← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقال أبو حنيفة: سنة. وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد. والحق الأول؛ لقوله - تعالى -: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ . ( [يرمل الحاج في الثلاثة الأولى من الطواف] :) (يرمل في الثلاثة الأولى، ويمشي فيما بقي) : قال في " الحجة ": " وأول طواف بالبيت رمل واضطباع (١) ، وبعده سعي بين الصفا والمروة، وكان عمر أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض، فلم يتركهما ". ( [يقبل الحاج الحجر الأسود] :) (ويقبل الحجر الأسود) : لما في " الصحيحين " من حديث عمر: أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنقع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " يأتي هذا الحجر يوم القيامة؛ له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق ".

стр. 632

وفي الباب أحاديث. وأما الابتداء بالحجر: فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة المشي، والحجر أحسن مواضع البيت؛ لأنه نازل من الجنة، واليمين أيمن الجهتين. (أو يستلمه) ، وثبت عنه ﷺ في استلامه ثلاث صفات: أحدها: تقبيله، وثانيها: أنه وضع يده عليه ثم قبلها، وثالثها: أنه يشير إليه بالمحجن (١) . ولم يقل: طوافي لكذا، ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده، وذلك من البدع المنكرة. (بمحجن ويقبل المحجن) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل، وزاد: ويقبل المحجن. (ونحوه) ؛ أخرج أحمد من حديث عمر، أن النبي ﷺ قال له: " يا عمر! إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر؛ فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلة فاستلمه؛ وإلا فاستقبله وهلل وكبر "؛ وفي إسناده مجهول (٢) .

стр. 633

( [ويستلم الحاج الركن اليماني] :) (ويستلم الركن اليماني) : لما أخرج أحمد، والنسائي عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا "؛ وفي إسناده عطاء بن السائب (١) . وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين. وأخرج البخاري في " تاريخه "، وأبو يعلى من حديث ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل الركن اليماني؛ وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز؛ وهو ضعيف (٢) . وأخرج أحمد، وأبو داود من حديثه: أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه. قال صاحب " سبل السلام " (٣) : " وكان يقول عند استلامهما: " بسم الله والله أكبر "، وكان كلما أتى الحجر يقول: " الله أكبر ". ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف؛ إلا أنه أخرج أبو داود، وابن

стр. 634

حبان (١) : أنه يقول بين الركنين: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ، وفي الطواف: " اللهم! قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائب لي بخير "، أخرجه الحاكم. وفي " مصنف ابن أبي شيبة ": " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ". والموضع موضع دعاء، فيختار فيه ما شاء ". انتهى. قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام - كما ذكره ابن عمر - من أنهما باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين الآخرين، فإنهما من تغيرات الجاهلية، وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس؛ لأن الطواف يشبه الصلاة في تعظيم الحق وشعائره، فحمل عليها. ( [القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد] :) (ويكفي القارن طواف واحد، وسعي واحد) : لكونه ﷺ حج قرانا على الأصح، واكتفى بطواف واحد للقدوم، وبسعي واحد، ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين. وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأة طواف واحد وسعي واحد "؛ وقد حسنه الترمذي. أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد

стр. 635

وسعي واحد: ثابتة قولا وفعلا: أما القول: فحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرن بين حجه وعمرته؛ أجزأه لهما طواف واحد "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة. وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا "، وقال " " هذا حديث حسن ". وأخرجه أيضا سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي. وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف: فقد رده غيره من الحفاظ؛ لأن الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه، وإنه موقوف، فأجابوا عنه بأن الدراوردي صدوق، وأن رفعه حجة (١) . ومن القول؛ حديث طاوس عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: " يسعك طوافك لحجك وعمرتك "، أخرجه أحمد، ومسلم. وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها: أن النبي ﷺ قال لها: " يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ". وأما أحاديث الفعل: فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة: أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا.

стр. 636

وأخرج مسلم، وأبو داود عن جابر: أنه لم يطف النبي ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. وأخرج البخاري عن ابن عمر: أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا؛ بعد أن قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ . وأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طاوس: أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا. واستدل القائلون بأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين بفعل علي ﵁، وقوله: رأيت رسول الله ﷺ يفعل هكذا؛ أخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، وغيرهما (١) . وقد روي نحوه عن ابن مسعود، وابن عمر بأسانيد في بعضها متروك، وفي البعض الآخر ضعيف. حتى قال ابن حزم: لا يصح عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء. وتعقب بأن حديثي علي وابن مسعود (٢) ؛ لا بأس بإسناديهما، ولهذا رجح البيهقي وغيره المصير إلى الجمع: أنه طاف طواف القدوم، وطواف الإفاضة، قال: وأما السعي فلم يثبت فيه شيء.

стр. 637

وقد حكى الحافظ في " الفتح " أنه روى جعفر الصادق عن أبيه: أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا؛ خلاف ما يقوله أهل العراق. والحاصل: أن الجمع بما تقدم - إن اندفع به النزاع - فالمراد؛ وإلا وجب المصير إلى التعارض والترجيح، ولا يشك عالم بالحديث أن أدلة الطواف الواحد والسعي الواحد أرجح. ( [وجوب الوضوء وستر العورة أثناء الطواف] :) (ويكون حال الطواف متوضئا ساتر العورة) : لما في " الصحيحين " من حديث عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم؛ أنه توضأ، ثم طاف بالبيت. وفيهما أيضا من حديث أبي بكر: أن النبي ﷺ قال: " لا يطوف بالبيت عريان ". في " شرح السنة ": عند الشافعي لا يجزىء الطواف إلا بما يجزىء به الصلاة؛ من الطهارة عن الحدث والنجاسة، وستر العورة، فإن ترك شيئا منها؛ فعليه الإعادة (١) . قال في " الأنوار ": ولو أحدث في الطواف عمدا؛ توضأ وبنى، ولا

стр. 638

يجب الاستئناف وإن طال الفصل. والكلام في الطواف مباح، ويستحب أن لا يتكلم؛ إلا بذكر الله أو حاجة أو علم. وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا وفارق مكة؛ لا تلزمه الإعادة وعليه دم. وفي " العالمكيرية ": " أن كل عبادة تؤدى لا في المسجد من المناسك؛ فالطهارة ليست من شرطها، كالسعي، والوقوف بعرفة، وكل عبادة في المسجد؛ فالطهارة من شرطها كالطواف ". أقول: أما فرضية الوضوء للطواف أو شرطيته - كما زعمه البعض -: فغاية ما في ذلك حديث: أنه توضأ ﷺ ثم طاف، وهذا مجرد فعل لا ينتهض للوجوب، وليس الوضوء بداخل في عموم المناسك، حتى يقول: إنه بيان لقوله: " خذوا عني مناسككم ". فإن قيل: إنه شرط النسك أو فرضه؛ فيكون من جملة بيان المناسك؛ فيجاب بأن هذه مصادرة على المطلوب؛ لأن كونه شرطا أو فرضا هو محل النزاع، ومع هذا ففعله للوضوء يحتمل أن يكون لما يتعقب الطواف من الصلاة، ولا سيما وقد كان ﷺ لا يدخل المسجد إلا متوضئا في غير الحج، فملازمته لذلك في الحج أولى. وأما منعه ﷺ للحائض أن تطوف بالبيت: فليس فيه دليل على أن المنع لها لكون الطهارة شرطا أو فرضا للطواف؛ لاحتمال أن يكون المنع لها لكون

стр. 639

الطواف من داخل المسجد، وهي ممنوعة من المساجد، ولو سلم فغايته أن الطهارة من الحيض هي الشرط، لا الوضوء. وأما حديث: " الطواف بالبيت صلاة ": فمع كونه في إسناده عطاء بن السائب (١) ؛ وهو ضعيف؛ فليس التشبيه بمقتض لمساواة المشبه للمشبه به في جميع الأوصاف، بل الاعتبار التشابه في أخص الأوصاف؛ وليس هو الوضوء. ( [يحرم الطواف على الحائض] :) (والحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف) طواف القدوم وكذا طواف الوداع (بالبيت) : لحديث عائشة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: " الحائض تقضي المناسك كلها؛ إلا الطواف "؛ أخرجه أحمد. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر. ولحديث عائشة أيضا في " الصحيحين " وغيرهما: أنه قال لها النبي ﷺ لما حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت، حتى تغتسلي (٢) ".

стр. 640

( [يسن الذكر بالمأثور أثناء الطواف] :) (ويندب الذكر حال الطواف بالمأثور) : لحديث عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم؛ لأنه دعاء جامع نزل به القرآن، وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: " وكل به - يعني: الركن اليماني - سبعون ملكا، فمن قال: اللهم ﴿إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ؛ قالوا: آمين "؛ أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه إسماعيل بن عياش، وهشام بن عمار؛ وهما ضعيفان (١) . وأخرج ابن ماجه أيضا من حديثه أنه سمعه يقول: " من طاف بالبيت سبعا، ولا يتكلم إلا بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله: محيت عنه عشر سيئات، وكتب له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات "، وفي إسناده من تقدم في الحديث الأول (٢) .

стр. 641

وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه - (١) من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله - تعالى - ". وفي الباب أحاديث. ( [صلاة ركعتين في مقام إبراهيم بعد الطواف] :) (وبعد فراغه يصلي ركعتين) : وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: هما واجبتان. (في مقام إبراهيم ثم يعود إلى الركن فيستلمه) : لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم؛ قرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ؛ فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، ثم عاد إلى الركن، فاستلمه. قلت: وجهر فيهما بقراءته نهارا، فالجهر فيهما السنة؛ ليلا ونهارا، فلما

стр. 642

فرغ منهما؛ أتى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي يقابله. ( [الفصل الخامس: وجوب السعي بين الصفا والمروة] ) ( [وجوب السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط] :) (ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعيا بالمأثور) ؛ والسعي واجب؛ لقوله - تعالى -: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ ؛ وعليه أهل العلم؛ إلا أنه عند الشافعي من الأركان؛ فلا يجبر بالدم. وذهب الجمهور إلى أنه فرض. وعند أبي حنيفة: من الواجبات، وعلى من تركه دم؛ كذا في " المسوى ". والسعي هو النسك الثالث؛ لأن النسك الأول الإحرام، والثاني الطواف؛ كما تقدم. ودليله ما أخرج أحمد، والشافعي، من حديث حبيبة بنت أبي تجزأة (١) ،

стр. 643

أن النبي ﷺ قال: " اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي "؛ وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. وله طريق أخرى في " صحيح ابن خزيمة "، و " الطبراني " عن ابن عباس. وأخرج أحمد نحوه من حديث صفية بنت شيبة (١) . وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه؛ أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر. وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر أيضا: أن النبي ﷺ لما دنا من الصفا قرأ: " ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ؛ أبدأ بما بدأ الله به "، فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، قال: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده "، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا؛ مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. ويجوز السعي راكبا، وماشيا - وهو أفضل -، وعليه أهل العلم.

стр. 644

( [المتمتع بعد السعي يصبح حلالا] :) (وإذا كان متمتعا صار بعد السعي حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج) : لقول عائشة حاكية لحجهم مع النبي ﷺ : فأما من أهل بالعمرة؛ فأحلوا حين طافوا بالبيت، وبالصفا والمروة؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. وفيهما أيضا من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: " أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم التروية؛ فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم لها متعة ". وفي لفظ لمسلم من حديثه أيضا، قال: أمرنا رسول الله ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح. أقول: الإهلال هو رفع الصوت بلفظ: لبيك بحجة وعمرة، والظاهر من الأدلة؛ أنه لا يجب إلا نية الإحرام بالحج، وليس وراء ذلك أمر آخر هو الإحرام؛ بل هو مجرد النية. وأما اشتراط كونها مقارنة لتلبية أو تقليد؛ فلم يدل عليه دليل؛ بل التلبية ذكر مستقل وسنة منفردة، وكذلك التقليد للهدي، ولا كلام في ثبوت مشروعيتهما، وأما أنهما شرط لنية الإحرام بالحج؛ فلا، ومن ادعى ذلك؛ فعليه البرهان.

стр. 645

( [الفصل السادس: مناسك الحج] ) ( [التوجه إلى عرفات صبح يوم التاسع] ) ( [ويصلي: الظهر والعصر جمع تقديم مع خطبة] :) (ثم يأتي عرفة صبح يوم عرفة ملبيا مكبرا، ويجمع العصرين) الظهر والعصر (فيها ويخطب) : لما ثبت عنه ﷺ أنه خطب الناس وهو على راحلته خطبة بديعة؛ قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، وغير ذلك من الأحكام، وكانت خطبة واحدة، لم تكن خطبتين يجلس بينهما. وقال في " الحجة ": " إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها، ولا يسعهم جهلها؛ لأن اليوم يوم اجتماع، وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه الأحكام، التي يراد تبليغها إلى جميع الناس ". انتهى. ( [الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة ويصلي المغرب والعشاء جمع تأخير] :) (ثم يفيض من عرفة ويأتي المزدلفة ويجمع فيها بين العشاءين) المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولا يسبح (١) ههنا؛ كما ثبت عنه ﷺ . ( [المبيت في المزدلفة ويصلي الفجر فيها] :) (ثم يبيت بها) : قال النحاس: إن كثيرا من الحجاج لا يقف بالمزدلفة،

стр. 646

وإن وقف فلا يبيت، وهذه بدعة يجب على الأمير، ومن قدر أن يمنع منها؛ لأن من ترك المبيت بالمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر. وذهب ابن خزيمة، وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن. فعلى هذا إذا تركه فسد (١) حجه، ولا يجبر بدم ولا بغيره، وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط. انتهى. (ثم يصلي الفجر) حتى يتبين له الصبح بأذان وإقامة. ( [الوقوف في المشعر مع ذكر الله] :) (ويأتي المشعر) الحرام. تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحرام بدعة أيضا، ويستقبل القبلة. (فيذكر الله عنده) ويدعوه ويكبره ويهلله ويوحده. أقول: وما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا؛ لأنه - مع كونه مفعولا له ﷺ ومندرجا تحت قوله: " خذوا عني مناسككم " - فيه

стр. 647

أيضا النص القرآني بصيغة الأمر: ﴿فاذكروا (١) الله عند المشعر الحرام﴾ . (ويقف به) ؛ والوقوف هو النسك الرابع من مناسك الحج. (إلى قبل طلوع الشمس ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر) ؛ وهو محل هلاك أصحاب الفيل، وبرزخ بين المزدلفة ومنى ليس من هذه ولا هذه، فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من الغضب. ( [ترمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس] :) (ثم يسلك الطريق الوسطى) بين الطريقين (إلى الجمرة التي عند الشجرة وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة) ؛ مثل حصى الخذف. (ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس) ؛ وإنما كان رمي الجمار يوم الأول غدوة، وفي سائر الأيام عشية؛ لأن من وظيفة الأول النحر والحلق والإفاضة، وهي كلها بعد الرمي، ففي كونه غدوة توسعة. وأما سائر الأيام: فأيام تجارة وقيام أسواق، فالأسهل أن يجعل ذلك بعد

стр. 648

ما يفرغ من حوائجه، وأكثر ما كان الفراغ في آخر النهار. ( [الترخيص للضعفاء بالرمي بعد منتصف ليلة النحر] :) (إلا النساء والصبيان فيجوز لهم قبل ذلك) . ( [يحلق رأسه أو يقصره] :) (ويحلق رأسه) (١) : فقد دعا النبي ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة (أو يقصره) ؛ وهو النسك الخامس. (فيحل له كل شيء إلا النساء، ومن حلق، أو ذبح، أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج) . ( [المبيت بمنى ليالي التشريق] ) (ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق) ؛ وهو النسك السادس. والحاصل: أن المبيت بمنى ليس بمقصود في ذاته؛ إنما هو لأجل الرمي المشروع؛ لأنه فعل، والزمان والمكان من ضرورياته، فالحق ما قاله الحنفية وبعض الشافعية؛ من عدم وجوبه في نفسه (٢) .

стр. 649

( [يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بسبع حصيات بالترتيب] :) (ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات مبتدئا بالجمرة الدنيا، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة) : لما أخرج أحمد، وأهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني من حديث عبد الرحمن بن يعمر: أن النبي ﷺ أمر مناديا فنادى: " الحج عرفة ". وأخرج أحمد، وأبو داود عن ابن عمر، قال: غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة، وهي منزل الإمام الذين ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر؛ راح رسول الله ﷺ ، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة. وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر، قال: لما كان يوم التروية؛ توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش

стр. 650

أنه واقف عند المشعر الحرام؛ كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ ، حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء (١) ؛ فرُحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ". وفي " صحيح مسلم " من حديث أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ قال في عشية عرفة، وغداة جمع للناس حين دفعوا: " عليكم السكينة "؛ وهو كاف ناقته، حتى دخل محسرا. وفي حديث جابر عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئا، ثم اضطجع، حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا (٢) ، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع

стр. 651

حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف؛ رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، قال: رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد؛ فإذا زالت الشمس. وفيهما أيضا من حديث ابن مسعود: أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة. وفي رواية: حتى انتهى إلى جمرة العقبة. وفي " الصحيحين " (١) وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: أنا ممن قدّم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وفيهما (٢) أيضا من حديث عائشة، قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة (٣) ، فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل. وفي الباب أحاديث. وفي " صحيح مسلم "، وغيره من حديث أنس: أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: " خذ "، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.

стр. 652

وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم ﴿اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله﴾ وللمقصرين؟ ﴿قال: " اللهم﴾ اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله ﴿وللمقصرين؟﴾ قال: " اللهم ﴿اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله﴾ وللمقصرين؟ ﴿قال: " وللمقصرين ". وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا رميتم الجمرة؛ فقد حل لكم كل شيء؛ إلا النساء " (١) . وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله﴾ حلقت قبل أن أرمي؟ قال: " ارم ولا حرج "، وأتاه آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: " ارم ولا حرج "، وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ فقال: " ارم ولا حرج ". وفي رواية فيهما: فما سئل عن شيء؛ إلا قال: " افعل ولا حرج ". وأخرج أحمد من حديث علي، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله! حلقت قبل أن أنحر؟ قال: " انحر ولا حرج "، ثم أتاه آخر فقال: إني أفضت

стр. 653

قبل أن أحلق؟ قال: " احلق - أو قصر - ولا حرج ". وفي لفظ للترمذي - وصححه -، قال: إني أفضت قبل أن أحلق؟ وفي " الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير؟ فقال: " لا حرج ". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم من حديث عائشة، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، وعند الثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة لا يقف عندها. وعن ابن عباس، قال: رمى رسول الله ﷺ الجمار حين زالت الشمس؛ رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -. وفي " البخاري " عن ابن عمر، قال: كنا نتحين؛ فإذا زالت الشمس رمينا. وأخرج الترمذي - وصححه - من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى إليها، ذاهبا وراجعا. وفي لفظ عنه: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا، وسائر ذلك ماشيا، ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك؛ أخرجه أحمد، وأبو داود. وفي " الصحيحين " من حديث ابن عباس، وابن عمر: أن العباس استأذن

стр. 654

النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته؟ فأذن له. وفي " البخاري "، و " أحمد " من حديث ابن عمر: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل (١) ، فيقوم مستقبل القبلة طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث عاصم ابن عدي: أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر. وأخرج أحمد (٢) ، والنسائي عن سعد بن مالك، قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ ، وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست حصيات، ولم يعب بعضهم على بعض؛ ورجاله رجال الصحيح. ( [تستحب الخطبة يوم النحر] ) (ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم) بعد الزوال خطبتين خفيفتين

стр. 655

قائما، والأخيرة أخف، ويجلس بينهما كالجمعة (١) ؛ يعلم فيهما المناسك إلى اليوم الثاني، وإذا زالت الشمس اغتسل، إن أحب. (يوم النحر) : لحديث الهرماس بن زياد، قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى؛ أخرجه أحمد، وأبو داود (٢) . وأخرج نحوه أبو داود (٣) أيضا من حديث أبي أمامة. وأخرج نحوه هو، والنسائي من حديث عبد الرحمن بن معاذ التيمي. وأخرجه البخاري (٤) ، وأحمد من حديث أبي بكرة، وفيه أنه قال: " فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بدلكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ ﴿"، قالوا: نعم، قال: " اللهم﴾ اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب؛ فربّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض ". ( [تستحب الخطبة في وسط أيام التشريق] :) (و) يستحب الخطبة (في وسط أيام التشريق) : لحديث سراء بنت نبهان،

стр. 656

قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس (١) ، فقال: " أي يوم هذا؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " أليس أوسط أيام التشريق؟ ! "؛ أخرجه أبو داود، ورجاله رجال الصحيح (٢) . وأخرج نحوه أحمد من حديث أبي بصرة؛ ورجاله رجال الصحيح. وأخرج نحوه أبو داود عن رجلين من بني بكر. فتضمنت حجته ﷺ ثلاث خطب: يوم عرفة، ويوم النحر، وثاني أيام التشريق. قال الماتن ﵀ في " حاشية الشفاء ": " الخطب المشروعة في الحج أربع؛ كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة؛ وقد بيناها في " شرح المنتقى " (٣) ؛ فليرجع إليه ". انتهى. ( [طواف الإفاضة ركن] :) (ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.

стр. 657

وفي " صحيح مسلم " من حديث جابر نحوه (١) . والمراد بقوله: أفاض؛ أي: طاف طواف الإفاضة. قال النووي: وقد أجمع (٢) العلماء أن هذا الطواف - وهو طواف الإفاضة - ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله في أيام التشريق أجزأه، ولا دم عليه بالإجماع. قال صاحب " سبل السلام ": " طواف الزيارة - ويقال له: طواف الصدر، ويسمى طواف الإفاضة -؛ طاف ﷺ ولم يطف غيره، ولم يسع (٣) ، وتضمنت حجته رفع يديه للدعاء ست مرات: الأولى: على الصفا، الثانية: على المروة، الثالثة: بعرفة، الرابعة: بمزدلفة، الخامسة: عند الجمرة الأولى، السادسة: عند الجمرة الثانية ". انتهى. أقول: الأدلة تدل على عدم وجوب طواف الزيارة على التعيين، فضلا عن كونه ركنا من أركان الحج التي لا يصح بدونها، فعلى المجتهد أن يبحث

стр. 658

عن المسائل التي قلد فيها الآخر الأول، وجعل عليها سورا لا يستطيع صعوده من كان هيابا للقيل والقال، ومخبوطا بأسواط آراء الرجال، وهو دعوى الإجماع؛ فإن ما كان كذلك؛ قل أن يكشف عن أصله ومستنده؛ إلا من كان من الأبطال المؤهلين للنظر في الدلائل، الفارقين بين العالي منها والسافل؛ ﴿وقليل ما هم﴾ ؛ بل هم أقل من القليل، والله المستعان. وقد ثبت عنه ﷺ عند الشيخين وغيرهما من حديث عائشة: أنه قال لها: " طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ يكفيك لحجك وعمرتك ". وأخرج الشيخان (١) وغيرهما من حديث ابن عمر، أنه ﷺ قال: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد "؛ واللفظ للترمذي. وهذا يدل على أن الواجب ليس إلا طواف واحد لا ثلاثة: طواف القدوم، والزيارة، والوداع. ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر: أنه حج، فطاف بالبيت ولم يطف طوافا غير ذلك (٢) .

стр. 659

( [طواف الوداع واجب] :

стр. 660

(وإذا فرغ من أعمال الحج طاف للوداع) : لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : " لا ينفرن أحد؛ حتى يكون آخر عهده بالبيت ". وفي لفظ للبخاري، ومسلم: أن النبي ﷺ أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. وفي الباب أحاديث. وإلى وجوب طواف الوداع: ذهب الجمهور. وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة، لا شيء في تركه. قال في " الحجة ": " والسر فيه تعظيم البيت أن يكون هو الأول، وهو الآخر، تصويرا لكونه هو المقصود من السفر، وموافقة لعادتهم في توديع الوفود ملوكها عند النفر ". وقال في " سبل السلام ": " ثم إنه ﷺ طاف طواف الوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف، وصلى الفجر بالحرم، وقرأ ب ﴿الطور﴾ ، ثم نادى بالرحيل، فارتحل راجعا إلى المدينة، فلما أتى ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاثا، وقال: " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده "، ثم دخلها نهارا ". انتهى.

стр. 661

( [الفصل السابع: أفضل أنواع الهدي] ) (١ - [البدنة] :) (والهدي) : لقوله - تعالى - ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ ، واتفق أهل العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد والمعتمر المفرد، وواجب على المتمتع والقارن، وعلى من وجب عليه جزاء العدوان على الإحرام، ويعتبر في الهدايا ما يعتبر في الضحايا. (أفضله البدنة) : لأنه ﷺ كان يهدي البدن، ولأنها أنفع للفقراء. (٢ -[البقرة] ، ٣ -[الشاة] :) (ثم البقرة ثم الشاة) : لأن البقرة أنفع بالنسبة إلى الشاة؛ وهذا إذا كان الذي يهدي البدنة والبقرة واحدا. أما إذا كانوا جماعة بعدد ما تجزئ عنه البدنة والبقرة؛ فقد وقع الخلاف، هل الأفضل سُبع البدنة أو البقرة، أم الشاة عن الواحد؟ والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للفقراء. ( [البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة] :) (وتجزئ البدنة والبقرة عن سبع) : لحديث جابر في " الصحيحين " وغيرهما، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك

стр. 662

في الإبل والبقر؛ كل سبعة منا في بدنة. وفي لفظ لمسلم: فقيل لجابر: أيُشترك في البقر ما يُشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن. وأخرج أحمد، وابن ماجه عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر ولا أجدها؛ فأشتريها؟ فأمره ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن؛ ورجاله رجال الصحيح (١) . ولا يعارض هذا حديث ابن عباس عند أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه (٢) - قال: كنا في سفر، فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة، والبعير عن عشرة. وكذلك لا يعارضه ما في " الصحيحين " من حديث رافع بن خديج: أنه ﷺ قسم، فعدل (٣) عشرا من الغنم ببعير: لأن تعديل البدنة بسبع شياه هو في الهدي، وتعديلها بعشر هو في الأضحية والقسمة.

стр. 663

وقد ذهب الجمهور إلى أن عدل البدنة في الهدي سبع شياه. وادعى الطحاوي وابن رشد (١) أنه إجماع؛ ولا تصح هذه الدعوى فالخلاف مشهور. ( [يجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه] :) (ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه) : لحديث جابر: أن النبي ﷺ أمر من كل بدنة ببضعة (٢) ، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل هو وعلي من لحمها، وشربا من مرقها؛ أخرجه أحمد، ومسلم. وفي " الصحيحين " من حديث عائشة: أنه دخل عليها يوم النحر بلحم بقر، فقالت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه. قال النووي: " وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة ". انتهى. والظاهر أنه لا فرق بين هدي التطوع وغيره؛ لقوله - تعالى -: ﴿فكلوا منها﴾ . ( [يجوز للمهدي أن يركب على هديه] :) (ويركب عليه) ، أي: المهدي على هديه؛ لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها "،

стр. 664

فقال: إنها بدنة؟ قال: " اركبها "، قال: إنها بدنة؟ قال: " اركبها ". وفيهما نحوه من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد، ومسلم من حديث جابر: أنه سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهرا ". ( [يندب إشعار الهدي وتقليده] :) (ويندب له إشعاره وتقليده) (١) : لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين. قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " قالوا: إنها خلاف الأصول؛ إذ الإشعار مثلة، ولعمر الله؛ إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة ﴿وما ضرها ذلك شيئا، والمثلة المحرمة هي العدوان، لا يكون عقوبة، ولا تعظيما لشعائر الله، فأما شق صفحة سنام البعير المستحب أو الواجب ذبحه، ليسيل دمه قليلا، فيظهر شعار الإسلام، وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى الله وفق الأصول؛ وأي كتاب أو سنة حرم ذلك حتى يكون خلافا للأصول؟﴾ وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياس على وجه الأرض؛ فإنه قياس ما يحبه الله ويرضاه على ما يبغضه ويسخطه وينهى عنه؛ ولو لم يكن في حكمة الإشعار

стр. 665

إلا تعظيم شعائر الله وإظهارها، وعلم الناس بأن هذه قرابين الله تساق إلى بيته، تذبح له، ويتقرب بها إليه عند بيته، كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته، عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلون لها، فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم لله وحده، وأن يظهروا شعائر توحيده غاية الإظهار، ليعلو دينه على كل دين: فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها؛ ولله الحمد ". ( [بيان حكم من بعث بهديه] :) (ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) : لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ كان يهدي من المدينة، ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم. أقول: هذا آخر كلام الماتن على أحكام الحج. ( [بيان حكم الحج عن الميت] :) وأما الحج عن الميت والاستئجار له؛ فاعلم أن الحج من الواجبات المتعلقة ببدن المكلف، والظاهر في الواجبات البدنية أنها لا تلزم بعد رفع قلم التكليف، وانتقال المكلف من هذه الدار التي هي دار التكاليف إلى دار الآخرة؛ لأنه لم يبق من طلب منه الفعل، فمن قال: إنه يلزم الميت الإيصاء بشيء من الواجبات البدنية بأن يفعل عنه غيره بعد موته؛ لم يقبل إلا بدليل. أو قال: من تبرع عن ميت بفعل واجب بدني أجزأه؛ لم يقبل ذلك منه إلا بدليل.

стр. 666

وقد ورد الدليل في أمور، منها الصوم؛ لحديث: " من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه "، ولكن ليس في هذا الحديث وجوب على الميت، بل الإيجاب على الولي (١) ، وغاية ما يستفاد من قوله: " صام عنه "؛ أنه يجزىء ذلك الصوم عن الميت. وأما الحج؛ فلم يرد ما يدل على وجوب الوصية على الميت به، بل ورد ما يدل على وقوع الحج من القريب عن قريبه الميت؛ كما في حديث من نذرت أخته أن تحج، فماتت قبل أن تحج (٢) ، وكذلك ورد ما يدل على وقوع الحج من الولد لأبيه، إذا كان في الحياة عاجزا عن الإتيان بالفريضة؛ كما في خبر الخثعمية.

стр. 667

وأما إيجاب الوصية بالحج، أو أنه يجزىء من كل أحد عن كل ميت: فلا دليل على ذلك فيما أعلم. نعم؛ إذا أوصى بالحج بنصيب من ماله؛ فقد جعل الله له ثلث ماله في آخر عمره يتصرف به كيف يشاء؛ ما لم يكن ضرارا؛ فالموصي بالحج كأنه أوصى بنصيب من ماله المأذون له بالتصرف في ثلثه، فيجب امتثال وصيته. وأما كون ذلك يسقط الواجب على الميت؛ فمحل تردد عندي، ولا سيما إذا كان الذي حج عنه ليس من قرابته (١) ؛ فإن القرابة لها تأثير في القيام ببعض الواجبات البدنية من الحي عن الميت؛ كما في حديث: " صام عنه وليه "، وكما في حديث الذي نذرت أخته أن تحج. وأما حديث: " حج عن نفسك، ثم عن شبرمة " (٢) : فهو - وإن كان في بعض " السنن " -؛ لكن لم يصرح فيه بأن الملبي عن شبرمة كان أجنبيا عنه، بل ورد في رواية: وهو أخ له أو صديق؛ ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. وفي لفظ؛ أنه قال له النبي ﷺ : " من شبرمة؟ "، قال: أخ لي أو قريب لي؛ وقد أخرج هذه الرواية البيهقي. والظاهر: أن اعتناءه به، وتلبيته عنه، وطيبة نفسه بأن يكون حجه له؛

стр. 668

للقرابة بينهما؛ إذ من البعيد أن يفعل ذلك لغير من بينه وبينه قرابة؛ ثم ليس في الحديث أن شبرمة هذا قد كان مات إذ ذاك. وأما ما رواه الثعلبي في " تفسيره " بلفظ: " من أوصى بحجة؛ كانت أربع حجج، وحجة للذي كتبها "؛ فمع كونه غير مرفوع؛ لا يدرى كيف إسناده؟ والثعلبي ليس من أهل الرواية، فقد روى في " تفسيره " الموضوعات. وقد أخرج البيهقي مثل ما ذكره عن جابر مرفوعا، كما ذكره صاحب التخريج؛ فينظر في سنده؛ فما أظنه يصح (١) . والحاصل: أن هذا البحث طويل الذيول، متشعب الحجج والنقول، فمن رام العثور على الصواب؛ فعليه ب " الفتح الرباني فتاوى الشوكاني "، و " دليل الطالب على أرجح المطالب "؛ لهذا العبد الضعيف. وليس مقصودنا هنا إلا التنبيه على الحق الحقيق بالقبول؛ وإن أباه أكثر العقول. وحديث: " فدين الله أحق أن يقضى "؛ ليس المراد به دفع الأجرة لمن

стр. 669

يحج، بل المراد أن الحج عن الوالد يصح من الولد؛ كما يصح منه قضاء الدين. ولا يرد على هذا أن اللفظ عام والاعتبار به؛ لأنا نقول: العموم ليس هو إلا باعتبار فعل فريضة الحج، لا باعتبار دفع المال لمن يحج؛ فهذا لم يرد به دليل، فعرفت بهذا أن ما يوصي به الميت من أجرة من يحج عنه؛ يكون خارجا من ثلثه المأذون به له. وأما من قال بوجوب الوصية على من لم يحج؛ فكان قياس قوله؛ أن تكون الأجرة الموصى بها من رأس المال؛ لأن وجوب الوصية فرع وجوب الأجرة في مال الموصي، ولا فرق بين وجوب مثل الأجرة من ماله، وبين وجوب مثل الزكاة. وأما ما يذكرونه من الفرق بين ما يتعلق بالمال ابتداء وانتهاء، وبين ما يتعلق بالبدن ابتداء وبالمال انتهاء: فشيء لا مستند له، ولا معول عليه.

стр. 670

(٢ - باب العمرة المفردة) وقد تقدمت صفتها. ( [يحرم للعمرة من الميقات] :) (يحرم لها من الميقات) ، أي: كالتنعيم؛ لأن الإحرام لها كالإحرام للحج، وقد تقدمت الأدلة في ذكر المواقيت؛ فإنها للحج والعمرة. ( [من كان في مكة يحرم للعمرة من الحل] :) (ومن كان في مكة خرج إلى الحل) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج عائشة إلى التنعيم، فتحرم للعمرة منه. (ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر) ، ولا خلاف في ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة: أنه أمر من لم يكن معه هدي بالطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، فمن فعل ذلك؛ فقد حل الحل كله؛ فواقعوا النساء بعد ذلك.
следующие страницы →