ملخص الرسالة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده … وبعد.
فتعتبر فتاوى الصحابة ﵃ ثروة فقهية عظيمة، وقد نُقِلَ فقههم إلى من بعدهم من التابعين. وكان للأئمة الأربعة اهتمامًا بآثارهم، ومن أبرزهم الإمام أحمد وأصحابه.
وهذا ملخص رسالة علمية لنيل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية، وهي دراسة فقهية على المذهب الحنبلي.
عنوان الرسالة: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي، (من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار) -جمعًا ودراسة-
وقد اشتملت على: مقدمة، وتمهيد، وفصلين، وخاتمة، وفهارس عدة
المقدمة: وفيها: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، ومنهجي في البحث.
التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: نبذة مختصرة عن أصول مذهب الحنابلة.
• المبحث الثاني: التعريف بمذهب الصحابي.
• المبحث الثالث: حجية مذهب الصحابي عند الأصوليين.
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في أحكام الأسرة.
الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات والحدود والأطعمة والأيمان والقضاء والفتيا والإقرار.
وقد بلغت المسائل التي تختص ببحثي ٦٩ مسألة وتم استقرائها من كتابي «كشاف القناع» و «شرح منتهى الإرادات».
الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
ومن أهم النتائج: أن المذاهب الفقهية الأربعة تجعل مذهب الصحابي حجة وإن اختلف مرتبة هذا الأصل بين أصولهم الأخرى ودلالة ذلك الأخذ به في فروعهم الفقهية.
ومن أهم التوصيات: إخراج موسوعة علمية فقهية جامعة للآثار ومرتبة على الأبواب الفقهية لتكون مرجعاً للناس عامة وطلبة العلم خاصة.
الباحثة: حميدة بنت غباش الجحدلي.
стр. 2
الإهداء
إلى من أحمل اسمه بافتخار، إلى من زرع فيَّ العزمَ والإصرار، فتجاوزت بفضل الله الصعاب بكل اقتدار، أبي الغالي.
إلى من كانت ولازالت لي غيمة عطاء، إلى من سجاياها الوفاء، إلى من كابدت من أجلي بكل عناء، أمي الغالية.
يامن بدعائكما بلغتُ الرتب، واليوم أصبح غرسكما رَطِب، فالحمد لله على ما نلته من شرف، وحققته من غاية وهدف.
إلى من شاركوني في الحياة إخواني وأخواتي.
إلى الصديقة التي كانت دومًا تسأل وتدعو، فوزية محمد.
إلى رفيقاتي وصديقاتي في الماجستير، أمل، أفنان،، سارة، فاطمة، فردوس.
إلى طلبة العلم الشرعي.
أهدي بحثي المتواضع سائلة المولى الرفعة في الدارين وأن ينفعني به.
стр. 3
الشكر والتقدير
تأسيَّا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١)، فإني أتوجه بالشكر لله على جميع نعمه وعلى تيسيره لي لطلب العلم الشرعي، وإتمام هذا البحث، كما أسأله أن يجعل التوفيق والنجاح حليفًا لي في حياتي.
ثم أثني بالشكر لمن قرن طاعتهما بطاعته فأشكر والديَّ الكريمين اللَّذان ربياني فأحسنا تربيتي، وبذلا كل شيء من أجلي وهيأ لي مكاناً معينًا على كتابة بحثي، وألسنتهما تلهج لي بالدعاء، رغم تقصيري معهما، فجزاهما الله خير الجزاء، وأطال في أعمارهما على طاعته وأمدهما بالصحة والعافية.
كما أشكر إخواني وأخواتي على جهودهم ووقفتهم معي خلال مرحلة البحث، أسال الله أن يبارك فيهم ويكتب لهم الأجر والمثوبة ويحقق لهم كل خير.
كما أشكر شكرًا جزيلًا لمن عاصر معي هذا البحث طوال السنوات الماضية، مشرفي الفاضل الأستاذ الدكتور: خالد بن أحمد بابطين، فلقد وجهني وأرشدني، وصبر عليَّ، ولم يتذمر مني يومًا، بل كان ناصحًا ومعينًا، رغم انشغاله وأعبائه الكثيرة، فكتب له المولى الأجر والمثوبة، وأصلح له النية والذرية.
وأشكر جامعتي أم القرى على ما أتاحت من إكمالي للدراسات العليا، والقائمين على كلية الشريعة والدراسات الإسلامية وبالأخص أعضاء هيئة التدريس في مركز الدراسات الإسلامية على جهودهم في بذل العلم وخدمته وأخص منهم من قام بتدريسي وتعليمي فجزاهم الله خيرًا.
وأشكر مناقشتَي هذه الرسالة الدكتورة: إبتسام بنت محمد الغامدي، والدكتورة: صفية بنت أحمد القحطاني، على إعطائي الملحوظات لتقويم هذا البحث فجزاهن الله كل خير.
كما أشكر المرشد، الأستاذ الدكتور: محمد بن مطر السهلي الذي كان له دورٌ بارزًا في فترة تسجيل الموضوع، فكان يجيب على أسئلتي بصدر رحب، ولا يتضجر أبدًا، فجزاه الله خيرًا.
كما أشكر كل من أعان من دكاترة، ومشايخ، وطلبة، داخل الجامعة وخارجها في كل ما يخص البحث سواء في المادة العلمية أو ما يتعلق به من تنسيقات وبرامج يسرت إنجازه وأخص منهم د: فهد القحطاني، و د: جراح الفضلي، وأدعو لهم بظهر الغيب أن يكتب لهم ما تصبو إليه أنفسهم من خيري الدنيا والأخرة.
كما أشكر الطالب ستيفن مصطفى قاسم الذي لم يبخل عليَّ بإعطائي جزءًا من موضوعه الذي تقدم به للقسم حينما وافق طرح موضوعي لموضوعه فكتب الله له الأجر.
وأشكر أيضاً كل صديقاتي على الدعم والمساعدة، وتقديم الرأي الصواب، وخاصة صديقاتي في الماجستير، وأشكر الزميلة: حسنة القرني فبارك الله فيهن ورزقهن كل خير.
стр. 4
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين .... وبعد.
فمن فضل الله أن يشغل الإنسان بما فيه النفع له وللآخرين، وأفضل النفع وأعظمه هو التفقه في دين الله، فقد جاء في الحديث الصحيح ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) (١)، وهذا مسلك العلماء، وطريق الفقهاء، وإنما تشرف العلوم بشرف مقصودها، وتسمو بنبل غاياتها، وإن أشرف المقاصد، وأنبل المطالب، ما فيه بلاغ إلى مرضاة الله تعالى.
ولما منَّ الله عليَّ بالالتحاق بمركز الدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، للحصول على درجة العالمية (الماجستير)، فقد استشرت المتخصصين للبحث عن موضوع واستخرت الله تعالى فشمَّرت الساعد، لأقدم ما فيه إضافة علمية شرعية للصرح المعرفي الإسلامي العظيم، ووقع اختياري على موضوع [المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي (من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار). جمعًا ودراسةً.
وهذا الموضوع قد أخذ منه الطالب ستيفن مصطفى قاسم ورقمه الجامعي ٤٣٢٨٠٣٨٦ (العبادات من أول كتاب الطهارة إلى نهاية كتاب الحج)، والمتبقي منه من (أول كتاب البيع إلى نهاية كتاب الإقرار)، وسيكون مجال بحثي بإذن الله تعالى (من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار).
أسأل الله أن يوفقنا لكل خير، وأن يكتب لهذا المركز ولمعلمينا ومشايخنا الأجر العظيم، والتوفيق والسداد لكل ما يحبه الله ويرضاه، لما بذلوه من وقت وجهد في خدمة دين الله .
• أهمية الموضوع:
١ - بيان أثر الصحابة وغزارة علمهم في الفقه، وأنهم كانوا ينهلون من معين عظيم، ومنهج قويم.
стр. 5
٢ - دراسة المسائل الفقهية الخلافية يٌنْشِئُ مَلَكَة لدى طالب العلم الشرعي، وآمل أن أكون بهذا البحث ممن يجعل له دُربة في إنشاء هذه الملكة.
٣ - العلوم الشرعية مرتبطة ببعضها ببعض، فمنها الفقهي، ومنها الأصولي، ومنها الحديثي، وبحثي هنا: فقهي، لكننا سيتضح مدى العلاقة بين هذه العلوم تتجلى في طيات هذا البحث، مما يؤكد أن العلوم الشرعية ذات منهجية وترتيب يُكمل بعضها بعضًا.
٤ - إن سرد المسائل خلال منهجية واحدة، وطريقة منفردة، يعود لأصل واحد، هو تجميع للمشتت، وبيان لما ضاع بين طيات المسائل واندثر، فجمعه في باب واحد، خدمةً للموضوع خصوصًا، وللفقه على وجه العموم.
• أسباب اختيار الموضوع:
١ - من خلال البحث والتحري - القاصر-لم أقف على من بحث هذا الموضوع، وهو المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار، لذلك من الحري أن يطرق بابه، وترسى مراسيه في بحث جامع يلم شتاته.
٢ - الرغبة الصادقة في الإسهام بما يثري الفقه الإسلامي، وما يتعلق به من مسائل وأحكام.
٢ - اعتماد مذهب الحنابلة في كثير من أقوالهم على ذكر أقوال الصحابة ﵃، وهذه الحقيقة واضحة في كتبهم الفقهية، وأصول استدلالاتهم. قال الإمام أحمد ابن حنبل ﵀: (ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدت في ذلك السبيل إليه أو عن الصحابة أو عن التابعين، فاذا وجدت عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فاذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فاذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث بعمل له ثواب إلا عملت به؛
стр. 6
رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة.) (١)
٣ - أردتُ من دراسة هذا الموضوع إثراء المكتبة الحنبلية، وإظهار توسعها في أدلتها، وأخذها بأقوال صحابة نبيها ﷺ ؛ ففيه بيان ارتباط فروع المذهب الفقهية بآثارهم.
• الدراسات السابقة:
من خلال البحث وجدتُ أن موضوع البحث فيه دراسات فقهية تتعلق به، ودراسات أصولية، وأخرى حديثية. وهذا يؤكد ما أشرتُ إليه في أهمية الموضوع؛ أن العلوم الشرعية مرتبطة ببعضها البعض وذات منهجية يُكْمل بعضها بعضًا.
أولًا: الدراسات الفقهية.
١ - فقه الصحابة ﵃.
وهي مجموعة من الرسائل بكلية الشريعة قسم الفقه بجامعة أم القرى تناولت فقه كل صحابي على حدة (كفقه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وآل الدرداء ﵃ وفقه ابن الزبير ﵁، وفقه أبي هريرة ﵁ في جامعة الإمام محمد بن سعود. وقد نوقشت جميعها.
٢ - المسائل الفقهية التي حكي فيها رجوع الصحابة ﵃ جمعًا ودراسة.
وهي رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى قسم الفقه للدكتور/ خالد بن أحمد بابطين. نوقشت عام ١٤٢٨ هـ. وبلغ عدد المسائل (٥١) مسألة وذكر في النكاح خمس مسائل، وفي الطلاق ثلاث مسائل، وفي العدد خمس مسائل، وفي الرضاع مسألة واحدة، وفي الجنايات لم يذكر شيئًا، وفي الديات ثلاث مسائل، وفي الحدود مسألتين، وفي الأطعمة مسألتين، وفي الأيمان مسألة واحدة.
٣ - المسائل الفقهية التي تغير رأي الصحابي فيها دراسة تطبيقية في الفقه الإسلامي.
وهي رسالة دكتوراه بجامعة الأزهر بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة للباحث محمد عبده شتيوي نوقشت عام ١٤٣٨ هـ.
٤ - الأقوال الفقهية الخلافية بين الصحابة ﵃.
стр. 7
وهو مشروع لطلبة الدكتوراه، بكلية الشريعة قسم الفقه بالجامعة الإسلامية، وتناول الباحثون فيها، المسائل التي اختلفت أقوال الصحابة ﵃ فيها، وقد نوقشت عام ١٤٣٦ هـ.
وجميع الرسائل السابقة تعتبر جزءًا من موضوع بحثي؛ فالعلاقة عمومٌ وخصوص. وهي تناقش المسائل التي دليلها مذهب الصحابي سواء مع أدلة الكتاب والسنة أم لا. وأما بحثي فهو استقراء لكل المسائل الفقهية التي كان اعتماد الحنابلة فيها على مذهب الصحابي.
٥ - الموسوعات التي أصدرها الدكتور محمد رواس قلعجي.
كموسوعة فقه أبي بكر الصديق وموسوعة فقه عمر بن الخطاب وموسوعة فقه عثمان بن عفان وموسوعة فقه عبد الله ابن مسعود ﵃ وهي مرويات للصحابة ﵃ مرتبة بحسب حروف المعجم.
٦ - معجم فقه السلف عترة وصحابة وتابعين للدكتور محمد المنتصر الكتاني.
وقد جمع فيه فقه الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين.
٧ - المسائل الفقهية التي بناها الإمام أحمد بن حنبل على قول الصحابي في أبواب العبادات، (دراسة فقهية مقارنة.)
وهي رسالة ماجستير بجامعة آل البيت، بكلية الشريعة بالأردن، للطالب: محمود بن أحمد الرواي، نوقشت عام ١٤٣٩ هـ.
والفرق بين بحثي وبين هذه الرسالة:
• هذه الرسالة في قسم العبادات وبحثي من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار.
• بالإضافة إلى أنها ركزت على المذهب الشخصي وبحثي يركز على المذهب الاصطلاحي.
٨ - المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في العبادات. جمعاً ودراسةً.
للطالب ستيفن مصطفى قاسم. بجامعة أم القرى وهو جزء من موضوعي سبقني به الطالب، ونوقشت عام ١٤٣٩ هـ.
٩ - المسائل التي بناها الإمام أحمد على قول الصحابي جمعًا وتوثيقًا ودراسة:
وهي رسائل دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، ونوقشت.
ويفارق موضوعي هذا المشروع فيما يلي:
• أن المشروع يركز على مذهب الإمام أحمد نفسه (المذهب الشخصي) بينما بحثي يركز على المذهب الاصطلاحي (مذهب الحنابلة).
стр. 8
• أن المشروع يركز على ما نص الإمام أحمد بنفسه على دليله، بينما بحثي يركز على ما لم ينص الإمام أحمد على دليله، وإنما الذي استدل به الأصحاب من بعده، ولذا فإني لن أتفق معهم في أي مسألة.
وأضرب لهذا مثالاً:
ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن الظهار يصح قبل النكاح، فلو قال رجل: كل امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمي، ثم تزوجها، فإنها لا تحل له حتى يُكَفِر (١)، واحتج على ذلك قائلاً: (نذهب إلى حديث عمر بن الخطاب) ويعني به ما جاء عن عمر ﵁ أنه قال في رجل قال: إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي، ثم تزوجها قال: عليه كفارة الظهار. (٢)
فهذه المسألة لن تكون ضمن حدود بحثي لكون الإمام ساق حجته من قول عمر ﵁، بل هي من ضمن مسائل المشروع.
وفي المقابل فقد ذهب الحنابلة -وهو قول الجمهور (٣) -إلى أن المرأة يقام عليها الحد جالسة، واحتجوا على ذلك بوروده عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤)، وهذا القول وإن كان قد نص عليه الإمام أحمد ﵀ في أكثر من موضع؛ لكننا لم أقف من خلال ما بين يدي من المصادر على احتجاج الإمام أحمد ﵀ بأثر علي ﵁، وعليه فتكون هذه المسألة ضمن حدود بحثي، ولن تكون -قطعاً-ضمن حدود المشروع.
١٠ - الأقوال الفقهية المخرجة في مذهب الإمام أحمد جمعًا ودراسة.
وهو مشروع بقسم الفقه كلية الشريعة بجامعة أم القرى. وهي رسائل دكتوراه وقد نوقشت.
стр. 9
ويفارق موضوعي هذا المشروع فيما يلي:
• موضوعي أخص من حيث أنه خاص بقول الصحابي دون باقي المسائل الأصولية.
• ويمكن أن يكون موضوعي أعم من موضوع المشروع باعتبار أنه يشمل جميع أقوال الحنابلة سواء أكانت من المفردات أم لا، وموضوع المشروع خاص بما انفرد به الحنابلة عن غيرهم من المذاهب.
• موضوع المشروع الهدف منه الحكم على الآثار والأقوال بالدرجة الأولى، وأما موضوعي فهو لبيان الاستدلال.
ثانيا: الدراسات الأصولية:
١ - قول الصحابي وحجية العمل به.
للدكتور أنس محمد رضا القهوجي وهو كتاب مطبوع وأصله رسالة ماجستير في كلية الدعوة الإسلامية في بيروت قسم الفقه وأصوله عام ١٤٣١ هـ.
٢ - مذهب الصحابي وأثره في مذاهب الأئمة الأربعة تطبيقًا في فقه العبادات.
وهي رسالة ماجستير في أصول الفقه بجامعة أم القرى للدكتور: نزار معروف بنتن نوقشت عام ١٤١٤ هـ.
٣ - قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية رسالة ماجستير للطالب كمال بوزيدي بجامعة الجزائر، كلية المعهد العالي الوطني لأصول الدين بالجزائر عام ١٩٩١ م.
٤ - مذهب الصحابي وأثره في الفقه الإسلامي للطالب خميس الحديدي.
وهي رسالة ماجستير في الفقه وأصوله بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية ١٩٩٥ م.
ويفارق موضوعي هذه الدراسات فيما يلي:
• أن هذه الدراسات تناولت مذهب الصحابي من الناحية الأصولية، وأما بحثي فمن الناحية الفقهية
• ذُكِرت فيها المسائل كأمثلة فليست دراسة استقرائية.
• شرط المسائل المذكورة تختلف عن شرطي، فهي ذكرت للاستدلال بمذهب الصحابي فيها ولو كان تبعاً على وجه الاقتصار، وأما دراستي فهي استقراء لكل المسائل الفقهية التي كان اعتماد الحنابلة فيها على مذهب الصحابي.
ثالثا: الدراسات الحديثية:
الآثار المروية عن الصحابة ﵃.
стр. 10
وهو مشروع لطلبة الدكتوراه بكلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب والسنة بجامعة أم القرى وفكرته، تخريج الآثار المروية عن الصحابة ﵃ والحكم عليها صحةً وضعفًا فقط.
• منهجي في بحث الموضوع:
سوف أسير على المنهج الذي تم الموافقة عليه للطالب ستيفن مصطفى قاسم حتى يكون البحث متجانسًا، وسوف يكون المنهج كالتالي:
١ - المنهج الاستقرائي، والذي يظهر من خلال استقراء المسائل الفقهية المبنية على الاحتجاج بمذهب الصحابي عند الحنابلة من خلال كتابي «كشاف القناع» و «شرح منتهى الإرادات.».
٢ - معنى قولي: بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي: أن الحنابلة ليس لهم دليل نقلي في هذه المسالة إلا قول الصحابي. فلن يدخل في دراستي وبحثي ما اعتمدوا فيه آيةً، أو حديثًا.
٣ - التوثيق للمسائل من خلال كتب الحنابلة المعتمدة.
٤ - أذكر الأقوال الفقهية في المسألة، مقتصرة على بيان الروايات في المذهب الحنبلي، وتوثيق نسبة هذه الأقوال من كتب المذهب المعتبرةً.
٥ - أستدل بأهم الأدلة التي استدل بها أصحاب كل رواية في المذهب الحنبلي، مع ذكر وجه الدلالة لكل رواية إن لم تكن الرواية صريحة في الحكم.
٦ - أختم كل مسألة بجمع بين الرواية إن أمكن لي ذلك، أو ترجيح ما أراه راجحاً، وبيان سبب الترجيح في نظري القاصر، أو التوقف عن الترجيح إن لم يتبين لي ترجيحاً.
٧ - أوثق الأقوال والنصوص من مراجعها الأصيلة، بقدر طاقتي واستطاعتي.
٨ - ألتزم بالموضوع، ولا أتطرق لما لا يدخل في موضوع البحث، أو الاستطراد فيه، وأرجو أن أكون قد وفقت للحق والصواب، والابتعاد عن التعصب المذموم.
٩ - أكتب الآيات القرآنية بالرسم العثماني، وأعزوها إلى سورها، مع ذكر رقم الآية.
١٠ - أخرِّج الأحاديث من مظانها في كتب الحديث، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك، وإن كان في غيرهما ذكرت مكانه في الكتب الحديثية المعتمدة، فأذكر الكتاب، والباب، والجزء، ورقم الحديث، أو الأثر، مع بيان ذكر أقوال العلماء فيه.
стр. 11
١١ - أقوم بالتعريف بالمصطلحات العلمية.
١٢ - أشرح الكلمات الغريبة من مصادرها الأصلية.
١٣ - أترجم للأعلام الواردة أسماؤهم في الرسالة، ترجمة موجزة، تاركة المشهورين منهم، كالعشرة المبشرين بالجنة ومشاهير الصحابة: كأبي هريرة ﵁ وعائشة ﵂، والأئمة الأربعة أو من جاء بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمة ﵀ وتلميذه ابن القيم ﵀، ومشاهير المعاصرين: كابن عثيمين ﵀.
١٤ - ألتزم بوضع الفهارس العلمية في آخر الرسالة حسب ما ذكرت في بيان الخطة.
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وفصلين، وخاتمة.
والمقدمة فيها، تمهيد وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: نبذة مختصرة عن أصول مذهب الحنابلة.
• المبحث الثاني: التعريف بمذهب الصحابي.
• المبحث الثالث: حجية مذهب الصحابي عند الأصوليين.
* الفصل الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في أحكام الأسرة، وفيه مبحثان:
• المبحث الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب النكاح والصداق، وفيه اثنا عشر مطلباً:
• المطلب الأول: اجتماع النكاح لصاحب الشهوة مع نوافل العبادات.
• المطلب الثاني: النظر إلى الأمة المستامة.
• المطلب الثالث: القدر المجزئ من خٌطبة النكاح.
• المطلب الرابع: تزويج الأب أولاده الصغار.
• المطلب الخامس: توكيل الولي في إيجاب النكاح مطلقاً.
• المطلب السادس: تولي طرفي العقد في النكاح.
• المطلب السابع: وطء الأمة الزانية.
• المطلب الثامن: من وجدت زوجها خصيًا.
• المطلب التاسع: مقدار متعة النساء.
стр. 12
• المطلب العاشر: من دُعِيَ إلى وليمة وكان صائمًا.
• المطلب الحادي عشر: الحكم فيما لوكان الزوج كثير الجماع.
• المطلب الثاني عشر: عدد المبيت عند الحرة.
• المبحث الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الخلع والطلاق والرجعة والإيلاء والظهار واللعان والعدد والرضاع والنفقات، وفيه ثلاثة عشر مطلبًا:
• المطلب الأول: الخلع دون الحاكم.
• المطلب الثاني: طلاق الحرج.
• المطلب الثالث: قول الزوج فراشي عليَّ حرام.
• المطلب الرابع: الموهوبة لأهلها.
• المطلب الخامس: تعليق الطلاق بمشيئة الله.
• المطلب السادس: الكتمان في الإشهاد على الرجعة.
• المطلب السابع: الإيلاء في الغضب والرضا.
• المطلب الثامن: الفيئة من الإيلاء للعاجز عن الجماع.
• المطلب التاسع: ظاهر من نسائه بكلمة واحدة.
• المطلب العاشر: أقل مدة الحمل.
• المطلب الحادي عشر: بداية عدة من فارقها زوجها بطلاق أو موت.
• المطلب الثاني عشر: الرضاع من لبن الفاجرة.
• المطلب الثالث عشر: صفة قوت من يعول.
* الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات والحدود والأطعمة والأيمان والقضاء والفتيا والإقرار، وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات، وفيه ثلاثة عشر مطلبًا:
• المطلب الأول: من أريد قتله فقال شخص أنا القاتل.
• المطلب الثاني: إذا اجتمع اثنان على شخص فجرحه أحدهما وقتله الأخر.
• المطلب الثالث: حبس القاتل حتى بلوغ صاحب الدم.
• المطلب الرابع: قيمة الدية إذا اصطدم حران ثم ماتا.
стр. 13
• المطلب الخامس: إذا قتل المنجنيق أحد الثلاثة الرماة.
• المطلب السادس: إذا وقع أحد على آخر فمات.
• المطلب السابع: من ادعى فقد بصر العين.
• المطلب الثامن: قيمة الغرة.
• المطلب التاسع: ما تحمله العاقلة من الجراحات.
• المطلب العاشر: دية الشعور الأربعة.
• المطلب الحادي عشر: مقدار دية الترقوة.
• المطلب الثاني عشر: حكم من أتلف شيء بالعبد.
• المطلب الثالث عشر: دية تسويد السن.
• المبحث الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الحدود، وفيه عشرون مطلبًا:
• المطلب الأول: من ارتكب حدًا جاهلًا.
• المطلب الثاني: إقامة الحد على الأمة المزوَّجة.
• المطلب الثالث: صفة إقامة الحد على الرجل.
• المطلب الرابع: عدم مد المحدود وربطه وشده.
• المطلب الخامس: اتقاء الضارب في الحد للرأسَ والوجهَ.
• المطلب السادس: صفة إقامة الحد على المرأة.
• المطلب السابع: إذا اجتمعت الحدود.
• المطلب الثامن: من سرق من بيت المال.
• المطلب التاسع: سرقة أحد الزوجين مال الآخر.
• المطلب العاشر: موضع القطع لليد اليمنى في السرقة الأولى.
• المطلب الحادي عشر: موضع القطع للرجل اليسرى في السرقة الثانية.
• المطلب الثاني عشر: ثبوت الإمامة بإجماع المسلمين.
• المطلب الثالث عشر: ثبوت الإمامة بتنصيص الخليفة قبله.
• المطلب الرابع عشر: ثبوت الإمامة بالغلبة.
• المطلب الخامس عشر: حكم مراسلة أهل البغي.
• المطلب السادس عشر: عزل الإمام لنفسه.
• المطلب السابع عشر: غنيمة أموال أهل البغي وسبي ذريتاهم.
стр. 14
• المطلب الثامن عشر: قتل مدبر وجريح أهل البغي.
• المطلب التاسع عشر: من أظهر من قول الخوارج.
• المطلب العشرون: من أتى حدًا من أهل البغي.
• المبحث الثالث: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الأطعمة والأيمان والقضاء والفتيا والإقرار، وفيه أحد عشر مطلبًا:
• المطلب الأول: شَيَّ الجراد حياً.
• المطلب الثاني: الاصطياد بالبندق.
• المطلب الثالث: الحكم في اليمين الغموس.
• المطلب الرابع: حلف الرجل لا يأوي مع امرأته في هذا العيد.
• المطلب الخامس: طلب القاضي الرزق من بيت المال.
• المطلب السادس: جواب ما لا يحتمله السائل.
• المطلب السابع: حكم القاضي لنفسه.
• المطلب الثامن: إحضار المدعى عليه.
• المطلب التاسع: وجود البينة بعد يمين المنكر.
• المطلب العاشر: أمد الحق الغائب.
• المطلب الحادي عشر: شروط قبول المزكيين.
• الخاتمة، وفيها:
• أهم النتائج.
• التوصيات.
• الفهارس وتحتوي على:
١ - فهرس الآيات.
٢ - فهرس الأحاديث.
٣ - فهرس الآثار.
٤ - فهرس الأعلام.
٥ - فهرس الأماكن والبلدان.
стр. 15
٦ - فهرس الكلمات الغريبة.
٧ - فهرس المصطلحات الفقهية.
٨ - فهرس المصادر والمراجع.
٩ - فهرس الموضوعات.
стр. 16
التمهيد
وفيه ثلاث مباحث:
• المبحث الأول: نبذة مختصرة عن أصول مذهب الحنابلة، وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: معنى الأصل لغة واصطلاحًا.
* المطلب الثاني: معنى المذهب لغة واصطلاحًا.
* المطلب الثالث: أصول مذهب الحنابلة مختصرة.
• المبحث الثاني: التعريف بمذهب الصحابي، وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: معنى الصحابي لغةً واصطلاحًا.
* المطلب الثاني: معنى مذهب الصحابي.
* المطلب الثالث: مكانة الصحابة ﵃.
• المبحث الثالث: حجية مذهب الصحابي، وفيه خمسة مطالب:
* المطلب الأول: تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي.
* المطلب الثاني: آراء الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة ومالك والشافعي) في مذهب الصحابي إجمالًا.
* المطلب الثالث: القائلون بحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم.
* المطلب الرابع: النافون لحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم.
* المطلب الخامس: الترجيح.
стр. 17
نبذة مختصرة عن أصول مذهب الحنابلة، وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: معنى الأصل لغة واصطلاحًا.
* المطلب الثاني: معنى المذهب لغة واصطلاحًا.
* المطلب الثالث: أصول مذهب الحنابلة مختصرة.
стр. 18
التمهيد
المطلب الأول: معنى الأصل لغة واصطلاحًا:
أولًا: معنى الأصل لغة:
تطلق كلمة الأصل في اللغة على معانٍ منها:
• أساس الشيء: جاء في «معجم مقاييس اللغة» (١): الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض، أحدها: أساس الشيء.
• أسفل الشيء: جاء في «تاج العروس» (٢) الأصل أسفل الشيء يقال: قعد في أصل الجبل، وأصل الحائط، وقلع أصل الشجر، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء: ما يستند وجود ذلك الشيء إليه.
• القاعدة: جاء في «المفردات في غريب القران» (٣) أصل الشيء قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك.
ثانيًا: معنى الأصل اصطلاحًا:
١. عبارة عما يبنى عليه غيره، ولا يبنى هو على غيره. (٤)
٢. الأصل يطلق على أربعة أشياء:
الأول: الدليل، كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب والسنة. أي دليلها وهذا المراد هنا في علم الأصول.
الثاني: الرجحان: أي على الراجح من الأمرين. كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز.
الثالث: القاعدة المستمرة، كقولهم أكل الميتة على خلاف الأصل أي على خلاف الحالة المستمرة.
стр. 19
الرابع: المقيس عليه: وهوما يقابل الفرع في باب القياس. (١)
* * *
المطلب الثاني: معنى المذهب لغة واصطلاحًا.
أولاً: معنى المذهب لغة:
• جاء في «معجم مقاييس اللغة» (٢) ذهاب الشيء: مضيه. يقال ذَهَب يَذْهَب ذَهابًا وذُهوبًا. وقد ذهب مذهبًا حسنًا.
• وفي «لسان العرب» (٣) الذهاب: السير والمرور. والمذهب: مصدر، كالذهاب. والمذهب: المعتقد الذي يذهب إليه. وذهب فلان لذهبه: أي لمذهبه الذي يذهب فيه.
• وفي «تاج العروس» (٤) الطريقة: يقال: ذهب فلان مذهبًا حسنًا أي طريقة حسنة.
ثانيًا: معنى المذهب اصطلاحًا:
هو: ما قاله بدليل ومات قائلًا به، ومذهب كل واحد عرفًا، وعادةً، ما اعتقده جزمًا أو ظنًا بدليل، ويُعْلَم ذلك من قوله، وخطه، وتأليفه، وينقل إلينا جزمًا أو ظنًا. (٥)
وعند الأصوليين هو: الطريق الذي يسلكه المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. (٦)
وبالتالي فمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀: هو: جملة الأحكام التي ذهب إليها، أو مجموع المسائل الفقهية التي قال بها، وما أُلحِق بذلك مما خرجه أصحابه على قواعده وأصوله. (٧)
стр. 20
المطلب الثالث: نبذة مختصرة عن أصول مذهب الحنابلة:
مما هو معلوم أن كل إمام من الأئمة الأربعة، كانت له أصول في الاستدلال، من خلالها يتم التوصُّل إلى استنباط الأحكام الشرعية، ومن هؤلاء الأئمة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ مؤسس المذهب الحنبلي، فلقد كانت له أصول يتوصل من خلالها لمعرفة الحكم الشرعي، وكان ﵀ أعلم بالكتاب والسنة والآثار.
قال ابن تيمية ﵀ في ثناءه على الإمام أحمد ﵀: (كان أعلم من غيره بالكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصًا كما يوجد لغيره، ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها مذهبه، يكون قوله فيها راجحًا). (١)
وقد قام أصحابه من بعده بتدوين هذه الأصول في كتبهم، وكان استنباطهم لها من خلال فتاويه، وأقواله، ومسائله.
قال ابن القيم ﵀: (كان أحمد ﵀ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدًا، فعلم الله حسن نيته وقصده، فَكُتِبَ من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سِفْرًا (٢)، وَمَنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها؛ فلم يَفُتْنَا منها إلا القليل، فقام الخلال (٣) بجمع نصوصه في «الجامع الكبير» (٤) فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحُدِثَّ بها قرنًا بعد قرن، فصارت إمامًا وقدوةً لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم).
стр. 21
ثم شرع في تلك الأصول قائلًا: فتاوى الإمام أحمد ﵀ مبنية على خمسة أصول:
١ - النصوص:
فإذا وَجَدَ النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا إلى مَنْ خالفه -كائنًا من كان-، فلم يلتفت إلى خلاف عمر بن الخطاب ﵁ في المبتوتة (١) لحديث فاطمة بنت قيس (٢)، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر (٣)، إلى غير ذلك. (٤) فإذا لم يكن في المسألة نصًا انتقل إلى الأصل الثاني وهو
٢ - فتاوى الصحابة:
إذا وَجَدَ الإمام أحمد ﵀ لبعضهم فتوى، لا يعرف له مخالف منهم فيها، لم يتجاوز إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: (لا أعلم شيئا يدفعه، أو نحو هذا) وإذا وجد هذا النوع عن الصحابة، لم يقدم عليه عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا. (٥)
وكان ﵀ يقول (ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ ، إذا وجدت في ذلك السبيل
стр. 22
إليه، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، فإذا وجدت عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا لم أجد فعن التابعين، وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث بعمل له ثواب إلا عملت به، رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة.) (١) فإذا لم يكن في المسألة نص ولا قول صحابي فإنه ينتقل إلى الأصل الثالث من أصوله وهو:
٣ - اختيار أقوال الصحابة عند اختلافهم:
إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول. (٢) قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ (٣) في «مسائله»: (قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف، قال: يُفْتي بما يوافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة: أمسك عنه؛ قِيل له: أفيجاب عليه؟ قال: لا.) (٤) فإن لم يكن في المسألة نص، ولا قول صحابي، أو واحد منهم، انتقل إلى الأصل الرابع من أصوله وهو:
٤ - الحديث المرسل (٥) والحديث الضعيف. (٦):
يأخذ بهما إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، ويرجحه على القياس. وليس مراده بالضعيف
стр. 23
عنده الباطل ولا المنكر (١) ولا في روايته مُتَّهم بحيث لا يَسُوغ الذهابُ إليه، والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قَسِيم الصحيح (٢)، وقسم من أقسام الحسن (٣)، فلم يكن ﵀ يرى تقسيم الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف. والضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه، ولا قول صحابي، ولا إجماع على خلافه؛ كان العمل به عنده أولى من القياس. ووافقه بقية الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، على هذا الأصل جُمْلَةً. وأشير بمثالٍ يدل على أنهم يقدمون الحديث الضعيف على القياس.
• فالإمام أبو حنيفة ﵀ قَدَّمَ حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس (٤)، مع إجماع أهل الحديث على ضعفه. (٥).
• والإمام مالك ﵀ يُقَدِم الحديث المرسل، والمنقطع، (٦) والبلاغات، (٧) وقول الصحابي على القياس.
стр. 24
• والإمام الشافعي ﵀ قَدَّمَ خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (١) مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. (٢)
فإذا لم يكن في المسألة نص، ولا قول للصحابة، أو لواحد منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف، انتقل إلى الأصل الخامس وهو:
٥ - القياس:
كان الإمام أحمد ﵀ يستعمله للضرورة قال في «كتاب الخلال»: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يُصَارُ إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه. (٣)
ثم قال ابن القيم ﵀: فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه وعليها مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لأسباب إما لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثرٍ، أو قول أحد من الصحابة، والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء في المسألة التي ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام). (٤)
ولم يقصد ابن القيم ﵀ من أن أصول الإمام أحمد ﵀ منحصرة فيما سبق، وإنما مراده هذه الأصول العامة والغالبة التي عليها الفتوى وإلا كما هو معلوم له أصوله أخرى ذكرها العلماء ومنها:
الإجماع (٥)، والاستصحاب (٦)، والمصالح المرسلة (٧)، وشرع من قبلنا (٨) وسد الذرائع (٩)، والاستحسان (١٠)
المبحث الثاني: التعريف بمذهب الصحابي
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: معنى الصحابي لغةً واصطلاحًا.
* المطلب الثاني: معنى مذهب الصحابي.
* المطلب الثالث: مكانة الصحابة ﵃.
стр. 27
المبحث الثاني: التعريف بمذهب الصحابي.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: معنى الصحابي لغةً واصطلاحًا:
لما كان الصحابة ﵃ هم أول الرواة للشريعة النبوية، وعنهم تلقاها الأمة احْتِيجَ إلى بيان حقيقة الصحابي وعدالته (١) وهذا ما سيتم بيانه بحول الله تعالى.
أولًا: معنى الصحابي لغة:
يطلق الصاحب في اللغة على معانٍ عدة:
• المقارنة والمقاربة: جاء في «معجم مقاييس اللغة» (٢): صَحِبَ الصاد والحاء والباء أصل واحد، يدل على مقارنة شيء ومقاربته من ذلك الصاحب، والجمع الصَّحْب، كما يقال راكبٌ ورَكْبٌ.
• المعاشر: جاء في «لسان العرب» (٣): صَحِبَه يَصْحَبُه صُحْبة، بالضم، وصَحابة، بالفتح، وَصَاحَبَهُ: يقال صاحبه إذا عاشره.
• الملازمة: يقال اسْتَصْحَبَ الرجل: دعاه إلى الصحبة؛ وكل ما لازم شيئا فقد اسْتَصْحَبَهُ.
• الحفظ والمنع: يقال: أَصْحَبَ الرجلَ واصْطَحَبه: حفظه. قال تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ (٤) أي يمنعون. (٥)
ثانيًا: معنى الصحابي اصطلاحًا:
* عرفه الإمام البخاري ﵀ بقوله: (من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين، فهو من
стр. 28
أصحابه). (١)
ويظهر للباحثة أن تعريف البخاري ﵀ للصحابي ليس جامعًا مانعًا فلم يُمْنَع من دخول من رآه مسلمًا ثم كفر ومات على كفره والعياذ بالله.
* وعرفه الإمام أحمد ﵀ بقوله: (كل من صحبه سنةً، أو شهرًا، أو يومًا، أو ساعةً، أو رآه، فهو: من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه). (٢)
ويظهر للباحثة أن تعريف الإمام أحمد ﵀ للصحابي ليس جامعًا مانعًا، فقوله: (كل من صحبه) وقوله أو (رآه) اختل فيه شرط الإيمان، وهو لازم للصحبة، فالكفار والمشركين كانوا يصحبون النبي ﷺ ويأتون إلى مجلسه، ومع ذلك ليسوا في زمرة الصحابة.
ولم يُمْنَع في التعريف هذا كسابقه من دخول من رأى النبي ﷺ مسلمًا، ولكنه مات على الكفر والعياذ بالله. وهذان التعريفان عند اصطلاح المحدثين.
* وعرفه جمهور الأصوليون بقولهم: (من اختص بالنبي ﷺ ، وطالت صحبته معه على طريق التتبع له، والأخذ منه). (٣)
وبعد ذكر التعريفات السابقة عند المحدثين، والأصوليين، فالذي أجدني مقتنعة به هو: ما رجحه الحافظ ابن حجر ﵀ (٤) بقوله: (وأصح ما وقفت عليه، أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام.) (٥)
стр. 29
وهذا التعريف جامعٌ مانعٌ كما يظهر للباحثة، لأن العلاقة والرابطة بين النبي ﷺ وصحابته، هي رابطة الدين والعقيدة، فمن صحبه في تلك العقيدة فهو صحابي، ومن صحبه على غير ذلك فلا.
شرح التعريف وبيانُ قيوده:
• قوله: (من لقي النبي ﷺ ؛ فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى. (١) ويخرج من لم يلقَاه، وهم المؤمنون الذي كانوا في زمنه ولم يلتقوا به فلا يطلق عليهم لفظ الصحبة.
• قوله: (مؤمنًا)؛ يخرج من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرةً أخرى. (٢) ويخرج من لقيه مؤمنًا، لكن، بغيره من الأنبياء. (٣)
• قوله: (به)؛ يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.
• قوله: (مؤمنًا به)؛ يدخل فيه كل مكلفٍ من الثقلين، الجن، والإنس.
• قوله: (ومات على الإسلام)؛ يخرج من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد، ومات على ردته والعياذ بالله. ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت، سواء اجتمع به ﷺ مرةً أخرى أم لا. (٤)
* * *
المطلب الثاني: معنى مذهب الصحابي.
مذهب الصحابي: هو: ما نُقِلَ إلينا، وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله ﷺ من فتوى، أو قضاء في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتابٍ، أو سنةٍ، ولم يحصل عليها إجماع. (٥)
стр. 30
ومن المهم أن يكون هناك بيانٌ وتوضيح للأقوال الصادرة عن الصحابة ﵃؛ لأنه قد يكون لها حكم الرفع وتلحق به، وقد تكون لها حكم الوقف؛ وهي كالآتي:
١ - قول الصحابي: (كنا نقول كذا)، أو، (نفعل كذا)، أو، (نرى كذا)، إذا لم يضفه إلى زمن النبي ﷺ فهو موقوفٌ عند جمهور المحدثين والأصوليين. (١)
ومثاله: قول جابر بن عبد الله (٢) ﵄: ((كنا إذا صعدنا كبَّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا.)) (٣)
وأما إذا أضيف إلى النبي ﷺ فالصحيح عند الجمهور من المحدثين والأصوليين أنه مرفوع. (٤)
ومثاله: قَولُ جابر ﵁ ((لقد كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ) (٥)
٢ - إذا كان في القصة تصريح باطلاعه ﷺ فمرفوعٌ بالإجماع. (٦).
ومثاله قول ابن عمر ﵄: ((كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك النبي ﷺ ، ولا ينكره.)) (٧)
٣ - قول الصحابي: (كنا لا نرى بأسًا بكذا في حياة رسول الله ﷺ أو (وهو فينا) أو، (وهوبين أظهرنا)، أو (كانوا يقولون)، أو (يفعلون)، أو (لا يرون بأسًا بكذا في حياته ﷺ . فهذا كله مرفوع. (٨)
стр. 31
ومثاله: قول المغيرة بن شعبة ﵁ (١): ((كان أصحاب رسول الله ﷺ ليقرعون بابه بالأظافير)). (٢)
٤ - قول الصحابي: (أُمرنا بكذا) أو (نُهينا عن كذا) أو (من السنةِ كذا). فالجمهور على أنه مرفوع. (٣)
وأمثلة ذلك: قول أم عطية، ﵂ (٤): ((أُمرنا أن نُخْرِج الحيَّض يوم العيدين، وذوات الخُدُور (٥) فيشهدن جماعة المسلمين، ودعوتهم، ويعتزل الحيَّض عن مصلاهن.)) (٦)
وقولها ﵂: ((نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزم علينا.)) (٧) وقول علي ﵁: ((من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة)) (٨)
٥ - ما جاء عن الصحابي ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا مجال للاجتهاد فيه، فيحمل على السماع. (٩) كقول عبد الله بن مسعود ﵁ (١٠): ((من أتى عَرَّافًا (١١) أو كاهنًا (١٢) يؤمن بما
стр. 32
يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (١)
٦ - تفسير الصحابي له حكم الرفع (إذا كان فيما يتعلق بسبب نزول آية) (٢). كقول جابر ﵁: ((كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣). (٤)
ونحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ﷺ ولا مجال للرأي فيه، أما غيره فموقوف. (٥)
وضابط ما يفسره الصحابي: إذا كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب، فحكمه الرفع وإلا فلا. كالإخبار عن الأمور الماضية … وعن الأمور الآتية، والإخبار عن عمل له ثواب مخصوص، أو عقاب. (٦)
وجدير بالذكر؛ أن هذا المصطلح (مذهب الصحابي) اختلفت مسمياته عند الأصوليين على أسماء عدةٍ وهي: قول الصحابي (٧) أو مذهب الصحابي (٨) أو رأي الصحابي (٩)، أو فتوى الصحابي. (١٠)
стр. 33
المطلب الثالث: مكانة الصحابة ﵃ -.
من المعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، واختارهم الله عزوجل لصحبة نبيه ﷺ ونصرته، وإقامة دينه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله عزوجل، وَوَعَوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعَلِمُوا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة نبيه ﷺ ، ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب، وتأويله وتلقُّفهم منه، واستنباطهم عنه. (١) ولا يَعْرِفُ فضائل الصحابة ﵃ إلا من تدبر أحوالهم، وسيرهم وآثارهم في حياة رسولهم ﷺ وبعد موته، ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع، ولا علمنا من الفرائض، والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث شيئًا. (٢)
أولًا: مكانة الصحابة في القران:
ذكر الله تعالى في كتابه آيات توضح منزلة الصحابة والثناء عليهم، ووصفهم بعدد من الصفات، ومن ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣)
قال ابن القيم ﵀: (أخبر الله أنه جعلهم أمة خيارًا عدولًا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم، وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه.) (٤)
٢ - وقال تعالى:: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ (٥).
стр. 34
قال ابن تيمة ﵀: (فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرضَ عن التابعين، إلا أن يتبعوهم بإحسان). (١)
٣ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)(٢).
في الآية مدح لأصحاب النبي، الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار، وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم؛ لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم، ورضي أفعالهم. (٣)
٤ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ (٤).
قال ابن تيمة ﵀: (والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا، فكل من أخبر الله عنه أنه ﵁ فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه و المدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك). (٥)
٥ - قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (٦).
قال الإمام مالك ﵀: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين (٧) فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ . (٨)
стр. 35
١ - وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (١). (٢).
فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان، هم الصحابة الكرام، والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين. (٣)
ثانيًا: مكانة الصحابة في السنة النبوية:
ورد في السنة النبوية، على لسان النبي ﷺ ، الصادق الأمين، بيان فضل أصحابه والنهي عن سبهم أو التنقص منهم؛ ومن ذلك:
١ - عن أبي سعيد الخدري (٤) ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد (٥) ذهبًا ما بلغ مد (٦) أحدهم ولا نصيفه)). (٧)
стр. 36
قال ابن تيمية ﵀: (إذا كان جبل أحد ذهبًا لا يبلغ نصف مد أحدهم كان في هذا من التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة النبي ﷺ .) (١)
٢ - وعن أبي موسى الأشعري (٢) عن النبي ﷺ قال: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون.)) (٣)
قال ابن القيم ﵀ (جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم، ما هو: نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ . (٤)
٣ - وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((خير الناس قرني (٥)، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم.)) (٦)
قال ابن القيم ﵀ (أخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا) (٧) واتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ والمراد أصحابه. (٨)
стр. 37
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يأتي زمان يغزو فئام (١) من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح عليه، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح)) (٢)
قال ابن تيمة ﵀: (هذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة؛ ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه ﷺ .) (٣)
ثالثاً: نصوص السلف في الثناء على الصحابة.
١ - قال ابن مسعود ﵁: ((إن الله نظر في قلوب العباد، فاختار محمدًا، فبعثه برسالاته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده، فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه ﷺ ، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو: عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو: عند الله قبيح)). (٤)
٢ - وما كتبه عمر بن الخطاب ﵁ إلى أهل الكوفة (٥): ((إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ ، من أهل بدر
стр. 38
فاسمعوا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم فاسمعوا فتعلموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي)). (١)
٣ - وقال الشعبي ﵀ (٢) ما حدثوك عن أصحاب محمد فشُدَّ عليه يديك). (٣)
٤ - وقال بقية بن الوليد (٤): قال لي الأوزاعي (٥): (يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، وما لم يجئ عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم، يا بقية، لا تذكر أحدًا من أصحاب محمد نبيك ﷺ إلا بخير ولا أحدًا من أمتك، وإذا سمعت أحدًا يقع في غيره فاعلم أنه إنما يقول: أنا خير منه) (٦)
٥ - وقال ابن عبد البر ﵀: (٧) (ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات وجاء عن الصحابة وصح عنهم فهو: علم يُدَانُ به، وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فبدعة
حجية مذهب الصحابي، وفيه خمسة مطالب:
* المطلب الأول: تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي.
* المطلب الثاني: آراء الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة ومالك والشافعي) في مذهب الصحابي إجمالًا.
* المطلب الثالث: القائلون بحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم.
* المطلب الرابع: النافون لحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم.
* المطلب الخامس: الترجيح.