Полный текст (925 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ مِنْ كِتَابٍ فَطَرِيقُهُ أَنُ يَأْخُذَهُ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ قَابَلَهَا هُوَ أَوْ ثِقَةٌ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنْ قَابَلَهَا بِأَصْلٍ مُحَقَّقٍ مُعْتَمَدٍ أَجْزَأَهُ.
ــ
[تدريب الراوي]
وَأَمَّا الْحُكْمُ لِلْحَدِيثِ بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الشُّهْرَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ إِذَا وُجِدَتِ الطُّرُقُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي التَّوَقُّفُ عَنِ الْحُكْمِ بِالْفَرْدِيَّةِ وَالْغَرَابَةِ، وَعَنِ الْعِزَةِ أَكْثَرَ.
[من أراد الاحتجاج بحديث من الكتب المعتمدة]
(وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ) أَوِ الِاحْتِجَاجَ (بِحَدِيثٍ مِنْ كِتَابٍ) مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَيْثُ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ (فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ قَابَلَهَا هُوَ أَوْ ثِقَةٌ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ - مَعَ اشْتِهَارِ هَذِهِ الْكُتُبِ، وَبُعْدِهَا عَنْ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ - الثِّقَةُ بِصِحَّةِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأُصُولُ، وَفَهِمَ جَمَاعَةٌ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الِاشْتِرَاطَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْحَسَنِ، حَيْثُ قَالَ فِي التِّرْمِذِيِّ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُصَحِّحَ أَصْلَكَ بِجَمَاعَةِ أُصُولٍ، فَأَشَارَ بِيَنْبَغِي إِلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ زِيَادَةً عَلَيْهِ (فَإِنْ قَابَلَهَا بِأَصْلٍ مُحَقَّقٍ مُعْتَمَدٍ أَجْزَأَهُ) وَلَمْ يُورِدْ ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاعْتِرَاضِ، كَمَا صَنَعَ فِي مَسْأَلَةِ التَّصْحِيحِ قَبْلَهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَرَّحَ أَيْضًا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِظْهَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ، وَكَذَا فِي الْمَنْهَلِ الرَّوِيِّ.
١ -
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
[خَاتِمَةٌ]
زَادَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ هُنَا لِأَجْلِ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ، حَيْثُ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ خَيْرِ بْنِ عُمَرَ الْأَمَوِيَّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - الْإِشْبِيلِيَّ، خَالَ أَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ قَالَ فِي بَرْنَامَجِهِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا، وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ، لِحَدِيثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» . انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ الْعِرَاقِيُّ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي جُزْءٍ لَهُ فَقَالَ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ: نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَجِيبٌ، وَإِنَّمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِنَقْلِ ابْنِ بُرْهَانَ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْجَوَازِ، فَقَالَ فِي الْأَوْسَطِ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى سَمَاعِهِ، بَلْ إِذَا صَحَّ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ السَّنَدِ إِلَى مُصَنِّفِيهَا، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ.
وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ: مَنْ وَجَدَ حَدِيثًا فِي كِتَابٍ صَحِيحٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ وَيَحْتَجَّ بِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَهَذَا غَلَطٌ، وَكَذَا حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ: هُمْ عُصْبَةٌ لَا
стр. 143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
مُبَالَاةَ بِهِمْ فِي حَقَائِقِ الْأُصُولِ، يَعْنِي الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى السَّمَاعِ لَا أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ كَتَبَهُ إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ، وَالْإِسْنَادِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهَا كَمَا تَحْصُلُ بِالرِّوَايَةِ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَى الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالطِّبِّ وَسَائِرِ الْعُلُومِ لِحُصُولِ الثِّقَةِ بِهَا وَبُعْدِ التَّدْلِيسِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْخَطَأِ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ لَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا، وَقَدْ رَجَعَ الشَّارِعُ إِلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ فِي صُوَرٍ، وَلَيْسَتْ كُتُبُهُمْ مَأْخُوذَةً فِي الْأَصْلِ إِلَّا عَنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ التَّدْلِيسُ فِيهَا اعْتُمِدَ عَلَيْهَا، كَمَا اعْتُمِدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَهُمْ كُفَّارٌ، لِبُعْدِ التَّدْلِيسِ. انْتَهَى.
قَالَ: وَكُتُبُ الْحَدِيثِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا، لِاعْتِنَائِهِمْ بِضَبْطِ النُّسَخِ وَتَحْرِيرِهَا. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَرْطَ التَّخْرِيجِ مِنْ كِتَابٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى اتِّصَالِ السَّنَدِ إِلَيْهِ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَغَايَةُ الْمُخَرِّجِ أَنْ يَنْقُلَ الْحَدِيثَ مِنْ أَصْلٍ مَوْثُوقٍ بِصِحَّتِهِ وَيَنْسُبَهُ إِلَى مَنْ رَوَاهُ، وَيَتَكَلَّمَ عَلَى عِلَّتِهِ وَغَرِيبِهِ وَفِقْهِهِ.
قَالَ: وَلَيْسَ النَّاقِلُ لِلْإِجْمَاعِ مَشْهُورًا بِالْعِلْمِ مِثْلَ اشْتِهَارِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ: بَلْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّثَ بِالْخَبَرِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ. فَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ إِجْمَاعٍ بَعْدَ ذَلِكَ! .
قَالَ: وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى الْمَنْعِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ، إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ
стр. 144
النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَسَنُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ، وَيَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
ــ
[تدريب الراوي]
اشْتِرَاطُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَحْرِيمُ الْقَوْلِ بِنِسْبَةِ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ قَالَهُ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِوَايَتِهِ، بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ بِوُجُودِهِ فِي كُتُبِ مَنْ خَرَّجَ الصَّحِيحَ. أَوْ كَوْنُهُ نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ إِمَامٌ، وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ النَّاسِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي الْحَسَنُ]
[تعريف الحسن]
(النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَسَنُ) لِلنَّاسِ فِيهِ عِبَارَاتٌ: (قَالَ) أَبُو سُلَيْمَانَ (الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ) فَأَخْرَجَ بِمَعْرِفَةِ الْمَخْرَجِ الْمُنْقَطِعَ، وَحَدِيثَ الْمُدَلِّسِ قَبْلَ بَيَانِهِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا الْحَدُّ صَادِقٌ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا، فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْحَسَنِ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَصَاحِبُ الْمَنْهَلِ الرَّوِيِّ، وَأَجَابَ التِّبْرِيزِيُّ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الصَّحِيحَ أَخَصُّ مِنْهُ، وَدُخُولُ الْخَاصِّ فِي حَدِّ الْعَامِ ضَرُورِيٌّ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ مُخِلٌّ لِلْحَدِّ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ قَالَ: وَقَدِ اعْتَرَضَ ابْنُ رَشِيدٍ مَا نُقِلَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
بِأَنَّهُ رَآهُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ، وَاسْتَقَرَّ حَالُهُ - بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ دُونَ رَاءٍ فِي أَوَّلِهِ - قَالَ: وَذَلِكَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْخَطَّابِيَّ قَالَ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَهُوَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا نُقِلَ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِقَوْلِهِ: وَاسْتَقَرَّ حَالُهُ، كَبِيرُ مَعْنًى، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ: ضَعِيفٌ عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ بِالضَّعْفِ.
ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَتِمَّةِ كَلَامِهِ: (وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ) لِأَنَّ غَالِبَ الْأَحَادِيثِ لَا تَبْلُغُ رُتْبَةَ الصَّحِيحِ (وَيَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ) ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ شَدَّدَ، فَرَدَّ بِكُلِّ عِلَّةٍ، قَادِحَةٍ كَانَتْ أَمْ لَا.
كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، فَقُلْتُ: يُحْتَجُّ بِهِ؟ فَقَالَ: لَا، (وَاسْتَعْمَلَهُ) أَيْ عَمِلَ بِهِ (عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ) ، وَهَذَا الْكَلَامُ فَهِمَهُ الْعِرَاقِيُّ زَائِدًا عَلَى الْحَدِّ فَأَخَّرَ ذِكْرَهُ وَفَصَلَهُ عَنْهُ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِّ، لِيُخْرِجَ الصَّحِيحَ الَّذِي دَخَلَ فِيمَا قَبْلَهُ، بَلْ وَالضَّعِيفَ أَيْضًا.
١ -
стр. 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
[تَنْبِيهٌ]
حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ بَعْدَ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَدَّ الْحَسَنَ، بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَلَا يَكُونَ شَاذًّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَلِكَ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ: هُوَ الَّذِي فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ وَيُعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ: كُلُّ هَذَا مُبْهَمٌ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ مَا يَفْصِلُ الْحَسَنَ مِنَ الصَّحِيحِ. انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمَوَّاقِ: لَمْ يَخُصَّ التِّرْمِذِيُّ الْحَسَنَ بِصِفَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنِ الصَّحِيحِ، فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ شَاذٍّ، وَرُوَاتُهُ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ، بَلْ ثِقَاتٌ.
قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: بَقِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْحَسَنِ أَنْ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: إِنَّهُ حَسَّنَ أَحَادِيثَ لَا تُرْوَى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، كَحَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْرِفُ فِي الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ.
стр. 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ: وَأَجَابَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَى مَجِيئِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مَا كَانَ رُوَاتُهُ فِي دَرَجَةِ الْمَسْتُورِ، وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ، قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ عَرَّفَ بِنَوْعٍ مِنْهُ لَا بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: قَدْ مَيَّزَ التِّرْمِذِيُّ الْحَسَنَ عَنِ الصَّحِيحِ بِشَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ قَاصِرًا عَنْ دَرَجَةِ رَاوِي الصَّحِيحِ، بَلْ وَرَاوِي الْحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِالْكَذِبِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْتُورُ وَالْمَجْهُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَرَاوِي الصَّحِيحِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَرَاوِي الْحَسَنِ لِذَاتِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالضَّبْطِ، وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ.
قَالَ: وَلَمْ يَعْدِلِ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَوْلِهِ ثِقَاتٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَى مَا قَالَهُ إِلَّا لِإِرَادَةِ قُصُورِ رُوَاتِهِ عَنْ وَصْفِ الثِّقَةِ، كَمَا هِيَ عَادَةُ الْبُلَغَاءِ.
الثَّانِي: مَجِيئُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ التِّرْمِذِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِلَلِ الَّتِي فِي آخِرِ جَامِعِهِ " وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ هَذَا إِنَّمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَقُلْهُ اصْطِلَاحًا عَامًّا لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ.
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَقَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ: هَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ فِي أَيِّ كِتَابٍ قَالَهُ وَأَيْنَ إِسْنَادُهُ عَنْهُ، مَرْدُودٌ بِوُجُودِهِ فِي آخِرِ جَامِعِهِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ مُرَادِفٌ لِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، كَقَوْلِهِ: مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: اشْتُهِرَ رِجَالُهُ، يَعْنِي بِهِ السَّلَامَةَ مِنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ، كَقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَا يَكُونُ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَلَا يَكُونُ شَاذًّا، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّاذَّ يُنَافِي عِرْفَانَ الْمَخْرَجِ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَهُ لِذَلِكَ.
لَكِنْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: تَفْسِيرُ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمُنْقَطِعِ وَخَبَرِ الْمُدَلِّسِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ مِنْهُ بَعْضُ الْإِسْنَادِ لَا يُعْرَفُ فِيهِ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ إِذْ لَا يُدْرَى مَنْ سَقَطَ، بِخِلَافِ الشَّاذِّ الَّذِي أُبْرِزَ كُلُّ رِجَالِهِ فَعُرِفَ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ مِنْ أَيْنَ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: اشْتِهَارُ الرِّجَالِ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَا يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ مُتَّهَمٌ، لِشُمُولِهِ الْمَسْتُورَ.
وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَرَادَ بِهِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ وَفِي الْمَوْضُوعَاتِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ: وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مَضْبُوطًا بِضَابِطٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقَدْرُ الْمُحْتَمَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
стр. 149
قَالَ الشَّيْخُ: هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَخْلُو إِسْنَادُهُ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، وَلَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ، وَلَا ظَهَرَ مِنْهُ سَبَبٌ مُفَسِّقٌ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ مَعْرُوفًا بِرِوَايَةِ مِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ لِقُصُورِهِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَهُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ تَفَرُّدُهُ مُنْكَرًا.
ثُمَّ الْحَسَنُ كَالصَّحِيحِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا أَدْرَجَتْهُ طَائِفَةٌ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ.
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ الْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةَ: وَأَيْضًا فِيهِ دَوْرٌ لِأَنَّهُ عَرَّفَهُ بِصَلَاحِيَّتِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ حَسَنًا.
قُلْتُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: " وَيُعْمَلُ بِهِ " مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ بَلْ زَائِدٌ عَلَيْهِ؛ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ كَالصَّحِيحِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَصَلَهُ مِنَ الْحَدِّ، حَيْثُ قَالَ: مَا فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ فَهُوَ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ، وَيَصْلُحُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ وَالْعَمَلُ بِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْحَسَنِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا، فَقَوْلُهُ: قَرِيبٌ، أَيْ قَرِيبٌ مَخْرَجُهُ إِلَى الصَّحِيحِ مُحْتَمِلٌ لِكَوْنِ رِجَالِهِ مَسْتُورِينَ.
[أقسام الحسن وحكم الاحتجاج به]
(قَالَ الشَّيْخُ) ابْنُ الصَّلَاحِ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْحُدُودَ الثَّلَاثَةَ وَقَوْلِهِ مَا تَقَدَّمَ: قَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالْبَحْثَ جَامِعًا بَيْنَ أَطْرَافِ كَلَامِهِمْ مُلَاحِظًا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهِمْ فَتَنَقَّحَ لِي، وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ (هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَخْلُو إِسْنَادُهُ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، وَلَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ) فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلَا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ (وَلَا ظَهَرَ مِنْهُ سَبَبٌ) آخَرُ (مُفَسِّقٌ وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ) مَعَ ذَلِكَ (مَعْرُوفًا بِرِوَايَةِ مِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ) أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى اعْتُضِدَ بِمُتَابَعَةِ مَنْ تَابَعَ رَاوِيَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ بِمَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ، وَهُوَ وُرُودُ حَدِيثٍ آخَرَ نَحْوِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا أَوْ مُنْكَرًا.
стр. 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ: وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يَتَنَزَّلُ.
الْقِسْمُ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَ) لَكِنْ (لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ لِقُصُورِهِ) عَنْ رُوَاتِهِ (فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَهُوَ) مَعَ ذَلِكَ (مُرْتَفِعٌ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ تَفَرُّدُهُ) أَيْ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ حَدِيثِهِ (مُنْكَرًا) .
قَالَ: وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ هَذَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا أَوْ مُنْكَرًا، سَلَامَتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ يَتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.
قَالَ: فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ جَامِعٌ لِمَا تَفَرَّقَ فِي كَلَامِ مَنْ بَلَغَنَا كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَكَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ ذَكَرَ أَحَدَ نَوْعَيِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ النَّوْعَ الْآخَرَ، مُقْتَصِرًا كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا رَأَى أَنَّهُ يُشْكِلُ، مُعْرِضًا عَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُشْكِلُ، أَوْ أَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الْبَعْضِ وَذَهَلَ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٌ وَمُنَاقَشَاتٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ: الضَّعِيفُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُرْسَلُ الَّذِي فِي رِجَالِهِ مَسْتُورٌ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُرْسَلُ الَّذِي اشْتُهِرَ رَاوِيهِ بِمَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ بِحَسَنٍ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَالَ: وَلَوْ قِيلَ: الْحَسَنُ كُلُّ حَدِيثٍ خَالٍ عَنِ الْعِلَلِ، وَفِي سَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ مَسْتُورٌ
стр. 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، أَوْ مَشْهُورٌ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ الْإِتْقَانِ، لَكَانَ أَجْمَعَ لِمَا حَدَّدُوهُ وَأَخْصَرَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ قِيلَ الْحَسَنُ مُسْنَدُ مَنْ قَرُبَ مِنْ دَرَجَةِ الثِّقَةِ، أَوْ مُرْسَلُ ثِقَةٍ، وَرُوِيَ كِلَاهُمَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَسَلِمَ مِنْ شُذُوذٍ وَعِلَّةٍ، لَكَانَ أَجْمَعَ الْحُدُودِ وَأَضْبَطَهَا وَأَبْعَدَ عَنِ التَّعْقِيدِ.
وَحَدَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي النُّخْبَةِ الصَّحِيحَ لِذَاتِهِ: بِمَا نَقَلَهُ عَدْلٌ تَامُّ الضَّبْطِ مُتَّصِلَ السَّنَدِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ فَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ.
فَشَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ فِي الشُّرُوطِ إِلَّا إِتْمَامَ الضَّبْطِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ بِالِاعْتِضَادِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ الشُّمُنِّيُّ: الْحَسَنُ خَبَرٌ مُتَّصِلٌ قَلَّ ضَبْطُ رَاوِيهِ الْعَدْلِ، وَارْتَفَعَ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ تَفَرُّدُهُ مُنْكَرًا، وَلَيْسَ بِشَاذٍّ وَلَا مُعَلَّلٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْحَسَنُ لَمَّا تَوَسَّطَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ عِنْدَ النَّاظِرِ، كَأَنَّ شَيْئًا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْحَافِظِ، قَدْ تَقْصُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، كَمَا قِيلَ فِي الِاسْتِحْسَانِ، فَلِذَلِكَ صَعُبَ تَعْرِيفُهُ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ.
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
[تَنْبِيهٌ]
الْحَسَنُ أَيْضًا عَلَى مَرَاتِبَ، كَالصَّحِيحِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: فَأَعْلَى مَرَاتِبِهِ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ التَّيْمِيِّ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا قِيلَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ مِنْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا اخْتُلِفَ فِي تَحْسِينِهِ وَتَضْعِيفِهِ، كَحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَنَحْوِهِمْ.
(ثُمَّ الْحَسَنُ كَالصَّحِيحِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا أَدْرَجَتْهُ طَائِفَةٌ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ) كَالْحَاكِمِ وَابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ، مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ دُونَ الصَّحِيحِ الْمُبَيَّنِ أَوَّلًا، وَلَا بِدْعَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثٍ لَهُ طَرِيقَانِ لَوِ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ، إِذَا وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُسْنَدٍ، أَوْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ آخَرُ بِشَرْطِهِ كَمَا سَيَجِيءُ، قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَقَالَ فِي الِاقْتِرَاحِ: مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَ يُحْتَجُّ بِهِ، فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ ثَمَّ أَوْصَافًا يَجِبُ مَعَهَا قَبُولُ الرِّوَايَةِ إِذَا وُجِدَتْ فِي الرَّاوِي، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُسَمَّى بِالْحَسَنِ مِمَّا وُجِدَتْ فِيهِ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ الَّتِي يَجِبُ مَعَهَا الْقَبُولُ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَإِنْ سُمِّيَ حَسَنًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَدَّ هَذَا إِلَى أَمْرٍ اصْطِلَاحِيٍّ، بِأَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهَا مَرَاتِبُ وَدَرَجَاتٌ فَأَعْلَاهَا وَأَوْسَطُهَا يُسَمَّى صَحِيحًا، وَأَدْنَاهَا يُسَمَّى حَسَنًا، وَحِينَئِذٍ رَجَعَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَى الِاصْطِلَاحِ وَيَكُونُ الْكُلُّ صَحِيحًا فِي الْحَقِيقَةِ.
стр. 153
وَقَوْلُهُمْ: حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ أَوْ صَحِيحُهُ، دُونَ قَوْلِهِمْ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ: لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أَوْ يَحْسُنُ الْإِسْنَادُ دُونَ الْمَتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ حَافِظٌ مُعْتَمَدٌ فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْمَتْنِ وَحُسْنُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَمَعْنَاهُ رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَالْآخَرُ الْحُسْنَ.
ــ
[تدريب الراوي]
[قَوْلُ الْحُفَّاظِ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ أَوْ صَحِيحُهُ]
(وَقَوْلُهُمْ) أَيِ الْحُفَّاظِ هَذَا (حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ أَوْ صَحِيحُهُ دُونَ قَوْلِهِمْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أَوْ يَحْسُنُ الْإِسْنَادُ) لِثِقَةِ رِجَالِهِ (دُونَ الْمَتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ) وَكَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
(فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ حَافِظٌ مُعْتَمَدٌ) وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ عِلَّةً وَلَا قَادِحًا (فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْمَتْنِ وَحُسْنُهُ) لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحَ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ مِنْهُمْ لَا يَعْدِلُ عَنْ قَوْلِهِ: صَحِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إِلَّا لِأَمْرٍ مَا.
(وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ) كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ هَذَا (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَهُوَ مِمَّا اسْتُشْكِلَ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ قَاصِرٌ عَنِ الصَّحِيحِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ إِثْبَاتُ الْقُصُورِ وَنَفْيُهُ فِي حَدِيثٍ، (فَمَعْنَاهُ) أَنَّهُ (رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْآخَرُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ) فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ذَلِكَ، أَيْ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ إِسْنَادٍ، صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ آخَرَ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي قِيلَ فِيهَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ
стр. 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
لَهَا إِلَّا مَخْرَجٌ وَاحِدٌ، كَحَدِيثٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا بَقِيَ نِصْفُ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا» ، وَقَالَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ إِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مُرِيدًا تَفَرُّدَ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنِ الْآخَرِ لَا التَّفَرُّدَ الْمُطْلَقَ.
قَالَ: وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفِتَنِ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ» الْحَدِيثَ. قَالَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَاسْتَغْرَبَهُ مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ لَا مُطْلَقًا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَمْشِي فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، كَالْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِجَوَابٍ ثَانٍ هُوَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُسْنِ اللُّغَوِيُّ دُونَ الِاصْطِلَاحِيِّ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ حَيْثُ رَوَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ حَدِيثَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جِدًّا، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَوِيٌّ.
стр. 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
فَأَرَادَ بِالْحُسْنِ حُسْنَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى الْبَلْقَاوِيِّ وَهُوَ كَذَّابٌ يُنْسَبُ إِلَى الْوَضْعِ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعَمِّيِّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ.
وَرُوِّينَا عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ تُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ وَتَدَعُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الْحَدِيثِ - فَقَالَ: مِنْ حُسْنِهَا فَرَرْتُ، يَعْنِي أَنَّهَا مُنْكَرَةٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ إِذَا اجْتَمَعُوا أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ، قَالَ السَّمْعَانِيُّ: عَنَى بِالْأَحْسَنِ الْغَرِيبَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ إِذَا كَانَ حَسَنَ اللَّفْظِ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ إِذَا جَرَوْا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا، أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُوصَفُ بِصِفَةٍ فَالْحُسْنُ تَابِعُهُ، فَإِنَّ كُلَّ الْأَحَادِيثِ حَسَنَةُ اللَّفْظِ بَلِيغَةُ الْمَعَانِي، وَلَمَا رَأَيْنَا الَّذِي وَقَعَ لَهُ هَذَا كَثِيرَ الْفَرْقِ، فَتَارَةً يَقُولُ: حَسَنٌ فَقَطْ، وَتَارَةً: صَحِيحٌ فَقَطْ، وَتَارَةً: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَتَارَةً: صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَتَارَةً: حَسَنٌ غَرِيبٌ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ جَارٍ مَعَ الِاصْطِلَاحِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْجَامِعِ: وَمَا قُلْنَا فِي كِتَابِنَا " حَدِيثٌ حَسَنٌ " فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ أَرَادَ حُسْنَ الْإِسْنَادِ فَانْتَفَى أَنْ يُرِيدَ حُسْنَ اللَّفْظِ.
стр. 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَأَجَابَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِجَوَابٍ ثَالِثٍ: وَهُوَ أَنَّ الْحَسَنَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُصُورُ عَنِ الصِّحَّةِ إِلَّا حَيْثُ انْفَرَدَ الْحُسْنُ، أَمَّا إِذَا ارْتَفَعَ إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ فَالْحُسْنُ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ تَبَعًا لِلصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا وَهِيَ الْحِفْظُ وَالْإِتْقَانُ لَا يُنَافِي وُجُودَ الدُّنْيَا كَالصِّدْقِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الدُّنْيَا صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْعُلْيَا، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ كُلَّ صَحِيحٍ حَسَنٌ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّاقِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَشِبْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الرَّاوِي: صَدُوقٌ فَقَطْ وَصَدُوقٌ ضَابِطٌ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ قَاصِرٌ عَنْ دَرَجَةِ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَالثَّانِيَ مِنْهُمْ، فَكَمَا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَا يَضُرُّ وَلَا يُشْكِلُ، فَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ.
وَلِابْنِ كَثِيرٍ جَوَابٌ رَابِعٌ وَهُوَ: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، قَالَ: فَمَا يَقُولُ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الْحَسَنِ وَدُونَ الصَّحِيحِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ جَوَابٌ خَامِسٌ وَهُوَ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فَيُخَصُّ جَوَابُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِمَا لَهُ إِسْنَادَانِ فَصَاعِدًا، وَجَوَابُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ بِالْفَرْدِ.
стр. 157
وَأَمَّا تَقْسِيمُ الْبَغَوِيِّ أَحَادِيثَ الْمَصَابِيحِ إِلَى حِسَانٍ وَصِحَاحٍ مُرِيدًا بِالصِّحَاحِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِالْحِسَانِ مَا فِي السُّنَنِ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَ، وَالْحَسَنَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمُنْكَرَ.
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ: وَجَوَابٌ سَادِسٌ وَهُوَ: الَّذِي أَرْتَضِيهِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي النُّخْبَةِ وَشَرْحِهَا: أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ تَعَدَّدَ إِسْنَادُهُ فَالْوَصْفُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادَيْنِ أَوِ الْأَسَانِيدِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَمَا قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ فَوْقَ مَا قِيلَ فِيهِ صَحِيحٌ فَقَطْ إِذَا كَانَ فَرْدًا؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تُقَوِّي، وَإِلَّا فَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ النُّقَّادِ فِي رَاوِيهِ، فَيَرَى الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمْ بَعْضَهُمْ يَقُولُ فِيهِ: صَدُوقٌ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ فِيهِ: ثِقَةٌ، وَلَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ يَتَرَجَّحُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى كَلَامِ النَّاسِ فِيهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ صَحِيحٌ عِنْدَ قَوْمٍ.
قَالَ: وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ التَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا مَا قِيلَ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ دُونَ مَا قِيلَ فِيهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْجَزْمَ أَقْوَى مِنَ التَّرَدُّدِ. انْتَهَى.
وَهَذَا الْجَوَابُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ كَثِيرٍ.
[تَقْسِيمُ الْبَغَوِيِّ أَحَادِيثَ الْمَصَابِيحِ إِلَى حِسَانٍ مريدا بها السنن وَصِحَاحٍ مريدا بها ما في الصحيح]
(وَأَمَّا تَقْسِيمُ الْبَغَوِيِّ أَحَادِيثَ الْمَصَابِيحِ إِلَى حِسَانٍ وَصِحَاحٍ مُرِيدًا بِالصِّحَاحِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَبِالْحِسَانِ مَا فِي السُّنَنِ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ فِي السُّنَنِ الصَّحِيحَ
стр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَالْحَسَنَ وَالضَّعِيفَ وَالْمُنْكَرَ) كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الصِّحَاحَ، كَقَوْلِ السَّلَفِيِّ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ: اتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهَا عُلَمَاءُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَكَإِطْلَاقِ الْحَاكِمِ عَلَى التِّرْمِذِيِّ الْجَامِعَ الصَّحِيحَ، وَإِطْلَاقِ الْخَطِيبِ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّسَائِيِّ اسْمَ الصَّحِيحِ فَقَدْ تَسَاهَلَ.
قَالَ التَّاجُ التِّبْرِيزِيُّ: وَلَا أَزَالُ أَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْخَيْنِ يَعْنِي ابْنَ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيَّ فِي اعْتِرَاضِهِمَا عَلَى الْبَغَوِيِّ، مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ أَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَكَذَا مَشَى عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْعَجَمِ آخِرُهُمْ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْكَافِيجِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَأُجِيبَ عَنِ الْبَغَوِيِّ بِأَنَّهُ يُبَيِّنُ عَقِبَ كُلِّ حَدِيثٍ الصَّحِيحَ وَالْحَسَنَ وَالْغَرِيبَ، قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّهُ لَا يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِنَ الْحَسَنِ فِيمَا أَوْرَدَهُ مِنَ السُّنَنِ، بَلْ يَسْكُتُ، وَيُبَيِّنُ الْغَرِيبَ وَالضَّعِيفَ غَالِبًا، فَالْإِيرَادُ بَاقٍ فِي مَزْجِهِ صَحِيحَ مَا فِي السُّنَنِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَسَنِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَرَادَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنْ يُعَرِّفَ أَنَّ الْبَغَوِيَّ اصْطَلَحَ لِنَفْسِهِ أَنْ يُسَمِّيَ السُّنَنَ الْأَرْبَعَةَ: الْحِسَانَ، لِيَسْتَغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ كُلِّ حَدِيثٍ:
стр. 159
فُرُوعٌ:
أَحَدُهَا: كِتَابُ التِّرْمِذِيِّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ.
وَتَخْتَلِفُ النُّسَخُ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَنَحْوُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْتَنِيَ بِمُقَابَلَةِ أَصْلِكَ بِأُصُولٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَتَعْتَمِدَ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ، وَمِنْ مَظَانِّهِ سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ، وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، فَعَلَى هَذَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُصَحِّحْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَمَدِينَ وَلَا ضَعَّفَهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ.
ــ
[تدريب الراوي]
أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، فَإِنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى الْمُصْطَلَحِ الْعُرْفِيِّ.
[فُرُوعٌ مظنة الأحاديث الحسنة سنن الترمذي وأبي داود]
[فُرُوعٌ]
(أَحَدُهَا) فِي مَظِنَّةِ الْحَسَنِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الصَّحِيحِ مَظَانَّهُ، وَذَكَرَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مَظَانَّهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِيهِ إِلَّا يَسِيرًا نَبَّهَ عَلَيْهِ.
(كِتَابُ) أَبِي عِيسَى (التِّرْمِذِيِّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ) وَأَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُوجَدُ فِي مُتَفَرِّقَاتٍ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَالطَّبَقَةِ الَّتِي قَبْلَهُ كَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَكَذَا مَشَايِخُ الطَّبَقَةِ الَّتِي قَبْلَ ذَلِكَ كَالشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ - عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا.» الْحَدِيثَ -: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا، وَسَمِعْتُ مَنْ يَرْوِي بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ» ، الْحَدِيثَ.
стр. 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَكَذَا يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ أَكْثَرَا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمَا أَلَّفَا بَعْدَ التِّرْمِذِيِّ.
(وَتَخْتَلِفُ النُّسَخُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كُتُبِ التِّرْمِذِيِّ (فِي قَوْلِهِ حَسَنٌ أَوْ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَنَحْوُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْتَنِيَ بِمُقَابَلَةِ أَصْلِكَ بِأُصُولٍ مُعْتَمَدَةٍ، وَتَعْتَمِدَ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ. وَمِنْ مَظَانِّهِ) أَيْضًا (سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ، وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ) ، قَالَ: وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ.
(فَعَلَى هَذَا مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِهِ مُطْلَقًا) وَلَمْ يَكُنْ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، (وَلَمْ يُصَحِّحْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَمَدِينَ) الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ (وَلَا ضَعَّفَهُ فَهُوَ حَسَنٌ
стр. 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ) لِأَنَّ الصَّالِحَ لِلِاحْتِجَاجِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَلَا يَرْتَقِي إِلَى الصِّحَّةِ إِلَّا بِنَصٍّ، فَالْأَحْوَطُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَسَنِ، وَأَحْوَطُ مِنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصَالِحٍ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ ابْنِ رَشِيدٍ بِأَنَّ مَا سَكَتَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ صَحِيحًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَزَادَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ حَسَنًا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَا مُنْدَرِجًا فِي حَدِّ الْحَسَنِ، إِذْ حَكَى ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ الْبَاوَرْدِيَّ يَقُولُ: كَانَ مِنْ مَذْهَبِ النَّسَائِيِّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ مَنْ لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَى تَرْكِهِ، قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ يَأْخُذُ مَأْخَذَهُ، وَيُخْرِجُ الْإِسْنَادَ الضَّعِيفَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْدَهُ مِنْ رَأْيِ الرِّجَالِ.
وَهَذَا أَيْضًا رَأْيُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ ضَعِيفَ الْحَدِيثِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
رَأْيِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ إِلَى الْقِيَاسِ إِلَّا بَعْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَحْثِ مَزِيدُ كَلَامٍ، حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ، فَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ " صَالِحٌ " الصَّالِحَ لِلِاعْتِبَارِ دُونَ الِاحْتِجَاجِ، فَيَشْمَلَ الضَّعِيفَ أَيْضًا، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ: وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ حَسَنٌ. فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَا إِشْكَالَ.
١ -
[تَنْبِيهٌ]
اعْتَرَضَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ مَا ذُكِرَ فِي شَأْنِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فَقَالَ: لَمْ يَرْسُمْ أَبُو دَاوُدَ شَيْئًا بِالْحُسْنِ، وَعَمَلُهُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِعَمَلِ مُسْلِمٍ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِهِ، أَنَّهُ اجْتَنَبَ الضَّعِيفَ الْوَاهِيَ، وَأَتَى بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَحَدِيثُ مَنْ مَثَّلَ بِهِ مِنَ الرُّوَاةِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَوْجُودٌ فِي كِتَابِهِ دُونَ الْقِسْمِ
стр. 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
الثَّالِثِ، قَالَ: فَهَلَّا أُلْزِمَ مُسْلِمٌ مِنْ ذَلِكَ مَا أُلْزِمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ فَمَعْنَى كَلَامِهِمَا وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ وَمَا يُشْبِهُهُ، يَعْنِي فِي الصِّحَّةِ، وَيُقَارِبُهُ، يَعْنِي فِيهَا أَيْضًا، هُوَ نَحْوُ قَوْلِ مُسْلِمٍ: لَيْسَ كُلُّ الصَّحِيحِ يَجِدُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَشُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى مِثْلِ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَيَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، لِمَا يَشْمَلُ الْكُلَّ مِنِ اسْمِ الْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ مُسْلِمًا شَرَطَ الصَّحِيحَ، فَتَحَرَّجَ مِنْ حَدِيثِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فَذَكَرَ مَا يَشْتَدُّ وَهَنُهُ عِنْدَهُ، وَالْتَزَمَ الْبَيَانَ عَنْهُ.
قَالَ: وَفِي قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ بَعْضَهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ. مَا يُشِيرُ إِلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ، لِمَا يَقْتَضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ فِي الْأَكْثَرِ، وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ مُسْلِمًا الْتَزَمَ الصَّحِيحَ، بَلِ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى حَدِيثٍ خَرَّجَهُ بِأَنَّهُ حَسَنٌ عِنْدَهُ، لِمَا عُرِفَ مِنْ قُصُورِ الْحَسَنِ عَنِ الصَّحِيحِ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ: مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ صَالِحٌ، وَالصَّالِحُ يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْحَسَنَ، فَلَا يَرْتَقِي إِلَى الْأَوَّلِ إِلَّا بِيَقِينٍ.
وَثَمَّ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى: مِنْهَا: أَنَّ الْعَمَلَيْنِ إِنَّمَا تَشَابَهَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَتَى بِثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، لَكِنَّهَا فِي سُنَنِ
стр. 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
أَبِي دَاوُدَ رَاجِعَةٌ إِلَى مُتُونِ الْحَدِيثِ، وَفِي مُسْلِمٍ إِلَى رِجَالِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَ ضَعْفِ الرَّجُلِ وَصِحَّةِ حَدِيثِهِ مُنَافَاةٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: مَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ، فَفُهِمَ أَنَّ ثَمَّ شَيْئًا فِيهِ وَهَنٌ غَيْرُ شَدِيدٍ لَمْ يَلْتَزِمْ بَيَانَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مُسْلِمًا إِنَّمَا يَرْوِي عَنِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْمُتَابَعَاتِ لِيَنْجَبِرَ الْقُصُورُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ مَنْ هُوَ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ؛ ثُمَّ إِنَّهُ يُقِلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ جِدًّا، وَأَبُو دَاوُدَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
١ -
[فَوَائِدُ]
الْأُولَى: مِنْ مَظَانِّ الْحَسَنِ أَيْضًا سُنَنُ الدَّارَقُطْنِيِّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْمَنْهَلِ الرَّوِيِّ.
الثَّانِيَةُ: عِدَّةُ أَحَادِيثِ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ، وَهُوَ رِوَايَاتٌ، أَتَمُّهَا رِوَايَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ، وَالْمُتَّصِلَةُ الْآنَ بِالسَّمَاعِ رِوَايَةُ أَبِي عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيِّ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَوَّلُ مَا أُرْشِدُ إِلَيْهِ مَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اعْتِمَادِهِ، وَذَلِكَ الْكُتُبُ الْخَمْسَةُ وَالْمُوَطَّأُ الَّذِي تَقَدَّمَهَا وَضْعًا وَلَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْهَا رُتْبَةً.
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ مَقَاصِدُهُمْ فِيهَا، وَلِلصَّحِيحَيْنِ فِيهَا شُفُوفٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ لِمَنْ أَرَادَ
стр. 165
وَأَمَّا مُسْنَدُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ، فَلَا تَلْتَحِقُ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا، وَالرُّكُونِ إِلَى مَا فِيهَا.
ــ
[تدريب الراوي]
التَّفَقُّهَ مَقَاصِدُ جَلِيلَةٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي حَصْرِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِيعَابِهَا مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي فُنُونِ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ سَلَكَ النَّسَائِيُّ أَغْمَضَ تِلْكَ الْمَسَالِكِ وَأَجَلَّهَا.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: انْحَطَّتْ رُتْبَةُ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ لِإِخْرَاجِهِ حَدِيثَ الْمَصْلُوبِ وَالْكَلْبِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا.
[وجه عدم التحاق المسانيد بالأصول الخمسة]
(وَأَمَّا مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: كَمُسْنَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَالدَّارِمِيِّ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ، فَهَؤُلَاءِ عَادَتُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا فِي مُسْنَدِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِهِ، غَيْرَ مُقَيَّدِينَ بِأَنْ يَكُونَ مُحْتَجًّا بِهِ أَوْ لَا، (فَلَا تَلْتَحِقُ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا) .
قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُبَوَّبَةِ كَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ (فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا وَالرُّكُونِ إِلَى مَا فِيهَا) لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَى أَبْوَابٍ إِنَّمَا يُورِدُ أَصَحَّ مَا فِيهِ لِيَصْلُحَ لِلِاحْتِجَاجِ.
١ -
[تَنْبِيهَاتٌ]
الْأَوَّلُ: اعْتُرِضَ عَلَى التَّمْثِيلِ بِمُسْنَدِ أَحْمَدَ بِأَنَّهُ شَرَطَ فِي مُسْنَدِهِ الصَّحِيحَ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَالَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: أَنَّهُ سُئِلَ
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
عَنْ حَدِيثٍ فَقَالَ: انْظُرُوهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْنَدِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ مَا لَيْسَ فِيهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، قَالَ: عَلَى أَنَّ ثَمَّ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَتْ فِيهِ، مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ، قَالَ: وَأَمَّا وُجُودُ الضَّعِيفِ فِيهِ فَهُوَ مُحَقَّقٌ، بَلْ فِيهِ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ فِيهِ زِيَادَاتٌ فِيهَا الضَّعِيفُ وَالْمَوْضُوعُ. انْتَهَى.
وَقَدْ أَلَّفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كِتَابًا فِي رَدِّ ذَلِكَ سَمَّاهُ: " الْقَوْلُ الْمُسَدَّدُ فِي الذَّبِّ عَنِ الْمُسْنَدِ " قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ مَا حَضَرَنِي مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، وَهِيَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ذَبًّا عَنْ هَذَا التَّصْنِيفِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالتَّكْرِيمِ، وَجَعَلَهُ إِمَامُهُمْ حُجَّةً يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ سَرَدَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَمَعَهَا الْعِرَاقِيُّ وَهِيَ تِسْعَةٌ، وَأَضَافَ إِلَيْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا أَوْرَدَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَهِيَ فِيهِ، وَأَجَابَ عَنْهَا حَدِيثًا حَدِيثًا.
قُلْتُ: وَقَدْ فَاتَهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ أَوْرَدَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهِيَ فِيهِ، وَجَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ سَمَّيْتُهُ " الذَّيْلَ الْمُمَهَّدَ " مَعَ الذَّبِّ عَنْهَا، وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِهِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ: فِي رِجَالِ الْأَرْبَعَةِ: لَيْسَ فِي الْمُسْنَدِ
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ أَوْ أَرْبَعَةً، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ «الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ زَحْفًا» ، قَالَ: وَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّا أَمَرَ أَحْمَدُ بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ فَتُرِكَ سَهْوًا، أَوْ ضُرِبَ وَكُتِبَ مِنْ تَحْتِ الضَّرْبِ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " تَجْرِيدِ زَوَائِدِ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ ": إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ لَمْ نَعْزُهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَانِيدِ.
وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ: مُسْنَدُ أَحْمَدَ أَصَحُّ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَا يُوَازِي مُسْنَدَ أَحْمَدَ كِتَابٌ مُسْنَدٌ فِي كَثْرَتِهِ وَحُسْنِ سِيَاقَاتِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْنِ.
وَقَالَ الْحُسَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي رِجَالِ الْعَشَرَةِ: عِدَّةُ أَحَادِيثِ الْمُسْنَدِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا بِالْمُكَرَّرِ.
الثَّانِي: قِيلَ وَإِسْحَاقُ يُخْرِجُ أَمْثَلَ مَا وَرَدَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَنْهُ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا فِيهِ صَحِيحًا، بَلْ هُوَ أَمْثَلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَرَكَهُ، وَفِيهِ الضَّعِيفُ.
الثَّالِثُ: قِيلَ وَمُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ بَلْ هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
الْأَبْوَابِ. وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بِالصَّحِيحِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَمْ أَرَ لِمُغَلْطَاي سَلَفًا فِي تَسْمِيَةِ الدَّارِمِيِّ صَحِيحًا، إِلَّا قَوْلَهُ إِنَّهُ رَآهُ بِخَطِّ الْمُنْذِرِيِّ، وَكَذَا قَالَ الْعَلَائِيُّ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَيْسَ دُونَ السُّنَنِ فِي الرُّتْبَةِ، بَلْ لَوْ ضُمَّ إِلَى الْخَمْسَةِ لَكَانَ أَمْثَلَ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ، فَإِنَّهُ أَمْثَلُ مِنْهُ بِكَثِيرٍ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: اشْتُهِرَ تَسْمِيَتُهُ بِالْمُسْنَدِ كَمَا سَمَّى الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ بِالْمُسْنَدِ لِكَوْنِ أَحَادِيثِهِ مُسْنَدَةً، قَالَ: إِلَّا أَنَّ فِيهِ الْمُرْسَلَ وَالْمُعْضَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْمَقْطُوعَ كَثِيرًا، عَلَى أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي تَرْجَمَةِ الدَّارِمِيِّ أَنَّ لَهُ الْجَامِعَ وَالْمُسْنَدَ وَالتَّفْسِيرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ الْمَوْجُودَ الْآنَ هُوَ الْجَامِعُ وَالْمُسْنَدُ فَقَطْ.
الرَّابِعُ: قِيلَ: وَمُسْنَدُ الْبَزَّارِ يُبَيِّنُ فِيهِ الصَّحِيحَ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا قَلِيلًا، إِلَّا أَنَّهُ يُتَكَلَّمُ فِي تَفَرُّدِ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَمُتَابَعَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
[فَائِدَةٌ]
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: يُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مُسْنَدٍ صُنِّفَ مُسْنَدُ الطَّيَالِسِيِّ، قِيلَ: وَالَّذِي حَمَلَ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ عَصْرِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى أَعْصَارِ مَنْ صَنَّفَ
стр. 169
الثَّانِي: إِذَا كَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ مُتَأَخِّرًا عَنْ دَرَجَةِ الْحَافِظِ الضَّابِطِ، مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالسِّتْرِ فَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ قَوِيٍّ وَارْتَفَعَ مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الصَّحِيحِ.
ــ
[تدريب الراوي]
الْمَسَانِيدَ، وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ صَنَّفَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جَمْعِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، جَمَعَ فِيهِ مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ خَاصَّةً عَنْهُ، وَشَذَّ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَيُشْبِهُ هَذَا مُسْنَدَ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ تَصْنِيفَهُ، وَإِنَّمَا لَقَطَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ النَّيْسَابُورِيِّينَ مِنْ مَسْمُوعِ الْأَصَمِّ مِنَ الْأُمِّ وَسَمَّعَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ سَمَّعَ الْأُمَّ - أَوْ غَالِبَهَا - عَلَى الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَعُمِّرَ، فَكَانَ آخِرَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَحَصَلَ لَهُ صَمَمٌ فَكَانَ فِي السَّمَاعِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ.
[حكم حديث راوي تأخر عن درجة الحافظ الضابط]
الثَّانِي: (إِذَا كَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ مُتَأَخِّرًا عَنْ دَرَجَةِ الْحَافِظِ الضَّابِطِ) مَعَ كَوْنِهِ (مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالسِّتْرِ) وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَحَدِيثُهُ حَسَنٌ (فَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ) وَلَوْ وَجْهًا وَاحِدًا آخَرَ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّلَاحِ (قَوِيٍّ) بِالْمُتَابَعَةِ وَزَالَ مَا كُنَّا نَخْشَاهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ، وَانْجَبَرَ بِهَا ذَلِكَ النَّقْصُ الْيَسِيرُ، (وَارْتَفَعَ) حَدِيثُهُ (مِنْ) دَرَجَةِ (الْحَسَنِ إِلَى) دَرَجَةِ (الصَّحِيحِ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مِثَالُهُ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
فَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالصِّيَانَةِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ، حَتَّى ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ سُوءِ حِفْظِهِ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ لِصِدْقِهِ
стр. 170
الثَّالِثُ: إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ مَجْمُوعِهَا حُسْنٌ، بَلْ مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الْأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَصَارَ حَسَنًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهَا لِإِرْسَالٍ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَأَمَّا الضَّعْفُ لِفِسْقِ الرَّاوِي فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ.
ــ
[تدريب الراوي]
وَجَلَالَتِهِ، فَحَدِيثُهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ حَسَنٌ، فَلَمَّا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ كَوْنُهُ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ، وَالْمُتَابَعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَتْ لِمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَلْ لِأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الْأَعْرَجُ، وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، وَأَبُوهُ وَغَيْرُهُمْ.
وَمَثَّلَ غَيْرُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي ذِكْرِ خَيْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ أُبَيًّا هَذَا ضَعَّفَهُ - لِسُوءِ حِفْظِهِ - أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ، وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ، لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ فَارْتَقَى إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ.
[حُكْمُ حَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ]
(الثَّالِثُ: إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ مَجْمُوعِهَا) أَنَّهُ (حَسَنٌ بَلْ مَا كَانَ ضَعْفُهُ لِضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ الصَّدُوقِ الْأَمِينِ زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ) ، وَعَرَفْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَفِظَهُ وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ، (وَصَارَ) الْحَدِيثُ (حَسَنًا) بِذَلِكَ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ
стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ (ق ٥٨ \ أ) بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ، عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي حَدْرَدٍ، فَعَاصِمٌ ضَعِيفٌ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَقَدْ حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ لِمَجِيئِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
(وَكَذَا إِذَا كَانَ ضَعْفُهَا لِإِرْسَالٍ) ، أَوْ تَدْلِيسٍ، أَوْ جَهَالَةِ رِجَالٍ، كَمَا زَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (زَالَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ) وَكَانَ دُونَ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ.
مِثَالُ الْأَوَّلِ يَأْتِي فِي نَوْعِ الْمُرْسَلِ، وَمِثَالُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ» .
فَهُشَيْمٌ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ، لَكِنْ لَمَّا تَابَعَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَبُو يَحْيَى التَّيْمِيُّ، وَكَانَ
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
لِلْمَتْنِ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَغَيْرِهِ حَسَّنَهُ.
(وَأَمَّا الضَّعْفُ لِفِسْقِ الرَّاوِي) ، أَوْ كَذِبِهِ، (فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ) لَهُ، إِذَا كَانَ الْآخَرُ مِثْلَهُ ; لِقُوَّةِ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ.
نَعَمْ يَرْتَقِي بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، عَنْ كَوْنِهِ مُنْكَرًا أَوْ لَا أَصْلَ لَهُ. صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، قَالَ: بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتِ الطُّرُقُ حَتَّى أَوْصَلَتْهُ إِلَى دَرَجَةِ الْمَسْتُورِ وَالسَّيِّئِ الْحِفْظِ، بِحَيْثُ إِذَا وُجِدَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ ارْتَقَى بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ.
١ -
خَاتِمَةٌ
مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْمَقْبُولِ: الْجَيِّدُ، وَالْقَوِيُّ، وَالصَّالِحُ وَالْمَعْرُوفُ، وَالْمَحْفُوظُ، وَالْمُجَوَّدُ، وَالثَّابِتُ.
فَأَمَّا الْجَيِّدُ: فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ لَمَّا حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ (ق ٥٨ \ ب) ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ أَصَحَّهَا: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: عِبَارَةُ أَحْمَدَ أَجْوَدُ الْأَسَانِيدِ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.
قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالصَّحِيحِ، كَذَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْجَوْدَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الصِّحَّةِ.
وَفِي " جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ " فِي الطِّبِّ: هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ، لَا
стр. 173
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الضَّعِيفُ: وَهُوَ مَا لَمْ يَجْمَعْ صِفَةَ الصَّحِيحِ أَوِ الْحَسَنِ.
وَيَتَفَاوَتُ ضَعْفُهُ كَصِحَّةِ الصَّحِيحِ، وَمِنْهُ مَا لَهُ لَقَبٌ خَاصٌّ: كَالْمَوْضُوعِ، وَالشَّاذِّ، وَغَيْرِهِمَا.
ــ
[تدريب الراوي]
مُغَايَرَةَ بَيْنَ جَيِّدٍ وَصَحِيحٍ عِنْدَهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْجِهْبِذَ مِنْهُمْ لَا يَعْدِلُ عَنْ صَحِيحٍ إِلَى جَيِّدٍ إِلَّا لِنُكْتَةٍ، كَأَنْ يَرْتَقِيَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنِ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَيَتَرَدَّدُ فِي بُلُوغِهِ الصَّحِيحَ، فَالْوَصْفُ بِهِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الْوَصْفِ بِصَحِيحٍ، وَكَذَا الْقَوِيُّ.
وَأَمَّا الصَّالِحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَأْنِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ شَامِلٌ لِلصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، لِصَلَاحِيَتِهِمَا لِلِاحْتِجَاجِ، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي ضَعِيفٍ يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ.
وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ فَهُوَ مُقَابِلُ الْمُنْكَرِ، وَالْمَحْفُوظُ مُقَابِلُ الشَّاذِّ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي نَوْعَيْهِمَا، وَالْمُجَوَّدُ وَالثَّابِتُ يَشْمَلَانِ أَيْضًا الصَّحِيحَ.
قُلْتُ: وَمِنْ أَلْفَاظِهِمْ أَيْضًا الْمُشَبَّهُ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْحَسَنِ وَمَا يُقَارِبُهُ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ الْجَيِّدِ إِلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَخْرَجَ عَمْرُو بْنُ حُصَيْنٍ الْكِلَابِيُّ أَوَّلَ شَيْءٍ أَحَادِيثَ مُشَبَّهَةً حِسَانًا، ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدُ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فَأَفْسَدَ عَلَيْنَا مَا كَتَبْنَا.
[النَّوْعُ الثَّالث الضعيف]
(النَّوْعُ الثَّالِثُ: الضَّعِيفُ: وَهُوَ مَا لَمْ يَجْمَعْ صِفَةَ الصَّحِيحِ أَوِ الْحَسَنِ) جَمَعَهُمَا تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّانِي أَوْلَى ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَجْمَعْ صِفَةَ الْحَسَنِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ الصَّحِيحِ أَبْعَدُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ قَسَّمَهُ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى خَمْسِينَ إِلَّا قِسْمًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا.
ثُمَّ قَسَّمَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ إِلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ بِاعْتِبَارِ فَقْدِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْقَبُولِ السِّتَّةِ، وَهِيَ الِاتِّصَالُ وَالْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ وَالْمُتَابَعَةُ فِي الْمَسْتُورِ وَعَدَمُ الشُّذُوذِ وَعَدَمُ الْعِلَّةِ، وَبِاعْتِبَارِ فَقْدِ صِفَةٍ مَعَ صِفَةٍ أُخْرَى تَلِيهَا أَوَّلًا، أَوْ مَعَ أَكْثَرَ مِنْ صِفَةٍ إِلَى أَنْ تَفْقِدَ السِّتَّةَ. فَبَلَغَتْ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ قِسْمًا (ق ٥٩ \ أ) ، وَوَصَّلَهُ غَيْرُهُ إِلَى ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ.
وَجَمَعَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْمَنَاوِيُّ كُرَّاسَةً. وَنَوَّعَ مَا فَقَدَ الِاتِّصَالَ إِلَى مَا سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ، أَوْ وَاحِدٌ غَيْرُهُ، أَوِ اثْنَانِ، وَمَا فَقَدَ الْعَدَالَةَ إِلَى مَا فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ أَوْ مَجْهُولٌ، وَقَسَّمَهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إِلَى مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ قِسْمًا بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ، وَإِلَى وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ بِاعْتِبَارِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُقُوعُهَا، وَقَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ بَسْطَهَا فِي هَذَا الشَّرْحِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ تَعَبٌ لَيْسَ وَرَاءَهُ أَرَبٌ. فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ مَرَاتِبِ الضَّعِيفِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا أَضْعَفَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ مَا فَقَدَ مِنَ الشَّرْطِ أَكْثَرَ أَضْعَفُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ لَنَا مَا يَفْقِدُ شَرْطًا وَاحِدًا، وَيَكُونُ أَضْعَفَ مِمَّا يَفْقِدُ الشُّرُوطَ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، وَهُوَ مَا يَفْقِدُ الصِّدْقَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَمَا هُوَ؟
стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الْأَضْعَفِ، فَإِنْ كَانَ لِتَخْصِيصِ كُلِّ قِسْمٍ بِاسْمٍ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُسَمُّوا مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، كَالْمُعْضَلِ، وَالْمُرْسَلِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِمَعْرِفَةِ كَمْ يَبْلُغُ قِسْمًا بِالْبَسْطِ فَهَذِهِ ثَمَرَةٌ مُرَّةٌ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَا هُوَ. انْتَهَى.
فَلِذَلِكَ عَدَلْتُ عَنْ تَسْوِيدِ الْأَوْرَاقِ بِتَسْطِيرِهِ.
(وَيَتَفَاوَتُ ضَعْفُهُ) بِحَسَبِ شِدَّةِ ضَعْفِ رُوَاتِهِ وَخِفَّتِهِ، وَقَوْلُهُ: (كَصِحَّةِ الصَّحِيحِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْهُ أَوْهَى كَمَا أَنَّ فِي الصَّحِيحِ أَصَحَّ.
قَالَ الْحَاكِمُ: فَأَوْهَى أَسَانِيدِ الصِّدِّيقِ: صَدَقَةُ الدَّقِيقِيُّ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ، عَنْهُ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ: عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْعُمَرِيِّينَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ (ق ٥٩ \ ب) .
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ عَائِشَةَ: نُسْخَةٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شِبْلٍ، عَنْ أُمِّ النُّعْمَانِ عَنْهَا.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْهُ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ أَنَسٍ: دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، عَنْ قَحْذَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
عَنْهُ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْمَكِّيِّينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخَوْزِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْيَمَانِيِّينَ: حَفَصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِيهِمَا: لَعَلَّهُ أَرَادَ إِلَّا عِكْرِمَةَ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ يَحْتَجُّ بِهِ قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَوْهَى أَسَانِيدِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطْلَقًا: فَالسُّدِّيُّ الصَّغِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ سِلْسِلَةُ الْكَذِبِ لَا سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْمِصْرِيِّينَ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ رِشْدِينَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْهُ، فَإِنَّهَا نُسْخَةٌ كَبِيرَةٌ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الشَّامِيِّينَ: مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْمَصْلُوبُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْخُرَاسَانِيِّينَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلِيحَةَ، عَنْ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 177
النَّوْعُ الرَّابِعُ:
الْمُسْنَدُ: قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ: لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ.
ــ
[تدريب الراوي]
(وَمِنْهُ) - أَيِ الضَّعِيفِ - (مَا لَهُ لَقَبٌ خَاصٌّ، كَالْمَوْضُوعِ، وَالشَّاذِّ، وَغَيْرِهِمَا) ، كَالْمَقْلُوبِ، وَالْمُعَلَّلِ، وَالْمُضْطَرِبِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُعْضَلِ، وَالْمُنْكَرِ.
فَائِدَةٌ: صَنَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كِتَابًا فِي الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ جُمَلًا فِي كَثِيرٍ مِنْهَا عَلَيْهِ انْتِقَادٌ.
[النَّوْعُ الرابع المسند]
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) مِنْ مُطْلَقِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصِ (ق ٦٠ \ أ) التَّقْسِيمِ السَّابِقِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ (الْمُسْنَدُ، قَالَ الْخَطِيبُ) أَبُو بَكْرٍ (الْبَغْدَادِيُّ) فِي " الْكِفَايَةِ ": (هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ) مِنْ رَاوِيهِ (إِلَى مُنْتَهَاهُ)
فَيَشْمَلُ الْمَرْفُوعَ وَالْمَوْقُوفَ وَالْمَقْطُوعَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ، وَالْمُرَادُ اتِّصَالُ السَّنَدِ ظَاهِرًا، فَيَدْخُلُ مَا فِيهِ انْقِطَاعٌ خَفِيٌّ، كَعَنْعَنَةِ الْمُدَلِّسِ وَالْمُعَاصِرِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ لَقْيُهُ، لِإِطْبَاقِ مَنْ خَرَّجَ الْمَسَانِيدَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الصَّلَاحِ، (وَ) لَكِنْ (أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ.
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) فِي " التَّمْهِيدِ ": (هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، مُتَّصِلًا كَانَ) ، كَمَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَوْ مُنْقَطِعًا) ، كَمَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: فَهَذَا مُسْنَدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَسْتَوِي الْمُسْنَدُ وَالْمَرْفُوعُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْمُرْسَلِ وَالْمُعْضَلِ وَالْمُنْقَطِعِ إِذَا كَانَ مَرْفُوعًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
(وَقَالَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ: لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ) بِخِلَافِ الْمَوْقُوفِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْمُعْضَلِ، وَالْمُدَلَّسِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ كَلَامِ الْخَطِيبِ، وَبِهِ جَزَمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " النُّخْبَةِ " فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ الْمَرْفُوعِ.
قَالَ الْحَاكِمُ: مِنْ شَرْطِ الْمُسْنَدِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ: أُخْبِرْتُ عَنْ فُلَانٍ، وَلَا حُدِّثْتُ عَنْ فُلَانٍ، وَلَا بَلَغَنِي عَنْ فُلَانٍ، وَلَا أَظُنُّهُ مَرْفُوعًا، وَلَا رَفَعَهُ فُلَانٌ.
стр. 179
النَّوْعُ الْخَامِسُ: الْمُتَّصِلُ: وَيُسَمَّى الْمَوْصُولَ: وَهُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ كَانَ.
ــ
[تدريب الراوي]
[النَّوْعُ الخامس المتصل]
(النَّوْعُ الْخَامِسُ: الْمُتَّصِلُ، وَيُسَمَّى الْمَوْصُولَ) أَيْضًا، (وَهُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِسَمَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ مِمَّنْ فَوْقَهُ.
قَالَ (ق ٦٠ \ ب) ابْنُ جَمَاعَةَ: أَوْ إِجَازَتِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ. (مَرْفُوعًا كَانَ) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (أَوْ مَوْقُوفًا عَلَى مَنْ كَانَ) هَذَا اللَّفْظُ الْأَخِيرُ زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ، فَقَالَ: عَلَى غَيْرِهِ ; فَيَشْمَلُ أَقْوَالَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَابْنُ الصَّلَاحِ قَصَرَهُ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ.
ثُمَّ مَثَّلَ الْمَوْقُوفَ بِمَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ.
وَأَوْضَحَهُ الْعِرَاقِيُّ فَقَالَ: وَأَمَّا أَقْوَالُ التَّابِعِينَ إِذَا اتَّصَلَتِ الْأَسَانِيدُ إِلَيْهِمْ، فَلَا يُسَمُّونَهَا مُتَّصِلَةً فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيدِ فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ فِي كَلَامِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَوْ إِلَى الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَى مَالِكٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قِيلَ: وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا تُسَمَّى مَقَاطِيعَ، فَإِطْلَاقُ الْمُتَّصِلِ عَلَيْهَا، كَالْوَصْفِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ بِمُتَضَادَّيْنِ لُغَةً.
стр. 180
النَّوْعُ السَّادِسُ: الْمَرْفُوعُ: وَهُوَ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً لَا يَقَعُ مُطْلَقُهُ عَلَى غَيْرِهِ مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ مُنْقَطِعًا، وَقِيلَ: هُوَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّحَابِيُّ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَوْلِهِ.
النَّوْعُ السَّابِعُ: الْمَوْقُوفُ: وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا لَهُمْ أَوْ فِعْلًا أَوْ نَحْوَهُ مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ مُنْقَطِعًا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِمْ مُقَيَّدًا، فَيُقَالُ: وَقَفَهُ فُلَانٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَنَحْوُهُ، وَعِنْدَ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ تَسْمِيَةُ الْمَوْقُوفِ بِالْأَثَرِ وَالْمَرْفُوعِ بِالْخَبَرِ. وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ كُلُّ هَذَا يُسَمَّى أَثَرًا.
ــ
[تدريب الراوي]
[النَّوْعُ السادس المرفوع]
(النَّوْعُ السَّادِسُ الْمَرْفُوعُ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً) قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْرِيرًا (لَا يَقَعُ مُطْلَقُهُ عَلَى غَيْرِهِ مُتَّصِلًا كَانَ، أَوْ مُنْقَطِعًا) بِسُقُوطِ الصَّحَابِيِّ مِنْهُ، أَوْ غَيْرِهِ.
(وَقِيلَ) : أَيْ قَالَ الْخَطِيبُ: (وَهُوَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّحَابِيُّ، عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَوْلِهِ) ، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمُرْسَلَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَطِيبَ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وَأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ; لِأَنَّ غَالِبَ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا يُضِيفُهُ الصَّحَابِيُّ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُرْسَلِ، أَيْ حَيْثُ يَقُولُونَ مَثَلًا رَفَعَهُ فُلَانٌ، وَأَرْسَلَهُ فُلَانٌ، فَقَدَ عَنَى بِالْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلَ.
[النَّوْعُ السابع الموقوف]
[تعريف الموقوف]
(النَّوْعُ السابِعُ الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا لَهُمْ، أَوْ فِعْلًا، أَوْ نَحْوَهُ) أَيْ تَقْرِيرًا (مُتَّصِلًا كَانَ) إِسْنَادُهُ، (أَوْ مُنْقَطِعًا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِمْ) كَالتَّابِعِينَ (مُقَيَّدًا، فَيُقَالُ: وَقَفَهُ فُلَانٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ
следующие страницы →