← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9329

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي

الجلال السيوطي

Полный текст (925 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمِنْ أَقْرَبِ الْوُجُوهِ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ فِيهِ مَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ نُجَيْدٍ أَنَّهُ: سَأَلَ أَبَا جَعْفَرِ بْنَ حَمْدَانَ، وَكَانَا عَبْدَيْنِ صَالِحَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: بِأَيِّ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسُ الصَّالِحِينَ. (وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ) لِذَلِكَ، (وَالتَّيْسِيرَ) وَالْإِعَانَةَ عَلَيْهِ، (وَيَسْتَعْمِلُ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ وَالْآدَابَ) الرَّضِيَّةَ. فَقَدْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: مَنْ طَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ طَلَبَ أَعْلَى أُمُورِ الدِّينِ؛ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ. (ثُمَّ لْيُفْرِغْ جَهْدَهُ فِي تَحْصِيلِهِ وَيَغْتَنِمْ إِمْكَانَهُ) . فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ» . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: لَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنْ يَطْلُبُهُ بِالتَّمَلُّلِ وَغِنَى النَّفْسِ فَيُفْلِحُ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وَضِيقِ الْعَيْشِ، وَخِدْمَةِ الْعِلْمِ، أَفْلَحَ.

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (وَيَبْدَأُ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَرْجَحِ شُيُوخِ بَلَدِهِ إِسْنَادًا، وَعِلْمًا، وَشُهْرَةً، وَدِينًا، وَغَيْرَهُ) إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْهُمْ، وَيَبْدَأُ بِأَفْرَادِهِمْ فَمَنْ تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ أَخَذَهُ عَنْهُ أَوَّلًا؛ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مُهِمَّاتِهِمْ) وَسَمَاعِ عَوَالِيهِمْ (فَلْيَرْحَلْ) إِلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ (عَلَى عَادَةِ الْحُفَّاظِ الْمُبَرِّزِينَ) وَلَا يَرْحَلْ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ الْخَطِيبُ: فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرِّحْلَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْصِيلُ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَقِدَمُ السَّمَاعِ. وَالثَّانِي: لِقَاءُ الْحُفَّاظِ، وَالْمُذَاكَرَةُ لَهُمْ، وَالَاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرَانِ مَوْجُودَيْنِ فِي بَلَدِهِ وَمَعْدُومَيْنِ فِي غَيْرِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الرِّحْلَةِ، أَوْ مَوْجُودَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَلْيُحَصِّلْ حَدِيثَ بَلَدِهِ ثُمَّ يَرْحَلْ. قَالَ: وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الرِّحْلَةِ فَلَا يَتْرُكْ أَحَدًا فِي بَلَدِهِ مِنَ الرُّوَاةِ إِلَّا وَيَكْتُبُ عَنْهُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ قَلَّتْ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ضَيِّعْ وَرَقَةً وَلَا تُضَيِّعَنَّ شَيْخًا. [قُلْتُ: لَيْسَ الْمُرَادُ تَكْثِيرَ الشُّيُوخِ لِلصِّيتِ الْعَاطِلِ؛ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ عِنْدَ مَنْ كَانَتْ] . وَالْأَصْلُ فِي الرِّحْلَةِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ "، وَالْخَطِيبُ فِي " الْجَامِعِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] ﷺ لَمْ أَسْمَعْهُ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، وَسِرْتُ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ؛ فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: قُلْ لَهُ: جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ؛ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَأَتَانِي فَقَالَ لِي: جَابِرٌ! فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَامَ يُطَأْطِئُ ثَوْبَهُ حَتَّى لَقِيَنِي، فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ لَمْ أَسْمَعْهُ فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْنَا: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ رَبُّهُمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ، قُلْنَا كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» . وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِرِحْلَةِ مُوسَى إِلَى الْخَضِرِ، وَقِصَّتُهُ فِي الصَّحِيحِ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ وَاهِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ فَأَلْفَاهُ نَائِمًا، فَقَالَ: أَيْقِظُوهُ، قَالُوا: بَلْ نَتْرُكُهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، قَالَ: لَسْتُ فَاعِلًا، فَأَيْقَظُوا مَسْلَمَةَ لَهُ فَرَحَّبَ بِهِ وَقَالَ: انْزِلْ، قَالَ: لَا، حَتَّى تُرْسِلَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لِحَاجَةٍ لِي إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُقْبَةَ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَجَدَ مُسْلِمًا عَلَى عَوْرَةٍ فَسَتَرَهُ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ: قَدْ

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. وَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَبَاهُ عَمَّنْ طَلَبَ الْعِلْمَ، تَرَى لَهُ أَنْ يَلْزَمَ رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمٌ فَيَكْتُبَ عَنْهُ، أَوْ تَرَى لَهُ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا الْعِلْمُ فَيَسْمَعَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يَرْحَلُ يَكْتُبُ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، يُشْأَمُّ النَّاسَ يَسْمَعُ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: أَرْبَعَةٌ لَا تَأْنَسْ مِنْهُمْ رُشْدًا، وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا يَكْتُبُ فِي بَلَدِهِ وَلَا يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. (وَلَا يَحْمِلَنَّهُ الشَّرَهُ) وَالْحِرْصُ (عَلَى التَّسَاهُلِ فِي التَّحَمُّلِ فَيُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهِ) السَّابِقَةِ، فَإِنَّ شَهْوَةَ السَّمَاعِ لَا تَنْتَهِي، وَنَهْمَةَ الطَّلَبِ لَا تَنْقَضِي، وَالْعِلْمُ

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] كَالْبِحَارِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ كَيْلُهَا، وَالْمَعَادِنِ الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ نَيْلُهَا. أَخْرَجَ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، حَدَّثَنِي عَمِّي صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ، حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو بَكْرِ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِشُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ: نَزَلَ عَلَيَّ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ فَأَقْلَلْتُ عَنْهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ شُعَيْبٌ: السَّمَاعُ مِنَ الرِّجَالِ أَرْزَاقٌ. (وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْعِبَادَاتِ وَالْآدَابِ) وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ (فَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَدِيثِ وَسَبَبُ حِفْظِهِ) فَقَدْ قَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: يَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ، اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ: إِذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخَبَرِ فَاعْمَلْ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً، تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ. وَقَالَ وَكِيعٌ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَاعْمَلْ بِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ: كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا إِلَّا وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ حَتَّى مَرَّ بِي. [فِي الْحَدِيثِ] «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى أَبَا طَيْبَةَ دِينَارًا، فَاحْتَجَمْتُ وَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ دِينَارًا» .

стр. 566

فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَظِّمَ شَيْخَهُ وَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ؛ فَذَلِكَ مِنْ إِجْلَالِ الْعِلْمِ وَأَسْبَابِ الِانْتِفَاعِ، وَيَعْتَقِدَ جَلَالَةَ شَيْخِهِ وَرُجْحَانَهُ وَيَتَحَرَّى رِضَاهُ، وَلَا يُطَوِّلَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُضْجِرُهُ، وَلْيَسْتَشِرْهُ فِي أُمُورِهِ وَمَا يَشْتَغِلُ فِيهِ، وَكَيْفِيَّةِ اشْتِغَالِهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ إِذَا ظَفِرَ بِسَمَاعٍ أَنْ يُرْشِدَ إِلَيْهِ غَيْرَهُ، فَإِنَّ كِتْمَانَهُ لُؤْمٌ يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ فَيُخَافُ عَلَى كَاتمِهِ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ، فَإِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِفَادَتَهُ، وَنَشْرَهُ يُمْنٌ، وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَمْنَعَهُ الْحَيَاءُ وَالْكِبْرُ مِنَ السَّعْيِ التَّامِّ فِي التَّحْصِيلِ وَأَخْذِ الْعِلْمِ مِمَّنْ دُونَهُ فِي نَسَبٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى جَفَاءِ شَيْخِهِ، وَلْيَعْتَنِ بِالْمُهِمِّ، وَلَا يُضَيِّعْ وَقْتَهُ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ لِمُجَرَّدِ اسْمِ الْكَثْرَةِ، وَلْيَكْتُبْ وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ بِكَمَالِهِ، وَلَا يَنْتَخِبْ فَإِنِ احْتَاجَ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ قَصَّرَ عَنْهُ اسْتَعَانَ بِحَافِظٍ. ــ [تدريب الراوي] [فَصْلٌ وينبغي للمحدث تعظيم شيخه] (فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي) لِلطَّالِبِ (أَنْ يُعَظِّمَ شَيْخَهُ وَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ؛ فَذَلِكَ مِنْ إِجْلَالِ الْعِلْمِ وَأَسْبَابِ الِانْتِفَاعِ بِهِ) . وَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ: كُنَّا نَهَابُ إِبْرَاهِيمَ كَمَا نَهَابُ الْأَمِيرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَوْقَرَ لِلْمُحَدِّثِينَ مِنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: «تَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمُونَ مِنْهُ» ؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ. وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِنْ كُنْتُ لَآتِيَ بَابَ أَحَدِهِمْ فَأَقِيلُ بِبَابِهِ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي عَلَيْهِ لَأُذِنَ لِي، لِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَبْتَغِي بِذَلِكَ طِيبَ نَفْسِهِ.

стр. 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَأَسْنَدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: مَا دَقَقْتُ عَلَى مُحَدِّثٍ بَابَهُ قَطُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] . (وَيَعْتَقِدَ جَلَالَةَ شَيْخِهِ وَرُجْحَانَهُ) عَلَى غَيْرِهِ، فَقَدْ رَوَى الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي قَالَ: سَمِعْتُ السَّلَفَ يَقُولُونَ: مَنْ لَا يَعْرِفُ لِأُسْتَاذِهِ لَا يُفْلِحُ. (وَيَتَحَرَّى رِضَاهُ) ، وَيَحْذَرَ سَخَطَهُ، (وَلَا يُطَوِّلُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُضْجِرُهُ) بَلْ يَقْنَعُ بِمَا يُحَدِّثُهُ بِهِ، فَإِنَّ الْإِضْجَارَ يُغَيِّرُ الْأَفْهَامَ وَيُفْسِدُ الْأَخْلَاقَ وَيُحِيلُ الطِّبَاعَ. وَقَدْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى سَاءَ خُلُقُهُ. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ حَدِيثٍ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ ... سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْرَمَ مِنَ الِانْتِفَاعِ. قَالَ: وَرُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ. (وَلْيَسْتَشِرْهُ فِي أُمُورِهِ) الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ، (وَمَا يَشْتَغِلُ فِيهِ،

стр. 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَكَيْفِيَّةِ اشْتِغَالِهِ) ، وَعَلَى الشَّيْخِ نُصْحُهُ فِي ذَلِكَ. (وَيَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لِلطَّالِبِ (إِذَا ظَفِرَ بِسَمَاعٍ) لِشَيْخٍ (أَنْ يُرْشِدَ إِلَيْهِ غَيْرَهُ) مِنَ الطَّلَبَةِ، (فَإِنَّ كِتْمَانَهُ) عَنْهُمْ (لُؤْمٌ يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ، فَيُخَافُ عَلَى كَاتَمِهِ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ، فَإِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِفَادَتَهُ) كَمَا قَالَ مَالِكٌ، (وَنَشَرُهُ يُمْنٌ) . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: مَنْ بَخِلَ بِالْحَدِيثِ وَكَتَمَ عَلَى النَّاسِ سَمَاعَهُمْ لَمْ يُفْلِحْ، وَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ بَخِلَ بِالْعِلْمِ ابْتُلِيَ بِثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَمُوتَ فَيَذْهَبَ عِلْمُهُ، أَوْ يَنْسَى، أَوْ يَتْبَعَ السُّلْطَانَ. وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي ذَلِكَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفْعَهُ: «إِخْوَانِي تَنَاصَحُوا فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَكْتُمْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَإِنَّ خِيَانَةَ الرَّجُلِ فِي عِلْمِهِ أَشَدُّ مِنْ خِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ.» قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَا يَحْرُمُ الْكَتْمُ عَمَّنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَوْ لَا يَقْبَلُ الصَّوَابَ إِذَا أُرْشِدَ إِلَيْهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْكَتْمِ. وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: لَا تَرُدَّنَّ عَلَى مُعْجَبٍ خَطَأً فَيَسْتَفِيدَ مِنْكَ عِلْمًا، وَيَتَّخِذَكَ بِهِ عَدُوًّا.

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (وَلِيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَمْنَعَهُ الْحَيَاءُ أَوِ الْكِبْرُ مِنَ السَّعْيِ التَّامِّ فِي التَّحْصِيلِ وَأَخْذِ الْعِلْمِ مِمَّنْ دُونَهُ فِي نَسَبٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ غَيْرِهِ) . فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا يَنَالُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ دَقَّ عِلْمُهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. وَقَالَ وَكِيعٌ: لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَكْتُبَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ. وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَكْتُبُ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي فِيهَا نَجَاتِي لَمْ تَقَعْ لِي. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: مَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ ذُلَّ التَّعْلِيمِ سَاعَةً

стр. 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَقِيَ فِي ذُلِّ الْجَهْلِ أَبَدًا. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تَتَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ، وَلَا تَتْرُكْهُ لِثَلَاثٍ، لَا تَتَعَلَّمْ لِتُمَارِيَ بِهِ، وَلَا تُرَائِيَ بِهِ، وَلَا تُبَاهِيَ بِهِ، وَلَا تَتْرُكْهُ حَيَاءً مِنْ طَلَبِهِ، وَلَا زَهَادَةً فِيهِ، وَلَا رِضًا بِجَهَالَةٍ. (وَلْيَصْبِرْ عَلَى جَفَاءِ شَيْخِهِ، وَلْيَعْتَنِ بِالْمُهِمِّ، وَلَا يُضَيِّعْ وَقْتَهُ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ لِمُجَرَّدِ اسْمِ الْكَثْرَةِ) وَصِيتِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَثْتَ فَفَتِّشْ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: كَأَنَّهُ أَرَادَ: اكْتُبِ الْفَائِدَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَهَا، وَلَا تُؤَخِّرْ حَتَّى تَنْظُرَ هَلْ هُوَ أَهْلٌ لِلْأَخْذِ عَنْهُ أَمْ لَا؟ فَرُبَّمَا فَاتَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ سَفَرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الرِّوَايَةِ أَوِ الْعَمَلِ فَفَتِّشْ حِينَئِذٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِيعَابَ الْكِتَابِ، وَتَرْكَ انْتِخَابِهِ، أَوِ اسْتِيعَابَ مَا عِنْدَ الشَّيْخِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ، وَيَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ حَالَ الرِّوَايَةِ. قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ قَصْدُ الْمُحَدِّثِ تَكْثِيرُ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَجَمْعُ أَطْرَافِهِ فَتَكْثُرُ بِذَلِكَ

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] شُيُوخُهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ. فَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَوْ لَمْ نَكْتُبِ الْحَدِيثَ مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ. (وَلْيَكْتُبْ وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ بِكَمَالِهِ وَلَا يَنْتَخِبْ) فَرُبَّمَا احْتَاجَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ فِيمَا انْتَخَبَهُ فَيَنْدَمُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالَمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ. وَقَالَ: مَا جَاءَ مِنْ مُنْتَقٍ خَيْرٌ قَطُّ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صَاحِبُ الِانْتِخَابِ يَنْدَمُ، وَصَاحِبُ الْمَشْجِ لَا يَنْدَمُ. (فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى الِانْتِخَابِ لِكَوْنِ الشَّيْخِ مُكْثِرًا، وَفِي الرِّوَايَةِ عُسْرًا، أَوْ كَوْنِ الطَّالِبِ غَرِيبًا لَا يُمْكِنُهُ طُولُ الْإِقَامَةِ (تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ) ، وَانْتَخَبَ عَوَالِيَهُ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْ رِوَايَاتِهِ، وَمَا لَا يَجِدُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ (فَإِنْ قَصَرَ عَنْهُ) لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ (اسْتَعَانَ) عَلَيْهِ (بِحَافِظٍ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُعَلِّمُ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَوَّلِ إِسْنَادِ الْأَحَادِيثِ الْمُنْتَخَبَةِ بِخَطٍّ عَرِيضٍ أَحْمَرَ، أَوْ بِصَادٍّ مَمْدُودَةٍ أَوْ بِطَاءٍ مَمْدُودَةٍ، أَوْ نَحْوِ

стр. 572

فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِهِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ، فَلْيَتَعَرَفْ صِحَّتَهُ وَضَعْفَهُ وَفِقْهَهُ وَمَعَانِيَهُ وَلُغَتَهُ وَإِعْرَابَهُ وَأَسْمَاءَ رِجَالِهِ مُحَقِّقا كُلَّ ذَلِكَ، معْتَنِيًا بِإِتْقَانِ مُشْكِلِهَا حِفْظًا وَكِتَابَةً مقَدِّمًا الصَّحِيحَيْنِ، ثُمَّ " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ "، وَ " التِّرْمِذِيِّ "، وَ " النَّسَائِيِّ "، ثمَ " السُّنَنِ الْكُبْرَى " لِلْبَيْهَقِيِّ، وَلْيَحْرِصْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ. ثُمَّ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ. ثمَ مِنَ الْمَسَانِيدِ " مُسْنَدُ أَحْمَدَ " بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ مِنَ الْعِلَلِ كِتَابُهُ، وَكَتَابُ الدَّارَقُطْنِيِّ. وَمِنَ الْأَسْمَاءِ " تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ " وَ " ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ "، وَكِتَابُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ. وَمِنْ ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ كِتَابُ ابْنِ مَاكُولَا، وَلْيَعْتَنِ بِكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَشُرُوحِهِ، وَلْيَكُنِ الْإِتْقَانُ مِنْ شَأْنِهِ، وَلْيُذَاكِرْ بمَحْفُوظِهِ، وَيُبَاحِثْ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ. ــ [تدريب الراوي] ذَلِكَ؛ وَفَائِدَتُهُ سُهُولَةُ الْكَشْفِ لِأَجْلِ الْمُعَارَضَةِ أَوْ لَاحْتِمَالِ ذَهَابِ الْفَرْعِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ. [فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَقْتَصِر عَلَى سَمَاعِهِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ] (فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي) لِلطَّالِبِ (أَنْ يَقْتَصِرَ) مِنَ الْحَدِيثِ (عَلَى سَمَاعِهِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ) فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ، وَلَا حُصُولٍ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: الرِّيَاسَةُ فِي الْحَدِيثِ بِلَا دِرَايَةِ رِيَاسَةٌ نَذْلَةٌ. قَالَ الْخَطِيبُ: هِيَ اجْتِمَاعُ الطَّلَبَةِ عَلَى الرَّاوِي لِلسَّمَاعِ [مِنْهُ] عِنْدَ عُلُوِّ سِنِّهِ؛ فَإِذَا تَمَيَّزَ الطَّالِبُ بِفَهْمِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَجَّلَ بَرَكَةَ ذَلِكَ فِي شَبِيبَتِهِ. (فَلْيَتَعَرَّفْ صِحَّتَهُ) وَحُسْنَهُ، (وَضَعْفَهُ، وَفِقْهَهُ، وَمَعَانِيَهُ، وَلُغَتَهُ، وَإِعْرَابَهُ، وَأَسْمَاءَ رِجَالِهِ، مُحَقِّقًا كُلَّ ذَلِكَ، مُعْتَنِيًّا بِإِتْقَانِ مُشْكِلِهَا حِفْظًا وَكِتَابَةً مُقَدِّمًا) فِي السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ، وَالتَّفَهُّمِ وَالْمَعْرِفَةِ (الصَّحِيحَيْنِ، ثُمَّ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ) وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، (ثُمَّ " السُّنَنَ الْكُبْرَى " لِلْبَيْهَقِيِّ، وَلْيَحْرِصْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَنَّفْ) فِي بَابِهِ (مِثْلُهُ

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] ثُمَّ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مِنَ الْمَسَانِيدِ) ، وَالْجَوَامِعِ. فَأَهُمُّ الْمَسَانِيدِ (مُسْنَدُ أَحْمَدَ، وَ) يَلِيهِ سَائِرُ الْمَسَانِيدِ (وَغَيْرِهِ) . وَأَهَمُّ الْجَوَامِعِ الْمُوَطَّأُ، ثُمَّ سَائِرُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْأَحْكَامِ، كَكِتَابِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِمْ. (ثُمَّ مِنْ) كُتُبِ (الْعِلَلِ: كِتَابُهُ) أَيْ أَحْمَدُ، (وَكِتَابُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَمِنْ) كُتُبِ (الْأَسْمَاءِ: تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ) الْكَبِيرُ، (وَ) تَارِيخُ (ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَكِتَابُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ) فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. (وَمِنْ) كُتُبِ (ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ: كِتَابُ ابْنِ مَاكُولَا، وَلْيَعْتَنِ بِكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَ) كُتُبِ (شُرُوحِهِ) أَيِ الْحَدِيثِ. (وَلْيَكُنِ الْإِتْقَانُ مِنْ شَأْنِهِ) بِأَنْ يَكُونَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ اسْمٌ مُشْكِلٌ أَوْ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ بَحَثَ عَنْهَا وَأَوْدَعَهَا قَلْبَهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الْحِفْظُ الْإِتْقَانُ. (وَلْيُذَاكِرْ بِمَحْفُوظِهِ وَيُبَاحِثْ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ) فَإِنَّ الْمُذَاكَرَةَ تُعِينُ عَلَى دَوَامِهِ.

стр. 574

فَصْلٌ: وَلْيَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ وَالتَصْنِيفِ إِذَا تَأَهَّلَ لَهُ، وَلْيَعْتَنِ بالتَصْنِيفِ فِي شَرْحِهِ وَبَيَانِ مُشْكِلهِ مُتْقَنًا وَاضِحًا فَقَلَّمَا يَمْهَرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا. وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَصْنِيفِ الْحَدِيثِ طَرِيقَانِ: أَجْوَدُهُمَا تَصْنِيفُهُ عَلَى الْأَبْوَابِ؛ فَيَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مَا حَضَرَهُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ تَصْنِيفُهُ عَلَى الْمَسَانِيدِ فَيَجْمَعُ فِي تَرْجَمَةِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِهِ صَحِيحِهِ وَضَعِيفِهِ. وَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُ عَلَى الْحُرُوفِ أَوْ عَلَى الْقَبَائِلِ فَيَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ؛ نَسَبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَلَى السَّوَابِقِ فَبِالْعَشَرَةِ ثُمَّ أَهْلِ بَدْرٍ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ الْمُهَاجِرِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَتْحِ، ثُمَّ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ النِّسَاءِ بَادِئًا بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ أَحْسَنِهِ تَصْنِيفُهُ مُعَلَّلًا بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ أَوْ بَابٍ طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ رُوَاتِهِ، وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا حَدِيثَ الشُّيُوخِ كُلِّ شَيْخٍ عَلَى انْفِرَادِهِ: كَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَغَيْرِهِمَا. وَالتَّرَاجِمُ: كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. وَالْأَبْوَابُ كَرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. وَلْيَحْذَرْ إِخْرَاجَ تَصْنِيفِهِ إِلَّا بَعْدَ تَهْذِيبِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَتَكْرِيرِهِ النَّظَرَ فِيهِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَصْنِيفِ مَا لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى الْعِبَارَاتِ الْوَاضِحَةَ، وَالَاصْطِلَاحَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةَ. ــ [تدريب الراوي] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ؛ فَإِنْ لَا تَفْعَلُوا يَدْرُسُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ مُذَاكَرَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ إِحْيَاءِ لَيْلَةٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُذَاكَرَةُ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَقِلَّةُ الْمُذَاكَرَةِ، رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ ". وَلْيَكُنْ حِفْظُهُ لَهُ بِالتَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا؛ فَفِي الصَّحِيحِ: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ» . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الْعِلْمَ حَدِيثٌ وَحَدِيثَانِ. [فَصْلٌ يَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ وَالتَصْنِيفِ إِذَا تَأَهَّلَ لَهُ] (فَصْلٌ: وَلْيَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ وَالتَّصْنِيفِ إِذَا تَأَهَّلَ لَهُ) مُبَادِرًا إِلَيْهِ، (وَلْيَعْتَنِ بِالتَّصْنِيفِ فِي شَرْحِهِ وَبَيَانِ مُشْكِلِهِ مُتْقِنًا وَاضِحًا؛ فَقَلَّمَا يَمْهَرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا) .

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ الْخَطِيبُ: لَا يَتَمَهَّرُ فِي الْحَدِيثِ وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضِهِ، وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا مَنْ جَمَعَ مُتَفَرِّقَهُ، وَأَلَّفَ مُتَشَتِّتَهُ، وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي النَّفْسَ، وَيُثَبِّتُ الْحِفْظَ، وَيُذْكِي الْقَلْبَ، وَيَشْحَذُ الطَّبْعَ، وَيَبْسُطُ اللِّسَانَ، وَيُجِيدُ الْبَيَانَ، وَيَكْشِفُ الْمُشْتَبِهَ، وَيُوَضِّحُ الْمُلْتَبِسَ، وَيُكْسِبُ أَيْضًا جَمِيلَ الذِّكْرِ، وَيُخَلِّدُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: يَمُوتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَمْوَاتًا بِأَمْوَاتِ قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ الْفَائِدَةَ فَلْيَكْسِرْ قَلَمَ النَّسْخِ، وَلْيَأْخُذْ قَلَمَ التَّخْرِيجَ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بِالتَّصْنِيفِ يَطَّلِعُ عَلَى حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَدَقَائِقِهِ وَيَثْبُتُ مَعَهُ، لِأَنَّهُ يَضْطَرُّهُ إِلَى كَثْرَةِ التَّفْتِيشِ، وَالْمُطَالَعَةِ، وَالتَّحْقِيقِ، وَالْمُرَاجَعَةِ، وَالَاطِّلَاعِ عَلَى مُخْتَلَفِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ، وَمُتَّفَقِهِ، وَوَاضِحِهِ مِنْ مُشْكِلِهِ، وَصَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ، وَجَزْلِهِ مِنْ رَكِيكِهِ، وَمَا لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِهِ يَتَّصِفُ الْمُحَقِّقُ بِصِفَةِ الْمُجْتَهِدِ. قَالَ الرَّبِيعُ: لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلًا بِنَهَارٍ وَلَا نَائِمًا بِلَيْلٍ لَاهْتِمَامِهِ بِالتَّصْنِيفِ. (وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَصْنِيفِ الْحَدِيثِ) وَجَمْعِهِ (طَرِيقَانِ: أَجْوَدُهُمَا تَصْنِيفُهُ عَلَى الْأَبْوَابِ) الْفِقْهِيَّةِ كَالْكُتُبِ السِّتَّةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ غَيْرِهَا كَشُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (فَيَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مَا حَضَرَهُ) مِمَّا وَرَدَ (فِيهِ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُكْمِهِ إِثْبَاتًا

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] أَوْ نَفْيًا؛ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا صَحَّ أَوْ حَسُنَ، فَإِنْ جَمَعَ الْجَمِيعَ فَلْيُبِنْ عِلَّةَ الضَّعِيفِ. (الثَّانِيَةُ تَصْنِيفُهُ عَلَى الْمَسَانِيدِ) كُلُّ مُسْنَدٍ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُسْنَدًا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ صَنَّفَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى مُسْنَدًا، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ نُعَيْمٍ سِنًّا وَأَقْدَمَ سَمَاعًا. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نُعَيْمٌ سَبْقَهُ فِي حَدَاثَتِهِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمُسْنَدَ عَلَى تَرَاجِمِ الرِّجَالِ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي نَوْعِ الْحُسْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يُقَالُ: إِنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمُسْنَدَ بِالْكُوفَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمُسْنَدَ بِالْبَصْرَةِ مُسَدَّدٌ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمُسْنَدَ بِمِصْرَ أَسَدُ السُّنَّةِ، وَأَسَدٌ قَبْلَهُمَا، وَأَقْدَمُ مَوْتًا. وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَمِعْتُ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: لَا تَسْمَعُوا كَلَامَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يَحْسُدُونَنِي لِأَنِّي أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْمُسْنَدَ. (فَيَجْمَعُ فِي تَرْجَمَةِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِهِ صَحِيحِهِ) ، وَحَسَنِهِ، (وَضَعِيفِهِ،

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُ عَلَى الْحُرُوفِ) فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ كَمَا فَعَلَ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ أَسْهَلُ تَنَاوُلًا، (أَوْ عَلَى الْقَبَائِلِ فَيَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ نَسَبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ عَلَى السَّوَابِقِ) فِي الْإِسْلَامِ، (فَبِالْعَشَرَةِ) يَبْدَأُ، (ثُمَّ أَهْلِ بَدْرٍ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ الْمُهَاجِرِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَتْحِ) ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، (ثُمَّ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ) سِنًّا كَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي الطُّفَيْلِ، (ثُمَّ النِّسَاءِ بَادِئًا بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا أَحْسَنُ. (وَمِنْ أَحْسَنِهِ) أَيِ التَّصْنِيفِ (تَصْنِيفُهُ) أَيِ الْحَدِيثِ (مُعَلَّلًا بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ أَوْ بَابٍ طُرُقَهُ وَاخْتِلَافَ رُوَاتِهِ) ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْعِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ. وَالْأَوْلَى جَعْلُهُ عَلَى الْأَبْوَابِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ، وَقَدْ صَنَّفَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ مُسْنَدَهُ مُعَلَّلًا فَلَمْ يَتِمَّ. قِيلَ: وَلَمْ يُتَمَّمْ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ قَطُّ، وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ مُسْنَدَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُعَلَّلًا فِي مِائَتَيْ جُزْءٍ. تَنْبِيهٌ مِنْ طُرُقِ التَّصْنِيفِ أَيْضًا جَمْعُهُ عَلَى الْأَطْرَافِ، فَيَذْكُرُ طَرَفَ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَقِيَّتِهِ وَيَجْمَعُ أَسَانِيدَهُ، إِمَّا مُسْتَوْعَبًا أَوْ مُقَيَّدًا بِكُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ. (وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا حَدِيثَ الشُّيُوخِ كُلِّ شَيْخٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، كَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَغَيْرِهِمَا) كَحَدِيثِ الْأَعْمَشِ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَحَدِيثِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَ) يَجْمَعُونَ أَيْضًا (التَّرَاجِمَ كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ) ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَ) يَجْمَعُونَ أَيْضًا (الْأَبْوَابَ) بِأَنْ يُفْرَدَ كُلُّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ بِالتَّصْنِيفِ، (كَرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) ؛ أَفْرَدَهُ الْآجُرِّيُّ، (وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ) وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَفْرَدَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَالنِّيَّةِ أَفْرَدَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ، وَالشَّاهِدِ أَفْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْقُنُوتِ أَفْرَدَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَالْبَسْمَلَةِ أَفْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا الطُّرُقَ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ كَطُرُقِ حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» لِلطَّبَرَانِيِّ، وَطُرُقِ حَدِيثِ «الْحَوْضِ لِلضِّيَاءِ» ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَلْيَحْذَرْ مِنْ إِخْرَاجِ تَصْنِيفِهِ) مِنْ يَدِهِ (إِلَّا بَعْدَ تَهْذِيبِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَتَكْرِيرِهِ النَّظَرَ فِيهِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَصْنِيفِ مَا لَمْ يَتَأَهَّلْ لَهُ) فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْلِحْ، وَضَرَّهُ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ وَعِرْضِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ زَوَائِدِهِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى) فِي تَصْنِيفِهِ (الْعِبَارَاتِ

стр. 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] الْوَاضِحَةَ) وَالْمُوجَزَةَ، (وَالَاصْطِلَاحَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةَ) ، وَلَا يُبَالِغُ فِي الْإِيجَازِ بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى الِاسْتِغْلَاقِ، وَلَا فِي الْإِيضَاحِ بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى الرَّكَاكَةِ، وَلْيَكُنِ اعْتِنَاؤُهُ مِنَ التَّصْنِيفِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَكْثَرُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَصْنِيفٌ يُغْنِي عَنْ مُصَنَّفِهِ، مِنْ جَمِيعِ أَسَالِيبِهِ، فَإِنْ أَغْنَى عَنْ بَعْضِهَا فَلْيُصَنِّفْ مِنْ جِنْسِهِ، مَا يَزِيدُ زِيَادَاتٍ يَحْتَفِلُ بِهَا مَعَ ضَمِّ مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَسَالِيبِ. قَالَ: وَلْيَكُنْ تَصْنِيفُهُ فِيمَا يَعُمُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَيَكْثُرُ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ أَثَرًا لَطِيفًا نَخْتِمُ بِهِ هَذَا النَّوْعَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ سَمَاعًا، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَقْدِسِيُّ، أَخْبَرَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى بْنُ عَلَّاقٍ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ الْخَيْرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْيُونَارْتِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَلَفٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّارَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ التَّمِيمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْبُخَارِيَّ قَالَ: لَمَّا عَزَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَلِيدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ الْهَمَذَانِيَّ عَنْ قَضَاءِ الرَّيِّ، وَرَدَ بُخَارَى، فَحَمَلَنِي مُعَلِّمِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْخُتُلِّيُّ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُحَدِّثَ هَذَا الصَّبِيِّ بِمَا سَمِعْتَ مِنْ مَشَايِخِنَا، فَقَالَ: مَا لِي سَمَاعٌ، قَالَ: فَكَيْفَ وَأَنْتَ فَقِيهٌ؟ قَالَ: لِأَنِّي لَمَّا بَلَغْتُ مَبْلَغَ

стр. 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] الرِّجَالِ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ فَقَصَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ، وَأَعْلَمْتُهُ مُرَادِي، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ لَا تَدْخُلْ فِي أَمْرٍ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حُدُودِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَقَادِيرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ مُحَدِّثًا كَامِلًا فِي حَدِيثِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكْتُبَ أَرْبَعًا مَعَ أَرْبَعٍ، كَأَرْبَعٍ مِثْلِ أَرْبَعٍ فِي أَرْبَعٍ، عِنْدَ أَرْبَعٍ بِأَرْبَعٍ، عَلَى أَرْبَعٍ عَنْ أَرْبَعٍ لِأَرْبَعٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الرُّبَاعِيَّاتِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأَرْبَعٍ، مَعَ أَرْبَعٍ؛ فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ كُلُّهَا هَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ وَابْتُلِيَ بِأَرْبَعٍ، فَإِذَا صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَعٍ وَأَثَابَهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَرْبَعٍ. قُلْتُ لَهُ: فَسِّرْ لِي رَحِمَكَ اللَّهُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَحْوَالِ هَذِهِ الرُّبَاعِيَّاتِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى كَتْبِهَا هِيَ: أَخْبَارُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَائِعِهِ، وَالصَّحَابَةِ وَمَقَادِيرِهِمْ، وَالتَّابِعِينَ وَأَحْوَالِهِمْ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَتَوَارِيخِهِمْ، مَعَ أَسْمَاءِ رِجَالِهَا وَكُنَاهُمْ وَأَمْكِنَتِهِمْ وَأَزْمِنَتِهِمْ، كَالتَّحْمِيدِ مَعَ الْخُطَبِ، وَالدُّعَاءِ مَعَ التَّرَسُّلِ، وَالْبَسْمَلَةِ مَعَ السُّورَةِ، وَالتَّكْبِيرِ مَعَ الصَّلَوَاتِ، مِثْلِ الْمُسْنَدَاتِ، وَالْمُرْسَلَاتِ، وَالْمَوْقُوفَاتِ، وَالْمَقْطُوعَاتِ فِي صِغَرِهِ، وَفِي إِدْرَاكِهِ، وَفِي شَبَابِهِ، وَفِي كُهُولَتِهِ، عِنْدَ شُغْلِهِ، وَعِنْدَ فَرَاغِهِ، وَعِنْدَ فَقْرِهِ، وَعِنْدَ غِنَاهُ، بِالْجِبَالِ، وَالْبِحَارِ، وَالْبُلْدَانِ، وَالْبَرَارِي، عَلَى الْأَحْجَارِ وَالْأَصْدَافِ، وَالْجُلُودِ وَالْأَكْتَافِ، إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُهُ نَقْلُهَا إِلَى الْأَوْرَاقِ، عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ، وَعَنْ كِتَابِ أَبِيهِ، يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ بِخَطِّ أَبِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى طَالِبًا لِمَرْضَاتِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا، وَنَشْرِهَا بَيْنَ طَالِبِيهَا، وَالتَّأْلِيفِ فِي إِحْيَاءِ ذِكْرِهِ بَعْدَهُ.

стр. 581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] ثُمَّ لَا تَتِمُّ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إِلَّا بِأَرْبَعٍ هِيَ مَنْ كَسْبِ الْعَبْدِ: مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ، وَاللُّغَةِ، وَالصَّرْفِ، وَالنَّحْوِ، مَعَ أَرْبَعٍ هُنَّ مِنْ عَطَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: الصِّحَّةُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْحِرْصُ، وَالْحِفْظُ؛ فَإِذَا صَحَّتْ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ هَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ: الْأَهْلُ، وَالْوَلَدُ، وَالْمَالُ، وَالْوَطَنُ، وَابْتُلِيَ بِأَرْبَعٍ: شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَمَلَامَةُ الْأَصْدِقَاءِ، وَطَعْنُ الْجُهَلَاءِ، وَحَسَدُ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِذَا صَبَرَ عَلَى هَذِهِ الْمِحَنِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَعٍ: بِعِزِّ الْقَنَاعَةِ، وَبِهَيْبَةِ الْيَقِينِ، وَبِلَذَّةِ الْعِلْمِ، وَبِحَيَاةِ الْأَبَدِ، وَأَثَابَهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ إِخْوَانِهِ، وَبِظِلِّ الْعَرْشِ حَيْثُ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَيَسْقِي مَنْ أَرَادَ مِنْ حَوْضِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِجِوَارِ النَّبِيِّينَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي الْجَنَّةِ؛ فَقَدْ أَعْلَمْتُكَ يَا بُنَيَّ بِمُجْمَلَاتِ جَمِيعِ مَا كُنْتُ سَمِعْتُ مِنْ مَشَايِخِي مُتَفَرِّقًا فِي هَذَا الْبَابِ، فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى مَا قَصَدْتَنِي لَهُ، أَوْ دَعْ. [النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ] [الكلام في الإسناد] (النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ: الْإِسْنَادُ) فِي أَصْلِهِ (خِصِّيصَةٌ) فَاضِلَةٌ (لِهَذِهِ الْأُمَّةِ) لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: نَقْلُ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ مَعَ الِاتِّصَالِ، خَصَّ اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ سَائِرِ الْمِلَلِ، وَأَمَّا مَعَ الْإِرْسَالِ وَالْإِعْضَالِ فَيُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْيَهُودِ، لَكِنْ لَا يَقْرُبُونَ مِنْ مُوسَى قُرْبَنَا مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، بَلْ يَقِفُونَ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُوسَى أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ عَصْرًا، وَإِنَّمَا يَبْلُغُونَ إِلَى شَمْعُونَ وَنَحْوِهِ. قَالَ: وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَةِ هَذَا النَّقْلِ إِلَّا تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فَقَطْ، وَأَمَّا النَّقْلُ بِالطَّرِيقِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى كَذَّابٍ أَوْ مَجْهُولِ الْعَيْنِ فَكَثِيرٌ فِي نَقْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

стр. 582

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي وَالنَّازِلِ: الْإِسْنَادُ خَصِّيصَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَسُنَّةُ بَالِغَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَطَلَبُ الْعُلُوِّ فِيهِ سُنَّةٌ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّتِ الرِّحْلَةُ. ــ [تدريب الراوي] قَالَ: وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَلَا يُمْكِنُ الْيَهُودُ أَنْ يَبْلُغُوا إِلَى صَاحِبِ نَبِيٍّ أَصْلًا، وَلَا إِلَى تَابِعٍ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُ النَّصَارَى أَنْ يَصِلُوا إِلَى أَعْلَى مِنْ شَمْعُونَ وَبُولِصَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، لَمْ يُعْطِهَا مَنْ قَبْلَهَا: الْإِسْنَادِ، وَالْأَنْسَابِ، وَالْإِعْرَابِ. وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] ، قَالَ: إِسْنَادُ الْحَدِيثِ. (وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مُؤَكَّدَةٌ) ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ؛ فَقُلْتُ: هَاتِهِ بِلَا إِسْنَادٍ؛ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَتَرْقَى السَّطْحَ بِلَا سُلَّمٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ. (وَطَلَبُ الْعُلُوِّ فِيهِ سُنَّةٌ) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ عُمَرَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ.

стр. 583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطَّوْسِيُّ: قُرْبُ الْإِسْنَادِ قُرْبٌ - أَوْ قُرْبَةٌ - إِلَى اللَّهِ. (وَلِهَذَا اسْتُحِبَّتِ الرِّحْلَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الْحَاكِمُ: وَيُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ، «فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ: أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ كَذَا» ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ طَلَبُ الْعُلُوِّ فِي الْإِسْنَادِ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ لِذَلِكَ، وَلَأَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا أَخْبَرَهُ الرَّسُولُ عَنْهُ. قَالَ: وَقَدْ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْإِسْنَادِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ حَدِيثَ خُرُوجِ أَبِي أَيُّوبَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ عُقْبَةَ، الْحَدِيثُ فِي سَتْرِ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ الْعَلَائِيُّ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ، لَا يَخْفَى. أَمَّا حَدِيثُ ضِمَامٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، هَلْ كَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ مَجِيئِهِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ كَمَا اخْتَارَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ طَلَبًا لِلْعُلُوِّ، بَلْ كَانَ شَاكًّا فِي قَوْلِ الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَهُ، فَرَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى اسْتَثْبَتَ الْأَمْرَ وَشَاهَدَ مِنْ أَحْوَالِهِ مَا حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِصِدْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي كَلَامِهِ: فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّ الزَّعْمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَظِنَّةِ الْكَذِبِ. قُلْنَا: كَانَ أَسْلَمَ فَلَمْ يَكُنْ مَجِيؤُهُ أَيْضًا لِطَلَبِ الْعُلُوِّ فِي إِسْنَادٍ، بَلْ لِيَرْتَقِيَ مِنَ الظَّنِّ إِلَى الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي أَتَاهُمْ لَمْ يُفِدْ خَبَرُهُ إِلَّا الظَّنَّ، وَلِقَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَادَ الْيَقِينَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا يُحْتَجُّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ رِحْلَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي

стр. 584

وَهُوَ أَقْسَامٌ: أَجَلُّهَا الْقُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَظِيفٍ. ــ [تدريب الراوي] سَمَاعِ أَحَادِيثَ مُعَيَّنَةٍ إِلَى الْبِلَادِ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَيْضًا؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ لَمْ تَتَّصِلْ إِلَى مَنْ رَحَلَ بِسَبَبِهَا مِنْ جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، فَكَانَتِ الرِّحْلَةُ لِتَحْصِيلِهَا لَا لِلْعُلُوِّ فِيهَا. قَالَ: نَعَمْ لَا رَيْبَ فِي اتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الْإِسْنَادُ الْعَالِي. [أقسام الْعُلُوُّ] [الأول أَجَلُّهَا الْقُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ] (وَهُوَ) أَيِ الْعُلُوُّ (أَقْسَامٌ) خَمْسَةٌ (أَجَلُّهَا الْقُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَظِيفٍ) بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَعَ ضَعْفٍ، فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى هَذَا الْعُلُوِّ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِمَّنِ ادَّعَى سَمَاعًا مِنَ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ هُدْبَةَ، وَدِينَارٍ، وَخِرَاشٍ، وَنُعَيْمِ بْنِ سَالِمٍ، وَيَعْلَى بْنِ الْأَشْدَقِ، وَأَبِي الدُّنْيَا الْأَشَجِّ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: مَتَى رَأَيْتَ الْمُحَدِّثِ يَفْرَحُ بِعَوَالِي هَؤُلَاءِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَامِّيٌّ بَعْدُ. وَأَعْلَى مَا يَقَعُ لَنَا وَلْأَضْرَابِنَا فِي هَذَا الزَّمَنِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الْمُتَّصِلَةِ بِالسَّمَاعِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَبِالْإِجَازَةِ فِي الطَّرِيقِ أَحَدَ عَشَرَ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ، وَبِضَعْفٍ يَسِيرٍ غَيْرِ وَاهٍ عَشَرَةٌ، وَلَمْ يَقَعْ لَنَا بِذَلِكَ إِلَّا أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ جِدًّا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الصَّغِيرِ: أَخْبَرَنِي مُسْنَدُ الدُّنْيَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقْبِلٍ الْحَلَبِيُّ إِجَازَةً مُكَاتَبَةً مِنْهُ، فِي رَجَبٍ

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيِّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْقَاسِمِ الصَّيْدَلَانِيِّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، أَخْبَرَتْنَا أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو الْفَضْلِ الثَّقَفِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِمَا قَالَا، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ رِيذَةَ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رُمَاحِسَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، ثَنَا أَبُو عَمْرٍو زِيَادُ بْنُ طَارِقٍ، وَكَانَ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَرْوَلٍ زُهَيْرَ بْنَ صُرْدٍ الْجُشَمِيَّ يَقُولُ: «لَمَّا أَسَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَوْمَ هَوَازِنَ، وَذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ وَالنِّسَاءَ فَأَتَيْتُهُ فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُشَتَّتٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ يَا خَيْرَ طِفْلٍ وَمَوْلُودٍ وَمُنْتَخَبٍ ... فِي الْعَالَمِينَ إِذَا مَا حَصَّلَ الْبَشَرُ أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ هَتَّافًا عَلَى حَزَنٍ ... عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغَمَّاءُ وَالْغِمْرُ إِنْ لَمْ تَدَارَكْهُمْ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يُزَيِّنُكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذْرُ لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى إِذَا كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهِرُ يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ إِذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] إِنَّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنْكَ تَلْبَسُهُ هَذِي الْبَرِيَّةُ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ ... فَاعْفُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدِي لَكَ الظَّفَرَ قَالَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الشِّعْرَ قَالَ: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عُشَارِيٌّ أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنِ ابْنِ رُمَاحِسَ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنِ قَانِعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَوَّاصِ، عَنِ ابْنِ رُمَاحِسَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ يَوْمُ هَوَازِنَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِ الْحَسَنِ. وَأَمَّا الذَّهَبِيُّ فَقَالَ فِي " الْمِيزَانِ ": عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ رُمَاحِسَ الْقَيْسِيُّ الرَّمْلِيُّ، كَانَ مُعَمَّرًا مَا رَأَيْتُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ جَرْحًا.

стр. 587

الثَّانِي: الْقُرْبُ مِنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَثُرَ بَعْدَهُ الْعَدَدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ــ [تدريب الراوي] قَالَ ثُمَّ رَأَيْتُ لِحَدِيثِهِ هَذَا عِلَّةً قَادِحَةً؛ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ، رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ صُرْدِ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ زُهَيْرٍ، فَعَمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْإِسْنَادِ فَأَسْقَطَ مِنْهُ رَجُلَيْنِ. وَبِهِ إِلَى الطَّبَرَانِيِّ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ فَرُّوخٍ الْأَنْصَارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي لِأُمِّي عَمْرُو بْنُ أَبَانِ بْنِ مُفَضَّلٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ: «أَرَانِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْوُضُوءَ: أَخَذَ رَكْوَةً فَوَضَعَهَا عَلَى يَسَارِهِ، وَصَبَّ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ أَدَارَ الرَّكْوَةَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا لِصِمَاخِهِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ مَسَحْتَ أُذُنَيْكَ؛ فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ، لَيْسَ هُمَا مِنَ الْوَجْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ هَلْ رَأَيْتَ أَوْ فَهِمْتَ، أَوْ أُعِيدُ عَلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: قَدْ كَفَانِي، قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ» . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي " الْمِيزَانِ ": [هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ] انْفَرَدَ بِهِ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ، وَعَمْرِو بْنِ أَبَانٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَالْحَدِيثُ ثُمَانِيٌّ لَنَا لَهُ عَلَى ضَعْفِهِ. [الثاني الْقُرْبُ مِنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ] (الثَّانِي: الْقُرْبُ مِنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ) كَالْأَعْمَشِ، وَهُشَيْمٍ، وَابْنِ

стр. 588

الثَّالِثُ: الْعُلُوُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَةِ أَحَدِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُعْتَمَدَةِ، وَهُوَ مَا كَثُرَ اعْتِنَاءُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْإِبِدَالِ، وَالْمُسَاوَاةِ وَالْمُصَافَحَةِ؛ فَالْمُوَافَقَةُ أَنْ يَقَعَ لَكَ حَدِيثٌ عَنْ شَيْخِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ بِعَدَدٍ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِكَ إِذَا رَوَيْتَهُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْهُ، وَالْبَدَلُ أَنْ يَقَعَ هَذَا الْعُلُوُّ عَنْ مِثْلِ شَيْخِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا مُوَافَقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْخِ شَيْخِ مُسْلِمٍ. وَالْمُسَاوَاةُ فِي أَعْصَارِنَا قِلَّةُ عَدَدِ إِسْنَادِكَ إَلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قَارَبَهُ بِحَيْثُ يَقَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ صَحَابِيٍّ مَثَلًا مِنَ الْعَدَدُ مِثْلُ مَا وَقَعَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَهُ. وَالْمُصَافَحَةُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِكَ؛ فَيَكُونُ لَكَ مُصَافَحَةً كَأَنَّكَ صَافَحْتَ مُسْلِمًا فأَخَذْتَهُ عَنْهُ. فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ كَانْتِ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِكَ فَالْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ، وَهَذَا الْعُلُوُّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ؛ فَلَوْلَا نُزُولُ مُسْلِمٍ وَشِبْهِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ. ــ [تدريب الراوي] جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَشُعْبَةَ، وَغَيْرِهِمْ مَعَ الصِّحَّةِ أَيْضًا، (وَإِنْ كَثُرَ بَعْدَهُ الْعَدَدُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [الثالث الْعُلُوُّ الْمُقَيَّدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَةِ أَحَدِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ] (الثَّالِثُ: الْعُلُوُّ) الْمُقَيَّدُ (بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَةِ أَحَدِ الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ) الْكُتُبِ (الْمُعْتَمَدَةِ) ، وَسَمَّاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ. وَلَيْسَ بِعُلُوٍّ مُطْلَقٍ إِذِ الرَّاوِي لَوْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ كِتَابٍ مِنْهَا وَقَعَ أَنْزَلَ مِمَّا لَوْ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهَا، وَقَدْ يَكُونُ عَالِيًا مُطْلَقًا أَيْضًا. (وَهُوَ مَا كَثُرَ اعْتِنَاءُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْإِبْدَالِ وَالْمُسَاوَاةِ وَالْمُصَافَحَةِ؛ فَالْمُوَافَقَةُ أَنْ يَقَعَ لَكَ حَدِيثٌ عَنْ شَيْخِ مُسْلِمٍ) مَثَلًا (مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ بِعَدَدٍ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِكَ إِذَا رَوَيْتَهُ) بِإِسْنَادِكَ (عَنْ مُسْلِمٍ عَنْهُ، وَالْبَدَلُ أَنْ يَقَعَ هَذَا الْعُلُوُّ عَنْ) شَيْخٍ غَيْرِ شَيْخِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ (مِثْلِ شَيْخِ مُسْلِمٍ) فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ. (وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا مُوَافَقَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْخِ شَيْخِ مُسْلِمٍ) فَهُوَ مُوَافَقَةٌ مُقَيَّدَةٌ.

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَقَدْ تُطْلَقُ الْمُوَافَقَةُ وَالْبَدَلُ مَعَ عَدَمِ الْعُلُوِّ بَلْ وَمَعَ النُّزُولِ أَيْضًا، كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الذَّهَبِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ مُوَافَقَةٌ وَبَدَلٌ، وَلَكِنْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ. تَنْبِيهٌ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِأَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ اسْتِوَاءُ الْإِسْنَادِ بَعْدَ الشَّيْخِ الْمُجْتَمَعِ فِيهِ أَوْ لَا؟ . وَقَدْ وَقَعَ لِي فِي الْإِمْلَاءِ حَدِيثٌ أُمْلِيتُهُ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ» ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقَارِئِ، عَنْ سُهَيْلٍ. فَقُتَيْبَةُ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ عَنْ سُهَيْلٍ، فَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا: وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنِ الْآخَرِ. فَهَلْ يُسَمَّى هَذَا مُوَافَقَةً لَاجْتِمَاعِنَا مَعَهُ فِي قُتَيْبَةَ، أَوْ بَدَلًا لِلتَّخَالُفِ فِي شَيْخِهِ، وَالَاجْتِمَاعِ فِي سُهَيْلٍ أَوْ لَا، وَلَا يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْبَدَلِ، احْتِمَالَاتٌ: أَقْرَبُهَا عِنْدِي الثَّالِثُ. (وَالْمُسَاوَاةُ فِي أَعْصَارِنَا قِلَّةُ عَدَدِ إِسْنَادِكَ إِلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قَارَبَهُ بِحَيْثُ يَقَعُ

стр. 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَيْنَكَ وَبَيْنَ صَحَابِيٍّ مَثَلًا مِنَ الْعَدَدِ مِثْلُ مَا وَقَعَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَهُ) . وَهَذَا كَانَ يُوجَدُ قَدِيمًا، وَأَمَّا الْآنُ فَلَا يُوجَدُ فِي حَدِيثٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ يُوجَدُ مُطْلَقُ الْعَدَدِ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ. فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ فِي ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ، وَقَدْ وَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ حَدِيثٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ عَشْرَةُ أَنْفُسٍ، وَذَلِكَ مُسَاوَاةٌ لَنَا. وَهُوَ مَا رَوَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ امْرَأَةٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَعْدِلُ ثُلْثَ الْقُرْآنِ» . قَالَ النَّسَائِيُّ: مَا أَعْلَمُ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادًا أَطْوَلَ مِنْ هَذَا. وَفِيهِ سِتَّةٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَوَّلُهُمْ مَنْصُورٌ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ؛ قَالَا: ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا زَائِدَةُ بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ. وَالْمَرْأَةُ هِيَ امْرَأَةُ أَبِي أَيُّوبَ، وَهُوَ عُشَارِيٌّ لِلتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا. (وَالْمُصَافَحَةُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِكَ فَيَكُونُ لَكَ مُصَافَحَةً، كَأَنَّكَ صَافَحْتَ مُسْلِمًا فَأَخَذْتَهُ عَنْهُ) .

стр. 591

الرَّابِعُ: الْعُلَوُّ بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي فَمَا أَرْوِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْحَاكِمِ أَعَلَى مِمَّا أَرْوِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ الْحَاكِمِ؛ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ خَلَفٍ. وَأَمَّا عُلُوُّهُ بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ شَيْخِكَ فَحَدَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ جُوصَى بِمُضِيِّ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ وَفَاةِ الشَّيْخِ، وَابْنُ مَنْدَهْ بِثَلَاثِينَ. ــ [تدريب الراوي] فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِكَ، وَإِنْ كَانَتِ) الْمُسَاوَاةُ (لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِكَ فَالْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ، وَهَذَا الْعُلُوُّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ) غَالِبًا، (فَلَوْلَا نُزُولُ مُسْلِمٍ وَشِبْهِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ) ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ عُلُوِّهِ أَيْضًا، فَيَكُونُ عَالِيًا مُطْلَقًا. [الرَّابِعُ الْعُلَوُّ بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي] (الرَّابِعُ: الْعُلُوُّ بِتَقْدِيمِ وَفَاةِ الرَّاوِي) وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْعَدَدِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (فَمَا أَرْوِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْحَاكِمِ أَعْلَى مِمَّا أَرْوِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ الْحَاكِمِ، لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ خَلَفٍ) . وَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَ مُسْنَدَ أَحْمَدَ عَلَى الْحَلَاوِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْحَلَبِيِّ، عَنِ النَّجِيبِ، أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَهُ عَلَى الْجَمَّالِ الْكِنَانِيِّ، عَنِ الْعُرْضِيِّ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ مَكِّيٍّ؛ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلِينَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْآخِرِينَ. (وَأَمَّا عُلُوُّهُ بِتَقْدِيمِ وَفَاةِ شَيْخِكَ) لَا مَعَ الْتِفَاتٍ لِأَمْرٍ آخَرَ أَوْ شَيْخٍ آخَرَ، (فَحَدَّهُ الْحَافِظُ) أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ (ابْنُ جُوصَى) الدِّمَشْقِيُّ (بِمُضِيِّ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ تَارِيخِ وَفَاةِ الشَّيْخِ.

стр. 592

الْخَامِسُ: الْعُلُوُّ بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ ، وَيَدْخُلُ كَثِيرٌ مِنْهُ فَيمَا قَبْلَهُ، وَيَمْتَازُ بِأَنْ يَسْمَعَ شَخْصَانِ مِنْ شَيْخٍ؛ وَسَمَاعُ أحَدِهِمَا مِنْ سِتِّينَ سَنَةً مَثَلًا، وَالْآخَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَتَسَاوَى الْعَدَدُ إِلَيْهِمَا فَالْأَوَّلُ أَعْلَى. ــ [تدريب الراوي] حَدَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (وَابْنُ مَنْدَهْ بِثَلَاثِينَ) تَمْضِي مِنْ مَوْتِهِ. وَلَيْسَ يَقَعُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ أَوْسَعُ. [الْخَامِسُ الْعُلُوُّ بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ] (الْخَامِسُ: الْعُلُوُّ بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) مِنَ الشَّيْخِ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ مُتَقَدِّمًا كَانَ أَعْلَى مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَهُ. (وَيَدْخُلُ كَثِيرٌ مِنْهُ فِيمَا قَبْلَهُ وَيَمْتَازُ) عَنْهُ (بِأَنْ يَسْمَعَ شَخْصَانِ مِنْ شَيْخٍ، وَسَمَاعُ أَحَدِهِمَا مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً مَثَلًا، وَالْآخَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ) سَنَةً (وَتَسَاوَى الْعَدَدُ إِلَيْهِمَا فَالْأَوَّلُ أَعْلَى) مِنَ الثَّانِي. وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنِ اخْتَلَطَ شَيْخُهُ أَوْ خَرِفَ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَرْجَحَ، بِأَنْ يَكُونَ تَحْدِيثُهُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا عُلُوٌّ مَعْنَوِيٌّ، كَمَا سَيَأْتِي. تَنْبِيهٌ جَعَلَ ابْنُ طَاهِرٍ

стр. 593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ قِسْمًا وَاحِدًا، وَزَادَ الْعُلُوُّ إِلَى صَاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ، وَمُصَنِّفِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ. وَجَعَلَهُ ابْنُ طَاهِرٍ اسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْعُلُوُّ إِلَى الشَّيْخَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَنَحْوِهِمْ. وَالْآخَرُ: الْعُلُوُّ إِلَى كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ لِأَقْوَامٍ كَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَالْخَطَّابِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ عَسُرَ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَلَمْ يَجِدْهُ غَالِبًا، وَلَابُدَّ لَهُ مِنْ إِيرَادِهِ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَوْرَدَهُ فَهُوَ عَالٍ بِعِزَّتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْ أَمَاثِلِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، لِمَعْنًى فِيهِ؛ فَكَانَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ. نُكْتَةٌ وَقَعَ لَنَا حَدِيثٌ اجْتَمَعَ فِيهِ أَقْسَامُ الْعُلُوِّ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهَا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ التَّنُوخِيُّ سَمَاعًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ الْقَيْسِيِّ، وَأَبِي رَوْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَقْدِسِيِّ، قَالَا: أَنَا أَبُو الْمُنْجِي بْنُ

стр. 594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] اللَّيْثِيِّ؛ قَالَ: الْأَوَّلُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، أَنَا أَبُو الْوَقْتِ السِّجْزِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِمِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، أَنَا أَبُو الْعَاصِمِ الْفُضَيْلُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيفِيُّ - يَعْنِي أَبَا الْقَاسِمِ الْبَغَوِيَّ - وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، أَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ ; عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ ، فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: أَنَا. . . أَنَا! ! كَأَنَّهُ كَرِهَهُ» . هَذَا الْحَدِيثُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَنْوَاعُ الْعُلُوِّ، أَمَّا الْعَدَدُ فَبَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ثِقَاتٌ بِالسَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ أَعْلَى مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فَلْأَنَّ شُعْبَةَ بْنَ الْحَجَّاجِ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ رَوَى الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، وَلَمْ يَقَعْ حَدِيثُهُ بِعُلُوٍّ إِلَّا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فَأَقَلُّ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ اثْنَانِ، وَهُوَ مُتَقَدِّمُ الْوَفَاةِ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ تِسْعَةُ أَنْفَسٍ، وَهُوَ نِهَايَةُ الْعُلُوِّ. وَأَمَّا عُلُوُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَئِمَّةِ الْكُتُبِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ، فَوَقَعَ لِي بَدَلًا عَالِيًا كَأَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْمَجْدِ،

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَأَبِي إِسْحَاقَ التَّنُوخِيِّ وَغَيْرِهِمَا، مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا فِي الصَّحِيحِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَأَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ بُهْزِ بْنِ أَسَدٍ. وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ. وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ. وَالنَّسَائِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ. وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ. كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ. فَوَقَعَ لِي بَدَلًا لَهُمْ عَالِيًا بِثَلَاثِ دَرَجَاتٍ؛ فَكَأَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ مُضَرَ رَاوِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمِنْهُ سَمِعَ النَّوَوِيُّ صَحِيحَ مُسْلِمٍ. وَمِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُقَيَّرِ رَاوِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.

стр. 596

وَأَمَّا النُّزُولُ فَضِدُّ الْعُلُوِّ؛ فَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ تُعْرَفُ مِنْ ضِدِّهَا، وَهُوَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ قَولُ الْجُمْهُورِ، وَفَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُلُوِّ؛ فَإِنْ تَمَيَّزَ بِفَائِدَةٍ فَهُوَ مُخَتَارٌ. ــ [تدريب الراوي] وَمِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْبُخَارِيِّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الْعِرَاقِيِّ رَاوِي النَّسَائِيِّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. وَمِنْ أَبِي السَّعَادَاتِ رَاوِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ. [أقسام النزول] (وَأَمَّا النُّزُولُ فَضِدُّ الْعُلُوِّ فَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ) أَيْضًا (تُعْرَفُ مِنْ ضِدِّهَا) ، فَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ الْعُلُوِّ ضِدُّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ النُّزُولِ، (وَهُوَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ) . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: النُّزُولُ شُؤْمٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: الْإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الْوَجْهِ. (وَفَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُلُوِّ) حَكَاهُ ابْنُ خَلَّادٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ كُلَّمَا زَادَ عَدَدُهُ زَادَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، فَيَزْدَادُ الثَّوَابُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، ضَعِيفُ الْحُجَّةِ.

стр. 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا، وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنَ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصِّحَّةُ أَوْلَى. (فَإِنْ تَمَيَّزَ) الْإِسْنَادُ النَّازِلُ (بِفَائِدَةٍ) كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي رِجَالِهِ عَلَى الْعَالِي، أَوْ كَوْنِهِمْ أَحْفَظَ أَوْ أَفْقَهَ، أَوْ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِالسَّمَاعِ، وَفِي الْعَالِي حُضُورٌ أَوْ إِجَازَةٌ أَوْ مُنَاوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلُ بَعْضِ رُوَاتِهِ فِي الْحَمْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَهُوَ مُخْتَارٌ) . قَالَ وَكِيعٌ لِأَصْحَابِهِ: الْأَعْمَشُ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَمْ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالُوا: الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَقْرَبُ؛ فَقَالَ: الْأَعْمَشُ شَيْخٌ، وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فَقِيهٌ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ جَوْدَةُ الْحَدِيثِ قُرْبَ الْإِسْنَادِ، بَلْ جَوْدَةُ الْحَدِيثِ صِحَّةَ الرِّجَالِ. وَقَالَ السَّلَفِيُّ: الْأَصْلُ الْأَخْذُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنَ الْعُلُوِّ عَنِ الْجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ الْعَالِي فِي الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْعُلُوِّ الْمُتَعَارَفِ إِطْلَاقُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ،

стр. 598

النَّوْعُ الثَلَاثُونَ: الْمَشْهُورُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ وَغَيْرُهُ، وَمَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. وَمِنْهُ الْمُتَوَاتِرُ الْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَلَا يَذْكُرُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي رِوَايَاتِهِمْ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ ضَرُورَةً عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَحَدِيثُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» مُتَوَاتِرٌ، لَا حَدِيثُ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . ــ [تدريب الراوي] وَإِنَّمَا هُوَ عُلُوٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلِابْنِ حِبَّانَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ إِنْ كَانَ لِلسَّنَدِ فَالشُّيُوخُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لِلْمَتْنِ فَالْفُقَهَاءُ. [النَّوْعُ الثَلَاثُونَ الْمَشْهُورُ] (النَّوْعُ الثَلَاثُونَ: الْمَشْهُورُ مِنَ الْحَدِيثِ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَعْنَى الشُّهْرَةِ مَفْهُومٌ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّهِ. وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَمْ يَذْكُرْ لَهُ ضَابِطًا، وَفِي كُتُبِ الْأَصُولِ الْمَشْهُورَةِ: وَيُقَالُ لَهُ الْمُسْتَفِيضُ الَّذِي تَزِيدُ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمَشْهُورُ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ بِأَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِهِ، وَسَمَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُسْتَفِيضَ لِانْتِشَارِهِ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ فَيْضًا. وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ يَكُونُ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ سَوَاءٌ، وَالْمَشْهُورَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ. (هُوَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ، وَغَيْرُهُ) أَيْ حَسَنٌ وَضَعِيفٌ، (وَمَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَ) مَشْهُورٌ (بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ) مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ. وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَهَذَا يُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا،

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَلْ مَا لَا يُوجَدُ لَهُ إِسْنَادٌ أَصْلًا. وَقَدْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْقِسْمِ الزَّرْكَشِيُّ: " التَّذْكِرَةَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ "، وَأَلَّفْتُ فِيهِ كِتَابًا مُرَتَّبًا عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ اسْتَدْرَكْتُ فِيهِ مِمَّا فَاتَهُ الْجَمَّ الْغَفِيرَ. مِثَالُ الْمَشْهُورِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ وَهُوَ صَحِيحٌ حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعَلَمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ» . وَحَدِيثُ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَمَثَّلَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الصَّلَاحِ بِحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . فَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ الشُّهْرَةَ إِنَّمَا طَرَأَتْ لَهُ مِنْ عِنْدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَوَّلِ الْإِسْنَادِ فَرُدَّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِثَالُهُ وَهُوَ حَسَنٌ حَدِيثُ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . فَقَدْ قَالَ الْمِزِّيُّ: إِنَّ لَهُ طُرُقًا يَرْتَقِي بِهَا إِلَى رُتْبَةِ الْحَسَنِ. وَمِثَالُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ، مَثَّلَ بِهِ الْحَاكِمُ.

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً حَدِيثُ أَنَسٍ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ» . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسٍ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ غَيْرُ أَبِي مِجْلَزٍ، وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيْرُ سُلَيْمَانَ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ يَسْتَغْرِبُهُ غَيْرُهُمْ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ كَوْنُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ. وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ» ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ» الْحَدِيثَ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. «لَا غِيبَةَ لِفَاسِقٍ» ، حَسَّنَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
следующие страницы →