← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9329

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي

الجلال السيوطي

Полный текст (925 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة السيوطي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ أَسْبَابَ مَنِ انْقَطَعَ إِلَيْهِ مَوْصُولَةً، وَرَفَعَ مَقَامَ الْوَاقِفِ بِبَابِهِ، وَآتَاهُ مُنَاهُ وَسُؤْلَهُ، وَأَدْرَجَ فِي زُمْرَةِ أَحْبَابِهِ مَنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ بِزَخَارِفِ الْمُبْطِلِينَ مَعْلُولَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً بِرِدَاءِ الْإِخْلَاصِ مَشْمُولَةً، وَلِلْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى صَاعِدَةً مَقْبُولَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَلَغَ بِهِ مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ مَأْمُولَهُ، وَآتَاهُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَنَطَقَ بِجَوَاهِرِ الْحِكَمِ، وَفَاحَتْ مِنْ حَدَائِقِ أَحَادِيثِهِ فِي الْخَافِقَيْنِ شَذَا أَزْهَارِهَا الْمَطْلُولَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْأُصُولِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَمْجَادِ الْمَأْثُولَةِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ رَفِيعُ الْقَدْرِ، عَظِيمُ الْفَخْرِ، شَرِيفُ الذِّكْرِ، لَا يَعْتَنِي بِهِ إِلَّا كُلُّ حَبْرٍ، وَلَا يُحْرَمُهُ إِلَّا كُلُّ غَمْرٍ، وَلَا تَفْنَى مَحَاسِنُهُ عَلَى مَمَرِّ الدَّهْرِ، وَكُنْتُ مِمَّنْ عَبَرَ إِلَى لُجَّةِ قَامُوسِهِ، حَيْثُ وَقَفَ غَيْرِي بِشَاطِئِهِ، وَلَمْ أَكْتَفِ بِوُرُودِ مَجَارِيهِ، حَتَّى بَقَرْتُ عَنْ مَنْبَعِهِ وَمَنَاشِئِهِ، وَقُلْتُ لِمَنْ عَلَى الرَّاحَةِ عَوَّلَ، مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ الْأَوَّلِ: لَسْنَا وَإِنْ كُنَّا ذَوِي حَسَبٍ ... يَوْمًا عَلَى الْأَحْسَابِ نَتَّكِلُ

стр. 2

نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا ... تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا مَعَ مَا أَمَدَّنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْعُلُومِ، كَالتَّفْسِيرِ الَّذِي بِهِ يُطَّلَعُ عَلَى فَهْمِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَعُلُومِهِ الَّتِي دَوَّنْتُهَا وَلَمْ أُسْبَقْ إِلَى تَحْرِيرِهَا الْوَجِيزِ، وَالْفِقْهِ الَّذِي مَنْ جَهِلَهُ فَأَنَّى لَهُ الرِّفْعَةُ وَالتَّمْيِيزُ، وَاللُّغَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ فَهْمِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، وَالنَّحْوِ الَّذِي يَفْتَضِحُ فَاقِدُهُ بِكَثْرَةِ الزَّلَلِ وَلَا يَصْلُحُ الْحَدِيثُ لِلَحَّانٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، الَّتِي لِبَلَاغَةِ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ تِبْيَانٌ، وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي كُلِّ ذَلِكَ مُؤَلَّفَاتٍ، وَحَرَّرْتُ فِيهَا قَوَاعِدَ وَمُهِمَّاتٍ، وَلَمْ أَكُنْ كَغَيْرِي مِمَّنْ يَدَّعِي الْحَدِيثَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقُصَارَى أَمْرِهِ كَثْرَةُ السَّمَاعِ عَلَى كُلِّ شَيْخٍ وَعَجُوزٍ، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَحْتَاجُ الْمُحَدِّثُ إِلَيْهِ أَنْ يَحُوزَ، وَلَا مُكْتَرِثٍ بِالْبَحْثِ عَمَّا يَمْتَنِعُ أَوْ يَجُوزُ، ثُمَّ ظَنَّ الِانْفِرَادَ بِجَمْعِ الْكُتُبِ وَالضَّنِّ بِهَا عَلَى طُلَّابِهَا، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا عَارِيًا عَنِ الِانْتِفَاعِ بِخِطَابِهَا. إِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْمُصْطَلَحِ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى جَوَابِهَا، أَوْ عَرَضَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ فِي دِينِهِ لَمْ يَعْرِفْ خَطَأَهَا مِنْ صَوَابِهَا، أَوْ لَوْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَزِلَّ فِي إِعْرَابِهَا، فَصَارَ بِذَلِكَ ضُحْكَةً لِلنَّاظِرِينَ، وَهُزْأَةً لِلسَّاخِرِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى حَسْبِي وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ. هَذَا، وَقَدْ طَالَ مَا قَيَّدْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ فَوَائِدَ وَزَوَائِدَ، وَعَلَّقْتُ فِيهِ نَوَادِرَ وَشَوَارِدَ، وَكَانَ يَخْطُرُ بِبَالِي جَمْعُهَا فِي كِتَابٍ، وَنَظْمُهَا فِي عِقْدٍ لِيَنْتَفِعَ بِهَا الطُّلَّابُ، فَرَأَيْتُ كِتَابَ " التَّقْرِيبِ وَالتَّيْسِيرِ " لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْحَافِظِ، وَلِيِّ

стр. 3

اللَّهِ تَعَالَى أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَاوِيِّ، كِتَابًا جَلَّ نَفْعُهُ، وَعَلَا قَدْرُهُ، وَكَثُرَتْ فَوَائِدُهُ، وَغَزُرَتْ لِلطَّالِبِينَ مَوَائِدُهُ، وَهُوَ مَعَ جَلَالَتِهِ وَجَلَالَةِ صَاحِبِهِ وَتَطَاوُلِ هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ حِينِ وَضْعِهِ لَمْ يَتَصَدَّ أَحَدٌ إِلَى وَضْعِ شَرْحٍ عَلَيْهِ، وَلَا الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ لَعَلَّ ذَلِكَ فَضْلٌ ادَّخَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعَبِيدِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا مَا يُرِيدُ، فَقَوِيَ الْعَزْمُ عَلَى كِتَابَةِ شَرْحٍ عَلَيْهِ كَافِلٍ بِإِيضَاحِ مَعَانِيهِ، وَتَحْرِيرِ أَلْفَاظِهِ وَمَبَانِيهِ، مَعَ ذِكْرِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ إِيرَادٍ أَوِ اعْتِرَاضٍ، مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ إِنْ كَانَ مُضِيفًا إِلَيْهِ زَوَائِدَ عَلِيَّةً، وَفَوَائِدَ جَلِيَّةً، لَا تُوجَدُ مَجْمُوعَةً فِي غَيْرِهِ، وَلَا سَارَ أَحَدٌ قَبْلَهُ كَسَيْرِهِ، فَشَرَعْتُ فِي ذَلِكَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، وَحَبَّذَا ذَاكَ اتِّكَالًا، وَسَمَّيْتُهُ: " تَدْرِيبَ الرَّاوِي فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ النَّوَاوِي "، وَجَعَلْتُهُ شَرْحًا لِهَذَا الْكِتَابِ خُصُوصًا، ثُمَّ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلِسَائِرِ كُتُبِ الْفَنِّ عُمُومًا. وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، فَهُوَ بِإِجَابَةِ السَّائِلِ أَحْرَى، وَيَنْفَعَ بِهِ مُؤَلِّفَهُ وَقَارِئَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى. [فوائد من المقدمة] [الفائدة الْأُولَى فِي حَدِّ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَمَا يَتْبَعُهُ] وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ فِيهَا فَوَائِدُ: الْأُولَى: فِي حَدِّ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَمَا يَتْبَعُهُ: قَالَ ابْنُ الْأَكْفَانِيِّ فِي كِتَابِ إِرْشَادِ الْقَاصِدِ، الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى أَنْوَاعِ الْعُلُومِ: عِلْمُ الْحَدِيثِ الْخَاصُّ بِالرِّوَايَةِ: عِلْمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى نَقْلِ أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ، وَرِوَايَتِهَا، وَضَبْطِهَا، وَتَحْرِيرِ

стр. 4

أَلْفَاظِهَا. وَعِلْمُ الْحَدِيثِ الْخَاصُّ بِالدِّرَايَةِ: عِلْمٌ يُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الرِّوَايَةِ؛ وَشُرُوطُهَا، وَأَنْوَاعُهَا، وَأَحْكَامُهَا، وَحَالُ الرُّوَاةِ، وَشُرُوطُهُمْ، وَأَصْنَافُ الْمَرْوِيَّاتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. انْتَهَى. فَحَقِيقَةُ الرِّوَايَةِ: نَقْلُ السُّنَّةِ وَنَحْوِهَا وَإِسْنَادُ ذَلِكَ إِلَى مَنْ عُزِيَ إِلَيْهِ بِتَحْدِيثٍ أَوْ إِخْبَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَشُرُوطُهَا: تَحَمُّلُ رَاوِيهَا لِمَا يَرْوِيهِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحَمُّلِ، مِنْ سَمَاعٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ إِجَازَةٍ وَنَحْوِهَا. وَأَنْوَاعُهَا: الِاتِّصَالُ وَالِانْقِطَاعُ وَنَحْوُهُمَا. وَأَحْكَامُهَا: الْقَبُولُ وَالرَّدُّ. وَحَالُ الرُّوَاةِ: الْعَدَالَةُ وَالْجَرْحُ، وَشُرُوطُهُمْ فِي التَّحَمُّلِ وَفِي الْأَدَاءِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَصْنَافُ الْمَرْوِيَّاتِ: الْمُصَنَّفَاتُ مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالْمَعَاجِمِ وَالْأَجْزَاءِ وَغَيْرِهَا، أَحَادِيثَ وَآثَارًا وَغَيْرَهُمَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا: هُوَ مَعْرِفَةُ اصْطِلَاحِ أَهْلِهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ: عِلْمُ الْحَدِيثِ: عِلْمٌ بِقَوَانِينَ يُعْرَفُ بِهَا أَحْوَالُ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. وَمَوْضُوعُهُ: السَّنَدُ وَالْمَتْنُ. وَغَايَتُهُ: مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: أَوْلَى التَّعَارِيفِ لَهُ أَنْ يُقَالَ: مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ وَالْمَعْرِفَةُ بِحَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ لَفْظَ " مَعْرِفَةُ " فَقُلْتَ الْقَوَاعِدُ إِلَى آخِرِهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ

стр. 5

مَوْضُوعُهُ ذَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. وَحَدُّهُ: هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَقْوَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَفْعَالُهُ وَأَحْوَالُهُ. وَغَايَتُهُ: هُوَ الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ. وَهَذَا الْحَدُّ مَعَ شُمُولِهِ لِعِلْمِ الِاسْتِنْبَاطِ غَيْرُ مُحَرَّرٍ، وَلَمْ يَزَلْ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مُحْيِي الدِّينِ الْكَافِيجِيُّ يَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْحَدِيثِ ذَاتُ الرَّسُولِ، وَيَقُولُ: هَذَا مَوْضُوعُ الطِّبِّ لَا مَوْضُوعُ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا السَّنَدُ فَقَالَ الْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةَ وَالطِّيبِيُّ: هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ. قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَأَخْذُهُ إِمَّا مِنَ السَّنَدِ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْنِدَ يَرْفَعُهُ إِلَى قَائِلِهِ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ سَنَدٌ، أَيْ مُعْتَمَدٌ، فَسَمَّى الْإِخْبَارَ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ سَنَدًا لِاعْتِمَادِ الْحُفَّاظِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْإِسْنَادُ فَهُوَ رَفْعُ الْحَدِيثِ إِلَى قَائِلِهِ.

стр. 6

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي مَعْنَى اعْتِمَادِ الْحُفَّاظِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: الْمُحَدِّثُونَ يَسْتَعْمِلُونَ السَّنَدَ وَالْإِسْنَادَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا الْمُسْنَدُ بِفَتْحِ النُّونِ فَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ: أَحَدُهَا: الْحَدِيثُ الْآتِي تَعْرِيفُهُ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. الثَّانِي: الْكِتَابُ الَّذِي جُمِعَ فِيهِ مَا أَسْنَدَهُ الصَّحَابَةُ، أَيْ رَوَوْهُ، فَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ. الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ وَيُرَادَ بِهِ الْإِسْنَادُ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، كَمُسْنَدِ الشِّهَابِ، وَمُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ: أَيْ أَسَانِيدُ أَحَادِيثِهِمَا. وَأَمَّا الْمَتْنُ فَهُوَ: أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ الَّتِي تَتَقَوَّمُ بِهَا الْمَعَانِي، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: هُوَ مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ غَايَةُ السَّنَدِ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَخْذُهُ إِمَّا مِنَ الْمُمَاتَنَةِ، وَهِيَ: الْمُبَاعَدَةُ فِي الْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ السَّنَدِ، أَوْ مِنْ مَتَنْتُ الْكَبْشَ: إِذَا شَقَقْتُ جِلْدَةَ بَيْضَتِهِ وَاسْتَخْرَجْتُهَا، فَكَأَنَّ الْمُسْنِدَ اسْتَخْرَجَ الْمَتْنَ بِسَنَدِهِ؛ أَوْ مِنَ الْمَتْنِ وَهُوَ: مَا صَلُبَ وَارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُسْنِدَ يُقَوِّيهِ بِالسَّنَدِ وَيَرْفَعُهُ إِلَى قَائِلِهِ؛ أَوْ مِنْ تَمَتَّنَ الْقَوْسَ أَيْ شَدَّهَا بِالْعَصَبِ؛ لِأَنَّ الْمُسْنِدَ يُقَوِّي الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ.

стр. 7

وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَصْلُهُ: ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي قَلِيلِ الْخَبَرِ وَكَثِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحَدَّثُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ وَفِعْلَهُمْ وَتَقْرِيرَهُمْ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: الْخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَنِّ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ، فَيُطْلَقَانِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ وَالْمَقْطُوعِ. وَقِيلَ: الْحَدِيثُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْخَبَرُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِمَنْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ: مُحَدِّثٌ، وَبِالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا أَخْبَارِيٌّ. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ وَلَا عَكْسَ. وَقِيلَ: لَا يُطْلَقُ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ الْمَرْفُوعِ إِلَّا بِشَرْطِ التَّقْيِيدِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّوْعِ السَّابِعِ: أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَ الْمَرْفُوعَ وَالْمَوْقُوفَ بِالْأَثَرِ، وَأَنَّ فُقَهَاءَ خُرَاسَانَ يُسَمُّونَ الْمَوْقُوفَ بِالْأَثَرِ وَالْمَرْفُوعَ بِالْخَبَرِ. وَيُقَالُ: أَثَرْتُ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى رَوَيْتُهُ، وَيُسَمَّى الْمُحَدِّثُ أَثَرِيًّا نِسْبَةً لِلْأَثَرِ. [الفائدة الثَّانِيَةُ فِي حَدِّ الْحَافِظِ وَالْمُحَدِّثِ وَالْمُسْنِدِ] الثَّانِيَةُ: فِي حَدِّ الْحَافِظِ وَالْمُحَدِّثِ وَالْمُسْنِدِ. اعْلَمْ أَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الثَّلَاثَةِ، الْمُسْنِدُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَهُوَ مَنْ يَرْوِي

стр. 8

الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ رِوَايَةٍ، وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فَهُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِذَا أُوصِيَ لِلْعُلَمَاءِ لَمْ يَدْخُلِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ، وَلَا عِلْمَ لَهُمْ بِطُرُقِهِ وَلَا بِأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَالْمُتُونِ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ. وَقَالَ التَّاجُ بْنُ يُونُسَ فِي " شَرْحِ التَّعْجِيزِ ": إِذَا أُوصِيَ لِلْمُحَدِّثِ تَنَاوَلَ مَنْ عَلِمَ طُرُقَ إِثْبَاتِ الْحَدِيثِ وَعَدَالَةَ رِجَالِهِ؛ لِأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى السَّمَاعِ فَقَطْ لَيْسَ بِعَالِمٍ. وَكَذَا قَالَ السُّبْكِيُّ فِي " شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ". وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: ذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ؛ وَيُؤْخَذُ عَمَّنْ سِوَاهُمْ: لَا يُؤْخَذُ عَنْ مُبْتَدِعٍ يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، وَلَا عَنْ سَفِيهٍ يُعْلِنُ بِالسَّفَهِ، وَلَا عَمَّنْ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ. قَالَ الْقَاضِي: فَقَوْلُهُ وَلَا عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ، مُرَادُهُ إِذَا لَمْ

стр. 9

يَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الرِّجَالَ مِنَ الرُّوَاةِ، وَلَا يَعْرِفُ هَلْ زِيدَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ أَوْ نَقَصَ؟ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَاسْمُ الْمُحَدِّثِ عِنْدَهُمْ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَنْ حَفِظَ مَتْنَ الْحَدِيثِ، وَعَلِمَ عَدَالَةَ رِجَالِهِ وَجَرْحَهَا، دُونَ الْمُقْتَصِرِ عَلَى السَّمَاعِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشِّيرَازِيِّ قَالَ: الْعَالِمُ الَّذِي يَعْرِفُ الْمَتْنَ وَالْإِسْنَادَ جَمِيعًا، وَالْفَقِيهُ الَّذِي عَرَفَ الْمَتْنَ وَلَا يَعْرِفُ الْإِسْنَادَ، وَالْحَافِظُ الَّذِي يَعْرِفُ الْإِسْنَادَ وَلَا يَعْرِفُ الْمَتْنَ، وَالرَّاوِي الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْمَتْنَ وَلَا يَعْرِفُ الْإِسْنَادَ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ: عُلُومُ الْحَدِيثِ الْآنَ ثَلَاثَةٌ: أَشْرَفُهَا حِفْظُ مُتُونِهِ وَمَعْرِفَةُ غَرِيبِهَا وَفِقْهِهَا. وَالثَّانِي: حِفْظُ أَسَانِيدِهَا وَمَعْرِفَةُ رِجَالِهَا وَتَمْيِيزُ صَحِيحِهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَهَذَا كَانَ مُهِمًّا وَقَدْ كُفِيَهُ الْمُشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ بِمَا صُنِّفَ فِيهِ وَأُلِّفَ فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ، فَلَا فَائِدَةَ إِلَى تَحْصِيلِ مَا هُوَ حَاصِلٌ. وَالثَّالِثُ: جَمْعُهُ وَكِتَابَتُهُ وَسَمَاعُهُ وَتَطْرِيقُهُ وَطَلَبُ الْعُلُوِّ فِيهِ، وَالرِّحْلَةُ إِلَى الْبُلْدَانِ، وَالْمُشْتَغِلُ بِهَذَا مُشْتَغِلٌ عَمَّا هُوَ الْأَهَمُّ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، فَضْلًا عَنِ الْعَمَلِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ الْأَصْلِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَهْلِ

стр. 10

الْبَطَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلَةِ بِأَشْرَفِ الْبَشَرِ. قَالَ: وَمِمَّا يُزَهِّدُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ يَتَشَارَكُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالْفَدْمُ وَالْبَاهِمُ، وَالْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ. وَقَدْ قَالَ الْأَعْمَشُ: حَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ خَيْرٌ مِنْ حَدِيثٍ يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوخُ. وَلَامَ إِنْسَانٌ أَحْمَدَ فِي حُضُورِ مَجْلِسِ الشَّافِعِيِّ وَتَرْكِهِ مَجْلِسَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: اسْكُتْ فَإِنْ فَاتَكَ حَدِيثٌ بِعُلُوٍّ تَجِدْهُ بِنُزُولٍ وَلَا

стр. 11

يَضُرُّكَ، وَإِنْ فَاتَكَ عَقْلُ هَذَا الْفَتَى أَخَافُ أَنْ لَا تَجِدَهُ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَفِي بَعْضِ كَلَامِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَهَذَا قَدْ كُفِيَهُ الْمُشْتَغِلُ بِمَا صُنِّفَ فِيهِ قَدْ أَنْكَرَهُ الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ، وَيُقَالُ عَلَيْهِ: إِنْ كَانَ التَّصْنِيفُ فِي الْفَنِّ يُوجِبُ الِاتِّكَالَ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمَ الِاشْتِغَالِ بِهِ، فَالْقَوْلُ كَذَلِكَ فِي الْفَنِّ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ فِقْهَ الْحَدِيثِ وَغَرِيبَهُ لَا يُحْصَى كَمْ صُنِّفَ فِيهِ، بَلْ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ التَّصَانِيفَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ التَّصَانِيفِ فِي تَمْيِيزِ الرِّجَالِ، وَالصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ لَمَا أَبْعَدَ، بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْوَاقِعُ. فَإِنْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْأَوَّلِ مُهِمًّا فَالِاشْتِغَالُ بِالثَّانِي أَهَمُّ؛ لِأَنَّهُ الْمِرْقَاةُ إِلَى الْأَوَّلِ، فَمَنْ أَخَلَّ بِهِ خَلَطَ السَّقِيمَ بِالصَّحِيحِ، وَالْمُعَدَّلَ بِالْمُجَرَّحِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مُهِمٌّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَمَعَهُمَا حَازَ الْقِدْحَ الْمُعَلَّى مَعَ قُصُورٍ فِيهِ إِنْ أَخَلَّ بِالثَّالِثِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهِمَا فَلَا حَظَّ لَهُ فِي اسْمِ الْحُفَّاظِ، وَمَنْ أَحْرَزَ الْأَوَّلَ وَأَخَلَّ بِالثَّانِي كَانَ بَعِيدًا مِنِ اسْمِ الْمُحَدِّثِ عُرْفًا، وَمَنْ أَحْرَزَ الثَّانِيَ وَأَخَلَّ بِالْأَوَّلِ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهُ اسْمُ الْمُحَدِّثِ، وَلَكِنْ فِيهِ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْفَنِّ الثَّالِثِ،

стр. 12

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ أَوْفَرَ سَهْمًا وَأَحَظَّ قَسْمًا، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَانَ أَخَسَّ حَظًّا وَأَبْعَدَ حِفْظًا، فَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَةَ كَانَ فَقِيهًا مُحَدِّثًا كَامِلًا، وَمَنِ انْفَرَدَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا كَانَ دُونَهُ، إِلَّا أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَهُوَ مُحَدِّثٌ صِرْفٌ، لَا حَظَّ لَهُ فِي اسْمِ الْفَقِيهِ، كَمَا أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِالْأَوَّلِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي اسْمِ الْمُحَدِّثِ، وَمَنِ انْفَرَدَ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَهَلْ يُسَمَّى مُحَدِّثًا؟ فِيهِ بَحْثٌ. انْتَهَى. وَفِي غُضُونِ كَلَامِهِ مَا يُشْعِرُ بِاسْتِوَاءِ الْمُحَدِّثِ وَالْحَافِظِ، حَيْثُ قَالَ: فَلَا حَظَّ لَهُ فِي اسْمِ الْحَافِظِ. وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي الْمُحَدِّثِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْمُحَدِّثَ وَالْحَافِظَ بِمَعْنًى، كَمَا رَوَى أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِمْلَاءً لَمْ يُعَدَّ صَاحِبَ حَدِيثٍ. وَفِي الْكَامِلِ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ جِهَةِ النُّفَيْلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ هُشَيْمًا يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَافِظَ أَخَصُّ، وَقَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ مُعِيدِ النِّعَمِ: مِنَ النَّاسِ فِرْقَةٌ ادَّعَتِ الْحَدِيثَ فَكَانَ قُصَارَى أَمْرِهَا النَّظَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ لِلصَّاغَانِيِّ. فَإِنْ تَرَفَّعَتِ [ارْتَقَتْ] إِلَى مَصَابِيحِ الْبَغَوِيِّ، وَظَنَّتْ أَنَّهَا بِهَذَا

стр. 13

الْقَدْرِ تَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِجَهْلِهَا بِالْحَدِيثِ، فَلَوْ حَفِظَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَضَمَّ إِلَيْهِمَا مِنَ الْمُتُونِ مِثْلَيْهِمَا لَمْ يَكُنْ مُحَدِّثًا، وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحَدِّثًا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، فَإِنْ رَامَتْ بُلُوغَ الْغَايَةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى زَعْمِهَا اشْتَغَلَتْ بِجَامِعِ الْأُصُولِ لِابْنِ الْأَثِيرِ، فَإِنْ ضَمَّتْ إِلَيْهِ " عُلُومَ الْحَدِيثِ " لِابْنِ الصَّلَاحِ أَوْ مُخْتَصَرَهُ الْمُسَمَّى " بِالتَّقْرِيبِ وَالتَّيْسِيرِ لِلنَّوَوِيِّ " وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يُنَادَى مَنِ انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَقَامِ: بِمُحَدِّثِ الْمُحَدِّثِينَ وَبُخَارِيِّ الْعَصْرِ، وَمَا نَاسَبَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْكَاذِبَةَ، فَإِنَّ مَنْ ذَكَرْنَاهُ لَا يُعَدُّ مُحَدِّثًا بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنَّمَا الْمُحَدِّثُ مَنْ عَرَفَ الْأَسَانِيدَ وَالْعِلَلَ، وَأَسْمَاءَ الرِّجَالِ وَالْعَالِيَ وَالنَّازِلَ، وَحَفِظَ مَعَ ذَلِكَ جُمْلَةً مُسْتَكْثَرَةً مِنَ الْمُتُونِ، وَسَمِعَ الْكُتُبَ السِّتَّةَ، وَمُسْنَدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَسُنَنَ الْبَيْهَقِيِّ، وَمُعْجَمَ الطَّبَرَانِيِّ، وَضَمَّ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ أَلْفَ جُزْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْحَدِيثِيَّةِ. هَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ، فَإِذَا سَمِعَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَتَبَ الطِّبَاقَ وَدَارَ عَلَى الشُّيُوخِ وَتَكَلَّمَ فِي الْعِلَلِ وَالْوَفَيَاتِ وَالْمَسَانِيدِ كَانَ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِ الْمُحَدِّثِينَ، ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَائِفَةٌ طَلَبَتِ الْحَدِيثَ

стр. 14

وَجَعَلَتْ دَأْبَهَا السَّمَاعَ عَلَى الْمَشَايِخِ وَمَعْرِفَةَ الْعَالِي مِنَ الْمَسْمُوعِ وَالنَّازِلِ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي تَهَجِّي الْأَسْمَاءِ وَالْمُتُونِ وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِمَا يَقْرَؤُهُ، وَلَا تَتَعَلَّقُ فِكْرَتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنِّي حَصَّلْتُ جُزْءَ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ سَبْعِينَ شَيْخًا، وَجُزْءَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ كَذَا كَذَا شَيْخًا. [وَجُزْءَ ابْنِ الْفِيلِ] وَجُزْءَ الْبِطَاقَةِ، وَنُسْخَةَ أَبِي مُسْهِرٍ، وَأَنْحَاءَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّلَفُ يَسْتَمِعُونَ فَيَقْرَءُونَ فَيَرْحَلُونَ فَيُفَسِّرُونَ، وَيَحْفَظُونَ فَيَعْمَلُونَ، وَرَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا الذَّهَبِيِّ فِي وَصِيَّةٍ لِبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذِهِ الطَّائِفَةِ: مَا حَظُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ لِيَرْوِيَ فَقَطْ، فَلَيُعَاقَبَنَّ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَلَيُشْهِرَنَّهُ اللَّهُ بَعْدَ سَتْرِهِ مَرَّاتٍ، وَلَيَبْقَيَنَّ مُضْغَةً فِي الْأَلْسُنِ، وَعِبْرَةً بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ ثُمَّ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ؛ ثُمَّ قَالَ: فَهَلْ يَكُونُ طَالِبٌ مِنْ طُلَّابِ السُّنَّةِ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَوَاتِ أَوْ يَتَعَانَى تِلْكَ الْعَادَاتِ؟ وَأَنْحَسُ مِنْهُ مُحَدِّثٌ يَكْذِبُ فِي حَدِيثِهِ وَيَخْتَلِقُ الْفُشَارَ، فَإِنْ تَرَقَّتْ هِمَّتُهُ الْمُفْتَنَةُ إِلَى الْكَذِبِ فِي النَّقْلِ وَالتَّزْوِيرِ فِي الطِّبَاقِ فَقَدِ اسْتَرَاحَ، وَإِنْ تَعَانَى سَرِقَةَ الْأَجْزَاءِ وَكَشْطَ الْأَوْقَافِ فَهَذَا لِصٌّ بِسَمْتِ مُحَدِّثٍ، فَإِنْ كَمَّلَ نَفْسَهُ بِتَلَوُّطٍ أَوْ قِيَادَةٍ، فَقَدْ تَمَّتْ لَهُ الْإِفَادَةُ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ فِي الْعُلُومِ فَقَدِ ازْدَادَ مَهَانَةً وَخَبْطًا، إِلَى أَنْ قَالَ: فَهَلْ فِي مِثْلِ هَذَا الضَّرْبِ خَيْرٌ؟ لَا أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْهُمْ. اهـ. وَلِبَعْضِهِمْ: إِنَّ الَّذِي يَرْوِي وَلَكِنَّهُ ... يَجْهَلُ مَا يَرْوِي وَمَا يَكْتُبُ كَصَخْرَةٍ تَنْبُعُ أَمْوَاهُهَا ... تَسْقِي الْأَرَاضِيَ وَهِيَ لَا تَشْرَبُ

стр. 15

وَقَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ فِي الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ: إِنَّ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَخْبَرَةْ ... يَمْشِي وَمَعَهُ أَوْرَاقٌ وَمَحْبَرَةْ مَعَهُ أَجْزَاءُ يَدُورُ بِهَا عَلَى شَيْخٍ وَعَجُوزْ ... لَا يَعْرِفُ مَا يَجُوزُ مِمَّا لَا يَجُوزْ وَمُحَدِّثٌ قَدْ صَارَ غَايَةَ عِلْمِهِ ... أَجْزَاءُ يَرْوِيهَا عَنِ الدِّمْيَاطِي وَفُلَانَةُ تَرْوِي حَدِيثًا عَالِيًا ... وَفُلَانٌ يَرْوِي ذَاكَ عَنْ أَسْبَاطِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ غَرِيبِهِمْ وَعَزِيزِهِمْ ... وَأَفْصَحُ عَنِ الْخَيَّاطِ وَالْحَنَّاطِ وَابْنُ فُلَانٍ مَا اسْمُهُ وَمَنِ الَّذِي ... بَيْنَ الْأَنَامِ مُلَقَّبٌ بِسُنَاطِ وَعُلُومُ دِينِ اللَّهِ نَادَتْ جَهْرَةً ... هَذَا زَمَانٌ فِيهِ طَيُّ بِسَاطِي وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: إِنَّهُ سَأَلَ الْحَافِظَ جَمَالَ الدِّينِ الْمِزِّيَّ عَنْ حَدِّ الْحِفْظِ الَّذِي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ جَازَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ؟ قَالَ: يُرْجَعُ إِلَى أَهْلِ الْعُرْفِ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ أَهْلُ الْعُرْفِ؟ قَلِيلٌ جِدًّا، قَالَ: أَقَلُّ مَا يَكُونُ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُ تَرَاجِمَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ وَبُلْدَانَهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ، لِيَكُونَ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، فَقُلْتُ لَهُ هَذَا عَزِيزٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، أَدْرَكْتَ أَنْتَ أَحَدًا كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَانَ لَهُ فِي هَذَا مُشَارَكَةٌ جَيِّدَةٌ، وَلَكِنْ أَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَى، فَقُلْتُ: كَانَ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا كَانَ يُشَارِكُ مُشَارَكَةً جَيِّدَةً فِي هَذَا، أَعْنِي فِي الْأَسَانِيدِ، وَكَانَ فِي الْمُتُونِ أَكْثَرَ لِأَجْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ. وَقَالَ الشَّيْخُ فَتْحُ الدِّينِ بْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فِي عَصْرِنَا فَهُوَ:

стр. 16

مَنِ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَجَمَعَ رُوَاةً، وَاطَّلَعَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَاتِ فِي عَصْرِهِ، (وَتَمَيَّزَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عُرِفَ فِيهِ حِفْظُهُ) وَاشْتُهِرَ فِيهِ ضَبْطُهُ، فَإِنْ تَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَرَفَ شُيُوخَهُ، وَشُيُوخَ شُيُوخِهِ، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَجْهَلُهُ مِنْهَا فَهَذَا هُوَ الْحَافِظُ، وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ صَاحِبَ حَدِيثٍ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الْإِمْلَاءِ، فَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَتِهِمْ. انْتَهَى. وَسَأَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ شَيْخَهُ أَبَا الْفَضْلِ الْعِرَاقِيَّ فَقَالَ: مَا يَقُولُ سَيِّدِي فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الطَّالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى حَافِظًا؟ وَهَلْ يُتَسَامَحُ بِنَقْصِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمِزِّيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ فِي ذَلِكَ لِنَقْصِ زَمَانِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي وَقْتٍ بِبُلُوغِ بَعْضِهِمْ لِلْحِفْظِ وَغَلَبَتِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَبِاخْتِلَافِ مَنْ يَكُونُ كَثِيرَ الْمُخَالَطَةِ لِلَّذِي يَصِفُهُ بِذَلِكَ. وَكَلَامُ الْمِزِّيُّ فِيهِ ضَيِّقٌ، بِحَيْثُ لَمْ يُسَمِّ مِمَّنْ رَآهُ بِهَذَا الْوَصْفِ إِلَّا الدِّمْيَاطِيَّ، وَأَمَّا كَلَامُ أَبِي الْفَتْحِ فَهُوَ أَسْهَلُ، بِأَنْ يَنْشَطَ

стр. 17

بَعْدَ مَعْرِفَةِ شُيُوخِهِ إِلَى شُيُوخِ شُيُوخِهِ، وَمَا فَوْقُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَانَ شُيُوخُهُمُ التَّابِعِينَ أَوْ أَتْبَاعَ التَّابِعِينَ، وَشُيُوخُ شُيُوخِهِمُ الصَّحَابَةَ أَوِ التَّابِعِينَ، فَكَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَسْهَلَ بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ الزَّمَانِ، فَإِنِ اكْتَفَى بِكَوْنِ الْحَافِظِ يَعْرِفُ شُيُوخَهُ وَشُيُوخَ شُيُوخِهِ، أَوْ طَبَقَةً أُخْرَى، فَهُوَ سَهْلٌ لِمَنْ جَعَلَ فَنَّهُ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ حِفْظِ الْمُتُونِ وَالْأَسَانِيدِ، وَمَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ كُلِّهَا، وَمَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ، وَالْمَعْمُولِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فَرَاغٍ وَطُولِ عُمُرٍ، وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُولَدُ الْحَافِظُ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَإِنْ صَحَّ كَانَ الْمُرَادُ رُتْبَةَ الْكَمَالِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُوصَفُ بِالْحِفْظِ. وَكَمْ مِنْ حَافِظٍ غَيْرُهُ أَحْفَظُ مِنْهُ. انْتَهَى. وَمِنْ أَلْفَاظِ النَّاسِ فِي مَعْنَى الْحِفْظِ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الْحِفْظُ: الْإِتْقَانُ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الْإِتْقَانُ أَكْثَرُ مِنْ حِفْظِ السَّرْدِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِفْظُ: الْمَعْرِفَةُ.

стр. 18

قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ النَّسَفِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ صَالِحَ بْنَ مُحَمَّدٍ قُلْتُ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هَلْ يَحْفَظُ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا كَانَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ، قَالَ: قُلْتُ: فَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ كَانَ يَحْفَظُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَيَعْرِفُ. انْتَهَى. وَمِمَّا رُوِيَ فِي قَدْرِ حِفْظِ الْحُفَّاظِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: انْتَقَيْتُ الْمُسْنَدَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ، قِيلَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: ذَاكَرْتُهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَتَبْتُ بِيَدِي أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: صَنَّفْتُ هَذَا الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ.

стр. 19

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ كِتَابَ السُّنَنِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمَدْخَلِ: كَانَ الْوَاحِدُ مِنَ الْحُفَّاظِ يَحْفَظُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ وَارَةَ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِنَيْسَابُورَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَكَسْرٌ، وَهَذَا الْفَتَى، يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ، قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ أَبَا زُرْعَةَ يَحْفَظُ مِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ، هَلْ يَحْنَثُ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ كَمَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ سُورَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؛ وَفِي الْمُذَاكَرَةِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ الْحَافِظُ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ

стр. 20

أَلْفِ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا فِي التَّفْسِيرِ وَالْقِرَاءَاتِ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظَ بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَحْفَظُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: كَتَبْتُ بِأَصَابِعِي عَنْ مُطَيَّنٍ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ. وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ خَشْرَمٍ يَقُولُ: كَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يُمْلِي سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ حِفْظًا. وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَلَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِحَدِيثٍ قَطُّ إِلَّا حَفِظْتُهُ، فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ فَقَالَ: تَعْجَبُ مِنْ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ مَا كُنْتُ لِأَسْمَعَ شَيْئًا إِلَّا حَفِظْتُهُ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، أَوْ قَالَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي كُتُبِي. وَأَسْنَدَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْخَفَّافِ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ فِي كُتُبِي، وَثَلَاثِينَ أَلْفًا أَسْرُدُهَا.

стр. 21

وَأَسْنَدَ الْخَطِيبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: أَعْرِفُ مَكَانَ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَحْفَظُ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِي، وَأَحْفَظُ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ مُزَوَّرَةً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: قَالَ أَبِي لِدَاوُدَ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ وَأَنَا أَسْمَعُ: كَانَ يُحَدِّثُكُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِحِفْظِهِ؟ قَالَ نَعَمْ، مَا رَأَيْتُ مَعَهُ كِتَابًا قَطُّ، قَالَ لَهُ لَقَدْ كَانَ حَافِظًا؟ كَمْ كَانَ يَحْفَظُ؟ قَالَ شَيْئًا كَثِيرًا، قَالَ: أَكَانَ يَحْفَظُ عَشَرَةَ آلَافٍ؟ قَالَ: عَشَرَةَ آلَافٍ وَعَشَرَةَ آلَافٍ وَعَشَرَةَ آلَافٍ، فَقَالَ أَبِي: هَذَا كَانَ مِثْلَ وَكِيعٍ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَحْفَظُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ بِإِسْنَادِهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَحْفَظُ لِلشَّامِيِّينَ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَالَ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ: كَانَ عِنْدَ هُشَيْمٍ عِشْرُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَالَ الْآجُرِيُّ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ يَحْفَظُ عَشَرَةَ آلَافِ حَدِيثٍ. [الفائدة الثَّالثةُ أول من صنف في الاصطلاح] الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مِنْ أَوَّلِ مَنْ صَنَّفَ فِي

стр. 22

الِاصْطِلَاحِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ، فَعَمِلَ كِتَابَهُ " الْمُحَدِّثَ الْفَاصِلَ " لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يُهَذَّبْ وَلَمْ يُرَتَّبْ، وَتَلَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، فَعَمِلَ عَلَى كِتَابِهِ مُسْتَخْرَجًا، وَأَبْقَى فِيهِ أَشْيَاءَ لِلْمُتَعَقِّبِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُمُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فَعَمِلَ فِي قَوَانِينِ الرِّوَايَةِ كِتَابًا سَمَّاهُ: " الْكِفَايَةَ " وَفِي آدَابِهَا كِتَابًا سَمَّاهُ: " الْجَامِعَ لِآدَابِ الشَّيْخِ وَالسَّامِعِ "، وَقَلَّ فَنٌّ مِنْ فُنُونِ الْحَدِيثِ إِلَّا وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا مُفْرَدًا، فَكَانَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ نُقْطَةَ: كُلُّ مَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ بَعْدَهُ عِيَالٌ عَلَى كُتُبِهِ، ثُمَّ جَمَعَ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ كِتَابَهُ " الْإِلْمَاعَ "، وَأَبُو حَفْصٍ الْمَيَانَجِيُّ جُزْءَ " مَا لَا يَسَعُ الْمُحَدِّثَ جَهْلُهُ " وَغَيْرَ ذَلِكَ. إِلَى أَنْ جَاءَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ الصَّلَاحِ الشَّهْرُزُورِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ فَجَمَعَ لَمَّا وَلِيَ تَدْرِيسَ الْحَدِيثِ بِالْمَدْرَسَةِ الْأَشْرَفِيَّةِ كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ، فَهَذَّبَ فُنُونَهُ وَأَمْلَاهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَاعْتَنَى بِتَصَانِيفِ الْخَطِيبِ الْمُفَرَّقَةِ فَجَمَعَ شَتَاتَ مَقَاصِدِهَا، وَضَمَّ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا نُخَبَ فَوَائِدَ، فَاجْتَمَعَ فِي كِتَابِهِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ؛ فَلِهَذَا عَكَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَا يُحْصَى كَمْ نَاظِمٍ لَهُ، وَمُخْتَصِرٍ وَمُسْتَدْرِكٍ عَلَيْهِ، وَمُقْتَصِرٍ، وَمُعَارِضٍ لَهُ، وَمُنْتَصِرٍ. قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ تَرْتِيبُهُ عَلَى الْوَضْعِ الْمُنَاسِبِ: بِأَنْ يَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَتْنِ وَحْدَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّنَدِ وَحْدَهُ، وَمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مَعًا؛ وَمَا

стр. 23

يَخْتَصُّ بِكَيْفِيَّةِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَحْدَهُ، وَمَا يَخْتَصُّ بِصِفَاتِ الرُّوَاةِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ جَمَعَ مُتَفَرِّقَاتِ هَذَا الْفَنِّ مِنْ كُتُبٍ مُطَوَّلَةٍ فِي هَذَا الْحَجْمِ اللَّطِيفِ، وَرَأَى أَنَّ تَحْصِيلَهُ وَإِلْقَاءَهُ إِلَى طَالِبِيهِ أَهَمُّ مِنْ تَأْخِيرِ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ تَحْصُلَ الْعِنَايَةُ التَّامَّةُ بِحُسْنِ تَرْتِيبِهِ. وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْعِرَاقِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ جَمَاعَةٌ، كَابْنِ جَمَاعَةَ وَالتَّبْرِيزِيِّ وَالطِّيبِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ. [الفائدة الرَّابِعَةُ أَنْوَاعَ عُلُومِ الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ لَا تُعَدُّ] الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ أَنْوَاعَ عُلُومِ الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ لَا تُعَدُّ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ " الْعُجَالَةِ ": عِلْمُ الْحَدِيثِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ تَبْلُغُ مِائَةً، كُلُّ

стр. 24

نَوْعٍ مِنْهَا عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ لَوْ أَنْفَقَ الطَّالِبُ فِيهِ عُمُرَهُ لَمَا أَدْرَكَ نِهَايَتَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْهَا - وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ - خَمْسَةً وَسِتِّينَ، وَقَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِآخِرِ الْمُمْكِنِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّنْوِيعِ إِلَى مَا لَا يُحْصَى إِذْ لَا تُحْصَى أَحْوَالُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَصِفَاتُهُمْ، وَأَحْوَالُ مُتُونِ الْحَدِيثِ، وَصِفَاتُهَا، وَمَا مِنْ حَالَةٍ مِنْهَا وَلَا صِفَةٍ إِلَّا وَهِيَ بِصَدَدِ أَنَّ تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وَأَهْلُهَا، فَإِذَا هِيَ نَوْعٌ عَلَى حِيَالِهِ. اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ أَخَلَّ بِأَنْوَاعٍ مُسْتَعْمَلَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ: مِنْهَا الْقَوِيُّ وَالْجَيِّدُ وَالْمَعْرُوفُ وَالْمَحْفُوظُ وَالْمُجَوَّدُ وَالثَّابِتُ وَالصَّالِحُ. وَمِنْهَا فِي صِفَاتِ الرُّوَاةِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، كَمَنِ اتَّفَقَ اسْمُ شَيْخِهِ وَالرَّاوِي عَنْهُ، وَكَمَنِ اتَّفَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ شَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ أَوِ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، أَوِ اتَّفَقَ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَاسْتَدْرَكَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِ الِاصْطِلَاحِ خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ أُخَرَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، وَسَيَأْتِي إِلْحَاقُ كُلِّ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا أَحْكَامَ أَنْوَاعٍ فِي ضِمْنِ نَوْعٍ مَعَ إِمْكَانِ إِفْرَادِهَا بِالذِّكْرِ، كَذِكْرِهِ فِي نَوْعِ الْمُعْضَلِ أَحْكَامَ الْمُعَلَّقِ وَالْمُعَنْعَنِ، وَهُمَا نَوْعَانِ مُسْتَقِلَّانِ أَفْرَدَهُمَا ابْنُ جَمَاعَةَ، وَذَكَرَ الْغَرِيبَ وَالْعَزِيزَ وَالْمَشْهُورَ وَالْمُتَوَاتِرَ فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ،

стр. 25

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، وَوَقَعَ لَهُ عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ تَعَدُّدُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ مُتَّحِدَةٌ، وَالْمُصَنِّفُ تَابِعٌ لَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ. فَأَقُولُ:

стр. 26

[مقدمة النووي] [ الروايات الواردة في الابتداء بالبسملة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ــ [تدريب الراوي] أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ قَاضِي الْقُضَاةِ عَلَمُ الدِّينِ صَالِحُ بْنُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ سِرَاجِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ رَسْلَانَ الْبُلْقِينِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ إِجَازَةً مِنْهُمْ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ التَّنُوخِيِّ، أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْعَطَّارِ الدِّمَشْقِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، أَيْ أَبْدَأُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﷺ : «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» ، رَوَاهُ الرُّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَتَصْدِيرُ ال نَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ بِهَا مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ بِلَالِ بْنِ وَهْبٍ الْجَنَدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: «هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ إِلَّا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنِ وَبَيَاضِهَا مِنَ الْقُرْبِ» . قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَرَبَ الْغَيْمُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَسَكَنَتِ الرِّيَاحُ، وَهَاجَ الْبَحْرُ، وَأَصْغَتِ الْبَهَائِمُ بِآذَانِهَا، وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ، وَحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ أَنْ لَا يُسَمَّى اسْمُهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بَارَكَ فِيهِ» . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ لِتُعَلِّمَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ لَهُ عِيسَى: وَمَا بِاسْمِ اللَّهِ؟ قَالَ الْمُعَلِّمُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ، وَالسِّينُ سَنَاؤُهُ وَالْمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، وَاللَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ،

стр. 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَالرَّحْمَنُ رَحْمَانُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ» ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا مَوْقُوفًا أَوْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لَا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اللَّهُ ذُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، وَالرَّحْمَنُ - الْفَعْلَانُ - مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالرَّحِيمُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُضْعِفَ عَلَيْهِ الْعَذَابَ، وَبِشْرٌ ضَعِيفٌ، وَالضَّحَّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَسْنَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ قَالَ: الرَّحْمَنُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: اللَّهُ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ.

стр. 29

الْحَمْدُ لِلَّهِ ــ [تدريب الراوي] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] قَالَ: لَا أَحَدَ يُسَمَّى اللَّهَ. وَأَسْنَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ، أَيْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَسَمَّى بِهِ. وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: الرَّحِيمُ اسْمٌ لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَنْ يَنْتَحِلُوهُ، تَسَمَّى بِهِ ﵎. وَبِهَذِهِ الْآثَارِ عَرَفْتَ مُنَاسَبَةَ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي الْبَسْمَلَةِ. [الروايات الواردة في الابتداء بالحمدلة] (الْحَمْدُ لِلَّهِ) رَوَى الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبِهِ، وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَبِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: «سُرِقَتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَدْعَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَئِنْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيَّ

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] لَأَشْكُرَنَّ رَبِّي، فَرُدَّتْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ "، فَنَظَرُوا هَلْ يُحْدِثُ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً؟ فَظَنُّوا أَنَّهُ نَسِيَ، فَقَالُوا لَهُ، قَالَ: " أَلَمْ أَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ؟» . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزَادَكَ» . وَأَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ هُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ، وَالِاسْتِخْذَاءُ لِلَّهِ وَالْإِقْرَارُ بِنِعْمَتِهِ، وَابْتِدَاؤُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أَحْسَنَ مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ» . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو، وَرَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» .

стр. 31

الْفَتَّاحِ الْمَنَّانِ، ذِي الطَّوْلِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ، وَفَضَّلَ دِينَنَا عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَمَحَا بِحَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ عَبْدِهِ وَرَسُوَلِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ. ــ [تدريب الراوي] وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ» . [تفسير الفتاح والمنان وبيان معنى العبودية والخلة] (الْفَتَّاحِ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْفَتْحِ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] . (الْمَنَّانِ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْمَنِّ، بِمَعْنَى الْكَثِيرِ الْإِنْعَامِ، وَسَيَأْتِي فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ وَالْأَرْبَعِينَ فِي أَثَرٍ مُسَلْسَلٍ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ. (ذِي الطَّوْلِ) كَمَا وَصَفَ تَعَالَى بِذَلِكَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، بِذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى. (وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ) بِأَنْ هَدَانَا إِلَيْهِ وَوَفَّقَنَا لَهُ.

стр. 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (وَفَضَّلَ دِينَنَا) وَهُوَ الْإِسْلَامُ (عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ) كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ. (وَمَحَا بِحَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ) أَيِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ بَعْدَ عِيسَى ﵇، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَرْبَعَ صِفَاتٍ مِنْ أَشْرَفِ أَوْصَافِهِ ﷺ : فَالْحَبِيبُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْخُلَّةِ وَاشْتِقَاقِهَا، فَقِيلَ: الْخَلِيلُ الْمُنْقَطِعُ إِلَى اللَّهِ بِلَا مِرْيَةٍ، وَقِيلَ الْمُخْتَصُّ بِهِ، وَقِيلَ الصَّفِيُّ الَّذِي يُوَالِي فِيهِ وَيُعَادِي فِيهِ، وَقِيلَ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَأَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ، وَهِيَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَمْكِينُهُ لِعَبْدِهِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالْعِصْمَةِ، وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِ الْقُرْبِ، وَإِفَاضَةُ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، وَكَشْفُ الْحُجُبِ عَنْ قَلْبِهِ، وَالْأَكْثَرُ عَنْ أَنَّ دَرَجَةَ الْمَحَبَّةِ أَرْفَعُ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَفَى ثُبُوتَ الْخُلَّةِ لِغَيْرِ رَبِّهِ، وَأَثْبَتَ الْمَحَبَّةَ

стр. 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] لِفَاطِمَةَ وَابْنِهَا وَأُسَامَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ، وَالْعَبْدُ: مِنْ أَشْرَفِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ. أَسْنَدَ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ عَنِ الدَّقَّاقِ قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي صِفَتِهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ - وَكَانَ أَشْرَفَ أَوْقَاتِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠] ، وَلَوْ كَانَ اسْمٌ أَجَلَّ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لَسَمَّاهُ بِهِ. وَأَسْنَدَ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: الْعُبُودِيَّةُ أَتَمُّ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَأَوَّلًا عِبَادَةٌ وَهِيَ لِلْعَوَامِّ، ثُمَّ عُبُودِيَّةٌ وَهِيَ لِلْخَوَاصِّ، ثُمَّ عُبُودِيَّةٌ وَهِيَ لِخَوَاصِّ الْخَوَاصِّ. وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ مَلَكًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ؛ أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ، أَوْ عَبْدًا رَسُولًا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ، يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: " بَلْ عَبْدًا رَسُولًا» .

стр. 34

وَخَصَّهُ بِالْمُعْجِزَةِ وَالسُّنَنِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَآلِ كُلٍّ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَوَانِ، وَمَا تَكَرَّرَتْ حِكَمُهُ وَذِكْرُهُ، وَتَعَاقَبَ الْجَدِيدَانِ. ــ [تدريب الراوي] وَالْأَشْهَرُ فِي مَعْنَى الرَّسُولِ أَنَّهُ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ فَنَبِيٌّ فَقَطْ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ، وَقِيلَ: وَكَانَ مَعَهُ كِتَابٌ، أَوْ نَسْخٌ لِبَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَبِيٌّ فَقَطْ وَإِنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى، وَهُوَ الْأَوْلَى. ثُمَّ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ مُرْسَلٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ دُونَ الْمَلَائِكَةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَلِيمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَالرَّازِيُّ وَالنَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا. وَنَقَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، مِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، وَالشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَاخْتَارَ الْبَارِزِيُّ وَالسُّبْكِيُّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا، وَهُوَ اخْتِيَارِي وَقَدْ أَلَّفْتُ فِيهِ كِتَابًا، وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي شَرْحِ اسْمِهِ مُحَمَّدٍ فَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ النَّبَوِيَّةِ. [إدخاله في الصلاة سائر الأنبياء ومن هم آل النبي] (وَخَصَّهُ بِالْمُعْجِزَةِ) الْمُسْتَمِرَّةِ، أَيِ الْقُرْآنِ (وَالسُّنَنِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . أَيِ اخْتَصَصْتُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ

стр. 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بِالْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لِلْبَشَرِ، الْمُسْتَمِرِّ إِعْجَازُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّهَا انْقَضَتْ فِي وَقْتِهَا. (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَسَلَّمَ (وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَآلِ كُلٍّ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَوَانِ) أَيِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، يُقَالُ: لَا أَفْعَلُهُ مَا اخْتَلَفَ الْمَلَوَانِ، الْوَاحِدُ مَلًا بِالْقْصَرِ (وَمَا تَكَرَّرَتْ حِكَمُهُ وَذِكْرُهُ وَتَعَاقَبَ الْجَدِيدَانِ) أَيِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ أَيْضًا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: إِنَّ الْجَدِيدَيْنِ إِذَا مَا اسْتَوْلَيَا ... عَلَى جَدِيدٍ أَدْنَيَاهُ لِلْبِلَى وَقِيلَ: هُمَا الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ. وَأَدْخَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّلَاةِ سَائِرَ النَّبِيِّينَ، لِحَدِيثِ: «صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّهُمْ بُعِثُوا كَمَا بُعِثْتُ» . أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ. وَآلُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ فِي الصَّدَقَةِ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» .

стр. 36

" أَمَّا بَعْدُ " فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَهُوَ بَيَانُ طَرِيقِ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؟ وَهَذَا كِتَابٌ اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ " الْإِرْشَادِ " الَّذِي اخْتَصَرْتُهُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْمُتْقِنِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الصَّلَاحِ ﵁، أُبَالِغُ فِيهِ فِي الِاخْتِصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِالْمَقْصُودِ، وَأَحْرِصُ عَلَى إِيضَاحِ الْعِبَارَةِ، وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ الِاعْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ التَّفْوِيضُ وَالِاسْتِنَادُ. ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: «إِنَّ لَكُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ» . وَقَدْ قَسَّمَ ﷺ الْخُمْسَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ تَارِكًا أَخَوَيْهِمْ بَنِي نَوْفَلٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ مَعَ سُؤَالِهِمْ لَهُ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَآلُ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا، وَيُقَاسُ بِذَلِكَ آلُ الْبَاقِينَ. وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ عَنِ السُّنَّةِ بِالْحِكَمِ، أَخْذًا مِنْ تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] بِالسُّنَّةِ. قَالَ ذَلِكَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا. [ورود أما بعد في خطب النبي وبيان منهجه في الكتاب] (أَمَّا بَعْدُ) أَتَى بِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَطَبَ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَذِكْرُهَا فِي خُطَبِهِ ﷺ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ: " إِنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ " رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. (فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ) جَمْعُ قُرْبَةٍ أَيْ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ (إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَكَيْفَ لَا يَكُونُ) كَذَلِكَ (وَهُوَ بَيَانُ طَرِيقِ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) وَالشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مُتَعَلِّقِهِ، وَهُوَ أَيْضًا وَسِيلَةٌ إِلَى كُلِّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ. أَمَّا الْفِقْهُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ: فَلِأَنَّ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ. (وَهَذَا كِتَابٌ) فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ (اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ الْإِرْشَادِ الَّذِي اخْتَصَرْتُهُ مِنْ) كِتَابِ (عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْمُحَقِّقِ الْمُتْقِنِ) تَقِيِّ الدِّينِ (أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الشَّهْرُزُورِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ (الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الصَّلَاحِ) ، وَهُوَ لَقَبُ أَبِيهِ ﵁، أُبَالِغُ فِيهِ فِي الِاخْتِصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِالْمَقْصُودِ، وَأَحْرِصُ عَلَى إِيضَاحِ الْعِبَارَةِ، وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ الِاعْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ التَّفْوِيضُ وَالِاسْتِنَادُ) . [أنواع الحديث] [النوع الأول الصحيح] [حد الصحيح] (الْحَدِيثُ) فِيمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ) لِأَنَّهُ إِمَّا مَقْبُولٌ أَوْ مَرْدُودٌ، وَالْمَقْبُولُ إِمَّا أَنْ يَشْتَمِلَ مِنْ صِفَاتِ الْقَبُولِ عَلَى أَعْلَاهَا أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الصَّحِيحُ، وَالثَّانِي: الْحَسَنُ، وَالْمَرْدُودُ لَا حَاجَةَ إِلَى تَقْسِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بَيْنَ أَفْرَادِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَرَاتِبَهُ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ وَمَا لَا يَصْلُحُ، كَمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِتَمْيِيزِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّالِحَ لِلِاعْتِبَارِ دَاخِلٌ فِي قِسْمِ الْمَقْبُولِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، فَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ أَيْضًا وَلَمْ تُنَوَّعْ أَنْوَاعًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْضُوعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِحَدِيثٍ اصْطِلَاحًا، بَلْ بِزَعْمِ وَاضِعِهِ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَضَعِيفٌ فَقَطْ، وَالْحَسَنُ مُدْرَجٌ فِي أَنْوَاعِ الصَّحِيحِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى تَقْسِيمِهِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 38

الْحَدِيثُ: صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ. الْأَوَّلُ: الصَّحِيحُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: فِي حَدِّهِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِالْعُدُولِ الضَّابِطِينَ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ. ــ [تدريب الراوي] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ذِكْرُ الْحَسَنِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَلَكِنَّ الْخَطَّابِيَّ نَقَلَ التَّقْسِيمَ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَهُوَ إِمَامٌ ثِقَةٌ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، أَيِ الْأَكْثَرِ، أَوِ الْأَعْظَمِ، أَوِ الَّذِي اسْتَقَرَّ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا التَّقْسِيمُ إِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَ إِلَّا صَحِيحٌ وَكَذِبٌ، أَوْ إِلَى اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَهُوَ يَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي، وَالْكُلُّ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. (الْأَوَّلُ الصَّحِيحُ) وَهُوَ فَعِيلٌ - بِمَعْنَى فَاعِلٍ - مِنَ الصِّحَّةِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا مَجَازٌ. أَوِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. (وَفِيهِ مَسَائِلُ، الْأُولَى: فِي حَدِّهِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: الْمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَأَشْمَلُ لِلْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ. (بِالْعُدُولِ الضَّابِطِينَ) جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ سِلْسِلَةِ السَّنَدِ، أَيْ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ إِذْ تُوهِمُ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ ضَابِطُونَ عَنْ جَمَاعَةٍ ضَابِطِينَ، وَلَيْسَ مُرَادًا. قِيلَ: كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ بِنَقْلِ الثِّقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ جَمَعَ الْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ، وَالتَّعَارِيفُ تُصَانُ عَنِ الْإِسْهَابِ.

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ) فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُدَلَّسُ وَالْمُرْسَلُ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ، وَبِالثَّانِي مَا نَقَلَهُ مَجْهُولٌ عَيْنًا أَوْ حَالًا، أَوْ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ، وَبِالثَّالِثِ مَا نَقَلَهُ مُغَفَّلٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ، وَبِالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ الشَّاذُّ وَالْمُعَلَّلُ. ١ - [تَنْبِيهَاتٌ] الْأَوَّلُ: حَدَّ الْخَطَّابِيُّ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ: مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَعُدِّلَتْ نَقْلَتُهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَلَمْ يُشْتَرَطْ ضَبْطُ الرَّاوِي وَلَا السَّلَامَةُ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ ضَبْطَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ الْخَطَأُ فِي حَدِيثِهِ وَفَحُشَ، اسْتَحَقَّ التَّرْكَ. قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عِبَارَتِهِ، وَأَنَّ بَيْنَ قَوْلِنَا: الْعَدْلُ وَعَدَّلُوهُ فَرْقًا؛ لِأَنَّ الْمُغَفَّلَ الْمُسْتَحِقَّ لِلتَّرْكِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ: عَدَّلَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي نُكَتِهِ مَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ يَسْتَدْعِي صِدْقَ الرَّاوِي وَعَدَمَ غَفْلَتِهِ وَعَدَمَ تَسَاهُلِهِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ نَفْيِ الشُّذُوذِ يُغْنِي عَنِ اشْتِرَاطِ الضَّبْطِ؛ لِأَنَّ الشَّاذَّ إِذَا كَانَ
следующие страницы →