ما كان في صمام واحد، وذلك لأنه لا شيء تتعلق به المصلحة المدنية والملية، والإنسان أعرف بمصلحة خاصة نفسه، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود، فكان من حقه أن ينسخ.
قال في " إعلام الموقعين ": " وسألته ﷺ امرأة من الأنصار عن وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها؟ فتلا عليها قوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ : " صماما واحدا "؛ ذكره أحمد.
وسأله ﷺ عمر فقال: يا رسول الله ﴿هلكت﴾ قال: وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله تعالى إلى رسوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ : " أقبل وأدبر؛ واتق الحيضة والدبر "؛ ذكره أحمد (١) ، والترمذي.
وهذا هو الذي أباحه الله تعالى ورسوله، وهو الوطء من الدبر لا في الدبر ". انتهى.
أقول: هذه النصوص المذكورة فيها مقالات لأئمة الحديث، ولكن لها طرق عن جماعة من الصحابة، وهي منتهضة بمجموعها (٢) ؛ على فرض أن
стр. 772
معنى قوله - تعالى -: ﴿أنى شئتم﴾ : أين شئتم.
فإن كل ما في هذه الأحاديث من المقالات لا يبلغ بواحد منها إلى حد السقوط عن درجة الاعتبار، وقد استوفى الماتن ﵀ البحث في " النيل " واستوفاه الجلال في " ضوء النهار "، وساق الأدلة برصانة ومتانة ﵀.
وأعظم ما يستشكل في المقام: ما صح عن ابن عمر من طرق (١) : أنه قرأ: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ ، فقال: تدري يا نافع! فيم أنزلت هذه الآية؟ قال: لا، قال: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله سبحانه: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ .
لكنه قد وهمه حبر الأمة ابن عباس في ذلك؛ كما في " سنن أبي داود " (٢) .
стр. 773
( [الفصل الرابع: الولد للفراش] :)
( [الدليل على أن الولد للفراش] :)
(والولد للفراش) ، وللعاهر الحجر، (ولا عبرة لشبهه بغير صاحبه) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ :
" الولد للفراش وللعاهر الحجر ".
وفيهما أيضا من حديث عائشة، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله ﴿إن ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله﴾ ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، وقال: " هو لك يا عبد بن زمعة ﴿الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة﴾ ".
( [لمن ولد الأمة الموطوءة من ثلاثة في طهر واحد ملكها كل واحد منهم فيه ؟] :)
(وإذا اشترك ثلاثة في وطء أمة في طهر ملكها كل واحد منهم فيه، فجاءت بولد وادعوه جميعا؛ فيقرع بينهم، ومن استحقه بالقرعة فعليه للآخرين ثلثا الدية) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، من حديث زيد بن أرقم، قال: أتي علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين، وقال: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فجعل كلما سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا؛ فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه.
стр. 774
وأخرجه النسائي، وأبو داود موقوفا على علي بإسناد أجود من الأول؛ لأن في الإسناد الأول يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالأجلح، وقد وثقه يحيى بن معين، والعجلي، وضعفه النسائي بما لا يوجب ضعفا (١) .
وقد أخذ بالقرعة مطلقا: مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، حكى ذلك عنهم ابن رسلان في كتاب العتق من " شرح السنن "، وقد ورد العمل بها في مواضع؛ هذا منها.
أقول: القرعة قد صح الدليل باعتبارها؛ كما أوضحت ذلك في " ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي " وأوضحه الماتن في " شرح المنتقى "، فإذا أعوز الأمر، ولم يمكن التعيين بسبب من الأسباب الراجعة إلى ثبوت الفراش، أو البينة أو نحوهما؛ فإنه يرجع إلى القرعة؛ فقد اعتبرها ﷺ في الإلحاق مع الاختلاف، واعتبرها في تعيين من يعتق؛ كما في حديث من أوصى بعتق ستة أعبد، فأقرع بينهم وأعتق اثنين وأرق أربعة، بعد أن جزأهم ثلاثة أجزاء، وأعتق الجزء الذي وقعت عليه القرعة، وورد أيضا غير ذلك.
فالحاصل: أن القرعة معتبرة شرعا في غير باب.
стр. 775
(الكتاب التاسع: كتاب الطلاق)
стр. 776
(٩ - كتاب الطلاق)
(١ - باب أنواع الطلاق)
( [الفصل الأول: مشروعية الطلاق وأحكامه] )
( [تعريف الطلاق] :)
هو مشتق من الإطلاق: وهو الإرسال والترك، ومنه: طلقت البلاد؛ أي: تركتها.
( [مشروعية الطلاق] :)
(هو جائز) : بنص الكتاب العزيز، ومتواتر السنة المطهرة، وإجماع المسلمين، وهو قطعي من قطعيات الشريعة، ولكنه يكره مع عدم الحاجة.
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه (١) - من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ :
" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة ".
стр. 777
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - (١) ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال:
" أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".
وقال في " الحجة البالغة ".
" إن في الإكثار من الطلاق، وجريان الرسم بعدم المبالاة به؛ مفاسد كثيرة، وذلك أن ناسا ينقادون لشهوة الفرج، ولا يقصدون إقامة تدبير المنزل، ولا التعاون في الارتفاقات، ولا تحصين الفرج، وإنما مطمح أبصارهم التلذذ بالنساء، وذوق لذة كل امرأة، فيهيجهم ذلك إلى أن يكثروا الطلاق والنكاح، ولا فرق بينهم وبين الزناة؛ من جهة ما يرجع إلى نفوسهم، وإن تميزوا عنهم بإقامة سنة النكاح، والموافقة لسياسته المدنية، وهو قوله ﷺ : " لعن الله الذواقين والذواقات ". انتهى.
أقول: هذا الحديث ذكره صاحب " الحجة " تبعا لابن همام من غير تخريج، ولم أجده في كتب الحديث مخرجا.
نعم حديث: " لا أحب الذواقين من الرجال والذواقات من النساء " (٢) ؛ رواه الطبراني، عن أبي موسى مرفوعا، وكذا الدارقطني في " الأفراد "، وهو
стр. 778
في " الجامع الصغير " للسيوطي بلفظ: " إن الله لا يحب ... " (١) الخ، قال شراحه: وفي سنده راو لم يسم.
وأما حديث: " إن الله يكره المطلاق الذواق "؛ فقال السخاوي - كغيره -: " لا أعرفه "؛ كذلك.
ثم قال في " الحجة ":
" وأيضا؛ ففي جريان الرسم بذلك إهمال لتوطين النفس على المعاونة الداعية، أو شبه الداعية، وعسى إن فتح هذا الباب أن يضيق صدره أو صدرها في شيء من محقرات الأمور، فيندفعان إلى الفراق ".
وأين ذلك من احتمال أعباء الصحبة، والإجماع على إدامة هذا النظم؟ ! وأيضا فإن اعتيادهن بذلك، وعدم مبالاة الناس به، وعدم حزنهم عليه؛ يفتح باب الوقاحة، وأن لا يجعل كل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه، وأن يخون كل واحد الآخر يمهد لنفسه إن وقع الافتراق، وفي ذلك ما لا يخفى.
ومع ذلك؛ لا يمكن سد هذا الباب والتضييق فيه؛ فإنه قد يصير الزوجان متناشزين، إما لسوء خلقهما أو لطموح عين أحدهما إلى حسن إنسان آخر، أو لضيق معيشتهما، أو لخرق واحد منهما، ونحو ذلك من الأسباب.
فيكون إدامة هذا النظم مع ذلك بلاء عظيما وحرجا ". انتهى.
стр. 779
( [من يقع منه الطلاق ؟] :)
(من مكلف مختار) ؛ لأن أمر الصغير إلى وليه، وطلاق المكره لا حكم له.
والأدلة على هاتين المسألتين مقررة في مواضعهما، وقال ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ".
معناه: في إكراه، وطلاق المكره هدر.
( [حكم طلاق الهازل] :)
(ولو هازلا) (١) ، وهو الذي يتكلم من غير قصد لموجبه وحقيقته، بل على وجه اللعب، ونقيضه الحاد - من الجد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل - لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم - وصححه -، قال: قال رسول الله ﷺ :
" ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة ".
وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أردك (٢) ، وهو مختلف فيه.
وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني مرفوعا:
стр. 780
" ثلاث لا يجوز فيهن اللعب: الطلاق والنكاح والعتق "؛ وفي إسناده ابن لهيعة.
وعن عبادة بن الصامت - عند الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " - مرفوعا بنحوه، وزاد: " فمن قالهن فقد وجبن "؛ وفي إسناده انقطاع.
وعن أبي ذر - عند عبد الرزاق - رفعه:
" من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز "؛ وفي إسناده أيضا انقطاع (١) .
وعن علي موقوفا - عند عبد الرزاق أيضا -.
وعن عمر مرفوعا عنده أيضا.
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا.
قال ابن القيم:
" وأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح؛ كما صرح به النص، وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، حكاه أبو حفص أيضا عن أحمد، وهو قول الصحابة، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا
стр. 781
يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك - رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند أصحابه -؛ أن هزل النكاح والطلاق لازم بخلاف البيع ". انتهى.
( [حكم الطلاق السني] :)
(لمن كانت في طهر لم يمسها فيه؛ ولا طلقها في الحيضة التي قبله؛ أو [كانت (١) ] في حمل قد استبان)
أقول: ويشترط في طلاق السنة أن لا تكون المرأة حائضا، وهذا لغضبه ﷺ على ابن عمر لما طلق امرأته في الحيض؛ كما في " الصحيحين " وغيرهما.
وأما اشتراط أن لا تكون نفساء؛ فلأن قوله ﷺ في حديث ابن عمر: " ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإذا بدا له أن يطلقها فليطلقها "؛ فهذا فيه أن طلاق السنة يكون حال الطهر، والنفاس ليس بطهر.
وأما اشتراط أن يكون في طهر لم يجامعها فيه؛ فلقوله ﷺ في حديث ابن عمر: " فليطلقها قبل أن يمسها "؛ يعني: في ذلك الطهر.
وأما اشتراط أن لا يطلقها في ذلك الطهر أكثر من طلقة؛ فلما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر: وأنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها تطليقتين أخريين عند القرء، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال:
стр. 782
" يا ابن عمر ﴿ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر؛ فتطلق لكل قرء "، وفي لفظ: " في كل قرء تطليقة ".
وقد أنكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية (١) .
وأخرج النسائي (٢) ، من حديث محمود بن لبيد، قال: وأخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، فقال:
" أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟﴾ ".
وأما اشتراط أن لا يطلقها في طهر قد طلقها في حيضه المتقدم؛ فلأمره ﷺ لابن عمر أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر؛ فلولا أن الطلاق في الحيض مانع من الطلاق في الطهر المتعقب له؛ لم يأمره بإمساكها في الطهر الذي عقب الحيضة التي طلقها فيها.
وجميع ما ذكرناه من حديث ابن عمر متفق عليه؛ إلا رواية الدارقطني التي ذكرناها.
وفي رواية من حديث ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائي: أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر؛ ثم إن شاء طلق أو أمسك.
وفي لفظ لمسلم أيضا، والترمذي: " مره فليراجعها؛ ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ".
стр. 783
وظاهر هاتين الروايتين: أن الطلاق في الطهر المتعقب للحيضة التي وقع الطلاق فيها يكون طلاق سنة لا بدعة، ولكن الرواية الأولى التي فيها: " ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر "؛ متضمنة لزيادة يجب العمل بها وهي أيضا في " الصحيحين "، فكانت أرجح من وجهين.
ويدل قوله: " أو حاملا " أن طلاق الحامل للسنة، وأما من كانت صغيرة أو آيسة، أو منقطعا حيضها؛ فالظاهر أنه يكون طلاقها للسنة من غير شرط إلا مجرد إفراد الطلاق.
وأما القول بأنه ليس بسنة ولا بدعة - كما في " البحر " وغيره - ففاسد؛ لأن الأصل عدم عروض ما يمنع من الطلاق المشروع.
( [حكم الطلاق البدعي] :)
(ويحرم إيقاعه على غير هذه الصفة) ؛ لحديث ابن عمر عند مسلم، وأهل " السنن " وأحمد: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ؟ فقال: " مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا، أو حاملا ".
وفي لفظ: أنه قال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها؛ فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ". وهو في " الصحيحين "، وغيرهما.
وفي رواية في " الصحيح ": أنه قرأ النبي ﷺ : ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ .
стр. 784
وللحديث ألفاظ.
ووقع الخلاف بين الرواة: هل حُسبت تلك الطلقة أم لا؟ ورواية عدم الحسبان لها أرجح، وقد أوضح الماتن هذه المسألة في " شرح المنتقى " (١) ، وفي رسالة مستقلة، والخلاف طويل، والأدلة كثيرة، والراجح عدم وقوع البدعي لما ذكره هنالك (٢) .
وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : " ليس ذلك بشيء ".
وقد روى ابن حزم في " المحلى " بسنده المتصل إلى ابن عمر: أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض: لا يعتد بذلك؛ وإسناده صحيح.
وقد تابع أبا الزبير - الراوي لعدم الحسبان لتطليقة ابن عمر المذكورة في الحديث -: أربعة: عبد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رواد، ويحيى بن سليم، وإبراهيم بن أبي حسنة.
ولو لم يكن في المقام إلا قول الله : ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم
стр. 785
النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ ، وقد تقرر أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي يقتضي الفساد، وقول الله - تعالى -: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ، والمطلق على غير ما أمر الله تعالى به لم يسرح بإحسان.
وقد ذهب إلى عدم الوقوع جماعة من السلف؛ كابن علية (١) ، وإليه ذهب ابن حزم، وابن تيمية، وذهب الجمهور إلى الوقوع.
( [أقوال العلماء في وقوع الطلاق البدعي وعدمه] :)
(وفي وقوعه) ؛ أقول: هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب، فمن رام الوقوف على سرها؛ فعليه بمؤلفات ابن حزم ك " المحلى "، ومؤلفات ابن القيم ك " الهدي ".
وقد جمع السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في ذلك مصنفا حافلا، وجمع الإمام الشوكاني رسالة ذكر فيها حاصل ما يحتاج إليه من ذيول المسألة، وقرر ما ألهم الله إليه، وذكر في " شرح المنتقى " أطرافا من ذلك.
وخلاصة ما عول عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي؛ هو اندراجه تحت الآيات العامة، وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة.
وأجاب القائلون بعدم الوقوع عنهم؛ بمنع اندراجه تحت العمومات؛ لأنه ليس من الطلاق الذي أذن الله به؛ بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه؛
стр. 786
قال: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، وقال ﷺ : " مره فليراجعها "، وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحله الله.
وأما قول ابن عمر: إنها حسبت؛ فلم يبين من الحاسب لها (١) ؛ بل أخرج عنه أحمد، وأبو داود، والنسائي: أنه طلق امرأته وهي حائض؛ فردها رسول الله ﷺ ولم يرها شيئا.
وإسناد هذه الرواية صحيح (٢) ، ولم يأت من تكلم عليها بطائل، وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله ﷺ ، فلا يعارضها قول ابن عمر؛ لأن الحجة في روايته لا في رأيه.
وأما الرواية بلفظ: " مره فليراجعها، ويعتد بتطليقة "؛ فهذه لو صحت لكانت حجة ظاهرة، ولكنها لم تصح؛ كما جزم به ابن القيم في " الهدي "؛ وقد روي في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون، لا تثبت الحجة بشيء منها.
стр. 787
والحاصل: أن الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له: طلاق بدعة؛ وقد ثبت عنه ﷺ أن كل بدعة ضلالة، ولا خلاف أيضا أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه، وبينه رسول الله ﷺ في حديث ابن عمر.
وما خالف ما شرعه الله ورسوله ﷺ فهو رد؛ لحديث عائشة عنه ﷺ :
" كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد "؛ وهو حديث متفق عليه.
فمن زعم أن هذه البدعة يلزم حكمها، وأن هذا الأمر الذي ليس من أمره ﷺ يقع من فاعله ويعتد به؛ لم يقبل منه ذلك إلا بدليل.
وإذا كان من جملة طلاق البدعة إيقاع الثلاث دفعة - كما سيأتي -؛ فهذه الصورة من طلاق البدعة بخصوصها.
( [أقوال العلماء في وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد] :)
(ووقوع ما فوق الواحدة من دون تخلل رجعة خلاف) ؛ قال الماتن في " رسالته " في هذا الباب:
" اختلف أهل العلم فيها على أربعة أقوال:
(الأول) : وقوع جميعها؛ وهو مذهب الأئمة، وجمهور العلماء، وكثير من الصحابة، وفريق من أهل البيت.
(الثاني) : عدم الوقوع مطلقا - لا واحدة ولا ما فوقها -؛ لأنه بدعة محرمة؛ وهذا المذهب حكاه ابن حزم، وحكى للإمام أحمد ما يكفي، وقال:
стр. 788
هو مذهب الرافضة.
قلت: بل هو مذهب جماعة من التابعين؛ كما حكاه الليث، ومذهب ابن علية، وهشام بن الحكم، وجميع الإمامية، ومن أهل البيت ﵈: الباقر، والصادق، والناصر، وبه قال أبو عبيدة، وبعض الظاهرية؛ لأن هؤلاء قالوا: إن الطلاق البدعي لا يقع، والثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة لا يقع.
(الثالث) : وقوع الثلاث إن كان المطلقة مدخولة، وواحدة إن لم تكن كذلك؛ وهذا هو مذهب جماعة من أصحاب ابن عباس، وإسحاق بن راهويه.
(الرابع) : أنه يقع واحدة رجعية من غير فرق بين المدخول بها وغيرها؛ وهذا مذهب ابن عباس على الأصح، وابن إسحاق، وعطاء، وعكرمة، وأكثر أهل البيت.
وهذا أصح الأقوال ". انتهى.
ثم سرد أدلة هؤلاء، ورجح القول الرابع، فليرجع إليه.
قال ابن القيم:
" قد صح عنه ﷺ : أن الثلاث كانت واحدة في عهده، وعهد أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ولم يبلغه، وهذا وإن كان كالمستحيل؛ فإنه
стр. 789
يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك.
وقد أفتى هو ﷺ ؛ فهذه فتواه وعمل أصحابه؛ كأنه أخذ باليد ولا معارض لذلك، ورأى عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث؛ عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة، وهذا اجتهاد منه - رضي الله تعالى عنه -؛ غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها، ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله ﷺ ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته.
فإذا ظهرت الحقائق؛ فليقل امرؤ ما شاء، وبالله التوفيق ". انتهى.
( [الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع طلقة واحدة على الراجح] :)
(الراجح عدم الوقوع) ؛ قال الماتن: " ذهب الجمهور إلى أنه يقع، وأن الطلاق يتبع الطلاق، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الطلاق لا يتبع الطلاق؛ بل يقع واحدة، وقد حكي ذلك عن أبي موسى، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وأحمد بن عيسى، وعبد الله بن موسى، ورواية عن علي، ورواية عن زيد بن علي، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن القيم، وقد حكاه ابن مغيث في كتاب " الوثائق " عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وحكاه أيضا عن جماعة من مشايخ قرطبة، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس.
واستدل الجمهور بحديث ركانة بن عبد الله: أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول
стр. 790
الله ﷺ : " والله ما أردت إلا واحدة؟ "، قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة! فردها إليه؛ أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي - وصححه (١) أبو داود، وابن حبان، والحاكم، - وفي إسناده (٢) الزبير بن سعيد الهاشمي، وقد ضعفه غير واحد، وقيل: إنه متروك.، وفي إسناده (٢) أيضا: نافع بن عجير، وهو مجهول.
ومتنه أيضا مضطرب؛ كما قال البخاري، ففي لفظ منه: أنه طلقها
стр. 791
ثلاثا، وفي لفظ: واحدة، وفي لفظ: البتة.
وقال أحمد: طرقه كلها ضعيفة.
وأما استدلالهم بقوله - تعالى -: ﴿الطلاق مرتان﴾ ، وبقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ ؛ فليس في ذلك من الحجة شيء؛ بل هو عليهم لا لهم، وقد حقق هذا صاحب " الهدي " بما يشفي.
وقد ورد ما يدل على أن الطلاق يتبع الطلاق، وليس في الصحيح شيء من ذلك.
وأرجح من الجميع؛ والحجة في هذا المقام: حديث ابن عباس الثابت في " صحيح مسلم " وغيره: أن الطلاق كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؛ الثلاث واحدة، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس؛ فأجازه عليهم ". انتهى.
وكل رجال إسناده أئمة، وله ألفاظ وأسانيد، وفي لفظ: أن أبا الصهباء قال له: ألم تعلم أن الثلاث كانت واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟ قال: نعم.
ولم يأت من حاول التخلص عنه بحجة تنفق، والتمسك بما في بعض الروايات من تقييد ذلك بالطلاق قبل الدخول لا وجه له (١) ؛ فإن الطلاق لا
стр. 792
يتفاوت الحال فيه قبل الدخول وبعده، وإذا ثبت الحكم في أحدهما؛ ثبت في الآخر، ومن ادعى الفرق فعليه إيضاحه.
وفي حديث محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا جميعا، فقام غضبان، فقال: " أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ﴿"؛ حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله﴾ ألا أقتله؟ !
وقد أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
وروى البيهقي (١) ، عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله ﷺ : " كيف طلقتها؟ "، فقال: طلقتها ثلاثا، فقال: " في مجلس واحد؟ "، قال: نعم، قال: " إنما تلك واحدة؛ إن شئت فراجعها ".
وأخرج نحوه عبد الرزاق، وأبو داود، من حديثه.
وهذا خلاصة الحجج في هذه المسألة (٢) ، وهي طويلة الذيول، كثيرة
стр. 793
النقول، متشعبة الأطراف، قديمة الخلاف، والإحاطة بجميع ما فيها من الأقوال
стр. 794
وأدلتها وتصحيحها يحتمل مصنفا مستقلا، وقد جمع في ذلك شيخنا العلامة الشوكاني رسالة بسط فيها بعض البسط، وقد امتُحن بهذه المسألة جماعة من العلماء؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من بعده، والحق بأيديهم، ولكن لما كان مذهب الأربعة الأئمة أن الطلاق يتبع الطلاق؛ كان المخالف لذلك عند عامة أتباعهم، وكثير من خاصتهم كالمخالف للإجماع.
وقد ظهر مما سقناه ههنا من الأدلة والنقول؛ أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد - أو ألفاظ في مجلس واحد من دون تخلل رجعة - يقع واحدة، وإن كان بدعيا؛ فتكون هذه الصورة من صور الطلاق البدعي واقعة من إثم الفاعل دون سائر صور البدعي؛ فلا يقع الطلاق فيها لما قدمنا تحقيقه.
وأطال ابن القيم في تخريج أحاديث الباب والكلام عليها، وأثبته بالكتاب، والسنة، واللغة، والعرف، وعمل أكثر الصحابة، ثم قال بعد ذلك:
" فهذا كتاب الله - تعالى -، وهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ ، والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب.
فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا أنهم (١) كانوا يرون الثلاث واحدة؛ إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض منهم من لم يكن يرى ذلك؛ فإنه لم يكن منكرا للفتوى به؛ بل كانوا ما بين مفت، ومقر بفتيا، وساكت غير منكر.
стр. 795
وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعا؛ كما ذكر يونس بن بكير عن أبي إسحاق.
فكل صحابي كان على أن الثلاث واحدة بفتوى، أو إقرار، أو سكوت.
ولقد ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه؛ بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن وإلى يومنا هذا.
فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس؛ كما رواه حماد ابن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد؛ فهي واحدة.
وأفتى بأنها واحدة: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف؛ حكاه عنهما ابن وضاح.
وأما التابعون؛ فأفتى به عكرمة، وطاوس.
وأما تابعو التابعين؛ فأفتى به محمد بن إسحاق، وخلاس بن عمرو، والحارث العكلي.
وأما أتباع تابعي التابعين؛ فأفتى به داود بن علي، وأكثر أصحابه، وأفتى به بعض أصحاب مالك، وأفتى به بعض الحنفية، وأفتى به بعض أصحاب أحمد.
والمقصود: أن هذا القول قد دل عليه الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر - رضي الله تعالى عنه - أن الناس استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه
стр. 796
جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه.
والذي ندين الله - تعالى - به، ولا يسعنا غيره، وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه؛ أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان ". انتهى حاصله.
وتمام هذا البحث في " إعلام الموقعين " (١) ، و " إغاثة اللهفان " للحافظ ابن القيم، وفي رسالة مستقلة للماتن، وفي كتابنا " مسك الختام "، فليرجع الطالب إليها إن أراد التفصيل والتحقيق، وبالله التوفيق.
( [الحالات التي يطلق فيها القاضي] :)
( [الأولى: التطليق لعدم النفقة] :)
وأما التفريق بين المعسر وبين امرأته؛ فأقول: إذا كانت المرأة مثلا جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة؛ فهي في ضرار، والله - تعالى - يقول: ﴿ولا تضاروهن﴾ ، وهي أيضا غير معاشرة بالمعروف، والله يقول: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ، وهي أيضا غير ممسكة بمعروف، والله يقول: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ؛ بل هي ممسكة ضرارا، والله يقول: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا﴾ ، والنبي ﷺ يقول: " لا ضرر ولا ضرار " (٢) .
стр. 797
وقد ثبت في الفسخ بعدم النفقة ما أخرجه الدارقطني، والبيهقي (١) ، من حديث أبي هريرة مرفوعا، قال: قال رسول الله ﷺ في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: " يفرق بينهما ".
وأخرجه الشافعي (٢) ، وعبد الرزاق، عن سعيد بن المسيب، وقد سأله سائل عن ذلك؟ فقال: يفرق بينهما؛ فقيل له: سنة؟ فقال: نعم، سنة.
وما زعمه ابن القطان من توهيم الدارقطني؛ فليس بظاهر (٣) .
ثم من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعدم النفقة؛ أن الله سبحانه قد شرع الحكمين بين الزوجين عند الشقاق، وجعل إليهما الحكم بينهما، ومن أعظم الشقاق؛ أن يكون الخصام بينهما في النفقة، وإذا لم يمكنهما دفع الضرر عنها إلا بالتفريق؛ كان ذلك إليهما، وإذا جاز ذلك منهما؛ فجوازه من القاضي أولى.
стр. 798
فإن قلت: تجويزك الفسخ للنفقة بتلك الأدلة العامة (١) يستلزم جوازه للعيوب؛ إذا كان يحصل التضرر بها على أحد الزوجين.
قلت: النفقة وتوابعها واجبة للزوجة على زوجها (٢) ، وليس ما يفوت
стр. 799
بسبب تلك العيوب بواجب لها عليه، ثم التضرر بترك النفقة وتوابعها لا يعادله شيء، وإذا كان العيب في الزوجة؛ كالجنون والجذام، والبرص؛ فقد فات الزوج شيء واجب له؛ لكن قد جعل الله بيده الطلاق.
ثم قد ورد في خصوص الفسخ بعدم النفقة ما قدمنا ذكره.
( [الثانية: التطليق لغيبة الزوج] :)
وأما التفريق بين المفقود وبين امرأته؛ فأقول: قد تشعبت المذاهب في هذه المسألة إلى شعب ليس عليها أثارة من علم؛ لا سيما التحديدات بمقادير معلومة من الأوقات؛ منها ما هو رجوع إلى مذاهب الطبائعية؛ كقول من قال: إنه يُنتظر المفقود حتى يمضي له من يوم ولادته مئة وعشرون سنة؛ فإن هذا هو عين مذهب جماعة من الطبائعية، قالوا: أكثر ما يعيش الإنسان مئة وعشرون سنة؛ لأن كل طبيعة من الطبائع الأربع؛ إذا لم يعرض لها ما يفسدها تغلب على الإنسان ثلاثين سنة، فتحصل من مجموع الأربع الطبائع مئة وعشرون سنة، وهذا مذهب كفري، وكلام بمعزل عن الشريعة (١) .
قال الماتن في " حاشية الشفاء ":
" وقد رأينا في عمرنا من عاش مئة وسبعا وعشرين سنة ونصف سنة، ورأيناه وهو في هذا السن في كمال من حواسه وجوارحه، بحيث إنه لم يفقد
стр. 800
منها شيئا؛ وهو يذهب، ويجيء، ويحضر المساجد، وغاب عنا بعد ذلك، فالله أعلم كم عاش بعد هذه المدة ". انتهى.
أقول: وقد رأينا من عاش فوق المئة إلى عشرين سنة أو أكثر من ذلك، وهم كثيرون، وسمعنا بمن عاش فوق المئة إلى أربعين سنة؛ بل أزيد من ذلك وهم قليلون، والقدرة الإلهية صالحة للكل.
وبالجملة؛ فمن العلماء من قال: مئة وخمسون، ومنهم من قال: مئتان. ومنهم من قال: أربع مئة، ومنهم من قال زيادة على ذلك، ومنهم من فرق بين من كان له أهل ومال، ومن لم يكن له أهل ومال، والكل محض رأي.
وعندي: أن تحريم نكاح المحصنة ورد به النص القرآني، وأجمع عليه جميع المسلمين؛ بل هو معلوم من ضرورة الدين، وامرأة المفقود محصنة؛ فالأصل الأصيل تحريم نكاحها، وإذا لم يكن لها ما تستنفقه، وكان إمساكها حينئذ، وإلزامها على استمرار نكاح الغائب فيه إضرار بها؛ كان ذلك وجها للفسخ.
وهكذا إذا طالت مدة الغيبة، وكانت المرأة تتضرر بترك النكاح؛ فالفسخ لذلك جائز، وإذا جاز الفسخ للعنة؛ فجوازه للغيبة الطويلة أولى؛ لأنه قد عُلم من نصوص الكتاب والسنة تحريم الإمساك ضرارا، والنهي للأزواج عن الضرار في غير موضع، فوجب دفع الضرار عن الزوجة بكل ممكن، وإذا لم يكن إلا بالفسخ؛ جاز ذلك؛ بل وجب (١) .
стр. 801
( [حكم طلاق المكره] :)
وأما عدم وقوع طلاق المكره؛ فدليله حديث: " لا طلاق في إغلاق "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والحاكم - وصححه - من حديث عائشة، وضعفه أبو حاتم (١) بمحمد بن عبيد الله بن أبي صالح.
ورُد عليه بأنه قد أخرجه البيهقي من طريق غيره.
والإغلاق عند علماء اللغة: الإكراه؛ كما في " النهاية " وغيرها (٢) .
стр. 802
وأما عدم صحة الطلاق قبل أن ينكحها؛ فالأحاديث الواردة في هذا الباب لا تخلو عن مقال، لكن لها طرق عدة عن جماعة من الصحابة، وهي لا تقصر عن بلوغ رتبة الحسن لغيره (١) ؛ فالعمل بها متحتم، ولم يأت من خالفها بشيء؛ إلا مجرد رأي محض.
ثم إن السيد لا يطلق عن عبده؛ بل الطلاق إلى العبد، وذلك هو الأصل في الشريعة المطهرة، فمن زعم أنه يصح طلاق غير زوج؛ فعليه الدليل.
( [الفصل الثاني: بما يقع الطلاق] )
( [حكم الطلاق بلفظ من ألفاظ الكناية] :)
(ويقع بالكناية مع النية) ؛ لحديث عائشة عند البخاري، وغيره: أن ابنة الجون لما أُدخلت على رسول الله ﷺ ، ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك! فقال لها: " لقد عذت بعظيم؛ الحقي بأهلك ".
وفي " الصحيحين "، وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: " بل اعتزلها؛ فلا تقربنها "، فقال لامرأته: الحقي بأهلك.
стр. 803
فأفاد الحديثان أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد، ولا تكون طلاقا مع عدمه.
( [حكم الطلاق بالتخيير] :)
(و) يقع الطلاق (بالتخيير إذا اختارت الفرقة) ؛ لقوله - تعالى -: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ الآية، ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾ الآية.
وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما: أن رسول الله ﷺ دعا نساءه لما نزلت الآية، فخيرهن.
وثبت في " الصحيحين "، وغيرهما، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعدها شيئا.
وفي المسألة خلاف، وهذا هو الحق، وبه قال الجمهور.
( [حكم الطلاق بالتوكيل] :)
(وإذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه) ؛ لأنه توكيل بالإيقاع، وقد تقرر جواز التوكيل من غير فرق بين الطلاق وغيره، فلا يخرج من ذلك إلا ما خصه دليل، وقد سئل أبو هريرة، وابن عباس، وعمرو بن العاص عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه؟ فأجازوا طلاقه؛ كما أخرجه أبو بكر البرقاني في " كتابه " المخرج على " الصحيحين ".
( [حكم الطلاق بلفظ التحريم] :)
стр. 804
(ولا يقع بالتحريم) ؛ لما في " الصحيحين "، عن ابن عباس، قال:
إذا حرم الرجل امرأته؛ فهي يمين يكفرها، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ .
وأخرج عنه النسائي: أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما؟ فقال: كذبت؛ ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ ، عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة.
وأخرج النسائي أيضا بإسناد صحيح، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة، حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله : ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ الآية.
وفي الباب روايات عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكر.
وفي هذه المسألة مذاهب؛ قد ذكر الحافظ ابن القيم منها ثلاثة عشر مذهبا، وقال: إنها تزيد على عشرين مذهبا، والذي أرجحه منها: هو أن التحريم ليس من صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الأيمان كما سماه الله في كتابه، فقال: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ ، فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين؛ والسبب وإن كان خاصا - وهو العسل الذي حرمه على نفسه، أو الأمة التي كان يطؤها -؛ فلا اعتبار بخصوص السبب؛ فإن لفظ ﴿ما أحل الله لك﴾ عام، وعلى فرض عدم العموم؛ فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال.
стр. 805
وأخرج الترمذي، عن عائشة، قالت: آلى رسول الله ﷺ من نسائه؛ فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين كفارة؛ أي: جعل الشيء الذي حرمه حلالا بعد تحريمه.
وفي " صحيح مسلم "، عن ابن عباس، قال: إذا حرم الرجل امرأته؛ فهي يمين يكفرها، ثم قال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ .
وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه.
وبالجملة: الحق ما ذكرناه، وقد ذهب إليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إذا أراد تحريم العين، وأما إذا أراد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح؛ فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات.
( [الرجعة حق للزوج مدة العدة من طلاق رجعي] :)
(والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقه؛ يراجعها متى شاء إذا كان الطلاق رجعيا) ؛ لحديث ابن عباس عند أبي داود، والنسائي، في قوله - تعالى -: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ الآية، قال: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك: ﴿الطلاق مرتان﴾ .
وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال (١) .
стр. 806
وأخرج الترمذي، عن عائشة، قالت: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مئة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، وقالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة؛ فأخبرتها، فسكتت حتى جاء النبي ﷺ ؛ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا؛ من كان طلق، ومن لم يكن طلق.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والطبراني، عن عمران بن حصين: أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته؛ يقع بها؛ ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها؟ فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تعد (١) .
( [حكم الطلاق البائن] :)
(ولا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره) ؛ لقول الله - تعالى -: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ ، ولما في " الصحيحين "، وغيرهما من قوله ﷺ لامرأة رفاعة القرظي: " لا؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ".
وهو مجمع على ذلك.
стр. 807
(٢ - باب الخلع)
( [بيان مشروعية الخلع] :)
وفيه شناعة ما؛ لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابلة المسيس؛ وهو قوله - تعالى -: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) .
واعتبر النبي ﷺ هذا المعنى في اللعان؛ حيث قال: " إن صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها " (١) ، ومع ذلك فربما تقع الحاجة إلى ذلك؛ فذلك قوله - تعالى -: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ .
قلت: دلت الآية الأولى على النهي عن الخلع، والثانية على جوازه، فتكلم الفقهاء في ترتيبهما.
قال البغوي وغيره: " إذا آذاها بمنع بعض حقوقها حتى ضجرت، فاختلعت نفسها؛ فهذا الفعل منه حرام، ولكن الخلع نافذ؛ لأن الله - تعالى - قال في صورة النهي: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ ،
стр. 808
والعضل: التضييق والمنع، وقال: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ ، وهذا إشارة إلى طموح بصره إلى غيرها؛ من غير أن يرى منها التقصير.
والخلع المباح بلا كراهية أن تكره المرأة صحبة الزوج، ولا يمكنها القيام بأداء حقوقه، فتخرج فتختلع نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ ، إلى أن قال: ﴿فلا جناح عليهما﴾ ، ولتقريره ﷺ حبيبة بنت سهل على الخلع حين ذكرت الشقاق.
ولو اختلعت نفسها بلا سبب؛ فجائز مع الكراهة (١) ؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يفتشوا عن سبب الاختلاع من جانبها، وقد ثبت (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " أبغض الحلال إلى الله - تعالى - الطلاق ".
أقول: في قولهم: " هذا الفعل منه حرام، ولكن الخلع نافذ " نظر؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿لا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ ، وقوله: ﴿ولا يحل لكم﴾ نصان في تحريم أخذ البدل، وهو يقتضي بطلان العقد؛ كما في كثير من مسائل البيوع، فإما أن يكون العقد باطلا من أصله، أو يمضى
стр. 809
الطلاق ويرد عليها ما لها؛ كما قال مالك. والله - تعالى - أعلم (١) .
واتفق أهل العلم على أنه إن طلقها على مال فقبلت؛ فهو طلاق بائن.
واختلفوا في الخلع، فقال أبو حنيفة: تطليقة بائنة؛ وهو أصح قولي الشافعي، وله قول أنه فسخ وليس بطلاق، ولا ينقص به العدد؛ كذا في " المسوى ".
( [الخلع يجعل أمر المرأة بيدها] :)
(وإذا خالع الرجل امرأته كان أمرها بيدها) بعد الخلع، (لا ترجع إليه بمجرد الرجعة) .
( [مقدار العوض في الخلع] :)
(ويجوز بالقليل والكثير ما لم يجاوز ما صار إليها منه) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، وغيره: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين؛ ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : " أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، فقال رسول الله ﷺ : " اقبل الحديقة، وطلقها ".
стр. 810
وفي رواية لابن ماجه، والنسائي، بإسناد رجاله ثقات: أنها قالت: لا أطيقه بغضا؛ فقال لها النبي ﷺ : " أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم؛ فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ الحديقة ولا يزداد.
وفي رواية للدارقطني بإسناد صحيح: أن أبا الزبير قال: إنه كان أصدقها حديقة، فقال النبي ﷺ : " أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ "، قالت: نعم؛ وزيادة؛ فقال النبي ﷺ : " أما الزيادة فلا؛ ولكن حديقته "؛ قالت: نعم.
فهذه الفرقة؛ إنما كانت بسبب ما افتدت به المرأة، فلو لم يكن أمرها إليها؛ كانت الفدية ضائعة.
وقد أفاد ما ذكرناه أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما صار إليها منه؛ وقد ذهب إلى هذا علي، وطاوس، وعطاء، والزهري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق.
وذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يأخذ منها زيادة على ما أخذت منه؛ استدلالا بقوله - تعالى -: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ؛ فإنه عام للقليل والكثير.
ويجاب بأن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لذلك؛ كحديث: " أما الزيادة فلا "؛ صححه الدارقطني، فصلح لتخصيص ذلك العموم كما هو الحق عند الماتن ﵀ من جواز تخصيص عموم القرآن بالآحاد.
ومذاهب الصحابة فمن بعدهم في هذا مختلفة مبسوطة في المطولات.