه صحيح، ولا حسن، بل ولا ضعيف ينجبر. وأما إجابة الوليمة؛ فأحاديث الأمر بالإجابة صحيحة؛ ولم يأت ما يقتضي صرفها عن الوجوب. نعم؛ الولائم المشوبة بالمنكرات - مع عدم القدرة على التغيير - لا يجوز حضورها؛ كما يدل عليه حديث النهي عن الجلوس على المائدة التي تدار عليها الخمر، وسائر المعاصي تقاس على ذلك. ( [الفصل الثاني: الأنكحة المحرمة] ) (١ - [حكم نكاح المتعة] ) (ونكاح المتعة) (١) ؛ قال في " الحجة ": " رخص فيها ﷺ أياما، ثم نهى عنها ". أما الترخيص أولا؛ فلمكان حاجة تدعو إليه؛ كما ذكره ابن عباس فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله، أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد البضع؛ بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات؛ من باب تدبير المنزل (٢) ، كيف
следующие страницы →