← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

نعم؛ لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية الإجماع؛ ولكنه قد روي عن أبي الدرداء، ومجاهد، وربيعة، وأبي ثور، والقاسم بن محمد، وسالم: أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر. حكى ذلك عنهم صاحب " البحر ". فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ ، والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم؛ إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة؛ كما في المواضع المعروفة بالتخالف بين حكميهما ". انتهى. ويوضح ذلك ما حرره الماتن - رحمه الله تعالى - في " وبل الغمام حاشية شفاء الأوام "؛ عبارته هكذا: " الذي نقله إلينا أئمة اللغة والإعراب - وصار كالمجمع عليه عندهم -: أن العدل في الأعداد يفيد أن المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة؛ كانت صيغة العدل المفردة في قوة تلك الأعداد، فإن كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة - وكانوا ألوفا مؤلفة -، فقلت: جاءني القوم مثنى؛ أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى تكاملوا، فإن قلت: مثنى، وثلاث، ورباع؛ أفاد ذلك: أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، وتارة أربعة أربعة، فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء؛ لا مقدار عدد جميع القوم، فإنه لا يستفاد منها أصلا، بل غاية ما يستفاد منها: أن عددهم متكثر تكثرا تشق الإحاطة به. ومثل هذا إذا قلت: نكحت النساء مثنى؛ فإن معناه: نكحتهن اثنتين اثنتين، وليس فيه دليل على أن كل دفعة من الدفعات لم يدل في نكاحه إلا

стр. 737

بعد خروج الأولى، كما أنه لا دليل - في قولك: جاءني القوم مثنى - أنه لم يصل الاثنان الآخران إليك؛ إلا وقد فارقك الاثنان الأولان. إذا تقرر هذا؛ فقوله - تعالى -: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ ؛ يستفاد منه جواز نكاح النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، والمراد جواز تزوج كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات، وليس في هذه تعرض لمقدار عددهن؛ بل يستفاد من الصيغ الكثرة من غير تعيين؛ كما قدمنا في مجيء القوم، وليس فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى، ومن زعم أنه نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا؛ فهذا مقام الاستفادة منه، فليتفضل بها علينا، وابن عباس إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع؛ فهو فرد من أفراد الأمة. وأما القعقعة بدعوى الإجماع من المصنف وأمثاله، فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة، وكيف يصح إجماع خالفته الظاهرية (١) ، وابن الصباغ، والعمراني، والقاسم بن إبراهيم نجم آل الرسول، وجماعة من

стр. 738

الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا القرآن الكريم كما بيناه، وخالفه أيضا فعل رسول الله ﷺ ، كما صح تواترا من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ ، ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ، ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ؟ ! ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل، والبراءة الأصلية مستصحبة؛ لا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير. وأما حديث أمره ﷺ لغيلان لما أسلم وتحته عشرة نسوة؛ بأن يختار منهن أربعا، ويفارق سائرهن؛ كما أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان؛ فهو وإن كان له طرق؛ فقد قال ابن عبد البر: كلها معلولة؛ وأعله غيره من الحفاظ بعلل أخرى. ومثل هذا لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني، والفعل المصطفوي الذي مات ﷺ عليه، والبراءة الأصلية. ومن صحح لنا هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة، أو جاءنا بدليل في معناه؛ فجزاه الله خيرا؛ فليس بين أحد وبين الحق عداوة، وعلى العالم أن يوفي الاجتهاد حقه؛ لا سيما في مقامات التحرير والتقرير؛ كما نفعله في كثير من الأبحاث، وإذا حاك في صدره شيء؛ فليكن تورعه في العمل؛ لا في تقرير الصواب. فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ إليه ملكتك لقيل وقال، ولا

стр. 739

سيما في مثل مواطن تجبن عنها كثير من الرجال؛ فإنك لا تسأل يوم القيامة عن الذي ترتضيه منك العباد؛ بل عن الذي يرتضيه المعبود؛ و (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل) ، و (من ورد البحر استقل السواقيا) ". انتهى. واندفع بهذا ما في " المسوى " من قوله: " قلت: اتفقت الأمة على أن الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر، ولا يجوز له أن ينكح أكثر من أربع. قال الشافعي: انتهى الله - تعالى - بالحرائر إلى أربع؛ تحريما لأن يجمع أحد غير النبي ﷺ بين أكثر من أربع. وأما العبد؛ فأكثر الأمة على أنه لا ينكح أكثر من امرأتين، وفي الآية ما يدل على أنها في الأحرار وهو قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، وملك اليمين لا يكون إلا للأحرار ". انتهى. وأما العدد الذي يحل للعبد؛ فقد حكى البيهقي، وابن أبي شيبة، أنه أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنتين، وكذلك حكى إجماع الصحابة الشافعي. وروى الدارقطني، عن عمر أنه قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين. وسيأتي ما ورد في طلاق الأمة والعدة - في باب العدة -، فمن قال بأن إجماع الصحابة حجة كفاه إجماعهم، ومن لم يقل بحجية إجماعهم؛ أجاز

стр. 740

للعبد ما يجوز للحر من العدد (١) ، وقد أوضح الماتن حكم الإجماع في أول " حاشية الشفاء ". ( [حكم زواج العبد بغير إذن سيده] :) (وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده؛ فنكاحه باطل) (٢) ؛ لحديث جابر عند أحمد (٣) ، وأبي داود، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، قال: قال رسول الله ﷺ : " من تزوج بغير إذن سيده؛ فهو عاهر ". وأخرجه أيضا ابن ماجه من حديث ابن عمر. قال الترمذي: " لا يصح؛ إنما هو عن جابر ".

стр. 741

وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر أيضا، وفي إسناده مندل بن علي؛ وهو ضعيف (١) . وقد ذهب إلى عدم صحة عقد العبد بغير إذن مولاه: الجمهور. وقال مالك: إن العقد نافذ، ولسيده فسخه. وورد بأن العاهر الزاني، والزنا باطل، وفي رواية من حديث جابر بلفظ: " باطل ". ( [حكم الأمة في الزواج إذا عتقت] :) (وإذا عتقت الأمة ملكت أمر نفسها، وخيرت في زوجها) ؛ لحديث عائشة في " صحيح مسلم " وغيره: أن بريرة خيرها النبي ﷺ ، وكان زوجها عبدا. وكذا في " صحيح البخاري " من حديث ابن عباس. وفي حديث آخر لعائشة عند أحمد، وأهل " السنن ": أن زوج بريرة كان حرا. (٢) وقد اختلفت الروايات في ذلك (٣)

стр. 742

وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار إذا كان الزوج حرا: فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة، وقد وقع في بعض الروايات:: أن النبي ﷺ قال لبريرة: " ملكت نفسك؛ فاختاري " (١) ؛ فإن هذا يفيد أنه لا فرق بين الحر والعبد. والحاصل: أن الاختلاف في كون زوجها حرا أو عبدا لا يقدح في ذلك؛ لأن ملكها لأمر نفسها يقتضي عدم الفرق. ولكن دعوى أن تمكينها لزوجها بعد علمها بالعتق، وثبوت الخيار، مبطل لخيارها؛ لا دليل عليها (٢) ، وتركه ﷺ لاستفصال بريرة أو زوجها عن ذلك: يفيد أنه غير مبطل، ولو كان مبطلا لم يتركه. ( [حكم فسخ النكاح بالعيب] :) (ويجوز فسخ النكاح بالعيب) ؛ لحديث كعب بن زيد - أو زيد بن كعب - أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها، ووضع ثوبه، وقعد على الفراش؛ أبصر بكشحها بياضا، فانحاز عن الفراش، ثم قال: " خذي عليك ثيابك "؛ ولم يأخذ مما آتاها شيئا. أخرجه أحمد، وسعيد بن منصور، وابن عدي، والبيهقي.

стр. 743

وأخرجه - من حديث كعب بن عجرة - الحاكم في " المستدرك ". وأخرجه أبو نعيم في " الطب "، والبيهقي، من حديث ابن عمر، وفي الحديث اضطراب (١) . وروى مالك في " الموطإ "، والدارقطني، وسعيد بن منصور، والشافعي، وابن أبي شيبة، عن عمر، أنه قال: أيما امرأة غُر بها رجل - بها جنون أو جذام أو برص -؛ فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على من غره؛ ورجال إسناده ثقات. وفي الباب عن علي عند سعيد بن منصور. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن النكاح يفسخ بالعيوب، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك. وروي عن علي، وعمر، وابن عباس، أنها لا ترد النساء إلا بالعيوب الثلاثة المذكورة، والرابع: الداء في الفرج. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة ترد بكل عيب ترد به الجارية في البيع، ورجحه ابن القيم، واحتج له في " الهدي " بالقياس على البيع. وذهب البعض إلى أن المرأة ترد الزوج بتلك الثلاثة، وبالجب، والعنة (٢) .

стр. 744

والخلاف في هذا البحث طويل. أقول: اعلم أن الذي ثبت بالضرورة الدينية؛ أن عقد النكاح لازم، تثبت به أحكام الزوجية؛ من جواز الوطء، ووجوب النفقة ونحوها، وثبوت الميراث، وسائر الأحكام، وثبت بالضرورة الدينية أن يكون الخروج منه بالطلاق والموت. فمن زعم أنه يجوز الخروج من النكاح بسبب من الأسباب؛ فعليه الدليل الصحيح المقتضي للانتقال عن ثبوته بالضرورة الدينية. وما ذكروه من العيوب؛ لم يأت في الفسخ بها حجة نيرة، ولم يثبت شيء منها. وأما قوله ﷺ : " الحقي بأهلك " (١) ؛ فالصيغة صيغة طلاق (٢) ؛ وعلى فرض الاحتمال؛ فالواجب الحمل على المتيقن دون ما سواه، وكذلك الفسخ بالعنة لم يرد به دليل صحيح، والأصل البقاء على النكاح حتى يأتي ما يوجب الانتقال عنه. ومن أعجب ما يتعجب منه: تخصيص بعض العيوب بذلك دون بعض؛

стр. 745

لا لمجرد دليل (١) ، فسبحان الله وبحمده! ( [حكم أنكحة الكفار إذا أسلموا] :) (ويقر من أنكحة الكفار إذا أسلموا ما يوافق الشرع) ؛ لحديث الضحاك بن فيروز، عن أبيه، عند أحمد (٢) ، وأهل " السنن "، والشافعي، والدارقطني، والبيهقي - وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان -، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما (٣) . وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والشافعي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، عن ابن عمر، قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا.

стр. 746

وقد أعل الحديث بأن الثابت منه إنما هو قول عمر؛ كما قال البخاري. قال ابن القيم: " السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان؛ أنه يخير في إمساك من شاء منهما وترك الأخرى، وردت بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدة بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معا فنكاحهما باطل ولا يخير، وكذلك حديث من أسلم على عشر نسوة، وربما أولوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات ". ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء؛ فإنه قال: " أمسك أربعا وفارق سائرهن "؛ رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن غيلان أسلم ... فذكره. وحديث فيروز المتقدم؛ فهذان الحديثان هما الأصول التي يرد ما خالفهما من القياس، أما أن تعقد قاعدة، وتقول: هذا هو الأصل، ثم ترد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة، فلعمر الله؛ لهدم ألف قاعدة لم يؤصلها الله - تعالى - ورسوله؛ أفرض علينا من رد حديث واحد. وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبي ﷺ كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما، ولو كان

стр. 747

في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك؛ وإن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقر عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله ﷺ ، وما خالفه فلا يلتفت إليه، والله الموفق ". انتهى ملخصا. ( [حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين] ) (وإذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح وتجب العدة) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، قال: كان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب؛ لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. وأخرج مالك في " الموطإ "، عن الزهري، أنه قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله؛ وزوجها كافر مقيم بدار الحرب؛ إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها؛ إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها. وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس، قال: كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين: أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه؛ وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن

стр. 748

هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه. ( [حكم نكاح من أسلم وزوجته لم تنقض عدتها] :) (فإن أسلم ولم تتزوج المرأة كانا على نكاحهما الأول؛ ولو طالت المدة؛ إذا اختارا ذلك) ؛ لحديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود، وصححه الحاكم: أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص - زوجها - بنكاحها الأول بعد سنتين، ولم يحدث شيئا. وفي لفظ: ولم يحدث صداقا. وفي لفظ للترمذي (١) : ولم يحدث نكاحا، وقال: " هذا حديث حسن، ليس بإسناده بأس ". وأخرج الترمذي، وابن ماجه، من حديث ابن عمرو: أن النبي ﷺ ردها على أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد؛ وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. (وروي بإسناد ضعيف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... مثله) (٢) .

стр. 749

قال الترمذي: " في إسناده مقال "؛ وقال الإمام أحمد: " هذا حديث ضعيف، والصحيح: أنه أقرهما على النكاح الأول ". وقال الدارقطني: " هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس: " أن النبي ﷺ ردها بالنكاح الأول ". وقال الترمذي في كتاب " العلل " له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو ابن شعيب ". قال ابن القيم: " فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلا ترد به السنة الصحيحة المعلومة وتجعل خلاف الأصول؟ ! ". انتهى. وقد ذهب إلى ما دل عليه حديث ابن عباس جماعة من الصحابة، ومن بعدهم؛ لا كما نقله ابن عبد البر من الإجماع؛ على أنه لا يبقى العقد بعد انقضاء العدة، ولا مانع من جعل حديث ابن عباس - وما ورد في معناه - مخصصا لما ورد من أن العدة إذا انقضت فقد ذهب العقد؛ ولم تحل للزوج إلا بعقد جديد. قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ". " إن رسول الله ﷺ لم يكن يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه؛ بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج، هذه سنته المعلومة.

стр. 750

قال الشافعي: أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران وهي دار خزاعة، وبخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضال؛ ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت بعد انقضاء العدة، واستقرا على النكاح، لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه. وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن، وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة، وهي دار الإسلام، وشهد حنينا وهو كافر، ثم أسلم، فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها. وقد حفظ أهل العلم بالمغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة، فأسلمت، وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرا على النكاح ". انتهى. أقول: إن إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس بمنزلة الطلاق؛ إذ لو كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها؛ مع تجديد العقد. فالحاصل: أن المرأة المسلمة إن حاضت بعد إسلامها، ثم طهرت؛ كان لها أن تتزوج بمن شاءت، فإذا تزوجت؛ لم يبق للأول عليها سبيل إذا أسلم،

стр. 751

وإن لم تتزوج كانت تحت عقد زوجها الأول، ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض؛ هذا ما تقتضيه الأدلة، وإن خالف أقوال الناس. وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين؛ فإنه إذا عاد المرتد إلى الإسلام؛ كان حكمه حكم إسلام من كان باقيا على الكفر. ( [الفصل الثالث: أحكام المهر] ) ( [دليل وجوب مهر المرأة] :) (المهر واجب) ؛ وبه يتحقق التمييز بين النكاح والسفاح، وهو قوله - تعالى -: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ ، فلذلك أبقى النبي ﷺ وجوب المهر كما كان. ودليل وجوبه: أنه ﷺ لم يسوغ نكاحا بدون مهر أصلا. وفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾ ، وقال: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ الآية، وقال - تعالى -: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ . وقد أخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم - وصححه - (١) من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ منع عليا أن يدخل

стр. 752

بفاطمة ﵉ حتى يعطيها شيئا، ولما قال: ما عندي شيء؛ قال: " فأين درعك الحطمية؟ "؛ فأعطاه إياها. وحديث سهل بن سعد الآتي قريبا من أعظم الأدلة على وجوب المهر. ( [كراهة المغالاة في المهر] :) (وتكره المغالاة فيه) : لحديث عائشة عند الطبراني في " الأوسط ": أن رسول الله ﷺ قال: " إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة "، وفي إسناده ضعف (١) . وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال له: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : " هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا "، قال: قد نظرت إليها، قال: " على كم تزوجتها؟ "، قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ : " على أربع أواق؟ ﴿كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل﴾ ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه "؛ قال: فبعث بعثا إلى بني عبس؛ بعث ذلك الرجل فيهم. وأخرج أبو داود، والحاكم - وصححه - من حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : " خير الصداق أيسره " (٢) .

стр. 753

وعن عائشة: أنه كان صداق النبي ﷺ لأزواجه؛ اثنتي عشرة أوقية ونشا (١) "؛ أي: نصفا. وهو في " صحيح مسلم " وغيره. قال في " الحجة ": " ولم يضبط النبي ﷺ المهر بحد لا يزيد ولا ينقص؛ إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص، ولذلك قال: " التمس ولو خاتما من حديد "، غير أنه سن في صداق أزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا. وقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: لا تغالوا في صدقات النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ لكان أولاكم بها نبي الله ﷺ (٢) ". انتهى. ( [ما يصح به المهر] :) (ويصح ولو خاتما من حديد أو تعليم قرآن) : لما أخرجه أحمد، وابن

стр. 754

ماجة، والترمذي (١) - وصححه - من حديث عامر بن ربيعة: أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : " أرضيت عن نفسك ومالك بنعلين؟ ، فقالت: نعم؛ فأجازه ". وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا - ملء يديه - طعاما كانت له حلالا "، وفي إسناده ضعف. وأخرج الدارقطني، في حديث لأبي سعيد في المهر، قال: " ولو على سواك من أراك ". وفي " الصحيحين "، وغيرهما من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله ﴿إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله﴾ زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ﴿فقال رسول الله ﷺ : " هل عندك من شيء تصدقها؟ "، قال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال له النبي ﷺ : " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا﴾ "، فقال: ما أجد شيئا! قال: " التمس ولو خاتما من حديد "، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ : " هل معك من القرآن شيء؟ "، قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها -، فقال له النبي ﷺ : " قد زوجتكها بما معك من القرآن ".

стр. 755

ولا يعارض ما ذكر حديث: " لا مهر أقل من عشرة دراهم " - عند الدارقطني من حديث جابر -؛ لأن في إسناده مبشر بن عبيد، وحجاج بن أرطاة، وهما ضعيفان. قال ابن القيم: " وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النكاح بما قل من مهر، ولو خاتما من حديد - مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ ، وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير - بأثر لا يثبت، وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق. وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به إلى قطع اليد في السرقة؟ ! وقد تقدم مرارا أن أصح الناس قياساً أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب؛ كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد؛ كان قياسه أفسد ". انتهى. أقول: الحاصل؛ أن الأدلة قد دلت على أنه يصح أن يكون المهر قليلا بدون تقييد بمقدار؛ بل ما كان له قيمة صح أن يكون مهرا؛ فإن حديث: " ولو خاتما من حديد "، وكذلك حديث المرأة التي تزوجت بنعلين، وأقرها رسول الله ﷺ ، وكذلك حديث: أنه ﷺ قال: " لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا - ملء يديه - طعاما كانت له حلالا "، وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف أنه تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب؛ يدل على عدم التقييد بحد في جانب

стр. 756

القلة، والأحاديث المذكورة هي في الأمهات: فالأول: متفق عليه. والثاني: أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -. والثالث: أخرجه أحمد، وأبو داود. والرابع: أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١) . فهذه الأحاديث تدل على أنه لا حد للمهر في جانب القلة؛ بل إذا كان له قيمة صح أن يكون مهرا. وأما في جانب الكثرة؛ فكذلك أيضا لا حد له، ولذلك ذكر الله القنطار، وكانت مهور زوجاته ﷺ لكل واحدة اثنتا عشرة أوقية ونصف؛ عن خمس مئة درهم (٢) . فمن زعم أن المهر لا يكون إلا كذا؛ فعليه الدليل الصحيح. ولا ريب أن المغالاة في المهور مكروهة كما تقدم. ( [مقدار مهر المرأة المدخول بها والتي لم يحدد صداقها] :) ومن تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا فلها مهر نسائها إذا دخل بها) ؛

стр. 757

لحديث علقمة عند أحمد، وأهل " السنن "، والحاكم، والبيهقي، (١) وصححه الترمذي، وابن حبان، قال: أتي عبد الله - يعني: ابن مسعود - في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقا، ولم يكن دخل بها؟ قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد معقل بن سنان الأشجعي، أن النبي ﷺ قضى في بَرْوع ابنة واشق بمثل ما قضى. وفي " إعلام الموقعين ": " سئل رسول الله ﷺ عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا حتى مات؟ فقضى لها على صداق نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث؛ ذكره أحمد وأهل " السنن " وصححه الترمذي وغيره ". قال ابن القيم " وهذه فتوى لا معارض لها، فلا سبيل إلى العدول عنها " انتهى. ( [تقديم شيء من المهر قبل الدخول مستحب] :) (ويستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول) ؛ لحديث ابن عباس المتقدم قريبا. وأخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث عائشة، قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا. ولا يعارض هذا حديث ابن عباس؛ فإن غاية ما فيه أنه يدل على أن

стр. 758

تقدمه شيء من المهر قبل الدخول غير واجبة، ولا ينفي كونها مستحبة (١) . ( [ما على الزوج] :) (١ - [المعاشرة بالمعروف] :) (وعليه إحسان العشرة) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ . وفي " الصحيحين " وغيرهما، من حديث أبي هريرة: " إن المرأة كالضلع؛ إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها، فاستوصوا بالنساء ". وأخرج أحمد، والترمذي - وصححه - من حديثه أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم ". وأخرج الترمذي - وصححه - من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " خيركم خيركم لأهله؛ وأنا خيركم لأهلي ".

стр. 759

(٢ - [كظم الغيظ والتجاوز عن الخطإ] :) وقال في " الحجة البالغة ": " الإنسان إذا أراد استيفاء مقاصد المنزل منها؛ لا بد أن يجاوز عن محقرات الأمور، ويكظم الغيظ فيما يجده خلاف هواه؛ إلا ما يكون من باب الغيرة المحمودة، وتداركا لجور، ونحو ذلك ". (٣ - [النفقة عليها من طعام وسكن وكسوة] :) والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبينها النبي ﷺ بالرزق والكسوة وحسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إلى الوحي أن يعين جنس القوت وقدره مثلا؛ فإنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إنما أمر أمرا مطلقا. قال في " المسوى ": " إذا أعسر الزوج بنفقة امرأته؛ فهل يثبت لها حق الخروج من النكاح؟ قال الشافعي: لها الخروج عن النكاح، وقال أبو حنيفة: ليس لها ذلك، وكذلك الخلاف في الإعسار بالصداق إلا أن عند الشافعي في الإعسار بالنفقة: إذا رضيت مرة، ثم بدا لها؛ فلها الخروج؛ وفي الإعسار بالصداق: إذا رضيت مرة سقط حقها ". انتهى. ( [ما يجب على المرأة] :) (١ - [الطاعة بالمعروف] :) (وعليها الطاعة) ؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ .

стр. 760

وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح ". وأخرج أهل " السنن "، وصححه الترمذي، من حديث عمرو بن الأحوص: " أنه شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ ؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر، ووعظ، ثم قال: " استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنما هن عندكم عوان، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن؛ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا؛ فأما حقكم على نسائكم: فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ". وفي الباب أحاديث كثيرة. (٢ - [خدمة الزوج في بيته] :) وأما أن عليها خدمته في بيته أم لا؟ فأقول: إيجاب ذلك عليها غير ظاهر، ولكن قد كان نساء الصحابة يعملن الأعمال التي تصلح المعيشة؛ بل ويعملن من الأعمال الخارجة عن ذلك ما هو

стр. 761

متبالغ في المشقة، ولم يسمع أن امرأة امتنعت من ذلك، وقالت: هذا ليس علي، أو لست ممن يعمل هذه الأعمال؛ لكوني بمكان من الشرف، أو بمحل من الجمال. فقد صح في " الصحيحين " وغيرهما: أن الرحى أثرت في يد البتول، والقربة أثرت في نحرها؛ ولا شرف كشرفها ﵂ وأرضاها -. فمن زعمت أنه لا يجب عليها إلا تمكين زوجها من الوطء، وأرادت الرجوع بأجرة عملها؛ لم تحل إجابتها إلى ذلك. إنما الإشكال إذا امتنعت من المباشرة للأعمال ابتداء - قائلة: هذا لا يجب علي -؛ فإجبارها على ذلك يحتاج إلى دليل، فإن صح الأمر منه ﷺ للبتول بخدمة زوجها؛ كان ذلك صالحا للتمسك به على إجبار الممتنعة (١) . وأما استدلال القائلين بعدم الوجوب بقوله - تعالى -: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ ، ونحو ذلك؛ فليس مما يفيد المطلوب، وكان يكفيهم أن يقولوا: لم نقف على دليل على الوجوب، ولا يثبت مثل هذا الحكم الشاق بدون ذلك،

стр. 762

ومجرد تقريره ﷺ لنسائه ونساء المسلمين على العمل في بيوت الأزواج؛ غايته الجواز لا الوجوب. ( [العدل بين الزوجات] :) (ومن كان له زوجان فصاعدا عدل بينهن في القسمة وما تدعو الحاجة إليه) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " السنن "، والدارمي، وابن حبان، والحاكم - وقال: " إسناده على شرط الشيخين "، وصححه الترمذي -، عن النبي ﷺ قال: " من كانت له امرأتان؛ يميل لإحداهما على الأخرى؛ (١) جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا - أو مائلا - ". وقد كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها؛ كما في " الصحيح ". وأخرج أهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: " اللهم! هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (٢) . قال في " الحجة البالغة ":

стр. 763

" والظاهر أن ذلك منه ﷺ كان تبرعا وإحسانا من غير وجوب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ ، وأما في غيره فموضع تأمل واجتهاد، ولكن جمهور الفقهاء أوجبوا القسم واختلفوا في القرعة. أقول: وفيه أن قوله: " فلم يعدل "؛ مجمل لا يدرى أي عدل أريد به؟ ". انتهى. أقول: وأما الأمة المعقود عليها عقد نكاح؛ فيصدق عليها أنها زوجة، ويصدق عليها أنها امرأة، فيكون الوعيد الوارد فيمن له زوجتان أو امرأتان شاملا لهما. فالقول بأن الأمة لا تستحق إلا نصف الحرة في القسمة محتاج إلى دليل، ولم يصح في المرفوع شيء، والموقوف على الصحابة - وكذلك المرسلات -؛ ليس فيها حجة. ( [لا كراهة في الكلام حال الجماع] :) وأما الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال الجماع بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإن كان ذلك بجامع الاستخباث؛ فباطل؛ فإن حالة الجماع حالة مستلذة، لا حالة مستخبثة، وفي المكالمة - حالته - نوع من إحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء: (ويعجبني منك حال الجماع ... لين الكلام وضعف النظر

стр. 764

وإن كان الجامع شيئا آخر؛ فما هو؟ فإن النبي ﷺ قد شرع الملاعبة والمداعبة، ووقت الجماع أولى بذلك من غيره. ( [القرعة بين النساء] :) (وإذا سافر أقرع بينهن) : دفعا لوحر (١) الصدر؛ لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يخرج سفرا؛ أقرع بين أزواجه؛ فأيتهن خرج سهمها خرج بها. ( [جواز تنازل المرأة عن نوبتها] :) (وللمرأة أن تهب نوبتها أو تصالح الزوج على إسقاطها) ؛ لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (٢) . وفي " الصحيحين " عن عائشة، في تفسير قوله - تعالى -: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ ، قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها؛ فتقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، وأنت في حل من النفقة علي والقسم (٣) لي.

стр. 765

( [للزوجة الجديدة البكر سبعة أيام وثلاثة للثيب] :) (ويقيم عند الجديدة البكر سبعا والثيب ثلاثا) ؛ لأن البكر؛ الرغبة فيها أتم، والحاجة إلى تأليف قلبها أكثر، فجعل قدرها السبع، وقدر الثيب الثلاث؛ لحديث أم سلمة عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام. وفي " الصحيحين " من حديث أنس، قال: " من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب؛ أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. وفي الباب أحاديث. ( [حكم العزل] :) (ولا يجوز العزل) ؛ يشير إلى كراهة العزل من غير تحريم. قال في " المسوى ": " اختلف أهل العلم في العزل، فرخص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه جمع منهم، ولا شك أن تركه أولى ". وبالجملة؛ فدليله حديث جذامة بنت وهب الأسدية: أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن العزل؟ فقال: " ذلك الوأد الخفي "؛ أخرجه مسلم، وغيره.

стр. 766

وأخرج أحمد (١) ، وابن ماجه، عن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أن نعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي (٢) من حديث ابن عباس، قال: نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها. وقد استدل من جوز العزل بحديث جابر في " مسلم "، وغيره، قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل. وفي رواية: فبلغه ذلك؛ فلم ينهنا. وغايته أن جابرا لم يعلم بالنهي، وقد علمه غيره. وأما ما في " الصحيحين "، من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال لما سألوه عن العزل: " ما عليكم أن لا تفعلوا؛ فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة ":

стр. 767

فقد قيل: إن معناه النهي، وقيل (١) : إن معناه ليس عليكم أن تتركوا، وغايته الاحتمال، ولا يصلح للاستدلال. وأخرج أحمد (٢) ، والترمذي، والنسائي، بإسناد رجاله ثقات، قال: قال رسول الله ﷺ في العزل -: " أنت تخلقه؟ ﴿أنت ترزقه؟﴾ أقرره قراره؛ فإنما ذلك القدر " (٣) . وأخرج أحمد، ومسلم، من حديث أسامة بن زيد: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﷺ

стр. 768

-: " لم تفعل ذلك؟ "، فقال: أشفق على ولدها، فقال رسول الله ﷺ : " لو كان ضارا ضر فارس والروم ". وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، وتعقب بأن الشافعية تقول: إنه لا حق للمرأة في الجماع. أقول: وفي حديث أبي سعيد الذي أخرجه أهل " السنن " (١) ، قال: قيل للنبي ﷺ : زعموا أن العزل هو المؤودة الصغرى؟ فقال: " كذبت يهود؛ لو أراد الله أن يخلق لم تستطع أن تصرفه ". وأخرج نحوه النسائي، من حديث أبي هريرة، وجابر. ويمكن الجمع بحمل الأحاديث القاضية بالمنع على مجرد الكراهة فقط من دون تحريم. ( [حرمة إتيان المرأة في دبرها] :) (ولا يجوز إتيان المرأة في دبرها) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " السنن "، والبزار، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 769

" ملعون من أتى امرأة في دبرها "، وفي إسناده الحارث بن مخلد، لا يعرف حاله (١) . وأخرج أحمد، والترمذي، وأبو داود، من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدقه؛ فقد كفر بما أنزل على محمد "؛ وفي إسناده أبو تميمة عنه، قال البخاري: لا يعرف لأبي تميمة سماع عن أبي هريرة؛ وقال البزار: هذا حديث منكر. وفي إسناده أيضا حكيم بن الأثرم (٢) ، قال البزار: لا يحتج به، وما تفرد به فليس بشيء. وأخرج أحمد، وابن ماجه، من حديث خزيمة بن ثابت: أن النبي ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها؛ وفي إسناده عمر (٣) بن أحيحة، وهو مجهول. وفي الباب عن علي بن طلق عند أحمد (٤) ، والترمذي، والنسائي، وابن

стр. 770

ماجه: أن النبي ﷺ قال: " لا تأتوا النساء في أعجازهن - أو قال: في أدبارهن - "؛ ورجال إسناده ثقات. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد (١) ، والنسائي: أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته في دبرها: " هو اللوطية الصغرى ". وفي الباب أحاديث، وبعضها يقوي بعضا. وحكي عن بعض أهل العلم الجواز؛ واستدلوا بقوله - تعالى -: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ؛ والبحث طويل لا يتسع المقام لبسطه. أقول: كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي، وكان الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم، وكانوا يقولون (٢) : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فنزلت هذه الآية؛ أي: أقبل وأدبر

стр. 771

ما كان في صمام واحد، وذلك لأنه لا شيء تتعلق به المصلحة المدنية والملية، والإنسان أعرف بمصلحة خاصة نفسه، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود، فكان من حقه أن ينسخ. قال في " إعلام الموقعين ": " وسألته ﷺ امرأة من الأنصار عن وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها؟ فتلا عليها قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ : " صماما واحدا "؛ ذكره أحمد. وسأله ﷺ عمر فقال: يا رسول الله ﴿هلكت﴾ قال: وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله تعالى إلى رسوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ : " أقبل وأدبر؛ واتق الحيضة والدبر "؛ ذكره أحمد (١) ، والترمذي. وهذا هو الذي أباحه الله تعالى ورسوله، وهو الوطء من الدبر لا في الدبر ". انتهى. أقول: هذه النصوص المذكورة فيها مقالات لأئمة الحديث، ولكن لها طرق عن جماعة من الصحابة، وهي منتهضة بمجموعها (٢) ؛ على فرض أن

стр. 772

معنى قوله - تعالى -: ﴿أنى شئتم﴾ : أين شئتم. فإن كل ما في هذه الأحاديث من المقالات لا يبلغ بواحد منها إلى حد السقوط عن درجة الاعتبار، وقد استوفى الماتن ﵀ البحث في " النيل " واستوفاه الجلال في " ضوء النهار "، وساق الأدلة برصانة ومتانة ﵀. وأعظم ما يستشكل في المقام: ما صح عن ابن عمر من طرق (١) : أنه قرأ: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ ، فقال: تدري يا نافع! فيم أنزلت هذه الآية؟ قال: لا، قال: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله سبحانه: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ . لكنه قد وهمه حبر الأمة ابن عباس في ذلك؛ كما في " سنن أبي داود " (٢) .

стр. 773

( [الفصل الرابع: الولد للفراش] :) ( [الدليل على أن الولد للفراش] :) (والولد للفراش) ، وللعاهر الحجر، (ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ : " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وفيهما أيضا من حديث عائشة، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله ﴿إن ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله﴾ ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، وقال: " هو لك يا عبد بن زمعة ﴿الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة﴾ ". ( [لمن ولد الأمة الموطوءة من ثلاثة في طهر واحد ملكها كل واحد منهم فيه ؟] :) (وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة في طهر ملكها كل واحد منهم فيه، فجاءت بولد وادعوه جميعا؛ فيقرع بينهم، ومن استحقه بالقرعة فعليه للآخرين ثلثا الدية) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، من حديث زيد بن أرقم، قال: أتي علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين، وقال: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فجعل كلما سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا؛ فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه.

стр. 774

وأخرجه النسائي، وأبو داود موقوفا على علي بإسناد أجود من الأول؛ لأن في الإسناد الأول يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالأجلح، وقد وثقه يحيى بن معين، والعجلي، وضعفه النسائي بما لا يوجب ضعفا (١) . وقد أخذ بالقرعة مطلقا: مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، حكى ذلك عنهم ابن رسلان في كتاب العتق من " شرح السنن "، وقد ورد العمل بها في مواضع؛ هذا منها. أقول: القرعة قد صح الدليل باعتبارها؛ كما أوضحت ذلك في " ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي " وأوضحه الماتن في " شرح المنتقى "، فإذا أعوز الأمر، ولم يمكن التعيين بسبب من الأسباب الراجعة إلى ثبوت الفراش، أو البينة أو نحوهما؛ فإنه يرجع إلى القرعة؛ فقد اعتبرها ﷺ في الإلحاق مع الاختلاف، واعتبرها في تعيين من يعتق؛ كما في حديث من أوصى بعتق ستة أعبد، فأقرع بينهم وأعتق اثنين وأرق أربعة، بعد أن جزأهم ثلاثة أجزاء، وأعتق الجزء الذي وقعت عليه القرعة، وورد أيضا غير ذلك. فالحاصل: أن القرعة معتبرة شرعا في غير باب.

стр. 775

(الكتاب التاسع: كتاب الطلاق)
следующие страницы →