تاسعًا: ترجمة صاحب الكتاب الإمام أبي بكر البيهقي .
هو: الإمام الحافظ العلامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد ابن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى الخُسْرَوْجِرْدِي، الخُرَاسَانِي، البَيْهَقِي.
وخُسْرَوْجِرْد بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو وَكسر الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخرهَا الدَّال الْمُهْملَة قَرْيَة من نَاحيَة بيهق.
ولد: في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة في شعبان. وقد سمع وهو ابن خمس عشرة سنة من: أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي؛ صاحب أبي حامد بن الشرقي، وهو أقدم شيخ عنده، وفاته السماع من أبي نعيم الإسفراييني؛ صاحب أبي عوانة، وروى عنه بالإجازة في البيوع.
قال الإمام الذهبي:
وبُورِك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، ولم يكن عنده «سنن النسائي»، ولا «سنن ابن ماجه»، ولا «جامع أبي عيسى» بلى عنده عن الحاكم وقر بعير أو نحو ذلك، وعنده «سنن أبي داود» عاليًا، وتفقه على ناصر العمري، وغيره.
وانقطع بقريته مقبلا على الجمع والتأليف، فعمل «السنن الكبير» في عشر مجلدات، ليس لأحد مثله، وألف كتاب «السنن والآثار» في أربع مجلدات، وكتاب «الأسماء والصفات» في مجلدتين، وكتاب «المعتقد» مجلد، وكتاب «البعث» مجلد، وكتاب «الترغيب والترهيب» مجلد، وكتاب «الدعوات» مجلد، وكتاب «الزهد» مجلد، وكتاب «الخلافيات» ثلاث
стр. 37
مجلدات، وكتاب «نصوص الشافعي» مجلدان، وكتاب «دلائل النبوة» أربع مجلدات، وكتاب «السنن الصغير» مجلد ضخم، وكتاب «شعب الإيمان» مجلدان، وكتاب «المدخل إلى السنن» مجلد، وكتاب «الآداب» مجلد، وكتاب «فضائل الأوقات» مجيليد، وكتاب «الأربعين الكبرى» مجيليد، وكتاب «الأربعين الصغرى»، وكتاب «الرؤية» جزء، وكتاب «الإسراء»، وكتاب «مناقب الشافعي» مجلد، وكتاب «مناقب أحمد» مجلد، وكتاب «فضائل الصحابة» مجلد، وأشياء لا يحضرني ذكرها.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في «تاريخه»: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعًا باليسير، متجملا في زهده وورعه.
وقال أيضا: هو أبو بكر الفقيه، الحافظ الأصولي، الدَّيِّن الوَرِع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم، كتب الحديث، وحفظه من صباه، وتفقه وبرع، وأخذ فن الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثم صَنَّف، وتَوالِيفُه تُقَارِب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد، جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث، طلب منه الأئمة الانتقال من بَيْهَق إلى نَيْسَابُور، لِسَماع الكتب، فأتى في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، وعَقَدُوا له المجلس لسماع كتاب «المعرفة» وحضره الأئمة.
стр. 38
وقال الذهبي أيضًا: «وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجُوَيْنِيِّ قال: ما من فقيه شافِعي إلا وللشافعي عليه مِنَّةٌ إلا أبا بكر البَيْهَقِي، فإن المِنَّةَ له على الشافعي لِتَصَانِيفِه في نُصْرَة مَذْهَبِه».
قال الذهبي: «قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يَعْمَل لِنَفْسِه مذهبًا يَجْتَهِدُ فيه؛ لكان قادرًا على ذلك، لِسَعَة عُلُومِهِ، ومَعْرَفِتِه بالاختلاف، ولهذا تراه يُلَوِّحُ بِنَصْر مَسائِل مِمَّا صَحَّ فِيهَا الحَدِيث.
ولَمَّا سَمِعُوا منه ما أحبوا في قَدْمَتِهِ الأخيرة، مَرِضَ، وحَضَرَت المَنِيَّةُ، فَتُوفِّي: في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربعِمائة، فَغُسِّل وكُفِّنَ، وعُمِلَ له تَابُوت، فَنُقِل ودُفِن بِبَيْهَق، وهي نَاحِية قَصَبَتِها خُسْرَوْجِرد، هي مَحْتِدِهُ، وهي على يومين من نيسابور، وعاش أربعًا وسبعين سنة» (١).
هذا والإمام البيهقي ﵀ أشعري المعتقد قد اشتهر بذلك، وقد عده الإمام ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» (٢) ضمن أعيان الأشاعرة، وقال ابن السبكي في «الطبقات» (٣): «وقرأ علم الكلام على مذهب الأشعري».
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يتولى مذهب المتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري ويذب عنهم وأنه من فضلاء الأشاعرة (٤).
* * *
_________
(١) ما نقل عن الإمام الذهبي هو من ترجمته للبيهقي في «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ١٦٣)، وما بعدها.
(٢) «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» ص (٢٦٥).
(٣) «طبقات الشافعية» (٤/ ٩).
(٤) ينظر «محموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٨٧) (٦/ ٥٣)، و «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص ٢٠٣).
стр. 39
عاشرًا: وصف النسخ الخطية .
فإنه قد توفر لدي لهذا الكتاب ثلاث نسخ خطية وهي كالآتي:
١ - نسخة مكتبة عارف حكمت بتركيا، مجموع رقم ١٩٤/ ٨٠ وهي من مصورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حرسها الله، وقد أتحفني بها وبالتي بعدها فضيلة الشيخ الهمام، أبي عبد الله حسين بن عكاشة حفظه الله ورعاه.
وهي ضمن مجموع يحتوي على عدة كتب من مصنفات البيهقي، كتاب أحكام القرآن أولها، و:
كتاب الانتقاد على أبي عبد الله الشافعي.
كتاب حياة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
الكلام على حديث الجويباري.
كتاب إثبات عذاب القبر.
كتاب بيان خطأ من أخطأ على الشافعي.
جماع أبواب قراءة القرآن في الصلاة على الإمام والمأموم.
فصل في الخاتم من كتاب الجامع له.
رسالته إلى أبي محمد الجويني.
وتقع النسخة في ثمانين ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء ثلاث وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء اثنتي عشر كلمة.
стр. 40
كتبت بخط نسخ عادي واضح، وهي أجود النسخ الثلاث، وتنفرد بتصويبات وزيادات ليست في الأخرتين.
والنسخة قوبلت على غيرها، يبدو ذلك من التصويبات، وبعض الفروق المدونة، في الحاشية والمرموز لها بحرف (ط).
وقد ذيل الناسخ ظهر كل صفحة بتعقيبة.
وجاء في آخرها:
نقل من أصل نسخة مسموعة على الشيخ الإمام أبي محمد عبد الجبار ابن محمد الخواري البيهقي، بروايته عن المصنف سماعًا، أو بالإجازة التي لا شك فيها، بقراءة أحمد بن إسماعيل القزويني، وسمع المرادي، ... والطبري، وعورض بها. والحمد لله أولًا وآخرًا.
وقد اصطلحت لها الرمز (م).
وقد خلت من ذكر تاريخ النسخ، واسم الناسخ.
٢ - نسخة المكتبة الظاهرية، رقم (٣٩٦٣)، وتقع في اثنين وسبعين ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء ثلاثة عشر كلمة.
وهي نسخة جيدة من القرن الثاني عشر الهجري كتبت بخط نسخي معتاد، الفصول ورءوس الفِقَر مكتوبة بالأحمر وبخط أكبر. توجد النسخة في مجموع يحوي: تخريج أحاديث منهاج الأصول لزين الدين عبد الرحيم العراقي، على الورقة الأولى قيد وقف باسم مصطفى بن عبد الرزاق على
стр. 41
طلبة العلم من المسلمين، تاريخه جمادى الأولى سنة ١١٨٠ هـ.
وقد ذيل الناسخ ظهر كل صفحة بتعقيبة.
وجاء في آخرها:
تم بحمد الله وعونه الكتاب نهار الأربعاء المبارك أوائل شهر شعبان المبارك من شهور سنة ألف ومائة وثلاث وثلاثين (١١٣٣ هـ)، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وذلك على يد الفقير عمر بن عثمان بن علي بالي القدسي الحنفي عفا عنهما، ونفع ببركة الصالحين يارب العالمين.
وقد اصطلحت لها الرمز (د).
٣ - نسخة دار الكتب المصرية برقم (٧١٥) مجاميع طلعت رقم الميكروفيلم (١٤٣٠٩)، والتي اعتمدها وحدها الشيخ عبد الغني ... عبد الخالق ﵀ في تحقيق الكتاب.
وتقع في سبع وستين ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء ثلاثة عشر كلمة.
وهي نسخة جيدة بقلم نسخي معتاد، جاء في طرتها مع العنوان، ختم وقف باسم السيد أحمد الحسيني بن يوسف الحسيني سنة ١٣٢٣ هـ.
وهي ضمن مجموع تقع هي في أوله، ثم كتاب التنوير في إسقاط التدبير لابن عطاء السكندري.
وكتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك للغزالي.
стр. 42
وكتاب الحكم المنسوب للإمام علي ﵁.
وكتاب الحكم العطائية لابن عطاء السكندري.
وكتاب الدرر المنثورة في بيان زُبَد العلوم المشهورة للشعراني.
وجاء في آخر الكتاب أبيات منسوبة للإمام الشافعي، أولها:
خَبَت نارُ قلبي لاشتعال مَفَارِقي ... وأظلم ليلي حين ضاء شِهابها
هذا، وناسخ هذه النسخة هو نفسه الذي نسخ التي قبلها، إلا أن هذه تقدمت في النسخ فقد كان الفراغ منها في نهار الاثنين لثمان عشر يومًا خلت من شهر جماد الثاني من شهور سنة مائة وألف وإحدى وثلاثين ١١٣١ هـ.
يعني أن النسختين الأخيرتين أعني: نسخة المكتبة الظاهرية، ونسخة دار الكتب المصرية = نُسِخَتا من أصل واحد، وكان هذا ظاهرًا لي بوضوح أثناء العمل؛ فهما متفقتان في أكثر المواضع إن لم تكونا في كل المواضع.
* * *
стр. 43
نَمَاذج مِن صُوَر المَخطُوطَات
стр. 44
الورقة الأولى من نسخة مكتبة عارف حكمت (م)
стр. 45
الورقة الثانية من نسخة مكتبة عارف حكمت (م)
стр. 46
الورقة الأخيرة من نسخة عارف حكمت (م)
стр. 47
الورقة الأولى من نسخة دار الكتب الظاهرية (د)
стр. 48
الورقة الثانية من نسخة دار الكتب الظاهرية (د)
стр. 49
الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب الظاهرية (د)
стр. 50
الصفحة الأولى من نسخة دار الكتب المصرية (ط)
стр. 51
الورقة الثانية من نسخة دار الكتب المصرية (ط)
стр. 52
الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية (ط)
стр. 53
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه العَوْنُ والتَّوْفِيق (١)
الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، الرحمَنِ الرحِيم، مَلِكِ يوم الدِّين، الذي خَلَق الإنسانَ مِن طِين، وجعل نَسْلَه مِن سُلالةٍ مِن مَاءٍ مَهِين، ثم سوَّاه ونَفَخَ فيه مِن رُوحِه، وجَعَل لهُم السَّمعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ، وبَعَثَ فيهم الرُّسُلَ والأَئِمَّةَ مُبَشِّرينَ بالجَنة مَن أَطَاع اللهَ، ومُنْذِرينَ بالنَّار مَنْ عَصَى الله، وخَصَّنا بالنَّبيِّ المُصْطَفَى، والرسولِ المُجْتَبى: أبي القَاسِم، مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ ... عَبْدِ المُطَّلِب صَلَّى اللهُ عَليه وعَلَى آلِه، الذين هَدَاهُم اللهُ واصْطَفَاهُم مِن بَنِي هَاشِم والمُطَّلِب، أَرْسَلَه بالحَقِّ إلى مَن جَعَلَه مِن أَهْل التَّكْلِيف مِن كَافَّة الخَلْق، بَشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا مُنيرًا، وأنزلَ معه كِتابًا عزيزًا، ونُورًا مُبينًا، وتَبْصِرةً وبَيانًا، وحِكمةً وبُرهانًا، ورَحمةً وشِفاءً، ومَوْعِظةً وذِكرًا، فَنَقَل به -مَن أَنعَم عليه بتوفيقه- مِنَ الكُفر والضَّلالة إلى الرُّشْد والهِدَايَة، وبَيَّن فيه ما أَحَلَّ وما حَرَّم، وما حَمِدَ وما ذَمَّ، وما يَكون عِبادَةً وما يكون معصيةً، نَصًّا أو دِلالَةً، ووَعَد وأَوْعَد، وبَشَّر وأَنذر، وَوضَعَ رسولَه ﷺ مِن (٢)
دِينِه مَوضِعَ الإبَانَة عنه، وحِينَ قَبَضهُ إليه (٣) قَيَّضَ في أُمَّتِه جَمَاعَةً
стр. 54
اجتهدوا في معرفة كتابه، وسُنة نبيه ﷺ ، حتى رَسَخُوا في العلم، وصاروا أَئِمَّةً يَهدُون بأمره، ويُبَيِّنون ما يُشْكِل على غيرهم من أحكام القرآنِ وتفسِيرِه.
وقد صَنَّف غَيرُ واحدٍ من المُتَقَدِّمينَ، والمُتَأخِّرين في تفسير القرآن ومَعَانِيه، وإعْرَابه ومَبَانِيه، وذَكَر كُلُّ واحدٍ منهم في أحكامه ما بَلَغه عِلْمُه، وربما يُوافِقُ قَوْلُه قَوْلَنا، وربما يُخَالِفُه؛ فَرأيتُ مَن دَلَّت الدلالة على صِحَّة قوله، أبا عبدِ اللهِ محمدَ بنَ إدرِيس الشَّافِعيَّ المُطَّلِبيَّ ابنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ (١) ... رَسُولِ اللهِ ﷺ وعلى آله، قد أتى على بيان ما يجبُ علينا مَعرِفَتَه مِن أحكام القرآن.
وكان ذلك مُفَرَّقًا في كُتُبِه المُصَنَّفة في الأُصُول والأَحْكَام، فَمَيَّزتُه وجَمَعْتُه في هذه الأجزاء على ترتيب (٢) المُخْتَصَر (٣)، ليكونَ طلبُ ذلك منه على مَن أراد أَيْسَر، واقْتَصَرتُ في حكاية كلامِهِ على ما يَتَبَيَّن منه المُراد دونَ الإطْنَاب، ونَقَلْتُ مِن كَلامِه في أصولِ الفِقْه، واسْتِشْهَادِه بالآياتِ التي احتاج إليها مِنَ الكِتَاب، على غَاية الاخْتِصَار، ما يليق بهذا الكتاب.
وأنا أسألُ اللهَ البَارَّ الرَّحيمَ، أَنْ يَنْفَعَنِي والنَّاظِرين فيه بما أَوْدَعْتُه، وأن يحسن جزاءَ مَن اقتدينا به فيما نَقَلتُه، فقد بالغ في الشرح والبيانِ، وأدَّى النصيحةَ في التقريب والبَيان، ونَبَّه على جهةِ الصَّوابِ والبُرهان، حتى أَصْبَح مَن اقتَدَى به على ثِقَةٍ مِن دِين رَبِّه، ويَقِينٍ مِن صحةِ مَذْهَبه.
стр. 55
والحمد لله الذي شَرَح صَدْرَنا للرَّشاد، ووفَّقَنا لصحَّة هذا الاعْتقاد، وإليه الرَّغبة -عَزَّت قُدْرَتُهُ- في أن يُجريَ على أَيدينا مُوجِبَ هذا الاعتقاد ومُقْتَضَاه، ويُعِينَنَا على ما فيه إِذْنُهُ ورِضَاه، وإليه التَّضَرُّع في أنْ يَتَغَمّدنا برحمته، ويُنْجِيَنا مِن عُقوبَته، إنه الغَفُورُ الوَدُود، الفَعَّالُ لِما يُريد، وهو حَسْبُنا ونِعْم الوَكِيل.
* * *
стр. 56
(١) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو الوليد حَسَّانُ ابنُ محمدِ الفَقِيه، أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بن عُبَيْدَة، قال: كُنَّا نَسْمَعُ مِن يُونُسَ بنِ عَبدِ الأَعْلى (١) تَفْسِيرَ زَيدِ بن أَسْلَم، عن ابنِ وَهْب، فقال لنا يُونُس: «كنتُ أولًا أُجَالِسُ أَصْحَابَ التَّفسير، وأُنَاظِرُ عليه، فكان الشافعيُّ إذا أَخَذَ في التفسير؛ كَأنَّه شَهِد التَّنْزِيل».
(٢) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو الوليد الفَقيهُ، أخبرنا ... أبو بكر ابن حَمْدُون قال: سمعتُ الربيعَ يقول: «قَلَّما كنتُ أَدخُل على الشافعي ﵀، إلا والمُصْحَف بين يديه، يَتَتبَّعُ أحكامَ القُرآنِ».
* * *
стр. 57
(١) فصلٌ ذَكَرهُ الشافعيُّ ﵀ فى التَّحْريض على تَعَلُّم أحكام القُرآن
(٣) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظُ ﵀، أخبرنا ... أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيعُ بن سليمان، أخبرنا الشَّافِعيُّ ﵀ في ذِكر نعمةِ اللهِ تعالى عَلَيْنا بِرسُولِه ﷺ ، ثم (١) بما أنزل عليه من كتابه- فقال: «﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]، فنقلهم بِه من الكفر والعَمى (٢)، إلى الضياء والهُدى، وبَيَّن فيه ما أَحَلَّ مَنًّا بالتَّوْسِعة على خلقه، وما حَرَّم لِما هو أعلم به من (٣)
حَظِّهم في الكَفِّ عنه في الآخرة والأُولى، وابْتَلَى طَاعَتَهم، بأن تَعَبَّدهم بقول، وعمل، وإمساكٍ عن محارمَ حَمَاهُمُوهَا، وأثابهم على طاعته- مِنَ الخُلود في جَنَّتِه، والنَّجَاةِ مِن نِقْمَتِه- ما عَظُمَت به نِعمتُه جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وأعلمهم ما أَوْجَب على أهل مَعْصِيتِه مِن خِلاف ما أَوْجَب لأهل طاعته ووَعَظَهُم بالإخبار عَمَّن كان قَبْلَهُم، مِمَّن كان أَكْثَرَ منهُم أموالًا وأولادًا، وأطولَ أعمارًا، وأحمدَ آثارًا، فاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِم في حياةِ دُنيَاهُم، فآزَفَتهُمعند نزول قَضَائِه مَنَايَاهُم دُونَ آمَالهِم، ونَزلَت بهم عُقُوبَتُه عِند انقِضَاء آجَالهِم ليعتبروا في أُنُفِ الأَوَان، ويَتَفَهَّمُوا بِجَلِيَّة التِّبْيان، ويَتَنبَّهُوا قَبل رَيْن
стр. 58
الغَفْلَة، ويَعْمَلُوا قبل انقِطَاع المُدَّة، حين لا يُعْتِبُ (١) مُذْنِبٌ، ولا تُؤخذُ فِدْيةٌ، و ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. فكان ما (٢) أنزل في كتابه جَلَّ ثَنَاؤُهُ، رحمةٌ وحُجَّةٌ عَلِمَهُ مَن عَلِمَه، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَه.
قال: والنَّاسُ في العِلم طَبَقاتٌ، مَوقِعُهُم مِن العلم بِقَدرِ دَرَجاتِهِم في العلم به، فَحُقَّ عَلى طَلَبَةِ العِلم بُلوغُ غَاية جُهدِهم في الاسْتكْثَار مِن علمه، والصَّبر عَلى كُلِّ عَارِضٍ دونَ طَلَبه، وإخلاصُ النِّية للهِ في اسْتدراك عِلْمِه، نَصًّا واسْتِنْبَاطًا، والرَّغبةُ إلى الله في العَوْنِ عَلَيه؛ فَإِنَّه لا يُدْرَكُ خَيْرٌ إلا بِعَوْنِهِ، فَإنَّ مَن أَدْرَك عِلْمَ أَحْكَامِ اللهِ في كِتَابِه نَصًّا واسْتِدْلالًا، وَوَفَّقَهُ اللهُ للقَولِ والعَمَل لِمَا عَلِمَ مِنهُ = فَازَ بالفَضِيلَة في دِينِه ودُنْيَاه، وانْتَفَت عنه الرِّيَبُ، ونَوَّرَت في قَلبه الحِكْمَة، واسْتَوْجَب في الدِّين مَوْضِعَ الإمامة.
فَنسألُ اللهَ -المُبْتَدِئَ لَنا بِنِعَمِهِ قَبلَ اسْتِحْقَاقِها، المُدِيمَهَا (٣) علينا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أَوْجَبَ مِن شُكره لها، الجَاعِلَنَا في خَيْر أُمَّة أُخْرِجَت للنَّاس- أن يَرْزُقَنا فَهمًا في كِتَابِه، ثم سُنَّةِ نَبيِّه ﷺ قَولًا وعَمَلًا يُؤَدِّي به عَنَّا حَقَّه، ويُوجِب لنا نَافِلَةَ مَزِيدِه.
فَلَيسَت تَنْزِلُ بأَحَدٍ من أهل دِين اللهِ نَازِلَةٌ، إلا وفي كِتاب اللهِ الدَّليلُ على سُبُلِ الهُدَى فيها.
стр. 59
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم].
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل]» (١).
قال الشافعي ﵀: «ومن جِمَاع كِتاب اللهِ ، العِلمُ بِأَنَّ جميعَ كِتابِ الله إنَّما نَزل بِلِسَانِ العَرَب.
والمَعْرفةُ بِنَاسِخِ كِتابِ الله ومَنْسُوخِهِ، والفَرضِ في تَنزيِلِه، والأَدَبِ، والإِرشادِ، والإِبَاحَة.
والمَعْرَفةُ بالمَوضِع (٢) الذي وضَعَ اللهُ نَبيَّه ﷺ ، من الإبانة عنه فيما أَحكَم فَرْضَه في كِتَابه، وبَيَّنَه على لسانِ نَبيِّه ﷺ ، وما أراد بِجَمِيع فَرائِضِه؟ ومَنْ أَرَادَ، أكُلَّ خَلْقِه، أم بَعْضَهُم دُونَ بَعْضٍ؟ وما افترض على الناس من طاعته والانتهاء إلى أمره.
ثُمَّ مَعرفةُ ما ضَربَ فِيها من الأمثال الدَّوالِّ على طاعته، المُبيِّنة لاجتناب معصيته، وتَركُ الغَفْلَة عن الحَظِّ، والازديادُ مِن نَوافِل الفَضْلِ.
فالواجبُ عَلى العَالِمِينَ أَلَّا يَقُولُوا إلا مَن حَيثُ عَلِمُوا.
ثم ساق الكلام إلى أن قال: والقُرآنُ يَدُلُّ عَلى أَنْ لَيْسَ في كِتابِ اللهِ
стр. 60
شَيءٌ إلا بِلِسَانِ العَرَبِ» (١).
قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء].
وقال الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
فَأقامَ حُجَّتَه بِأَنَّ كِتَابَه عَرَبِيٌّ، ثُم أَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ نَفَى عَنه كُلَّ لِسَانٍ غَير لِسانِ العَرب، في آيتين من كتابه، فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (٢).
وقال: «ولَعَلَّ من قال: إن في القرآنِ غيرَ لِسَانِ العَربِ، ذَهَب إلى أَنَّ شَيئًا (٣) مِن القرآن خَاصًّا يَجْهَلُه بَعضُ العَربِ.
ولِسَانُ العَربِ أَوْسَعُ الألسِنَة مَذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نَعْلَمُه يُحِيطُ بِجَمِيع عِلْمِه إنسانٌ غَيرُ نَبِيٍّ. ولكنه لا يَذهَبُ منه شَيءٌ على عَامَّةِ أَهلِ العِلْم،
стр. 61
كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نَعلمُ رَجُلًا جَمَعها فَلم يَذْهَب مِنها شَيءٌ عَليه، فإذا جُمِعَ عِلمُ عَامَّةِ أَهلِ العِلم بها أتي على السُّنَن.
والذي يَنطقُ العَجَمُ بالشيء من لسان العرب، فلا يُنْكَر-إذا كان اللفظ قيل تَعَلُّمًا، أو نطق به موضوعًا- أن يُوافِق لِسَانَ العَجَم أو بَعْضَه، قليلٌ من لِسانِ العَربِ ... » (١).
وبَسَطَ الكَلامَ فِيه.
* * *
стр. 62
(٢) فَصلٌ في مَعرفَةِ العُمومِ والخُصُوص
(٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال:
قال الشافعي ﵀: «قال الله تبارك تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [النحل: ٣]، [الزمر: ٥]، [التغابن: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ... [هود: ٦].
فَهذا عَامٌّ لا خَاصَّ فيه، فَكُل شيء مِن سماءٍ، وأرض، وذي رُوحٍ، وشَجر، وغير ذلك، فاللهُ خَالِقُه، وكُلُّ دَابَّةٍ فعلى الله رزقُها، ويَعلَمُ مُستَقرَّها ومُسْتَودَعَها» (١).
«وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال الشَّافِعِيُّ: «فَبَيِّنٌ في كتابِ اللهِ: أَنَّ في هاتين الآيتين، العُمُومَ والخُصُوصَ».
стр. 63
فَأمَّا (١) العُمومُ منها: ففي قول الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. فَكلُّ نَفْسٍ خُوطِبَ بهذا في زمان رسولِ الله ﷺ وقَبْلَه وبَعْدَه مَخْلُوقةٌ مِن ذَكَرٍ وأُنْثَى، وكُلُّها شُعوبٌ وقَبَائِلُ.
والخَاصُّ منها: في قول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]؛ لأن التقوى إنما تكونُ على مَن عَقَلها وكان مِن أهلِها مِن البَالِغين مِن بَنِي آدمَ، دونَ المخلوقين مِن الدَّوابِّ سواهم، ودون المَغْلُوبِ (٢) على عُقُولِهِم منهم، والأطفالِ الذين لم يَبْلُغوا عَقْلَ التَّقْوى منهم، فلا يَجُوزُ أَن يُوصَفَ بالتَّقْوى وخِلافِها إلا مَنْ عَقَلَها وكان مِن أهلها، أو خالفها فكان من غير أهلها.
وفي السُّنَّة دلالَة عليه، قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ، النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، والصَّبِيِّ حتى يَبْلُغَ، والمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ» (٣).
قال الشَّافِعيُّ ﵀: وهكذا التنزيلُ في الصَّوم والصَّلاة، على البالِغينَ العَاقِلين دونَ مَن لَم يَبلُغ، ومَن بَلَغ (٤) مِمَّن غُلِبَ عَلى عَقْلِه، ودونَ الحُيَّضِ في أَيامِ حَيْضِهِنَّ.
стр. 64
قال الشافعي ﵀: قال الله تبارك تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران]. قال الشافعيُّ ﵀: فَإذَا كان مَن مَع رَسولِ اللهِ ﷺ نَاسَ (١) غَيرِ مَن جَمَعَ لهُم مِنَ النَّاس، وكان المُخبِرُونَ لهم نَاسَ غَيْرِ مَن جُمِعَ لَهُم، وغيرَ مَن مَعَهُ مِمَّن جُمِعَ عَليْه مَعَهُ، وكان الجامِعُونَ لَهُم نَاسًا = فالدلالة بَيِّنَةٌ لِمَا وَصَفْتُ مِن أَنَّهُ إنما جَمَع لَهُم بَعضُ النَّاسِ دونَ بَعْضٍ، والعِلْمُ يُحِيط: أَنْ لَمْ يَجْمَعْ لَهُم النَّاسُ كُلُّهم، ولم يُخْبرْهُم النَّاسُ كُلُّهُم، ولم يَكُونُوا هُم النَّاسَ كُلَّهُم.
ولكنه لَمَّا كان اسمُ النَّاسِ يَقَعُ على ثَلاثَةِ نَفَر، وعلى جَميع النَّاس، وعلى مَنْ بَيْن جَمِيعِهِم، وثَلاثَةٍ مِنهُم = كان صحيحًا في لِسَان العَرب، أن يُقالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾.
قال: وإنما كان (٢) الذين قالوا لهم ذلك أَربعَةُ نَفَرٍ ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، يَعْنُونَ المُنْصَرِفِينَ مِن أُحُدٍ، وإنَّما هُم جَمَاعة غَيرُ كَثيرٍ (٣) مِن الناس، الجَامِعُونَ مِنهُم غَيرُ المَجْمُوعِ لَهُم، والمُخْبرُونَ للمِجْمُوع لَهُم غَيرُ الطَّائِفَتَيْن، والأَكثَرُ مِنَ النَّاس في بُلدَانهم غيرُ الجَامِعين والمَجْمُوعِ لَهُم ولا
стр. 65
المُخْبرِينَ» (١).
«وقال الله : ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].
فَدَلَّ كتابُ اللهِ على أَنَّه إِنَّمَا وقَوُدُها بَعْضُ النَّاسِ لقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء]» (٢).
قال الشافعي ﵀: «قال الله : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] وذكر سائر الآيات، ثم قال: فأبان أن للوالدَين والأزواج ما سَمَّى في الحالات، وكان عامَّ المَخْرَج، فَدَلَّت سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ على أنه إنما أُرِيدَ بها بعضُ الوالِدَيْن والأزواج دون بعض، وذلك أن يكونَ دِينُ الوالِدَين والمولود، والزوجين واحدًا ولا يكون الوارثُ منهما قاتلًا ولا مَملوكًا.
وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فأبان رسولُ اللهِ ﷺ أَنَّ الوصايا: يُقْتَصَرُ بها على الثُّلث، ولأهل المِيراث: الثُّلُثان، وأبان أن الدَّيْن: قبل الوَصَايا والمِيراث، وأنْ لا وَصِيَّةَ ولا ميراثَ: حتى يَسْتَوفِي أَهْلُ الدَّيْن دَيْنَهم، ولولا دَلَالة السُّنَّة، ثم إجماعُ النَّاس، لم يَكُن ميراثٌ إلا بعدَ وصيةٍ أو دَيْن، ولم تَعْدُ الوَصيةُ أن تكون مُبَدَّاةً على الدَّيْن، أو تكون والدَّينُ سَواءً» (٣).
وذكر الشافعي ﵀ في أمثال هذه الآية-: آيةَ الوضوء، ووُرُود السُّنَّة
стр. 66
بالمَسْح على الخُفَّين، وآيةَ السَّرِقة وورود السنة بأنْ: «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» (١)؛ لكونهما غير مُحَرَزَيْن، وأن لا يُقْطَع إلا مَن بَلَغت سَرِقَتُه رُبْعَ دِينَارٍ،
وآيةَ الجَلْدِ في الزَّاني والزَّانِية، وبَيَان السُّنَّة: بأن المُراد بها البِكْرَان دُون الثَّيِّبَيْن، وآيةَ سَهْمِ ذي القُرْبى، وبيانَ السُّنة: بأنه لِبَني هَاشِمٍ وبَنِي عبدِ المُطَّلب، دون سَائِر القُرْبى، وآيةَ الغَنِيمة، وبيان السُّنة: بأنَّ السَّلَب منها للقَاتِل.
وكُلُّ ذَلك تَخْصِيصٌ للكِتاب بالسُّنة، ولولا الاستدلالُ بالسُّنة كان الطُّهرُ في القَدَمين، وإن كان لابسًا لِلْخُفَّين، وقَطَعْنَا كُلَّ مَن لَزِمَهُ اسْمُ سَارِقٍ، وضَرَبْنَا مِائةً كُلَّ مَن زَنَى، وإن كان ثَيِّبًا، وأَعْطَينا سَهْمَ ذِي القُربَى مَن بَيْنَه وبَيْن النَّبي ﷺ قَرَابةٌ، وخَمَّسْنا السَّلَب لأنه مِن الغَنِيمةِ (٢).
* * *
стр. 67
(٣) فَصْلٌ في فَرضِ اللهِ في كِتَابِه اتِّبَاعَ سُنَّة نَبِيِّه ﷺ -
(٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي ﵀: «وَضَع اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَسُولَه ﷺ مِن دِينه وفَرْضِه وكِتَابِه- المَوْضِعَ الذي أبان جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَله عَلَمًا لِدِينه، بما افْتَرضَ مِن طَاعَتِهِ، وحَرَّمَ مِن مَعْصِيَته، وأَبَان مِن فَضِيلته (١) بما قَرَن (٢) مِن الإيمان برسُوله مع الإيمان به، فقال تبارك وتعالي: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) [الأعراف: ١٥٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فَجَعَل كَمَالَ (٤) ابْتِدَاءِ الإيمان- الذي ما سِوَاهُ تَبَعٌ له-: الإيمانَ باللهِ، ثُمَّ برسُولِه ﷺ ، فلو آمَن بِه عَبْدٌ ولم يُؤمِن برسوله ﷺ = لم يَقَع عَليه اسمُ كَمَالِ الإيمان أبدًا، حتى يؤمنَ برسوله ﵇ معه» (٥).
قال الشافعي ﵀: «وفرضَ اللهُ تعالى على الناس اتباعَ وَحْيِهِ وسُنَنِ
стр. 68
رسوله ﷺ ، فقال في كتابه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]». (١) وذَكَر غَيرَها مِن الآيات التي وَرَدت في معناها.
قال: «فذكر الله تعالى الكتابَ، وهو القرآن، وذَكَر الحِكْمَةَ، فَسَمعتُ مَن أَرْضَى مِن أَهْلِ العِلْمِ بالقُرآن يَقُول: الحِكَمْةُ: سُنَّةُ رَسولِ الله ﷺ (٢).
وهذا يُشْبِهُ ما قال واللَّهُ أَعْلَمُ بأن القرآن ذُكِر وأُتْبِعَتْهُ الحِكْمةُ، وذَكَر اللهُ مِنَّتَهُ (٣) على خَلْقِه بِتَعْليمِهم الكِتَاب والحِكْمَة، فلم يَجُزْ واللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تُعَدَّ الحِكَمة هاهنا إلا سُنَّةُ رَسولِ الله ﷺ ؛ وذلك أنها مَقْرُونَةٌ مَع كتاب الله، وأن اللهَ افترضَ طاعةَ رَسُولِه ﷺ ، وحَتَّم على الناس اتباعَ أَمْرِه، فلا يجوزُ أن يُقَالَ لِقَولٍ: فَرْضٌ، إلا لِكِتَابِ اللهِ، ثم سُنَّة رَسول الله ﷺ مُبَيِّنَةٌ عن الله ما أَرَادَ، دَليلًا على خَاصِّهِ وعَامِّه، ثم قَرَن الحِكْمَةَ بها بِكِتَابه فَأَتْبَعَها إِيَّاهُ، ولم يجعل هذا لأحدٍ مِن خلقه غَيرِ رَسُول الله ﷺ » (٤).
стр. 69
ثم ذكر الشافعيُّ ﵀ الآياتِ التي وَردَت في فَرضِ اللهِ طَاعَةَ رَسُولِه ﷺ ، منها: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فقال بعضُ أهلِ العِلْم: «أولوا (١) الأمر: أُمَراءُ سَرَايا رَسولِ اللهِ ﷺ ».
وهكذا أُخْبِرنا واللَّهُ أَعْلَم وهو يُشْبِهُ ما قال واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأن من كان حول مَكَّة مِن العَرب لم يكن يَعرفُ إِمَارَةً، وكانت تَأْنَفُ أن يُعْطِيَ بَعْضُها بَعْضًا طَاعَةَ الإِمَارَة، فَلَمَّا دَانَتْ لِرَسولِ الله ﷺ بالطاعة، لَم تَكُن تَرى ذَلِك يَصْلُح لِغَيْر رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَأُمِروا أَن يُطِيعُوا أُولِي الأمْرِ الذِين أَمَّرَهُم رَسولُ اللهِ ﷺ ، لا طاعةً مُطْلَقَةً، بَل طَاعَةً يُسْتَثْنى فيها، لهم وعليهم (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩] يعني: إِنِ اخْتَلَفتُم في شيءٍ. وهذا -إن شاء الله- كما قال في أولي الأمر؛ لأنه (٣)
يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: هُم وأُمَراؤُهُم الذين أُمِرُوا بِطَاعَتِهم ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: إلى ما قال اللهُ والرَّسولُ، إنْ عَرَفْتُمُوه، وإن لم تَعْرِفُوه سَأَلتُم رسولَ اللهِ ﷺ عنه إذَا وَصَلْتُم إليه، أو مَن وَصَل إليه؛ لأَنَّ ذَلكَ الفَرْضُ الذِي لا مُنَازَعَةَ لكم فيه؛ لقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ومَنْ تَنَازَع مِمَّن بَعُدَ عن رَسولِ الله ﷺ رَدَّ الأمرَ إلى قَضَاءِ اللهِ، ثُم إلى قَضَاءِ رسولِ الله ﷺ ، فإن لم
стр. 70
يكن فِيمَا تَنَازعُوا فيه قَضَاءٌ -نَصًّا فِيهِما ولا في وَاحِدٍ منهما- رَدُّوه قِياسًا على أحدهما (١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية.
قال الشافعيُّ: «نزلت هذه الآية فيما بَلَغنا واللَّهُ أَعْلَمُ في رَجل خَاصَم الزُّبيرَ ﵁ في أَرْضٍ، فَقَضى النبيُّ ﷺ بها للزُّبَيرِ ﵁، وهذا القضاء سُنَّةٌ مِن رسولِ الله ﷺ ، لا حُكْمٌ مَنصوصٌ في القرآن» (٢).
وقال : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] والآيات بعدها، فَأعلَمَ اللهُ الناسَ أنَّ دُعاءَهم إلى رسول الله ﷺ لِيحكُم بينهم، دُعاءٌ إلى حُكْم اللهِ، وإذا سَلَّمُوا لحكم النبي ﷺ ؛ فإنما سَلَّمُوا لِفرضِ الله، وبسط الكلام فيه.
قال الشافعيُّ ﵀: «وشَهِدَ له جَلَّ ثَنَاؤُهُ باسْتِمسَاكِه بما أَمَرهُ به، والهُدَى في نفسه، وهِدَايةِ مَن اتَّبعه، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى]، وذكر معها غيرها.
ثم قال في شَهَادته له: إنه يَهدِي إلى صِراطٍ مُستقيم، صِراطِ الله.
стр. 71
وفيما وصفتُ مِن فَرضه طَاعَتَه، ما أَقام اللهُ به الحُجَّة على خَلْقِه بالتسليم لحكم رسولِه واتِّباع أَمره، فَما سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فيما ليس للهِ فيه حُكمٌ- فَبِحُكم اللهِ سَنَّهُ» (١).
ثم ذَكر الشافعيُّ ﵀ الاستدلالَ بِسُنته على الناسِخ والمَنسُوخ مِن كتاب الله، ثم ذكر الفَرائِضَ المَنصُوصَة التي بَيَّن (٢) رسولُ الله ﷺ معها، ثم ذكر الفَرائِض الجُمَل التي أَبَانَ رسولُ الله ﷺ عن اللهِ سُبحَانه كيفَ هِي ومَواقِيتها، ثم ذَكَر العَامَّ مِن أَمرِ الله، الذِي أَرادَ بهِ العَام، والعَامَّ الذي أرادَ به الخَاص، ثم ذكر سُنَّته فيما ليس فيه نَصُّ كِتَابٍ (٣).
وإيراد جميع ذلك هاهنا مما يطول به الكتاب، وفيما ذكرناه إشارة إلى ما لم نذكره.
* * *
стр. 72
(٤) فَصلٌ في تَثْبيت خَبَر الوَاحِد مِن الكِتَابِ
(٦) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو العباسِ محمدُ بن يعقوبَ، أخبرنا الرَّبيعُ بنُ سليمان قال: قال الشَّافِعِيُّ ﵀: «وفي كتاب الله دلالةٌ (١) على ما وصَفْتُ؛ قال الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥].
وقال : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء: ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]،
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣)﴾ [الشعراء].
وقال تعالى لِنَبِيِّه ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]». (٢)
قال الشافعي: «فأقام جَلَّ ثَنَاؤُهُ حُجَّتَه على خَلقه في أنبيائه بِالأَعْلَام (٣)
стр. 73
التي بَايَنُوا بها خَلْقَه سِواهم، وكانت الحُجَّةُ على مَن شَاهد أمورَ الأنبياء، ودَلائِلَهم التي بَاينُوا بها غَيرَهُم، ومَن بَعدَهُم، وكان الواحد في ذلك وأكثر منه سواءً؛ تقومُ الحُجَّةُ بالواحد منهم قِيامَها بالأكثر» (١).
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس].
قال: «فَظَاهَر الحُجَّةَ (٢) عليهم باثنين، ثم ثالث، وكذا أقام الحجةَ على الأُمَم بواحِدٍ، وليس الزيادَةُ في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد؛ إذ أعطاه اللهُ ما يُبَايِنُ به الخلقَ غيرَ النبيين» (٣).
واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بالآيات التي وَرَدتْ في القُرآن في فَرضِ اللهِ طَاعَةَ رَسُولِه ﷺ ، ثم قال: «وكان فَرْضُهُ على من غاب عن رسول الله ﷺ ، ومَن بَعده إلى يوم القيامة، واحدًا، في أَنْ عَلى كُلِّ أَحَدٍ طَاعَتَه، ولم يَكُن أَحَدٌ غاب عن رُؤيةِ رسولِ الله ﷺ يَعلمُ أَمْرَ رسولِ الله ﷺ ، وشَرُفَ وكَرُمَ؛ إلا بالخبر عنه».
وبسط الكلام فيه.
* * *
стр. 74
(٥) فَصْلٌ في النَّسْخِ
(٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵀: «إن اللهَ خَلَقَ الناسَ لِمَا سَبَق في عِلمِه مِمَّا أَرَادَ بِخَلْقِهِم وبهم، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وأَنْزَل الكِتَابَ (١) ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فَرَضَ (٢) فَرائِضَ أثْبَتها، وأُخرى نَسَخَها، رَحْمَةً لِخَلْقِه، بالتَّخْفِيفِ عنهُم، وبالتَّوْسِعَة عليهم، زيادةً فيما ابتدأهم به مِن نِعَمِه، وأَثَابَهُم على الانتهاء إلى ما أَثْبَت عليهم جَنَّتَه، والنَّجاةَ مِن عَذابِه، فَعَمَّتهُم رَحْمتُهُ فيما أَثْبَتَ ونَسَخ، فله الحمدُ على نِعَمِه، وأبان اللهُ (٣) لَهُم أنه إنما نَسَخَ ما نَسَخَ من الكتاب بالكتاب، وأَنَّ السُّنَّةَ (٤)؛ إِنَّما هي تَبَعٌ للكتاب بمثل ما نَزَل نَصًّا، ومُفَسِّرَةٌ معنى ما أَنْزَلَ اللهُ منه جُمَلًا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس].
فأخبر اللهُ أَنَّه فَرَضَ على نَبِيِّهِ اتِّبَاعَ ما يُوحَى إليه، ولم يَجعلْ له
стр. 75
تَبْدِيلَه من تلقاء نفسه.
وقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: بيانُ ما وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لا يَنْسَخُ كِتَابَ اللهِ إلا كِتَابُه، كما كان المُبْتَدِئَ لِفَرضِه، فهو المُزِيلُ المُثْبِتُ لِمَا شَاء مِنه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ولا يكونُ ذَلِك لأحدٍ مِن خَلْقِه.
وكذلك (١) قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].
قيل يَمحُو فَرْضَ مَا يَشَاء (٢)، وهذا يشبه ما قيل، واللَّهُ أَعْلَم.
وفي كتاب الله دلالة عليه؛ قال الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
فأخبر الله أَنَّ نَسْخَ القُرآنِ، وتَأْخِيرَ إِنْزَالِهِ: لا يَكُونُ إلا بِقُرْآنٍ مِثْلِه. وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١].
وهكذا سُنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لا يَنْسَخُها إلا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣).
وبسط الكلام فيه.
قال الشافعي: «وقد قال بعض أهل العلم- في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ - واللَّهُ أَعْلَم- دلالةٌ عَلى أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ لِرسُولِهِ ﷺ ، أنْ يقولَ مِن تِلْقَاء نَفسِهِ بِتَوفِيقِه فيما لَم يُنزِل به كِتابًا، واللَّهُ أَعْلَم» (٤).