Полный текст (925 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وَأَمَّا النُّزُولُ فَضِدُّ الْعُلُوِّ؛ فَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ تُعْرَفُ مِنْ ضِدِّهَا، وَهُوَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ قَولُ الْجُمْهُورِ، وَفَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُلُوِّ؛ فَإِنْ تَمَيَّزَ بِفَائِدَةٍ فَهُوَ مُخَتَارٌ.
ــ
[تدريب الراوي]
وَمِنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْبُخَارِيِّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَمِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الْعِرَاقِيِّ رَاوِي النَّسَائِيِّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
وَمِنْ أَبِي السَّعَادَاتِ رَاوِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ.
[أقسام النزول]
(وَأَمَّا النُّزُولُ فَضِدُّ الْعُلُوِّ فَهُوَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ) أَيْضًا (تُعْرَفُ مِنْ ضِدِّهَا) ، فَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ الْعُلُوِّ ضِدُّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ النُّزُولِ، (وَهُوَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ) .
قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: النُّزُولُ شُؤْمٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: الْإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الْوَجْهِ.
(وَفَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُلُوِّ) حَكَاهُ ابْنُ خَلَّادٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ كُلَّمَا زَادَ عَدَدُهُ زَادَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، فَيَزْدَادُ الثَّوَابُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، ضَعِيفُ الْحُجَّةِ.
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا، وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنَ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصِّحَّةُ أَوْلَى.
(فَإِنْ تَمَيَّزَ) الْإِسْنَادُ النَّازِلُ (بِفَائِدَةٍ) كَزِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي رِجَالِهِ عَلَى الْعَالِي، أَوْ كَوْنِهِمْ أَحْفَظَ أَوْ أَفْقَهَ، أَوْ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِالسَّمَاعِ، وَفِي الْعَالِي حُضُورٌ أَوْ إِجَازَةٌ أَوْ مُنَاوَلَةٌ، أَوْ تَسَاهُلُ بَعْضِ رُوَاتِهِ فِي الْحَمْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَهُوَ مُخْتَارٌ) .
قَالَ وَكِيعٌ لِأَصْحَابِهِ: الْأَعْمَشُ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَمْ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالُوا: الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ أَقْرَبُ؛ فَقَالَ: الْأَعْمَشُ شَيْخٌ، وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، فَقِيهٌ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ، عَنْ فَقِيهٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ جَوْدَةُ الْحَدِيثِ قُرْبَ الْإِسْنَادِ، بَلْ جَوْدَةُ الْحَدِيثِ صِحَّةَ الرِّجَالِ.
وَقَالَ السَّلَفِيُّ: الْأَصْلُ الْأَخْذُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنَ الْعُلُوِّ عَنِ الْجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ الْعَالِي فِي الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْعُلُوِّ الْمُتَعَارَفِ إِطْلَاقُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ،
стр. 598
النَّوْعُ الثَلَاثُونَ:
الْمَشْهُورُ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ وَغَيْرُهُ، وَمَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ.
وَمِنْهُ الْمُتَوَاتِرُ الْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَلَا يَذْكُرُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي رِوَايَاتِهِمْ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ ضَرُورَةً عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَحَدِيثُ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» مُتَوَاتِرٌ، لَا حَدِيثُ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
ــ
[تدريب الراوي]
وَإِنَّمَا هُوَ عُلُوٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلِابْنِ حِبَّانَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ إِنْ كَانَ لِلسَّنَدِ فَالشُّيُوخُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لِلْمَتْنِ فَالْفُقَهَاءُ.
[النَّوْعُ الثَلَاثُونَ الْمَشْهُورُ]
(النَّوْعُ الثَلَاثُونَ: الْمَشْهُورُ مِنَ الْحَدِيثِ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَعْنَى الشُّهْرَةِ مَفْهُومٌ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّهِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَمْ يَذْكُرْ لَهُ ضَابِطًا، وَفِي كُتُبِ الْأَصُولِ الْمَشْهُورَةِ: وَيُقَالُ لَهُ الْمُسْتَفِيضُ الَّذِي تَزِيدُ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمَشْهُورُ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ بِأَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِهِ، وَسَمَّاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُسْتَفِيضَ لِانْتِشَارِهِ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ فَيْضًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ يَكُونُ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ سَوَاءٌ، وَالْمَشْهُورَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ.
(هُوَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ، وَغَيْرُهُ) أَيْ حَسَنٌ وَضَعِيفٌ، (وَمَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً، وَ) مَشْهُورٌ (بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ) مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَامَّةِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَهَذَا يُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا،
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
بَلْ مَا لَا يُوجَدُ لَهُ إِسْنَادٌ أَصْلًا.
وَقَدْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْقِسْمِ الزَّرْكَشِيُّ: " التَّذْكِرَةَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ "، وَأَلَّفْتُ فِيهِ كِتَابًا مُرَتَّبًا عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ اسْتَدْرَكْتُ فِيهِ مِمَّا فَاتَهُ الْجَمَّ الْغَفِيرَ.
مِثَالُ الْمَشْهُورِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ وَهُوَ صَحِيحٌ حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعَلَمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ» .
وَحَدِيثُ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
وَمَثَّلَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الصَّلَاحِ بِحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
فَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ الشُّهْرَةَ إِنَّمَا طَرَأَتْ لَهُ مِنْ عِنْدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَوَّلِ الْإِسْنَادِ فَرُدَّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِثَالُهُ وَهُوَ حَسَنٌ حَدِيثُ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» .
فَقَدْ قَالَ الْمِزِّيُّ: إِنَّ لَهُ طُرُقًا يَرْتَقِي بِهَا إِلَى رُتْبَةِ الْحَسَنِ.
وَمِثَالُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ، مَثَّلَ بِهِ الْحَاكِمُ.
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ خَاصَّةً حَدِيثُ أَنَسٍ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ» .
أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ غَيْرُ أَبِي مِجْلَزٍ، وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيْرُ سُلَيْمَانَ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ يَسْتَغْرِبُهُ غَيْرُهُمْ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ كَوْنُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» .
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ الطَّلَاقُ» ، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
«مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ» الْحَدِيثَ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«لَا غِيبَةَ لِفَاسِقٍ» ، حَسَّنَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
«لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ، ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ.
«اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا وَاكْتَحَلُوا وِتْرًا» .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: بَحَثْتُ عَنْهُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا وَلَا ذِكْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ.
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْأَصُولِيِّينَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ» .
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ النُّحَاةِ: «نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» .
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُوجَدُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ.
وَمِثَالُ الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْعَامَّةِ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
«مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
«الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ» ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
стр. 602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
«لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ، صَحَّحَاهُ أَيْضًا.
«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
«الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا.
«اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» .
«نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» .
«مَنْ بُورِكَ لَهُ فِي شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» .
«الْخَيْرُ عَادَةٌ» .
«عَرِّفُوا وَلَا تُعَنِّفُوا» .
«جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا» .
«أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ.
стр. 603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» .
«كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ» .
«الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» .
«يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ نَحْرِكُمْ» .
«مَنْ بَشَّرَنِي بِآذَارَ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ» .
وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَكِتَابُنَا الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ كَافِلٌ بِبَيَانِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَالْمَوْقُوفَاتِ بَيَانًا شَافِيًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَشْهُورِ (الْمُتَوَاتِرُ الْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَلَا يَذْكُرُهُ الْمُحَدِّثُونَ) بِاسْمِهِ الْخَاصِّ الْمُشْعِرِ بِمَعْنَاهُ الْخَاصِّ، وَإِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الْخَطِيبِ؛ فَفِي كَلَامِهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اتَّبَعَ فِيهِ غَيْرَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
قِيلَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ.
وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ بِاسْمِهِ الْمُشْعِرِ بِمَعْنَاهُ، بَلْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ تَوَاتُرًا
стр. 604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
عَنْهُ ﷺ كَذَا، وَأَنَّ الْحَدِيثَ الْفُلَانِيَّ مُتَوَاتِرٌ.
(وَهُوَ قَلِيلٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي رِوَايَاتِهِمْ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ ضَرُورَةً) بِأَنْ يَكُونُوا جَمْعًا لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، (عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ) أَيِ الْإِسْنَادِ (إِلَى آخِرِهِ) ؛ وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ رِجَالِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ: وَلَا يَكْفِي الْأَرْبَعَةُ، وَمَا فَوْقَهَا صَالِحٌ، وَتَوَقَّفَ فِي الْخَمْسَةِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: أَقَلُّهُ عَشَرَةٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ جُمُوعِ الْكَثْرَةِ.
وَقِيلَ: اثْنَا عَشْرَ عِدَّةُ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقِيلَ: عِشْرُونَ.
وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ.
وَقِيلَ: سَبْعُونَ عِدَّةُ أَصْحَابِ مُوسَى ﵊.
وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ وَأَهْلِ بَدْرٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَفَادَ الْعِلْمَ.
(وَحَدِيثُ «مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» مُتَوَاتِرٌ) ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: رَوَاهُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ.
стр. 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْمُصَنَّفِ: رَوَاهُ نَحْوُ مِائَتَيْنِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْنِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي مُطْلَقِ الْكَذِبِ، وَالْخَاصُّ بِهَذَا الْمَتْنِ رِوَايَةُ بِضْعَةٍ وَسَبْعِينَ صَحَابِيًّا: الْعَشَرَةُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، أُسَامَةُ " قا "، أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " خ م "، أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ " طب "، الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ " طب "، بُرَيْدَةُ " عد "، جَابِرُ بْنُ حَابِسٍ " نع "، جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " م "، حُذَيْفَةُ بْنُ أَسَدٍ " طب "، حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ " طب "، خَالِدُ بْنُ عَرْفَطَةَ " حم "، رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ " طب "، زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ " حم "، زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ " خل "، السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ " طب "، سَعْدُ بْنُ الْمِدْحَاسِ " خل "، سَفِينَةُ " عد "، سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيُّ " قط "، سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ " قط "، سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ " خ "، صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ " طب "، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى " قا "، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُغْبٍ " نع "، ابْنُ الزُّبَيْرِ " قط "، ابْنُ عَبَّاسٍ " طب "، ابْنُ عُمَرَ " حم "، ابْنُ عَمْرٍو " خ "، ابْنُ مَسْعُودٍ " ت ن "، عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ " طب "، الْعُرْسُ بْنُ عُمَيْرَةَ " طب "، عَفَّانُ بْنُ حَبِيبٍ " ك "، عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ " حم "، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ " طب "، عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ " بز "، عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ " طب "، عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ " طب "، عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ " طب "، عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ " طب "، قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ " حم "، كَعْبُ بْنُ قُطْبَةَ " خل "، مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ " طب "، مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ " خل "، مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ " حم "، الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ " نع "، الْمُنْقَعُ التَّمِيمِيُّ " خل "، نُبَيْطُ بْنُ شَرِيطٍ " طب "، وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ " عد "، يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ " قط "، يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ " مي "، أَبُو أُمَامَةَ " طب "، أَبُو الْحَمْرَاءِ " طب "، أَبُو ذَرٍّ " قط "، أَبُو رَافِعٍ " قط "، أَبُو رِمْثَةَ " قط "، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ " حم "، أَبُو قَتَادَةَ، أَبُو قِرْصَافَةَ " عد "، أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيُّ " خل "، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ " طب "، أَبُو مُوسَى الْغَافِقِيُّ
стр. 606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
" حم "، أَبُو مَيْمُونٍ الْكُرْدِيُّ " طب "، أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالِدُ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ " خل "، وَالِدُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ " بز "، عَائِشَةُ " قط "، أُمُّ أَيْمَنَ " قط "، وَقَدْ أَعْلَمْتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ رَمْزَ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ؛ " حم " فِي مُسْنَدِهِ لِأَحْمَدَ، وَ " طب " لِلطَّبَرَانِيِّ، وَ " قط " لِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَ " عد " لِابْنِ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ "، وَ " بز " لِمُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَ " قا " لِابْنِ قَانِعٍ فِي مُعْجَمِهِ، وَ " خل " لِلْحَافِظِ يُوسُفَ بْنِ خَلِيلٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَ " نع " لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَ " مي " لِمُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَ " ك " لِمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ، وَ " ت " لِلتِّرْمِذِيِّ، وَ " ن " لِلنَّسَائِيِّ، وَ " خ م " لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. (لَا حَدِيثُ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) أَيْ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي نَوْعِ الشَّاذِّ.
١ -
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَا ادَّعَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ عِزَّةِ الْمُتَوَاتِرِ، وَكَذَا مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعَدَمِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وَأَحْوَالِ الرِّجَالِ، وَصِفَاتِهِمُ الْمُقْتَضِيَةِ لِإِبْعَادِ الْعَادَةِ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ، أَوْ يَحْصُلَ مِنْهُمُ اتِّفَاقًا.
قَالَ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَوْنُ الْمُتَوَاتِرِ مَوْجُودًا وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الْأَحَادِيثِ، أَنَّ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِأَيْدِي أَهْلِ الْعِلْمِ شَرْقًا وَغَرْبًا الْمَقْطُوعَ عِنْدَهُمْ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُؤَلِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًا تُحِيلُ الْعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ أَفَادَ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ بِصِحَّتِهِ إِلَى قَائِلِهِ.
قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ كَثِيرٌ.
قُلْتُ: قَدْ أَلَّفْتُ فِي هَذَا النَّوْعِ كِتَابًا لَمْ أُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ سَمَّيْتُهُ: " الْأَزْهَارُ الْمُتَنَاثِرَةُ
стр. 607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ " مُرَتَّبًا عَلَى أَبْوَابٍ، أَوْرَدْتُ فِيهِ كُلَّ حَدِيثٍ بِأَسَانِيدَ مَنْ خَرَّجَهُ. وَطُرُقِهِ.
ثُمَّ لَخَّصْتُهُ فِي جُزْءٍ لَطِيفٍ سَمَّيْتُهُ: " قَطْفُ الْأَزْهَارِ "، اقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى عَزْوِ كُلِّ طَرِيقٍ لِمَنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَوْرَدْتُ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً.
مِنْهَا: حَدِيثُ الْحَوْضِ مِنْ رِوَايَةِ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ صَحَابِيًّا.
وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سَبْعِينَ صَحَابِيًّا.
وَحَدِيثُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ نَحْوِ خَمْسِينَ.
وَحَدِيثُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي» مِنْ رِوَايَةِ نَحْوِ ثَلَاثِينَ.
وَحَدِيثُ: «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ، مِنْ رِوَايَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
وَحَدِيثُ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ، مِنْ رِوَايَةِ عِشْرِينَ.
وَكَذَا حَدِيثُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
وَحَدِيثُ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا» .
وَحَدِيثُ سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ.
стр. 608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَحَدِيثُ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» .
وَحَدِيثُ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» .
وَحَدِيثُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
وَحَدِيثُ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
كُلُّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، فِي أَحَادِيثَ جَمَّةٍ أَوْدَعْنَاهَا كِتَابَنَا الْمَذْكُورَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
الثَّانِي: قَدْ قَسَّمَ أَهْلُ الْأَصُولِ الْمُتَوَاتِرَ إِلَى:
لَفْظِيٍّ: وَهُوَ مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ.
وَمَعْنَوِيٍّ: وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ جَمَاعَةٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةً تَشْتَرِكُ فِي أَمْرٍ، يَتَوَاتَرُ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ.
كَمَا إِذَا نَقَلَ رَجُلٌ عَنْ حَاتِمٍ مَثَلًا أَنَّهُ أَعْطَى جَمَلًا، وَآخَرَ أَنَّهُ أَعْطَى فَرَسًا، وَآخَرَ أَنَّهُ أَعْطَى دِينَارًا، وَهَلُمَّ جَرًّا؛ فَيَتَوَاتَرُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ أَخْبَارِهِمْ، وَهُوَ الْإِعْطَاءُ، لِأَنَّ وُجُودَهُ مُشْتَرَكٌ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْقَضَايَا.
قُلْتُ: وَذَلِكَ أَيْضًا يَتَأَتَّى فِي الْحَدِيثِ، فَمِنْهُ مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ كَالْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ، وَمِنْهُ مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ كَأَحَادِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ نَحْوُ مِائَةِ حَدِيثٍ، فِيهِ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ لَكِنَّهَا فِي قَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ؛ فَكُلُّ قَضِيَّةٍ مِنْهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِيهَا وَهُوَ
стр. 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
الرَّفْعُ عِنْدَ الدُّعَاءِ، تَوَاتَرَ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ.
[النَّوْعُ الْحَادِيُ وَالثَلَاثُونَ الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ]
(النَّوْعُ الْحَادِيُ وَالثَلَاثُونَ: الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ: إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَشِبْهِهِ مِمَّنْ يَجْمَعُ حَدِيثَهُ) مِنَ الْأَئِمَّةِ كَقَتَادَةَ (رَجُلٌ بِحَدِيثٍ سُمِّيَ غَرِيبًا فَإِنِ انْفَرَدَ) عَنْهُمْ (اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ سُمِّيَ عَزِيزًا فَإِنْ رَوَاهُ) عَنْهُمْ (جَمَاعَةٌ سُمِّيَ مَشْهُورًا) ؛ كَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَنْدَهْ.
وَأَمَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُمْ خَصُّوا الثَّلَاثَةَ فَمَا فَوْقَهَا بِالْمَشْهُورِ، وَالَاثْنَيْنِ بِالْعَزِيزِ، لِعِزَّتِهِ أَيْ قُوَّتِهِ بِمَجِيئِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، أَوْ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدِ ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ عَنِ اثْنَيْنِ لَا تُوجَدُ أَصْلًا؛ فَإِنْ أَرَادَ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ فَيُسَلَّمُ، وَأَمَّا صُورَةُ الْعَزِيزِ الَّتِي جَوَّزَهَا فَمَوْجُودَةٌ، بِأَنْ لَا يَرْوِيَهُ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ.
مِثَالُهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ
стр. 610
النَّوْعُ الْحَادِي وَالثَلَاثِينَ:
الْغَرِيبُ، وَالْعَزِيزُ: إِذَا انْفَرَدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَشِبْهِهِ، مِمَنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ سُمِّيَ غَرِيبًا؛ فَإِنِ انْفَرَدَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ سُمِّيَ عَزِيزًا؛ فَإِنْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ سُمِّيَ مَشْهُورًا، وَيَدْخُلُ فِي الْغَرِيبِ مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ أَوْ بِزَيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ أَوْ إِسْنَادِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَفْرَادُ الْبُلْدَانِ وَيَنْقَسِمُ إِلَى صَحِيحٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَإِلَى غَرِيبٍ مَتْنًا وَإسْنَادًا كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِمَتْنِهِ وَاحِدٌ، وَغَرِيبٍ إِسْنَادًا كَحَدِيثٍ رَوَى مَتْنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَفِيهِ يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُوجَدُ غَرِيبٌ مَتْنًا لَا إِسْنَادًا إِلَّا إِذَا اشْتُهِرَ الْفَرْدُ؛ فَرَوَاهُ عَنِ الْمُنْفَرِدِ كَثِيرُونَ صَارَ غَرِيبًا مَشْهَورًا، غَرِيبًا مَتْنًا لَا إسْنَادًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ كَحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
ــ
[تدريب الراوي]
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» الْحَدِيثَ.
وَرَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ: قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، وَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ: شُعْبَةُ، وَسَعِيدٌ، وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ، وَرَوَاهُ عَنْ كُلٍّ جَمَاعَةٌ.
(وَيَدْخُلُ فِي الْغَرِيبِ مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ) ؛ فَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ فِي قَسْمِ الْأَفْرَادِ، (أَوْ بِزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ أَوْ إِسْنَادِهِ) لَمْ يَذْكُرْهَا غَيْرُهُ.
مِثَالُهُمَا: حَدِيثٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَرَّقَهُمَا، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ فَفِيهِ غَرَابَةُ الْمَتْنِ حَيْثُ جَعَلَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي الْحُسَامِ، عَنْ هِشَامٍ.
(وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَفْرَادُ الْبُلْدَانِ) الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي نَوْعِ الْأَفْرَادِ.
(وَيَنْقَسِمُ) أَيِ الْغَرِيبُ (إِلَى صَحِيحٍ) كَأَفْرَادِ الصَّحِيحِ، (وَ) إِلَى (غَيْرِهِ)
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
أَيْ غَيْرِ الصَّحِيحِ (وَهُوَ الْغَالِبُ) عَلَى الْغَرَائِبِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تَكْتُبُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْغَرَائِبَ فَإِنَّهَا مَنَاكِيرُ، وَعَامَّتُهَا عَنِ الضُّعَفَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ الظَّاهِرُ الَّذِي قَدْ رَوَاهُ النَّاسُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كُنَّا نَرَى أَنَّ غَرِيبَ الْحَدِيثِ خَيْرٌ فَإِذَا هُوَ شَرٌّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْعِلْمُ الَّذِي يَجِيئُكَ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا: يَعْنِي الْمَشْهُورَ، رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ ".
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ بِحَدِيثٍ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: أَحْسَنْتَ، بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، هَكَذَا حُدِّثْنَا، قُلْتُ: مَا أَرَانِي إِلَّا حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ أَنْتَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، قَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُعْرَفُ؛ إِنَّمَا الْعِلْمُ مَا عُرِفَ وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الْأَلْسُنُ.
وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَّبَ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ.
(وَ) يَنْقَسِمُ أَيْضًا (إِلَى غَرِيبٍ مَتْنًا وَإِسْنَادًا كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِمَتْنِهِ) رَاوٍ (وَاحِدٌ، وَ) إِلَى (غَرِيبٍ إِسْنَادًا) لَا مَتْنًا، (كَحَدِيثٍ) مَعْرُوفٍ (رَوَى مَتْنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ
стр. 612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، وَفِيهِ يَقُولُ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: حَدِيثٌ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» .
قَالَ الْخَلِيلِيُّ فِي الْإِرْشَادِ: أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِوَجْهٍ؛ قَالَ: فَهَذَا مِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ الثِّقَةُ.
قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: هَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ كُلُّهُ وَالْمَتْنُ صَحِيحٌ.
(وَلَا يُوجَدُ) حَدِيثٌ (غَرِيبٌ مَتْنًا) فَقَطْ (لَا إِسْنَادًا إِلَّا إِذَا اشْتُهِرَ الْفَرْدُ فَرَوَاهُ عَنِ الْمُنْفَرِدِ كَثِيرُونَ صَارَ غَرِيبًا مَشْهُورًا؛ غَرِيبًا مَتْنًا لَا إِسْنَادًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ) الْمُشْتَهِرُ، وَهُوَ الْأَخِيرُ.
(كَحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَكَسَائِرِ الْغَرَائِبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا التَّصَانِيفُ الْمُشْتَهِرَةُ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ ثُبُوتَ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ غَيْرِ تَخْصِيصٍ
стр. 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
لَهُ بِمَا ذُكِرَ، وَلَمْ يُمَثِّلْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا كَانَ إِسْنَادُهُ مَشْهُورًا جَادَّةً لِعِدَّةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، بِأَنْ يَكُونُوا مَشْهُورِينَ بِرِوَايَةِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَكُونُ الْمَتْنُ غَرِيبًا لَانْفِرَادِهِمْ بِهِ.
قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي تَمْثِيلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَكَى قَوْلَ ابْنِ طَاهِرٍ: وَالْخَامِسُ مِنَ الْغَرَائِبِ أَسَانِيدُ وَمُتُونٌ، تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ بَلَدٍ لَا تُوجَدُ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِمْ، وَسُنَنٌ يَنْفَرِدُ بِالْعَمَلِ بِهَا أَهْلُ مِصْرٍ، لَا يُعْمَلُ بِهَا فِي غَيْرِ مِصْرِهِمْ.
قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ يَشْمَلُ الْغَرِيبَ كُلَّهُ سَنَدًا وَمَتْنًا، أَوْ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ لَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَالِكًا عَنْ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؛ فَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ خَلِّلْ، وَإِنْ شِئْتَ لَا تُخَلِّلْ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَاضِرًا، فَعَجِبَ مِنْ جَوَابِ مَالِكٍ، وَذَكَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا بِسَنَدٍ مِصْرِيٍّ صَحِيحٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، فَاسْتَعَادَ مَالِكٌ الْحَدِيثَ، وَاسْتَعَادَ السَّائِلُ، فَأَمَرَهُ بِالتَّخْلِيلِ، انْتَهَى.
قَالَ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ.
стр. 614
النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ:
غَرِيبُ الْحَدِيثِ . هُوَ مَا وَقَعَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظَةٍ غَامِضَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْفَهْمِ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا. وَهَوَ فَنٌّ مُهِمٌّ. وَالْخَوْضُ فِيهِ صَعْبٌ. فَلْيَتَحَرَّ خَائِضُهُ، وَكَانَ السَّلَفُ يَتَثَبَّتُونَ فِيهِ أَشَدَّ تَثَبُّتٍ. وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ التَّصْنِيفَ فِيهِ؛ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، وَقِيلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ، وَبَعْدَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فَاسْتَقْصَى وَأَجَادَ، ثُمَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ مَا فَاتَ أَبَا عُبَيْدٍ، ثُمَّ الْخَطَّابِيُّ، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ بَعْدَهَا كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا زَوَائِدُ وَفَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، وَلَا يُقَلِّدُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ مُصَنِّفُوهَا أَئِمَّةً أَجِلَّةً، وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَلَاثُونَ:
الْمُسَلْسَلُ: هُوَ مَا تَتَابَعَ رِجَالُ إِسْنَادِهِ عَلَى صِفَةٍ أَوْ حَالَةٍ لِلرُّوَاةِ تَارَةً وللِرِّوَايَةِ تَارَةً أُخْرَى.
وَصِفَاتُ الرُّوَاةِ إِمَّا أَقْوَالٌ أَوْ أَفْعَالٌ وَأَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُهُمَا كَمُسَلْسَلِ التَّشْبِيكِ بِالْيَدِ وَالْعَدِّ فِيهَا، وَكَاتِّفَاقِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ أَوْ صِفَاتِهِمْ أَوْ نِسْبَتِهِمْ؛ كأحَادِيثَ رَوَيْنَاهَا كُلُّ رِجَالِهَا دِمَشْقِيُّونَ، وَكَمُسَلْسَلِ الْفُقَهَاءِ، وَصِفَاتُ الرِّوَايَةِ كَالْمُسَلْسَلِ بِـ (سَمِعْتُ) ، أَوْ بِـ (أَخْبَرَنَا) ، أَوْ (أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَاللَّهِ) . وَأَفْضَلُهُ مَا دَلَّ عَلَى الِاتِّصَالِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ عَنْ خَلَلٍ فِي التَّسَلْسُلِ، وَقَدْ يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِهِ كُمُسَلْسَلِ أَوَّلِ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ.
ــ
[تدريب الراوي]
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ بَلْ تَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ.
كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ.
وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ لِتَوْثِيقِهِ لَابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ.
فَزَالَتِ الْغَرَابَةُ عَنِ الْإِسْنَادِ بِمُتَابَعَةِ اللَّيْثِ وَعَمْرٍو لِابْنِ لَهِيعَةَ، وَالْمَتْنُ غَرِيبٌ.
فَائِدَةٌ
قَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَزِيزًا مَشْهُورًا، قَالَ الْحَافِظُ الْعَلَائِيُّ فِيمَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ: حَدِيثُ «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ، عَزِيزٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، رَوَاهُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ عَنْهُ سَبْعَةٌ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو حَازِمٍ، وَطَاوُسٌ، وَالْأَعْرَجُ، وَهَمَّامٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُنٍ.
[النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ غَرِيبُ الْحَدِيثِ]
(النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَلَاثُونَ غَرِيبُ) أَلْفَاظِ (الْحَدِيثِ هُوَ مَا وَقَعَ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظَةٍ غَامِضَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْفَهْمِ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَهُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ) يَقْبُحُ جَهْلُهُ بِأَهْلِ
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
الْحَدِيثِ، (وَالْخَوْضُ فِيهِ صَعْبٌ) حَقِيقٌ بِالتَّحَرِّي، جَدِيرٌ بِالتَّوَقِّي، (فَلْيَتَحَرَّ خَائِضَهُ) ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى تَفْسِيرِ كَلَامِ نَبِيِّهِ ﷺ بِمُجَرَّدِ الظُّنُونِ، (وَكَانَ السَّلَفُ يَتَثَبَّتُونَ فِيهِ أَشَدَّ تَثَبُّتٍ) .
فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَرْفٍ مِنْهُ فَقَالَ: سَلُوا أَصْحَابَ الْغَرِيبِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّنِّ.
وَسُئِلَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ مَعْنَى حَدِيثِ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» ؛ فَقَالَ: أَنَا لَا أُفَسِّرُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَزْعُمُ أَنَّ السَّقَبَ اللَّزِيقُ.
(وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ التَّصْنِيفَ فِيهِ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ) ؛ قَالَهُ الْحَاكِمُ.
(وَقِيلَ أَبُو عُبَيْدَةَ) مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثُمَّ النَّضْرُ، ثُمَّ الْأَصْمَعِيُّ، وَكُتُبُهُمَا صَغِيرَةٌ قَلِيلَةٌ.
(وَ) أَلَّفَ (بَعْدَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ) الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ، (فَاسْتَقْصَى وَأَجَادَ) وَذَلِكَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ.
(ثُمَّ) تَتَبَّعَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ (بْنُ قُتَيْبَةَ) الدِّينَوَرِيُّ (مَا فَاتَ أَبَا عُبَيْدٍ) فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ.
стр. 616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
(ثُمَّ) تَتَبَّعَ أَبُو سُلَيْمَانَ (الْخَطَّابِيُّ) مَا فَاتَهُمَا فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَغَالِيطَ لَهُمَا، (فَهَذِهِ أُمَّهَاتُهُ) أَيْ أُصُولُهُ.
(ثُمَّ) أُلِّفَ (بَعْدَهَا كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا زَوَائِدُ وَفَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، وَلَا يُقَلَّدُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ مُصَنِّفُوهَا أَئِمَّةً أَجِلَّةً) ، ك " مَجْمَعُ الْغَرَائِبِ " لِعَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ، وَ " غَرِيبُ الْحَدِيثِ " لِقَاسِمٍ السَّرْقَسْطِيِّ، وَ " الْفَائِقُ " لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَ " الْغَرِيبَيْنِ " لِلْهَرَوِيِّ، وَذَيْلُهُ لِلْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ، ثُمَّ " النِّهَايَةُ " لِابْنِ الْأَثِيرِ، وَهِيَ أَحْسَنُ كُتُبِ الْغَرِيبِ وَأَجْمَعُهَا وَأَشْهَرُهَا الْآنَ، وَأَكْثَرُهَا تَدَاوُلًا، وَقَدْ فَاتَهُ الْكَثِيرُ، فَذَيَّلَ عَلَيْهِ الصَّفِيُّ الْأَرْمَوِيُّ بِذَيْلٍ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَرَعْتُ فِي تَلْخِيصِهَا تَلْخِيصًا حَسَنًا مَعَ زِيَادَاتٍ جَمَّةٍ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ الْإِعَانَةَ عَلَى إِتْمَامِهَا.
(وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًا) بِهِ (فِي رِوَايَةٍ) ، كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، فِي قَوْلِهِ ﷺ لَابْنِ صَائِدٍ: «خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا، فَمَا هُوَ، قَالَ الدُّخُّ» .
فَالدَّخُّ هَاهُنَا الدُّخَانُ، وَهُوَ لُغَةٌ فِيهِ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
فِي هَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنِّي خَبَأْتُ لَكَ خَبَأً، وَخَبَّأَ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] » .
قَالَ الْمَدِينِيُّ: وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهِ خَبَّأَ لَهُ الدُّخَانَ، أَنَّ عِيسَى ﷺ يَقْتُلُهُ بِجَبَلِ الدُّخَّانُ؛ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِ الدُّخِّ هُنَا، وَقَدْ فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَأَخْطَئُوا.
فَقِيلَ: الْجِمَاعُ وَهُوَ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ.
وَقِيلَ: نَبْتٌ مَوْجُودٌ فِي النَّخِيلِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرْضٍ.
[النَّوْعُ الثَّالث وَالثَلَاثُونَ الْمُسَلْسَلُ]
(النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَلَاثُونَ) : (الْمُسَلْسَلُ وَهُوَ مَا تَتَابَعَ رِجَالُ إِسْنَادِهِ) وَاحِدًا فَوَاحِدًا، (عَلَى صِفَةٍ) وَاحِدَةٍ، (أَوْ حَالَةٍ) وَاحِدَةٍ (لِلرُّوَاةِ تَارَةً وَلِلرِّوَايَةِ تَارَةً أُخْرَى. وَصِفَاتُ الرُّوَاةِ) وَأَحْوَالُهُمْ أَيْضًا، (إِمَّا أَقْوَالٌ أَوْ أَفْعَالٌ) ، أَوْ هُمَا مَعًا. وَصِفَاتُ الرِّوَايَةِ إِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِصِيَغِ الْأَدَاءِ أَوْ بِزَمَنِهَا أَوْ مَكَانِهَا.
(وَ) لَهُ (أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُهُمَا) فَالْمُسَلْسَلُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ الْفِعْلِيَّةِ (كَمُسَلْسَلِ التَّشْبِيكِ بِالْيَدِ) وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «شَبَكَ بِيَدِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ ، وَقَالَ:
стр. 618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
" خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ» الْحَدِيثَ.
فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا تَشْبِيكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بِيَدِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ.
(وَالْعَدِّ فِيهَا) وَهُوَ حَدِيثُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ، مُسَلْسَلٌ بَعْدَ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ فِي يَدِ كُلِّ رَاوٍ، وَكَذَلِكَ الْمُسَلْسَلُ بِالْمُصَافَحَةِ، وَالْأَخْذُ بِالْيَدِ، وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَى رَأْسِ الرَّاوِي.
وَالْمُسَلْسَلُ بِأَحْوَالِهِمُ الْقَوْلِيَّةِ: كَحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» ، تَسَلْسَلَ لَنَا بِقَوْلِ كُلٍّ مِنْ رُوَاتِهِ: «وَأَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ» .
وَالْمُسَلْسَلُ بِهِمَا مَعًا: حَدِيثُ أَنَسٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَقَالَ: آمَنْتُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ» ، وَكَذَا كُلُّ رَاوٍ مِنْ رُوَاتِهِ.
وَالْمُسَلْسَلُ بِصِفَاتِهِمُ الْقَوْلِيَّةِ: كَالْمُسَلْسَلِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الصَّفِّ، وَنَحْوِهِ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَصِفَاتُ الرُّوَاةِ الْقَوْلِيَّةِ وَأَحْوَالُهُمُ الْقَوْلِيَّةُ مُتَقَارِبَةٌ بَلْ مُتَمَاثِلَةٌ.
(وَ) الْمُسَلْسَلُ بِصِفَاتِهِمُ الْفِعْلِيَّةِ، (كَاتِّفَاقِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ) ، كَالْمُسَلْسَلِ
стр. 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
بِالْمُحَمَّدِينَ، (أَوْ صِفَاتِهِمْ أَوْ نِسْبَتِهِمْ) .
فَالثَّانِي: (كَأَحَادِيثَ رُوِّينَاهَا كُلُّ رِجَالِهَا دِمَشْقِيُّونَ) ، أَوْ مِصْرِيُّونَ، أَوْ كُوفِيُّونَ، أَوْ عِرَاقِيُّونَ.
(وَ) الْأَوَّلُ (كَمُسَلْسَلِ الْفُقَهَاءِ) مُطْلَقًا، أَوِ الشَّافِعِيِّينَ، أَوِ الْحُفَّاظِ، أَوِ النُّحَاةِ، أَوِ الْكُتَّابِ، أَوِ الشُّعَرَاءِ، أَوِ الْمُعَمِّرِينَ.
(وَصِفَاتُ الرِّوَايَةِ) الْمُتَعَلِّقَةِ بِصِيَغِ الْأَدَاءِ (كَالْمُسَلْسَلِ بِسَمِعْتُ) فُلَانًا، (أَوْ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ، أَوْ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَاللَّهِ) ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ ذَلِكَ، كُلُّ رَاوٍ مِنْهُمْ.
وَالْمُتَعَلِّقَةُ بِالزَّمَانِ، كَالْمُسَلْسَلِ بِرِوَايَتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْخَمِيسَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَبِالْمَكَانِ كَالْمُسَلْسَلِ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِي الْمُلْتَزَمِ.
وَقَدْ جَمَعْتُ كِتَابًا فِيمَا وَقَعَ فِي سَمَاعَاتِي مِنَ الْمُسَلْسَلَاتِ بِأَسَانِيدِهَا، وَجَمَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا.
(وَأَفْضَلُهُ مَا دَلَّ عَلَى الِاتِّصَالِ) فِي السَّمَاعِ، وَعَدَمِ التَّدْلِيسِ.
(وَمِنْ فَوَائِدِهِ) اشْتِمَالُهُ عَلَى (زِيَادَةُ الضَّبْطِ) مِنَ الرُّوَاةِ.
стр. 620
النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ:
نَاسِخُ الْحَدِيثِ وَمنسُوخُهُ . هُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ صَعْبٌ، وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ يَدٌ طُولَى: وَسَابِقَةٌ أُولَى، وَأَدْخَلَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لِخَفَاءِ مَعْنَاهُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الشَارِعِ حُكْمًا مِنْهُ مُتَقَدِّمًا بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتَأْخرٍ؛ فَمْنهُ مَا عُرِفَ بِتَصْرِيحِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُهَا» ، وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِقَوْلِ الصَحَابيِّ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ، وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِالتَّارِيخَ، وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ كَحَدِيثِ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى نَاسِخٍ.
ــ
[تدريب الراوي]
(وَقَلَّمَا يَسْلَمُ عَنْ خَلَلٍ فِي التَّسَلْسُلِ، وَقَدْ يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِهِ) ، أَوْ أَوَّلِهِ، أَوْ آخِرِهِ، (كَمُسَلْسَلِ أَوَّلِ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ) ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» .
فَإِنَّهُ انْتَهَى فِيهِ التَّسَلْسُلُ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَانْقَطَعَ فِي سَمَاعِ سُفْيَانَ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَانْقَطَعَ فِي سَمَاعِ عَمْرٍو مِنْ أَبِي قَابُوسَ، وَفِي سَمَاعِ أَبِي قَابُوسَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِي سَمَاعِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ) .
وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ كَامِلَ السَّلْسَلَةِ فَوَهِمَ فِيهِ.
فَائِدَةٌ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مِنْ أَصْلَحِ مُسَلْسَلٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا الْمُسَلْسَلُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الصَّفِّ.
قُلْتُ: وَالْمُسَلْسَلُ بِالْحُفَّاظِ، وَالْفُقَهَاءِ أَيْضًا.
بَلْ ذَكَرَ فِي " شَرْحِ النُّخْبَةِ " أَنَّ الْمُسَلْسَلَ بِالْحُفَّاظِ مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ.
[النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ نَاسِخُ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخُهُ]
(النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ) : (نَاسِخُ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخُهُ، وَهُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ) .
فَقَدْ مَرَّ عَلَى عَلِيٍّ قَاصٌّ، فَقَالَ: تَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ:
стр. 621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ؛ أَسْنَدَهُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَأَسْنَدَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأُسْنِدَ عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنَّمَا يُفْتِي مَنْ عَرَفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، قَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ، عُمَرُ.
(صَعْبٌ) فَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَعْيَا الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا نَاسِخَ الْحَدِيثِ مِنْ مَنْسُوخِهِ.
(وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ يَدٌ طُولَى، وَسَابِقَةٌ أُولَى) ؛ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِابْنِ وَارَةَ وَقَدْ قَدِمَ مِنْ مِصْرَ: كَتَبْتَ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَرَّطْتَ، مَا عَلِمْنَا الْمُجْمَلَ مِنَ الْمُفَسَّرِ، وَلَا نَاسِخَ الْحَدِيثِ مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ.
(وَأَدْخَلَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ) مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهِ (مَا لَيْسَ مِنْهُ لِخَفَاءِ مَعْنَاهُ) أَيِ النَّسْخِ وَشَرْطِهِ.
(وَالْمُخْتَارُ) فِي حَدِّهِ (أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الشَّارِعِ حُكْمًا مِنْهُ مُتَقَدِّمًا بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتَأَخِّرٍ) .
فَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْحُكْمِ قَطْعُ تَعَلُّقِهِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، وَبِإِضَافَتِهِ لِلشَّارِعِ عَنْ إِخْبَارِ بَعْضِ مَنْ شَاهَدَ النَّسْخَ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّكْلِيفُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا بِإِخْبَارِهِ.
стр. 622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَبِالْحُكْمِ عَنْ رَفْعِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا.
وَبِالتَّقَدُّمِ عَنِ التَّخْصِيصِ الْمُتَّصِلِ بِالتَّكْلِيفِ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ.
وَبِقَوْلِنَا: بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتَأَخِّرٍ، عَنْ رَفْعِ الْحُكْمِ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ زَوَالِ تَكْلِيفِهِ بِجُنُونٍ وَنَحْوِهِ، وَعَنِ انْتِهَائِهِ بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ.
كَقَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ مُلَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا» ؛ فَالصَّوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيْسَ نَسْخًا.
(فَمِنْهُ مَا عُرِفَ) النُّسَخُ فِيهِ (بِتَصْرِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ك ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» ) ، «وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ» ، الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُرَيْدَةَ.
(وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ: ك «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ.
وَكَقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَشَرَطَ أَهْلُ الْأَصُولِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُخْبِرَ بِتَأَخُّرِهِ؛ فَإِنْ قَالَ: هَذَا نَاسِخٌ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسْخُ، لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَإِطْلَاقُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْضَحُ وَأَشْهَرُ، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَالصَّحَابَةُ أَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَحْكُمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِنَسْخٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ تَأَخُّرَ النَّاسِخِ عَنْهُ، وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا.
(وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِالتَّارِيخِ) كَحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ؛ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ» ؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَهُ مُحْرِمًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ شِدَادٍ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ زَمَنَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ.
(وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ: كَحَدِيثِ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ) ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ» .
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِهِ.
стр. 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَإِنْ كَانَ ابْنُ حَزْمٍ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَخِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ.
نَعَمْ: وَرَدَ نَسْخُهُ فِي السُّنَّةِ أَيْضًا، كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ، ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ» .
قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا.
قَالَ: فَرُفِعَ الْقَتْلُ وَكَانَتْ رُخْصَةً. انْتَهَى.
وَمَا عَلَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ أَسْنَدَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَقَبِيصَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: وُلِدَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ عَامَ الْفَتْحِ.
فَالْمِثَالُ الصَّحِيحُ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكُنَّا نُلَبِّي عَنِ النِّسَاءِ، وَنَرْمِي عَنِ الصِّبْيَانِ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُلَبِّي عَنْهَا غَيْرُهَا.
стр. 625
النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ:
مَعْرِفَةُ الْمُصَحَّفِ: هُوَ فَنٌّ جَلِيلٌ وَإِنَّمَا يُحَقِّقُهُ الْحُذَّاقُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُمْ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ، وَيَكُونُ تَصْحِيفُ لَفْظٍ وَبَصَرٍ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ؛ فَمِنَ الْإِسْنَادِ الْعَوَّامُ بْنُ مُرَاجِمٍ " بِالرَّاءِ وَالْجِيمَ " صَحَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ؛ فَقَالَهُ بِالزَّايِ وَالْحَاءِ، وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ» أَيِ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ يُصَلِّي فِيهَا، صَحَّفَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ؛ فَقَالَ: احْتَجَمَ.
وَحَدِيثُ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» صَحَّفَهُ الصُّولِيُّ فَقَالَ: شَيْئًا بِالْمُعَجَمَةِ، وَيَكُونُ تَصْحِيفَ سَمْعٍ كَحَدِيثٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، رَوَاهُ بَعْضُهُمْ؛ فَقَالَ: وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ، وَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ صَلَّى إِلَيْنَا رَسُولُ اللَهِ ﷺ .
ــ
[تدريب الراوي]
ثُمَّ الْحَدِيثُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، إِلَّا إِذَا عُرِفَ صِحَّتُهُ؛ وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَلَطٌ، صَرَّحَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ.
(وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ) أَيْ لَا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ، (وَلَا يَنْسَخُ) هُوَ غَيْرَهُ، (وَلَكِنْ يَدُلُّ عَلَى نَاسِخٍ) أَيْ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ غَيْرِهِ.
[النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ مَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ]
(النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ: هُوَ فَنٌّ جَلِيلٌ) مُهِمٌّ، (وَإِنَّمَا يُحَقِّقُهُ الْحُذَّاقُ) مِنَ الْحُفَّاظِ، (وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُمْ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ) ، وَكَذَلِكَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يُعَرَّى عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ.
(وَيَكُونُ تَصْحِيفَ لَفْظٍ) ، وَيُقَابِلُهُ تَصْحِيفُ الْمَعْنَى، (وَبَصَرٍ) وَمُقَابِلُهُ تَصْحِيفُ السَّمْعِ.
وَيَكُونُ (فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، فَمِنَ) التَّصْحِيفِ فِي (الْإِسْنَادِ الْعَوَّامُ بْنُ مُرَاجِمٍ، بِالرَّاءِ وَالْجِيمِ، صَحَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَهُ) مُزَاحِمٍ (بِالزَّايِ وَالْحَاءِ) .
стр. 626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَعُتْبَةُ ابْنُ النُّدَّرِ، بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمُهْمِلَةِ الْمُشَدِّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، صَحَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ.
(وَمِنَ الثَّانِي) أَيِ التَّصْحِيفِ فِي الْمَتْنِ، (حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ» ) وَهُوَ بِالرَّاءِ (أَيِ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ، أَوْ نَحْوِهِ يُصَلِّي فِيهَا؛ صَحَّفَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (فَقَالَ: احْتَجَمَ) بِالْمِيمِ.
(وَحَدِيثُ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ لَفْظُ الْعَدَدِ، (صَحَّفَهُ الصُّولِيُّ فَقَالَ: شَيْئًا بِالْمُعْجَمَةِ) وَالتَّحْتِيَّةِ.
وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «تُعِينُ صَانِعًا» بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، صَحَّفَهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ.
وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ يُشَقِّقُونَ الْخَطْبَ» ، بِالْمُعْجَمَةِ، صَحَّفَهُ وَكِيعٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا صَحَّفَهُ ابْنُ شَاهِينَ أَيْضًا؛ فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَّاحِينَ وَقَدْ سَمِعَهُ: فَكَيْفَ يَا قَوْمُ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ؟ .
وَحَدِيثُ: «أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ، بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، صَحَّفَهُ أَبُو مُوسَى
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، بِالنُّونِ.
وَصَحَّفَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» ؛ فَقَالَ: «زَرْعُنَا تَزْدَدْ حِنَّا» ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّ قَوْمًا كَانُوا لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ زُرُوعِهِمْ، فَصَارَتْ كُلُّهَا حِنَّاءَ.
(وَيَكُونُ تَصْحِيفَ سَمْعٍ) بِأَنْ يَكُونَ الِاسْمُ وَاللَّقَبُ، أَوِ الِاسْمُ وَاسْمُ الْأَبِ، عَلَى وَزْنِ اسْمٍ آخَرَ، وَلَقَبِهِ، أَوِ اسْمٍ آخَرَ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَبِالْحُرُوفِ مُخْتَلِفَةٍ شَكْلًا وَنُطْقًا، فَيَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَى السَّمْعِ.
(كَحَدِيثٍ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) أَوْ عَكْسَهُ، وَحَدِيثٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ، رَوَاهُ شُعْبَةُ فَقَالَ: مَالِكُ بْنُ عَرْفَطَةَ.
(وَيَكُونُ) التَّصْحِيفُ (فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِ) أَبِي مُوسَى (مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى) الْعَنَزِيِّ الْمُلَقَّبِ بِالزَّمِنِ، أَحَدِ شُيُوخِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ (نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ صَلَّى إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى عَنَزَةَ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى قَبِيلَتِهِمْ؛ وَإِنَّمَا الْعَنَزَةُ هُنَا الْحَرْبَةُ تُنْصَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَعْرَابِيٍّ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى شَاةٍ، صَحَّفَهَا عَنْزَةً، بِسُكُونِ النُّونِ، ثُمَّ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَلَى وَهْمِهِ فَأَخْطَأَ مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ التَّحْلِيقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ: مَا حَلَقْتُ رَأْسِي قَبْلَ الصَّلَاةِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَهِمَ مِنْهُ تَحْلِيقَ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَحْلِيقُ النَّاسِ حَلَقًا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَكَثِيرٌ مِنَ التَّصْحِيفِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَكَابِرِ الْجُلَّةِ لَهُمْ فِيهِ أَعْذَارٌ لَمْ يَنْقُلْهَا نَاقِلُوهُ.
стр. 628
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ:
مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ وَحُكْمِهِ. هَذَا فَنٌّ مِنْ أَهَمِّ الْأَنْوَاعِ، وَيَضْطَرُّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي الْمَعْنَى ظَاهِرًا فَيُوَفِّقُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ لَهُ الْأَئِمَّةُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالْأُصُولِيُّونَ الْغَوَّاصُونَ عَلَى الْمَعَانِي، وَصَنَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقْصِدْ ﵀ اسْتِيفَاءَهُ، بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً يُنَبِّهُ بِهَا عَلَى طَرَيقِهِ، ثُمَّ صَنَّفَ فِيهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَأَتَى بِأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ وَأَشْيَاءَ غَيْرِ حَسَنَةٍ، لِكَوْنِ غَيْرِهَا أَقْوَى وَأَوْلَى، وَتَرَكَ مُعْظَمَ الْمُخْتَلِفِ.
وَمَنْ جَمَعَ مَا ذَكَرْنَا لَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ إِلَّا النَّادِرُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْمُخْتَلِفُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: فَيَتَعَيَّنُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا.
وَالثَّانِي: لَا يَمْكُنُ بِوَجْهٍ، فَإِنْ عَلِمْنَا أَحَدَهُمَا نَاسِخًا قَدَّمْنَاهُ، وَإِلَّا عَمِلْنَا بِالرَّاجِحِ كَالتَّرْجِيحِ بِصِفَاتِ الرُّوَاةِ وَكَثْرَتِهِمْ فِي خَمْسِينَ وَجْهًا.
ــ
[تدريب الراوي]
تَنْبِيهٌ
قَسَّمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا النَّوْعَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا غُيِّرَ فِيهِ النَّقْطُ؛ فَهُوَ الْمُصَحَّفُ.
وَالْآخَرُ: مَا غُيِّرَ فِيهِ الشَّكْلُ مَعَ بَقَاءِ الْحُرُوفِ، فَهُوَ الْمُحَرَّفُ.
فَائِدَةٌ
أَوْرَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ " التَّصْحِيفِ " كُلَّ تَصْحِيفٍ وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ، حَتَّى فِي الْقُرْآنِ.
مِنْ ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَرَأَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ، جَعَلَ السَّفِينَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ جَعَلَ السِّقَايَةَ، فَقَالَ: أَنَا وَأَخِي أَبُو بَكْرٍ لَا نَقْرَأُ لِعَاصِمٍ.
قَالَ: وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ، قَالَهَا: (الم) يَعْنِي كَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ.
[النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ]
(النَّوْعُ السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ وَحُكْمِهِ: هَذَا فَنٌّ مِنْ أَهَمِّ الْأَنْوَاعِ، وَيَضْطَرُّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي الْمَعْنَى ظَاهِرًا، فَيُوَفِّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا)
стр. 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
فَيَعْمَلُ بِهِ دُونَ الْآخَرِ، (وَإِنَّمَا يَكْمُلُ لَهُ الْأَئِمَّةُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالْأَصُولِيُّونَ الْغَوَّاصُونَ عَلَى الْمَعَانِي) الدَّقِيقَةِ.
(وَصَنَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، (وَلَمْ يَقْصِدْ ﵀ اسْتِيفَاءَهُ) ، وَلَا إِفْرَادَهُ بِالتَّأْلِيفِ (بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنْهُ) فِي كِتَابِ " الْأُمِّ "، (يُنَبِّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِهِ) أَيِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ.
(ثُمَّ صَنَّفَ فِيهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَأَتَى فِيهِ بِأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ، وَأَشْيَاءَ غَيْرِ حَسَنَةٍ) قَصَرَ فِيهَا بَاعُهُ، (لِكَوْنِ غَيْرِهَا أَوْلَى وَأَقْوَى) مِنْهَا، (وَتَرَكَ مُعْظَمَ الْمُخْتَلِفِ) .
ثُمَّ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّحَاوِيُّ كِتَابَهُ مُشْكِلَ الْآثَارِ.
وَكَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ كَلَامًا فِيهِ، حَتَّى قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ؛ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَلْيَأْتِنِي بِهِ لِأُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا.
(وَمَنْ جَمَعَ مَا ذَكَرْنَا) مِنَ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، وَالْأَصُولِ، وَالْغَوْصِ عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ، (لَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ) مِنْ ذَلِكَ (إِلَّا النَّادِرُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْمُخْتَلِفُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) بِوَجْهٍ صَحِيحٍ، (فَيَتَعَيَّنُ) وَلَا يُصَارُّ إِلَى التَّعَارُضِ وَلَا النَّسْخِ، (وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا) .
стр. 630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ: حَدِيثُ: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» .
وَحَدِيثُ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ» .
فَإِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُهُ طَهَارَةُ الْقُلَّتَيْنِ، تَغَيَّرَ أَمْ لَا، وَالثَّانِي: ظَاهِرُهُ طَهَارَةُ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ، سَوَاءٌ كَانَ قُلَّتَيْنِ أَمْ أَقَلَّ، فَخُصَّ عُمُومُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ.
وَفِي غَيْرِهَا: حَدِيثُ: «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ، «وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ، مَعَ حَدِيثِ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ.
وَقَدْ سَلَكَ النَّاسُ فِي الْجَمْعِ مَسَالِكَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ لَا تُعْدِي بِطَبْعِهَا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُخَالَطَةَ الْمَرِيضِ بِهَا لِلصَّحِيحِ سَبَبًا لِإِعْدَائِهِ مَرَضَهُ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ، كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الَّذِي سَلَكَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
الثَّانِي: أَنَّ نَفْيَ الْعَدْوَى بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْأَمْرَ بِالْفِرَارِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ،
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
لِئَلَا يَتَّفِقَ لِلَّذِي يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ; ابْتِدَاءً لَا بِالْعَدْوَى الْمَنْفِيَّةِ، فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ، فَيَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْعَدْوَى، فَيَقَعُ فِي الْحَرَجِ، فَأُمِرَ بِتَجَنُّبِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى فِي الْجُذَامِ وَنَحْوِهِ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ نَفْيِ الْعَدْوَى، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا عَدْوَى» أَيْ إِلَّا مِنَ الْجُذَامِ وَنَحْوِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا إِلَّا فِيمَا تَقَدَّمَ تَبْيِينِي لَهُ أَنَّهُ يُعْدِي؛ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِرَارِ رِعَايَةٌ لِخَاطِرِ الْمَجْذُومِ، لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحِيحَ تَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَتَزْدَادُ حَسْرَتُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ» ؛ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَفِيهِ مَسَالِكُ أُخَرُ.
(وَ) الْقِسْمُ (الثَّانِي: لَا يُمْكِنُ) الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (بِوَجْهٍ؛ فَإِنْ عَلِمْنَا أَحَدَهُمَا نَاسِخًا) بِطَرِيقَةٍ مِمَّا سَبَقَ (قَدَّمْنَاهُ، وَإِلَّا عَمِلْنَا بِالرَّاجِحِ) مِنْهُمَا، (كَالتَّرْجِيحِ بِصِفَاتِ الرُّوَاةِ) أَيْ كَوْنِ رُوَاةِ أَحَدِهِمَا أَتْقَنَ وَأَحْفَظَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَيُذْكَرُ، (وَكَثْرَتِهِمْ) فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ (فِي خَمْسِينَ وَجْهًا) مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ، ذَكَرَهَا الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ " الِاعْتِبَارُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ "، وَوَصَّلَهَا غَيْرُهُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، كَمَا اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ.
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
وَقَدْ رَأَيْتُهَا مُنْقَسِمَةً إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: التَّرْجِيحُ بِحَالِ الرَّاوِي، وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: كَثْرَةُ الرُّوَاةِ، كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ عَلَى الْأَكْثَرِ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِهِ عَلَى الْأَقَلِّ.
ثَانِيهَا: قِلَّةُ الْوَسَائِطِ، أَيْ عُلُوُّ الْإِسْنَادِ حَيْثُ الرِّجَالُ ثِقَاتٌ، لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ فِيهِ أَقَلُّ.
ثَالِثُهَا: فِقْهُ الرَّاوِي، سَوَاءٌ كَانَ الْحَدِيثُ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى أَوِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إِذَا سَمِعَ مَا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بَحَثَ عَنْهُ حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى مَا يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ؛ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ.
رَابِعُهَا: عِلْمُهُ بِالنَّحْوِ، لِأَنَّ الْعَالِمَ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّحَفُّظِ عَنْ مَوَاقِعِ الزَّلَلِ مِمَّا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ غَيْرُهُ.
خَامِسُهَا: عِلْمُهُ بِاللُّغَةِ.
سَادِسُهَا: حِفْظُهُ، بِخِلَافِ مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى كُتَّابِهِ.
سَابِعُهَا: أَفْضَلِيَّتُهُ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ، بِأَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ، أَوْ نَحْوِيَّيْنِ، أَوْ حَافِظَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا فِي ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ.
ثَامِنُهَا: زِيَادَةُ ضَبْطِهِ، أَيِ اعْتِنَاؤُهُ بِالْحَدِيثِ وَاهْتِمَامُهُ بِهِ.
تَاسِعُهَا: شُهْرَتُهُ، لِأَنَّ الشُّهْرَةَ تَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْكَذِبِ كَمَا تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ التَّقْوَى.
عَاشِرُهَا إِلَى الْعِشْرِينَ: كَوْنُهُ وَرِعًا، أَوْ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، أَيْ غَيْرَ مُبْتَدِعٍ، أَوْ جَلِيسًا لِأَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ أَكْثَرَ مُجَالَسَةً لَهُمْ، أَوْ ذَكَرًا، أَوْ حُرًّا،
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
أَوْ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ لَا لَبْسَ فِي اسْمِهِ بِحَيْثُ يُشَارِكُهُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَصَعُبَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، وَلِذَلِكَ أَكْثَرَ وَلَمْ يَخْتَلِطْ، أَوْ لَهُ كِتَابٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ.
حَادِي عِشْرِينَهَا: أَنْ تَثْبُتَ عَدَالَتُهُ بِالْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ مَنْ تَثْبُتُ بِالتَّزْكِيَةِ، أَوِ الْعَمَلِ بِرِوَايَتِهِ، أَوِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ إِنْ قُلْنَا بِهِمَا.
ثَانِي عِشْرِينَهَا إِلَى سَابِعِ عِشْرِينَهَا: أَنْ يَعْمَلَ بِخَبَرِهِ مَنْ زَكَّاهُ، وَمَعَارِضُهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَنْ زَكَّاهُ، أَوْ يُتَّفَقُ عَلَى عَدَالَتِهِ. أَوْ يُذْكَرُ سَبَبُ تَعْدِيلِهِ. أَوْ يَكْثُرُ مُزَكُّوهُ، أَوْ يَكُونُوا عُلَمَاءَ، أَوْ كَثِيرِي الْفَحْصِ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ.
ثَامِنُ عِشْرِينَهَا: أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ، كَتَقْدِيمِ خَبَرِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّوْمِ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا عَلَى خَبَرِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ مِنْهُ.
تَاسِعُ عِشْرِينَهَا: أَنْ يُبَاشِرَ مَا رَوَاهُ الثَلَاثُونَ تَأَخُّرَ إِسْلَامِهِ.
وَقِيلَ: عَكْسُهُ، لِقُوَّةِ أَصَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَعْرِفَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ إِلَى إِسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ لَمْ يُرَجَّحْ بِالتَّأْخِيرِ، لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ رُجِّحَ.
الْحَادِي وَالثَلَاثُونَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ: كَوْنُهُ أَحْسَنَ سِيَاقًا وَاسْتِقْصَاءً لِحَدِيثِهِ، أَوْ أَقْرَبَ مَكَانًا، أَوْ أَكْثَرَ مُلَازَمَةً لِشَيْخِهِ، أَوْ سَمِعَ مِنْ مَشَايِخِ بَلَدِهِ، أَوْ مُشَافِهًا مُشَاهِدًا لِشَيْخِهِ حَالَ الْأَخْذِ، أَوْ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، أَوِ الصَّحَابِيُّ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، أَوْ عَلِيٌّ رِضَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ فِي الْأَقْضِيَةِ، أَوْ مُعَاذٌ وَهُوَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَوْ زَيْدٌ وَهُوَ
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
فِي الْفَرَائِضِ، أَوِ الْإِسْنَادُ حِجَازِيٌّ، أَوْ رُوَاتُهُ مِنْ بَلَدٍ لَا يَرْضَوْنَ التَّدْلِيسَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّرْجِيحُ بِالتَّحَمُّلِ، وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، فَيُرَجَّحُ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلِ الْحَدِيثَ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى مَنْ كَانَ بَعْضُ تَحَمُّلِهِ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا قَبْلَهُ. وَالْمُتَحَمِّلُ بَعْدَهُ أَقْوَى لِتَأَهُّلِهِ لِلضَّبْطِ.
ثَانِيهَا وَثَالِثُهَا: أَنْ يَتَحَمَّلَ بِحَدَّثَنَا، وَالْآخَرُ عَرْضًا، أَوْ عَرْضًا وَالْآخَرُ كِتَابَةً، أَوْ مُنَاوَلَةً أَوْ وِجَادَةً.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: التَّرْجِيحُ بِكَيْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: تَقْدِيمُ الْمَحْكِيِّ بِلَفْظِهِ عَلَى الْمَحْكِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَالْمَشْكُوكِ فِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى، ثَانِيهَا: مَا ذُكِرَ فِيهِ سَبَبُ وُرُودِهِ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى اهْتِمَامِ الرَّاوِي بِهِ حَيْثُ عَرَفَ سَبَبَهُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُنْكِرَهُ رَاوِيهِ وَلَا يَتَرَدَّدَ فِيهِ.
رَابِعُهَا إِلَى عَاشِرِهَا: أَنْ تَكُونَ أَلْفَاظُهُ دَالَّةً عَلَى الِاتِّصَالِ، كَحَدَّثَنَا وَسَمِعْتُ، أَوِ اتُّفِقَ عَلَى رَفْعِهِ أَوْ وَصْلِهِ ; أَوْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِسْنَادِهِ أَوْ لَمْ يَضْطَرِبْ لَفْظُهُ، أَوْ رَوَى بِالْإِسْنَادِ وَعَزَى ذَلِكَ لِكِتَابٍ مَعْرُوفٍ، أَوْ عَزِيزٍ، وَالْآخَرُ مَشْهُورٌ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: التَّرْجِيحُ بِوَقْتِ الْوُرُودِ وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا وَثَانِيهَا: بِتَقْدِيمِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الْمَكِّيِّ، وَالدَّالِّ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِ الْمُصْطَفَى ﵊ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الضَّعْفِ كَـ ( «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا» ) ، ثُمَّ شُهْرَتُهُ: فَيَكُونُ الدَّالُّ عَلَى الْعُلُوِّ مُتَأَخِّرًا.
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تدريب الراوي]
ثَالِثُهَا: تَرْجِيحُ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّأَخُّرِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُغْلِظُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ زَجْرًا عَنْ عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ مَالَ لِلتَّخْفِيفِ.
كَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ، وَالْمِنْهَاجِ، وَرَجَّحَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا عَكْسَهُ؛ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّغْلِيظِ وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّهُ ﷺ جَاءَ أَوَّلًا بِالْإِسْلَامِ فَقَطْ، ثُمَّ شُرِعَتِ الْعِبَادَاتُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
رَابِعُهَا: تَرْجِيحُ مَا تُحُمِّلَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا تُحُمِّلَ قَبْلَهُ، أَوْ شُكَّ، لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا.
خَامِسُهَا وَسَادِسُهَا: تَرْجِيحُ غَيْرِ الْمُؤَرِّخِ عَلَى الْمُؤَرِّخِ بِتَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ، وَتَرْجِيحُ الْمُؤَرِّخِ بِمُقَارِبٍ بِوَفَاتِهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ الْمُؤَرِّخِ.
قَالَ الرَّازِيُّ: وَالتَّرْجِيحُ بِهَذِهِ السِّتَّةِ أَيْ إِفَادَتُهَا لِلرُّجْحَانِ غَيْرُ قَوِيَّةٍ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا إِلَى الْخَامِسِ وَالثَلَاثِينَ: تَرْجِيحُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَالْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى الْمُخَصَّصِ؛ لِضَعْفِ دَلَالَتِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَى بَاقِي أَفْرَادِهِ، وَالْمُطْلَقِ عَلَى مَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَالْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمَجَازِ الْمُشْبِهِ لِلْحَقِيقَةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَالشَّرْعِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْعُرْفِيَّةِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمُسْتَغْنِي عَلَى الْإِضْمَارِ. وَمَا يُقْبَلُ فِيهِ اللَّبْسُ، وَمَا اتُّفِقَ عَلَى وَضْعِهِ لِمُسَمَّاهُ، وَالْمُومِي لِلْعِلَّةِ، وَالْمَنْطُوقِ، وَمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، وَالْمَنْصُوصِ عَلَى حُكْمِهِ مَعَ تَشْبِيهِهِ بِمَحَلٍّ آخَرَ، وَالْمُسْتَفَادِ عُمُومِهِ مِنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ عَلَى النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ، أَوْ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرِّفِ عَلَى (مِنْ) وَ (مَا) ، أَوْ مِنَ الْكُلِّ؛ وَذَلِكَ
следующие страницы →