← Адаб

Адаб · id 93

المطرب من أشعار أهل المغرب

ابن دحية

Полный текст (243 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله الذي شرفنا باللسان العربي، وجعلنا من أمة سيد ولد آدم محمد النبي الأُمي، الداعي إلى طريق الواضح الجلي. صلى الله عليه وعلى آله المُتَسَنِّمين من الفضل صهوة المنصب العلي، ما ولي الأرض بعد وسم الوسمى سلطان الولي، ونم بأسرار الرياض نسيم شذاها الذكي. أما بعد. فإن مولانا سلطان العرب والعجم. عز الملوك العصرية؛ ومالك فضيلتي السيف والقلم. وملك اليمن والشام والديار المصرية؛ أبا المعالي أبا المظفر محمداً الكامل، الكامل الأوصاف، لا برحت ببقائه الممالك مهتزة الأعطاف. معتزة الأطراف؛ تقدم إلى أمره المطاع، الواجب له على من الجهد غاية ما يستطاع؛ أن أجمع له ما أجتمع عندي من الأناشيد، التي رويتها عن شعراء الأندلس وسائر المغرب بأقرب الأسانيد. فجمعت منها لخدمة مقامة العالي ما يؤكل بالضمير ويشرب، ويهتز عند سماعه ويطرب؛ في الغزل والنسيب، والوصف والتشبيب؛ إلي غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة، ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة. ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه، ورقيق معان كتابه وجزل ألفاظ خطبائه.

стр. 2

وبالجملة فقد نثلت في هذا المجموع كنانة محفوظاتي في المعارف الأديبة، ولم أخله من أخير ذخائر ما التقطته من أفواه مشايخي من مشكل علمي الغريب والعربية. إلا أني لم اقصد جمع ذلك على الترتيب. ولا سلكت فيه مسلكي المعهود في التبويب والتهذيب. بل استرسلت فيه مع الخاطر على ما يجود به ويسمح، ويعن له ويسنح. فالناظر فيه يسرح في بساتين، ويمرح في ميادين؛ ويخرج من فن إلى فنون، والحديث ذو شجون.

стр. 3

أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي أنشدني غير واحد من شيوخي، ﵏، منهم الشيخ الفقيه الأجل قاضي الجامعة الأجزل. أبو الحسن علي بن عبد الرحمن، لفضاً بمنزله بمدينة تلمسان، قال: أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن خلف بن موسى ابن أبي تليد الشاطبي، قال: أنشدنا الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر قال: أنشدنا مقدم شعراء الأندلس: أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي لنفسه، وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة: وليلةٍ راقبتُ فيها الَهوى ... على رقيب غيِرِ وسْنَانِ والرّاحُ ما تَنزِل عن راحَتي ... وقتاً وعن رَاحةِ نَدْمَاني

стр. 4

ورب يومٍ قيظُه مُنِضجٌ ... كأنَّه أحشاءُ ظَمآن أبْرزَ في خدَّيه لي رشْحَه ... طَلاًّ على وَرد وسَوْسَان فكان في تَحليل أزْرارِه ... أقْودَ لي من ألفِ شَيطان فُتِّحت الجنّةُ من جَيبه ... فبِتُّ في دَعوة رِضوان مُروَءةٌ في الحُب تَنْهى بأنْ ... نُجاهِرَ الله بعصيان قال ذو النسبين، ﵁: لقد أحسن هذا الشاعر ما شاء من الإحسان، لا سيما في قوله تنهى بأن نجاهر الله بعصيان. أبو عمر الجياني أحمد بن محمد بن فرج الجياني ومن مليح هذا الباب، أعني الاتصاف بالعفاف، قول الأديب اللغوي النحوي، أبي عمر أحمد بن محمد بن فرج الجياني، صاحب كتاب الحدائق، ألفه للحكم المستنصر بالله، وعارض به كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داود بن علي

стр. 5

الأصبهاني، إلا إن أبا بكر إنما ذكر مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر أورد مائتي باب في كل باب مائتا بيت، ليس منها باب تكرر أسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئاً. قال الحميدي في جذوة المقتبس له: قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد فبلغ الغاية، فآتى الكتاب فرداً في معناه. فمن قوله: بأيِّهما أناَ في الشُّكر باَدِي ... بِشُكرِ الطَّيف أم شُكْرِ الرُّقَادِ سَرى فأرَادَه أمَلي ولكنْ ... عَفَفْتُ فلم أَنَل منه مُرادي وما في النَّوم من حَرجٍ ولكن ... جريتُ من العفَاف على اعتيادي

стр. 6

لكن أخذه من قول المتنبي: يَرُدُّ يداً عن ثوبها وهو قَادر ... ويَعصى الَهوى في طَيفها وهو رَاقد وأنشدوني أيضاً لأبي عمر الرمادي المذكور: أحمامَةً فَوق الأراكة بَيِّني ... بحيَاة من أبكاكِ ما أبكاكِ أمّا أنا فبكيتُ من حُرَق الهوى ... وفِراقِ من أهوى أَأَنتِ كذاك أمة العزيز وأنشدني أخت جدي الشريفة الفاضلة، أمة العزيز، ابنة الشريف الأجل العالم أبي محمد العزيز ن الحسن بن الإمام العالم أبي البسام موسى بن عبد الله ابن الحسين بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد، سيد شباب أهل الجنة، ابن أم أبيها فاطمة الزهراء البتول، سيدة نساء أهل الجنة، صلى الله على أبيها وعليها، ورضي الله عن بعلها وبنيها: لِحاظُكُم تَجرحُنا في الحَشَى ... ولحظُنَا يجرحكُمْ في الخدودْ جُرحٌ بجرح فاجعلوا ذَا بذَا ... فما الذي أوجَبَ جرْحَ الصُّدودْ

стр. 7

المعتمد بن عباد وأنشدونا للمعتمد على الله أبي القاسم محمد ملك إشبيلية، وابن ملكها عباد: لكِ اللهُ كم أودعت قَلبي أسهماً ... وكم لكِ ما بين الجوانح من كَلْم لحاظُكِ طولَ الدّهر حربٌ لمُهجتي ... ألا رحمةٌ تَئنيك يوماً إلى سَلْمِى ولادة وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، بقراءتي عليه بقرطبة أم بلاد الأندلس؛ في العشر الآخر من صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، قال في كتاب الصلة له: ولادة بنت المستكفي بالله؛ أمير المؤمنين، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بت الناصر عبد الرحمن بن محمد المرواني، من بني أمية بأندلسي؛ أديبة شاعرة؛ جزلة القول، حسنة الشعر؛ وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء.

стр. 8

سمعت شيخنا أبا عبد الله جعفر بن محمد بن مكي رحمة الله، يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها وجزالة منطقها وقال لي: لم يكن لها تصاون يطابق شرفها. وذكر لي أنها أتته معزية له في أبية إذ توفي ﵀ سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفيت رحمها الله يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد يوم الأربعاء لليلتين خلتا من صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تتزوج قط، وعمرت عمراً طويلاً إلى أيام المعتمد قال ذو النسبين ﵁: كانت الحسيبة ولادة في زمانها واحدة أوانها، حسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة؛ منتدى احرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وسمو أحساب؛ على أنها - سمح الله لي ولها، وتغمد زللي وزللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ بقلة مبالاتها، ومجاهرتها للذاتها. كتبت - زعموا - على عاتقي ثوبها: أَنَا واللهِ أصلُحُ للمعاليِ ... وأمشى مِشيَتِي وأتيهُ تِيهَا وأُمكُن عاشقي من صَحْن خَدّي ... وأُعطِى قُبلتي من يَشْتَهيها

стр. 9

وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن زيدون المخزومي القرطبي: ترقَّب إذا جنَّ الظَّلامُ زِيارتي ... فإني رأيتُ الّليلَ أكَتَم للّسِّر وبِي مِنك ما لو كان بالبَدْر ما بَدا ... وبالليل ما أدْجَى وبالنَّجم لم يَسْرِ إلى أن يقول ابن زيدون: وتبنا بليلة نجتني أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا، أنشدتها ارتياحا: ودَّع الصَّبْر محٌّب ودَّعَك ... ذائِعاً من سرّه ما استودَعكْ يقَرُع الِّسَّن على أن لَم يكُن ... زادَ في تِلك الخُطَا إذ شَيَّعَك يا أخَا البدر سَنَاءً وسَنًى ... حَفِظَ الله زَماناً أطلَعك إن يطُل بَعدَك ليَلِى فلَكَم ... بِتُّ أشكُو قِصَرَ الَّليلِ مَعَك وله يتعزل فيها: يا نازحاً وضميرُ القلب مثواهُ ... أنْسَتْك دنياكَ عبداً أنت مولاهُ ألهْتك عنه فُكاهاتٌ تَلذُّ بها ... فليس يَجري ببالٍ منك ذِكراه عَلَّ اللّيالي تُبقِّيني إلى أمدٍ ... الدّهُر يعلم والأيّام معناه

стр. 10

وله فيها: يا قَمراً مطلعُه المغربُ ... قد ضاقَ بي في حُبِّكَ المذهب فأنَّ من أعجب مَا مَرَّ بِي ... أنَّ عَذابي فيك مُسْتَعذب ألزمْتَنْي الذّنَب الذي جئْته ... صَدقتَ فأصفح أيُّها المذنب وقال: ما بالُ خَدِّك لا يَزال مُضَرَّجا ... بدمٍ ولحظُك لا يزالُ مُرِيبَا وقال فيها: حَلَّيْتني بحُلًى أصبحت زاهية ... بها على كِّل أنثى من حُلًى عُطُلِ لله أخلاقُكِ الغُرُّ التي سُقِيَتْ ... من الفُرات فرقَّت رِقَّةَ الغَزَل أشبهِت في الشّعر من غَارَتْ بدائعه ... وأنْجَدت وغَدَتْ من أحسَنِ المُثل من كانَ وَالدهُ العضْبَ المهَّنَد لَم ... يَلْد من النَّسل غيَر الْبِيِض والأسَل حفصة بنت الحاج من بشرات غرناطة، رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر. أنشدني لها غير واحد من أهل غرناطة: ثَنائي على الثَّنَايا لأنَّني ... أقولُ على عِلْمٍ وأنِطقُ عن خُبْرِ وأُنْصفُها لا أكذبُ الله أنَّني ... رَشَفْتُ بها ريقاً ألذ من الخمر

стр. 11

ابنة زياد المؤدب من أهل مدينة وادي آش، أنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن عيل الهمذاني قال، أنشدتني لنفسها: أباحَ الدّمعُ أسرارِي بوادي ... به للحسن آثارٌ بَوادِي ومن بين الظِّبَاء مَهاةُ رمْلٍ ... تبدَّت لي وقد مَلَكَتْ قِيَادي إذا سَدَلَت ذَوَائِبَها عليْها ... رأيتَ الصُّبح أشْرقَ في الدَّآدي تخالُ البدر مَاتَ له خَليلٌ ... فمن حُزْن تَسربَلَ بالحِداد لها لحظٌ تُرَقِّدُه لأمر ... وذاك الأمُر يَمنَعُني رُقَادِي الدآدي: ثلاث ليال من آخر الشهر، هكذا قال الإثبات من الغويين. وقال أحمد بن يحيى ثعلب: يقال لليوم الذي يشك فيه من الشهر الحرام: دأداء.

стр. 12

الحكم المستنصر وأنشدونا الخليفة الأندلسي، الحكم المستنصر بالله صاحب الفتوحات العظيمة، والمعرفة بالعلوم الحديثة والقديمة، كتب به إلى مصر: ألسنَا بني مَروان كيفَ تبدَّلَتْ ... بنا الدَّاُر أو دَارت علينا الدَّوائُر إذا وُلد المولودُ منّا تهلَّلَت ... له الأرضُ وأهتَّزت إليه المنَابِرُ وتوفي يوم السبت لثلاث خلون من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد انقرض عقبه. المعتضد بن عباد وأنشدونا للسلطان المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش ابن عباد اللخمي. والمعتضد هذا هو قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة؛ لم يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم من سيفه قريب ولا بعيد: شَربنا وجفنُ الليل يَغسلُ كُحلَه ... بماء صباح والنسيْم رقيقُ معَّتقة صفراَء أمّا نِجارُها ... فضخٌم وأما جسمُها فدقيق

стр. 13

وقال يخاطب الملك أبا الجيش مجاهد بن عبد الله، صاحب الجزائر ومدينة دانية. ويقال إنها من أبيات لكاتبه ذي المعارف والفنون، أبي الوليد ابن زيدون: خِلّيِ أبَا الجيش هل يُقْضَي اللقاءُ لَنا ... فَيَشْتَفِى منك طرفٌ أنتَ ناظِرُهُ شطَّ المزارُ بنا والدّار دانيةٌ ... يا حبّذَا الفألُ لو صحَّت زواجُره قال ذو النسبين، ﵁: قوله والدار دانية من مليح التورية، وهي ضرب من صنعة البديع، ودانية: مدينة: مدينة كبيرة بشرق الأندلس، وهي مشتقة من: دنا يدنو: إذا قرب. وأنشدني شيخ الإتقان، وواحد أسانيد الفرقان، أبو العباس أحمد ابن عبد الرحمن اليافعي - ويافع بلياء المثناة باثنتين من أسفل، قبيلة من رعين - قال: أنشدني الأستاذ المقري: أبو داود سليمان بن يحيى، قال: أنشدنا الأستاذ الأعلى أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري القيرواني المكفوف

стр. 14

قال: دخلت على السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن المعتضد بالله، حين مات أبوه، فأنشدته ارتجالاً: مات عبّادٌ ولكن ... بَقَيِ الفرعُ الكريمُ فكأنّ الميْتَ حَيٌّ ... غير أنَّ الضَّادَ مِيم ونسبه: محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو ابن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس: مِن بني المنذرين وهو اِنتَساٌب ... زادَ في فخره بنو عّبادِ فئةٌ لم تَلدِ سواها المَعَالي ... والمعالي قليلَةُ الأولاد وهذا النسب يطرد اطراد الشآبيب، ويتسق اتساق الأنابيب، إلى مركز الدائرة من لخم، وإلى قنص بن معد من ابنه عجم. ولد ﵀ بمدينة باجة، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وولي سنة إحدى وستين، وخلع سنة أربع وثمانين، وتوفي ﵀ في شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وخلع عن ثمانمائة امرأة، أمهات أولاد، جواري متعة، وإماء تصرف. وملك من البلاد بين مدن وحصون مائتي مسور، وإحدى

стр. 15

وثلاثين مسورا. وقد ذكرها الوزير أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، الداني - يعرف بابن اللبانة - في كتاب نظم السلوك. وأنشدونا للمعتمد، وقد ناوله بعض نسائه كأس بلور مترعا شرابا، ولمع البرق فارتاعت، فقال بديهة: رِيعت من البرِق وفي كفِّها ... برقٌ من القهوة لمَّاعُ يا ليت شعري وهي شَمسُ الضّحى ... كيف من الأنوارِ تَرْتَاعُ وأمر الأديب المصيب أبا محمد عبد لجليل بن وهبون بإجازة البيت الأول، فقال: ولن تَرى أعجب من أنسٍ ... من مثل ما يُمْسِكُ يَرْتَاعُ وهذا من نوادر الخواطر، وليس ينكر على هذا الشاعر. فمن جودة شعره ترتيب اللفظ فيه مع جودة معانيه، أولها المطابقة بلفظتي الأنس والارتياع، وتشبيه لمعان البرق يلمعان الخمر. وقال المعتمد في السلطان عباد أبيه، من قصيدة كبير يمدحه فيه: سميدعٌ يهب الآلافَ، مبتدئا ... ويستقلُّ عطاياه ويعتذرُ له يدٌ كلُّ جبّار يقبِّلها ... لولا نَدَاها لقلنا إنَّها الحجرُ

стр. 16

يريد الحجر الأسود الذي يجب تقبيله على جميع الطائفين بالمسجد الحرام، على ما ثبت عن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام. والسميدع، بفتح السين في لغة العرب: السيد. وفضل يده على الحجر بما خصت به من الندى، وكثرة الجدي، ففضل يد الممدوح على الحجر الأسود وهذا من باب غلو الشعراء وإيغالهم، فيما ينمقون من زخارف أقوالهم؛ فشتان بين يديه وبين الحجر الأسود في الممات والمحيا، لأنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه في الدنيا، وينال بذلك عند الله ﷻ المنزلة العليا. وقال أيضاً في أبيه يسترضيه: مولايَ أشكو إِليك داءً ... أصبح قلبي به قَريحَا سُخطك قد زادني سَقَاما ... فأبعث إلىّ الرّضا مَسيحا فقوله مسيحاً من القوافي التي يتحدى بها، لصعوبتها على من راماه وأدخلها هو في بابها، إذ كان المسيح بن مريم يشفي من العلل وأصابها. وأدخل عليه يوماً بعض فتيانه باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه: قَد زارنا النَّرجسُ الذَّكيُّ ... وحانَ من يومنا العَشِىُّ

стр. 17

ونحنُ في مجلسٍ أنيقٍ ... وقد ظمِئَنا وثَّم رِيُّ ولي نديمٌ غدا سمِّي ... يا ليتَه ساعد السَّمىُّ فأجابه ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار: لبّيك لبّيك من مُنادٍ ... له النَّدى الرّحبُ والنَّدِيُّ ها أنا بالباب عبدُ قِنٍ ... قِبْلَتُه وجهُك السَّنِيُّ شرَّفه والداهُ باسمٍ ... شرَّفته أنتَ والنَّبيُّ وكتب أيضاً إلى أبي بكر بن عمار: لمّا نأَيتَ نأى الكرى عن ناظري ... ورَدَدْتَه لما انْصَرَفْتَ عليه طلب البشيرُ بشارةً يُجزي بها ... فرهبتُ قلبي واعتذرت إليه أنا استحسن قول أبي فراس لسيف الدولة: نفسي فداؤكَ قد بَعَثْ ... تُ بِعُهْدتِي بيد الرّسول وجعلتُ ما ملكت يَدي ... صلَة المبشِّر بالمقبول وقال ابن عباد: تظنّ بنا أمُّ الرّبيع سآمةً ... ألا غفَر الرّحمنُ ذَنْباً تُواقِعُهْ أأهجرُ ظبياً في فؤادي كناسُه ... وبَدرَ تمامٍ في جُفوني مَطالعه إذاً هَجرتْ كفِّى نوالاً تُفيضه ... على مُعنفيها أو عدوّاً تُقَارِعه

стр. 18

وقال: أكْثَرْتَ هَجري غير أنّك ربّما ... عطفْتك أحيانا علّى أمورُ فكأنّما زمنُ التَّهاجُر بيننا ... ليلٌ وساعاتُ الوصالِ بدُور وقال: حكَّمَه في مُهجتي حُسْنُه ... فظلَّ لا يَعدِلُ في حُكْمه أفْدِيه ما ينفعكُّ لي ظالما ... يا رَبّ لا يُجْزَي على ظُلْمِه وله في جارية تسمى بوداد، وقد سافر عنها إلى تفقد بعض البلاد: اشرِب الكأسَ في وِدَادِ ودادِكْ ... وتأنَّس بذكرها في انفِراِدكْ قَمرٌ غاب عن جُفونك مَرْآ ... هُ وسُكناهُ في سَواِد فُؤادك وقال من أبيات في فتاة يوم وداعها، عند تفطر كبده وانصداعها: ولمّا التقينا للودَاعِ غُدَيَّةً ... وقد خَفَقَت في ساحة القصب راياتُ بكينَا دماً حتى كأنّ عُيونَنَا ... لجرى الدّموع الحُمر منها جراحاتُ من هذا الباب قول الآخر: بكيت دماً حتّى لقد قال قائلٌ ... أهذا الفتى من جفن عينيه يرعفُ

стр. 19

ومن شعره الحسن وغرضه المستحسن: ورُبَّ ساقٍ مُهفهف غَنِجٍ ... قام ليَسقى فجاء بالعَجَبِ أبْدى لنا من لطيف حِكمته ... في جامِد الماء ذائَب الذَّهب قال ذو النسبين، ﵁: أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، ووصف كأسها بجامد الذائب، فمن ذلك: لاَح وفاحت روائحُ النّدِ ... مُهْتصُر الخصر أهيف القدّ وكم سقاني واللّيلُ معتكٌر ... في جامدِ الماء ذائبَ الْوَرْدِ وقال الصنوبري: أقولُ والكأسُ على فِيه قَد ... صَّوَبها كالكوب الصَّائِبِ وجسمُها من ذهب جامدٍ ... وروحُها من ذهبٍ ذائب ذَا كوكٌب يغُرب في كَوكبٍ ... ويْليِ من الطَّالِع لاَ الغَارِب ومما يقارب هذا الباب ما يروى من قول كسرى: ليست أدري، هل التفاح خمر جامد أم الخمر تفاح ذائب؟ أخذه الخليع، فقال: الرّاحُ تفّاحٌ جرى ذائِباً ... كذلك التُّفَّاح راٌح جَمدْ فأشرب على جامده ذَوْبَه ... ولا تَدعْ لذَّةَ يوم لِغَد

стр. 20

وكل هذا من قول الشريف عبد الله بن المعتز العباسي: وخمّارةٍ من بنات المجو ... سِ تَرى الدَّنَّ في بيتها شائلاَ وزنَّا لها ذهباً جامدا ... فكالت لنا ذهبا سَائلا وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري: أقول لَه وقد حيَّا بكأسٍ ... لَها مِنْ مِسْك ريَّاُه خِتامُ أمن خَدَّيك تُعصر قال كَّلا ... متى عُصرت من الوَرِد المُدام حدثني بهذا الشيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، الفقيه الأستاذ أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، سبط الأستاذ المعزول، قال: حدثني الفقيه الأستاذ أبو داود سليمان بن يحيى، قال: سمعت الفقيه الأستاذ أبا الحسن الحصري يقول. قال ذو النسين رضى الله عنه: وسمعت الوزير الفقيه المحدث الكاتب العدل أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن عبيد الله القيسي - هو ابن خاقان - يقول: أخبرني أبو بكر عيسى الداني، المعروف بابن اللبانة، أنه استدعاه المعتمد ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه؛ فسقاه الساقي وحياه، وسفر له

стр. 21

الأنس عن مونق محياه؛ فقام للمعتمد مادحا، وعلى دوحة تلك النعماء صادحا؛ فاستجاد قوله، وأفاض عليه طوله؛ وصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه. فلما حل بمنزلة رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما: جاءتك ليلاً في شِيَات نَهار ... من نُورها وغِلالَةِ البُلاَّرِ كالمُشتري قد لفَّ من مِرِّيخه ... إذ لَفَّه في الماء جذوةَ نَار لَطْفَ الجمودُ لذا وذا فتألفَا ... لم يلق ضِدٌّ ضِدَّه بِنفار يتحيّر الرّاءُون في نَعْتيهما ... أصفاءُ ماءٍ أو صفاء دراري السلطان المتوكل على الله أبو محمد عمر، ابن السلطان عالم ملوك الأندلس المظفر أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسملة. وكان أعلمهم بالنسب وأيام العرب، وأجمعهم لغرائب اللغات والأخبار ومحاسن الأشعار. وألف تأليفا بديعا في خمسين مجلدا، ينسب إليه، وقد

стр. 22

طالعته. وتوفي ﵀ بحضرة ملكة مدينة بطليوس في منتصف شهر رمضان المعظم سنة ستين وأربعمائة، وهو ابن سبعين عاماً. حدثني الوزير الكبير الحكيم الفقيه الأديب النحرير، أبو بكر بن زهر قال: حدثنا عظيم دولتهم ووزير مملكتهم العالم الأوحد أبو محمد عبد المجيد بن عبد اله بن عبدون القرشي الفهري قال: سمعت السلطان المظفر ﵀ يقول. فذكر تواليفه كلها دقها وجلها. وأما ولده السلطان المتوكل على الله، فله نثر تسري فيه رقة النسيم، ونظم يزري بالدر النظيم، مع جود وكرم وخيم؛ كما قال فيه ابن حنظلة البطليوسي: زعم الناسُ أنّ حاتِمَ طيٍ ... أوّلٌ في النّدَى وأنتَ الثّانيِ كذَب النّاس ليس ذاك صحيحاً ... هو مَرْعًى وليس كالسَّعْدان وأما عدله فشاع في بلاده وذاع، وملأ الأصقاع والبقاع. فمن قوله يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم، أحد ندمائه ونجوم سمائه: أقْبِلْ أبَا طالٍب إلينا ... واسقُط سُقوطَ النَّدى عَلَيْنَا فنحنُ عقدٌ بغير وُسْطَى ... ما لم تكن حاضِراً لدَينا

стр. 23

وحدثني الوزير الكاتب المحدث الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم ابن عُميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان يقول: أخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذُرى والأعلام؛ التي لا يروعها صرف، ولا يفرعها طرف؛ لأنها متوعرة المراقي، معثرة للراقي؛ متمكنة الرواسي والقواعد، على ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد؛ قد أطلت على خمائلها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من حصتها، فمروا ببلش قطر سالت به جداوله، واختالت فيه خمائله؛ فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، أو بقعة أنيقة. فتلقاهم ابن مُقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده، وأورى لهم بالمبرة زنده؛ وقدم طعاماً، واعتقد قبوله مناً وإنعاماً. وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياءً منه لا تجول ولا تمرح. فخرج أبو محمد وقد أبرمه القاضي بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله؛ فلقى ابن جيرون منتظراً له، وقد أعد لحلوله منزله؛ فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ورده من زواره؛ وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها. ولما حضر له وقت الأُنس وحينه، وأرجت له رياحينه؛ وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه

стр. 24

لا أنيسه؛ فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، قد لازمه كأنه غريمه؛ فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل. فلما علم أبو محمد بانفصاله بعث للمتوكل قطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما: إليكَها فاجْتَلِهَا مُنيرةً ... وقد خَبا حتَّى الشِّهابُ الثّاقبُ وَاقفةً بالبابِ لم يُؤْذن لها ... إلا وقد كادَ ينام الحاجبُ فبعضُها من المَخَاف جَاِمدٌ ... وبعضُها من الحياء ذائُب فقلبها، وكتب إليه: قَد وصلت تلك الّتي زَفَفْتَها ... بكراً وقد شابَتْ لها ذوائبُ فَهُبَّ حتى نستردَّ ذاهِباً ... من أُنسِنا إن اسْتُرِدَّ ذاهبُ فركب غليه، ونقل ما كان معه في المجالس، وباتا ليلتهما لا يرميان السهر، ولا يشيمان برقا إلا الكأس والزهر. قال ذو النسبين ﵁: وقد أخذ الآن هذه البلاد ابن الريق اللعين، وحان لها يوم شر كما كان أحد يظن أنه يحين، فتملكت شنترين والأشبونة لما خاف أهلهما من القتل ورأوا أن السر دونه؛ لكثرة من جاءهم في البر والبحر، وقعود المسلمين عن الحماية لهم والنصر؛ حتى ملك الكفار معاقلهم الممتنعة، وحصونهم المرتفعة.

стр. 25

وأبو نصر الفتح المتقدم الذكر، لاقيت جماعة من أصحابه، وحدثوني عنه بتصانيفه وعجائبه. وكان رحمان الله وإياه، مخلوع العذار في دنياه؛ ولكن كلامه في تواليفه كالسحر الحلال، والماء الزلال. قتل بحاً في مسكنه بفندق لبيب من حضرة مراكش، صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة. أخبرني بذلك الوزير الكاتب العالم أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، وأن الذي أشار بقلته أمير المسلمين وناصر الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين. وكان صاحب بطليوس أبو بكر بن عبد الله بن مسلمة؛ ذو الملك الأكبر، المنعوت بالسلطان المظفر؛ وبنوه ملوك الأعيان، وأعين ملوك الزمان. ولكبر قدرهم في الملوك، وكونهم فيهم كالواسطة في السلوك؛ نزلت عليهم ملوك بلاد الأندلس من المسلمين، وهو عام الزلاقة سنة تسع وسبعين. فقام ولده وولى عهده المتوكل على الله أبو محمد بن الملك المظفر، المخدوم بسعدة في إقامتهم بجميع ما يحتاجونه، ووجدوا عنده فوق ما يرجونه؛ وفي جملتهم أبو يعقوب يوسف بن تاشفين، المتسمى بأمير المسلمين، مع جماعة لا تحصى من الملثمين؛ لأنه وصل من مراكش مستدعي لقتال العدو المتحرك إلى البلاد، برغبة الملك المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد؛ لأنه جاز البحر إليه، فأنعم بالإجابة عليه، لما أراد الله من

стр. 26

إخراجهم من الملك على يديه. ثم لما كانت المقاتلة قتل فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس ومن الرجالة ما لا يحصى، وبعيد أن يستقصي؛ وفر أذفونش ليلاً وهو يدعو حرباً وويلا. وفي ذلك يقول أبو محمد عبد الجليل بن وهبون: نضَا أدرعه واجتاب ليلاً ... يودّ لو أنَّه في الطّول عَامُ ستسألك النّساء ولا رجالٌ ... فحدّث ما وراءك يا عصام فلما قضيت غزاتهم، وعادت صقورهم وبزاتهم؛ طمع الملثمون في بلاد بني المظفر، فحولوهم من العيش الأخضر، إلى الموت الأحمر؛ وحاصروهم وصابروهم. ودخلوا المدينة بالسيف، وحكموا فيهم أيدي الحيف، ودخلوها عليهم قهرا وقسراً، وقتلوا الملكين الجليلين ولدى المتوكل صبراً، وقدموهما قبله لرغبته لهم في تقديمها بين يديه لينال أجرهما ويكونا في ميزانه. فقدما عليه، وجعلوهما منه بمرأى العين، وقام بعدهما كي يصلي ركعتين فطعنوه بالرماح؛ وقد اختلط كلامه في صلاته، حتى أتوا على نفسه ووفاته؛ وكذلك غلبوا على ملوك الأندلس الباقين، ودخلوا إشبيلية قهراً ذات الأنهار والبساتين؛ وأخرجوا المعتمد على الله من قصره، لى كلبه وأسره، وفي ذلك يقول في أبيات: كَلْبي أما تَعرفُني مُسلما ... أبيت أن تُشفِق أو ترحماَ

стр. 27

وحملوه إلى أقصى العدوة إلى المدينة أغمات، فبقي فقيرا عديما أسيرا إلى أن مات. ثم سلط الله على الملثمين جماعة الموحدين، فأزالوا الملك من أيديهم، وتحكموا في أنفسهم وساحاتهم وناديهم، فصلبوا أمير المسلمين أبا محمد تاشفين بحصن العباد خارج مدينة وهران، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان. ثم دخلوا مدينة مراكش سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بالحسام المسلول، وتركوا القصور خاوية خالية كالطول؛ وحكموا في أعناق سلاطين الملثمين طباة السيوف وأسنة الرماح، وضربوا عنق ولي عهد أمير المسلمين إسحاق بن علي بن يوسف ابن تاشفين بحد الصفاح؛ وجرت أنهار الدم في سكك المدينة، وأزال الله جلت قدرته عنهم ملاءة السكينة. ولما غلبهم الموحدون ودخلوها، واستولوا على جميع الديار وتركوها؛ بيعت الحرة الجميلة بدجاجة، حتى تعلم أن ليس لهم بها من حاجة؛ وذلك بالمغرب يوم مشهود، علمه الغائبون والشهود. وقد رثى ملوك بني المظفر الوزير العالم المستبحر في جميع الفنون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون بقصيدته الفريدة المتضمنة للتواريخ والأنساب، والحكم والآداب، وهي مما يعتبر بها أولو الألباب: الدَّهُر يفجَع بعد العين بالأثرِ ... فما البكاءُ على الأشباح والصّور أنهاكَ أنهكَ لا آلُوك موعظةً ... عن نومةٍ بين نابِ اللّيث والظُّفُر

стр. 28

فالدّهر حربٌ وإن أبدي مسالمّةً ... والبيضُ والسودُ مثلُ البيِض والسُّمُر ولا هوادةَ بين الرّأس تأخُذُه ... أيْدي الضِّرابِ وبين الصّارِمِ الذّكر فلا يغرنّك من دنياك نومتُها ... فما صناعةُ عينيها سِوَى السَّهر مَا للّيالي أقالَ الله عْثَرتَنا ... من اللَّيالي وخَانَتْها يَدُ الغِيرَ في كلّ حينٍ لها في كلّ جارحة ... منّا جراٌح وإن زَاغَت عن النّظر تّسُرُّ بالشّيء لكن كي تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثَار إلى الجانِي من الزَّهر كم دوله وليَت بالنّصر خدمتَها ... لم تُبق منها وسَلْ دنياك عن خَبر هوت بَدارا وفلَّت غَرب قَاتِلِه ... وكان عَضْباً على الأملاك ذا أثُر واستَرجَعت من بني ساسان ما وهَبَت ... ولم تدع لبني يُونَان من أثَر وأتْبَعت أختَها طسْماً وعادَ على ... عادٍ وجُرهَم مِنها ناقضُ المِرَر وما أقَالت ذَوي الهيئات من يَمن ... ولا أجارَت ذوي الغَايات من مُضر ومزّقت سَبأً في كلِّ قاصيٍة ... فما التقَى رائٌح منهم بمُبتكر

стр. 29

وأنْفَذَت في كُليب حكمها ورمَت ... مُهَلْهلاً بين سمعِ الأرض والبَصر ودوَّخَت آلَ ذُبيان وإخوتَهم ... عَبْسا؛ وعَضَّت بني بدر على النَّهر ولم تَرُدَّ على الضّلّيل صِحَّتَه ... ولا ثَنَت أسداً عن رَبِّها حُجُر وألحقَت بِعَديٍّ في العراق على ... يَدِ ابنْه الأحمر العينين والشَّعَر وأهلكت أبرويزاً بابنه ورمت ... بيزَدجردَ إلى مَروٍ فلم يُحِر وبلَّغت يَزْدَجِردَ الصّينَ واخْتزلَت ... عنه سِوىَ الفُرس جمَع التُّرك والخَزَر ولم تَكُفَّ مواضي رُسْتمٍ وقَنَا ... ذِي حَاجِبٍ عنه سَعداً في ابْنَةِ الغَير يومَ القَليب بنُو بدر فَنُوا وسَعى ... قَليبُ بدرٍ بمن فيه إلى سَقَر ومزَّقت جعفراً بالبيضِ واختلست ... من غِيله حمزَة الظَّلاَّمَ للجَزَر وأشْرفَت بخُبيب فوق فارعةٍ ... وألْصَقَت طَلحةَ الفياضَ بالعفَر وخَضَّبَتْ شَيبَ عُثْمانٍ دَماً وخَطت ... إلى الزُّبَير ولم تَستَحْيِ من عُمر

стр. 30

ولا رَعت لأبي اليَقْظان صُحبَتَه ... ولم تُزَوِّده إلاَّ الضَّيْح في الغُمَر وأجْزَرَت سيف أشْقاها أبَا حسنٍ ... وأمْكَنَتْ من حُسين راحَتَي شَمِر وليتَها إذ فَدَت عمراً بخَارِجَةٍ ... فَدت عَليًّا بمن شاَءت من البَشر وفي ابنِ هِند وفي ابن المصطفى حَسَنٍ ... أتت بمُذْهِلة الألبابِ والفِكَر فبعضُها قائلٌ: ما اغتاله أحدٌ ... وبعضُها ساكتٌ لم يُؤْت من حَصَر وأرَدْت ابنَ زيادٍ بالحُسين فلم ... يَبُؤْ بِشِسْعٍ له قد طاحَ أو ظُفر وعَمَّمت بالظُّبا فَوْدَىْ أبِي أنٍس ... ولم تَرْدَّ الّردى عنه قَنا زُفَر وأنْزلَت مُصْعَباً من رأس شاهِقةٍ ... كانت به مُهجة المختار في وَزَر ولم تُراقب مكان ابن الزُّيبر ولا ... رَعَت عياذَتَه بالرُّكن والحَجر وأعمْلَت في لَطيم الجنّ حيلتَها ... واستوثَقت لأبي الذِّبَّان ذي البَخر ولم تَدع لأبي الذِّبَّان قائمةً ... ليس اللّطُيم لها عمرٌو بمُنتصر وأحْرقَت شلْو زَيدٍ بعد ما احترقت ... عليه وجداً قلوبُ الآي والسّور

стр. 31

وأظْفَرت بالوَليد بنِ اليزيد ولم ... تُبق الخلافةَ بين الكأسِ والوَتَر حبَابةٌ حبُّ رمّان أتيحَ لها ... وأحمرٌ قطَّرته نفحةُ القُطر ولم تَعُدْ قُضُبَ السَّفَّاحِ نابية ... عن رَأْس مروانَ أو أشياعه الفُجُر وأسْبلت دمعةَ الرُّوح الأمين على ... دمٍ بفَخّ لآل المصطفى هَدَر وأشْرقت جعفراً والفضلُ ينظره ... والشَيخ يحيى بكأس الصّاب والصّبر وأخْفَرت في الأمينِ العهدَ وانتدَبت ... لجعَفرٍ بابنه والأعبُدِ الغُدُر ولا وَفَت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتّز من مِرَر وأوثقت في عراها كلّ مُعتمد ... وأشْرقت بقذاها كلَّ مُقْتدر وروَّعَت كلَّ مأمُون ومؤتمن ... وأسلَمت كلَّ منصور ومنتصر وأعثرت آل عبَّاسٍ - لعًالهم ... بِذَيلِ ريَّاَء من بيضٍ ومن سُمُر

стр. 32

بني المظفَّر والأيّامُ ما برحت ... مراحلاً والوَرى منها على سَفَر سُحقاً ليومكم يوماً ولا حملت ... بمثله ليَلٌة في غَابِر العمر من للأسّرة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثُّغَر من للظُّبا وعوالى قد عُقدت ... أطرافُ ألْسُنها بالعِّي والحَصر وطُرِّزَتْ بالمنايَا السُّود بيضُهم ... أعجْب بذاك وما منها سوى الذِّكر من لليَراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر أو دفع كارثة أو دع رَادِفَةٍ ... أو قمع حَادثة تُعيي على القَدر ويحَ السَّماحِ وويح البأس لو سلماَ ... واحسرةَ الدّين والدّنيا على عمر سَقَت ثَرى الفضل والعبّاسِ هاميةٌ ... تُعزي إليهم سمَاحاً لاَ إلى المَطرِ ثلاثةٌ ما ارتَقى النَّسران حيثُ رَقُوا ... وكلُّ ما طَار من نَسْر ولم يَطِر ثلاثة ما رأى العصران مثلهُم ... فضلاً ولو عُزِّزَا بالشمس والقَمر ثلاثة كذوِات الدَّهر مُنْذُ نأوْا ... عنّي مضي الدَّهر لم يربع ولم يَحُر ومرَّ من كلّ شيء فيه أطيُبه ... حتى التمُّتع بالآصالِ والبُكرَ أين الجلال الذي غَضَّت مهابَتُه ... قلوبَنا وعيونَ الأنْجُمِ الزُّهُر أين الإباءُ الذي أرسَوْا قواعِدَه ... على دَعائَم من عزّ ومن ظَفَر

стр. 33

أين الوفاءُ الذي أصْفَوا شرائعه ... فلم يَرِد أحدٌ منها على كَدَر كانوا رَواسي أرض الله مُنذ نَأوْا ... عنها استَطارَت بمن فيه ولم تَقِر كانُوا مصابيحها فيها فمنذ خَبوا ... هَوَى الخليقُة ياللهِ في شَرَر كانوا شَجَى الدهر فاستهوتهمُ خُدَعٌ ... منه بأحلام عادٍ في خُطا الخطر ويلُ امّه من طَلوِب الثأر مُدرِكة ... منهم بأسْدٍ سواهم في الوغى صُبُر مَن لي ومن لهُم إن أظلمت نُوَبٌ ... ولم يكن ليلُها يُفضي إلى سَحَر من لي ومن لهُم إن عطلِّت سُنن ... وأخْفَيِتْ ألسن الآثار والسّير من لي ومن لهُم إن أطبقَت محنٌ ... ولم يكن ورْدها يدعو إلى صَدَر على الفضائل إلا الصّبَر بعدَهم ... سلامُ مُرتقب للأِجرِ مُنْتَظر يرجُو عَسى، وله في أختها أمل ... والدّهُر ذو عُقَب شَتَّى وذُو غِيَر قَّرطت آذانَ من فيها بفاضِحَةٍ ... علَى الحسَانِ حصَا الياقوت والدُّرَر سيارةٍ في أقاصي الأرض قاطعةٍ ... شَقَاشِقاً هَدرَت في البَدْو والحَضَر مُطاعِة الأمر في الألباب قاضيةٍ ... من المسامع ما لم يُقْض من وطَر

стр. 34

السلطان المعتصم بالله أبو يحيى محمد بن أبي الأحوص معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، منسوب إلى امرأة اسمها تجيب، بنت ثوبان بن سليم بن رهاء، بالراء، من مذحج، إليها ينسبون. وهي أم عدي وسعد، ابني أشرس بن كندة، واسمه ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد اختلف الناس في ضبط هذا الحرف، بعد اتفاقهم أنه نسب إلى هذه المرأة، فقالوا: إنه بضم التاء، وبه نطقت العرب. وكثير من الأدباء ولمحدثين يفتحون التاء. وقال أبو مروان بن سراج: الفتح وحده. وزعم أن التاء أصلية وليست للمضارعة، ولذلك أثبته صاحب كتاب العين في حرف التاء، إلا أنه قال: تجيب وتجوب، قبيلة وقال أبو محمد بن السيد النحوي: أنا أذهب إلى صحة الوجهين، مع كون التاء مزيدة، من جاب تجوب وتجيب. وبنو صمادح، بينت العلوم الفائقة، والآداب الرائقة. يروي عن أبيه أبي الأحوص معن، عن أبيه أبي يحيى محمد بن صمادح مختصر غريب تفسير القرآن للطبري. حدثني به الفقيه المحدث الصالح أبو محمد

стр. 35

عبد الله بن محمد بن عبيد اله، قال: حدثني الفقيه المحدث الإمام أبو عبد الله محمد بن حسين يعرف بأحد عشر - قال: حدثنا الفقيه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أسود الغساني عن السلطان أبي يحيى محمد بن أبي الأحوص معن، عن أبيه أبي يحيى محمد بن صمادح، مختصره. وقال مطر الوراق في قوله جل وعلا: وإنه لذكر لك ولقومك: هو أن الرجل: حدثني أبي عن جدي. وقال ابن أبي الحسن البصري: حدثوا عن الأشراف، فإنهم لا يرضون أن يدنسوا شرفهم بالكذب ولا بالخيانة. والأشراف في اللغة الأعيان من أي القبائل كانوا. وأنشدنا غير واحد بالسند المذكور آنفا عن الفقيه أبي إسحاق بن أسود وغيره، قالوا: أنشدنا السلطان المعتصم لنفسه: يا مَن بجسمي لبعده سَقٌم ... ما مِنه غيُر الدُّنُوِّ يَبرِيني بين جفوني والنَّوم مُعَتَركٌ ... تَصُغُر عنه حروب صفِّين إن كان صرفُ الزمان أبعدني ... عنْك فطيفُ الخيال يُدنيني

стр. 36

وله ﵀ بركة ماء بناها في الصماد حية، وقد حضر في مجلسه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء؛ وهو قاعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في نواحيه، فقال: أنظْر إلى حُسن هذا الماء في صَبَبه ... كأَنّه أرْقَمٌ قد جدَّ في هَربِهْ فاستبدع الكل قوله، فخلع عليهم ومنحهم فضله وطوله - والأرقم: من أسماء الحية - وله أيضاً فيها: كأَنَّ انسياب الماء في صفحاتها ... حُسامٌ ثقيلُ المتن سُلَّ من الغِمْدِ تفورُ فوَّارةٌ مستديرةٌ ... لها مُقلٌة زرقاُء موصولَةُ السّهد أدَرْنَا بها كأساً كأنَّ حَبابها ... حَبابُ سَقيط الطَّلِّ في ورَق الورد لها في غَدير الماء لألآءُ جَمْرَةٍ ... حكت نَار إبراهيم في اللون والبْرَدْ وله: الرّوضُ يَشرب والأنوار تنسكبُ ... والشَّمس تظهر أحياناً وتحتجبُ وللبَهار على أفنانه زَهَرٌ ... كأنّه فضَّةٌ من فوقها ذَهَب قال ذو النسبين ﵁: أهل الأندلس يسمون النرجس البهار واسمه في اللغة العبهر.

стр. 37

ودخلا الأريب أبو الوليد النحلي مدينة المرية، يرفل في أثواب سود زرية، فكتب إلى السلطان: أيا مَن لا يُضاف إليه ثانٍ ... ومَن ورث العُلاَ باباَ فَبَابَا أيجمُل أن تكون سَوادَ عَيني ... وأبْصر دون أبْغي حِجابا ويمشِي الناس كلهم حَمَاماً ... وأمشِي بينَهم وحْدِي غُرابا فبعث إليه من المال جملة وافرة، ومن البياض خلعة فاخرة، وكتب له رقعة فيها بيتان: وردتَ وللَّيل البهيم مطارفٌ ... عليكَ وهَذيِ للصَّباح بُرودُ وأنتَ لدينَا ما بقيتَ مُقَرَّبٌ ... وعيشُك سلسال الجِماَمَ بَرود السلسال: الصافي العذب، يقال: ماء زلال وسلسال، إذا كان صافياً عذباً. والجمام، بكسر الجيم: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع. وأنشدونا لابنه الأمير أبي جعفر رحمهما الله: كتبتُ وقَلبي ذُو اشتياقٍ ووحشةٍ ... ولو أنَّه يستطيعُ مَّر يُسلّمُ جعلتُ سوادَ العين فيه مدادَه ... وأبيضَه طِرساً وأقبلت ألثُم فخيّل لي أنِّي أقبّل موضعاً ... يُصافحه ذاك البنانُ المكرّم

стр. 38

قال ذو النسبين ﵁: وهذا عندي من قول أبي إسحاق الصابي: لما وضَعت صحيفتي ... في بَطن كفّ رسوِلهَا قبّلْتُها لَتَّمَّسها ... يُمناك عند وُصُولها وتَودّ عَينيَ أنّها ... قُرنت ببعض فُصولها حتى تَرى من وجهك ال ... ميمون غايةَ سُولِها الملك الراضي بالله أبو خالد يزيد ابن المعتمد على الله بن أبي القاسم عباد، وقد مرت عليه هوادج وقباب، فيها له أخدان وأحباب؛ وجهوا على وجه الهدية إلى بر العدوة، وقد كان يلم بهن في صباه إلمام قريش بدار الندوة؛ فقال ارتجالا، وأنشد سحراً حلالا: مروا بنا أصُلاً من غير ميعادِ ... فأوقَدُوا نار شوقِي أيَّ إِيقَادِ وأذكرونِيَ أياّماً لهَوتُ بِهم ... فيهَا ففازوا بإِيثَاري وإحْمادي لا غَرو أن زَادَ في وجْدي مرورُهم ... فرؤيةُ الماء تُذكي غُلَّة الصادِي صدى يصدي، فهو صاد وصيد، إذا عطش. ورجل صديان: عطشان. الغلة، واللواب، بفتح اللام؛ واللوح، بضم اللام؛ والجواد، بضم الجيم بلا همز: كل ذلك من أسماء العطش. وقد جمعناها في غير موضع.

стр. 39

الحاجب ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك بن رزين، ورث الملك كابراً عن كابر، من ملوك من أسلافه، أرباب أسرة ومنابر. وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض الريض، ومنظوم بديع من القريض. فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار، وكان ضيفاً عنده: ضَماٌن على الأيّام أن أبلغَ المُنى ... إذا كنت في وُدِّي مُسِراًّ ومُعْلِناَ فلو تسألُ الأياّمُ من هو مفردٌ ... بِوُدّ ابن عمَّارٍ لقُلتُ لها أنَا فإن حالَت الأيامُ بيني وبينه ... فكيف يَطيبُ العيشُ أو يحسنُ المنى فلم يجبه ابن عمار في يومه، لأنه كان يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا يرتجله. وأتى به في اليوم الثاني بأعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهو: هَصَرْتَ لي الآمالَ طيبةَ الجنَى ... وسوَّغْتَ لي الحوالَ مُقبلةَ الدُّنَا وألبَسَتنِي النُّعمَى أغضَّ من النَّدى ... وأجْمَلَ من وشْى الرَّبيع وأحْسَنَا وكم ليلةٍ أحظَيْتَنِي بحضورها ... فبتُّ سميراً للَّسناءِ وللسَّنا أعَلِّلُ نَفسي بالمكارِم والعُلاَ ... وأُذْنِي وكَفِّى بالغِنَاءِ وبِالغِنَى سأقْرِن بالتَّمويلِ ذكركَ كَّلما ... تعاوَرَتِ الأسماءُ غيركَ والكُنَى

стр. 40

لأوسَعتنَي قولاً وطولاً كلاهما ... يُطوِّق أعناقاً ويُخرس ألْسُنا وشَرَّفتني من قطعةِ الرَّوض بالتَّي ... تَنَاثر فيها الطّبعُ ورداً وسُوسنا تروقُ بجيدِ المُلك مُرصَّعا ... وتُزْهَى على عِطفَيه وشياً مُفَنَّنا فدُم هكذاَ يا فارس الدَّست والوغى ... لتَطعن طوراً بالكلام وبالقَنا قوله للسناء وللسنا. السناء، بالمد: المجد والشرف. والسنا، مقصور: الضوء، قال الله العظيم: (يَكَادُ سَنَا بَرقِه يَذْهَبُ بالأبْصَار). وقوله وأذني وكفى بالغناء وبالغنى الغناء، بالمد: الصوت. قاله اللغويون، فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي بن أحمد الأميي: غِناءُ الصَّوت ممدودٌ ... بما يستجلبُ الطّربُ وكلُّ غنى فمقصورٌ ... كذا نطقت به العربُ والغنى: ضد الفقر، ومنه قول رسول الله ﷺ : ليس الغنى عن كثرة العرض: بفتح العين والراء، يعني كثرة المال والمتاع، وسمى عرضا، لأنه عارض يعرض وقتاً، ثم يزول ويفنى. ومنه قوله أيضاً: خير الصدقة ما كان عن ظهر غني. قيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم وحاجتهم. ويقويه قول الله : (ويسألونَك ماذا يُنفقون قل العفو). قيل: الفضل عن أهلك.
следующие страницы →