← Сира

Сира · id 932

قصص الأنبياء من البداية والنهاية - ت عبد الواحد

ابن كثير

Полный текст (888 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حَجَبته فَقَالَ: إِنَّكُم لم تَأْتُونِي (١) بِإِنْسَان وَإِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي (٢) بِشَيْطَانٍ. فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ. فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ ". تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: " إِنِّي سَقِيمٌ " وَقَوْلُهُ: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا "، وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ إِذْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَأُتِيَ الْجَبَّارُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ هَاهُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ إِنَّهَا أُخْتِي. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا قَالَ: إِنَّ هَذَا سَأَلَنِي عَنْكِ فَقُلْتُ إِنَّكِ أُخْتِي، وَإِنَّهُ لَيْسَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّكِ أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي عِنْدَهُ. فَانْطُلِقَ بِهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا أُخِذَ، فَقَالَ: ادعِي الله لي وَلَا أَضرّك، فدعَتْ لَهُ فَأُرْسِلَ فَذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ مِنْهَا، فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضرّك، فدعَتْ فَأرْسل، ثَلَاث مَرَّات، فَدَعَا

стр. 212

أَدْنَى حَشَمِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ وَلَكِنْ أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، أَخْرِجْهَا وَأَعْطِهَا هَاجَرَ. فَجَاءَتْ وَإِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهَا انْصَرَفَ، فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الظَّالِمِ، وَأَخْدَمَنِي هَاجَرَ ". وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّار: لَا يعلم أَسْنَدَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا هِشَامٌ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ وَرْقَاءَ - هُوَ أَبُو عُمَرَ (١) الْيَشْكُرِيُّ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: قَوْلُهُ حِينَ دُعِيَ إِلَى آلِهَتِهِمْ، فَقَالَ: " إِنِّي سَقِيمٌ "، وَقَوْلُهُ: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " وَقَوْلُهُ لِسَارَةَ: " إِنَّهَا أُخْتِي ". قَالَ: وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ اللَّيْلَةَ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ أَوِ الْجَبَّارُ: مَنْ هَذِهِ مَعَكَ؟ قَالَ أُخْتِي [قَالَ فَأَرْسِلْ بِهَا (٢) ] قَالَ فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ لَا تُكَذِّبِي قَوْلِي، فَإِنِّي قد أخْبرته أَنَّك أختى، إِن مَا على الارض مُؤمن غيرى غَيْرك. فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا، فَأَقْبَلت تتوضأ وتصلى وَتقول: اللَّهُمَّ إِن

стр. 213

كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ (١) وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. قَالَ: فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِن يمت يُقَال هِيَ قَتَلَتْهُ. قَالَ: فَأُرْسِلَ. [قَالَ: ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، قَالَ فَقَامَتْ تتوضأ وَتُصَلِّي وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنت يَك وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. قَالَ فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنَّهَا قَالَت: اللَّهُمَّ إِن يَمُتْ يُقَلْ هِيَ قَتَلَتْهُ، قَالَ فَأُرْسِلَ (٢) ] . قَالَ: فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ، فَقَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ: أَشَعَرْتَ إِنَّ الله رد كيد الْكَافرين وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً! تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ مُخْتَصَرًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بن زيد ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 214

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَالَ: " مَا مِنْهَا كَلِمَةٌ إِلَّا مَا حل (١) بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ ; فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَالَ: بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا وَقَالَ لِلْمَلِكِ حِينَ أَرَادَ امْرَأَتَهُ هِيَ أُخْتِي ". فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " هِيَ أُخْتِي " أَيْ فِي دِينِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ لَهَا: " إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ " يَعْنِي زَوْجَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ غَيْرِي وَغَيْرَكِ. وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ لُوطًا كَانَ مَعَهُمْ وَهُوَ نَبِيٌّ ﵇. وَقَوْلُهُ لَهَا لَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ: مَهْيَمْ؟ مَعْنَاهُ مَا الْخَبَرُ. فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ رَدَّ كيد الْكَافرين. وَفِي رِوَايَةٍ: الْفَاجِرِ وَهُوَ الْمَلِكُ، وَأَخْدَمَ جَارِيَةً. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ وَقْتِ ذُهِبَ بهَا إِلَى الْملك، قَامَ يصلى الله عزوجل، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَرُدَّ بَأْسَ هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَهْلَهُ بِسُوءٍ. وَهَكَذَا فعلت هِيَ أَيْضا. فَلَمَّا أَرَادَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا أَمْرًا قَامَت إِلَى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عزوجل بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة (٢) " فَعَصَمَهَا اللَّهُ وَصَانَهَا لِعِصْمَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَحَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى نُبُوَّةِ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ: سَارَةَ، وَأُمِّ مُوسَى وَمَرْيَمَ عَلَيْهِنَّ السَّلَامُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُنَّ صَدِّيقَاتٌ ﵅ وَأَرْضَاهُنَّ. وَرَأَيْتُ فِي بعض الْآثَار أَن الله عزوجل كشف الْحجاب فِيمَا بَين

стр. 215

إِبْرَاهِيم على السَّلَامُ وَبَيْنَهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَرَاهَا مُنْذُ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ. وَكَانَ مُشَاهِدًا لَهَا وَهِيَ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَكَيْفَ عَصَمَهَا اللَّهُ مِنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ لِعَيْنِهِ وَأَشَدَّ لِطُمَأْنِينَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، لِدِينِهَا وَقَرَابَتِهَا مِنْهُ وَحُسْنِهَا الْبَاهِرِ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ بَعْدَ حَوَّاءَ إِلَى زَمَانِهَا، أَحْسَنَ مِنْهَا، ﵂. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوَارِيخِ (١) أَنَّ فِرْعَوْنَ مِصْرَ هَذَا كَانَ أَخًا لِلضَّحَّاكِ الْمَلِكِ الْمَشْهُورِ بِالظُّلْمِ، وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مِصْرَ. وَيُقَالُ كَانَ اسْمُهُ سِنَانَ بْنَ علوان بن عبيد بن عويج بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ: أَنَّ الَّذِي أَرَادَهَا عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مايلون بْنِ سَبَأٍ، وَكَانَ عَلَى مِصْرَ. نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ وَالله أَعْلَمُ. * * * ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيلَ ﵇ رَجَعَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ التَّيَمُّنِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَمَعَهُ أَنْعَامٌ وَعَبِيدٌ وَمَالٌ جَزِيلٌ، وَصَحِبَتْهُمْ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ. ثمَّ إِن لوطا ﵇ نزح بِمَالِه مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ بِأَمْرِ الْخَلِيلِ لَهُ فِي ذَلِكَ، إِلَى أَرْضِ الْغَوْرِ، الْمَعْرُوفِ بِغَوْرِ زُغَرَ ; فَنَزَلَ بِمَدِينَةَ سَدُومَ (٢) وَهِيَ أُمُّ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَكَانَ أَهْلُهَا أَشْرَارًا كُفَّارًا فجارا.

стр. 216

وَأوحى الله تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، فَأمره أَنْ يَمُدَّ بَصَرَهُ وَيَنْظُرَ شَمَالًا وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَأَجْعَلُهَا لَكَ وَلِخَلَفِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَسَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكَ حَتَّى يَصِيرُوا بِعَدَدِ تُرَابِ الْأَرْضِ. وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ مَا كَمَلَتْ وَلَا كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَيُؤَيّد ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ زَوَى (١) لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى مِنْهَا " فالوا: ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْجَبَّارِينَ تَسَلَّطُوا عَلَى لُوطٍ ﵇ فَأَسَرُوهُ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُ وَاسْتَاقُوا أنعامه فَلَمَّا بلغ [الْخَبَر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل سَارَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فاستنفذ لُوطًا ﵇ وَاسْتَرْجَعَ (٢) ] أَمْوَالَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ خَلْقًا كَثِيرًا وَهَزَمَهُمْ وَسَاقَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَمَالِيِّ (٣) دِمَشْقَ وَعَسْكَرَ بِظَاهِرِهَا عِنْدَ بَرْزَةَ، وَأَظُنُّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا سمى لانه كَانَ مَوْقِفِ جَيْشِ الْخَلِيلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا إِلَى بِلَادِهِ، وَتَلَقَّاهُ مُلُوكُ بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُعَظِّمِينَ لَهُ مُكْرِمِينَ خَاضِعِينَ، وَاسْتَقَرَّ ببلاده. صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ.

стр. 217

ذكر مولد إِسْمَاعِيل ﵇ مِنْ هَاجَرَ قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ سَأَلَ اللَّهَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، وَأَنَّ اللَّهَ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ. وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ بِبِلَاد بَيت الْمُقَدّس عشرُون سنة قَالَت سارة لابراهيم ﵇: إِن لرب قَدْ أَحْرَمَنِي الْوَلَدَ، فَادْخُلْ عَلَى أَمَتِي هَذِهِ لَعَلَّ الله يرزقنى مِنْهَا وَلَدًا. فَلَمَّا وَهَبَتْهَا لَهُ دَخَلَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، فَحِينَ دَخَلَ بِهَا حَمَلَتْ مِنْهُ. قَالُوا: فَلَمَّا حَمَلَتِ ارْتَفَعَتْ نَفْسُهَا وَتَعَاظَمَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا، فَغَارَتْ مِنْهَا [سَارَةُ] (١) فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: افْعَلِي بِهَا مَا شِئْتِ، فَخَافَتْ هَاجَرُ فَهَرَبَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدَ عَيْنٍ هُنَاكَ. فَقَالَ لَهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: [لَا تَخَافِي فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي حَمَلْتِ خَيْرًا] (١) وَأَمَرَهَا بِالرُّجُوعِ وَبَشَّرَهَا أَنَّهَا سَتَلِدُ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ، وَيَكُونُ وَحْشَ النَّاسِ، يَده على الْكل، وَيَده الْكُلِّ بِهِ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ بِلَادِ إِخْوَتِهِ. فَشَكَرَتِ الله عزوجل [عَلَى ذَلِكَ (١) ] . وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ إِنَّمَا انْطَبَقَتْ عَلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ الذى بِهِ (٢) سادت الْعَرَبُ، وَمَلَكَتْ جَمِيعَ الْبِلَادِ غَرْبًا وَشَرْقًا، وَأَتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لم تؤت أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِشَرَفِ رَسُولِهَا عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ، وَبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ ويمن سفارته (٣) وَكَمَالِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَعُمُومِ بَعْثَتِهِ لِجَمِيعِ أهل الارض.

стр. 218

وَلَمَّا رَجَعَتْ هَاجَرُ وَضَعَتْ إِسْمَاعِيلَ ﵇. قَالُوا: وولدته وَلِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعُمُرِ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، قَبْلَ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَلَمَّا وُلِدَ إِسْمَاعِيل أوحى الله إِلَى إِبْرَاهِيم يبشره يإسحاق مِنْ سَارَةَ، فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَقَالَ لَهُ: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلَ وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ وكثرته ونميته (١) جدا كئيرا (٢) ، وَيُولَدُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا، وَأَجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ. وَهَذِهِ أَيْضًا بِشَارَةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَهَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا هُمُ الْخُلَفَاءُ [الراشدون (٣) ] الِاثْنَا عَشَرَ، الْمُبَشَّرُ بِهِمْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا ". ثُمَّ قَالَ كَلِمَةٌ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَسَأَلْتُ أَبِي مَا قَالَ. قَالَ " كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ قَائِمًا، وَفِي رِوَايَةٍ عَزِيزًا، حَتَّى يَكُونَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ". فَهَؤُلَاءِ مِنْهُمُ [الْأَئِمَّةُ (٤) ] الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ بَعْضُ بَنِي الْعَبَّاس. وَلَيْسَ المُرَاد أَنهم يَكُونُوا اثنى عشر نسقا بل لابد من وجودهم. وَلَيْسَ المُرَاد الائمة الائنى عشر الَّذين يعْتَقد (٥) فيهم الرافضة، الَّذين أَوَّلهمْ

стр. 219

عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَآخِرُهُمُ الْمُنْتَظِرُ بِسِرْدَابِ سَامَرَّا -[وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ (١) ] فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَنْفَعُ مِنْ عَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، حِينَ تَرَكَ الْقِتَالَ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ، وَأَخْمَدَ نَارَ الْفِتْنَة وَسكن رحى الْحَرْب (٢) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَاقُونَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعَايَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُكْمٌ عَلَى الْأُمَّةِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ. وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُونَهُ بِسِرْدَابِ سَامَرَّا، فَذَاك هوس فِي الرؤوس، وَهَذَيَانٌ فِي النُّفُوسِ، لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ. * * * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَاجَرَ ﵍ لَمَّا وُلِدَ لَهَا إِسْمَاعِيلُ، اشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سَارَةَ مِنْهَا، وَطَلَبَتْ مِنَ الْخَلِيلِ أَنْ يُغَيِّبَ وَجْهَهَا عَنْهَا، فَذَهَبَ بِهَا وَبِوَلَدِهَا، فَسَارَ بِهِمَا حَتَّى وَضَعَهُمَا حَيْثُ مَكَّةَ الْيَوْمَ. وَيُقَالُ إِنَّ وَلَدَهَا كَانَ إِذْ ذَاكَ رَضِيعًا. فَلَمَّا تَرَكَهُمَا هُنَاكَ وَولى ظَهره عَنْهُمَا قَامَت إنيه هَاجَرُ وَتَعَلَّقَتْ بِثِيَابِهِ، وَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَدَعُنَا هَاهُنَا وَلَيْسَ مَعَنَا مَا يَكْفِينَا؟ فَلَمْ يُجِبْهَا فَلَمَّا أَلَحَّتْ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُجِيبُهَا قَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ فَإِذًا لَا يُضَيِّعُنَا! وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ ﵀ فِي كتاب النَّوَادِر: أَن سارة غضِبت (٣) على هَاجر فخلفت لَتَقْطَعَنَّ ثَلَاثَةَ أَعْضَاءٍ مِنْهَا، فَأَمَرَهَا الْخَلِيلُ أَنْ تَثْقُبَ أُذُنَيْهَا، وَأَنْ تَخْفِضَهَا فَتَبَرَّ قَسَمُهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ مِنَ النِّسَاءِ، وَأول من ثقبت أدنها مِنْهُنَّ، وَأول من طولت ذيلها.

стр. 220

ذكر مهاجرة إِبْرَاهِيم بِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ إِلَى جِبَالِ فَارَانَ وَهِيَ أَرْضُ مَكَّةَ، وَبِنَائِهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ قَالَ البُخَارِيّ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدثنَا معممر، عَن أبوب السختيانى وَكثير بن كثير ابْن الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ من قبل أم اسماعيل، اتَّخذت منطقا لتعقى أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ. فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ. ثُمَّ قَفَّى (١) إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ بِهِ أنيس (١) وَلَا شئ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهؤلاء الدَّعْوَات وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يشكرون " (٣) .

стр. 221

وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِك المَاء، حَتَّى إِذا نفد مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى (١) - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ (٢) - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بلغت [بطن (٣) ] الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الانسان المجهود حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، [فعلت (٤) ] ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِي ﷺ : " فَلذَلِك سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا ". فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: صَهٍ، تُرِيدُ نَفْسَهَا. ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ. فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظهر المَاء، فَجعلت تحوضه وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا. وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ! لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا " [قَالَ (٥) ] : فَشَرِبت وأرضعت وَلَدهَا. فَقَالَ لَهَا الْملك:

стр. 222

لَا تخافى الضَّيْعَة فَإِن هَاهُنَا بَيْتا لله (١) يبنيه هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ، مُقْبِلِينَ من طَرِيق كداء، فنزلوا فِي أفسل مَكَّة فَرَأَوْا طائا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاء، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ. فَأَرْسَلُوا جَريا (٢) أَو جريين فَإِذا هم بالماه، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا. قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْد المَاء، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَلَكِنْ لَا حق لكم فِي المَاء [عندنَا (٣) ] قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ. فَنَزَلُوا ورسلوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ. وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ. فَلَمَّا أدْرك زوجوه امْرَأَة مِنْهُم. وَمَاتَتْ أم إِسْمَعِيل، فجَاء إِبْرَاهِيم بعد مَا تزوج إِسْمَعِيل يطالع تركته فَلم يجد إِسْمَعِيل، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثمَّ سَأَلَهَا عَن عيشهم وهيئتهم فَقَالَت: نن بشر، [نَحن (٤) ] فِي ضيق وَشدَّة،

стр. 223

وَشَكَتْ (١) إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شيخ كَذَا كَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بشئ؟ قَالَتْ نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُول لَك غير عتبَة بابك. قَالَ: ذَاك أَبى، وَقد أمرنى أَن أُفَارِقك فالحقي بأهلك، وَطَلقهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، وَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ على الله عزوجل. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ الْمَاءُ، قَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ ". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ (٢) ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ [حَبٌّ (٣) ] لَدَعَا لَهُمْ فِيهِ " [قَالَ (٣) ] فَهُمَا لَا يَخْلُو (٤) عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَعِيل قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْك فَأَخْبَرته، فَسَأَلَنِي كَيفَ عيشنا؟

стр. 224

فَأَخْبَرته أَنا بِخَير. قَالَ: فأوصاك بشئ؟ قَالَتْ نَعَمْ. هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي وَأَنت العتبة، أمرنى أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ الله، ثمَّ جَاءَ بعد ذَلِك وإسمعيل يبرى نبلاله تَحت دوحة قرييا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يصنع بِالْوَلَدِ الْوَالِد وبالوالد للوالد (١) ثمَّ قَالَ: يَا إِسْمَعِيل إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمرك بِهِ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا. وَأَشَارَ إِلَى أكمة عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِد من الْبَيْت، فَجعل إِسْمَعِيل يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ. فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يبْنى وإسمعيل يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم ". قَالَ: فَجعلَا (٢) يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ". ثمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لما كَانَ بَين إِبْرَاهِيم وَبَين أَهله مَا كَانَ، خرج

стр. 225

بإسمعيل وَأم إِسْمَعِيل، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ (١) فِيهَا مَاءٌ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُوَشَّحٌ بِرَفْعِ بَعْضِهِ، وَفِي بَعْضِهِ غَرَابَةٌ، وَكَأَنَّهُ مِمَّا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِيه أَن إِسْمَعِيل كَانَ رَضِيعًا إِذْ ذَاكَ. وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يَخْتِنَ وَلَدَهُ إِسْمَعِيل وَكُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَخَتَنَهُمْ، وَذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً مِنْ عمره، فَيكون عمر إِسْمَعِيل يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَهَذَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِ الله عزوجل فِي أَهْلِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ. وَلِهَذَا كَانَ (٢) الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الذى رَوَاهُ البُخَارِيّ: حَدثنَا قتببة بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ ". تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن بن إِسْحَق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَتَابَعَهُ عَجْلَانُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بِهِ. وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ " وَالْقَدُومُ هُوَ الْآلَةُ، وَقِيلَ مَوْضِعٌ.

стр. 226

وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُنَافِي الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً ". رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاقِ ذكر قصَّة الذَّبِيح وَأَنه إِسْمَعِيل، وَلم يذكر فِي قد مَاتَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أُولَاهُنَّ بعد أَن تزوج إِسْمَعِيل بعد موت هَاجر، وَكَيف تَركهم مِنْ حِينِ صِغَرِ الْوَلَدِ - عَلَى مَا ذُكِرَ - إِلَى حِينِ تَزْوِيجِهِ لَا يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُطْوَى لَهُ. وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْبُرَاقَ إِذَا سَارَ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَتَخَلَّفُ عَنْ مُطَالَعَةِ حَالِهِمْ وَهُمْ فِي غياة الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْحَاجَةِ الْأَكِيدَةِ؟ ! وَكَأَنَّ بَعْضَ هَذَا السِّيَاق متلقى من الاسرائيليات ومطرز بشئ من المرفوعات، وَلم يذكر فِيهِ قصَّة لذبيح. وَقد دللنا على أَن الذَّبِيح هُوَ إِسْمَعِيل على الصَّحِيح فِي سُورَة الصافات. (م - ١٤ قصَص الانبياء) (*)

стр. 227

قصَّة الذَّبِيح قَالَ الله تَعَالَى: آوقال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أسلما وتله للجبين * وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المومنين * وبشرناه بإسحق نَبيا من الصَّالِحين * وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَق وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين (١) ". يذكر تَعَالَى [عَن (٢) ] خَلِيله إِبْرَاهِيم أَنه لما هَاجر من بِلَاد قومه، سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا صَالحا فبشره الله تَعَالَى بِغُلَام حَلِيم، وَهُوَ إِسْمَاعِيل (٣) ﵇ ; لانه أول من ولد لَهُ على رَأس سِتّ وَثَمَانِينَ سنة من عمر الْخَلِيل. وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْملَل، لانه أول ولد وبكره. وَقَوله: " فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي " أَي شب وَصَارَ يسْعَى فِي مَصَالِحه

стр. 228

كَأَبِيهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ " أَيْ شَبَّ وَارْتَحَلَ وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ من السَّعْي وَالْعَمَل. فَلَمَّا كَانَ هَذَا، رأى إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ " قَالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَيْضًا. وَهَذَا اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ عزوجل لِخَلِيلِهِ فِي أَنْ يَذْبَحَ هَذَا الْوَلَدَ الْعَزِيزَ الَّذِي جَاءَهُ عَلَى كِبَرٍ، وَقَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ، بَعْدَ مَا أُمِرَ بِأَنْ يُسْكِنَهُ هُوَ وَأُمَّهُ فِي بِلَادٍ قَفْرٍ، وَوَادٍ لَيْسَ بِهِ حَسِيسٌ وَلَا أَنِيسٌ، وَلَا زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ. فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَرَزَقَهُمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبَانِ. ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا الَّذِي قَدْ أَفْرَدَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِكْرُهُ وَوَحِيدُهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، أَجَابَ رَبَّهُ وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَسَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ. ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ قَسْرًا وَيَذْبَحَهُ قَهْرًا: " قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا ترى؟ ". فبادر الْغُلَام الْحَلِيم، سر وَالِدَهُ الْخَلِيلَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: " يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصابرين ". وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ ولرب الْعباد.

стр. 229

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ " قِيلَ: أَسْلَمَا: أَيِ اسْتَسْلَمَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَعَزَمَا على ذَلِك. وَقيل: وَهَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، وَالْمَعْنَى: " تَلَّهُ لِلْجَبِينِ " أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ. قِيلَ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ لِئَلَّا يُشَاهِدَهُ فِي حَالِ ذَبْحِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: بَلْ أَضْجَعَهُ كَمَا تُضْجَعُ الذَّبَائِحُ وَبَقِيَ طَرَفُ جَبِينِهِ لَاصِقًا بِالْأَرْضِ " وَأَسْلَمَا " أَي سمى إِبْرَاهِيم وَكبر، وَتشهد الْوَلَدَ لِلْمَوْتِ. قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ شَيْئًا. وَيُقَالُ: جُعِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَلْقِهِ صَفِيحَةٌ مِنْ نُحَاسٍ. وَاللَّهُ أعلم. فَعِنْدَ ذَلِك نودى من الله عزوجل: " أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت الرُّؤْيَا " أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنِ اخْتِبَارِكِ وَطَاعَتِكَ، وَمُبَادَرَتِكَ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ، وَبَذْلِكَ وَلَدَكَ لِلْقُرْبَانِ، كَمَا سَمَحْتَ بِبَدَنِكَ لِلنِّيرَانِ، وَكَمَا مَالُكَ مَبْذُولٌ لِلضِّيفَانِ! وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبلَاء الْمُبين " أَيِ الِاخْتِبَارُ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ. وَقَوْلُهُ: " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " أَيْ وَجَعَلْنَا فِدَاءَ ذَبْحِ وَلَدِهِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْعِوَضِ عَنْهُ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَبْشٌ أَبْيَضُ أَعْيَنُ أَقْرَنُ (١) ، رَآهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِيرٍ. قَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَن سعيد ابْن جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَبْشٌ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تشقق عَنهُ ثبير، وَكَانَ عَلَيْهِ

стр. 230

عِهْنٌ (١) أَحْمَرُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ كَبْشٌ أَعْيَنُ أَقْرَنُ لَهُ ثُغَاءٌ فَذَبَحَهُ، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَذَبَحَهُ بِمِنًى، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ذبحه بالْمقَام. فَأَما ماروى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ وَعْلًا، وَعَنِ الْحسن أَنه كَانَ تنسا مِنَ الْأَرْوَى وَاسْمُهُ جَرِيرٌ، فَلَا يَكَادُ يَصِحُّ عَنْهُمَا. ثمَّ غَالب ماهاهنا مِنَ الْآثَارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ. وَفِي الْقُرْآنِ كِفَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالِاخْتِبَارِ (٢) الْبَاهِرِ، وَأَنَّهُ فُدِيَ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ كَبْشًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ خَالِهِ نَافِع، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَلَّدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُثْمَان بن طَلْحَة، وَقَالَت مَرَّةً: إِنَّهَا سَأَلَتْ عُثْمَانَ: لِمَ دَعَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ [قَالَ لى رَسُول الله (٣) ] " إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا (٤) فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شئ يشغل الْمصلى ". قَالَ سُفْيَان: لم يزل قرنا الْكَبْش [معلقين (٣) ] فِي الْبَيْت حَتَّى احْتَرَقَ الْبَيْت فاخترقا.

стр. 231

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمْ يَزَلْ مُعَلَّقًا عِنْدَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ قَدْ يَبِسَ. وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَعِيل ; لانه كَانَ هُوَ الْمُقِيم بِمَكَّة وَإِسْحَق لَا نعلم أَن قَدِمَهَا فِي حَالِ صِغَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ كَأَنَّهُ نَصٌّ على أَن الذَّبِيح هُوَ إِسْمَعِيل ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ الذَّبِيحِ (١) ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ. " وبشرناه بإسحق نَبيا من الصَّالِحين ". وَمَنْ جَعَلَهُ حَالًا فَقَدْ تَكَلَّفَ، وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ إِسْحَق إِنَّمَا هُوَ إِسْرَائِيلِيَّاتُ. وَكِتَابُهُمْ فِيهِ تَحْرِيفٌ، وَلَا سِيَّمَا هَاهُنَا قَطْعًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ ابْنه وحيده (٢) وفى نسخ هـ من المعربة بكره إِسْحَق، فلفظة إِسْحَق هَاهُنَا مُقْحَمَةٌ مَكْذُوبَةٌ مُفْتَرَاةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الوحيد وَلَا الْبكر [إِنَّمَا] (٣) ذَاك إِسْمَعِيل. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا حَسَدُ الْعَرَبِ، فَإِنَّ إِسْمَعِيل أَبُو الْعَرَبِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْحِجَازَ الَّذِينَ مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَإِسْحَق وَالِد يَعْقُوب - وَهُوَ إِسْرَائِيل - الذى يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَجُرُّوا هَذَا الشَّرَفَ إِلَيْهِمْ، فَحَرَّفُوا كَلَامَ اللَّهِ وَزَادُوا فِيهِ وَهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ وَلَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. وَقَدْ قَالَ بِأَنَّهُ إِسْحَق طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ - وَالله أعلم - من كَعْب الاحبار، أَو من صحف (٤) أهل الْكتاب

стр. 232

وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ الْمَعْصُومِ حَتَّى نَتْرُكَ لِأَجْلِهِ ظَاهِرَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَا يُفْهَمُ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ، بَلِ الْمَفْهُومُ بَلِ الْمَنْطُوقُ بَلِ النَّصُّ عِنْدَ التَّأَمُّلِ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَعِيل. وَمَا أحسن مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن كَعْب القرظى على انه إِسْمَعِيل وَلبس بإسحق من قَوْله: " فبشرناه بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب " [قَالَ] (١) فَكَيْفَ تَقَعُ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ يَعْقُوب، ثمَّ يُؤمر بِذبح إِسْحَق وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ؟ هَذَا لَا يَكُونُ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْبِشَارَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اعْتَرَضَ السُّهَيْلِيُّ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِمَا حَاصله أَن قَوْله: " فبشرناها بإسحق " جُمْلَةٌ تَامَّةٌ، وَقَوْلَهُ: " وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ " جُمْلَةٌ أُخْرَى لَيْسَتْ فِي حَيِّزِ الْبِشَارَةِ. قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ أَنْ يَكُونَ مَخْفُوضًا إِلَّا أَنْ يُعَادَ مَعَهُ حَرْفُ الْجَرّ، فَلَا يجوز أَن يُقَال مَرَرْت يزِيد وَمِنْ بَعْدِهِ عَمْرٍو، حَتَّى يُقَالَ وَمِنْ بَعْدِهِ بِعَمْرو. وَقَالَ: فَقَوله " وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب " مَنْصُوب بِفعل مُضْمر تَقْدِيره: " وَوَهَبْنَا لاسحق يَعْقُوبَ ". وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ نَظَرٌ. وَرَجَّحَ أَنه إِسْحَق ; وَاحْتج بقوله: " فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي " قَالَ: وَإِسْمَاعِيلُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، إِنَّمَا كَانَ فِي حَال صغره هُوَ وَأمه بجبال مَكَّة فَكيف يبلغ مَعَه السَّعْي؟

стр. 233

وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ الْخَلِيلَ كَانَ يَذْهَبُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ رَاكِبًا الْبُرَاقَ إِلَى مَكَّةَ، يَطَّلِعُ عَلَى وَلَده وَابْنه ثمَّ يرجع. وَالله تَعَالَى أعلم. فَمن حكى القَوْل عَنهُ بِأَنَّهُ إِسْحَق كَعْبُ الْأَحْبَارِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَالْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ وَابْن مَسْعُود، ومسروق وعكرموة وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَبِي مَيْسَرَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَالزُّهْرِيِّ وَالْقَاسِمِ وَابْن أَبى بردة وَمَكْحُول، وَعُثْمَان ابْن حَاضِرٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَابْنِ سَابِطٍ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ - وَعَنْ أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ - أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ ﵇. قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ ﵇. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ ; أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي عَمْرو ابْن قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَفْدِيُّ إِسْمَاعِيلُ، وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ. وَقَالَ عَبْدُ الله ابْن الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذَّبِيحِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ ﵇. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ

стр. 234

وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الذَّبِيحُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ ﵇. وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ أَيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالْكَلْبِيِّ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ. قُلْتُ: وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَجَاءَ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَابْنَ الذَّبِيحَيْنِ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: لَا شَكَّ فِي هَذَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن بُرَيْدَة عَن سُفْيَانِ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِذْ كَانَ مَعَه بِالشَّام - يعْنى استدلاله بقوله بعد الْعِصْمَة (١) : " فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب " - فَقَالَ لَهُ عمر: إِن هَذَا الشئ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ، وَإِنِّي لَأَرَاهُ كَمَا قُلْتَ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ بِالشَّامِ، كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يُرَى أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ. قَالَ: فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَيُّ ابْنَيْ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِن الْيَهُود لَتَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبَاكُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ وَالْفَضْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْهُ لِصَبْرِهِ لما أَمر بِهِ، فهم يححدون ذَلِك ويزعمون أَنه إِسْحَق، لَان إِسْحَق أبوهم. وَقد ذكرنَا هَذِه الْمَسْأَلَة مستصاة بِأَدِلَّتِهَا وَآثَارِهَا فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والْمنَّة.

стр. 235

ذكر مولد إِسْحَاق ﵇ قَالَ الله تَعَالَى: " وبشرناه بإسحق نَبيا من الصَّالِحين * وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَق وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين ". وَقد كَانَت الْبشَارَة بِهِ من الملاكة لابراهيم وَسَارة لما مروا بهما مُجْتَازِينَ ذَاهِبِينَ إِلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، لِيُدَمِّرُوا عَلَيْهِمْ لِكُفْرِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى، قَالُوا سَلَامًا، قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَة فَضَحكت فبشرناها بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب * قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخا؟ إِن هَذَا لشئ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مجيد (١) ". وَقَالَ تَعَالَى: " ونبئهم عَن ضيف إِبْرَاهِيم إِذا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا، قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وجلون * قَالُوا لَا تؤجل إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ؟ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضانون (٢) ".

стр. 236

وَقَالَ تَعَالَى: " هَل أَتَاك حَدِيث ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين * إِذْ دخلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاما، قَالَ سَلام قوم منكرون * فرَاغ إِلَى أَهله فجَاء بعجل سمين * فقربه إِلَيْهِم قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟ * فأوجس مِنْهُم خيفة، قَالُوا لَا تخف وبشروه بِغُلَام عليم * فَأَقْبَلت امْرَأَته فِي صرة فصكت وَجههَا وَقَالَت عَجُوز عقيم * قَالُوا كَذَلِك قَالَ رَبك إِنَّه هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم (١) ". يَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ * قَالُوا: وَكَانُوا ثَلَاثَةً: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ - لَمَّا وَرَدُوا عَلَى الْخَلِيلِ حسبهم [أَولا (٢) ] أضيافا، فعاملهم مُعَاملَة الضيوف، وشوى لَهُم عجلا سمينتا مِنْ خِيَارِ بَقَرِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَرَ لَهُمْ هِمَّةً إِلَى الْأَكْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَ فِيهِمْ قُوَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ " فَنَكِرَهُمْ " إِبْرَاهِيمُ " وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قوم لوط " أَيْ لِنُدَمِّرَ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَبْشَرَتْ عِنْدَ ذَلِكَ سَارَةُ غَضبا لله عَلَيْهِم، وَكَانَت قَائِمَة على رُؤُوس الْأَضْيَافِ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا ضَحِكَتِ اسْتِبْشَارًا بِذَلِكَ، قَالَ الله تَعَالَى: " فبشرناها بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب " أَيْ بَشَّرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ " فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صرة " أَي فِي صرخة " فصكت وَجههَا " أَيْ كَمَا يَفْعَلُ النِّسَاءُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَقَالَتْ: " يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخا " أَيْ كَيْفَ يَلِدُ مِثْلِي وَأَنَا كَبِيرَةٌ وَعَقِيمٌ أَيْضا، وَهَذَا بعلى، أَيْ زَوْجِي، شَيْخًا؟ تَعَجَّبَتْ مِنْ وُجُودِ وَلَدٍ وَالْحَالة هَذِه.

стр. 237

وَلِهَذَا قَالَت: " إِن هَذَا لشئ عَجِيبٌ * قَالُوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ! رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مجيد ". وَكَذَلِكَ تَعَجَّبَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ اسْتِبْشَارًا بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَتَثْبِيتًا لَهَا وَفَرَحًا بِهَا، " قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مسنى الْكَبِير فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ من القانطين " أَكَّدُوا الْخَبَرَ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَقَرَّرُوهُ مَعَهُ، فَبَشَّرُوهُمَا " بِغُلَام عليم " ; وَهُوَ إِسْحَق أَخُو إِسْمَاعِيل. غُلَام عليم مُنَاسِبٌ لِمَقَامِهِ وَصَبْرِهِ، وَهَكَذَا وَصَفَهُ رَبُّهُ بِصِدْقِ الْوَعْدِ وَالصَّبْرِ. وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: " فَبَشَّرْنَاهَا بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب ". وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَأَن إِسْحَق لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِهِ وَوُجُودِ وَلَدِهِ يَعْقُوبَ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْعَقِبِ مِنْ بَعْدِهِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ أَحْضَرَ مَعَ الْعِجْلِ الْحَنِيذِ، وَهُوَ الْمَشْوِيُّ، رغيفا من مَكَّة فِيهِ ثَلَاثَةُ أَكْيَالٍ وَسَمْنٌ وَلَبَنٌ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ أكلُوا. وَهَذَا غلط مَحْض. وَقيل: كَانُوا يرَوْنَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَالطَّعَامُ يَتَلَاشَى فِي الْهَوَاءِ. وَعِنْدَهُمْ أَن الله تَعَالَى قَالَ لابراهيم: أما سارا امْرَأَتُكَ فَلَا يُدْعَى اسْمُهَا سَارَا وَلَكِنِ اسْمُهَا سَارَةُ، وَأُبَارِكُ عَلَيْهَا وَأُعْطِيكَ مِنْهَا ابْنًا، وَأُبَارِكُهُ وَيكون الشعوب وَمُلُوكُ الشُّعُوبِ مِنْهُ. فَخَرَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ - يَعْنِي سَاجِدًا - وَضَحِكَ قَائِلًا فِي نَفْسِهِ: أَبَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ يُولَدُ لِي غُلَامٌ؟ أَوْ سَارَةُ تَلِدُ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا تِسْعُونَ سَنَةً؟ !

стр. 238

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ قدامك. فَقَالَ الله لابراهيم: بِحَق إِنَّ امْرَأَتَكَ سَارَةَ تَلِدُ لَكَ غُلَامًا وَتَدْعُو اسْمه إِسْحَق إِلَى مثل هَذَا الْحِين من قَابل، وأوثقه مِيثَاقِي إِلَى الدَّهْرِ وَلِخَلَفِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلَ وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ وَكَثَّرْتُهُ ونميته جدا كثيرا، وَيُولَدُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا وَأَجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا بِمَا تقدم. وَالله أعلم. فَقَوله تَعَالَى: " فبشرناها بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب " دَلِيل على أَنَّهَا تستمتع بِوُجُود وَلَدهَا إِسْحَق، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ يُولَدُ وَلَدُهُ يَعْقُوبُ. أَيْ يُولد فِي حياتهما لنقر أعينهما بِهِ كَمَا قرت بولده. وَلَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ يَعْقُوبَ وَتَخْصِيصِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ مِنْ دُونِ سَائِرِ نسل إِسْحَق فَائِدَة. وَلما عين بِالذكر [دلّ] (١) على أَنَّهُمَا يتمتعان بِهِ ويسران بولده كَمَا سُرَّا بِمَوْلِدِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: [" وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوب كلا هدينَا "] (١) وَقَالَ تَعَالَى: " فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دون الله وهبنا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوب (٢) ". وَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ [قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟] (٣) قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى " قلت كم

стр. 239

بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: " أَرْبَعُونَ سَنَةً " قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " ثُمَّ حَيْثُ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ فَصَلِّ فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ ". وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ هُوَ الَّذِي أَسَّسَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَهُوَ مَسْجِد إيليا بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَرَّفَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ، فَعَلَى هَذَا يكون بِنَاء يَعْقُوب ﵇ وَهُوَ - إِسْرَائِيل - بَعْدَ بِنَاءِ الْخَلِيلِ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً سَوَاءً. وَقَدْ كَانَ بِنَاؤُهُمَا ذَلِكَ بعد وجود إِسْحَق ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا دَعَا، قَالَ فِي دُعَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، وَاجْنُبْنِي، وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ، وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ من شئ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَق إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (١) ". وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث من أَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉، لما بنى

стр. 240

بَيت الْمُقَدّس سَأَلَ الله خلالا ثاثا كَمَا ذَكرْنَاهُ عِنْد قَوْله: " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بعدى "، وَكَمَا سَنُورِدُهُ فِي قِصَّتِهِ - فَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ جَدَّدَ بِنَاءَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً سِوَى ابْنِ حِبَّانَ فِي تَقَاسِيمِهِ وَأَنْوَاعِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ وَلَا سُبِقَ إِلَيْهِ.

стр. 241

ذكر بناية الْبَيْتِ الْعَتِيقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لابراهيم مَكَان الْبَيْت أَلا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فج عميق (١) ". وَقَالَ تَعَالَى: " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ من الْعَالمين " (٢) . وَقَالَ تَعَالَى: " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، قَالَ وَمِنْ ذريتي؟ قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين * وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا، وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى، وعهدنا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين والركع السُّجُود * وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا، وارزق أَهله من الثمرات من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، قَالَ وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا، ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْت

стр. 242

التواب الرَّحِيم * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " (١) يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَصَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ، إِمَام الحنفاء ووالد الانبياء إِبْرَاهِيم ﵇ (٢) أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ. وَبَوَّأَهُ اللَّهُ مَكَانَهُ، أَيْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ أُرْشِدَ إِلَيْهِ بوحى من الله عزوجل. وَقد ذكرنَا فِي صفة خلق السَّمَوَات: أَنَّ الْكَعْبَةَ بِحِيَالِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، بِحَيْثُ أَنَّهُ لَو سقط لسقط عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ معابد السَّمَوَات السَّبْعِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ، وَهُوَ فِيهَا كَالْكَعْبَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا يَكُونُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَتِلْكَ المعابد لملائكة السَّمَوَات، وَأَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى مَكَانِ الْبَيْتِ الْمُهَيَّأِ لَهُ، الْمعِين لذَلِك مُنْذُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْضَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ أَنَّ الْبَيْتَ كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَ الْخَلِيلِ ﵇. وَمَنْ تَمَسَّكَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ: " مَكَان الْبَيْت " فَلَيْسَ بناهض

стр. 243

وَلَا ظَاهِرٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مَكَانُهُ الْمُقَدَّرُ فِي علم الله، الْمُقَرّر فِي قَدَرِهِ (١) ، الْمُعَظَّمُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ مَوْضِعُهُ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ آدَمَ نَصَبَ عَلَيْهِ قُبَّةً، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَهُ: قَدْ طُفْنَا قَبْلَكَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَأَنَّ السَّفِينَةَ طَافَتْ بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَلَكِنْ كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ بنى إِسْرَائِيل. وَقد قَررنَا أَنَّهَا لاتصدق وَلَا تُكَذَّبُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا، فَأَمَّا إِنْ رَدَّهَا الْحَقُّ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهدى للْعَالمين ". أَيْ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ لِلْبَرَكَةِ وَالْهدى، الْبَيْت الذى ببكة. وَقيل مَحل الْكَعْبَة " فِيهِ آيَات بَيِّنَات " أَيْ عَلَى أَنَّهُ بِنَاءُ الْخَلِيلِ، وَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِمَامِ الْحُنَفَاءِ مِنْ وَلَدِهِ، الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ وَيَتَمَسَّكُونَ بِسُنَّتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: " مَقَامُ إِبْرَاهِيم " أَيِ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ قَائِمًا لَمَّا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ عَنْ قَامَتِهِ، فَوَضَعَ لَهُ وَلَدُهُ هَذَا الْحَجَرَ الْمَشْهُورَ، لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ لَمَّا تَعَالَى الْبناء وَعظم الفناء. كَمَا ذكر فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الْحَجَرُ مُلْصَقًا بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ; فَأَخَّرَهُ عَن الْبَيْت قَلِيلا، لِئَلَّا يشغل المصليمن عِنْدَهُ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ، وَاتَّبَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ وَافقه ربه فِي أَشْيَاء: مِنْهَا قَوْلِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ : لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: " وَاتَّخذُوا

стр. 244

من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى ". وَقَدْ كَانَتْ آثَارُ قَدَمَيِ الْخَلِيلِ بَاقِيَةً فِي الصَّخْرَةِ إِلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ: وَثَوْرٍ (١) وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ * وَرَاقٍ لِيَرْقَى (١) فِي حِرَاءَ وَنَازِلِ وَبِالْبَيْتِ حَقِّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ * وَبِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدِّ إِذْ يمسحونه * إِذْ اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ * عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ يَعْنِي أَنَّ رِجْلَهُ الْكَرِيمَةَ غَاصَتْ فِي الصَّخْرَةِ فَصَارَتْ على قدر قدمه حافيه لامنتعلة. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ " [أَيْ فِي حَالِ قَوْلِهِمَا (٢) ] : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا أَنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم " فهما فِي غَايَة الاخلاص وَالطَّاعَة لله عزوجل، وهما يسألان من الله عزوجل السَّمِيع الْعَلِيم أَن يتَقَبَّل مِنْهُمَا ماهما فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ الْعَظِيمَةِ وَالسَّعْيِ الْمَشْكُورِ: " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التواب الرَّحِيم ". * * * وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلِيلَ بَنَى أَشْرَفَ الْمَسَاجِدِ فِي أَشْرَفِ (٣) الْبِقَاعِ، فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا بِالْبَرَكَةِ، وَأَنْ يُرْزَقُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ، مَعَ قِلَّةِ الْمِيَاهِ وَعَدَمِ الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا مُحَرَّمًا وَأَمْنًا مُحَتَّمًا. فَاسْتَجَابَ اللَّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ لَهُ مَسْأَلَتَهُ، وَلَبَّى دَعْوَتَهُ، وآتاه طلبته، فَقَالَ

стр. 245

تَعَالَى: " أَو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ من حَولهمْ (١) ؟ " وَقَالَ تَعَالَى: " أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا يحبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شئ رزقا من لدنا ". وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَعَلَى لُغَتِهِمُ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ النَّصِيحَة ; لتتم عَلَيْهِم النعمتان الدُّنْيَوِيَّة والدينية، سَعَادَة الْأُولَى وَالْآخِرَةِ (٢) . وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ: فَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا وَأَيَّ رَسُولٍ! خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَأَكْمَلَ لَهُ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ ; فِي سَائِرِ الاقطار والامصار والاعصار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَكَانَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، لِشَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَمَالِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَشَرَفِ بُقْعَتِهِ وَفَصَاحَةِ لُغَتِهِ، وَكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَكِرِيمِ (٣) مَحْتِدِهِ وَعَظِيمِ مَوْلِدِهِ، وَطِيبِ مَصْدَرِهِ وَمَوْرِدِهِ. وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇ إِذْ كَانَ بانى الْكَعْبَة لاهل الْأَرْضِ، أَنْ يَكُونُ مَنْصِبُهُ وَمَحَلُّهُ وَمَوْضِعُهُ، فِي منَازِل السَّمَوَات وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ، عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، الَّذِي هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْمُبَارَكِ الْمَبْرُورِ، الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْبَعْث والنشور.

стр. 246

وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ صفة بنائِهِ للبيت (١) ، وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، بِمَا فِيهِ كِفَايَة، فَمن أَرَادَ فَلْيُرَاجِعْهُ ثَمَّ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن يبنيا الْبَيْت لَمْ يَدْرِيَا أَيْنَ مَكَانُهُ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهُ الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ، فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَتْبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يحفران حَتَّى وضعا الاساس. وَذَلِكَ حِين يَقُولُ تَعَالَى: " وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ". فَلَمَّا بلغا الْقَوَاعِد وبنيا الرُّكْنَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: يَا بُنَيَّ اطْلُبْ لِي [حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَاهُنَا. قَالَ يَا أَبَتِ إِنِّي كَسْلَانُ تَعِبٌ. قَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَانْطَلَقَ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ (٢) ] الْأَسْوَدِ مِنَ الْهِنْدِ، وَكَانَ أَبيض يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ (٣) . وَكَانَ آدَمُ هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ، فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ. فَقَالَ: يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ. فَبَنَيَا وَهُمَا يَدْعُوَانِ اللَّهَ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيم ". وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ، وَأَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَكَانَ مَلِكَ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ - مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَبْنِيَانِهِ فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُ أَمَرَنَا بِهِ. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِينِي بِمَا تَقُولُ؟

стр. 247

فَشَهِدَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَآمَنَ وَصَدَّقَ. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ: أَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيلِ بِالْبَيْتِ. وَقد كَانَت [الْكَعْبَة (١) ] عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ، فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ على ماهى عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَن ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَن قَوْمك حِين بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم؟ فَقَالَ: " لَوْلَا حدثان قَوْمك [بالْكفْر لفَعَلت (١) ] ". وفى رِوَايَة " لَوْلَا أَن قَوْمك حديثوا عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ، لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ ". وَقَدْ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵀ فِي أَيَّامِهِ عَلَى [مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) ] حَسْبَمَا أخْبرته بِهِ خَالَتُهُ عَائِشَةُ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ إِذْ ذَاكَ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. فَأَمَرَ بِرَدِّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَنَقَضُوا الْحَائِطَ الشَّامِيَّ وَأَخْرَجُوا مِنْهَا الْحِجْرَ، ثُمَّ سَدُّوا الْحَائِطَ وَرَدَمُوا الْأَحْجَارَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، فَارْتَفَعَ بَابُهَا الشَّرْقِيُّ وَسَدُّوا الْغَرْبِيَّ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مشَاهد إِلَى الْيَوْم.

стр. 248

ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا، وَتَأَسَّفُوا أَنْ لَوْ كَانُوا تَرَكُوهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ اسْتَشَارَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي رَدِّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ [لَهُ (١) ] إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ لُعْبَةً. يَعْنِي كُلَّمَا جَاءَ مَلِكٌ بَنَاهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِى يُرِيد. فاستقر الامر على ماهى عَلَيْهِ الْيَوْم.

стр. 249

ذكر ثَنَاء الله وَرَسُوله الْكَرِيم على عَبده وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للنَّاس إِمَامًا، قَالَ وَمن ذرتي؟ قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين " لما وفى مَا أمره بِهِ ربه مِنَ التَّكَالِيفِ الْعَظِيمَةِ، جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ وَيَأْتَمُّونَ بِهَدْيِهِ. وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِمَامَةُ (١) مُتَّصِلَةً بِسَبَبِهِ، وَبَاقِيَةً فِي نَسَبِهِ، وَخَالِدَةً فِي عَقِبِهِ فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ [وَرَامَ] (٢) وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ الْإِمَامَةُ بِزِمَامٍ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ نَيْلِهَا الظَّالِمُونَ، وَاخْتُصَّ بِهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٣) ". وَقَالَ تَعَالَى: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ. وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وإليسا كل من الصَّالِحين * وإسمعيل وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٤) ". فَالضَّمِير فِي قَوْله " وَمن ذُريَّته " عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلُوطٌ وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَخِيهِ إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِي الذُّرِّيَّةِ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَلَى نُوحٍ كَمَا قَدَّمْنَا فِي قصَّته. [وَالله أعلم (٢) ] .

стр. 250

وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذريتهما النُّبُوَّة وَالْكتاب (١) ". الْآيَةَ. فَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ. وَهَذِهِ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ [لَا تُضَاهَى، ومرتبة علية (٢) ] لاتباهى. وَذَلِكَ أَنَّهُ وُلِدَ [لَهُ] (٢) لِصُلْبِهِ [وَلَدَانِ] (٢) ذَكَرَانِ عظيمان: إِسْمَعِيل من هَاجر، ثمَّ إِسْحَق (٢) من سارة، وَولد لَهُ يَعْقُوبُ - وَهُوَ إِسْرَائِيلُ - الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ سَائِرُ أَسْبَاطِهِمْ، فَكَانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ، وَكَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي بَعَثَهُمْ وَاخْتَصَّهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ من بنى إِسْرَائِيل. وَأما إِسْمَعِيل ﵇، فَكَانَتْ مِنْهُ الْعَرَبُ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ سُلَالَتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى خَاتَمِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَسَيِّدِهِمْ، وَفَخْرِ بَنِي آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ القرشى، الْمَكِّيِّ ثُمَّ الْمَدَنِيِّ. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ الشَّرِيفِ وَالْغُصْنِ الْمُنِيفِ سِوَى هَذِهِ الْجَوْهَرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالدُّرَّةِ الزَّاهِرَةِ، وَوَاسِطَةِ الْعِقْدِ الْفَاخِرَةِ، وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْجَمْعِ، وَيَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا سَنُورِدُهُ أَنَّهُ قَالَ: " سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إِلَى الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم ".
следующие страницы →