يعلمون أنها قامت على شفا جرف هار مملوءة بالخداع والتضليل، وتبييت النية السيئة لغيرهم من البشر.
فإن من كانت نيته طيبة ومبادئه سليمة لا يتخوف من أحد أن يطلع عليها، بل يفرح بكثرة المطلعين، كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة الذين يتمنون لو أن أهل الأرض كلهم يدرسون مبادئهم ويطلعون عليها، بل إنهم بالعكس يشعرون دائماً بالمرارة من محاربة علماء السوء والزعماء الضلال لأفكارهم التي هي تبع لأوامر الله ونواهيه في كتابه الكريم.
وسبب تلك العداوة من قبل أولئك الضلال المنتفعين أنهم يعلمون تماماً أن العقيدة الصحيحة حينما تصل إلى قلوب أتباعهم تحول فوراً بينهم وبين الخضوع والسجود لأولئك الطغاة. ومنا هنا كانت السرية هي أهم ما يطلب به الداخل في ملّتهم.
وقد جاء في الهفت الشريف من الحث على لزوم الكتمان ما رواه المفضل الجعفي عن رجل انتهى من تكرار التناسخ أنه قال له: ((وأوصيك يا أخي ونفسي بكتمان سر الله تعالى وباطني مكنونة إلا من إخوانك الموحدين المقربين بمعرفة العلي الأعلى، ثم غاب عني فقال الصادق: لقد أتاني في هذا الأسبوع ثلاث مرات فسلم علي وأنا فيكم ولا تعرفونهم)) (١) .
وقال الصادق للمفضل كما يرويه صاحب الهفت: ((يا مفضل لقد أعطيت فضلاً كثيراً وتعلمت علماً باطناً فعليك بكتمان سر الله ولا تطلع عليه إلا ولياً مخلصاً، فإن فشيته إلى أعدائنا فقد أعنت على قتل نفسك)) (٢) .
стр. 527
ويسمى صاحب ((الهفت)) المسلمين كلهم بأنهم أنجاس ورعاع إلا من دخل في ضلالته وذلك في قوله: ((وأن هذا العلم يا مفضل سر الله ومكنون خزائنه الذي لم يطلع عليه أحد من عباده إلا الأولياء المختصون، وواجب أن لا يتطلع (هكذا) على هذا العلم الرعاع الأنجاس ثم قرأ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (١) .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 528
الفصل السادس
طريقتهم في تعليم مذهبهم
تعليم المرأة:
المرأة النصيرية -إلا من خرجت عن تعاليمهم -تعتبر من أجهل نساء العالم؛ إذ إن التعاليم النصيرية تقضي بعدم جواز اطلاع المرأة على أي سر من أسرار المذهب؛ لأنها في نظرهم ضعيفة العقل والإرادة، ولأنها أكثر شراً من الرجل وأكثر احتيالاً ومكراً، وهن سبب كل شر- كما صرح بذلك الهفت الشريف المقدس عندهم-، والجهل بمذاهبهم هو العلم وإنما أقصد أنها أكثر النساء أمية.
فالمرأة النصيرية إذاً لا دين لها (١) وفي كتابهم المذكور وصايا عديدة حول الاحتراس من المرأة، وذكر المساوئ الكثيرة التي تصدر عنها وأن الرجل قد يجازى أيضاً بالتناسخ بأن يتحول إلى صورة امرأة عقاباً له إذا كان في حياته السابقة غير مؤمن -أي غير نصيري-، أو كانت عليه ذنوب كثيرة في حق إخوانه النصيريين، أو لم يحترم المشائخ ويقدم لهم الهدايا وأنواع المأكولات)) (٢) .
стр. 529
وقد ذكر المفضل الجعفي عن الصادق - وهو من جملة أكاذيبهم عليه - أنه قال في وجوب الحفاظ على سرية المذهب: ((كذلك الكافرون ينحطون من درجة الرجال حتى يصيرون عامة نساء كافرات)) قال المفضل: يا مولاي روي عن أبيك أنه قال: النساء أشر من الرجال، وأكثر احتيالاً ومكراً، قال الصادق: يا مفضل إن أصل كل شر النساء، وحين أخرج أبونا آدم من الجنة (١) كان بسبب حواء حين أغواه ضده على أكل الحبة.
وكذلك قتل قابيل أخاه هابيل بسبب النساء، ألم تسمع كلام الله في كتابه الكريم عن امرأة نوح ولوط وكيف خانتاهما (٢) ، وكذلك قتل يحيى بن زكريا بسبب امرأة باغية، وقد قال النبي وأبلغ في القول وأزجر في المعنى حين نظر في النار فرأى أكثر أهلها نساء. ثم قال الصادق:
كيف لا يكون ذلك وهم (٣) عايلة وأقوى كيداً من الرجال، وقال تعالى وقال منه السلام (٤) والشياطين مَنْ إلا امرأة، وأن الإنسان إذا ارتقى في كفره وعتوه وتمرد وتناهى في ذلك صار إبليساً وردّ في صورة امرأة، قلت: سبحان الله يا مولاي! ما علمت ذلك ولا ظننت أنه يبكيني (٥) .
قال الصادق: ألم تقرأ في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٧) إذ هم صور النساء، قلت صدق مولاي)) (٨) .
стр. 530
ومن هذه النظرة المتشائمة للنساء فإنه لا أمل في صلاحها ويجب إبعادها عن كل أمر مهم ومنه سر الديانة. أما في الإسلام فلا أحد يجهل مكانة المرأة العالية؛ حيث جعلها راعية ومسئولة، وأن الله لا يضيع عمل عامل سواء كان ذكراً أو أنثى، وأن المرأة مكلفة بنفس التكاليف التي أمر بها الرجل، إلا ما استثنى لضرورة المرأة، وجعل لها حق التملك وطلب منها إخراج زكاة مالها ورغبها في الصدقة وفعل الخير، بل وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات (١) وأوصى الله بطاعتها: وقرنها بطاعته.
إلى غير ذلك مما هو معروف في الإسلام مما ينبغي أن يطأطئ له دعاة تحرير المرأة رؤوسهم حياءً وإكباراً له، وإجلالاً لمبادئه التي يجهلونها تمام الجهل، ثم يتهجمون عليه بأنه ظلم المرأة حقوقها، وما لهؤلاء السفهاء للخوض في ما لم يحيطوا بعلمه فليقرءوه أولاً وليقرءوا كلام العقلاء من منصفي سائر الملل ليروا أنفسهم المتطاولة وصغرها أمامه.
تعليم الرجل سر الديانة:
وبعد أن أوجزنا موقف النصيرية من تدين المرأة، نوجز فيما يلي كذلك موقفهم من تدين الرجل أو تعليمه للدين النصيري حين يظهرونه عليه بعد ذلك التكتم الشديد. ولما كانت العقيدة النصيرية من أردأ المذاهب وأشدها توغلاً في الباطل، لم يأنسوا من إظهار مذهبهم صراحة حتى من بعضهم لبعض إلا بعد تعقيدات واختبارات شديدة يذلل من خلالها ويتجرع أشد أنواع الإذلال والإهانة.
إذ يتم دخوله في المذهب بطريقة فاحشة يتم من خلالها القضاء على كل عرق ينبض بالرجولة والشهامة فيه، وتداس كرامته وينتهك عرضه.
стр. 531
فحينما يحضر التلميذ يختار الشيخ الذي سيلازمه من بين مجموعة المشائخ الموجودين ويسمونه الوالد الروحي أو الوالد الديني، ثم يغرسون في نفس التلميذ تقديس شيخه والتواضع له تواضعاً مطلقاً أشبه ما يكون بالقاعدة الصوفية، ((كالميت بين يدي الغاسل)) .
ومن الطرق التي يتوسلون بها إلى إذلال الشخص، أنه حينما يدخل يقف في ناحية وهو ساكت لا يتكلم بشيء وأحذية المشايخ مرفوعة فوق رأسه، ثم يتكلم شيخه لبقية المشايخ ويتوسل إليهم أن يقبلوا هذا الشخص الماثل أمامهم ويدخلوه في زمرتهم، فإذا قبله المشائخ أنزلت الأحذية من فوق رأسه، ثم يأخذ في تقبيل أيدي وأرجل الحاضرين من المشايخ.
ثم يقف في مكانه ويوضع على رأسه خرقة بيضاء، ثم يأخذ الشيخ في قراءة العقد الذي سيتم بين التلميذ وبين المشايخ، وهو أشبه ما يكون بعقد الزواج، ويعتبرون هذا بمثابة الخطبة، ويعتبرون الكلام الذي يسمعه بمثابة النكاح، وما يتحمله من العلم عنهم بمثابة الحمل، فإذا علم وأراد التعليم فإن ذلك يكون بمثابة الوضع.
وبعد أن تتم هذه المرحلة يقال للتلميذ: يجب عليك أن تكرر في اليوم خمسمائة مرة بحق ع. م. س لمدة يحددونها، ثم بعد ذلك يأتي إليهم ليتم تعليمه المذهب بعد اختبارات قاسية يرضى فيها بكل شيء حتى ولو بإهدار رجولته (١) .
وفيما يلي نشير إلى أهم الشروط في تعليم المذهب النصيري:
١- يشترطون في من يلقى إليه تعليم المذهب أن يجتاز سن التاسعة عشرة (٢) .
٢- أن يمر بالمراحل الآتية على التدريج:
стр. 532
المرحلة الأولى: وتسمى مرحلة الجهل. وفيها يهيئون من يقع عليه الاختيار من أبناء الطائفة لقبول وحمل أسرار المذهب.
مرحلة التعليق: وفي هذه المرحلة يلقنونه شيئاً من تعاليم المذهب، ويبقى مدة سنة إلى سنتين تحت إشراف شيخ من شيوخ الطائفة ليطلعه على شيء من أسرار المذهب بالتدريج، فإذا توسموا فيه القبول والنجابة نقلوه إلى المرحلة الثالثة الآتية وإلا طردوه.
مرحلة السماع: وهي الدرجة العليا، ويطلعونه فيها على أكثر أصول المذهب النصيري، ثم يعقد الرؤساء الروحيون للطائفة مجمعاً خاصاً لتلقينه بقية أسرار المذهب، ثم ينقلونه إلى درجة أعلى يطلقون عليه درجة الشيخ أو صاحب العهد.
ويتم ذلك بحضور الكفلاء، والشهود يشهدون باستعداد الرجل لقبول السر ومحافظته عليه، ثم يحلف اليمين المقررة عندهم أن يحافظ على السر ولو أريق دمه. وبعد حصوله على هذه الدرجة يصبح شيخاً من شيوخ الطائفة (١) .
ومما يجدر التنبيه إليه أن التلميذ دائماً وهو بين أيدي المشايخ لا يلقى إليه شيء من تعاليم المذهب الملتوية إلا في غياب عقله وتفكيره عنه؛ ليقبل تلك العقائد التي تشمئز منها النفس ويمجها العقل وتأنف منها الفطرة السليمة، فعبد النور تسمية الخمر عندهم في يد الساقي وهالة من الموقف، وتهديدات من هنا ومن هناك، وكل هذه الأهوال يعيشها الشخص حتى تستكمل
стр. 533
إجراءات تفهيمه المذهب في جو غير طبيعي.
وقد وصف أحد الداخلين في العقيدة النصيرية الموقف والحال المتبع عند دخول الشخص الذي يرتضونه لتحمل سر الديانة واسمه مخلوف، فقال مخبراً عن ذلك كما يصوغه محمد حسين:
((وفي اليوم المحدد اجتمع من المشائخ وأهل القرية والقرى المجاورة جمهور كثير، واستدعوني إليهم وناولني قدح خمر (١) ، ثم وقف أحد المشائخ وهو برتبة النقيب في الديانة النصيرية ووقف بجانبي وقال لي: قل: بسرّ إحسانك يا عمي وسيدي وتاج رأسي أنا لك تلميذ وحذاؤك على رأسي، ولم أجد بداً من شرب الخمر لأول مرة في حياتي، فلما شربت الكأس التفت إلى الإمام قائلاً: هل ترضى أن ترفع أحذية هؤلاء الحاضرين على رأسك إكراماً لسيدك؟ فقلت: كلا، بل حذاء سيدي فقط، فضحك الحاضرون لعدم قبولي القانون، ثم أمروا الخادم فأتى بحذاء السيد المذكور فكشفوا رأسي ووضعوه عليه، وجعلوا على الحذاء خرقة بيضاء.
ثم أخذ النقيب يصلي على رأسي وأوصوني بالكتمان وانصرفوا إلى أن يقول: ثم بعد أربعين يوماً اجتمع جمهور آخر واستدعوني إليهم ووقف الشيخ الكبير بجانبي وبيده كأس خمر فسقاني الكأس وأمرني بأن أقول سر ع. م. س، ثم بعد ذلك قال لي الإمام: إنه فرض عليك أن تتلو هذه اللفظة وهي سر ع. م. س كل يوم خمسمائة مرة، ثم أوصوني بالكتمان وانصرفوا.
ثم بعد سبعة أشهر- والمدة للعامة تسعة أشهر٠ اجتمع جمهور (٢) آخر أيضاً
стр. 534
واستدعوني حسب عادتهم وأوقفوني بعيداً عنهم -ثم قام هؤلاء بمهازل أمامه وطقوس، ثم قام وكيل من بين الجماعة وقال للإمام: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام. فقال له الإمام: ما مرادك وماذا تريد؟ فأجابه أنه تراءى لي شخص بالطريق- إلى أن قال: هذا الشخص اسمه مخلوف، وقد أتى ليتأدب أمامكم.
فقال: من دله علينا؟ فأجاب: المعنى المعنى والاسم العظيم والباب الكريم وهي لفظة ع. م. س، فقال الإمام: ائت به لنراه، فأخذ المرشد بيدي وذهب بي إلى الإمام، فلما دنوت منه مدَّ لي رجليه فقبلتهما، ويديه أيضاً، وقال لي: ما حاجتك وماذا تريد أيها الغلام؟ ثم نهض النقيب ووقف بجانبي وعلمني أن أقول: ((بسر الذي فيه أنتم يا معاشر المؤمنين)) .
ثم نظر إليّ بعبوسة وقال: ما الذي حملك أن تطلب منا السر المكلل باللؤلؤ والدر ولم يحمله إلا كل ملاك مقرب أو نبي مرسل؟ اعلم يا ولدي أن الملائكة كثيرون ولا يحمل هذا السر إلا المقربون، والأنبياء كثيرون وليس منهم من يحمل هذا السر إلا الممتحنون، أتقبل قطع الرأس واليدين والرجلين ولا تبيح بهذا السر العظيم؟ فقلت له: نعم. فقال لي: أريد منك مائة كفيل، فقال الحاضرون: القانون يا سيدنا الإمام -فقال: إكراماً لكم ليكن اثنا عشر كفيلاً. ثم قام المرشد الثاني وقبل أيدي الاثني عشر كفيلاً وأنا أيضاً قبلت أيديهم.
ثم نهض الكفلاء وقالوا: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام. فقال الإمام: ما حاجتكم أيها الشرفاء؟ قالوا: أتينا لنكفل مخلوفاً. فقال: إذا باح بهذا السر أتأتوني به نقطعه تقطيعاً ونشرب دمه؟ فقالوا: نعم. فأجاب وقال: لست أكتفي بكفالتكم فقط؛ بل أريد اثنين معتبرين يكفلانكم.
فجرى واحد من الكفلاء وأنا وراءه، وقبَّل أيدي الكفيلين المطلوبين،
стр. 535
وقبلتهما أنا أيضاً، ثم نهضا قائمين وأيديهما موضوعة على صدريهما، فالتفت إليهما الإمام وقال: الله ممسيكما بالخير أيها الكفيلان المعتبران الطاهران أهل البرش والكرش، فماذا تريدان؟ فأجابا أننا قد أتينا لنكفل الاثني عشر كفيلاً وهذا الشخص أيضاً، فقال: إذا هرب قبل أن يكمل حفظ الصلوات أو باح بهذا السر هل تأتياني به لتعدم حياته، فقالا: نعم، قال الإمام: إن الكفلاء يفنون وكفلاء الكفلاء يفنون، وأنا أريد منه شيئاً لا يفنى. فقالا له: افعل ما شئت فالتفت إليّ وقال:
ادن يا مخلوف فدنوت منه، وحينئذ استحلفني بجميع الأجرام السماوية بأني لا أبوح بهذا السر، ثم ناولني كتاب المجموع في يدي اليمنى وعلمني النقيب الواقف بجانبي أن أقول: تفضل حلفني، يا سيدي الإمام على هذا السر العظيم، وأنت بريء من خطيئتي. فأخذ كتاب المجموع مني وهو مكتوب بالخط اليدوي ... إلى أن يقول: ثم قال الإمام: اعلم يا ولدي أن الأرض لا تقبلك فيها مدفوناً إن أبحت بهذا السر، ولا تعود تدخل القمصان البشرية، بل حين وفاتك تدخل قمصان المسوخية، وليس لك منها نجاة أبداً.
ثم أجلسوني بينهم وكشفوا رأسي ووضعوا عليه غطاءً. ثم إن الكفلاء وضعوا أيديهم على رأسي وأخذوا يصلون فقرءوا أولاً سورة الفتح والسجود والعين ثم شربوا الخمر وقرءوا سورة السلام، ورفعوا أيديهم عن رأسي (١) .
وأخذني عم الدخول وسلمني إلى مرشدي الأول، ثم أخذ بيده كأس الخمر وسقاني وعلمني أن أقول: ((بسم الله - يسمي الله على شرب الخمر!! - وبالله وسر السيد أبي عبد الله العارف بمعرفة الله سر تذكار والصالح سره أسعده الله)) .
стр. 536
ثم انصرفت الجماعة وأخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته وابتدأ يعلمني أولاً التبري - وهو الشتائم- وحينئذ أطلعني على صلاة النصيرية وفيها عبادة علي بن أبي طالب، وهي ست عشرة سورة)) (١) .
وقد دعاني ترابط الكلام سرد ما جري لمخلوف مع محاولتي الاختصار وترك ذكر بعض الأمور، خصوصاً وأن المخبر كشاهد عيان كما يقال في المثل.
ومن الواضح جداً أن القائمين على تعاليم المذهب مجموعة أو شركة من اللصوص سراق عقول البشر، همهم الزعامة وجمع الأموال بأي وجه كان، ووجدوا في أشباه البشر من يصدقهم في ترهاتهم وأباطيلهم التي تبدأ بترداد ع. م. س وتنتهي بعبادة غير الله ، إنها مهازل يندى لها الجبين قام بها عتاة المجوسية عباد الأوثان، واقتطعوا أمماً بتلك المسالك الشيطانية وأخرجوهم عن دينهم.
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 537
الفصل السابع
أهم عقائد النصيرية
للنصيرية عقائد كثيرة بعضها ظاهر وبعضها -وهو الأكثر- لا يزال في طي الكتمان، وقد اتضح أن أهم عقائدهم وأبرزها:
١- تأليه علي ﵁ .
ولا تستبعد وقوع هذا فإن هؤلاء من أساسهم كانوا عباد أوثان وعباد بقر وفروج، وبعد أن دخلوا في الإسلام أو على الأصح تظاهروا به كان من أبرز عقائدهم: تأليه الإمام علي ﵁، زاعمين أنه إمام في الظاهر وإله في الباطن لم يلد ولم يولد، ولم يمت ولم يقتل، ولا يأكل ولا يشرب.
وبحسب اعتقادهم أن الله تجلى في علي فقد اتخذ علي محمداً وبالغوا في كفرهم فقالوا: إن علياً خلق محمداً، ومحمد خلق سلمان الفارسي، وسلمان خلق الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السموات والأرض وهم:
١. المقداد: رب الناس وخالقهم الموكل بالرعود والصواعق، والزلازل.
٢. أبو الدر: (أبو ذر الغفاري) الموكل بدوران الكواكب، والنجوم.
٣. عبد الله بن رواحة الأنصاري: الموكل بالرياح وقبض أرواح البشر.
٤. عثمان بن مظعون: الموكل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان.
٥. قنبر بن كادان: الموكل بنفخ الأرواح في الأجسام (١) .
стр. 538
والمجوسية ظاهرة في هذه الأفكار لم يتغير فيها إلا الأسماء فقط.
وهذه الأقوال يكفي واحد منها لدحض ما يزعمونه من إسلام، فهي نهاية الكفر والخروج عن منهج الله .
ويحتج النصيريون لهذه العقيدة بقولهم: إن الله معبود مقدس يحل في الأجسام متى يشاء، وله التصرف، وإليه ترجع الأمور.
وعلي ﵁ وحاشاه عن كفرهم - حين زعموا أنه إمام في الظاهر وإله في الباطن قسموا طبيعته إلى قسمين: الظاهر وهو القسم البشري منه قسم الناسوت الذي يأكل ويشرب ويلد ويولد ويتقرب إلى عباده ليعرفوه عن كثب.
وأما الباطن منه فهو قسم اللاهوت: الذي لا يأكل ولا يشرب.
ومن حماقتهم أنهم يستدلون على ألوهية علي بما حصل له من كرامات كقلع باب خيبر، وشجاعته الحربية، وزعموا أن كان يكلم الجن، وأن الرسول ﷺ أسند إليه قتال الكفار الظاهرين، وعلي أسند إليه قتال المنافقين، لأنه يعرف البواطن.
وقد اختلفوا في مكان حلوله بعد أن ترك ثوبه الآدمي أي صورته البشرية.
* فمنهم من يتجه إلى القمر في عبادته لاعتقاد أنه حل فيه، بل القمر نفسه هو علي، وهؤلاء يسمون الشمالية.
* ومنهم من يتجه إلى الشمس في عبادته لاعتقادهم أنه حل فيها، بل الشمس نفسها هي علي، وهؤلاء يسمون الكلازية (١) ، ومن هنا قال مدير مدرسة نصيري حينما سمع بوصول رواد الفضاء من الأمريكان وغيرهم إلى سطح القمر -بزعمهم- ((إن كان ما ذكروه حقاً أن القمر مكون من جمادات فعلى الدين السلام، وغضب لربه وقال في ذمه لهذه الكشوفات عن القمر: ((الآن ينتهي مفعول الدين إذا أثبتت هذه الكشوف كونه مجموعة من التلفيقات)) (٢) .
стр. 539
بينما المسلم الحق لا يتأثر في دينه ولو دخل الناس النجوم الواحد تلو الآخر؛ بل يقول: هذا من تمكين الله لهم لا بقدرتهم، ولا يغضب؛ لأنه يعلم أن ربه هو خالق الكون وما فيه، وأنه هو الذي يمكن عباده من كل ما يشاءه تعالى.
ويؤكد صاحب الهفت الشريف أنه ((ما من مؤمن يموت إلا وتحمل روحه إلى الإمام علي فينظر فيها، فإذا كان مؤمناً ممتحناً صافياً صعدت الملائكة بروحه إلى السماء فتغمسها في عين على باب الجنة اسمها عين الحياة)) الخ (١) .
ويقول عن الأئمة:
((نحن الأئمة أولياء الله لا يفتر علينا من علمه شيء لا في الأرض ولا في السماء، نحن يد الله وجنبه، ونحن وجه الله وعينه، وأينما نظر المؤمن يرانا. إن شئنا شاء الله -ولا تلقه إلا إلى أهله- والحمد لله الذي اصطفانا من طينة نور قدرته، ووهبنا سر علم مشيئته ... إلخ)) (٢) .
ويتجلى تأليههم للإمام علي ﵁ في تلك الأدعية الركيكة الخالية عن العقل وعن أدنى المعرفة، والتي تسمى ((سوراً)) عندهم.
جاء في السورة الثالثة: ((اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل، يا علياً يا عظيم يا أزل يا فرد يا قديم، يا علي يا كبير يا أكبر من كل كبير، يا خالق الشمس والقمر المنير، يا علي يا قدوة الدين يا عالم يا خبير، يا راحم الشيخ الكبير يا منشئ الطفل الصغير، يا جابر العظم الكسير يا محل كل يسير من غير عسير الذي يعرف المعرفة وينكرها عليه وعلى أبو دهية (٣) ما يستحق من الله،
стр. 540
وعلى أبو سعيد السلام ورحمة الله)) (١) .
وفي سورة السجود: ((يا علي سجد لك وجهي الفاني البالي إلى نور وجهك العزيز الحي الدائم ... يا علي لك الإلهية يا علي لك الملكوتية ... إياك مولاي علي نعبد)) (٢) إلخ ذلك الهراء الطويل.
وفي سورة الإشارة:
((لله ارتفاع القصد والعزة والإشارة لك يا مولاي يا أمير المؤمنين يا علي يا أنزع يا بطين (٣) يا محيي العظام الدوارس وهي رميم اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير المؤمنين أن تجعلنا في عبادتك كاسبين غانمين مؤيدين منصورين، ولا تجلعنا في عبادتك لا خاسرين ولا نادمين)) (٤) وما أحراهم بنهاية الخسارة والندامة، ولو كانت لهم عقول لما جمعوا لعلي ﵁ بين الألوهية والإمارة.
وجاء في السور الكبيرة:
((أول معرفتي بالله أشهد شهادة تقية نقية مشعشعة نورانية بيضية علوية حجابية محمدية، أشهد شهادة الحق في منهج الصدق، أشهد شهادة بأن لا إله إلا مولاي ومولاك أمير النحل علي، ولا حجاب إلا السيد محمد ولا باب إلا السيد سلمان ... وأشهد أن الله علي ربي يحييني ويميتني، وهو الحي الذي لا يموت (٥) بيده الخير وهو على كل شيء قدير وإليه المصير)) (٦) .
стр. 541
ويظهر الأثر اليهودي واضحاً في السورة السادسة عشرة المسماة سورة النقباء، وفيها: ((سر اثني عشر نقيباً، سر ثمانية وعشرين نجيباً، سر أربعين قطباً أولهم عبد الله بن سبأ، وآخرهم محمد بن سنان الزاهري ... سر عبد الله بن سبأ نقيب النقباء، سر محمد بن سنان الزاهري نجيب النجباء، سرهم أسعدهم الله أجمعين في أربع أقاليم الدنيا والدين بحق الحمد لله رب العالمين)) (١) .
إلى آخر هذه الخزعبلات والسور التي تحوي مثل ذلك الكفر والإجرام والتعابير الركيكة التي لا تمت إلى العقل والمعرفة بأدنى صلة، لقد فاق هؤلاء بلادة الحمير وكل المخلوقات، وكانوا أضل من الأنعام.
وهناك نصوص أخرى تركتها خشية الإطالة، تنضح مجوسية وإلحاداً، مما يدل دلالة قاطعة على أن الذين وضعوا الديانة النصيرية كانوا متشبعين بالمجوسية، ولهم اطلاع على كل الديانات من يهودية ونصرانية وهندوسية وغير ذلك.
وقد أضافوا إلى ألوهية علي وحلول الإله فيه أن الإله حل أيضاً في سائر الأئمة من بعد علي، ومن ذلك ما قالوه في مقتل الحسين مما نقلناه سابقاً عن الهفت الشريف وزعمهم فيه أن الحسين هو الله رب العالمين، بل إنهم يعتقدون جازمين أن الأئمة أفضل من كل الأنبياء، لأن الأئمة بزعمهم يكلمون الله بدون واسطة والأنبياء بواسطة.
وقد اقتبسوا هذه الأفكار الخاطئة عن الشيعة الاثني عشرية، وهؤلاء أخذوها عن ابن سبأ اليهودي، ومن العجب أنهم مرة يجعلون الإمام علياً إلهاً، ومرة أخرى يجعلونه نبياً، ومرة أخرى يستدلون على فضائله بكلام الله في القرآن يحرفونه بأقوال مكذوبة عن الرسول ﷺ ، ولهذا خرج الكثير من
стр. 542
شبابهم بسبب هذا الخلط والاضطراب الفكري إلى الإلحاد الماركسي (١) .
وبعد أن استوثق هؤلاء الفجار من قبول الطغام الذين هم على شاكلتهم بكل ما جاءوهم به من الكفر والإلحاد دون اعتراض طمع هؤلاء في دعوى الألوهية بعد أن استهانوا بأمرها لكثرة المتألهين في مبادئهم، بحجة أن الله -تعالى عن جهلهم- يحل في من يشاء من عباده.
وقد ادعى رجل منهم الألوهية في هذا الزمن (٢) حين كانت فرنسا مستعمرة للشام وتخطط لإحياء الجهل وطمس الدين بأي وسيلة كانت؛ لتبقى أطول مدة تحكم فيها بلاد المسلمين فوقع اختيارهم على دمية نصيري من سوريا يسمى سلمان المرشد، فأوصل نفسه إلى رتبة الألوهية- لأن الله تقمص به- وآمن به واتبعه كثير من النصيريين.
وقد مثل المهزلة تمثيلاً جيداً فكان كما يذكر في تاريخه يلبس ثياباً فيها أزرار كهربائية، ويحمل في جيبه بطارية صغيرة متصلة بالأزرار، فإذا أوصل التيار شعت الأنوار من الأزرار فيخر له أنصاره ساجدين حين يرون طلعته الشقية.
ومن الطريف أن المستشار الفرنسي الذي كان وراء هذه الألوهية المزيفة كان يسجد مع الساجدين ويخاطب سلمان المرشد بقوله: يا إلهي، وبعد أن ادعى الألوهية كان عليه أن يرسل الرسل، وهذا ما حصل بالفعل فقد اتخذ
стр. 543
سلمان المرشد رسولاً اسمه سلمان الميده، وكان يشتغل جمَّالاً عند أحد المزارعين في حمص، في حين كان سلمان المرشد مدعي الألوهية راعي أبقار، وهكذا يكون الإله راعياً والرسول جمَّالاً كما يذكر الحلبي.
قال أبو الهيثم: ((لقد جاء يوم على المرشدية كانت فيه سيفَ الفرنسيين المصلت على رقبة كل وطني في هذه المحافظة -يقصد اللاذقية-، وكان ذلك عام ١٩٣٨م، إذا أقام ربها سلمان نفسه دولة ضمن دولة يفرض الإتاوات ويجبي الضرائب وينصت المحاكم وينفذ أحكام الإعدام ويقطع طرق المواصلات إلخ (١) .
وحين رحل الفرنسيون عن سوريا في مواكب العار- كما سماها أبو الهيثم- وذلك سنة ١٩٣٨م- ترك له هؤلاء من أسلحتهم ما أغراه بالعصيان، فجردت الحكومة السورية آنذاك قوة بقيادة محمد علي عزمة فتكت ببعض أتباعه واعتقلته مع آخرين ثم أعدم شنقاً في دمشق عام ١٩٤٦م.
وقد سئل مرة قبل هلاكه فقيل له: أنت إله وأغاخان إله فكيف تتسع الأرض لإلهين؟ فأجاب بقوله: ((إن الخالق يبث روحه فيمن يشاء، وقد يبثها في مائة من مخلوقاته فيصيبون أرباباً مثلي)) (٢) .
وقال عنه أبو الهيثم: ((العجيب في أمر سلمان أنه لم يكن ليصرح بمزاعمه الإلهية خارج حدود نفوذه قط، وقد مثل منطقته في البرلمان السوري كأي نائب -من غير الناطقين، فلم يسمع منه أي تصريح أو تلميح لما يقول فيه أتباعه، وأذكر أنني اجتمعت به وسألته عن هذه الدعوى التي تشيع عنه
стр. 544
فأنكرها أشد الإنكار، وشهد على نفسه بالإسلام.
وقد قال لي يومئذ: إن كل مهمته في جماعته هي أن يحاول تنظيم أمورهم على أساس الإسلام، وعدّد بعض أعماله الإصلاحية هناك مما لا غبار عليه..غير أن الواقع أن الرجل كان أذكى من أن يصرح بغير هذا أمام أي عاقل خارج جماعته)) (١) .
وبعد هلاك هذا المتأله ألّه أتباعه ابنه مجيب الأكبر بن سلمان المرشد، وقد قتل هذا أيضاً، ولكن استمر أتباعه على تأليهه، ومن حماقاتهم وخبثهم على المسلمين وزعمائهم أنهم يقولون عند ذبح أحدهم ذبيحته: باسم مجيب الأكبر من يدي لرقبة أبي بكر وعمر (٢) ، ومن هنا فإنه لا يجوز لأي مسلم إذا مر بديارهم أن يأكل من ذبائحهم.
ومن العلماء من يذكر أنهم الآن يريدون تأليه أحد أخوة مجيب الذين لا يزال لهم نفوذ عند جهلاء النصيرية (٣) ؛ بل ويصرحون بتمسكهم بالمرشدية، يقول أبو الهيثم: فالمرشدي لا يكتم عقيدته في تأليه سلمان وأبناءه الذين أعدهم ذلك الأب (البار) لمنصب الألوهية منذ أن اختار لهم بعض أسماء الله الحسنى (فاتح، سميع، مجيب) (٤) .
وقد أصبح من المألوف أن تسمع هذا المرشدي يدافع عن عقيدته باسم حرية الفكر، ولهم صلاة يسمونها الصلاة المرشدية وينسبونها إلى مجيب الأكبر، يقولون فيها: تسبيح إلى مولانا مجيب بن سلمان المرشد الرب العظيم.
стр. 545
مولانا لك العزة والمجد والتهليل والتكبير، سبحانك ربنا إنك كريم رحيم، يا مولانا يا مجيب المرشد، سبحانك أنت الرب العظيم، إلى آخر الدعاء الذي اشتمل على صدق اللجوء إلى هذا الرب المخترع، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وينص النصيريون في دعائهم ويلحون على أن الله تعالى يرزقهم بجنود غرباء عنهم وعن وطنهم، يأتون إليهم من جهة الغرب لينقذوهم من حكامهم المسلمين.
وقد وصف الأستاذ الشكعة هذه الإشارات في دعائهم إلى أنها دعوة لفرنسا المستعمرة لتثبت أقدامهم في بلادهم (١) . يقول أبو الهيثم: ((ثبت بصورة قاطعة أن المرشدية على صلة وثيقة بالإرسالية البروتستانية الأمريكية في اللاذقية، وهل صلة مريبة لا شك أن وراءها أصابع السياسة الأمريكية وبكلمة أوضح أصابع الصهيونية العالمية)) (٢) .
٢- القول بالتناسخ:
هذه أهم قضية في عقائد النصيرية، ويعود سبب تعلقهم بالتناسخ إلى أنهم لا يؤمنون بيوم القيامة ولا بالحساب ولا الجزاء في الآخرة، وقد بين النوبختي فكرة التناسخ عند القائلين بها فقال: ((هم أهل القول بالدور في هذه الدار وإبطال القيامة والبعث والحساب، وزعموا أن لا دار إلا الدنيا، وأن القيامة إنما هي خروج الروح من بدن ودخوله في بدن آخر غيره إن خيراً فخير وإن شراً فشراً.
وأنهم مسرورون في هذه الأبدان أو معذبون فيها، والأبدان هي الجنان
стр. 546
هي النار، وأنهم منقولون في الجسام الحسنة الإنسية المنعمة في حياتهم ومعذبون في الأجسام الرديئة المشوهة من كلاب وخنازير وحيات وعقارب وخنافس وجعلان محولون من بدن إلى بدن معذبون فيها، هكذا أبد الأبد فهي جنتهم ونارهم لا قيامة ولا بعث، ولا جنة ولا نار غير هذا، على قدر أعمالهم وذنوبهم وإنكارهم لأئمتهم ومعصيتهم لهم)) إلخ (١) .
والتناسخ حسب معتقد النصيرية في أربع صور حسب قرب الشخص أو بعده عن الإيمان وطاعة الأئمة أو عصيانهم، وهي كما يلي: نسخ، مسخ، فسخ، رسخ.
١. أما النسخ: فهو انتقال الروح من جسم آدمي إلى جسم آدمي آخر.
٢. وأما المسخ: فهو انتقال الروح من جسم آدمي إلى جسم حيوان.
٣. وأما الفسخ: فهو خروج الروح من جسم آدمي إلى جسد حشرة من حشرات الأرض وهوامها.
٤. وأما الرسخ: فهو انتقال الروح من جسم آدمي إلى الشجر والنبات والجماد (٢) .
ومن الجدير بالذكر أن بعض الروايات تذكر أن المسخ والفسخ والرسخ لا تصيب النصيري بل هي خاصة بمن عداهم من الناس، الذين يطلقون عليهم الكفرة والذين يمرون في تكرار مولدهم بألوان العقاب والجزاء في هذه الدنيا.
وفي الهفت الشريف نصوص لا يتسع المقام لذكرها كلها هنا في بيان كيفيات التناسخ، وكيفيات العذاب الذي يحل بالكفار عند انتقال أرواحهم من جسم إلى جسم.
стр. 547
يقول في الهفت الشريف: ((وأنه ليلقاك الرجل في بدنه وأنت تظن أنه آدمي، وإنما هو قرد أو خنزير أو كلب أودب (١) ، أي في صورته المسوخية المستقبلة.
قال المفضل: ((سألت مولانا الصادق هل يذل الأعداء من دون الأولياء والأولياء من دون الأعداء في اصطناع الخير والشر فيما كان من أحدهما إلى الآخر، فقال: أما علمت أن المؤمن يكون في الناسوتية والكافر في المسوخية وفي تراكيب شتى حتى يصنع كل واحد منهما إلى الآخر من الخير والشر، مثلما كان يصنع إليه إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر)) (٢) .
وقال عن سبب إيذاء الكلب للإنسان: ((وإن الرجل حينما يمر بالكلب لا يعرفه ولا يكون قد رآه قبل ذلك اليوم، أو ربما يكون الرجل متزوجاً امرأة هذا الكلب، لأنه كان مركباً في الإنسانية وكان مجراه في بادي الأمر مجرى الإنسان؛ فأهلكه الله بعذاب ذبح أو قتل بما وصل إليه من شقاوته في حالة الدنيا، والرجل يكون قد تزوج امرأته وسكن داره ولبس ثيابه يعرفه الكلب في مسوخيته، فإذا نظر إليه نبح ووثب عليه أو عضه في وجهه)) (٣) .
وقال عن انقضاء كل آدم وذريته في مراحل وجودهم: ((إنه حينما ينتهي عمْر أي آدم وذريته يصبحون طوائف طائفة هم أهل المسخ وهم أهل العقاب، وطائفة هم أهل النسخ، وهؤلاء أهل الثواب)) (٤) .
ثم يصير المسخ والنسخ في الجمع الأكبر والدور الآخر ((أي آخر دور كل
стр. 548
آدم وذريته ومنه أبونا آدم الثامن وذريته، كما يعتقدون في سخافاتهم)) ، وعن محمد بن سنان قال: ((ما من طائر يطير إلا له أم وأب وعم وخال، ثم التفت أبو الحسن إلى نجار ينجر بداره فقال: هذا النجار كان في الدور الأول ديكاً وهو اليوم نجاراً)) (١) .
وهناك عشرات النصوص لا تخرج عن هذا الفكر الآسن والسخافات والحماقة التي أنتجتها عقول المجوس وعباد الأوثان.
٣- ومن أهم عقائدهم أيضاً: تقديس الخمر؛ حيث زعموا أن الله تعالى يتجلى فيها وأنها تسمى عبد النور تشريفاً لها، وجعلوا من أكبر الإجرام قلع شجرة العنب.
* * * * * * * * * * * * * * *
стр. 549
الفصل الثامن
عبادات النصيرية
يختلف النصيريون عن المسلمين في العبادات، بل وفي كل شيء، وهذا طبيعي؛ إذ إن تعاليم الإسلام لا يمكن أن تتفق مع التعاليم الوثنية مهما أظهروها بالمظهر الإسلامي، مثل استعمالهم الأسماء الإسلامية، كما قد يتسمون بالأسماء المسيحية أيضاً؛ لكنهم لا يسمحون لأحد منهم أن يتسمى بأفضل أصحاب رسول الله ﷺ كأبي بكر وعمر.
ولأن مذهبهم خليط من شتى الأفكار والديانات كما تقدم، فإن ما ورد في عقيدتهم وكتبهم من كلمات الصلاة والحج والزكاة والصيام لا يريدون بها المقصود منها في الشريعة الإسلامية، بل أولوها إلى معان أخرى باطنية.
ويذكر بعض العلماء أن النصيريين يفرقون في التزام التكاليف بين المشايخ وبين الجهال فيرون أن جبرية التكاليف تسري على المشايخ وتسقط عن الجهال.
ولعل في هذا الكلام نظراً فإن الشيوخ أو أصحاب العهد وهم يعرفون الباطن يكونون في حرية تسقط معها التكاليف كما هو المعروف عن المذهب الباطني عموماً، فهم يزعمون أن الشخص إذا عرف بواطن النصوص سقطت عنه ما تدل عليه ظواهرها من التكاليف، والحلال والحرام.
نعم قد يكلف الشخص الداخل في المذهب بالقيام بالتكاليف لحثه على طلب العلم الذي يسقط عنه في النهاية جميع ما حظر على غيره ممن لم يصل إلى درجته على حد ما صرح به الهفت الشريف، حيث ذكر وهو يعدد
стр. 550
الدرجات أن الاصطفاء درجة فوق درجة النبيين، وفوق هذه أيضاً درجة أعلى منها وهي درجة الحجاب، ثم قال المفضل الجعفي:
((قلت يا مولاي هل علينا نحن معرفة هذه الدرجات)) قال الصادق: نعم، من عرف هذا الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر، ومادام لا يعرف هذه الدرجات ولا يبلغها بمعرفته، فإذا بلغها وعرفها منزلة منزلة، ودرجة درجة فهو حينئذ حر قد سقطت عنه العبودية، وخرج من حد المملوكية إلى حد الحرية باشتهائه ومعرفته.
قلت: يا مولاي فهل ذلك في كتاب الله؟ قال: نعم، أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ (١) فإذا عرف الرجل ربه فقد انتهى للمطلوب، ولا شيء أبلغ إلى الله من الوحدانية والمعرفة، وإنما وضعت الأصفاد والأغلال على المقصرين، وأما من قد بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها لك فقد أعتقه من الرق، ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر.
ثم تلا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) وقرأ مولاي: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ (٣) ، قلت: ما تعني هذه يا مولاي؟ قال: يعني رفعة في المعرفة وارتفاعاً في الدرجات (٤) .
وذكر الدكتور مصطفى الشكعة (٥) أن النصيريين يصلون في خمس
стр. 551
أوقات، إلا أنها تختلف في الأداء وفي عدد الركعات عن بقية المذاهب الإسلامية، وصلاتهم لا سجود فيها، وفيها بعض الركوع أحياناً.
ولا يصلون الجمعة ولا يعترفون بها كفرض، ولا يتطهرون قبل آداء صلواتهم، ولا يصلون في المساجد، بل يحاربون بناء المساجد ولا يرضون بإقامتها، بل يجتمعون في بيوت معلومة وأوقات معينة، ويسمون هذا الاجتماع عيداً يقوم الشيوخ بتلاوة بعض القصص والأخبار والمعجزات الخرافية لأئمتهم، ويختلط الحابل بالنابل في هذه الاجتماعات رجالاً ونساءً.
ثم يقومون بأداء بعض الطقوس والصلوات المشابهة لقداسات وطقوس المسيحيين، ومن قداساتهم الكثيرة قداس الطيب لكل أخ وحبيب، وقداس البخور في روح ما يدور في محل الفرح والسرور، وقداس الأذان وبالله المستعان، وكل قداس له ذكر خاص به وأدعية يتوسلون فيها بالإله علي والخمسة الأيتام وكبار مشائخهم -الذين جعلوهم أرباباً من دون الله؛ كالخصيبي وغيره- أن تحل في ديارهم البركة وأن ينصروا على أعدائهم.
ومن أمثلة هذه القداسات: قداس الأذان وهو: ((الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، الحمد لله كثيراً وجهت وجهي إلى محمد المحمود طالباً سره المقصود، المتقرب بتجلي الصفات وعيني الذات، وفاطر الفطر ذو الجلال، والحسن ذو الكمال، اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم الخليل، هو الذي سماكم مسلمين حنيفاً مسلماً ولا أنا من المشركين (هكذا) .
ديني سلسل طاعة إلى القديم الأزل، أقر كما أقر السيد سلمان حين أذن المؤذن في أذنه وهو يقول: شهدت أن لا إله إلا هو العلي المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي، ولا ملائكة إلا الملائكة الخمسة الأيتام الكرام.
стр. 552
ولا رب إلا ربي شيخنا وهو شيخنا وسيدنا الحسين حمدان الخصيبي، سفينة النجاة وعين الحياة، حي على الصلاة حي على الفلاح تفلحوا يا مؤمنون، حي على خير العمل بعينه الأجل الله أكبر والله أكبر، قد قامت الصلاة على أربابها وثبتت الحجة على أصحابها.
الله مولاي يا علي أسألك أن تقيمها وتديمها ما دامت السموات والأرض، وتجعل السيد محمد خاتمها، والسيد سلمان زكاتها، والمقداد يمينها، وأبا ذر شمالها، نحمد الله بحمد الحامدين، ونشكر الله بشكر الشاكرين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أسألك اللهم مولاي بحق هذا قداس الأذان، وبحق متَّى وسمعان (١) ، والتواريخ والأعوام، بحق يوسف بن من كان، بحق الأحد عشر كوكباً (٢) الذين رآهم يوسف بالمنام تحل في دياركم البركة بالتمام، يا مولاي يا علي يا عظيم)) (٣) .
وهناك قداسات كثيرة كل قداس فيه مثل هذا الكلام السخيف.
ويقول في الهفت الشريف في بيان معنى الصلاة والزكاة: إن جعفر الصادق قال للمفضل: ((أتدري ما معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ (٤) ؟ قلت: يعني أهله المؤمنين من شيعته الذين يخفون إيمانهم وهي الدرجة العالية والمعرفة والإقرار بالتوحيد وأنه العلي الأعلى، فأما معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ فالصلاة أمير المؤمنين، والزكاة معرفته، وأما إقامة الصلاة فهي معرفتنا وإقامتنا)) (٥) .
стр. 553
والصيام عند النصيرية ليس هو عن الأكل والشرب وجميع المفطرات في نهار رمضان؛ بل هو الامتناع عن معاشرة النساء طوال شهر رمضان.
والحج إلى بيت الله الحرام يعتبرونه كفراً وعبادة للأصنام (١) .
وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي أنه توجد خلاصة وافية لتعاليم النصيرية وعقائدها في كتيب صغير بعنوان ((كتاب تعليم ديانة النصيرية)) ، وهو مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس برقم ٦١٨٢، وهو على طريقة السؤال والجواب، ويتألف من (١٠١) سؤال وجواب، نذكر منها على سبيل المثال ما يأتي:
س: من الذي خلقنا؟
ج: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين.
س: من أين نعلم أن علياً إله؟
ج: مما قاله هو عن نفسه في خطبة البيان وهو واقف على المنبر إذ قال: ((أنا سر الأسرار أنا شجرة الأنوار ... أنا الأول والآخر، أنا الباطن والظاهر)) ..إلى آخر كذبهم عليه.
س: ما أسماء مولانا أمير المؤمنين في مختلف اللغات؟
ج: سماه العرب باسم علي، وهو سمى نفسه أرسطوطاليس، وفي الإنجيل اسمه إيليا ((إلياس)) ، ومعناه علي، والهنود يسمونه ابن كنكرة ... إلى آخر ما ذكره.
س: لماذا نسمي مولانا باسم أمير النحل؟
ج: لأن المؤمنين الصادقين هم مثل النحل الذين يشتارون من أحسن
стр. 554
الأزهار، ولهذا سمي أمير النحل.
س: ما أسماء النجباء في العالم الصغير الأرض؟
ج: يورد ٢٥ اسماً أولها أبو أيوب، وآخرها عبد الله بن سبأ.
س: ما القرآن؟
ج: هو المبشر بظهور مولانا في صورة بشرية.
س: ما علامة إخواننا المؤمنين الصادقين؟
ج: ع. م. س.
س: ما دعاء النيروز؟
ج: تقديس الخمر في الكأس.
س: ما اسم الخمر المقدس الذي يشربه المؤمنون؟
ج: عبد النور.
س: لماذا؟
ج: لأن الله ظهر فيها.
س: لماذا يولي المؤمن وجهه في الصلاة قبل الشمس؟
ج: اعلم أن الشمس نور الأنوار.
إلى آخر ١٠١ سؤال وجواب، ذكرها كلها عبد الحسين العسكري في كتابه ((العلويون)) (١) تشتمل في مجملها على تأليه أمير المؤمنين علي بن أبي
стр. 555
طالب، واعتقاد التناسخ والحلول، وتعظيم الخمر التي سموها عبد النور؛ لأن الله حل فيها، وتعظيم الأعياد النصرانية والمجوسية، وتقديس النجوم والاعتماد عليها، وعبادة الشمس، وفيها كذلك الحث على التزام السرية والكتمان لتعاليمهم الوثنية المجوسية.
* * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 556
الفصل التاسع
أعياد النصيرية
للنصيرية أعياد كثيرة في أوقات كثيرة مثل عيد الغدير، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد عاشوراء، وعيد الغدير الثاني يوم المباهلة، وعيد النوروز، وعيد المهرجان، وعيد الصليب، وعيد الغطاس، وعيد السعف، وعيد العنصرة، وعيد القديسة بربارة، وعيد الميلاد إلى آخر، أعيادهم الكثيرة التي وافقوا فيها المسلمين والنصارى والوثنيين (١) .
وعن احتفالاتهم بعيد النوروز يقول عبد الحسين العسكري: ((احتفال النصيرية بعيد النوروز -وهو العيد الديني والقومي للفرس- يدل على الأثر الفارسي في النصيرية، ويشير إلى تمجيدهم للفرس بدعوى حلول الإله وشخصوه في ملوكهم، حتى إنهم جعلوا منهم ثالوثاً نظير ثالوثهم، وهم يدعون الإسلام.
حيث زعموا أن ثلاثة منهم توارثوا الحكمة وتجلى الإله فيهم وهم شروين وكروين، وكسرى، ويقابلهم في الإسلام النصيري المعنى والاسم والباب؛ علي محمد سلمان (ع. م. س) (٢) .
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 557
الفصل العاشر
موقف النصيرية من الصحابة
النصيرية شأنهم شأن غيرهم من أعداء الإسلام في عدائهم للإسلام وزعمائه، فلقد بالغ هؤلاء في بغض الصحابة رضوان الله عليهم، بل واعتقدوا أن من الصحابة من لم يكن مؤمناً حقيقة، بل كان يتظاهر بالإسلام ويبطن النفاق خشية من سطوة علي، ومن هؤلاء بافترائهم أبو سفيان وابنه معاوية ﵄.
وقد خصوا الصحابي الجليل وخليفة رسول الله ﷺ والذي يليه عمر الفاروق ﵄ بالبغض الشديد، فلم يجيزوا حتى مجرد التسمية بأبي بكر وعمر، بل بلغ بهم السفه والحقد عليهما أن عمدوا إلى الحيوانات البريئة وتفننوا في تعذيبها؛ لأن روح أبا بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة ﵃ حلت فيهم عن طريق التناسخ.
ومن هنا فهم يأخذون بغلاً أو حماراً ليذيقوه سوء العذاب، لأنه تقمص روح أبي بكر أو عمر، كما أنهم يأخذون غنمة ويعذبونها كذلك تنكيلاً بأم المؤمنين عائشة وتنفيساً عن أحقادهم المجوسية، إلا أن المشكل هو كيف يقع اختيارهم على إحدى هذه البهائم بعينها للتنكيل بها.
ولهم عليهم غضب الله أفعال وأقوال في ذم الصحابة وخصوصاً ما قالوه عن عمر ﵁ الذي يرمزون إلى اسمه بـ ((أدلم)) يتنزه من له أدنى
стр. 558
مسكة من عقل أو حياء من ذكرها.
والسبب في بغضهم هؤلاء الأخيار من الصحابة واضح، وهو أن هؤلاء هم الذين أطفئوا نار المجوسية ونشروا راية الإسلام خفاقة بين جحافل المجوسية والوثنية، فكيف يرضى عنهم هؤلاء وهم قد وتروهم في ديانتهم وفي حكمهم واستعلائهم؟!.
* * * * * * * * * * * * * * *
стр. 559
الفصل الحادي عشر
فرق النصيرية
تفرق النصيريون إلى فرق وطوائف كثيرة، ومن أهم تلك الطوائف:
١. الجرانة: نسبة إلى قريتهم جرانة، ثم سميت بعد ظهور محمد يونس كلازو من زعمائهم ((الكلازية)) ، ويقال لهم القمرية لأنهم يعتقدون أن علياً حل في القمر (١) ، ويرون أن الإنسان إذا شرب الخمر الصافية يقترب من القمر.
٢. الغيبية: أي الذين رضوا بما قدر لهم في الغيب فتركوا التوسل -كما يذكر الحلبي- أو هم الذين قالوا: إن الله تجلى في علي ثم غاب عن البشر واختفى، والزمان الحالي هو زمان الغيبة، ويقررون أن الغائب هو الله الذي هو علي -كما يذكر صابر طعيمة- ثم سميت بعد ظهور زعيم منهم سمي علي حيدر ((الحيدرية)) .
٣. الماخوسية: نسبة إلى زعيمهم علي الماخوس المنشق عن الكلازية.
٤. النياصفة: نسبة إلى زعيمهم ناصر الحاصوري من بلدة نيصاف بلبنان (٢) .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 560
الفصل الثاني عشر
أماكن النصيرية
يذكر عبد الحسين العسكري أماكنهم بقوله: ((وأكثرهم يعيش اليوم في الجنوب والشمال من القطر العربي السوري، ولهم وجود في جنوب تركيا وأطراف لبنان الشمالي وفارس وتركستان الروسية وكردستان)) (١) .
***
стр. 561
الفصل الثالث عشر
محاولات لم تثمر
حاول كثير من الزعماء المسلمين إرجاع النصيرية إلى الإسلام، وقاموا بمجهودات كثيرة بالترهيب تارة وبالترغيب تارة متوالية، وكما هو شأن هذه الطائفة إذا أحسوا بقوة تضغط عليهم وخافوا سطوتها أظهروا الموافقة والتمسك بشرائع الإسلام الظاهرة.
فإذا ضعفت هذه القوة ظهر النصيريون على حقيقتهم وأعلنوا الحرب على تلك الشعائر الإسلامية التي ألزموا بها كبناء المساجد والصلاة جماعة فيها والتمسك بصوم شهر رمضان، وغير ذلك من الإصلاحات والتي كان ينجح فيها النصيريون بخداع الناس بأنهم متمسكون بسائر شعائر الإسلام، وأنه لا فرق بينهم وبين بقية المسلمين، ومن هؤلاء الزعماء الذين حاولوا إصلاح النصيرية:
١. صلاح الدين الأيوبي فبعد دحره للصليبيين بنى المساجد، وأمر جميع النصيريين بالصلاة فيها وبالصوم، وغيرهما من بقية شعائر الإسلام، فأطاعوه إلى أن توفي فتركوا ذلك، وجعلوا المساجد زرائب للحيوانات.
٢. الظاهر بيبرس: بعد أن دحر التتار ألزمهم ببناء المساجد بقراهم وإقامة الصلاة فيها فبنوها بعيدة عن القرى وهجروها، وربما كان يمر الغريب في المسجد فيؤذن فيه فيقولون له: لا تنهق يأتيك علفك بعد قليل، كما حكى ذلك الرحالة ابن بطوطة.
стр. 562
٣. السلطان العثماني ((سليم)) : بنى المساجد وقام بكثير من الإصلاحات، ولكنهم رجعوا بعده إلى ما كانوا عليه.
٤. إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا والى مصر: كذلك قام بإصلاحات كثيرة من أجل تركهم عقائدهم الفاسدة إلا أنهم حينما أنسوا من أنفسهم قوة رجعوا عن ذلك كله.
٥. السلطان العثماني عبد الحميد: كرر المحاولات بإرساله رجلاً من خاصته اسمه ضياء باشا، وجعله متصرفاً على لواء اللاذقية، فأنشأ لهم المساجد والمدارس، فأخذوا يتعلمون ويصلون ويصومون، وأقنع الدولة بأنهم مسلمون إذ لم يعصوا له أمراً، ولكنه بعد أن ترك هذا المتصرف منصبه خربت المدارس وحرقت الجوامع ودنست (١) .
ولقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صولات وجولات مع هؤلاء فقد غزا ﵀ النصيرية في جبل كسروان بمن معه من المسلمين وفتح بلادهم، وكاتب السلطان فيهم بحسم مادة شيوخهم الذين يضلونهم، والأمر بإقامة شعائر الإسلام ونشر السنة ببلادهم (٢) .
وهكذا انتهت تلك المحاولات بلا جدوى، وربما يعود السر في محاربتهم لبناء المساجد إلى عقيدة عندهم؛ إذ يزعمون أن من عرف ربه وعرف معنى
стр. 563
التكاليف صار حراً غير مكلف، وبقاء المساجد في نظرهم دليل على الجهل والتقصير وعدم معرفة الرب ومعرفة أوامره ظاهراً وباطناً، (وليس فيه أجهل منهم بربهم) .
وهذا هو المفهوم عند غلاة الباطنية تجاه إسقاط دلالات النصوص، وعند غلاة الصوفية الذين يزعمون أنه يصل أحدهم إلى درجة اليقين ثم ينفلت عن جميع التكاليف.
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
стр. 564
الباب السابع
الدروز
الفصل الأول
تمهيد: في بيان خطر هذه الفرقة
هذه الطائفة هي إحدى فرق الباطنية الإسماعيلية العبيدية (١) الغلاة الذين ألهوا الحاكم بأمر الله، وجحدوا كل ما أخبر الله به؛ من يوم القيامة والثواب والعقاب، وقالوا بالتناسخ الذي يسمونه التقمص مخالفة للنصيرية، ظهرت في بداية القرن الخامس الهجري في مصر (٢) ، ولقد حذر علماء المسلمين من هذه الطائفة أشد تحذير.
يقول عنهم العلامة السفاريني وعن كتبهم ووجوب إتلافها هي وجميع كتب أهل الكفر: ((وكتب أهل الكفر لا سيما كتب الدروز عليهم لعنة الله، فقد نظرت في بعضها فرأيت العجب العجاب، فلا يهود ولا نصارى ولا مجوس مثلهم؛ بل هم أشد من علمنا كفراً لإسقاطهم الأحكام وإنكارهم القيامة وزعمهم أن الحاكم العبيدي الخبيث رب الأنام)) (٣) .
وهم يتكتمون على عقائدهم أشد التكتم، ولهذا خفي أمرهم على كثير من علماء الفرق والتاريخ، وهم لا يسمحون لأحد أن يدخل في مذهبهم ولا
стр. 565
يعترفون بخروج أحد منه، ولهم في هذا فلسفة يبررون بها موقفهم قائمة على مفهوم التناسخ الذي يسمونه التقمص، ومن الجدير بالذكر أن بينهم وبين النصيرية اتفاقاً في كثير من الآراء الاعتقادية، واختلافاً أيضاً في بعضها، وبينهم عداوة شديدة بسبب تأليه النصيرية لعلي بن أبي طالب ﵁ وعدم تأليههم للحاكم بأمره، وكراهية النصيرية لهم لتأليههم الحاكم دون علي ﵁. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ .
والدروز في إسرائيل من أخلص الناس لليهود، وتعاملهم إسرائيل أيضاً بالمثل لمعرفتهم بعمالتهم التامة لهم (١) .
ولإسرائيل مشاريع كثيرة في قراهم وفي مدنهم- حسبما سمعته من إذاعة إسرائيل باللغة العربية في هذه السنة ١٤٠٧هـ -وقد سلمتهم السلاح وألَّفت منهم دوريات على حدودها مع لبنان لثقتهم بهم.
غير أن محمد علي الزعبي بالغ كثيراً في الثناء على الدروز وعلى تمسكهم بالإسلام وتعاليمه كلها تمسكاً صحيحاً، وذكر أن الدروز يتمنون أن لو أتيحت لهم الفرصة للانقضاض على إسرائيل وسحقها وإعادة الوجه الإسلامي لفلسطين (٢) ... إلى آخر مدحه لهم.
ومن هنا قال أحمد الفوزان في رده عليه: ((وكأني به لم يسمع أبداً عن الدروز العاملين في الجيش الصهيوني وعن بلائهم الذي كان على العرب شر بلاء وكانوا للعرب شر أعداء)) (٣) .
* * * * * * * * * * * * * * * * **