Полный текст (888 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ صفة بنائِهِ للبيت (١) ، وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، بِمَا فِيهِ كِفَايَة، فَمن أَرَادَ فَلْيُرَاجِعْهُ ثَمَّ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن يبنيا الْبَيْت لَمْ يَدْرِيَا أَيْنَ مَكَانُهُ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهُ الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ، فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَتْبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يحفران حَتَّى وضعا الاساس.
وَذَلِكَ حِين يَقُولُ تَعَالَى: " وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ".
فَلَمَّا بلغا الْقَوَاعِد وبنيا الرُّكْنَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: يَا بُنَيَّ اطْلُبْ لِي [حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَاهُنَا.
قَالَ يَا أَبَتِ إِنِّي كَسْلَانُ تَعِبٌ.
قَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَانْطَلَقَ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ (٢) ] الْأَسْوَدِ مِنَ الْهِنْدِ، وَكَانَ أَبيض يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ (٣) .
وَكَانَ آدَمُ هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ، فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ.
فَقَالَ: يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ.
فَبَنَيَا وَهُمَا يَدْعُوَانِ اللَّهَ: " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيم ".
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ، وَأَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَكَانَ مَلِكَ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ - مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَبْنِيَانِهِ فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُ أَمَرَنَا بِهِ.
فَقَالَ: وَمَا يُدْرِينِي بِمَا تَقُولُ؟ стр. 247
فَشَهِدَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَآمَنَ وَصَدَّقَ.
وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ:
أَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيلِ بِالْبَيْتِ.
وَقد كَانَت [الْكَعْبَة (١) ] عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ، فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ على ماهى عَلَيْهِ الْيَوْمَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَن ابْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَن قَوْمك حِين بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم؟ فَقَالَ: " لَوْلَا حدثان قَوْمك [بالْكفْر لفَعَلت (١) ] ".
وفى رِوَايَة " لَوْلَا أَن قَوْمك حديثوا عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ، لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ ".
وَقَدْ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵀ فِي أَيَّامِهِ عَلَى [مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) ] حَسْبَمَا أخْبرته بِهِ خَالَتُهُ عَائِشَةُ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ إِذْ ذَاكَ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
فَأَمَرَ بِرَدِّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَنَقَضُوا الْحَائِطَ الشَّامِيَّ وَأَخْرَجُوا مِنْهَا الْحِجْرَ، ثُمَّ سَدُّوا الْحَائِطَ وَرَدَمُوا الْأَحْجَارَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، فَارْتَفَعَ بَابُهَا الشَّرْقِيُّ وَسَدُّوا الْغَرْبِيَّ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مشَاهد إِلَى الْيَوْم. стр. 248
ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا، وَتَأَسَّفُوا أَنْ لَوْ كَانُوا تَرَكُوهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ اسْتَشَارَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي رَدِّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ [لَهُ (١) ] إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ لُعْبَةً.
يَعْنِي كُلَّمَا جَاءَ مَلِكٌ بَنَاهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِى يُرِيد.
فاستقر الامر على ماهى عَلَيْهِ الْيَوْم. стр. 249
ذكر ثَنَاء الله وَرَسُوله الْكَرِيم على عَبده وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للنَّاس إِمَامًا، قَالَ وَمن ذرتي؟ قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين " لما وفى مَا أمره بِهِ ربه مِنَ التَّكَالِيفِ الْعَظِيمَةِ، جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ وَيَأْتَمُّونَ بِهَدْيِهِ.
وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِمَامَةُ (١) مُتَّصِلَةً بِسَبَبِهِ، وَبَاقِيَةً فِي نَسَبِهِ، وَخَالِدَةً فِي عَقِبِهِ فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ [وَرَامَ] (٢) وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ الْإِمَامَةُ بِزِمَامٍ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ نَيْلِهَا الظَّالِمُونَ، وَاخْتُصَّ بِهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٣) ".
وَقَالَ تَعَالَى: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَق وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وإليسا كل من الصَّالِحين * وإسمعيل وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٤) ".
فَالضَّمِير فِي قَوْله " وَمن ذُريَّته " عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلُوطٌ
وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَخِيهِ إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِي الذُّرِّيَّةِ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَلَى نُوحٍ كَمَا قَدَّمْنَا فِي قصَّته.
[وَالله أعلم (٢) ] . стр. 250
وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذريتهما النُّبُوَّة وَالْكتاب (١) ".
الْآيَةَ.
فَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ.
وَهَذِهِ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ [لَا تُضَاهَى، ومرتبة علية (٢) ] لاتباهى.
وَذَلِكَ أَنَّهُ وُلِدَ [لَهُ] (٢) لِصُلْبِهِ [وَلَدَانِ] (٢) ذَكَرَانِ عظيمان: إِسْمَعِيل من هَاجر، ثمَّ إِسْحَق (٢) من سارة، وَولد لَهُ يَعْقُوبُ - وَهُوَ إِسْرَائِيلُ - الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ سَائِرُ أَسْبَاطِهِمْ، فَكَانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ، وَكَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي بَعَثَهُمْ وَاخْتَصَّهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ من بنى إِسْرَائِيل.
وَأما إِسْمَعِيل ﵇، فَكَانَتْ مِنْهُ الْعَرَبُ عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ سُلَالَتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى خَاتَمِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَسَيِّدِهِمْ، وَفَخْرِ بَنِي آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ القرشى، الْمَكِّيِّ ثُمَّ الْمَدَنِيِّ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ الشَّرِيفِ وَالْغُصْنِ الْمُنِيفِ سِوَى هَذِهِ الْجَوْهَرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالدُّرَّةِ الزَّاهِرَةِ، وَوَاسِطَةِ الْعِقْدِ الْفَاخِرَةِ، وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْجَمْعِ، وَيَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا سَنُورِدُهُ أَنَّهُ قَالَ: " سَأَقُومُ مَقَامًا
يَرْغَبُ إِلَى الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم ". стр. 251
فَمَدَحَ إِبْرَاهِيمَ أَبَاهُ مِدْحَةً عَظِيمَةً فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ بَعْدَهُ عِنْدَ الْخَلَّاقِ، فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن مَنْصُورٍ عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُول: " إِن أَبَاكُمَا كَانَ يعوذ بهما إِسْمَعِيل وَإِسْحَق: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ".
وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ بِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى؟ قَالَ أَو لم تُؤْمِنْ؟ قَالَ بَلَى.
وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادعن يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (١) .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ لِهَذَا [السُّؤَالِ] (٢) أَسْبَابًا بَسَطْنَاهَا فِي التَّفْسِيرِ وَقَرَّرْنَاهَا بِأَتَمِّ تَقْرِيرٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ اللَّهَ عزوجل أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الطُّيُورِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَقْوَالٍ، وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُمَزِّقَ لُحُومَهُنَّ وَرِيشَهُنَّ، وَيَخْلِطَ ذَلِكَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ قِسَمًا وَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا فَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَهُنَّ بِإِذْنِ رَبِّهِنَّ، فَلَمَّا دَعَاهُنَّ جَعَلَ كُلُّ عُضْوٍ يَطِيرُ إِلَى صَاحبه، وكل стр. 252
رِيشَةٍ تَأْتِي إِلَى أُخْتِهَا، حَتَّى اجْتَمَعَ بَدَنُ كُلِّ طَائِرٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ ينظر إِلَى قدرَة الذى يَقُول للشئ كُنْ فَيَكُونُ.
فَأَتَيْنَ إِلَيْهِ سَعْيًا، لِيَكُونَ أَبْيَنَ لَهُ وَأَوْضَحَ لِمُشَاهَدَتِهِ مِنْ أَنْ يَأْتِينَ طَيَرَانًا.
وَيُقَال إِنَّه أَمر أَن يَأْخُذ رؤوسهن فِي يَده، فَجعل كل طَائِر يَأْتِي فَيلقى (١) رَأسه فيتركب على جِئْته كَمَا كَانَ.
فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَعْلَمُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى على إحْيَاء الْمَوْتَى علما يقينيا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَلَكِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ عِيَانًا، وَيَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ! فَأَجَابَهُ اللَّهُ إِلَى سُؤَالِهِ وَأَعْطَاهُ غَايَةَ مَأْمُولِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: " يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت النوراة والابحيل إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ؟ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله ولى الْمُؤمنِينَ (٢) ".
يُنكر تَعَالَى على أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَى كل من الْفَرِيقَيْنِ، كَون الْخَلِيل على ملتهم وطريقتهم (٣) ، فبرأه الله مِنْهُم، وَبَين كَثْرَة جهلهم وَقلة عقلهم فِي قَوْله: " وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ " أَيْ فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى دِينِكُمْ وَأَنْتُمْ إِنَّمَا شرع لكم مَا شرع بعده стр. 253
بمدد متطاولة؟ وَلِهَذَا قَالَ: " أَفلا تعقلون " إِلَى أَنْ قَالَ: " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " فَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ الْحَنِيفِ، وَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَالِانْحِرَافُ عَمْدًا عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِلْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمُشْرِكِيَّةِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وإسمعيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب ولاسباط، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم، لَا تفرق بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ، فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أم تَقولُونَ إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وَمَا اللَّهُ بغافل
стр. 254
عَمَّا تَعْمَلُونَ.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ (١) ".
فنزه الله عزوجل خَلِيلَهُ ﵇ عَنْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ " يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي زَمَانِهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ.
" وَهَذَا النَّبِي " يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُ الدِّينَ الْحَنِيفَ الَّذِي شَرَعَهُ لِلْخَلِيلِ، وَكَمَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا لم يُعْط نَبيا وَلَا رَسُولا من قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أول الْمُسلمين " (٢) وَقَالَ تَعَالَى: " إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ من الْمُشْركين * شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين * ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " (٣) .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ.
وَرَأَى إِبْرَاهِيم وإسمعيل بِأَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ فَقَالَ: " قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! وَاللَّهُ إِنِ استقسما (٤) بالازلام قطّ! ".
لم يُخرجهُ مُسلم. стр. 255
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ: " قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ شَيْخَنَا لَمْ يَسْتَقْسِمْ بِهَا قَطُّ ".
وَقَوله: " أُمَّةً " أَيْ قُدْوَةً إِمَامًا مُهْتَدِيًا دَاعِيًا إِلَى الْخَيْر، يقْتَدى بِهِ فِيهِ " قَانِتًا لله " أَيْ خَاشِعًا لَهُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، " حَنِيفًا " أَيْ مُخْلِصًا عَلَى بَصِيرَةٍ، " وَلَمْ يَك من الْمُشْركين * شاكرا لانعمه " أَيْ قَائِمًا بِشُكْرِ رَبِّهِ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ مِنْ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَأَعْمَالِهِ، " اجْتَبَاهُ " أَيِ اخْتَارَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ.
وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ خَيْرَيِ (١) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا (٢) " يُرَغِّبُ تَعَالَى فِي اتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَمَدَحَهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: " وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى " [وَلِهَذَا] اتَّخَذَهُ اللَّهُ (٣) خَلِيلًا، وَالْخُلَّةُ هِيَ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي * وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا وَهَكَذَا نَالَ هَذِه الْمرتبَة (٤) خَاتم الانبياء وَسيد الْمُرْسلين (٥) مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَيهَا النَّاس، إِن الله اتَّخَذَنِي خَلِيلًا ". стр. 256
وَقَالَ أَيْضًا فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: " أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ " أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: إِن معَاذًا لما قدمن الْيَمَنَ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: " وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ! وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن مُسلم، حَدثنَا إِسْمَعِيل ابْن أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزْجَانِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاس مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُول: عجبا (١) أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا! فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا.
وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ.
وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ.
فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ فَسَلَّمَ وَقَالَ: " قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِك، أَلا وإنى стр. 257
حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، أَلَا وَإِنِّي أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلْقَةَ [بَابِ (١) ] الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا
أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ".
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، زوله شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ [وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١) ] .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ؟ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى؟ وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ؟ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الْسُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الْوَجَلَ حَتَّى إِنْ كَانَ خَفَقَانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا.
قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، أُبَشِّرُهُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.
قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ، ثُمَّ لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا، حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ.
قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ.
قَالَ: أَنَا! قَالَ: نَعَمْ. стр. 258
قَالَ: فَبِمَ اتَّخَذَنِي [رَبِّي (١) ] خَلِيلًا؟ قَالَ: بِأَنَّكَ (٢) تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ
وَالْمَدْحِ لَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ فِي الْبَقَرَةِ وَحْدَهَا.
وَهُوَ أَحَدُ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَسْمَائِهِمْ تَخْصِيصًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي آيَتَيِ الْأَحْزَابِ وَالشُّورَى، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم ميثاقا غليظا "، وَقَوْلُهُ: " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تتفرقوا فِيهِ " الْآيَةَ.
ثُمَّ هُوَ أَشْرَفُ أُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَهُوَ الَّذِي وَجَدَهُ ﵇ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ.
وَمَا وَقَعَ فِي حَدِيث شريك ابْن أَبى نمير عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ ; مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، فَمِمَّا انْتُقِدَ عَلَى شَرِيكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَالصَّحِيحُ الاول.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو، حَدثنَا стр. 259
أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم، يُوسُف بن يَعْقُوب ابْن إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
ثُمَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ فِيهِ: " وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁.
وَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ [يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) ] وَلَا فَخْرَ ".
ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِشْفَاعَ النَّاسِ بِآدَم، ثمَّ بِنوح، ثمَّ إِبْرَاهِيم، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، فَكُلُّهُمْ يَحِيدُ عَنْهَا حَتَّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُولُ: " أَنَا لَهَا، أَنا لَهَا " الحَدِيث بِتَمَامِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدثنَا عبيد اللَّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أكْرم النَّاس؟ قَالَ: " [أكْرمهم (١) ] أَتْقَاهُم " فَقَالُوا (٢) لَيْسَ عَن هَذَا نَسْأَلك.
قَالَ: فَأكْرم النَّاس يُوسُفُ (٣) نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ ".
قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ.
قَالَ: " فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تسألونني؟ [قَالُوا نعم (٤) قَالَ] فخيارهم (٥) فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ (٥) فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ". стр. 260
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ - الْعُمَرِيُّ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قُلْتُ: وَقَدْ أَسْنَدَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِهِمَا، وَحَدِيثِ عَبْدَةَ بْنِ
سُلَيْمَانَ.
وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [وَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَاهُ (١) ] وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب ابْن إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ ".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَق بْنِ إِبْرَاهِيمَ ".
تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ.
* * * فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَان، стр. 261
حَدَّثَنِي مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النى ﷺ : " يحْشر النَّاس عُرَاةً غُرْلًا، فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ﵇ " ثُمَّ قَرَأَ: " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعيده " فَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ النُّعْمَانِ النَّخَعِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.
وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ الْمُعَيَّنَةُ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَابَلَهَا مِمَّا ثَبَتَ
لِصَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ مُخْتَارِ [بْنِ مُخْتَار (١) ] بن فلفل، عَن أنس ابْن مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ.
فَقَالَ: " ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ " فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، أَرْبَعَتُهُمْ عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا (٢) مِنْ بَاب الهضم والتواضح مَعَ وَالِدِهِ الْخَلِيلِ ﵇ كَمَا قَالَ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ".
وَقَالَ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟ ".
وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ من أَنه стр. 262
سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبى من كَعْبٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ".
وَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَفْضَلَ الرُّسُلِ وَأُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ فِي تَشَهُّدِهِ، مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ [وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ] (١) كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيم [وعَلى] (١) آل إِبْرَاهِيم، وَبَارِكْ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [وَعَلَى] (١) آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حميد مجيد.
* * * وَقَالَ الله تَعَالَى: " وَإِبْرَاهِيم الذى وفى ".
قَالُوا: وَفَّى جَمِيعَ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَامَ بِجَمِيعِ خِصَالِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ، وَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ مُرَاعَاةُ الْأَمْرِ الْجَلِيلِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ الْأَمْرِ الْقَلِيلِ، وَلَا يُنْسِيهِ الْقِيَامُ بِأَعْبَاءِ الْمَصَالِحِ الْكِبَارِ عَنِ الصِّغَارِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَن ابْن طَاوُوس عَن أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي قَوْلِهِ تَعَالَى] (١) : " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ " قَالَ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخمْس فِي الْجَسَد.
فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَفرق (٢) الرَّأْس.
وفى الْجَسَد: تقليم стр. 263
الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي الْجَلْدِ نَحْوُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَهْلِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ الْعَبْدَرِيِّ الْمَكِّيِّ الْحَجَبِيِّ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ العترى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ : " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ (١) ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ ".
وَسَيَأْتِي [فِي ذِكْرِ (٣) ] مِقْدَارِ عُمُرِهِ وَالْكَلَام عَلَى الْخِتَانِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَشْغَلُهُ الْقِيَامُ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَخُشُوعُ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، عَنْ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ بَدَنِهِ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْإِصْلَاحِ وَالتَّحْسِينِ، وَإِزَالَةِ مَا يَشِينُ ; مِنْ زِيَادَةِ شَعْرٍ أَوْ ظُفُرٍ أَوْ وُجُودِ قَلَحٍ (٢) أَوْ وَسَخٍ.
فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ مِنَ الْمَدْحِ الْعَظِيمِ: " وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى " стр. 264
ذِكْرُ قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [" إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا - أَحْسَبُهُ قَالَ من لؤلؤة - لَيْسَ فِيهِ فَصم وَلَا وهى أَعَدَّهُ اللَّهُ لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ نُزُلًا " قَالَ الْبَزَّارُ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١) ] بِنَحْوِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ من رَوَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَأَسْنَدَهُ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا.
قُلْتُ: لَوْلَا هَذِهِ الْعِلَّةُ لَكَانَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.
ذِكْرُ صِفَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ وَحُجَيْنٌ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِذا أقرب من رَأَيْت شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ ".
تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدثنَا إِسْرَائِيل، عَن عُثْمَان стр. 265
- يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُ عِيسَى بن مَرْيَمَ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ ; فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ ".
قَالُوا لَهُ: فَإِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: " انْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ " يَعْنِي نَفسه.
وَقَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا بنان بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّال [وَأَنه مَكْتُوب (١) ] بَين عَيْنَيْهِ كَافِرٌ أَوْ " ك ف ر "، فَقَالَ: لَمْ أسمعهُ، وَلكنه قَالَ: قَالَ ﷺ : " أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ (٢) كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انحدر فِي الْوَادي " وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِي
اللِّبَاسِ، وَمُسْلِمٌ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الله ابْن عون بِهِ. стр. 266
ذكر وَفَاة إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَمَا قِيلَ فِي عُمُرِهِ
ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ فِي زَمَنِ النُّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وَهُوَ - فِيمَا قِيلَ - الضَّحَّاكُ الْمَلِكُ الْمَشْهُورُ، الَّذِي يُقَالُ إِنَّهُ مَلَكَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ فِي غَايَةِ الْغَشَمِ وَالظُّلْمِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ بَنِي رَاسِبٍ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ ﵇، وَأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ مَلِكَ الدُّنْيَا، وَذَكَرُوا أَنَّهُ طَلَعَ نَجْمٌ أَخْفَى ضَوْءَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَهَالَ ذَلِكَ أَهْلَ ذَلِك الزَّمَان وفزع النُّمْرُودُ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالْمُنَجِّمِينَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يُولَدُ مَوْلُودٌ فِي رَعِيَّتِكَ يَكُونُ زَوَالُ مُلْكِكَ عَلَى يَدَيْهِ.
فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَنْعِ الرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَنْ يُقْتَلَ الْمَوْلُودُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ، فَكَانَ مَوْلِدُ إِبْرَاهِيمَ [الْخَلِيلِ (١) ] فِي ذَلِك الْحِين، فحماه الله عزوجل وَصَانَهُ مِنْ كَيْدِ الْفُجَّارِ، وَشَبَّ شَبَابًا بَاهِرًا وَأَنْبَتَهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالسُّوسِ، وَقِيلَ بِبَابِلَ، وَقِيلَ بِالسَّوَادِ مِنْ نَاحِيَةِ كُوثَى (٢) .
وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وُلِدَ بِبَرْزَةَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ.
فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ نُمْرُودَ عَلَى يَدَيْهِ هَاجر إِلَى حَرَّانَ، ثُمَّ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَأَقَامَ بِبِلَادِ إِيلِيَا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَوُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَق.
وَمَاتَتْ سَارَةُ قَبْلَهُ بِقَرْيَةِ حَبْرُونَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلَهَا مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سنة فِيمَا ذكر أهل الْكتاب.
فخزن عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَرَثَاهَا رَحِمَهَا اللَّهُ، وَاشْترى стр. 267
مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حِيثَ يُقَالُ لَهُ عفرون بن صَخْر مغارة بأربعمائة مِثْقَال، وَدَفَنَ فِيهَا سَارَةَ هُنَالِكَ.
قَالُوا: ثُمَّ خَطَبَ إِبْرَاهِيم على ابْنه إِسْحَق فَزَوجهُ " رفقا " بنت بتوئيل ابْن ناحور بن تارح، وَبَعَثَ مَوْلَاهُ فَحَمَلَهَا مِنْ بِلَادِهَا وَمَعَهَا مُرْضِعَتُهَا وَجَوَارِيهَا عَلَى الْإِبِلِ.
قَالُوا: ثُمَّ تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ " قَنْطُورَا " فَوَلَدَتْ لَهُ: زَمَرَانَ، وَيَقِشَانَ، وَمَادَانَ، وَمَدْيَنَ، وَشَيَاقَ، وَشُوحَ.
وَذَكَرُوا مَا وَلَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْلَادِ قَنْطُورَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، عَنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي صِفَةِ مجئ مَلَكِ الْمَوْتِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَخْبَارًا كَثِيرَةً اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ فَجْأَةً، وَكَذَا دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ.
قَالُوا: ثُمَّ مَرِضَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَمَاتَ عَنْ مِائَةٍ وَخمْس وَسبعين، وَقيل وَتِسْعين سنة، وَدفن فِي المغارة الْمَذْكُورَة الَّتِى كَانَت بحبرون الحيثى، عِنْدَ امْرَأَتِهِ سَارَةَ الَّتِي فِي مَزْرَعَةِ عَفْرُونَ الحيثى، وَتَوَلَّى دَفنه إِسْمَعِيل وَإِسْحَاقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ ورد مَا يدل [على (١) ] أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الكلبى.
فَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَنْبَأَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجندي بِمَكَّة، حَدثنَا على بن زِيَاد اللخمى (٢) ، حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ стр. 268
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) ] أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ من طَرِيق عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم وجعفر ابْن عَوْنٍ الْعَمْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَفَعَ هَذَا الْخَبَرِ وَهْمٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْجُنَيْد (٢) ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اختتن إِبْرَاهِيم حِين بلغ [عشْرين (٣) و] مائَة سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِقَدُومٍ ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ثُمَّ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَنَّهُ قَالَ: الْقَدُومُ اسْمُ الْقَرْيَةِ.
قُلْتُ: الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ اخْتَتَنَ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِمَا عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الحانى الوَاسِطِيّ زَاد فِي تَفْسِيرِ وَكِيعٍ عَنْهُ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الزِّيَادَاتِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن سعيد ابْن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أول من تسرول، وَأول من стр. 269
فَرَقَ، وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ وَأَوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ
وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَوَّلَ مَنْ قَرَى الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ مَنْ شَابَ.
هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفًا.
وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَرْفُوعِ (١) خِلَافًا لِابْنِ حِبَّانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ أضَاف الضَّيْف، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشيب.
فَقَالَ: يَا رب ماهذا؟ فَقَالَ اللَّهُ: " وَقَارٌ " فَقَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا.
وَزَادَ غَيْرُهُمَا: وَأَوَّلَ مَنْ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ، وَأَوَّلَ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ.
فقبره وقبر وَلَده إِسْحَق وَقَبْرُ وَلَدِ وَلَدِهِ يَعْقُوبَ فِي الْمَرْبَعَةِ الَّتِي بَنَاهَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ بِبَلَدِ حَبْرُونَ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلِيلِ الْيَوْمَ.
وَهَذَا مُتَلَقًّى بِالتَّوَاتُرِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنْ زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا، أَنَّ قَبْرَهُ بِالْمَرْبَعَةِ تَحْقِيقًا.
فَأَمَّا تَعْيِينُهُ مِنْهَا فَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ مَعْصُومٍ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى تِلْكَ الْمَحَلَّةُ وَأَنْ تُحْتَرَمَ احْتِرَامَ مِثْلِهَا، وَأَنْ تُبَجَّلَ وَأَنْ تُجَلَّ أَنْ يدلى فِي أَرْجَائِهَا، خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُ الْخَلِيلِ أَو أحد أَوْلَادِهِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ تَحْتَهَا.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: وُجِدَ عِنْدَ قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَى حَجَرٍ كِتَابَة خلقَة: стр. 270
أَلْهَى جَهُولًا أَمَلُهْ * يَمُوتُ مَنْ جَا أَجَلُهْ وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهْ * لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حيله
وَكَيف يبْقى آخرا * مَنْ مَاتَ عَنْهُ أَوَّلُهْ وَالْمَرْءُ لَا يَصْحَبُهْ * فِي الْقَبْرِ إِلَّا عَمَلُهْ ذِكْرُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيل أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ مِنْ سَارَةَ بِنْتِ عَمِّ الْخَلِيلِ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا " قَنْطُورَا " بِنْتَ يَقْطُنَ الْكَنْعَانِيَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً: مَدْيَنَ، وَزَمَرَانَ، وَسَرَجَ وَيَقِشَانَ، وَنَشَقَ، وَلَمْ يُسَمَّ السَّادِسُ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا " حَجُونَ " بِنْتَ أَمِينَ، فَوَلَدَتْ لَهُ خَمْسَةً: كَيْسَانَ، وَسُورَجَ، وَأَمِيمَ، وَلُوطَانَ وَنَافَسَ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابه: " التَّعْرِيف والاعلام ".
стр. 271
قصَّة لوط ﵇ وَمِمَّا وَقَعَ فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ: قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ ﵇، وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ الْعَمِيمَةِ.
وَذَلِكَ أَن لوطا بن هَارَانَ بْنِ تَارَحَ - وَهُوَ آزَرُ كَمَا تَقَدَّمَ - وَلُوطٌ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَإِبْرَاهِيمُ وَهَارَانُ وَنَاحُورُ إِخْوَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيُقَالُ إِنَّ هَارَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي بَنَى حَرَّانَ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ لمُخَالفَته مَا بأيدى أهل الْكتاب وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكَانَ لُوطٌ قَدْ نَزَحَ عَنْ مَحَلَّةِ عَمِّهِ الْخَلِيلِ ﵉ بِأَمْرِهِ لَهُ وَإِذْنِهِ، فَنَزَلَ بِمَدِينَةِ سَدُومَ مِنْ أَرْضِ غَوْرِ زُغَرَ (١) ، وَكَانَ أم تِلْكَ الْمحلة وَلها أَرض ومعتملات وَقُرًى مُضَافَةٌ إِلَيْهَا.
وَلَهَا أَهْلٌ مِنْ أَفْجَرِ النَّاس وأكفرهم وأسوأهم طَوِيَّةً، وَأَرْدَئِهِمْ سَرِيرَةً وَسِيرَةً، يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَيَأْتُونَ فِي نَادِيهِمُ الْمُنْكَرَ، وَلَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
ابْتَدَعُوا فَاحِشَةً لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكْرَانِ مِنَ الْعَالَمَيْنِ، وَتَرْكُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ النِّسْوَانِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.
فَدَعَاهُمْ لُوطٌ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ، وَالْأَفَاعِيلِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ فَتَمَادَوْا عَلَى ضَلَالِهِمْ وطغيانهم، واستمرزوا على فُجُورهمْ وكفرانهم، فأحل الله بهم стр. 272
من الْبَأْس الذى لايرد مَا لَمْ يَكُنْ فِي خَلَدِهِمْ وَحُسْبَانِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ مَثُلَةً فِي الْعَالَمِينَ، وَعِبْرَةً يُتَّعِظُ بِهَا الْأَلِبَّاءُ مِنَ الْعَالِمِينَ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّتَهُمْ فِي غير مَا مَوضِع فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ.
فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرمين (١) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: " وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا، قَالَ سَلَامٌ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً، قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بإسحق وَمن وَرَاء إِسْحَق يَعْقُوب * قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخا إِن هَذَا لشئ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؟ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لوطا سئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عصيب * وجاءه قومه يهرعون стр. 273
إِلَيْهِ، وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي، أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد؟ * قَالُوا لقد علمت مالنا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ، إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد (١) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: " وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضيف إِبْرَاهِيم * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ؟ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين * فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قوم منكرون * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ، وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي стр. 274
فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَو لم نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين (١) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: " كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ ربكُم من أزواجكم بن أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٢) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فسَاء مطر الْمُنْذرين (٣) ". стр. 275
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ، فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِن فيخها لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَلَمَّا أَن جَاءَت رسلنَا لوطا سئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يعْقلُونَ " (١) .
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الصافات: " وَإِن لوطا لمن المرسليمن * إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دمرنا الآخرين * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٢) ".
وَقَالَ تَعَالَى فِي الذَّارِيَاتِ بَعْدَ قِصَّةِ [ضَيْفِ (٣) ] إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَتِهِمْ إِيَّاهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ: " قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى
قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مسومة عِنْد رَبك للمسرفين * стр. 276
فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَة للَّذين يخَافُونَ الْعَذَاب الاليم " (١) .
وَقَالَ فِي سُورَة الْقَمَر (٢) : " كذبت قوم لوط بِالنذرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل من مدكر " (٣) .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْقِصَصِ فِي أَمَاكِنِهَا من هَذِه السُّور فِي التَّفْسِيرِ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا وَقَوْمَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنَ الْقُرْآنِ ; تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مَعَ نوح وَعَاد وَثَمُود.
* * * وَالْمَقْصُود الْآن إِيرَاد ماكان مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ، مَجْمُوعًا مِنَ الْآيَاتِ وَالْآثَارِ.
وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.
وَذَلِكَ أَنَّ لُوطًا ﵇ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْفَوَاحِشِ، لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ [حَتَّى] (٤) وَلَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مَا عَنْهُ نُهُوا.
بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى حَالِهِمْ، وَلِمَ يَرْعَوُوا (٥) عَنْ غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ رَسُولِهِمْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ.
وَمَا كَانَ حَاصِلُ جَوَابِهِمْ عَنْ خطابهم - إِذْ كَانُوا لَا يعْقلُونَ стр. 277
إِلَّا أَنْ قَالُوا: " أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قريتكم إِنَّهُم أنَاس يتطهرون " فَجَعَلُوا غَايَةَ الْمَدْحِ ذَمًّا يَقْتَضِي الْإِخْرَاجَ! وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ إِلَّا الْعِنَادُ وَاللَّجَاجُ.
فَطَهَّرَهُ اللَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا أَحْسَنَ إِخْرَاجٍ، وَتَرَكَهُمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ خَالِدِينَ، لَكِنْ بَعْدَ مَا صَيَّرَهَا عَلَيْهِمْ بَحْرَةً مُنْتِنَةً ذَاتَ أَمْوَاجٍ، لَكِنَّهَا عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ نَارٌ تَأَجَّجُ، وَحَرٌّ يَتَوَهَّجُ، وَمَاؤُهَا مِلْحٌ أُجَاجٌ.
وَمَا كَانَ هَذَا جوابهم إِلَّا لما نَهَاهُم عَن " [ارْتِكَاب (١) ] الطَّامَّةِ الْعُظْمَى، وَالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أحد من [الْعَالمين (٢) ] أَهْلِ الدُّنْيَا.
وَلِهَذَا صَارُوا مَثُلَةً فِيهَا وَعِبْرَةً لِمَنْ عَلَيْهَا.
وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيَخُونُونَ الرَّفِيقَ، وَيَأْتُونَ فِي نَادِيهِمْ، وَهُوَ مُجْتَمَعُهُمْ وَمَحَلُّ حَدِيثِهِمْ وَسَمَرِهِمُ، الْمُنْكَرَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِ.
حَتَّى قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يتضارطون فِي مجَالِسهمْ، وَلَا يستحون من مجالسيهم، وَرُبَّمَا وَقَعَ (٣) مِنْهُمُ الْفَعْلَةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْمَحَافِلِ وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ، وَلَا يَرْعَوُونَ لِوَعْظِ وَاعِظٍ وَلَا نصيحة من عَاقل.
وَكَانُوا فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ كَالْأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ سَبِيلًا، وَلَمْ يُقْلِعُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْحَاضِرِ، وَلَا نَدِمُوا عَلَى مَا سَلَفَ مِنَ الْمَاضِي، وَلَا رَامُوا فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَحْوِيلًا، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخَذًا وَبِيلًا.
وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا: " ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " فَطَلَبُوا مِنْهُ وُقُوعَ مَا حَذَّرَهُمْ عَنْهُ مِنَ الْعَذَاب الاليم، وحلول الْبَأْس الْعَظِيم. стр. 278
فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمُ الْكَرِيمُ، فَسَأَلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ.
فَغَارَ اللَّهُ لِغَيْرَتِهِ، وَغَضِبَ لِغَضْبَتِهِ ; وَاسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ، وَأَجَابَهُ إِلَى طِلْبَتِهِ، وَبَعَثَ رُسُلَهُ الْكِرَامَ، وَمَلَائِكَتَهُ الْعِظَامَ، فَمَرُّوا عَلَى الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَشَّرُوهُ بِالْغُلَامِ الْعَلِيمِ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا جَاءُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْجَسِيمِ وَالْخَطْبِ الْعَمِيمِ: " قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طين * مسومة عِنْد رَبك للمسرفين " وَقَالَ: " وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا، قَالُوا نحون أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا.
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَت من الغابرين ".
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ".
وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَرْجُو أَن [يجيبوا أَو (١) ] ينيبوا ويسلموا ويفلعوا وَيَرْجِعُوا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَاب غير مَرْدُود " أَيْ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَتَكَلَّمْ فِي غَيْرِهِ ; فَإِنَّهُ قَدْ حُتِمَ أَمْرُهُمْ، وَوَجَبَ عَذَابُهُمْ وَتَدْمِيرُهُمْ وهلاكهم، " إِنَّه قد جَاءَ أَمر رَبك " أَي قد أَمر بِهِ من لايرد أَمْرُهُ، وَلَا يُرَدُّ بِأْسُهُ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
" وَإِنَّهُم آتيهم عَذَاب غير مَرْدُود ".
وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بن إِسْحَق: أَن إِبْرَاهِيم ﵇ جعل يَقُول: أنهلكون قَرْيَة يها ثَلَاثمِائَة مُؤمن [قَالُوا لَا] (٢) стр. 279
قَالَ: فَمِائَتَا مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَأَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِلَى أَنْ قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا لَا.
" قَالَ: إِنَّ فِيهَا لُوطًا، قَالُوا نَحن أعلم بِمن فِيهَا.
" الْآيَةَ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ أَتُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ خَمْسُونَ رَجُلًا صَالِحًا؟ فَقَالَ اللَّهُ: " لَا أُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ خَمْسُونَ صَالِحًا ".
ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى عَشَرَةٍ فَقَالَ اللَّهُ: " لَا أُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ عَشَرَةٌ صَالِحُونَ ".
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَمَّا جَاءَت رسلنَا لوطا سئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عصيب ".
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا فَصَلَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ - وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ - أَقْبَلُوا حَتَّى أَتَوا أَرض سدوم، فِي صور شُبَّانٍ حِسَانٍ، اخْتِبَارًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
فَاسْتَضَافُوا لُوطًا ﵇ وَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَشِيَ إِنْ لم يضفهم أَن يضيفهم غَيره، وحسبهم بشرا من النَّاس، و " سئ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عصيب " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَق: شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ.
وَذَلِكَ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ مُدَافَعَتِهِ اللَّيْلَة عَنْهُم، كَمَا كَانَ يصنع بهم فِي غَيرهم، وَكَانُوا قد اشتطروا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضِيفَ أَحَدًا، وَلَكِنْ رَأَى مَنْ لَا يُمْكِنُ الْمَحِيدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ قَتَادَةُ: أَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يعْمل فِيهَا، فتضيفوا فاستحيا مِنْهُمْ وَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ، وَجَعَلَ يُعَرِّضُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَعَلَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ
стр. 280
عَنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَيَنْزِلُونَ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: [وَاللَّهِ (١) ] يَا هَؤُلَاءِ
مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ: وَكَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ لَا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى شهد عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ من عِنْد إِبْرَاهِيم نَحْو قَرْيَة لُوطٍ، فَأَتَوْهَا نِصْفَ النَّهَارِ، فَلَمَّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ لَقُوا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنَ الْمَاءِ لاهلها، وَكَانَت لَهُ ابنتان: اسْم الْكُبْرَى " ريثا " وَالصُّغْرَى " زغرتا ".
فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَت لَهُم: [نعم (٢) ] مَكَانكُمْ لَا تدْخلُوا حَتَّى آتيكم.
شَفَقَة (٣) عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَرَادَكَ فِتْيَانٌ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، مَا رَأَيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ قَطُّ هِيَ أَحْسَنَ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ.
وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ (٤) نهوه أَن يضيف رجلا [فَقَالُوا: خل عَنَّا فلنضف الرِّجَال (٢) ] .
فَجَاءَ بِهِمْ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ الْبَيْتِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا ; فَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ.
فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات " أَيْ هَذَا مَعَ مَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ الْكَبِيرَةِ الْكَثِيرَةِ، " قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بناتى هن أطهر لكم " يُرْشِدُهُمْ إِلَى غِشْيَانِ نِسَائِهِمْ وَهُنَّ بَنَاتُهُ شَرْعًا ; لَان النَّبِي стр. 281
لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (١) " وفى قَول بَعْضِ الصَّحَابَةِ
وَالسَّلَفِ: وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ: " أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قوم عادون (٢) ".
وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ خَطَأٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَصَحَّفَ عَلَيْهِم كَمَا أخطأوا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُمْ تَعَشَّوْا عِنْدَهُ.
وَقَدْ خَبَّطَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَخْبِيطًا عَظِيمًا.
وَقَوْلُهُ: " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي، أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رشيد؟ " نهى لَهُم عَن تعاطى مَالا يَلِيقُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَشَهَادَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مُسْكَةٌ وَلَا فِيهِ خَيْرٌ، بل الْجَمِيع سُفَهَاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء (٣) .
وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَرَادَ الْمَلَائِكَةُ أَن يسمعوه مِنْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ.
فَقَالَ قَوْمُهُ، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ، مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ السَّدِيدِ: " لقد علمت مالنا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد ".
يَقُولُونَ - عَلَيْهِم لعائن الله - لقد علمت يالوط إِنَّهُ لَا أَرَبَ لَنَا فِي نِسَائِنَا، وَإِنَّكَ لتعلم مرادنا وغرضنا. стр. 282
وَاجَهُوا بِهَذَا الْكَلَامِ الْقَبِيحِ رَسُولَهُمُ الْكَرِيمَ، وَلَمْ يَخَافُوا سَطْوَةَ الْعَظِيمِ، ذِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة أَو آوى
إِلَى ركن شَدِيد ".
وَدَّ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ، أَوله مَنْعَة وشعيرة يَنْصُرُونَهُ عَلَيْهِمْ، لِيُحِلَّ بِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى هَذَا الْخِطَابِ.
وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ".
وَرَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ (١) عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " رَحْمَةُ اللَّهِ على لوط، إِن كَانَ يَأْوِي (٢) إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ - يَعْنِي اللَّهَ عزوجل - فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ".
وَقَالَ تَعَالَى: " وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَو لم نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُم فاعلين ".
فَأَمَرَهُمْ بِقُرْبَانِ نِسَائِهِمْ، وَحَذَّرَهُمُ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وسيآتهم.
هَذَا وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَرْعَوُونَ، بَلْ كُلَّمَا نَهَاهُمْ (٣) يُبَالِغُونَ فِي تَحْصِيلِ هَؤُلَاءِ الضيفان ويحرصون، وَلم يعلمُوا ماحم (٤) بِهِ الْقدر مماهم إِلَيْهِ صائرون وصبيحة ليلتهم إِلَيْهِ منقلبون. стр. 283
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُقْسِمًا بِحَيَاةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سكرتهم يعمهون " وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا
بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ " (١) .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لُوطًا ﵇ جَعَلَ يُمَانِعُ قَوْمَهُ الدُّخُولَ وَيُدَافِعُهُمْ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ، وَهُمْ يَرُومُونَ فَتْحَهُ وَوُلُوجَهُ، وَهُوَ يَعِظهُمْ وينهاهم من وَرَاء الْبَاب، وكل مَالهم فِي إلحاج وإنحاح (٢) ، فَلَمَّا ضَاقَ الْأَمْرُ وَعَسُرَ الْحَالُ قَالَ [مَا قَالَ (٣) ] " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوى إِلَى ركن شَدِيد "، لَأَحْلَلْتُ بِكُمُ النَّكَالَ.
قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: " يَا لُوطُ إِنَّا رسل رَبك لن يصلوا إِلَيْك " وَذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ خَفْقَةً بِطَرَفِ جَنَاحِهِ فَطُمِسَتْ أَعْيُنُهُمْ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهَا غَارَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَحَلٌّ وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، فَرَجَعُوا يتحسسون مَعَ الْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ رَسُولَ الرَّحْمَنِ، وَيَقُولُونَ إِذَا كَانَ الْغَدُ كَانَ لَنَا وَلَهُ شَأنٌ!.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَاب مُسْتَقر " (٤) .
فَذَلِك أَن الْمَلَائِكَة تقدّمت إِلَى لوط، ﵇، آمِرِينَ لَهُ بِأَنْ يَسْرِيَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ.
" وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ "، يعْنى عِنْد стр. 284
سَمَاعِ صَوْتِ الْعَذَابِ إِذَا حَلَّ بِقَوْمِهِ.
وَأَمَرُوهُ أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ فِي آخِرِهِمْ كَالسَّاقَةِ لَهُمْ.
وَقَوله: " إِلَّا امْرَأَتك " عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى من قَوْله: " فَأسر بأهلك " كَأَنَّهُ يَقُول إِلَّا امْرَأَتك فَلَا تشربها، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتَكَ " أَيْ فَإِنَّهَا سَتَلْتَفِتُ فَيُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ.
وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ قِرَاءَةُ الرَّفْعِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ امْرَأَةِ لُوطٍ " وَالِهَةُ "، وَاسْمُ امْرَأَةِ نُوحٍ " وَالِغَةُ " وَقَالُوا لَهُ مُبَشِّرِينَ بِهَلَاكِ هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْعُتَاةِ، الْمَلْعُونِينَ النُّظَرَاءِ وَالْأَشْبَاهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ سَلَفًا لِكُلِّ خَائِنٍ مُرِيبٍ: " إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْح أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب ".
فَلَمَّا خَرَجَ لُوطٌ ﵇ بِأَهْلِهِ، وَهُمُ ابنتاه، لم يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَتَهُ خَرَجَتْ مَعَهُ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا خَلَصُوا مِنْ بِلَادهمْ وطلعت الشَّمْس فَكَانَت عِنْدَ شُرُوقِهَا، جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لايرد، وَمِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّ.
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَمَرُوهُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ فَاسْتَبْعَدَهُ، وَسَأَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا اذْهَبْ فَإِنَّا نَنْتَظِرُكَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَيْهَا وَتَسْتَقِرَّ فِيهَا، ثُمَّ نُحِلَّ بِهِمُ الْعَذَاب.
فَذكرُوا أَنه ذهب إِلَى قَرْيَة " صوعر " (١) الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ: غَوْرُ زُغَرَ، فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْس نزل بهم الْعَذَاب. стр. 285
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمين بِبَعِيد ".
قَالُوا: اقْتَلَعَهُنَّ جِبْرِيلُ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ مِنْ قَرَارِهِنَّ - وَكُنَّ سَبْعَ مُدُنٍ -
بِمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْأُمَمِ، فَقَالُوا إِنَّهُم كَانُوا أَرْبَعمِائَة نسمَة، وَقيل أَرْبَعَة آلَاف (١) نَسَمَةٍ، وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْمُدُنَ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمَاكِنِ وَالْمُعْتَمَلَاتِ.
فَرَفَعَ الْجَمِيعَ حَتَّى بَلَغَ بِهِنَّ عَنَانَ السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ أَصْوَاتَ دِيَكَتِهِمْ وَنُبَاحَ كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا.
قَالَ مُجَاهِدٌ: فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَقَطَ مِنْهَا شُرُفَاتُهَا.
" وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل ".
[وَالسِّجِّيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (٢) ] وَهُوَ الشَّدِيدُ الصُّلْبُ الْقَوِيُّ، " مَنْضُودٍ " أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ.
" مُسَوَّمَةً " أَيْ مُعَلَّمَةً مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجْرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْبِطُ عَلَيْهِ فَيَدْمَغُهُ، كَمَا قَالَ: " مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ للمسرفين " وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مطر الْمُنْذرين "، وَقَالَ تَعَالَى: " وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فبأى آلَاء رَبك تتمارى " يَعْنِي (٣) قَلَبَهَا فَأَهْوَى بِهَا مُنَكَّسَةً عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَغَشَّاهَا بِمَطَرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، مُتَتَابِعَةٍ، مسومة مرقومة عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ ; مِنَ الْحَاضِرِينَ مِنْهُمْ فِي بَلَدِهِمْ، وَالْغَائِبِينَ عَنْهَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَالنَّازِحِينَ وَالشَّاذِّينَ مِنْهَا.
وَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ مَكَثَتْ مَعَ قَوْمِهَا، وَيُقَالُ إِنَّهَا خرجت مَعَ زَوجهَا следующие страницы →