← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفيما وصفتُ مِن فَرضه طَاعَتَه، ما أَقام اللهُ به الحُجَّة على خَلْقِه بالتسليم لحكم رسولِه واتِّباع أَمره، فَما سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فيما ليس للهِ فيه حُكمٌ- فَبِحُكم اللهِ سَنَّهُ» (١). ثم ذَكر الشافعيُّ ﵀ الاستدلالَ بِسُنته على الناسِخ والمَنسُوخ مِن كتاب الله، ثم ذكر الفَرائِضَ المَنصُوصَة التي بَيَّن (٢) رسولُ الله ﷺ معها، ثم ذكر الفَرائِض الجُمَل التي أَبَانَ رسولُ الله ﷺ عن اللهِ سُبحَانه كيفَ هِي ومَواقِيتها، ثم ذَكَر العَامَّ مِن أَمرِ الله، الذِي أَرادَ بهِ العَام، والعَامَّ الذي أرادَ به الخَاص، ثم ذكر سُنَّته فيما ليس فيه نَصُّ كِتَابٍ (٣). وإيراد جميع ذلك هاهنا مما يطول به الكتاب، وفيما ذكرناه إشارة إلى ما لم نذكره. * * *

стр. 72

(٤) فَصلٌ في تَثْبيت خَبَر الوَاحِد مِن الكِتَابِ (٦) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو العباسِ محمدُ بن يعقوبَ، أخبرنا الرَّبيعُ بنُ سليمان قال: قال الشَّافِعِيُّ ﵀: «وفي كتاب الله دلالةٌ (١) على ما وصَفْتُ؛ قال الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]. وقال : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء: ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣)﴾ [الشعراء]. وقال تعالى لِنَبِيِّه ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]». (٢) قال الشافعي: «فأقام جَلَّ ثَنَاؤُهُ حُجَّتَه على خَلقه في أنبيائه بِالأَعْلَام (٣)

стр. 73

التي بَايَنُوا بها خَلْقَه سِواهم، وكانت الحُجَّةُ على مَن شَاهد أمورَ الأنبياء، ودَلائِلَهم التي بَاينُوا بها غَيرَهُم، ومَن بَعدَهُم، وكان الواحد في ذلك وأكثر منه سواءً؛ تقومُ الحُجَّةُ بالواحد منهم قِيامَها بالأكثر» (١). قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس]. قال: «فَظَاهَر الحُجَّةَ (٢) عليهم باثنين، ثم ثالث، وكذا أقام الحجةَ على الأُمَم بواحِدٍ، وليس الزيادَةُ في التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد؛ إذ أعطاه اللهُ ما يُبَايِنُ به الخلقَ غيرَ النبيين» (٣). واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بالآيات التي وَرَدتْ في القُرآن في فَرضِ اللهِ طَاعَةَ رَسُولِه ﷺ ، ثم قال: «وكان فَرْضُهُ على من غاب عن رسول الله ﷺ ، ومَن بَعده إلى يوم القيامة، واحدًا، في أَنْ عَلى كُلِّ أَحَدٍ طَاعَتَه، ولم يَكُن أَحَدٌ غاب عن رُؤيةِ رسولِ الله ﷺ يَعلمُ أَمْرَ رسولِ الله ﷺ ، وشَرُفَ وكَرُمَ؛ إلا بالخبر عنه». وبسط الكلام فيه. * * *

стр. 74

(٥) فَصْلٌ في النَّسْخِ (٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي ﵀: «إن اللهَ خَلَقَ الناسَ لِمَا سَبَق في عِلمِه مِمَّا أَرَادَ بِخَلْقِهِم وبهم، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وأَنْزَل الكِتَابَ (١) ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] فَرَضَ (٢) فَرائِضَ أثْبَتها، وأُخرى نَسَخَها، رَحْمَةً لِخَلْقِه، بالتَّخْفِيفِ عنهُم، وبالتَّوْسِعَة عليهم، زيادةً فيما ابتدأهم به مِن نِعَمِه، وأَثَابَهُم على الانتهاء إلى ما أَثْبَت عليهم جَنَّتَه، والنَّجاةَ مِن عَذابِه، فَعَمَّتهُم رَحْمتُهُ فيما أَثْبَتَ ونَسَخ، فله الحمدُ على نِعَمِه، وأبان اللهُ (٣) لَهُم أنه إنما نَسَخَ ما نَسَخَ من الكتاب بالكتاب، وأَنَّ السُّنَّةَ (٤)؛ إِنَّما هي تَبَعٌ للكتاب بمثل ما نَزَل نَصًّا، ومُفَسِّرَةٌ معنى ما أَنْزَلَ اللهُ منه جُمَلًا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس]. فأخبر اللهُ أَنَّه فَرَضَ على نَبِيِّهِ اتِّبَاعَ ما يُوحَى إليه، ولم يَجعلْ له

стр. 75

تَبْدِيلَه من تلقاء نفسه. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: بيانُ ما وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهُ لا يَنْسَخُ كِتَابَ اللهِ إلا كِتَابُه، كما كان المُبْتَدِئَ لِفَرضِه، فهو المُزِيلُ المُثْبِتُ لِمَا شَاء مِنه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ولا يكونُ ذَلِك لأحدٍ مِن خَلْقِه. وكذلك (١) قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. قيل يَمحُو فَرْضَ مَا يَشَاء (٢)، وهذا يشبه ما قيل، واللَّهُ أَعْلَم. وفي كتاب الله دلالة عليه؛ قال الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فأخبر الله أَنَّ نَسْخَ القُرآنِ، وتَأْخِيرَ إِنْزَالِهِ: لا يَكُونُ إلا بِقُرْآنٍ مِثْلِه. وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]. وهكذا سُنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ لا يَنْسَخُها إلا سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣). وبسط الكلام فيه. قال الشافعي: «وقد قال بعض أهل العلم- في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ - واللَّهُ أَعْلَم- دلالةٌ عَلى أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ لِرسُولِهِ ﷺ ، أنْ يقولَ مِن تِلْقَاء نَفسِهِ بِتَوفِيقِه فيما لَم يُنزِل به كِتابًا، واللَّهُ أَعْلَم» (٤).

стр. 76

(٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس-هو الأَصَمُّ- أخبرنا الربيع، أنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قال: «قال الله ﵎ في الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء]. فَبَيَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الله تلك المَواقِيتَ، وصَلَّى الصَّلواتِ لِوَقْتِها، فَحُوصِرَ يومَ الأَحْزَابِ، فلم يقدر على الصلاة في وقتِها، فَأخَّرَها للعُذر، حتى صَلَّى الظُّهرَ، والعَصْر، والمغربَ، والعِشَاء في مَقَامٍ وَاحِدٍ». قال الشَّافِعِيُّ ﵀: أخبرنا ابنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن المَقْبُرِيِّ، عن عبد الرَّحْمَن بنِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبيه قال: «حُبِسْنَا يَومَ الخَنْدَقِ عن الصَّلاةِ، حتى كان بعد المغرب بِهَوِيٍّ (١) مِنَ الليلِ حتى كُفِينَا، وذلك قولُ الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قال: فدعا رسولُ اللهِ ﷺ بِلالًا، فأمره فأقام الظهرَ فَصَلَّاها، فأحسن صلاتها كما كان يُصَلِّيها في وَقْتِها، ثم أقام العصرَ فصلاها هكذا، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العِشَاء فصلاها كذلك أيضًا، وذلك قبل أن يُنْزِلَ (٢) اللهُ في صَلاةِ الخَوفِ: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]» (٣). قال الشافعي ﵀: «فَبَيَّنَ أبو سَعِيدٍ أَنَّ ذلك قَبْل أَن يُنَزَّلَ على النبي ﷺ

стр. 77

الآية التي ذُكِرَتْ فيها صَلاةُ الخَوفِ؛ قَولُ اللهِ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وذكر الشافعي ﵀ حديثَ صَالِح بنِ خَوَّاتٍ، عَمَّن صَلَّى مع النبي ﷺ صلاة الخوف (١). ثم قال: «وفي هذا دلالةٌ على ما وَصَفْتُ؛ مِن أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ إذا سَنَّ سُنَّةً، فأحدث اللهُ إليه (٢) في تلك السُنَّة نَسْخَها أو مَخْرجًا إلى سَعَةٍ منها = سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ سُنَّةً تَقُومُ الحُجَّةُ على الناس بها، حتى يكونوا إنما صاروا من سُنَّتِه إلى سُنَّتِه التي بَعْدَهَا. قال: فَنَسخَ اللهُ تأخيرَ الصَّلاة عن وقتها في الخوف، إلى أن يُصَلُّوها كما أنزل (٣) الله، ونَسَخَ رسولُ الله ﷺ سُنَّتَه في تَأخِيرِها، بفرضِ اللهِ في كتابه، ثم

стр. 78

بِسُنَّتِه، فَصَلاها في وَقْتِها كما وصفتُ» (١). قال الشافعي ﵀: أخبرنا مالكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أُرَاهُ عن النَّبيِّ ﷺ ، فذكر صلاة الخوف، فقال: «إن كان خوفًا أَشَدَّ مِن ذَلِك؛ صَلَّوْا رِجالًا ورُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ، وغَيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» (٢). قال: «فَدَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، على ما وَصَفْتُ: مِنْ أَنَّ القِبْلَةَ في المَكْتُوبَةِ على فَرْضِها أبدًا، إلا في المَوضع الذي لا يُمْكِن فيه الصلاة إليها، وذلك عند المُسَايَفَة (٣)، والهَرَبِ، ومَا كَان في المَعْنى الذي لا يُمكن فيه الصلاة إليها، وبَيَّنَت (٤) السُّنَّة في هذا: أن لا تُتْرَك الصلاةُ (٥) في وقتها، كَيفَ مَا أَمْكَنتِ المُصَلِّي» (٦). * * *

стр. 79

(٦) فَصْلٌ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ في إبْطَالِ الاسْتِحْسَانِ واسْتَشْهَدَ فِيهِ بآيَاتٍ مِنَ القُرْآن (٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو (١)، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرنا الشافعيُّ ﵀ قال: «حُكْمُ اللهِ، ثم حكمُ رسولِ الله ﷺ ، ثم حُكم المسلمين: دَليلٌ على أن لا يَجُوزُ لِمَن اسْتَأْهَل أن يكونَ حَاكِمًا أو مُفْتيًا، أَن يَحْكُمَ، ولا أَنْ يُفْتِي إلا مِن جِهة خَبَرٍ لازِمٍ؛ وذلك الكتاب، ثم السنة، أو ما قاله أهلُ العِلْم، لا يَخْتَلِفُون فيه، أو قياس على بعض هذا، ولا يجوز له أن يَحْكُم ولا يُفْتِي بالاسْتِحْسَان؛ إذا لم يكن الاستحسانُ واجبًا، ولا في واحِدٍ مِن هذه المَعَاني». وذكر-فيما احتج به- قول الله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة]، «فلم يختلف أهلُ العلم بالقرآن -فيما عَلِمتُ- أَنَّ السُّدَى الذي لا يُؤْمَر ولا يُنْهَى، ومن أفتى أو حَكَم بما لم يُؤْمَر به: فقد اختار لنفسه أن يكون في معاني (٢) السُّدَى -وقد أَعْلَمَه أَنَّه لم يُتْرَك سُدى- ورأى أن قال: أقول ما شِئتُ، وادَّعَى ما نَزَل القُرآن بخلافه» (٣). قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنبيه ﷺ : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].

стр. 80

وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، ثم جاءه قوم، فسألوه عن أصحاب الكهف وغيرهم فقال: «أُعْلِمُكُم غَدًا». يعني: أسألُ جبريل ﵇، ثم أُعْلِمُكُم. فأنزل الله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] (١). وجاءته امرأةُ أَوْسِ بنِ الصَّامِت، تَشْكُو إليه أَوْسًا، فلم يُجِبْهَا حتى نَزَل عليه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] (٢). وجاءه العَجْلَانِيُّ، فقذف امرأته فقال: «لم يُنْزَل فيكما» وانْتَظَر الوَحيَ، فلما أَنزَل اللهُ عليه؛ دعاهما، ولَاعَنَ بينهما كَمَا أَمرَهُ اللهُ (٣). وبَسَط الكَلامَ في الاستدلال بالكتاب، والسنة، والمعقول، في رَدِّ الحُكْمِ بما استحسنه الإنسان، دون القياس على الكتاب والسنة والإجماع (٤). * * *

стр. 81

(٧) فَصْلٌ فِيمَا يُؤْثَر عَنهُ مِنَ التَّفْسِير والمَعَانِي في آيَاتٍ مُتَفَرِّقَة (١٠) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشافعيُّ قال: «قال اللهُ تَعَالى لِنَبِيِّه ﷺ : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]. ثم أَنزَلَ اللهُ عَلى نَبيِّه ﷺ : أَنْ غَفَر اللهُ لهُ ما تَقَدَّم مِن ذَنْبِه، وما تَأَخَّر. يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: ما تَقدَّم مِن ذَنْبِه قَبْل الوَحْي، وما تَأَخَّرَ: أن يَعْصِمَه، فلا يُذْنِب، يَعْلَمُ ما يَفعلُ به مِن رِضَاه عنه، وأَنَّه أَوَّلُ شَافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَومَ القِيامة، وسَيِّدُ الخَلائِق» (١). (١١) وسَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ مُحمَّدَ بنَ إِبراهِيمَ بنِ عَبْدَانَ الكِرْمَانِيَّ (٢)، يقول: سمعتُ أبا الحَسَن محمدَ بنَ أبي إِسماعيلَ العَلَوِيَّ -بِبُخَارَى- يقول: سمعتُ أَحمدَ بنَ محمدِ بنِ حَسَّانَ المِصْرِيَّ -بمكة- يقول: سَمعتُ المُزَنِيَّ (٣) يقول: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عن قول الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢].

стр. 82

قال: «معناه: ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِ أبيك آدَم: وَهَبْتُه لَك، وما تَأَخَّر من ذنوب أُمَّتِك: أُدْخِلُهُم الجَنَّةَ بِشَفَاعَتِكَ». قال الشَّيخُ ﵀: «وهذا قول مُسْتَطْرَفٌ (١)، والذي وضَعَهُ الشَّافِعِيُّ في تَصْنِيفِه، أَصَح الرِّوَايتين، وأشبه بظاهر الرواية، واللَّهُ أَعْلَم». (١٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعتُ أبا بكر أَحمدَ بنَ مُحمدِ المُتَكَلِّم (٢)، يقول: سمعتُ جَعْفَرَ بنَ أَحْمَدَ الشَّامَاتِي (٣)، يقول: سمعت ... عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (٤)، يقول: سألت الشافعيَّ: أَيُّ آيةٍ أَرْجَى؟ قال: «قوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد]» (٥).

стр. 83

(١٣) أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى المُتَكَلِّم، أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ البُسْتِي، حدثني إبراهيم ابنُ حَرْبٍ البَغْدَادي، أَنَّ الشَّافِعيَّ ﵀ سُئِلَ بِمَكة في الطواف، عن قول الله : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]. قال: «إِنْ تُعَذِّبْهُم فإنهم عِبادُك، وإن تَغْفِرْ لَهُم، وتُؤَخِر في آجَالِهِم، فَتَمُنَّ عَلَيْهِم بِالتَّوبَة والمَغْفِرَةِ». (١٤) أخبرنا أبو عبد الرحمن محمدُ بنُ الحُسَين السُّلَمِيُّ (١)، قال: سمعتُ محمدَ بنَ عبد الله بن شَاذَان، يقول: سمعتُ جَعْفَرَ بنَ أَحْمدَ الخِلاطي (٢)، يقول: سمعت الربيعَ بنَ سُلَيْمَانَ يقول: سُئِلَ الشَّافِعيُّ عن قول الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة]؟ قال: «الخَوفُ: خَوفُ العَدُوِّ، والجُوعُ: جُوعُ شَهْرِ رَمَضانَ، ونَقْصٍ مِن الأموال: الزَّكَوات (٣)، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الصدقات، وبَشِّر الصَّابرينَ: عَلى أَدَائِهَا». (١٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو عبد الله الزُّبَيرُ بنُ ... عبد الواحد الحافظ الأَسَدَابَاذِي (٤) قال: سمعتُ أبا سَعِيد محمدَ بنَ عُقَيْل الفَارَيَابِي (٥)، يقول: قال المُزَنِيُّ، والرَّبيعُ: «كُنَّا يومًا عند الشَّافِعِيِّ، إذ جاء

стр. 84

شَيخٌ، فقال له: أَسْأَلُ؟ قال الشَّافِعِيُّ: سَل. قال: أيش الحُجَّةُ في دِينِ الله؟ فقال الشافعي: كِتَابُ اللهِ. قال: وماذا؟ قال: سُنَّة رَسولِ الله ﷺ . قال: وماذا؟ قال: اتِّفَاقُ الأُمَّة. قال: ومِن أَيْن قُلْتَ: اتِّفَاق الأمة، من كتاب الله؟ فَتَدَبَّر الشَّافِعِيُّ ﵀ سَاعَةً. فقال الشيخ: أَجَّلْتُك ثَلاثَة أَيَّام، فَتَغَيَّر لَونُ الشافعي، ثم إنه ذَهَب فَلم يَخْرُج أيامًا، قال: فخرج إلينا اليوم الثالث، فَلم يَكُن بأسرع أَن جَاء الشَّيخُ، فَسَلَّم فَجَلس، فقال: حَاجَتِي؟ فقال الشافعي ﵀: نَعَم، أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطَان الرَّجِيم، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، قال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء]. لا يُصْليه جَهَنَّم على خِلافِ المؤمنين، إلا وهو فَرْضٌ. قال: فقال: صَدَقتَ، وقام وذهب. قال الشافعي: قرأتُ القُرآنَ في كُلِّ يوم ولَيلة ثَلاثَ مَرَّات، حتى وقفتُ عَلَيه» (١).

стр. 85

وهذه الحكاية أبسط من هذه، نقلتها في كتاب «المدخل» (١). (١٦) أخبرنا محمدُ بن عبد الله الحافظُ قال: سمعتُ أبا محمدٍ جَعْفَرَ ابنَ محمدِ بنِ الحَارِث، يقول: سمعت أبا عبدِ الله الحُسَيْنَ بنَ محمدِ بنِ الضَّحَّاك -المعروف بابن بحر- يقول: سمعتُ إسماعيلَ بنَ يَحْيى المُزَنِيَّ، يقول: سمعتُ ابنَ هَرِم القُرَشِي يقول: سمعت الشَّافِعِيَّ يقول في قول الله : ... ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين]. قال: «فَلَمَّا حَجَبَهُم في السَّخَط؛ كان في هذا دليلٌ على أنهم يَرَوْنَه في الرِّضَا» (٢). (١٧) أخبرنا أبو عبد الله (٣) الحافظ، أخبرنا عبد الله بن ٣) محمد بن حيان القاضي، أخبرنا محمدُ بن عبد الرَّحمَن بن زياد، قال: أخبرني أبو يَحْيَى السَّاجِيُّ -أو فيما أجاز لي مشافهة- قال: حدثنا الرَّبيعُ، قال: سمعتُ

стр. 86

الشَّافِعِيَّ يقول: «في كتاب الله المشيئة له دون خلقه، والمشيئةُ: إرادَةُ الله؛ يقول الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. فَأَعْلَم خَلْقَه أَنَّ المَشِيئَةَ لَه» (١). (١٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو أحمدَ بنُ أبي الحَسَن (٢)، أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ محمد الحَنْظَلِيُّ (٣)، حدثنا أبي، حدثنا عبدُ المَلِك بن عبد الحَمِيد المَيْمُونِيُّ، حدثني أبو عثمانَ محمدُ بنُ مُحَمدِ بنِ إدْرِيسَ الشَّافِعي، قال: سمعتُ أبي يقولُ ليلةً لِلحُمَيْدِيِّ: «ما يُحْتَجُّ عليهم -يعني: على أهل الإرجاء- بآية، أَحَجَّ مِن قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة]» (٤). (١٩) قَرَأتُ في كتاب أبي الحَسَن محمدِ بنِ الحَسَن القَاضِي (٥)، فيما

стр. 87

أخبره أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ يُوسُف بنِ النَّضْر (١)، أخبرنا ابنُ عَبد الحَكَم (٢)، قال: سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقول في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. قال: «معناه: هو أهون عليه في العِبْرَة عِندَكُم؛ لِمَا كانَ يقولُ لِشَيءٍ -لم يَكُن- (٣): كُن، فَيَخرُج مُفَصَّلًا بِعَيْنَيه وأُذُنَيه، وسَمْعِه ومَفَاصِلِه، وما خَلق الله فيه من العُرُوق، فهذا- في العبرة- أَشَدُّ مِن أَن يَقولَ لِشَيء -قد كان-: عُدْ إلى ما كنت. قال: فهو إنما هو أَهْوَن عليه في العِبْرَةِ عندكم، لَيس أَنَّ شَيئًا يَعْظُمُ عَلى الله » (٤). (٢٠) أخبرنا أبو عبدِ الله الحافظُ، أخبرنا أبو العَبَّاسِ محمدُ بنُ يعقوبَ، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شِهَابٍ، عن عَامِر بنِ سَعْدٍ، عن أَبيه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «أَعْظَمُ المُسلِمِينَ في المُسلمينَ جُرْمًا: مَنْ سَألَ عَن شَيء لَم يَكُن مُحَرَّمًا، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» (٥).

стр. 88

قال الشافعي: «وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] إلى قوله: ﴿بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة]. قال: كانت المسائل فيما لم يُنَزَّل-إذْ كان الوَحْيُ يَنْزِل- مَكرُوهة؛ لِمَا ذَكَرْنا من قول الله ، ثم قول رسول الله ﷺ ، وغيره، مما في معناه. ومعنى كراهة ذلك: أن يسألوا عما لم (١) يُحَرَّم؛ فإنْ حَرَّمَه اللهُ في كتابه، أو على لِسَان نَبِيِّه ﷺ حُرِّمَ أبدًا، إلا أن يَنْسَخَ اللهُ تَحْرِيمَه في كتابه، أو يُنْسَخ عَلى لِسَانِ رَسُولِه، سُنَّةً بِسُنَّة» (٢). (٢١) أخبرنا أبو عبد اللهِ الحُسَينُ بنُ محمدِ بنِ فَنْجَوَيْه -بالدَّامَغَان- حدثنا الفضلُ بنُ الفَضْلِ الكِنْدِيُّ، حدثنا زَكَريَّا بنُ يَحْيى السَّاجِي قال: سمعت أبا عُبيد (٣) اللهِ ابنَ أَخِي ابنِ وَهْبٍ، يقول: سمعتُ الشَّافِعِيَّ يقول: «الأُمَّةُ على ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. قال: على دِيْنٍ. وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. قال: بَعْدَ زَمَان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]. قال: مُعَلِّمًا».

стр. 89

(٢٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر أحمدُ بنُ مُحَمدِ بنِ أَيوبَ الفَارِسِيُّ المُفَسِّر، أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ صالح بن الحَسن القُهُسْتَانِيُّ (١) -بِشِيرَاز-، حدثنا الربيعُ بن سُلَيمانَ المُرَادِيُّ، حدثنا محمدُ بن إِدريس الشَّافِعيُّ ﵀، أخبرنا إبراهيمُ بن سَعْد، عن ابن شِهَابٍ، عن سَعيد بن مَرْجَانَة، قال عِكْرِمَةُ لابن عباس: «إِنَّ ابنَ عُمَرَ تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فبكى، ثم قال: واللهِ لَئِن آخَذَنا اللهُ بها لَنَهْلَكَنَّ». فقال ابن عباس: «يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرَّحمَن، قد وَجد المُسلمونَ مِنها -حين نَزَلَت- مَا وَجَد، فَذكروا ذَلك لِرَسُول الله ﷺ فَنَزلَت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، الآية، مِنَ القَول والعَمل، وكان حَدِيثُ النَّفْس مِمَّا لا يَمْلِكه أَحَدٌ، ولا يَقْدِرُ عليه أَحَدٌ» (٢). * * *

стр. 90

(٨) فَصْلٌ فِيمَا يُؤْثَر عَنه مِن التَّفْسِير والمَعَانِي في الطَّهَارَاتِ والصَّلَوَاتِ (٢٣) أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ موسى بن الفَضْل، أخبرنا أبو العباس محمدُ بن يَعقُوبَ، أخبرنا الربيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرنا الشَّافِعيُّ ﵀ قال: قال الله ... جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. قال: «وكان بَيِّنًا عند مَن خُوطِبَ بالآية: أَنَّ غسْلَهم إنما يكونُ بالمَاءِ، [ثُم أَبَانَ اللهُ في الآية أَنَّ الغَسْل بِالمَاء] (١)، وكان معقولًا عِند مَن خُوطِب بالآية؛ أَنَّ الماءَ، ما خَلق اللهُ ماءً لا مَنْفَعَة فيه لِلآدَمِيين (٢)، وذَكَر المَاءَ عَامَّة، فكان مَاءُ السَّماء، ومَاءُ الأَنهار، والآبَار، والقِلَات (٣)، والبحار، العذب مِن جَمِيعه، والأُجَاج سَواء، في أنه يُطَهِّرُ مَن تَوضَأ واغْتَسل بِه» (٤). وقال في قوله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: «لم أَعْلَم مُخَالِفًا في أَنَّ الوَجْه المَفْروض غَسْله في الوضوء: ما ظَهَر دُونَ مَا بَطَن» (٥). وقال: «وكان مَعقُولًا أن الوَجْه: ما دُونَ مَنَابِت شَعْرِ الرَّأسِ، إلى

стр. 91

الأُذُنَين واللحْيَيْن والذَّقْن» (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] قال: «فلم أعلم مُخَالِفًا أَنَّ المَرَافِق فيما يُغْسَل، كأنهم ذهبوا إلى أن معناها: فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكم إلى أن تُغْسَل المَرَافِق» (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قال: «فكان مَعقُولًا في الآية أَن مَن مَسَح مِن رَأْسِه شَيئًا، فَقَدْ مَسَح بِرأْسِه، ولم تَحتمِل الآيةُ إلا هذا -وهو أظهر معانيها- أو مَسَح الرَأس كُلَّه، قال: فَدَلَّت السُّنة على أَن لَيْس عَلَى المَرْء مَسْحُ رَأْسِه كُلِّه. وإذا دَلَّت السُّنَةُ على ذلك، فمعنى الآية: أَنَّ مَن مَسَح شَيئًا مِن رَأْسِه أَجْزَأَهُ» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. قال الشَّافِعِيُّ: «نحن نَقْرَؤُها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على معنى اغْسِلوا وُجُوهَكُم، وأَيْدِيَكم، وأَرْجُلَكُم، وامْسَحُوا برؤُسِكُم. قال: ولَمْ أَسمع مُخَالِفًا في أَنَّ الكَعْبين، اللذين ذَكَر اللهُ في الوضُوءِ: الكَعْبَان النَّاتِئَان، وهُمَا مَجْمَع مِفْصَل السَّاق والقَدَم، وأَنَّ عَلَيهِما الغَسْل، كأنه يَذْهَبُ فيهما إلى: اغْسِلُوا أَرْجُلَكم حتى تَغْسِلوا الكَعْبَيْن» (٤). وقال في غير هذه الرواية: «والكَعْبُ إِنَّما سُمِّي كَعبًا؛ لِنُتُوئِه في مَوْضِعِه

стр. 92

عَمَّا تَحْتَه، وما فَوْقَه، ويقال للشيء المُجْتَمِع مِن السِّمَن: كَعْبُ سمن، وللوجه فيه نتوء: وجْه مُكَعب (١)، والثَّدْي (٢) إذا تَنَاهَد: أكعب» (٣). قال الشافعي ﵀ في روايتنا عن أبي سعيد (٤) -: «وأَصْلُ مَذْهَبِنَا: أَنَّه يَأتي بالغُسْل كَيف شَاء، ولو قَطَّعَه؛ لأنَّ اللهَ ﵎ قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فَهَذا مُغْتَسَل، وإن قَطَّع الغُسْل. فلا أحسبه يَجُوز إذا قَطَّع الوُضُوء، إلا مثل هذا» (٥). قال الشافعي ﵀: «وتوضَّأ رسولُ الله ﷺ كما أمر الله، وبدأ بما بدأ الله به. فَأَشْبَه واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكونَ على المتوضئين في الوضوء شيئان: (٦) يبدأ بما بدأ الله به، ثم رَسولُه ﷺ به منه، ويأتي على إكمال ما أمر به. وشَبَّهَهُ بقولِ الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فبدأ رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّفَا، وقال ٦) «نَبَدأُ بِمَا بَدأَ اللهُ به» (٧). قال الشافعي ﵀: «وذَكَر اللهُ اليَدَين معًا، والرِّجْلَين معًا، فَأُحِبُّ أن يبدَأ باليُمْنَى، وإن بَدأ بِاليُسْرَى، فَقَد أَسَاءَ، ولا إِعَادَة عَلَيْه» (٨).

стр. 93

وفي قول الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قال الشَّافِعِيُّ ﵀: «فَكَان ظَاهِرُ الآيَة: أَنَّ مَن قام إلى الصَّلاةِ، فعليه أَنْ يَتوضأ، وكانت مُحْتَمِلة أن تكونَ نَزَلت في خَاصٍّ. فَسَمَعِتُ بَعْضَ مَن أَرْضَى عِلْمَه بالقُرآنِ، يَزْعُم: أَنها نَزَلت في القَائِمينَ مِنَ النَّوم، وأَحْسِبُ ما قَال كَمَا قَال؛ لأن في السُّنَّة دليلًا على أن يتوضأ مَن قَام مِن نَوْمِه» (١). قال الشافعي ﵀: «فكان الوُضُوء الذي ذَكَرَه الله -بدلالة السُّنَّة- على مَن لَم يُحْدِث غَائطًا، ولا بَوْلًا، دُونَ مَن أَحْدَث غَائِطًا، أو بَوْلًا؛ لأنهما نَجِسَان يَمَاسَّان بعضَ البَدَن» (٢). يعني: فَيكُونُ عليه الاستنجاء، فَيَسْتَنْجِي بِالحِجَارَةِ، أو المَاء. قال: «ولَو جَمَعَهُ رَجُلٌ، ثُم غَسَل بالمَاء، كان أَحَبَّ إِليَّ. ويُقَال: إِنَّ قومًا مِن الأنصار اسْتَنْجَوا بالماء، فَنَزلَت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة]. قال الشافعي ﵀: «ومَعْقُولٌ إذْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الغَائِطَ-في آيةِ الوُضُوء- أَنَّ الغَائِطَ: الخَلَاء، فَمَن تَخَلَّى: وَجَب عَليه الوُضُوء» (٣). ثُمَّ ذَكَر الحُجَّةَ مِن غَير الكِتَاب، في إيْجَاب الوُضُوء بالرِّيح، والبَوْلِ، والمَذْي، والوَدْي، وغَير ذَلك مِمَّا يَخْرُج مِن سُبُل (٤) الحَدَث.

стр. 94

وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، قال الشافعي: «ذَكَر اللهُ الوُضُوءَ على مَن قَام إِلى الصَّلاةِ، فَأَشْبَه أَن يَكُونَ مَن قَام مِن مَضْجَع النَّوم، وذَكَر طَهَارةَ الجُنُب، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فَأَشبه أن يَكُونَ أَوْجَب الوُضُوءَ مِنَ الغَائِط، وَأَوْجَبَه مِن المُلامَسَة، وإنما ذَكَرها مَوْصُولَةً بِالغَائِط بَعد ذِكْر الجَنَابَة، فَأَشْبَهت المُلَامَسَةُ أَنْ تَكونَ: اللَّمْسَ بِالْيَد والقُبَل، غَيْرُ الجَنَابَة» (١). ثُم اسْتَدَلَّ عَليه بآثَارٍ ذَكَرَهَا. قال الرَّبيعُ (٢): «اللمْسُ بِالْكَفِّ، ألا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهى عن المُلَامَسَة. والمُلَامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوبَ، فلا يَقْلِبُه (٣). وقال الشاعر: فَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّه طَلَبَ الغِنَى ... ولَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِن كَفِّهِ يُعْدِي فلا أَنَا، مِنْهُ مَا أفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أَفَدْتُ وأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي (٤) هكذا وَجَدتُه في كِتَابِي، وقد رواه غَيْرُهُ (٥)، عن الرَّبِيع، عَن الشَّافِعِي.

стр. 95

(٢٤) أخبرنا أبو عَبْدِ الرَّحمَن السُّلَمِيُّ، أخبرنا الحَسَنُ (١) بنُ رَشِيقٍ المِصْرِيُّ -إِجَازَةً-، أخبرنا أَحمدُ بنُ مُحَمَّد بنِ جَرِيرٍ (٢) النَّحْوي، قال: سَمِعْتُ الرَّبيعَ بنَ سُلَيْمَانَ يقول: فذَكَر معناه، عن الشَّافِعِيِّ. (٢٥) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فَأَوْجَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الغُسْلَ مِن الجَنَابَة، وكان مَعْرُوفًا في لِسَانِ العَرَبِ أَنَّ الجَنَابَةَ: الجِمَاعُ، وإِنْ لَم يَكُن مَع الجِمَاع مَاءٌ دَافِق، وكذلك ذَلك في حَدِّ الزِّنا، وإيجَاب المَهْر، وغَيْرِه. وكُلُّ مَن خُوطِب، بأن فَلانًا أَجْنَب مِن فُلانَة، عَقَل أَنَّه أَصَابها، وإن لَم يَكُن مُقْتَرِفًا» (٣). يَعْنِي: أنه لَم يُنْزِل (٤). وبهذا الإسناد قال الشافعي: «وَكانَ فَرضُ اللهِ: الغُسْلَ مُطْلقًا، لم يَذْكُر فيه شيئًا يَبْدَأُ به قَبْل شَيءٍ، فإذا جَاء المُغْتَسِل بالغُسْل؛ أَجْزَأَهُ واللَّهُ أَعْلَمُ كيفما جاء به، وكذلك لا وَقْتَ في المَاءِ في الغُسْل، إلا أن يَأْتي بِغَسْل جَمِيع بَدَنِه» (٥).

стр. 96

(٢٦) أخبرنا أبو عبد اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعِيُّ: «قال الله ﵎: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. قال الشَّافِعِيُّ: نَزَلت آيةُ التَّيَمُّم في غَزْوَة بني المُصْطَلِق؛ انْحَلَّ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ ﵂، فَأقامَ الناسُ عَلى الْتِمَاسِه مَع رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولَيسُوا عَلَى مَاءٍ، ولَيْس مَعَهُم مَاءٌ، فأنزلَ اللهُ آيةَ التَّيَمُّم (١)، أخبرنا بذلك عَدَدٌ مِن قُرَيش، مِن أَهْل العِلْمِ بالمَغَازِي، وغَيْرِهِم». ثم رَوَى فيه حَديثَ مَالِك، وهو مَذكُورٌ في كتاب «المعرفة» (٢). (٢٧) أخبرنا أبو سَعِيد ابن أبي عَمْرٍو، أخبرنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال: وَكُلُّ مَا وَقَع عَليه اسْمُ صَعِيدٍ لم يُخَالِطْه نَجَاسَة: فهو صَعِيدٌ طَيَّبٌ، يُتَيمَّمُ به، ولا يَقَعُ اسمُ صَعِيدٍ إلا عَلى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ، فَأمَّا البَطْحَاءُ الغَلِيظَة والرَّقِيقَة، والكَثِيب الغَلِيظ: فَلا يَقَع عَلَيه اسمُ صَعِيدٍ» (٣). وبهذا الإسناد قال الشَّافِعِيُّ: «قال اللهُ ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. وقال في سياقها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ... (٤) ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.

стр. 97

فَدَلَّ حُكْمُ اللهِ على أَنَّه أَبَاحَ التَّيَمُّمَ في حَالَيْن: أحدهما: السَّفَر والإعواز من الماء. والآخر: المريض في حَضَرٍ كان، أو سَفَرٍ، ودَلَّ عَلَى أَن عَلَى المُسَافِر طَلبَ المَاء؛ لِقُولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وكان كُلُّ مَن خَرَج مُجْتَازًا مِن بَلَدٍ إلى غَيره، يَقَعُ عَليه اسْمُ السَّفَر، قَصُرَ السَّفَرُ أو طَال، ولَم أَعْلَم مِنَ السُّنَّة دَليلًا على أَنَّ لِبَعضِ المُسَافِرينَ أن يَتيَمَّم دُونَ بَعض، فَكَان ظَاهِرُ القُرآنِ: أَنَّ كُلَّ مَن سَافَر سَفَرًا قَريبًا، أو بَعِيدًا: يَتَيَمَّم» (١). قال: «وإذا كان مَريضًا بَعْضَ المَرَض: تَيَمَّم حَاضِرًا أو مُسافِرًا، أو وَاجِدًا للماء، وغَيرَ وَاجِدٍ له. والمَرَضُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ، لأمْرَاضٍ مُخْتَلِفَة، فالذي سَمِعتُ: أَنَّ المَرَض-الذِي للمَرْء أن يَتَيمَّم فيه-: الجِرَاح. والقُرْحُ -دُونَ الغَوْر- (٢) كُله مِثْلُ الجِرَاح؛ لأنَّه يُخَافُ في كُلِّه -إذَا مَاسَّهُ الماء- أَنْ يَنْطُف (٣) فَيكُون مِن النَّطْفِ: التَلَفُ، والمَرَضُ المَخُوفُ» (٤). والصحيح ما أثبتناه. وقال في القديم -رواية الزعفراني (٥) عنه-: «يَتيَمَّم إِنْ خَافَ التَّلَفَ، أو

стр. 98

شِدَّة الضَّنَى» (١). وقال في كتاب البُوَيْطِيِّ (٢): «فَخافَ، إنْ أصابَه المَاءُ، أن يَموتَ، أو يَتَراقَى عَليه إلى ما هو أكثر مِنْهَا: تَيَمَّم وصَلَّى، ولا إِعَادة عَليه؛ لأن اللهَ تعالى أَبَاحَ للمَريضِ التَّيَمُّم، وقيل: ذلك المَرض: الجِرَاح والجُدَري، وما كان في معناهما مِن المَرض عِندي مِثلَهُما، وليس الحُمَّى، وما أشبهها مِنَ الرَّمَد وغيره عندي، مثل ذلك». قال الشافعي-في روايتنا-: «جَعَل اللهُ تعالى المَواقِيتَ للصَّلاةِ، فلم يَكُن لأَحَدٍ أَن يُصَلِّيَها قَبْلَها، وإنَّمَا أُمِرَ بالقِيامِ إليهَا، إِذا دَخَل وَقْتُها، وكذلك أُمِرَ بالتَّيَمُّم عِندَ القِيامِ إليهَا، والإِعْواز مِن المَاء، فَمَن تَيَمَّم لِصَلاةٍ قَبْل دُخُولِ وقْتِهَا، وطَلبِ المَاءِ لَها، لَم يَكُن لَه أَن يُصَلِّيَها بِذَلك التَّيَمُّمِ» (٣). (٢٨) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشافعي ﵀: «وإنما قُلتُ: لا يَتَوضَّأ رَجُلٌ بِمَاءٍ قَد تَوضَّأَ بِه غَيْرُه؛ أَنَّ (٤) الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَكانَ مَعْقُولًا أَنَّ الوَجْهَ لا يُكونُ مَغْسُولًا، إِلا بِأَن يُبْتَدَأ له مَاءً (٥) فَيَغْسِلَ به، ثُم عليه في اليدين

стр. 99

-عِنْدِي- مِثْلُ مَا عَليه في الوَجْه: مِنْ أَن يَبْتَدِئ لَهُمَا مَاءً، فَيَغْسِلهُما به، فَلَو أَعادَ عليهما المَاءَ الذي غَسَل به الوَجْه، كان (١) كَأنَّهُ لَم يُسَوِّ بَيْن يَدَيه وَوَجْهِه، ولا يكون مُسَوِّيًا بينهما، حتى يَبْتَدِئَ لهما المَاءَ، كما ابتدأ لِلْوَجْه (٢)، وأَنَّ (٣) رسولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَاءً جَديدًا» (٤). وبهذا الإسناد، قال الشافعي ﵀: «قال الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فاحتملَ أَمْرُ (٥) اللهِ ﵎ بِغَسْل القَدَمَيْن: أَنْ يَكُونَ عَلى كُلِّ مُتَوضِّئ. واحْتَمَل: أَنْ يَكُونَ على بَعْض المُتَوَضِّئِينَ دُونَ بَعْض. فَدَلَّ مَسْحُ رَسُولِ الله ﷺ على الخُفَّيْن: أنهما على مَن لا خُفَّيْن عَلَيه لَبِسَهُمَا على كَمَالِ طَهَارَة، كَما دَلَّ صَلاةُ رَسولِ اللهِ ﷺ صَلاتَيْن بِوضُوءٍ وَاحِدٍ، وصَلَوَاتٍ بوضوء واحِدٍ: عَلى أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مِمَّن قام إلى الصلاة، على بَعْضِ القَائِمِينَ دُونَ بَعْضٍ، لا أَنَّ المَسْحَ خِلَافٌ لِكِتَابِ الله ، ولا الوضوء على القَدَمَيْن» (٦). زاد -في روايتي، عن أبي عبد الله (٧)، عن أبي العَبَّاس، عن الرَّبِيعِ، عنه-:

стр. 100

«إنما يُقَال: الغُسْلُ: كَمَالٌ، والمَسْحُ: رُخْصَةُ كَمَالٍ، وأيهما شاءَ، فعل» (١). (٢٩) أخبرنا أبو عبدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية، ودَلَّت السُّنَّةُ على الوُضُوءِ مِنَ الحَدَث. وقال الله : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] (٢) فَكانَ الوُضُوءُ عَامًّا في كتاب الله عن الأَحْدَاث، وكان أَمْرُ اللهِ الجُنُبَ بِالغُسْل مِنَ الجَنَابةِ، دَليلًا ... واللَّهُ أَعْلَمُ على أَن لا يَجِب غُسْلٌ إلا مِن جَنَابَة، إلا أَن تَدُلَّ السُّنَّةُ عَلَى غُسْلٍ وَاجِبٍ؛ فَنُوجِبُه بِالسُّنَّةِ (٣)، بِطَاعَة اللهِ والأَخْذِ بها. ودَلَّت السُّنَّةُ على وجُوبِ الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَة، ولم أَعْلَم دَليلًا بَيِّنًا على أَنْ يَجِبَ غُسْلٌ غَيْرُ الجَنَابَة، الوُجُوب الذي لا يُجْزِئُ غَيْرُه. وقد رُويَ في غُسْلِ يَومِ الجُمُعَة شَيءٌ، فَذَهب ذَاهِبٌ إلى غير ما قُلْنَا، ولِسَانُ العَرَبِ وَاسِعٌ» (٤). ثُمَّ ذَكَر مَا رُوي فيه، وذَكَر تَأْوِيلَه، وذَكَر السُّنَّةَ التي دَلَّت عَلى وُجُوبه في الاخْتِيَار، والنظافة، ويعني (٥): تَغَيُّر الرِّيح عندَ اجتِمَاع النَّاس، وهو مَذكُورٌ في

стр. 101

«كتاب المعرفة» (١). (٣٠) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً-، عن أبي العباس (٢)، عن الرَّبيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية. فَأبَانَ أنها حَائِضٌ غير طَاهِر، وأَمَرنا أن لا نَقْرَبَ حَائِضًا حتى تَطْهُر، ولا إذا طَهُرَت حتى تَطَهَّر بِالمَاءِ، وتَكون مِمَّن تَحِلُّ لها الصَّلَاة» (٣). وفي قوله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال الشافعي: «قال بَعضُ أهلِ العِلْم بالقُرآن: فَأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمرَكُم اللهُ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ، يعني في مَواضِعَ الحَيْضِ، وكانت الآيةُ مُحْتَمِلَةٌ لما قال. ومحتملةٌ: أَنَّ اعْتِزَالَهُنَّ: اعتزالُ جَمِيع أَبْدَانِهِنَّ، ودَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ على اعْتِزَال ما تَحْتَ الإِزَار مِنها، وإباحة ما فَوْقَها» (٤). قال الشافعي: «وكان مُبِينًا في قول الله : ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أَنَّهُنَّ حُيَّض في غَير حَالِ طَهَارَةِ، وقَضَى اللهُ عَلى الجُنُب، أنْ لا يَقْرَبَ الصَّلاةَ حتى يَغْتَسِل، فكان بَيِّنًا أن لا مُدَّةَ لِطَهَارَة الجُنُب إلا الغُسْل، ولا مُدَّةَ لِطَهَارَة الحَائِض إلا ذَهَاب الحَيْض، ثم الغُسْل؛ لقول الله : ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وذلك: انْقِضَاءُ الحَيْضُ.

стр. 102

﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، يعني: بالغُسْل؛ لأنَّ السُّنة دَلَّت عَلى أَنَّ طَهَارَةَ الحَائِضِ: الغُسْل، ودَلَّت على بَيَان مَا دَلَّ عليه كِتابُ اللهِ، مِن أَنْ لَا تُصَلِّي الحَائِض»، فذكر حديث عائشة ﵂ (١)، ثم قال: وأَمَر النَّبيُّ ﷺ عَائِشَةَ ﵂ «أَن لا تَطُوفِي بالبَيتِ حتى تَطْهُرِي». يَدُلُّ على أن لا تُصَلِّي حائِضًا؛ لأنها غَيرُ طَاهِرٍ، ما كان الحَيْضُ قَائِمًا. وكذلك قال الله : ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾» (٢). قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآيتين. فَلمَّا لم يُرخِّصِ اللهُ في أَن تُؤَخَّرَ الصَّلاةُ في الخَوْفِ، وأَرْخَصَ أنْ يُصَلِّيَها المُصَلِّي كما أَمْكَنَتْهُ رجالًا ورُكْبَانًا، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء]، وكان مَن عَقَل الصَّلَاة مِنَ البَالِغينَ، عاصِيًا بتركِهَا، إذا جَاء وَقْتُها وذَكَرَها، وكانت الحَائِضُ بِالغَةً عَاقِلَةً، ذَاكِرةً للصَّلاةِ، مُطِيقَةً لها، وكان حُكْمُ اللهِ: أَن لا يَقْرَبَها زَوْجُها حَائِضًا، ودَلَّ حُكْمُ رَسولِ اللهِ ﷺ على: أَنَّه إذا حَرُمَ عَلى زَوْجِها أَن يَقْرَبها لِلحَيْض، حَرُمَ عَليها أَنْ تُصَلِّي= كان في هذا دَليلٌ على: أَنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ في أَيَّامِ الحَيْض زَائِلٌ عَنْهَا، فَإِذَا زَالَ عنها -وهِي ذَاكِرةٌ عَاقِلَةٌ مُطِيقَةٌ- لم يَكُن عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلاةِ.

стр. 103

وكيفَ تَقْضِي ما لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلْيَها بِزَوالِ فَرضِه عَنها؟ ! وهَذا ما لم أعلم فيه مُخَالفًا» (١). (٣١) أخبرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحَافِظُ ﵀، حدثنا ... أبو العَبَّاس محمدُ بنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، أخبرنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيْمَانَ، قال: قال الشافعيُّ: «ومِمَّا نَقَل بَعْضُ مَن سَمِعتُ منه مِن أَهْلِ العِلْم: أنَّ اللهَ أنزل فَرضًا في الصَّلاةِ قَبْل فَرْضِ الصَّلوَاتِ الخَمْس فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ ... [المزمل]. ثم نَسَخَ هذا في السُّورَةِ مَعَهُ، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] قرأ إلى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال الشَّافِعيُّ: ولَمَّا ذَكَر اللهُ بَعد أَمْرهِ بقيامِ اللَّيل نِصْفَه إلا قليلًا، أو الزِّيادَة عليه فقال: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ فَخَفَّف، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] = كان بَيِّنًا في كِتابِ الله نَسْخُ قِيامِ اللَّيلِ، ونِصْفِه، والنُّقْصَانِ مِنَ النِّصْف، والزيادَةِ عَليْه، بقوله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، ثم احتملَ قولُ اللهِ : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، معنيين: أحدهما: أَنْ يَكُونَ فَرضًا ثَابتًا؛ لأنه أُرِيدَ (٢) به فَرضٌ غَيْرُه.

стр. 104

والآخر: أن يَكُونَ فَرْضًا مَنْسوخًا، أُزِيلَ بِغَيْرِه، كما أُزِيلَ بِه غَيْرُه؛ وذلك لقول الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية. واحتمل قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ أنْ يَتَهَجَّدَ بغير الذي فُرِضَ عَلَيْه، مِمَّا تَيَسَّر منه. فَكانَ الوَاجِبُ طَلَبَ الاسْتِدلالِ بِالسُّنة على أَحد المَعْنَييْن، فوجدنا سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أن لا وَاجِبَ مِن الصَّلاةِ، إلا الخَمْسُ، فَصِرنا إلى أَنَّ الواجبَ الخَمْسُ، وأَنَّ مَا سِواهَا -مِن وَاجِبٍ مِن صَلاةِ قَبْلَها- مَنْسُوخٌ بها؛ استدلالًا بقول الله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ فإنها ناسِخَةٌ لِقِيامِ الليل، ونِصْفِه، وثُلُثِه، وما تَيَسَّر، ولَسْنَا نُحِبُّ لأَحَدٍ تَرْكَ أَن يَتَهَجَّد بما يَسَّرَه الله عليه، مِن كِتَابه، مُصَلِّيًا به، وكَيفَما أَكثَرَ، فَهُو أَحَبُّ إلينا» (١). ثم ذَكرَ حَديثَ طَلْحَةَ بنِ عُبَيد اللهِ (٢)، وعُبَادَةَ بنِ الصَّامِت (٣)، في

стр. 105

الصَّلواتِ الخَمْس. (٣٢) أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال لنا الشَّافِعِيُّ ﵀، فذكر معنى هذا بلفظ آخر. ثم قال: «ويقال: نُسِخَ ما وُصِفَ (١) في المُزَمِّل، بقول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودُلُوكُ الشَّمْس (٢): زَوَالُها ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: العَتَمَة، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: الصبح، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩]، فَأَعْلَمَه أَنَّ صَلاةَ الليل: نَافِلَةً، لا فَرِيضَة، وأنَّ الفَرائِضَ فيما ذكر، مِن لَيْلٍ أو نهار. قال الشَّافِعِيُّ: ويُقَال: في قول الله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾: المَغْرب، والعِشَاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الصُّبْح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾: العَصْر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]: الظُّهْر. قال الشَّافِعِيُّ: وما أشبه ما قيل (٣) من هذا، بما قيل ٣)، واللَّهُ أَعْلَم» (٤). وبه قال: قال الشافعي: «أَحْكَمَ اللهُ بِكِتَابِهِ (٥) أَنَّ ما فُرِضَ، مِن الصَّلوات: مَوْقُوتٌ والمَوقوتُ واللَّهُ أَعْلَمُ: الوَقْتُ الذي يُصَلَّى فيه، وعَدَدُها.

стр. 106

فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]» (١). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: يُقَال: نَزَلت قَبْل تَحْريم الخَمْر، وأَيُّمَا كان نُزُولُها، قَبل تَحريم الخَمْرِ أو بَعْدُ، فَمَن صَلَّى سَكْرَانًا (٢) لَم تَجُز صَلاتُه؛ لِنَهْي اللهِ إيَّاه عن الصَّلاة، حتى يَعلمَ ما يَقُول وإِنْ مَعقُولًا: أَنَّ الصَّلاة: قَولٌ، وعملٌ، وإمْسَاك في مَواضِعَ مُخْتَلِفَة، ولا يُؤَدِّي هذا -كَمَا أُمِر به، إلا مَن عَقَلَه» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشَّافِعِيُّ: «قال اللهُ ﵎: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فَذَكَر اللهُ الأذَانَ للصَّلاة، وذَكَر يَومَ الجُمُعَة، فَكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّه أرادَ المَكْتُوبَة بالآيَتَين مَعًا، وسَنَّ رَسولُ الله ﷺ الأَذَان للمَكْتُوبات» (٤).

стр. 107

(٣٣) أخبرنا أبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، ... ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قال: «لا أُذْكَرُ، إلا ذُكِرتَ أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أَنَّ محمدًا رَسولُ الله» (١). قال الشافعي: «يعني واللَّهُ أَعْلَم: ذِكْرَهُ عندَ الإيمانِ باللهِ، والأَذَان، ويُحْتَمل: ذِكْرَه عندَ تِلاوَة القُرآن، وعِندَ العَمَل بالطَّاعَة، والوُقُوف عَن المَعْصَية» (٢). واحتج فى فضل التعجيل بالصلوات، بقول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ودُلُوكُها: مَيْلُها. وبقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه]، وبقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والمحافظةُ على الشيء: تَعْجيله (٣). وقال في موضع آخر: «ومَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ في أَوَّلِ وَقْتِهَا، كان أَوْلَى بالمُحَافَظة عليها، مِمَّن أَخَّرَها عن أَوَّلِ الوَقْتِ (٤)» (٥).

стр. 108

وقال في قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]: «فذهبنا إلى أَنها الصبح»، -ثم علق القول فيها، فقال: - «وكان أَقَلُّ ما في الصُّبح -إن لم تكن هي- أَن تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بالمُحَافَظة عَلَيه» (١). وذكر- في رواية المُزَنِي، وحَرْمَلَةَ (٢) - حديثَ أبي يُونُس، مَوْلى عائشةَ ﵂ أنها أَمْلَت عليه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، والصَّلاةِ الوُسْطَى، وصَلَاةِ العَصْرِ﴾، ثم قالت: «سَمعْتُها مِن رَسُولِ الله ﷺ » (٣). قال الشَّافِعِيُّ: «فَحَديثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الوُسْطَى، لَيْسَت صَلَاة العَصْر». قال: «واخْتَلَف بَعضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرُويَ عن عَلِيٍّ، ورُوِي عن ابن عَبَّاسٍ، أنها: الصُّبح، وإلى هَذَا نَذْهَبُ، ورُوي عن زَيد بنِ ثَابتٍ: الظُّهر، وعن غيره: العَصْر». ورُوي فيه حديثًا عن النبي ﷺ . قال الشَّيخُ: «الذي رواه الشَّافِعِيُّ في ذلك، عن عَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ؛ فيما رَوَاه مَالِكٌ في المَوطَّإ (٤) عنهما، فيما بَلَغَه، ورَوَيْنَاه مَوْصُولًا، عن ابنِ

стр. 109

عَبَّاسٍ (١) وابنِ عُمَر (٢)، وهو قَولُ عَطَاءٍ، وطَاوُوس، ومُجَاهِد، وعِكْرِمَةَ». وَرَوْينا عن عَاصِمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، عن عَلِيٍّ ﵁ قال: «كُنَّا نَرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعتُ رَسولَ الله ﷺ يومَ الأَحْزَاب: يَقُول: «شَغَلُونَا عَن صَلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْر حتى غَابَت الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُم وأجْوَافَهُم نَارًا» (٣). وروايته في ذلك -عن النبي ﷺ صحيحة، عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (٤)، وغَيرهِ عنه، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مَسْعُود (٥)، وبه قال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وأبو أَيُّوبَ، وأبو هُرَيرةَ (٦)، وعبدُ اللهِ بن عَمرو، وفي إحدى الروايتين، عن ابن عُمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة ﵃» (٧). وقَرأتُ في كتاب حَرْمَلَةَ، عن الشَّافِعِيِّ في قول الله : ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فَلم يَذكُر في هِذه الآيةِ مَشْهُودًا غَيْرَهُ، والصَّلواتُ مَشْهُودَات، فَأَشْبَه أَن يَكُونَ قَولُه: ﴿مَشْهُودًا﴾ بِأكْثَرَ مِمَّا تُشْهَد

стр. 110

به الصَّلوات، أو أَفْضَل، أو مَشْهُودًا بنزول الملائكة» (١). يُريدُ صَلاةَ الصُّبْح. (٣٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعِيُّ ﵀: «فَرَضَ اللهُ ﵎ الصلواتِ، وأَبَانَ رَسولُ الله ﷺ عَددَ كُلِّ واحِدَة مِنْهُنَّ، وَوَقْتَها، وما يُعْمَل فِيهِنِّ، وفي كُلِّ وَاحِدَةٍ منهن، وأَبانَ اللهُ أَنَّ مِنْهُنَّ نَافِلَةً وفَرضًا، فقال لِنَبِيِّه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية. ثُم أَبَان ذَلِكَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ إِذْ (٢) كان مِن الصَّلاةِ نَافلةٌ وفرضٌ، وكان الفَرضُ منها مُؤقتًا؛ أَلَّا يُجزئُ عنه أن يصلي صلاة، إلا بأن يَنْوِيَهَا مُصَلِّيها» (٣). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. قال الشافعي: وأحب أن يقول حين يفتتح القرآن (٤): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه» (٥). وقال -في الإملاء- بهذا الإسناد: «ثُم يَبتَدِئُ، فَيَتعَوَّذ، ويقول: أَعُوذُ بالسَّمِيع العَلِيم، أو يقول: أعوذُ باللهِ السَّمِيع العَلِيم، أو أَعوذُ بالله أن يَحْضُرُون؛ لقول الله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
следующие страницы →