← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 931

المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي - من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار)

حميدة الجحدلي

Полный текст (239 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن تيمية ﵀: (إذا كان جبل أحد ذهبًا لا يبلغ نصف مد أحدهم كان في هذا من التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة النبي ﷺ .) (١) ٢ - وعن أبي موسى الأشعري (٢) عن النبي ﷺ قال: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون.)) (٣) قال ابن القيم ﵀ (جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم، ما هو: نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ . (٤) ٣ - وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((خير الناس قرني (٥)، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم.)) (٦) قال ابن القيم ﵀ (أخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا) (٧) واتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ والمراد أصحابه. (٨)

стр. 37

٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يأتي زمان يغزو فئام (١) من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح عليه، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي ﷺ فيقال: نعم فيفتح)) (٢) قال ابن تيمة ﵀: (هذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة؛ ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه ﷺ .) (٣) ثالثاً: نصوص السلف في الثناء على الصحابة. ١ - قال ابن مسعود ﵁: ((إن الله نظر في قلوب العباد، فاختار محمدًا، فبعثه برسالاته، وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده، فاختار له أصحابه، فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه ﷺ ، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو: عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو: عند الله قبيح)). (٤) ٢ - وما كتبه عمر بن الخطاب ﵁ إلى أهل الكوفة (٥): ((إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ ، من أهل بدر

стр. 38

فاسمعوا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم فاسمعوا فتعلموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي)). (١) ٣ - وقال الشعبي ﵀ (٢) ما حدثوك عن أصحاب محمد فشُدَّ عليه يديك). (٣) ٤ - وقال بقية بن الوليد (٤): قال لي الأوزاعي (٥): (يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، وما لم يجئ عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم، يا بقية، لا تذكر أحدًا من أصحاب محمد نبيك ﷺ إلا بخير ولا أحدًا من أمتك، وإذا سمعت أحدًا يقع في غيره فاعلم أنه إنما يقول: أنا خير منه) (٦) ٥ - وقال ابن عبد البر ﵀: (٧) (ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات وجاء عن الصحابة وصح عنهم فهو: علم يُدَانُ به، وما أحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فبدعة

стр. 39

وضلالة). (١)

стр. 40

حجية مذهب الصحابي، وفيه خمسة مطالب: * المطلب الأول: تحرير محل النزاع في حجية مذهب الصحابي. * المطلب الثاني: آراء الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة ومالك والشافعي) في مذهب الصحابي إجمالًا. * المطلب الثالث: القائلون بحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم. * المطلب الرابع: النافون لحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم. * المطلب الخامس: الترجيح.

стр. 41

المبحث الثالث: حجية مذهب الصحابي. وفيه خمسة مطالب: سبق في المبحث الماضي أن مذهب الصحابي: ما قاله أو فعله في مسألة من المسائل التي لم يرد فيها نص من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ. وهذا الأصل اعتبره بعض الأصوليين، من الأصول الموهومة (١)، وبعضهم جعلوه تحت مُسَمَّى: (باب من يظن أنه دليل وليس كذا). (٢) ومما يَحسُن ذكره أولًا: تحرير محل النزاع، لمعرفة قول الصحابي المختلف فيه وهل هو: حجة أم لا؟ * * * المطلب الأول: تحرير محل النزاع (٣) ١ - قول الصحابي إذا خالف غيره ليس حجة اتفاقًا (٤) قال ابن قدامة ﵀ (٥): (لا خلاف بين العلماء في أن قول الصحابي، لا يعتبر حجة على صحابي آخر؛ لاستوائهما في الصحبة والمنزلة، بالنسبة للمجتهدين منهم). (٦) كاختلاف ابن عمر وعلي ﵄ في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها. هل بوضع حملها، أم بانقضاء آخر الأجلين من الحمل، وعدة الوفاة. (٧)

стр. 42

٢ - قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد له حكم الرفع. قال ابن قدامة ﵁: (قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، حكمه كالمرفوع إلى النبي ﷺ فيأخذ حكم السنة في الحجية.) (١) كقول عائشة ﵂ في مشروعية الصلاة. (٢) ٣ - قول الصحابي إذا كان للرأي فيه مجال، وانتشر وسكت الباقون، كان إجماعًا. قال القاضي أبو يعلى ﵀ (٣): (إذا قال بعض الصحابة قولاً، وظهر للباقين وسكتوا عن مخالفته والإنكار عليه حتى انقرض العصر كان إجماعًا) (٤) وهذا معنى الإجماع السكوتي (٥)، كفعل عمر بن الخطاب ﵁ في قتل الجماعة بالواحد. (٦) ٤ - قول الصحابي إذا ثبت رجوعه عنه ليس بحجةٍ اتفاقًا. (٧) قال ابن قدامة ﵀: (قول الصحابي لا يعتبر حجة بالاتفاق إذا ثبت رجوعه عنه.) (٨) كرجوع عثمان ﵁ في تحديد مدة أقل الحمل إلى قول ابن عباس ﵁. (٩)

стр. 43

٥ - قول الصحابي إذا لم يَنْتَشِر ولم يُعْلَم له مخالف. قال ابن قدامة ﵀: (قول الصحابي فيما للرأي فيه مجال، ولم يشتهر؛ لكونه مما لا تعم به البلوى، هذا هو محل الخلاف.) (١) كالتيمم لكل صلاة وإن لم يُحْدِث عند ابن عمر ﵁. (٢) وتصوير المسألة هي: إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي ﷺ ، ولا اختلاف بين الصحابة ﵃، وإنما قال بعضهم فيها قولًا وأفتى بفتيًا، ولم يُعْلَم أن قوله وفتياه اشتهر في الباقين، ولا أنهم خالفوه.) (٣) ومن خلال هذا التصوير للمسألة: يتضح أن مذهب الصحابي المختلف فيه، هل هو حجة أم لا؟ ما توافرت فيه الشروط الآتية: • كون المسألة ليس فيها نص من كتابٍ أو سنةٍ وإنما مسألة اجتهادية. • أن لايُعْلَم لمذهب الصحابي هذا خلاف بين بقية الصحابة ﵃. • أن لا ينتشر ولا يشتهر مذهب ذلك الصحابي في المسألة بين بقية الصحابة ﵃، وإنما ينقل فيما بعدهم من التابعين. * * * المطلب الثاني: آراء الأئمة الثلاثة في مذهب الصحابي إجمالًا. ذهب الأئمة الثلاثة ﵏ إلى القول بحجية مذهب الصحابي وجعلوه أصلًا من أصولهم، وإن اختلفت مرتبة هذا الأصل عند كل واحد منهم، أو قدَّموا بعض الأدلة عليه. أولًا: رأي الإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه في مذهب الصحابي ورد عن أبي حنيفة ﵀ في ذلك أنه قال: (آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم

стр. 44

أجد في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، آخذ بقول أصحابه، ثم آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم). ثم ذكر أنه إذا انتهى الأمر إلى التابعين، (فقوم اجتهدوا وأنا أجتهد كما اجتهدوا). (١) وللحنفية في هذا الأصل قولان: القول الأول: أن قول الواحد من الصحابة مقدَّم على القياس، يترك القياس بقوله. (٢) فهو: حجة وتقليده واجب يترك به-أي بقوله -القياس، وهذا قول أبي سعيد البردعي (٣) وأبي بكر الرازي (٤) في بعض الروايات، وجماعة من أصحاب الحنفية. (٥) القول الثاني: لأبي الحسن الكرخي. (٦) وجماعة من أصحابه لا يجب تقليده، إلا فيما لا يدرك بالقياس. (٧) والراجح عند الحنفية هو: القول بحجية مذهب الصحابي، ودلالة ذلك أخذهم به في الفروع

стр. 45

الفقهية (١) ثانيًا: رأي الإمام مالك ﵀ وأصحابه في مذهب الصحابي: يعتبر الإمام مالك ﵀ قول الصحابي أصلاً من الأصول التي يستند إليها في الأحكام الشرعية. والأدلة على قسمين أدلة مشروعيتها، وأدلة وقوعها ويعتبر قول الصحابي من أدلة مشروعيتها (٢) وللمالكية في مذهب الصحابي قولان: القول الأول: قول الصحابي حجة. اختاره القرافي ﵀ (٣) في «الذخيرة» (٤). وابن جزي ﵀ (٥) في «تقريب الوصول». (٦) القول الثاني: قول الصحابي ليس حجة. اختاره الباجي ﵀ (٧) في «إحكام الفصول» (٨) وابن الحاجب ﵀ (٩) في «مختصر المنتهى» (١٠)

стр. 46

والراجح عند المالكية أن قول الصحابي حجة وهو المشهور. قال الشاطبي: (١) (ولما بالغ مالك في هذا المعنى يقصد -قول الصحابي-بالنسبة إلى الصحابة، أو من اهتدى بهديهم، واستن بسنتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة أو من اتبعهم ﵃ ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون؟) (٢) ومما يدل على أخذ الإمام مالك ﵀ بأقوال الصحابة ﵃ وجود الآثار بوفرة كبيرة في كتابه الموطأ؛ فدل على حجية مذهب الصحابي عنده. ثالثًا: رأي الإمام الشافعي ﵀ وأصحابه في مذهب الصحابي (٣) للإمام الشافعي ﵀ عدة أقوال ذكرها أصحابه عنه، وهي كالآتي: القول الأول: قول الصحابي حجة يقدم على القياس. وهو قوله في المذهب القديم. (٤) قال الغزالى ﵀: (٥) (واختلف قول الشافعي ﵀ في تقليد الصحابة فقال في القديم: يجوز تقليد الصحابي

стр. 47

إذا قال قولًا وانتشر قوله ولم يخالف، وقال في موضع آخر يقلد وإن لم ينتشر). (١) القول الثاني: قول الصحابي ليس حجة مطلقًا، وهوقوله في المذهب الجديد. (٢) قال الشيرازي ﵀ (٣) (إذا قال الصحابي قولًا، ولم ينتشر لم يكن ذلك حجة، ويقدم القياس عليه في قوله الجديد) (٤) القول الثالث: قول الصحابي حجة إن خالف القياس. (٥) قال الزركشي ﵀: (لأنه لا محمل له إلا التوقف، وذلك أن القياس والتحكم في دين الله باطل، فيعلم أنه ما قاله إلا توقيفًا.) (٦) القول الرابع: قول الصحابي حجة إذا انضم إليه قياس. (٧) قال الإمام الشافعي ﵀ حينما سئل: (إلى أي شيء صرتَ من هذا؟ قال: إلى اتباع قولِ واحدٍ، إذا لم أجد كتابًا ولا سنةً، ولا إجماعًا ولا شيئاً في معناه ُيحكم له بحكمه، أو وُجد معه قياس.) (٨) القول الخامس: قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة فقط (٩) القول السادس: الحجة في قول الخلفاء الراشدين الأربعة إذا اتفقوا (١٠)

стр. 48

والصحيح عند الشافعية أن قول الصحابي ﵃ حجة. قال الإمام الشافعي ﵀ حينما سئل: (أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقال: نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصحَّ في القياس). (١) * * * المطلب الثالث: القائلون بحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم. (٢) أكثر الحنابلة يرون حجية قول الصحابة ﵃ وأنه مُقدَّم على القياس. (٣) وقد أومأ الإمام أحمد ﵀ إلى هذا في مواضع من مسائله: فنقل أبو الحارث (٤) عنه: (ترك الصلاة بين التراويح، واحتج: بما روي عن عبادة (٥) وأبي الدرداء. (٦) فقيل له: فعن سعيد (٧) والحسن (٨): أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح. فقال: أقول لك:

стр. 49

أصحاب النبي، وتقول: التابعون). (١) واستدلوا على ذلك: أولًا: الأدلة من الكتاب: ١ - قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). وجه الدلالة: أن الله شهد لهم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتباع المعروف واجبٌ، فلو كانت فتاواهم للمسألة غير صواب، لم يكن معروفًا؛ فدل على أن فتاواهم صواب وحجة تقبل (٣) ٢ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (٤) وجه الدلالة: أن كلاً من الصحابة ﵃ منيب إلى ربه وهذا لا ريب فيه، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، وقد هداهم الله كما قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٥) وهذا دليل على إنابتهم إلى ربهم. (٦) ٣ - قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ (٧). وجه الدلالة: أن الله تعالى شاهدًا لهم بأنهم أوتوا العلم، وإذا كانوا كذلك كان اتباعهم واجبًا (٨) ثانيًا: الأدلة من السنة: استدلوا بمثل الأدلة التي وردت في المبحث الثاني، عند المطلب الثالث، مكانة الصحابة ﵃، فليُرَاجع. (٩)

стр. 50

ثالثًا: الآثار: ١ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: ((إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ)). (١) وجه الدلالة: أنه من المحال أن يُخْطِئَ الحق في حكم الله، خير قلوب العباد، بعد رسول الله ﷺ ، ويظفر به من بعدهم. (٢) ٢ - وعنه أيضًا قال: ((ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر)). (٣) وجه الدلالة: أنه من المحال يكون من بعد الصحابي عمر ﵁ من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى. (٤) رابعًا: المعقول: وذلك أن قول الصحابي له حالتان: إما كونه توقيفًا فيصبح واجب الاتباع، أو الحالة الثانية: كونه اجتهادًا، ولا شك أن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره. (٥) ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يمكن أن يكون توقيفًا، أي من كلام الرسول ﷺ ؛ لأنه لو كان كذلك لظهر فيما بعد، ونُقلَ. ولأنه لو كان توقيفًا لكان واجبًا اتباع الصحابي، كوجوب اتباع الرسول ﷺ (٦)

стр. 51

ويجاب عنه بما يأتي: قولكم غير صحيح لسببين: أولًا: أن الصحابي غير ملزم بنقل قوله في هذه المسألة، وإنما القدر الكافي أن يفتى بالصواب، فله ذكر الرواية وعدمها، كالمفتي له ذكر الدليل، أو ذكر الحكم. ثانيًا: احتمال ترك الصحابي للرواية بسبب الورع، كما كان كثيرًا من السلف، يتوقفون في الرواية للأحاديث خشية الوقوع في الخطأ فيُفتي بالمعنى. (١) الوجه الثاني: أن الاجتهاد لا يُوجب الاتباع للصحابي، بسبب طول المشاهدة للنبي ﷺ ، وهذا لا يوجب عصمته من الوقوع في الخطأ في الاجتهاد، والحاصل له حسن الظن وأنه أقرب للصواب. لكن لا يجب الاتباع، كالعالم لا يجوز له اتباع الأعلم منه، وإن كان اجتهاد الأعلم أقرب للصواب، وهذ يقتضي أن الصحابي الذي طالت صحبته أولى من غيره وكبارهم أولى من صغارهم. (٢) ويجاب عنه بما يأتي: ١ - قولهم: لا يجب اتباع الصحابي بسبب عدم الإخبار والرفع للرسول ﷺ غير صحيح. لأن قول الصحابي المخالف للقياس الظاهر أنه حديث موقوفُ، ففتواه تكون دليلًا على أن الخبر ورد عن الرسول ﷺ فيجب العمل به كحال خبر الواحد. بمعنى مأمورنا بالعمل بغلبة الظن ولدينا احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون قاله بلا توقيف. الاحتمال الثاني: أن يكون قاله عن توقيف، والثاني هو الأقرب وهذا يكفي في غلبة الظن. ٢ - قولهم: كون الصحابي شاهد الرسول ﷺ لا تجعله معصومًا من الخطأ في الاجتهاد لأقواله، وأفعاله. وإن كانت المشاهدة لا توجب العصمة لكن توجب مزايا أخرى، فكونهم شهدوا التنزيل وعَلمُوا التأويل، فهذه الأمور تجعل لأقوالهم اعتبارًا لا يُجعَل لأحد من بعدهم؛ فالصحابي يُلاحظ القرائن التي لا يعرفها من بعده. فيستطيع فهمَ المقصود أكثر ممن جاء بعده، وهذا كافي في ترجيح قوله فيقدم قول الصحابي كما يقدم خبر الواحد على القياس. ٣ - قولهم: العالم لا يجب اتباع من هو أعلم منه، وصغار الصحابة لا يتبعون كبارهم -أي ترجيح بعض الصحابة على بعض يختلف عن ترجيح الصحابة على غيرهم-غير صحيح.

стр. 52

فهناك فرق بين الترجيح بالصحبة، والترجيح بالكِبَر، فكبار الصحابة وصغارهم متساوون في الصحبة، فهم متساوون في المشاهدة للتنزيل التي هي سبب الترجيح لهم على غيرهم. (١) * * * المطلب الرابع: النافون لحجية مذهب الصحابي من الحنابلة وأدلتهم. يرى الفريق الآخر: أن قول الصحابي ليس بحجة، والقياس مُقَدم عليه، وهذا قول لبعض الحنابلة كأبي الخطاب (٢) وغيره. (٣) وقد أومأ إليه الإمام أحمد ﵀، في مواضع من مسائله منها: قال في رواية أبي داود: (ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك، ما خلا النبي ﷺ . (٤) وكذلك نقل الميموني (٥) عنه وقد سأله: (يمسح على القلنسوة (٦)؟ فقال: ليس فيه عن النبي ﷺ شيء، وهوقول أبي موسى، وأنا أتوقاه). (٧) واستدلوا على ذلك بالكتاب والمعقول: أولًا: الأدلة من الكتاب: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٨). وجه الدلالة: بين الله تعالى أن الرجوع عند الاختلاف في هذه الآية يكون فقط لكتابه ولسنة نبيه ﷺ ، ولم يذكر الرجوع إلى مذهب الصحابي، وعدم ذكر ذلك عند الاختلاف دليل وبرهان على عدم

стр. 53

حجيته (١) ونوقش: أنه جاء في السنة المطهرة، ما يقتضي الاقتداء والاهتداء بالصحابة، كحديث ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). (٢) وحديث ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)). (٣) وحديث ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.)) (٤) وهذا أمر وهو يقتضي الوجوب. (٥) ٢ - وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ (٦). وجه الدلالة: أن في هذه الآية أمر من الله بالاستنباط والاعتبار، فإذا ثبت أن المرجع أدلة الشرع التي بها يستدل أصحاب رسول الله ﷺ ، كما أن إليها مرجع كل مجتهد، لم يكن لتقديم قولهم وجه. (٧) ونوقش: أن من أنواع الاعتبار الرجوع إلى قول الصحابي، ومعلومٌ أن اجتهاده يُقَدمُ على اجتهاد غيره. (٨) ٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ (٩). ٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ (١٠). وجه الدلالة: هاتان الآيتان نصَّتا على ذم التقليد، والاتباع بشكل عام، ومن ذلك تقليد الصحابي. (١١)

стр. 54

ونوقش: بأن هذه الآيات غير محمولة على مسألة قول الصحابي إذا لم يعلم قوله ولم ينتشر، (قول الواحد منهم منفرد). (١) ثانيًا: المعقول. وذلك من وجهين: الأول: أن الصحابي غير معصوم، وجائز عليه الخطأ، ولا دليل على عصمته، وبالتالي فقوله يحتمل جانبين: جانب الصواب، وجانب الخطأ، كبقية المجتهدين فلا يقدم قوله على القياس (٢) ونوقش: كونه غير معصوم من الخطأ لا يعتبر مانعًا في اتباع قوله، فكما تثبتون أن المجتهد واجب الاتباع وهو غير معصوم، وقوله يحتمل للصواب وللخطأ، فالواجب عليكم القول بحجية قول الصحابي من باب أولى في جعل قوله حجة (٣) وتجويز الخطأ لا يمنع الاحتجاج به، كخبر الواحد والقياس. (٤) الثاني: إجماع الصحابة على جواز مخالفة كل منهم ي للآخر، وهذا دليل على عدم وجوب اتباع الصحابي لرأي الصحابي الآخر. (٥) ونوقش: أن قول الصحابي على صحابي آخر ليس حجة اتفاقًا، وهذا خارج مسألة النزاع؛ لأن النزاع في قول الصحابي إذا لم يُعْلَم له مخالف، ولم ينتشر (٦). * * * المطلب الخامس: الترجيح. بعد عرض أدلة القائلين بحجية مذهب الصحابي وأدلة النافين له، يظهر للباحثة والعلم عند الله حجية مذهب الصحابي، وذلك للأدلة التي نصت على فضلهم، ومكانة علمهم، وموافقتهم للصواب، وملازمتهم للنبي ﷺ ، وأخذ التابعين عنهم واقتفائهم لأقوالهم واجتهاداتهم، كما هو معروف عند الأئمة الأربعة ﵏ في طيات كتبهم الفقهية وخاصة الإمام أحمد ﵀. كل هذا يجعل لمذهب الصحابي قوة ليكون دليلاً من أدلة التشريع الإسلامي، يستدل به في الفروع الفقهية. وقد رجحه أكثر الحنابلة ﵏، ومنهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهم. قال ابن تيمية ﵀: (وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها واعتبر هذا بمسائل الأيمان بالنذر وغير ذلك، وقد بينت فيما كتبته أن المنقول

стр. 55

فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياسًا، وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه يدل القياس الجليّ وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص … ولم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة). (١) ثمرة الخلاف في أن قول الصحابي حجة أم لا؟ الخلاف هنا معنوي له ثمرة وهي: اعتبار قول الصحابي دليلًا من الأدلة. فمن قال: إن قول الصحابي حُجة أضاف هذا الدليل إلى أدلتهم؛ فاستدل به على إثبات أحكامٍ شرعيةٍ لبعض الحوادث، فقالوا مثلًا بعدم وجوب الزكاة في الحلي؛ حيث إن ابن عمر ﵁ كان لا يخرج على حُلي بناته وجواريه الزكاة. (٢) وغير ذلك من الأحكام الشرعية الكثيرة. وأما النافون لحجية قول الصحابي فلم يجعلوا قوله أو مذهبه أو فعله من الأدلة المعتبرة. فأوجبوا الزكاة في الحلي، ولم يعملوا بما ورد عن ابن عمر ﵁، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣). وبغير ذلك من الأدلة. (٤)

стр. 56

الفصل الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في أحكام الأسرة • المبحث الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب النكاح والصداق. • المبحث الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الخلع والطلاق والرجعة والإيلاء والظهار واللعان والعدد والرضاع والنفقات.

стр. 57

المبحث الأول المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب النكاح والصداق، وفيه اثنا عشر مطلبًا: * المطلب الأول: اجتماع النكاح ونوافل العبادات لصاحب الشهوة. * المطلب الثاني: النظر إلى الأمة المستامة. * المطلب الثالث: القدر المجزئ من خٌطبة النكاح. * المطلب الرابع: تزويج الأب أولاده الصغار. * المطلب الخامس: توكيل الولي في إيجاب النكاح مطلقاً. * المطلب السادس: تولي طرفي العقد في النكاح. * المطلب السابع: وطء الأمة الزانية. * المطلب الثامن: من وجدت زوجها خصيًّا. * المطلب التاسع: صفة متعة النساء. * المطلب العاشر: من دُعِيَ إلى وليمة وكان صائمًا. * المطلب الحادي عشر: الحكم فيما لو كان الزوج كثير الجماع. * المطلب الثاني عشر: عدد المبيت عند الحرة.

стр. 58

المطلب الأول: اجتماع النكاح ونوافل العبادات لصاحب الشهوة. اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: النكاح لصاحب الشهوة أفضل من نوافل العبادات. قال ابن قدامة ﵀ حينما ذكر أحوال الناس في النكاح: (من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، وفعلهم). (١) وقال المرداوي ﵀: (قوله: والاشتغال به أفضل من التخلي (٢) لنوافل العبادة. يعني حيث قلنا: يستحب. وكان له شهوة. وهذا المذهب مطلقًا. نص عليه وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم). (٣) وقال البهوتي (٤) ﵀: (واشتغاله أي ذي الشهوة به أي النكاح أفضل من نوافل العبادة قاله في المختصر (٥)، ومن التخلي لنوافل العبادة قال ابن مسعود: (لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يومًا، ولي طول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة) وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: (تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء). (٦) استدلوا على هذه الرواية: بالكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والمعقول. والدليل المعتمد هو قول الصحابة.

стр. 59

أولًا: الأدلة من الكتاب. ١ - قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١) ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٢) وجه الدلالة: هذه الآيات عامة في النكاح وتشمل جميع حالاته ومنها حال اجتماع الشهوة مع نوافل العبادات وذكر ابن القيم ﵀ في فائدة تفضيل النكاح على نوافل العبادات أن الله تعالى اختار النكاح لأنبيائه ورسله. (٣) ثانيًا: الأدلة من السنة ١ - قال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ ) يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة (٤) فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء. (٥) (٦) وجه الدلالة: أرشد الحديث إلى النكاح ولو كانت نوافل العبادات أفضل منه لأرشدهم إليها. ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁: في قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالوها فقال النبي ﷺ : ((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (٧) وجه الدلالة: هذا الحديث فيه أن الرهط كانوا منصرفين لنوافل العبادات ولو كان الانصراف إليها

стр. 60

أفضل من النكاح لما قال ﷺ معاتبًا لهم: ((فمن رغب عن سنتي فليس مني.)) ٣ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون (١) التبتل (٢)، ولو أذن له لاختصينا)) (٣) وجه الدلالة: رد النبي ﷺ التبتل، وهو الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة (٤) فالنبي ﷺ لم يأذن لعثمان بن مظعون الانقطاع عن النكاح إلى نوافل العبادات، ولو كانت النوافل أفضل لأذن له النبي ﷺ بذلك. ٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة)) (٥) وجه الدلالة: الأمر في الحديث بالنكاح والنهي عن التبتل دلالة على أن النكاح أفضل من نوافل العبادات وفيه أي النكاح المباهاة والتكاثر. قال ابن قدامة ﵀ بعد ذكره لهذه الأحاديث: (هذا حث على النكاح شديد، ووعيد على تركه يقربه إلى الوجوب، والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر) (٦) ثالثًا: قول الصحابي: ١ - قال ابن مسعود ﵁: ((لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يومًا لي

стр. 61

فيهن طول النكاح، لتزوجت مخافة الفتنة)) (١) وجه الدلالة: لم يجعل ابن مسعود ﵁ لنفسه قبل موته إلا النكاح ولم يختر شيئًا من نوافل العبادات؛ فاختياره للنكاح على نوافل العبادات دال على أنه أفضل من نوافل العبادات ٢ - وقال سعيد بن جبير ﵀: ((قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: فتزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء.)) (٢) وجه الدلالة: إرشاد ابن عباس ﵁ سعيد بن جبير ﵀ إلى النكاح، ولو كانت نوافل العبادات أفضل منه لأرشد إليها، وفي حال اجتماعه مع نوافل العبادات يقدم. رابعًا: المعقول. وذلك أن مصالح النكاح أكثر من مصالح التخلي لنوافل العبادة، لاشتماله على تحصين الدين، وعلى تحصين فرج نفسه وزوجته وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ ، وغيرها من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة. (٣) الرواية الثانية: التخلي لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح لذي الشهوة • قال المرداوى ﵀:) وعنه، التخلي لنوافل العبادة أفضل، كما لو كان معدوم الشهوة.) (٤) واستدلوا بالكتاب وقول الصحابي. أولًا: الكتاب ١ - قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ (٥).

стр. 62

وجه الدلالة: الآية فيها مدح ليحيى ﵀ بأنه حصورًا ومعناها: الذي لا يأتي النساء فلو كان النكاح أفضل من نوافل العبادات، لما مدحه الله تعالى بتركه. (١) ونوقش: ما ذكر عن يحيى ﵀ هو: واردٌ في شرعه، وشرعنا واردٌ بخلافه. (٢) وشرع من قبلنا إن ورد ناسخه في شرعنا، فليس شرعا لنا. (٣) ٢ - وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (٤). وجه الدلالة: هذه الآيات ذُكرَ فيها الاشتغال بالنكاح في مقام الذم (٥)، وأنه كالشهوات الباقية المذكورة في الآيات فكان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل، ولو كان النكاح أفضل منها لما ذمه الله. ونوقش: بأن الذّم يتوجه في هذه الأشياء المذكورة ومنها النكاح إلى سوء القصد فيها. (٦) ثانيًا: قول الصحابي قال ابن سيرين (٧): ((إن عُتبَةَ بنَ فَرقَد (٨) عرض على ابنه (٩) التزويج فَأَبَى، فذكر ذلك لعثمان ﵁، فقال

стр. 63

له عثمان ﵁: «أليس قد تزوج النبي ﷺ ، وقد تزوج أبو بكر ﵁، وتزوج عمر ﵁، وعندنا منهن ما عندنا؟». فقال: يا أمير المؤمنين، من له عمل مثل عمل النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، ومثل عملك؟ فلما قال: مثل عملك - قال: «كُف؛ إن شئتَ فتزوج، وَإن شئتَ فَلَا)). (١) وجه الدلالة: علل عمرو بن عتبة لعثمان بن عفان ﵀ بعدم رغبته بالنكاح بقوله ومن لي مثل عمل رسول الله ﷺ ، وعمل أبي بكر، وعمل عمر، وعملك ﵃. فلم يعاتبه عثمان على تقديم نوافل العبادات على عدم رغبته بالنكاح؛ فدل على تقديمها على النكاح. نوقش: بأن هذا الأثر دال على عدم وجوب النكاح وهذا يقول به أصحاب القول الأول. (٢) الترجيح: الراجح والله أعلم هي الرواية الأولى وأن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات، وهو المذهب عند الحنابلة. ورجحه ابن قدامة ﵀ (٣)، وابن القيم ﵀ (٤) وغيرهم (٥) وتبع ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال: (النكاح إذا كان لدى الإنسان شهوة، وعنده مال يستطيع به القيام بواجبه فإنه أفضل من نوافل العبادة.) (٦)

стр. 64

المطلب الثاني: النظر إلى الأمة المستامة. (١) تصوير المسألة: وهي أن الأمة المعروضة للبيع إذا أراد الرجل شراؤها فيجوز له عند الحنابلة النظر إليها لكن اختلفوا في القدر المباح الذي ينظر إليه منها ما هو؟ أما إن كان الرجل لا يريد شراؤها، أو كانت الأمة غير مستامة؛ فليست محل البحث هنا. اختلف فقاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: جواز النظر إلى الأمة المستامة إلى ما يظهر غالبًا كالوجه واليد والرقبة والقدم، وإلى الرأس والساقين منها. * قال المرداوي ﵀: (قوله: وله النظر إلى ذلك، وإلى الرأس والساقين من الأمة المستامة. يعني له النظر إلى ما يظهر غالبًا، وإلى الرأس والساقين منها. وهوالمذهب). (٢) * وقال البهوتي ﵀: (ولرجل وامرأة نظر ذلك أي الوجه واليد والرقبة والقدم ورأس وساق من أمة مستامة أي معرضة للبيع يريد شراءها كما لو أراد خطبتها بل المستامة أولى، لأنها تراد للاستمتاع وغيره .... وروى أبو حفص (٣) أن ابن عمر كان يضع يده بين ثدييها وعلى عجزها (٤) من فوق الثياب ويكشف عن ساقيها.) (٥)

стр. 65

استدلوا على هذه الرواية: بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: عن نافع (١) عن ابن عمر ﵁ ((أنه كان إذا اشترى جارية كشف عن ساقها ووضع يده بين ثدييها وعلى عَجُزهَا. وكأنه كان يضعها عليها من وراء الثوب.)) (٢) وجه الدلالة: فعل ابن عمر ﵁ عند شراء الأمة دليل على الجواز في النظر للأمة إلى ما يظهر غالبًا وإلى ساقيها. ثانيًا: المعقول: أن الحاجة عند شراء الأمة المستامة تدعو إلى النظر إلى ما يظهر منها غالبًا، وإلى رأسها وساقيها؛ وأن رؤية ذلك يحصل المقصود به؛ لأنها تراد للاستمتاع وغيره من التجارة، وحسنها يزيد في ثمنها. (٣) الرواية الثانية: جواز النظر للأمة المستامة ماعدا عورتها في الصلاة. (٤) * قال ابن قدامة ﵀: (ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها). (٥) * وقال المرداوي ﵀: (وعنه، ينظر سوى عورة الصلاة.). (٦) واستدلوا بالمعقول. وذلك أن الرجل الذي يريد شراء الأمة المستامة تستدعي حاجته النظر إليها لمعرفتها ويستثنى من ذلك عورتها في الصلاة وذلك كالنظر الى الوجه ليعرف مايشتريه. (٧) ويمكن أن يناقش: بأن المقصود الذي يحصل به للرجل في شراء الأمة غالبًا هو: النظر إلى مايظهر

стр. 66

غالبًا كالوجه واليد والرقبة والقدم، وإلى الرأس والساقين منها. وبما ورد في الأثر الصحيح عن ابن عمر ﵁ الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى وجواز النظر إلى الأمة المستامة يكون إلى ما يظهر منها غالبًا، وإلى الرأس والساقين منها. وهي المذهب عند الحنابلة ورجحها أبو الخطاب (١) والبهوتي (٢) وذلك لصحة الأثر عن ابن عمر ﵁. * * * المطلب الثالث: القدر المجزئ من خُطبة النكاح * قال ابن قدامة ﵀: (ويجزئ من ذلك أن يحمد الله تعالى، ويتشهد، ويصلي على رسول الله) (٣) * وقال المرداوي ﵀: (والمجزئ منها، أن يتشهد ويصلي على النبي ﷺ (٤) * وقال البهوتي ﵀: (ويجزئ عن ذلك أن يتشهد ويصلي على النبي ﷺ لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعي ليزوج قال: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد إن فلانًا يخطب إليكم فلانة فإن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه فسبحان الله.) (٥) واستدلوا بقول الصحابي: قال أبو بكر بن حفص (٦) ﵀: ((كان ابن عمر إذا دُعيَ إلى تزويج قال: لَا تُفَضضُوا (٧) علينا الناس الحمد لله وصلى الله على محمد، إن فلانًا خطب إليكم فلانة، إن أنكحتموه فالحمد لله وإن رددتموه

стр. 67

فسبحان الله.)) (١) وجه الدلالة: قول ابن عمر ﵁ دل على أن المجزئ في خطبة النكاح هو: قول الحمد لله والصلاة على النبي ﷺ . * * * المطلب الرابع: تزويج الأب أولاده الصغار * قال ابن قدامة: ﵀ (الغلام السليم من الجنون، لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن لأبيه تزويجه.) (٢) * وقال المرداوي ﵀: (في تزويج الأب أولاده الصغار عشر مسائل؛ إحداها، أولاده الذكور العقلاء الذين هم دون البلوغ والكبار المجانين، فله تزويجهم؛ سواء أذنوا أو لا، وسواء رضوا أم لا، بمهر المثل أو بزيادة عليه، على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. ونص عليه في كل واحد منهما.) (٣) * وقال البهوتي ﵀: (للأب خاصة تزويج بنيه الصغار وروى الأثرم (٤): أن ابن عمر ﵁ زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد (٥) فأجازاه جميعًا) (٦)

стр. 68

واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي عن سليمان بن يسار (١)، ((أن ابن عمر زوج ابنًا (٢) له ابنة أخيه (٣) عبيد الله بن عمر (٤)، وابنه صغير يومئذ ولم يفرض لها صداقًا، فمكث الغلام ما مكث، ثم مات، فخاصم خال الجارية (٥) ابن عمر إلى زيد بن ثابت، فقال ابن عمر لزيد: «إني زوجت ابني، وأنا أحدث نفسي أن أصنع به خيرًا، فمات قبل ذلك، ولم يفرض للجارية صداقًا. فقال زيد: فلها الميراث إن كان للغلام مال، وعليها العدة، ولا صداق لها)). (٦) وجه الدلالة: فعل ابن عمر ﵀ فيه دليل على إجازة الأب في تزويج ابنه الصغير فلم يُبْطِل ذلك. ثانيًا: المعقول:

стр. 69

وذلك أن الأب له حق التصرف في مال ابنه بغير تولية وله قياسًا على ذلك تزويجه كابنته الصغيرة (١) * * * المطلب الخامس: توكيل الولي في إيجاب النكاح. * قال ابن قدامة ﵀: (ويجوز التوكيل مطلقًا ومقيدًا، فالمقيد التوكيل في تزويج رجل بعينه والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه أو من يشاء.) (٢) * وقال المرداوي ﵀: (يجوز التوكيل مطلقًا ومقيدًا. فالمطلق: مثل أن يوكله في تزويج من يرضاه، أو من يشاء ونحوهما. والمقيد: مثل أن يوكله في تزويج رجل بعينه ونحوه. وهذا المذهب. نص عليه.) (٣) * وقال البهوتي ﵀: (ويصح توكيله أي الولي في إيجاب النكاح توكيلا مطلقًا وإذنها لوليها في العقد مطلقًا كقول المرأة لوليها زوج من شئت أو من ترضاه. وقول الولي لوكيله: زوج من شئت أو من ترضاه. روي: أن رجلا من العرب ترك ابنته عند عمر وقال إذا وجدت كفؤا فزوجه ولو بشراك نعله (٤)، فزوجها عثمان بن عفان فهي أم عمرو بن عثمان (٥). واشتهر ذلك فلم ينكر). (٦)

стр. 70

واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: قال خالد بن سعيد الأموي (١): ((كان جندب بن عمرو بن حممة الدوسي (٢) قدم المدينة مهاجرًا ثم أتى الشام (٣) غازيًا وخلف ابنته (٤) عند عمر بن الخطاب وقال: إن حدث بي حدث فزوجها كفؤا ولو بشراك نعله، فكان يدعوها ابنتي وتدعوه أبي، فلما استشهد أبوها قال عمر: من يتزوج الجميلة الحسيبة؟ فقال عثمان: أنا، فزوجه إياها على صداق بذله، فأتاها به عمر فوضعه في حجرها، فقالت: ما هذا؟ قال مهرك، فنفحت به (٥)، فأمر حفصة (٦) فأصلحت من شأنها، ودخل بها عثمان فولدت له. وكان يقول: ما شيء أحببته في امرأة إلا وهو فيها، وتزوج عثمان ﵁ ابنة شيبة بن ربيعة (٧) علي ثلاثين ألفا ويقال أربعين

стр. 71

ألفا، وتزوج ابنة خالد بن أسيد (١) على أربعين ألفا، وتزوج أم عبد الله بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة (٢) على ثلاثين ألفا، وخطب فاطمة بنت عمر بن الخطاب (٣) ﵁ بعد وفاة عمر وأصدقها مائة ألف، فقال ابن عمر: إن ابن عمها أحق بها، فزوجها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (٤) وتزوج ابنة عيينة (٥) على خمسمائة دينار. (٦) (٧) وجه الدلالة: توكيل جندب بن عمرو للخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في تزويج ابنته كان توكيلًا مطلقًا وقيده بالكُفء وقبول عمر ﵁ لذلك دليل على صحة توكيل الولي وتزويجها لعثمان ﵁ دليل لصحة هذا الفعل. واشتهر ذلك فلم يُنكَر. (٨) ثانيًا: المعقول:

стр. 72

وذلك أنه إذنٌ في النكاح، فجاز مطلقًا، كإذن المرأة، أو عقد فجاز التوكيل فيه مطلقًا كالبيع فيجوز أن يوكل فيه (١). * * * المطلب السادس: تولي طرفي العقد في النكاح صورة المسألة: تسمى هذه المسألة بتولي طرفي العقد في النكاح وهي: إذا كانت المرأة لها إذنٌ معتبر، فهل لوليها الذي يحل له نكاحها كابن عمها مثلًا أن يتزوجها بإذنها وولايته، أو لا بد أن يوكل في أحد طرفي العقد؟ (٢) اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: يصح لولي المرأة التي تحل له أن يتولى طرفي العقد بنفسه. * قال ابن قدامة ﵀: (أن ولي المرأة التي يحل له نكاحها، وهو ابن العم، أو المولى أو الحاكم، أو السلطان، إذا أذنت له أن يتزوجها، فله ذلك، وهل له أن يلي طرفي العقد بنفسه؟ فيه روايتان؛ إحداهما، له ذلك. لما روى البخاري، قال: قال عبد الرحمن بن عوف، لأم حكيم ابنة قارظ (٣): أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك). (٤) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: وكذلك ولي المرأة -مثل ابن العم والمولى والحاكم- إذا أذنت له في نكاحها. يعني، أنه يجوز له أن يتولى طرفي العقد. وهذا المذهب). (٥) * وقال البهوتي ﵀: (وكذلك ولي المرأة العاقلة إذا كانت تحل له مثل ابن عم لأبوين، أو لأب، والمولى المعتق وعصبته المتعصب بنفسه، والحاكم، وأمينه إذا أذنت له في نكاحها فإنه يصح أن يتولى

стр. 73

طرفي العقد لما روى البخاري قال: قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارض (١): أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم قال قد تزوجتك.) (٢) استدلوا على هذه الرواية: بالقران والسنة وقول الصحابي والقياس والدليل المعتمد قول الصحابي: أولاً: القران: قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ (٣). وجه الدلالة: ظاهر الآية أنه لولي اليتيمة إن خاف ظلمها أن يتزوج غيرها من النساء، ويُزَوِجها غيره من الرجال، والمفهوم إن لم يخف ألا يعدل فيها فله أن يتزوجها. وطالما أنه لا يخف ظلمها فله أن يتزوجها وله أن يكون هو الزوج والولي معًا لأنه هو وليها وهو زوجها وله تولي طرفي العقد. (٤) ثانيًا: السنة: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ (٥)، ((أن رسول الله ﷺ أَعتَقَ صفية (٦) وجعل عتقَهَا صَدَاقَهَا.)) (٧)

стр. 74

وجه الدلالة: في هذا الحديث اجتمع لصفية ﵂ بأن كان لها الرسول ﵀ زوجًا ووليًا؛ فدل على صحة تولي طرفي العقد في النكاح إذ كان الزوج هو: الولي فهو: ﵀ أعتقها ثم تزوجها. ٢ - وعن عقبة بن عامر ﵁ (١): ((أن النبي ﷺ قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة قال: نعم. وقال للمرأة: ترضين أن أزوجك فلانا قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية (٢)، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر (٣)، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئًا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمًا فباعته بمائة ألف)). (٤) وجه الدلالة: الشاهد في قوله ﵀ فزوج أحدهما الآخر فكان هذا الرجل هو الولي، وهو الزوج؛ فدل على صحة تولي طرفي العقد.

стр. 75

٣ - وقال أَبو موسى الأشعري ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((لا نكاح إلا بولي)) (١) وجه الدلالة: هذا الحديث فيه أن الولي لفظ عام، وقد يكون الزوج وهو ولي، وعليه فيصح توليه لطرفي العقد؛ لأنه قد وجد فيه الولي. (٢) ثالثًا: قول الصحابي: عن سعيد بن خالد (٣) وقارظ بن شيبة (٤) ((أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه قد خطبني غير واحد فزوجني أيهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إليَّ؟ فقالت: نعم. فقال: قد تزوجتك.)) (٥) وجه الدلالة: دل قوله ﵁: أتجعلين ذلك إليَّ، على جواز تولي طرفي العقد، وكانت إجابة المرأة بالقبول. ثم قال لها قد تزوجتك؛ فكان هو: الولي والزوج في آن واحد. رابعًا: المعقول، وذلك من وجهين: الأول: أن الولي يملك صيغتي الإيجاب والقبول فيصح له أن يتولى ذلك. (٦) الثاني: أن عقد النكاح هذا توفر فيه صيغتي الإيجاب والقبول فالإيجاب من ولي ثبتت ولايته والقبول من زوج أهلاً لذلك. (٧)
следующие страницы →