٢- وفي رسالة سبب الأسباب لحمزة الزوزني: ((فقولي: توكلت على مولانا جل ذكره أردت به لاهوت مولانا الذي لا يدرك بوهم ولا يدخل في الخواطر والفهم، ما من العالمين أحد إلا هو معهم وهم لا يبصرون، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو جل ذكره أعظم من أن يوصف أو يدرك، ومن اتكل عليه فهو يكفيه جميع مهماته)) (١) .
ونصوص أخرى كثيرة كلها تدور حول وصف الحاكم بكل صفات الله تعالى لأنهم يعتبرونه ((رب العالمين)) تصور في صورة الحاكم في دوره الجديد تأنيساً لخلقه؛ حيث ظهر في الصورة البشرية ليجدد الناس العهد به ولولا ذلك لكان الناس يعبدون العدم كما يرى هؤلاء الكفرة.
وفي رسالة الغيبة: ((أظهر لنا ناسوت صورته تأنيساً للصور فحار فيها الفكر حين فكر، وعجزت العقول عن إدراك أفعالها واعترفت بالعجز والتقصير في معلومها فبتقدير أحكامه منّ على خلقه بوجود صورته من جنس صورهم)) (٢) .
ولا يقصر الدروز الألوهية على الحاكم فقط؛ بل أطلقوها على كثير من آبائه ومن كبار رؤسائهم على مقتضى اعتقادهم أن الله يظهر للناس بين فترة وأخرى في صور بشرية، ولا ضرورة لذكر أولئك الأشخاص الذين يعتبرونهم ظهوراً إلهياً في أوقات وجودهم، وليس أمامنا تجاه هذه الآراء الإلحادية والتي تفتقر أيضاً إلى العقل إلا أن نقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٣) .
стр. 597
٢- القول بالتناسخ:
يعتقد الدروز بالتناسخ أو التقمص كما يسمونه، ومعناه عندهم: انتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري آخر. والجسم قميص للروح التي لا تموت أبداً بل تتقمص أجساماً أخرى في كل نقلة، فنفس الموحد تنتقل إلى موحد ونفس المشرك إلى مشرك، ومن هنا زعموا أن عدد سكان العالم غير قابل للزيادة ولا النقصان منذ بدء الخليقة، ويبقى على هذه الحال إلى الأبد فهم لا يزيدون ولا ينقصون وكل من مات انتقلت روحه إلى جسد جديد دائماً (١) .
ومفهوم التناسخ عند الدروز يختلف عن مفهومه عند الآخرين من القائلين بالتناسخ كالنصيرية مثلاً.
فالدروز يقصرون التناسخ بين الأجسام البشرية فقط، بينما هو عند النصيرية لا ينحصر فقط بين البشر، بل وقد يكون أحياناً بينهم وبين البهائم، حيث تنتقل الأرواح فتحل في أي جسم، جسم بهيمة أو غيرها.
والدروز يكرهون لفظ التناسخ ويستبدلونه بلفظ التقمص.
ويعود السبب في قصر الدروز التناسخ في الأجسام البشرية لما يأتي:
١- قالوا: إن انتقال النفس إلى جسم حيوان غير بشري ظلم لها لعدم تعلق الثواب والعقاب على غير النفس العاقلة.
٢- أن وقوع العقاب على النفس لا يصح إلا بعد مرورها في أجسام بشرية على مدى دهر طويل، بحيث يمنحها الدهر الطويل فرصة الاكتساب والتطور والامتحان والتبدل، لكي تحاسب حساباً عادلاً على مجموع ما اكتسبت.
стр. 598
وحقيقة العذاب عند الدروز معناه أن الإنسان يعذب بنقله من درجة عالية إلى درجة دونها، ثم يستمر في هذا الهبوط إلى أقل الدرجات ويعذب في كل دور بأنواع العذاب التي هي عذاب الضمير وعذاب الندم على ما فات، لأنها لم تنتفع من أدوارها الماضية.
ومن خرافاتهم أنهم يشبهون الروح بسائل يحتاج إلى إناء يضبطه، فإذا كسر فلابد من تلقي السائل في إناء غيره لئلا يضيع، وعلى هذا فإن روح أحدهم إذا فارقت الجسم انتقلت فوراً إلى جسم آخر تحفظ فيه. وفي نقلتها الجديدة ترجع على نفس المذهب الذي كانت عليه أياً كان المذهب.
ومن هنا تعرف السر في عدم قبول الدروز لغيرهم أن يدخلوا في مذهبهم، وعدم اعترافهم بأحد منهم يخرج عنه حتى ولو تركه وهو حي طائعاً مختاراً؛ لأن روحه في نقلتها أو تقمصها الجديد ستعود على نفس المذهب الدرزي فلا فائدة إذاً من دخول الآخرين في مذهبهم؛ لأن أرواحهم سترجع إلى مذاهبهم القديمة ثانية إذا ماتوا.
ومما لا يجهله أي مسلم أن عقيدة التناسخ عقيدة بدائية وثنية تتعارض مع كل الأديان التي أنزلها الله تعالى؛ إذ كلها تقرر أن الإنسان إذا مات انتقلت روحه إلى خالقها سواء كانت منعمة أو معذبة، ولها اتصال بالجسد في صورة لا يعلمها إلا الله، إلى أن يأتي يوم القيامة وتعود الأرواح إلى أجسادها للحساب، ثم للمصير النهائي إما الجنة أو النار.
٣- إنكار القيامة:
لا يؤمن الدروز بيوم القيامة فلا حساب ولا جزاء ولا ثواب ولا عقاب في الحياة الآخرة، وإنما يتم ذلك كله في الدنيا عن طريق التقمص وما تلاقيه الروح في تقمصها من النعيم أو العقاب، إلا أنهم ينتظرون يوماً يجيء الحاكم
стр. 599
في صورة ناسوتية مرة أخرى، ويدين له كل أهل الأديان بالتوحيد والطاعة كما يزعمون، يخرج من بلاد مصر -كما يرى حمزة- أو من بلاد الصين من سد الصين العظيم، وحوله قوم يأجوج ومأجوج القوم الكرام أو المؤمنين بالحاكم كما يسمونهم.
ويتضح حقد هؤلاء على الإسلام والمسلمين في زعمهم أن الحاكم إذا جاء يأتي إلى الكعبة ويهدمها ويفتك بالمسلمين والنصارى في جميع الأرض حيث يحاسبهم حمزة حساباً شديداً (١) .
وأما متى يكون هذا اليوم فيذكر محمد كامل حسين أنه لم تحدد كتب الدروز ذلك، ولكنها تذكر أنه سيكون في شهر جمادى أو رجب ويسبق مجيئه علامات منها:
١- عندما يرى الملوك يملكون حسب مآربهم وأهوائهم الشخصية ولا يعدلون بين الرعية.
٢- عندما يتسلط اليهود والنصارى على البلاد.
٣- وعندما يستسلم الناس إلى الآثام والفساد ويأخذون بالآراء الفاسدة.
٤- وعندما يتملك شخص من ذرية الإمامة ويعمل ضد شعبه وأمته ويضع نفسه تحت سلطان المخادعين.
٥- ثم ظهور ملك آخر في مصر يحارب المصريين ويحاربونه.
٦- ويأتي المسيخ الدجال في صورة رومي يجتمع الروم حوله ويخرب حلب.
стр. 600
٧- ثم يظهر المسيح بن يوسف في أرض مصر (١) .
ويملك اليهود بيت المقدس ثم ينتقمون من سكان القدس وعكا، ثم يقوم المسيح بن يوسف، ثم يطرد اليهود من بيت المقدس، إلى غير ذلك من العلامات المزعومة (٢) ، ولهذا فهم يفرحون باستيلاء اليهود على بيت المقدس وبتسلط النصارى على المسلمين بل وظهور الفواحش كلها ليظهر ربهم الحاكم ويكون المجازي للعباد في هذا اليوم هو حمزة يأخذ مال المخالفين ويعطيه لأتباعه الموحدين (٣) .
ومن الطرائف المضحكة أن أحد مشائخ الدروز ويسمى داود أبو شقراء أعلن أن يوم القيامة سيكون في ١٦ آب عام ١٩٥٢م؛ معتمداً في ذلك على حساب الحروف والجمل، وبالفعل فقد اقتنع بذلك بعض شيوخ لبنان وحوران وشاع الخبر؛ وجاء الوقت وظهر افتراء الكذابين ولم يحصل ما توقعوه (٤) .
وحساب الجمل والحروف والمنامات وما يقع فيها من إخبار بيوم القيامة، وما يزعمه بعض الناس من مشاهدة الدابة ومخاطبتها له (٥) ، وغير ذلك من أخبار القيامة -كلها تلفيقات وهي مطايا الكذابين.
٤- عداوتهم للأنبياء:
يحقد الدروز على الأنبياء حقداً شديداً وينكرون فضائلهم، بل ونسبوهم
стр. 601
إلى الجهل، لأنهم يدعون الناس بزعمهم إلى توحيد المعدوم -تعالى الله عن قولهم- وما عرفوا المولى الموجود -أي الحاكم بأمر الله-.
وقد أوجب داعيتهم الأول حمزة محاربة دعوة الأنبياء، وأوجب البراءة من جميع أديانهم، ويحقدون على الرسول محمد ﷺ كثيراً لأنه أوجب الجهاد، بينما إلههم الحاكم قد أبطله، وسبوا الصحابة وخصوصاً من أطفأ نار المجوسية منهم كأبي بكر، وعمر، وغيرهما من خيار الصحابة.
والدروز لا يؤمنون بالكيفية التي أخبر الله بها عن بدء الخلق، فأنكروا أن يكون آدم هو أبو البشر وحواء أمهم مدعين أن آدم وحواء من نسل بشر أيضاً لا أن آدم مخلوق من تراب؛ إذ التراب لا يخلق منه إلا العقارب والحيات والخنافس ولم يستندوا في هذا الافتراء والهوس إلا إلى عقولهم وأفهامهم السقيمة (١) .
٥- إنكارهم التكاليف:
لا يؤمن الدروز بوجوب القيام بتلك التكاليف التي جاء بها الشرع في القرآن الكريم وفي السنة النبوية. وقد جعلوا للمكلف طريقة يستطيع أن يتخلص بها من كل تكليف أو عمل، وهي ما بيّنها عنهم الدكتور محمد كامل حسين بقوله:
((واتخذوا لهم فرائض أطلقوا عليها الفرائض التوحيدية وهي معرفة الباري (٢) وتنزيهه عن جميع الصفات والأسماء ... ثم معرفة الإمام قائم
стр. 602
الزمان وهو حمزة بن علي بن أحمد وتمييزه عن سائر الحدود (١) ووجوب طاعته طاعة تامة، ثم معرفة الحدود بأسمائهم وألقابهم ومراتبهم ووجوب طاعتهم. فإذا اعترف الإنسان بهذه الفرائض التوحيدية الثلاثة أصبح موحداً، وليس عليه أن يقوم بتكاليف أي فريضة من الفرائض)) (٢) .
إلى أن يقول بعد ذكره شريعتهم التي نقضوا بها التكاليف (٣) : ((ومعنى هذا أن شريعة الدروز تتلخص في إسقاط الفرائض الدينية التكليفية وعدم إقامة الفرائض الدينية الإسلامية)) (٤) .
ويذكر أحمد الفوزان السبب في هذا المسلك للدروز فقال: ((ويعتقدون أيضاً أنهم موجودون منذ الأزل، واعتنقوا كثيراً من الديانات على مر الدهور كان آخرها الإسلام، ثم تحولوا عنه إلى دين مستقل هو الدين الدرزي الذي يجدده الأقطاب من زمن إلى زمن)) (٥) .
ومن هنا فإن الدروز أخذوا في الدعوة إلى إسقاط التكاليف بتأويلاتهم الباطنية التي يستندون فيها إلى القرآن الكريم أكثر من كل الفرق، وهم لا يؤمنون به، فالصلاة والصوم والحج والجهاد لها معان عندهم غير المعاني التي فهمها المسلمون وبينها الرسول ﷺ ، وغير التي فهمها الإسماعيليون أيضاً، لأن حمزة الزوزني أراد أن يأتي بشريعة جديدة تبطل كل ما قبلها من الشرائع، سواء كانت عقيدة الباطنية أو غيرها من العقائد والتي في أولها الإسلام،
стр. 603
ولهذا فقد أوَّل النصوص على هواه مجانباً المفاهيم الإسلامية والباطنية أيضاً في كتابه النقض الخفي (١) .
فالصلاة: معناها صلة قلوب الدروز بعبادة الحاكم على يد خمسة حدود هم أنبياء الحاكم الخمسة: حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء الدين علي بن أحمد السموقي، وهؤلاء هم أشهر دعاة الدروز، ومعرفة هؤلاء وحبهم هي الصلاة عند الدروز.
أما الصلاة المعروفة عند المسلمين فقد أبطلها حمزة، ومن هنا فإنهم لا يؤدونها بل وتظاهروا في هذا الزمن -كما يذكر عنهم العارفون بهم- بحرب إقامة المساجد ومنعوها ومنعوا المسلمين الموجودين بينهم من بنائها، وأقاموا عوضاً عنها الخلوات التي يجتمعون فيها لإقامة طقوسهم.
وهذا المفهوم للصلاة عند الدروز يخالف أيضاً مفهومها عند الباطنية الذين يزعمون أن معناها الدعاء إلى الإمام ومعرفة الأئمة (٢) .
والزكاة معناها عبادة الحاكم وتزكية قلوبهم وتطهيرها وترك ما كانوا عليه قبل معرفة الحاكم في ظهوره الجديد. يقول عنهم محمد كامل حسين: ((الزكاة الحقيقية هي توحيد المولى وترك ما كان عليه الناس قديماً)) (٣) ؛ أي من الأديان بما فيها الإسلام.
بينما الزكاة عند الباطنية معناها أخذ العلم عن الأئمة (٤) .
стр. 604
والصوم معناه صيانة قلوبهم - التي هي من أردأ القلوب - بتوحيد مولاهم الحاكم، وقد ذكر محمد حسين أن الدروز يصومون في أيام خاصة وهي التسعة الأيام الأولى من شهر ذي الحجة (١) .
بينما الصوم عند الباطنية معناه كتمان أسرار الأئمة (٢) .
والحج معناه توحيد الحاكم لا المجيء إلى مكة والطواف والسعي والرمي والوقوف بعرفة إلى آخر مشاعر الحج.
بينما هو عند الباطنية طلب العلم والمجيء إلى مشائخهم (٣) ، ولهم كلام في غاية الفحش والاستهزاء بهذه المشاعر التي فرض الله تعظيمها.
والجهاد: معناه السعي والاجتهاد في توحيد الحاكم ومعرفته وعدم الإشراك به لا الجهاد الذي فرضه الله؛ لأن الحاكم أبطله في الشرع الجديد.
بينما الجهاد عند النصيرية الباطنية كما يذكر سليمان الأضني نوعان:
أولهما: الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة، وعلى جميع الطوائف المعتقدين بأن علي بن أبي طالب أو الأنبياء أكلوا وشربوا وتزوجوا وولدوا من نساء؛ لأن النصيرية يعتقدون بأنهم نزلوا من السماء بدون أجسام، وأن الأجسام التي كانوا فيها إنما هي أشباه وليست هي بالحقيقة أجسام.
والنوع الثاني من الجهاد: إخفاء مذهبهم من غيرهم، ولا يظهرونه ولو
стр. 605
أصبحوا في أعظم الخطر وهو خطر الموت (١) .
وهكذا فإنهم أرادوا بهذه الأفكار محاربة الإسلام والقضاء عليه بأي وسيلة يستطيعون من خلالها تحقيق أهدافهم الخبيثة وعودة الناس إلى المجوسية وهم ألد أعداء الإسلام والمسلمين قديماً وحديثاً.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 606
الفصل الحادي عشر
الدروز في العصر الحاضر
كمال جنبلاط ودوره في تثبيت عقيدة الدروز
هذا الشخص من كبار الدروز، ومن أشد المتعصبين لمذهبه الدرزي، وقد أقدم على جريمة كبيرة في هذا العصر؛ حيث بدأ هو وشخص آخر اسمه عاطف العجمي بتأليف كلام يحاكيان به القرآن الكريم، زاعمين أنه كلام مقدس تحت اسم المصحف المنفرد بذاته، أو مصحف الدروز مملوء من شتى الأفكار ومن شتى السور من القرآن الكريم.
ومن حِكَمِ الهند -التي يميل إليها كمال جنبلاط كثيراً، بل هي قبلة حجهم إلى وقتنا الحاضر- ومن كلام زعمائهم، فأصبح خليطاً فاسداً يدور كله حول تأليه الحاكم، والثبات على العقيدة الدرزية، ومع أنه هذا المصحف -كما يسمونه - قد نسب إلى حمزة بن علي إلا أن الدكتور الخطيب يرى أنه من صنع كمال جنبلاط بدليل ما جاء فيه من ألفاظ وأسلوب عصري.
وقد أنكر جنبلاط في مصحفه هذا القرآن الكريم، واعتبره فرية، وشنع على الذين يلتزمون به. وقد نقل الدكتور الخطيب عن هذا المصحف -الذي لا يوجد إلا عند الدروز وقد تيسر له الاطلاع عليه -فنقل عنه هذه النصوص:
((لقد ضل الذين جحدوا الحكمة (١) واتبعوا فرية صحف اكتتبوها فهي قبلة
стр. 607
آبائهم يتلونها بكرة وعشياً (١) ، وقالوا: هذا من عند الله المعبود (٢) . وقال الذين كفروا منكم: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وعليه وجدنا آباءنا، قل لو كنتم على الهدى لآمنتم به، ولكنكم لا تعلمون غير ما تهواه أنفسكم وأنتم تجهلون، نحن أعلم بما في أيديكم ونحن المنزلون، لقد ضل هؤلاء الذين يريدون أن يحكموا بالقرآن ويتخذوه سبيلاً ثم به يكفرون بعد أن تبين الحق، قل: أليس الحق أحق أن يتبع (٣)) .
ويقسم هذا المصحف إلى أربعة وأربعين عرفاً ويقع في ٢٦٩مائتين وتسع وستين صفحة، ويقول كاتبه في مقدمته: ((جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه، ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان، ولقد اخترنا اسم العرف تناسباً مع ما يطلق على أبناء التوحيد: كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف)) (٤) .
جاء في عرف الأمر والتقديم من هذا المصحف قوله: ((أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم يوم ينادي منادي مولاكم الحاكم من مكان بعيد: هذا يومكم الذي فيه توعدون تتلوها أيام العذاب أنكم لخالدون ولات محيص..إلى أن يقول: وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين)) (٥) .
وفي هذا المصحف ألفاظ كتبت بالعربية وهي غير معروفة يرونها من الأسرار التي لا يبوحون بها لأحد، ومن أمثلتها ((يود يلووهكا طران كنان
стр. 608
وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكز كان بطكه وعد ودلولذ وسلر)) (١) .
وقد ذكر الدكتور الخطيب (٢) أمثلة كثيرة من ما جاء في هذا المصحف الذي يدور حول تثبيت ألوهية الحاكم والابتعاد عن كل الشرائع وعلى رأسها الإسلام الذي يتظاهرون به أمام الناس وهم ألد أعدائه.
وقد ظن هذا الملحد أنه بمحاكاته للقرآن الكريم في أسلوبه جاء بشيء ينفع إلهه الحاكم الذي تكلم هو على لسانه بهذا الغثاء الذي يتمنى أن يهدم به الإسلام الذي أكل الحقد عليه قلوبهم وملأوا بالتشنيع عليه كتبهم ومقالاتهم، ولكنهم كانوا كما قال أحد الشعراء:
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 609
الفصل الثاني عشر
الفرق بين النصيرية والدروز
يتفق النصيريون والدروز في أمور ويختلفون في أمور أخرى، وبين الطائفتين عداوة شديدة لتباين أفكارهم حول دعوى الألوهية لزعمائهم الذين ينتسبون إليهم، وقد اتضح من خلال دراستنا للطائفتين فيما سبق الأمور الآتية:
١- أن عقيدة الطائفتين باطنية - من الغلاة.
٢- أنهم لا يطلعون أحداً على أسرار مذهبهم وكتبهم السرية.
٣- لا يعترف الدروز لأحد بالدخول في مذهبهم أو الخروج عنه.
٤- لا يأخذون بظواهر الألفاظ وإنما يؤولونها.
٥- كلهم يقولون بالتناسخ ويختلفون في التسمية، فالنصيريون يسمونه ((تناسخ)) ، والدروز يسمونه ((تقمص)) ، والنصيرية يعممونه في كل شيء بينما الدروز يحصرونه بين البشر فقط.
٦- عند النصيرية التناسخ يشمل المسخ (١) والنسخ (٢) والفسخ (٣) والرسخ (٤) .
стр. 610
٧- الجسد البشري في عقيدة الدروز ثوب أو قميص للروح تتقمص به الروح عند الولادة وتنتقل منه بالموت فوراً إلى جسد مولود إنساني آخر.
٨- الجنة عند الدروز معرفة الدعوة الهادية- أي الدعوة الدرزية- والجحيم هو الكفر بها. والنصيريون يقولون بأن الجنة معرفة ألوهية علي بن أبي طالب، والجحيم هو الكفر بها أو الجهل بها.
٩- يتفقون جميعاً في اعتبار الحج ظاهرة وثنية وأنه كفر وعبادة أصنام.
١٠- كل هذه الطوائف تتفق في التشديد على التقية والسرية التامة.
١١- الشرك عند الدروز عدم الاعتراف بإفراد ألوهية الحاكم. وعند النصيرية عدم الاعتراف بإفراد ألوهية علي ﵁.
١٢- يزعم الدروز أن الناس خلقوا دفعة واحدة، فهم لا يزيدون ولا ينقصون، كلما مات إنسان تحولت روحه إلى جسم جديد وهكذا.
ومن الجدير بالذكر أن النصيرية انشقت عن الشيعة الاثني عشرية، والدروز انشقوا عن الإسماعيلية. والنصيرية أقدم من الدروز في الظهور، وكل طائفة حاولت الابتعاد عن أصلها رغم وضوح تأثرهم في كثير من أفكارهم بأصولهم الشيعية أو الإسماعيلية إلى غير ذلك من وجوه الاتفاق والافتراق بينهم، وكل أفكار الجميع تنضح مجوسية ووثنية تستر أصحابها بالتشيع لأهل البيت وبالإسلام؛ لتحقيق ما يهدفون إليه من إعادة كلمة المجوسية وإظهار قوتها من جديد، وهم ألد أعداء أهل البيت وألد أعداء الإسلام والمسلمين. والله متم نوره ولو كره الكافرون.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 611
مراجع فرقة الباطنية
أ-مراجع الباطنية عموماً:
١- فضائح الباطنية: للغزالي.
٢- الحركات الباطنية في العالم الإسلامي: للدكتور الخطيب.
٣- أسرار الباطنية والفرق الخفية: محمد عثمان الخشت.
٤- الباطنيون والحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي: للجبهان.
٥- كشف أسرار الباطنية: لأبي الفضائل الحمادي.
٦- أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية: لبرنارد لويس.
٧- الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام: يحي بن حمزة العلوي.
٨- الإسلام في مواجهة الباطنية: أبو الهيثم.
٩- أعلام الإسماعيلية: مصطفى غالب.
١٠- الإسماعيلية تاريخ وعقائد: إحسان إلهي.
١١- بيان مذهب الباطنية وبطلانه: الديلمي.
١٢- القرامطة: محمود شاكر.
١٣- الإمامة في الاسلام: عارف تامر.
стр. 612
ب- مراجع فرقة النصيرية:
١- طائفة النصيرية تاريخها وعقائدها: د. سليمان الحلبي.
٢- الهفت الشريف تحقيق د. مصطفى غالب.
٣- سقوط الجولان: خليل مصطفى.
٤- الجيل التالي: محمد حسين.
٥- العلويون أو النصيريون: عبد الحسين مهدي العسكري.
جـ- مراجع فرقة الدروز:
١- المراجع السابقة.
٢- الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة: شيبة الحمد.
٣- عقيدة الدروز: محمد أحمد الخطيب.
٤- التآلف بين الفرق الإسلامية: محمد حمزة.
٥- أضواء على العقيدة الدرزية: أحمد الفوزان.
٦- الدروز: محمد الزعبي.
٧- طائفة الدروز: محمد كامل حسين.
ولا يكاد كتاب فيه بحث عن الفرق يخلو من ذكر هذه الفرق الباطنية.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 613
الباب الثامن
دراسة عن البهائية
الفصل الأول
نبذة عن أساس ظهور البهائية
وبيان صلتها بالبابية
البهائية إحدى الفرق الباطنية الخبيثة التي حاولت هدم الإسلام وإخراج أهله منه بأساليب وطرق شتى قديماً وحديثاً.
وقبل البدء بالكلام عن البهائية لابد من التطرق أولاً وبإيجاز إلى التعريف بالبابية وبيان الصلة ما بين البابية والبهائية التي هي موضوع هذه الدراسة:
والواقع أن البابية والبهائية والشيخية والرشتية حلقات متصلة بعضها بالبعض الآخر وتعتبر الشيخية والرشتية هي النواة الأولى للبابية، كما تعتبر البابية هي الدرجة الأولى للبهائية. ونبدأ الآن بذكر الشيخية: زعيمهم -تعاليمه- نهايته- زعامة الرشتي.
أما الشيخية: فهي الطائفة المنسوبة إلى زعيمها الضال أحد شيعة العراق (١) ، ويسمى الشيخ أحمد الإحسائي، وهو أحمد بن زين الدين بن إبراهيم الإحسائي الذي ولد بالمطير من قرى الإحساء في شهر رجب سنة
стр. 614
١١٦٦هـ، وتوفي سنة ١٢٤١، ودفن بالبقيع (١) .
وبعضهم يقول: إنه ولد سنة ١١٥٧ (٢) ، ويعتبر من كبار علماء الإمامية وهو باطني من الغلاة، وله أفكار خارجة عن الإسلام يظهر فيها الاعتقاد بالحلول -كما تقدم- وذلك في مثل قوله: إن الله تجلى في علي وأولاده الأحد عشر، ومثل قوله الآخر: إن علياً وأولاده مظاهر الله، وأنهم أصحاب الصفات الإلهية والنعوت الربانية -تعالى الله عن قوله.
كما يظهر فيها غلو الفلاسفة في قوله: إن الأئمة هم العلة المؤثرة في وجود المخلوقات، ولولاهم ما خلق الله شيئاً.
كما يظهر فيها الإلحاد في قوله: إن اللوح المحفوظ هو قلب الإمام المحيط بكل السموات وكل الأرضين، وكان ينكر المعاد والبعث.
كما يظهر فيها كذلك القول بالتناسخ حينما كان يزعم للناس أن المهدي يحل في أي رجل كان فيكون له صفة الباب، وأن روح المهدي حلت فيه هو فصار هو الباب إلى المهدي. إلى آخر ما قاله من خرافات وإلحاد، وهذه الأفكار دليل على تضلعه من مشارب الباطنية الغلاة والفلاسفة الغواة.
إلا أن محمد حسين آل كاشف الغطاء يقول في ترجمته:
((كان العارف الشهير الشيخ أحمد الإحسائي في أوائل القرن الثالث عشر وحضر على السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء، وله منهما إجازة تدل على مقامه عندهم وعند سائر علماء ذلك العصر، والحق أنه رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم. وكان على غاية الورع والزهد والاجتهاد في العبادة كما
стр. 615
سمعناه ممن نثق به ممن عاصره ورآه، نعم له كلمات في مؤلفاته مجملة متشابهة)) (١) .
وقد حاول محمد حسين هنا أن يثني على الإحسائي ويمجده، ولكن وقفت أفكار الإحسائي دون استرسال محمد حسين، ومن هنا أخذ يعتذر له بأن في مؤلفاته ألفاظاً مجملة متشابهة، وفاته أن هذا العذر غير مجدٍ للإحسائي؛ فإن الذي حمل الإحسائي على ذلك الإلغاز والإجمال، إنما هو معتقده المغالي، وإذا كان آل كاشف الغطاء يدافع عنه فإن كثيراً من علماء الشيعة غير راضين عنه.
فقد ذكر الدكتور محسن عبد الحميد أن جماعة من علماء الإمامية ذهبوا إلى أن الإحسائي كان فاسد العقيدة منحرفاً، أوجد طريقة في مذهب الشيعة الاثني عشر، والتي سميت فيما بعد بالشيخية، وقد ردوا عليه بكتب معروفة متداولة.
ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة كتب لمشاهير الشيعة: وهي كتاب ظهور الحقيقة على فرقة الشيخية لمحمد مهدي الكاظمي، وكتاب هدية النملة للميرزا محمد رضا الهمدان، وكتاب رسالة الشيخية والبابية لمحمد مهدي الخالصي.
وبعد دراسة قام بها الدكتور محسن عبد الحميد لأفكار الشيخية من كتبهم ظهر له أن الإحسائي يلجأ أحياناً إلى التفاسير الباطنية لتأييد وجهة نظره، وأنه غالى في الأئمة الاثني عشر الذين يزعمهم الشيعة، وغالى في الرسول ﷺ وزعم أن العلة في وجود جميع المخلوقات هم أولئك، حيث خلقها الله من
стр. 616
أجل الأئمة.
كما زعم أيضاً أن الرسول ﷺ مخلوق من نور الله، وهذا النور عقل واحد يظهر في محمد ثم يظهر في علي ثم في الحسن ثم في الحسين، وأن الزمان لا يخلو من ناطق، وأن كلامه في المعاد غامض مع إيمانه بالرجعة وما يتبعها من الحوادث (١) .
ولكن الشيخ عبد الرحمن الوكيل يبين أن هذه الرجعة التي يؤمن بها الإحسائي ليست هي الرجعة المفهومة عند الاثني عشرية، فإنه حكم بموت الإمام الثاني عشر، وبأن روحه طارت إلى الملأ الأعلى ولكنها ستعود لتحل مرة أخرى بجميع خصائصها في إنسان جديد، تولد ولادة حقيقية من أب وأم جديدين غير والدي الإمام الثاني عشر الغائب المزعوم، ولهذا ثار عليه شيعة إيران (٢) .
وتتضح شخصية الإحسائي وأوهامه من خلال دراسة الرشتية والبابية؛ لأن هؤلاء صاروا على طريقته مع زيادة الغلو الذي استحسنوه لتقوية المذهب وتكامله، ولتتم كذلك المؤامرة الرهيبة التي خطط لها هؤلاء ومن وراءهم بهدف القضاء على الإسلام والأمة الإسلامية وتمزيق وحدتها وتشتيت كلمة أبناء الإسلام وضرب بعضهم ببعض، حتى تم لهم فعلاً الكثير من ما يريدونه ويعملون من أجله.
خصوصاً والمسلمون وزعماؤهم في جرى حثيث وراء التيارات المنحرفة إلا القليل منهم، فلم يتمكنوا من التقاط أنفاسهم ولم يتح أعداء الإسلام لهم الفرصة للنظر في الواقع الذي يعيشونه، فضلاً عن التفكير في رد المخططات الرهيبة التي تحاك ضدهم، وهم في قلق وصراع مرير وخصام عنيف بينهم، وصار القائل:
وأحياناً على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا
стр. 617
صار هذا القائل ومن معه خيراً منهم؛ لأن الذين أخبر عنهم لم يجدوا عدواً يحاربونه فاشتغلوا بحرب بعضهم بعضاً، وهؤلاء تركوا العدو يتأهب ويعد العدة واشتغلوا عنه بالقتال والعداوة فيما بينهم.
وما أن انتهت أيام الإحسائي الذي ألهب مشاعر أتباعه من الشيعة بقرب مجيء المهدي وجعله في أذهانهم قاب قوسين أو أدنى، ما إن انتهت أيامه حتى تولى بعده أعظم تلاميذه وهو الرشتي الذي أسس بعد ذلك جماعة ينتسبون إلى اسمه وهم الرشتية، واسمه كاظم الرشتي ولد سنة ١٢٠٥هـ في بلدة ((رشت في إيران)) (١) .
وقد سار على نفس طريقة أستاذه الإحسائي وزاد عليه أقوالاً كفرية أخرى، كانت هي النواة الأولى لظهور البابية بفعل تأثير الرشتي في تلميذه علي محمد الشيرازي، الذي تزعم الدعوة البابية الهدامة التي ظهرت في إيران البلد المضياف لكثير من الدعوات المناوئة للإسلام (٢)
وقد قال بالتناسخ حيث ادعى أنه حل فيه روح الباب كما حل في الإحسائي، ولكنه عاف فكرة الأبواب هذه وقفز إلى التبشير بظهور المهدي نفسه، وقد روج الرشتي أفكار شيخه الإحسائي وأدخل الكثيرين في مذهبه ومذهب الإحسائي، وصارت الشيخية فرقة مستقلة (٣) في كثير من الأفكار، ويحترم البابيون والبهائيون الإحسائي والرشتي احتراماً عظيماً ويسمونهما -كما يقول محسن- بالنورين (٤) .
стр. 618
البابية
١- زعيم البابية:
زعيم البابية الأول هو علي بن محمد رضا الشيرازي ولد في سنة ١٢٣٥هـ في بلدة شيراز جنوبي إيران، مات أبوه وهو طفل فكفله خاله ويلقب بالميرزا، وقد نسب بعضهم أسرته إلى آل البيت وهذا غير صحيح، والذين أطلقوا عليه هذه النسبة إنما أطلقوها لشيء يريدونه في أنفسهم، لكي يطبقوا الروايات التي تذكر أن المهدي يكون من آل البيت.
أي ومحمد علي الشيرازي من أهل البيت وهو المهدي المنتظر حسب خرافاتهم، ولم يلتفتوا إلى أن اسم المهدي محمد بن عبد الله كما ثبت بالسنة المطهرة، ووالده الشيرازي يسمى محمد رضا، وأمه فاطمة بيكم، وقد توفي والده وهو صغير فقام بكفالته خاله ويسمى الميرزا علي.
وحين بلغ السادسة من عمره عهد به خاله إلى رجل يسمى الشيخ عابد- وهو أحد تلامذة الرشتي- لتعليمه في مدرسته التي سماها ((قهوة الأنبياء والأولياء)) ، وبعد أن حصل على قسط قليل من التعلم عزف عن مواصلة التعليم، فأشركه خاله في التجارة ببيع الأقمشة، وتفنن فيها مع خاله الآخر الميرزا محمد.
وكان قد بلغ السابعة عشر من عمره فاتصل به أحد دعاة الرشتية ويسمى جواد الكربلائي الطباطبائي، وبدأ يلقي في مسامعه أفكار الشيخية عن المهدي المنتظر ويوهمه بأنه ربما يكون هو نفسه-أي علي محمد الشيرازي- المهدي المنتظر لظهور علامات تدل على ذلك- حسب زعمه- فوقع الشيرازي في فخه
стр. 619
وترك التجارة ومال إلى قراءة كتب الصوفية التي زادته هوساً، ومارس شتى الرياضات، حتى إنه كان- كما قيل عنه- يقف في حر الظهيرة المحرقة تحت أشعة الشمس على سطح البيت مكشوف الرأس عاري البدن مستقبلاً قرص الشمس، حتى كان يعتريه الذهول والوجوم، وتأثر عقله، وكان الكربلائي ملازماً له يحرضه على هذا المسلك.
فأشفق عليه خاله وأرسله إلى النجف وكربلاء للاستشفاء بزيارة المشاهد التي يقدسونها هناك، إلا أنه في كربلاء بدأ يتردد على مجالس كاظم الرشتي ويدرس أفكاره وآراء الشيخية، وكان الرشتي أيضاً قد وقع اختياره على الميرزا ليجعل منه المهدي المنتظر، فكان يبشر أتباعه ومريديه وتلاميذه باقتراب الأوان لظهور المهدي ودنو قيام القائم المنتظر، ويشير إلى الميرزا علي محمد ويبالغ في إكرامه، وكثيراً ما يردد شعراً:
يا صغير السن يا رطب البدن ... يا قريب العهد من شرب اللبن
وبعد أن أحكمت الخطة بينه وبين مشائخ الرشتية وسفير روسيا في ذلك الوقت والمترجم بها دالجوركي أعلن في سنة ١٢٦٠هـ أنه هو الباب الأصل إلى الإمام الغائب المنتظر عند الشيعة، وأن صديقه الملا حسين البشروئي هو باب الباب، وهو أول من آمن به.
وكان عمر الباب الشيرازي آنذاك خمساً وعشرين سنة، واعتبر ذلك اليوم عيد المبعث لظهور الباب ودعوته جهراً، وآمن بدعوته كثير من زعماء الشيخية وأهمهم ثمانية عشر شخصاً جمعهم في حروف ((حي)) ؛ لأن الحاء والياء يعادلها ثمانية عشر بحساب الحروف الأبجدية.
ثم وزع هؤلاء في أقاليم مختلفة من إيران وتركستان والعراق، وكان لهؤلاء نشاط في الدعوة إلى البابية؛ خصوصاً زرين تاج بنت الملا صالح
стр. 620
القزويني، والملا حسين البشروئي، والملا محمد علي الزنجاني، والملا حسين اليزدي، والملا البارفروشي (١) .
٢- صلتهم بالمستعمرين في ذلك الوقت:
لقد واتت الفرصة الذهبية جميع الحاقدين على الإسلام حينما اصطنعوا فكرة الباب لعلي محمد، وقفوا بكل عزم في نشر دعوته الهدامة، فقد سارع زعماء الإنجليز والروس إلى حماية هذه الطائفة بل وإلى مدها بالأسلحة الخفيفة والثقيلة والهجوم على حكومتهم في أماكن كثيرة لإرهاب الناس وتوجيههم إلى قبول هذه الدعوة، وفتحت الحكومة الروسية أبواب بلادها للبابية ليعيشوا فيها بكل حرية وراحة ويدبروا المؤامرات من مكان مصون.
وكان للمترجم الروسي ((كنيازد الجوركي)) بالسفارة الروسية نشاط قوي في دفع الميرزا على محمد إلى زعامة البابية وادعاء المهدية، ثم دفع البها أيضاً إلى زعامة البهائية ومناصرته أمام الشاة، كما صرح بذلك في مذكرته (٢) ، وقد قوي أمر الشيرازي وانتشرت دعوته وخافت الحكومة والعلماء من انتشارها حتى ألقي القبض على الشيرازي وحوكم وقتل.
٣- نهاية الشيرازي:
لقد كان للحاكم حسين خان -حاكم شيراز- مواقف حازمة ضد الباب الشيرازي ورفقته؛ حيث استدرج الشيرازي وألان له القول، واعتذر عما صدر منه من إهانة له ولأتباعه سابقاً، وأوهمه أنه قد تابعه أيضاً على فكرة البابية وسائر الدعاوى التي جاء بها الباب.
стр. 621
ثم استدعى الحاكم العلماء ليقيم عليهم الحجة في صدق الباب كما أوهمه، وكان قد عهد إليهم بأن يصبروا في مخاتلة الرجل وأخذ الاعتراف منه بخط يده في سائر عقائده الباطلة، وأوهمه بأن كل من سيجرأ على إظهار الكفر به فسيكون القتل مصيره؛ فاطمأن الباب وحضر مجلس العلماء ثابت الجنان طافي الجرأة ثم بادأ الجميع بقوله: ((إن نبيكم لم يخلف لكم بعده غير القرآن فهاكم كتابي البيان فاتلوه واقرءوه تجدوه أفصح عبارة من القرآن)) .
وكظم العلماء ثورتهم، ثم طلب الحاكم إلى الباب أن يسجل ما يدعوه إليه كتابة ففعل ذلك، ثم نظر العلماء في ما كتبه الشيرازي فإذا به ينضح كفراً وخروجاً عن الإسلام، فما كان من الحاكم إلا أن صب جام غضبه على الشيرازي قائلا له: ((فلأعذبنك لعلك ترجع عن غيك)) ثم ضربه ضرباً شديداً وأمر أن يطاف به في الأسواق على دابة شوهاء، وأن يعلن التوبة من كفره على منبر المسجد الكبير.
ثم ارتقى المنبر وأعلن رجوعه من كل ما ادعاه وأنه على دين الاثني عشرية؛ لأنه الحق اليقين (١) ، ثم ألقي به في غيابة السجن (٢) ، ولكن أتباعه ظلوا ينشرون فكرة المهدية والبابية وسائر الأفكار الشريرة، وعوام الناس يتناقلونها بكل لهفة لموافقتها هوى في نفوسهم.
ولما تجاوز الأمر الحدَّ وأدرك عامة الشعب الإيراني واستيقظت الحكومة في إيران على مدافع هؤلاء وبنادقهم يقتلون المسلمين ويستبيحون منهم كل ما يشاءون في معارك دامية واغتيالات متنوعة، ويدعون إلى ظهور المهدي وإلى كتابه المقدس -اجتمع عدد كبير من العلماء والفقهاء وكفروا الباب وأعلنوا مروقه عن الإسلام ووجوب قتله بالأدلة الدامغة.
стр. 622
إلا أن حاكم ولاية أصبهان الذي تظاهر بالإسلام ويسمى منوجهر خان الأرمني وهو صليبي العقيدة والهوى -استطاع- إخفاءه في قصره معززاً مكرماً ليطعن به الإسلام والمسلمين من الخلف.
وكان الشيرازي يصدر توجيهاته إلى أتباعه من هذا المخبأ إلى أن توفي هذا الحاكم وخلفه جورجين خان، فكتب هذا إلى الحكومة في طهران يخبرهم عن وجود الشيرازي فألقي عليه القبض وأمر الميرزا أقاس رئيس الوزراء أن يعتقل الشيرازي في قلعة ماه كو، ومكث معتقلاً حوالي ثلاث سنوات.
٤- مؤتمر بدشت (١) وما تم فيه من خطط:
وحينما أحسَّ البابيون من أنفسهم القوة وكان زعيمهم الباب معتقلاً قرروا عقد مؤتمر لهم ليبحثوا فيه:
١. أمر الباب وكيفية خلاصه من السجن حتى ولو بالقوة.
٢. نسخ شريعة الإسلام وإظهار شرائعهم، وهذا أهم ما عقد له المؤتمر.
وقد تم بالفعل عقد هذا المؤتمر في صحراء ((بدشت)) حضر فيه جميع زعماء البابية، وكان من بينهم غانية البابيين الخليعة أم سلمى زرين تاج التي كانت تلقب بقرة العين وبالطاهرة، وهي ذات جمال فائق وأنوثة ثائرة تستميل بجمالها أغمار الناس، وكانت هي القوة الحقيقة في الظاهر في هذا المؤتمر، ولها أخبار طويلة لا يتسع المقام لذكرها هنا.
стр. 623
وفي هذا المؤتمر الخليط من الرجال والنساء لا تسأل عما جرى فيه من الإباحية والخمر والفرح والمرح والأفعال القبيحة والتي أقلها إباحة الزنى وجميع ما يشتهيه الشخص، ثم أضافوا إلى هذا أيضاً إقرار نسخ الشريعة الإسلامية بمجيء الباب الشيرازي باعتبار أنه المهدي الذي ينسخ شريعة محمد ﷺ .
ودعوى البابية هذه إنما هي ستار لاستجلاب الناس إلى البابية، ولأنهم يعتقدون أن الشيرازي ليس باباً فقط أو مهدياً، بل هو رسول مثل سائر الرسل وله شريعة خاصة به، وأقر في المؤتمر أحكام الخطط لتنفيذ مآربهم بالنسبة لنسخ الشريعة الإسلامية بتحريض شديد من تلك الغانية الملقبة بقرة العين (١) .
وانفتحت على حكومة طهران مصائب كثيرة من البابيين وحروب مشتعلة، فرأت الحكومة وعلى رأسها ناصر الدين شاه القاجاري قتل الشيرازي رأس الفتنة فجيء به وأظهر تراجعه، ولكن لم يكن لينفعه الاستمرار على خداعه ومراوغته فتقرر قتله وقتل كبار أتباعه المسجونين معه في صبيحة يوم الاثنين ٢٧ من شعبان سنة ١٢٦٥هـ -١٨٤٩م.
ولما علم الشيرازي بهذا الحكم ضده انهارت قواه وأسقط في يده وصار يبكي وينوح وغمره الذهول العميق والشرود حتى فهم أصحابه في السجن أن هناك أمراً قد قرر، ولكنهم ما أرادوا أن يسألوه فاستفاق بعد منتصف الليل وبدأ يردد أبياتاً شعرية منها (٢) :
تروم الخلد في دار المنايا *** فكم قد رام مثلك ما تروم
تنام ولم تنم عنك المنايا *** تنبه للمنية يا نؤوم
لهوت عن الفناء وأنت تفنى *** فما شيء من الدنيا يدوم
стр. 624
ويروى عنه أنه طلب من يقتله في السجن في تلك الليلة حتى لا يرى المهانة والذل ثم القتل في صبيحة هذه الليلة، وقال لأصحابه: لو فعل أحد من الأحباء هذا لكان ما فعله عين الصواب (١) .
ولما استعد لذلك الملا محمد علي الزوزني ارتعد الشيرازي وتراجع حينما رأى سيفه مسلولاً وبدأ هو وأصحابه في النحيب والبكاء، وفي الصباح اقتيد هو والزوزني وكان يوماً مشهوداً فقد احتشد الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً من كل مكان ليروا تنفيذ حكم الإعدام.
ثم جيء بمجموعة من الجنود وصوبوا بنادقهم إليه فوقع أشلاء ممزقة فيه أكثر من بضعة وعشرين رصاصة لم تخطئ منها واحدة.
ولقد كان لهذه الحادثة ألم شديد في نفس قنصل الروس الذي حاول بكل جهده أن ينقذه ليتم به تنفيذ مآرب الحاقدين على الإسلام، ولقد سر المسلمون بقتله ونهاية فتنته، ثم امتد القتل بعد ذلك إلى جميع زعماء البابية مثل قرة العين والكاشاني وغيرهم (٢) .
وكان قد استمر في ضلالته متدرجاً من كونه الباب للمهدي إلى أنه هو المهدي إلى النبوة وأخيراً إلى الألوهية، وكان أتباعه ينادونه بالرب وبالإله (٣) ، وقد أذله الله في أماكن كثيرة أمام الناس بعد مناظراته ويضرب ضرباً مهيناً ثم
стр. 625
يبدي التوبة (١) ، إلا أن المتآمرين على إثارة التفرقة بين المسلمين والراغبين في الإباحية ونسخ الشريعة الإسلامية كانوا يدفعونه دفعاً ويهيئون له الجو الملائم لمثل هذه الدعاوى الكاذبة.
وقد أسفرت الديانة البابية عن إنكار القيامة وما جاء في وصفها في القرآن الكريم وزعم أنها قيام الروح الإلهية في مظهر بشري جديد، وأن البعث هو الإيمان بألوهية هذا المظهر، وعن لقاء الله يوم القيامة بأنه لقاء الباب لأنه هو الله، وعن الجنة بأنها الفرح الذي يجده الشخص عندما يؤمن بالباب وعن النار بأنها الحرمان من معرفة الله في تجلياته في مظاهره البشرية، وزعم أنه البرزخ المذكور في القرآن، لأنه كان بين موسى وعيسى.
كما أنه خرج عن تعاليم الإمامية الاثني عشرة -حول مفهوم الرجعة؛ حيث بينها بأنها رجوع الصفات الإلهية وتجليها مع آثارها في مظهر جديد للحقيقة الإلهية، ثم ألغى الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة الجماعة إلا في الجنازة، وقرر أن الطهر من الجنابة غير واجب، وأن القبلة هي البيت الذي ولد فيه بشيرازا، ومكان سجنه والبيوت التي عاش فيها هو وأتباعه، وهي نفس الأماكن التي فرض على أتباعه الحج إليها.
وأما الصوم فهو تسعة عشر يوماً، يصوم الشخص فيه من شروق الشمس إلى غروبها، والزكاة خمس العقار تؤخذ في آخر العام من رأس المال ويدفع للمجلس البابي المكون من تسعة عشر عضواً.
وأما الزواج فهو إجباري بعد بلوغ الحادية عشر، ويكفي رضا الطرفين ويجوز وقوع الطلاق تسع عشرة مرة، وعدة المطلق تسعة عشر يوماً، وعدة المطلقة خمسة وتسعون يوماً، وإذا تزوجت الأرملة فيجب دفع الدية كاملة
стр. 626
على من يتزوج بها، وليس في دين البابية نجاسة لشيء لأن اعتناق البابية يطهر من كل شيء، ويجب دفن الميت في قبر من البلور والمرمر المصقول، ووضع خاتم في يمناه منقوش فقرة من كتاب البيان.
والميراث يكون لسبعة أشخاص من القرابة هم الولد والزوج والزوجة والأب والأم والأخ والأخت، والمعلم.
والعيد الرئيس عند البابية هو عيد النيروز ومدته تسعة عشر يوماً، كما أنه يجب على البابي أن يستقبل الشمس بالسلام في صباح كل يوم جمعة.
وقد حرم الباب على أتباعه قراءة القرآن ووجوب إحراقه وسائر الكتب المخالفة، ومن هنا قاموا بإحراقها كما اعتبروا كل من لم يدخل في دينهم كافراً حلال الدم (١) .
٥- الكتاب المقدس للبابية:
كتب علي محمد الشيرازي كتابه الذي سماه البيان وهو كتاب ((البيان العربي)) الذي زعم فيه أنه منزل من عند الله وأنه ناسخ للقرآن وأنه أفضل الكتب المنزلة على الإطلاق، بل وتحدى الجن والإنس أن يأتوا بمثله على حد زعم الشيرازي (٢) .
стр. 627
قال الشيرازي في بيانه المزعوم في اللوح الأول من آيات الوحي ((شئون الحمراء)) :
١- إنا قد جعلناك جليلاً للجاللين وإنا قد جعلناك به عظيماً عظيماناً للعاظمين، وإنا قد جعلناك نوراً نوراناً للنورين، قد جعلناك رحماناً رحيماً للراحمين، وإنا قد جعلناك تميماً للتامين. إلى أن يقول: قل: إنا قد جعلناك مليكاناً مليكاً للمالكين، قل: إنا قد جعلناك علياناً علياً للعالين، قل: إنا قد جعلناك بشراناً بشيراً للباشرين (١) .
٢- ومن قوله: ((تبارك الله من شمخ مشمخ شميخ، تبارك الله من بذخ مبذخ بذيخ، تبارك الله من بدء مبتدأ بديء، تبارك الله من فخر مفتخر فخير، تبارك الله من قهر مقهر قهير، تبارك الله من غلب مغتلب غليب. إلى أن يقول: وتبارك الله من وجود موجود جويد)) (٢) .
وقال متحدياً الإنس والجن على أن يأتوا بحرف من مثل ما في بيانه المنزل من الله بزعمه: ((يوم نكشف الساق عن ساقهم ينظرون إلى الرحمن، وذكره في الأرض المحشر قريباً فيقولون: يا ليتنا اتخذنا مع الباب سبيلاً إمامكم هذا كتابي قد كان من عند الله في أم الكتاب بالحق على الحق مشهود، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا الكتاب بالحق على أن يستطيعوا.
ولو كان أهل الأرض ومثلهم معهم على الحق ظهيراً، فوربك الحق لن يقدروا بمثل بعض من حروفه ولا على تأويلاته من بعض السر قطميراً (٣)) ) ،
стр. 628
إلى آخر هذا الهذيان التافه الذي فضله على كتاب الله المنزل على محمد ﷺ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وليس هذا فقط؛ بل تحدى الجن والإنس ومثلهم معهم أن يأتوا ببعض الحروف التي وردت فيه. وحينما يقارن الإنسان بين كلام الله وكلام مثل هؤلاء السخفاء الدجاجلة يتبين له نور الحق، وبضدها تتميز الأشياء.
وبعد أن انتهى أمر الباب الشيرازي قام صراع حاد جداً على تولي الزعامة البابية وما بعدها بين حسين علي المازندراني وزعماء البابية، متمثلة في أخيه صبح الأزل، وقد أخذ حسين علي المازندراني منها نصيب الأسد، وهزمت البابية على يديه شر هزيمة في أحداث طويلة قد لا يكون من الضروري سردها هنا كاملة؛ بل نشير إلى أهم ما وقع فيها فيما يأتي.
٦- هزيمة البابية:
لقد خاض البهائيون بزعامة حسين المازندراني مواجهات عنيفة وجدال كبير وسفك دماء وتآمر، وأحياناً خداع ومراوغة البابية.
وكان من حظ البهائية العميلة أن وقفت معها اليهودية العالمية بالتأييد وتهيئة الظروف لانتشارها وإماتة البابية الأزلية أتباع يحيى صبح الأزل الذي أخذ الزعامة بعد الباب الشيرازي بوصية من الشيرازي له، فاختطفها منه أخوه حسين المازندراني، ولقد هاجم المازندراني أخاه صبح الأزل وأتباعه بكلام طويل زاعماً أنه من وحي الله وكلامه، وأنه هو المظهر الإلهي وصاحب نسخ الديانات كلها.
وزعم أن البيان الذي ألّفه الشيرازي وأكمله صبح الأزل إنما كان من وحيه
стр. 629
هو. ((فاعتبروا يا أولي الألباب)) .
وفسر هو وأتباعه وصية الشيرازي بالبابية إلى يحيى صبح الأزل بأنها خطة لتحويل أنظار الناس عن المازندراني لخوفهم عليه في ذلك الوقت، ونشطوا في بث الدعايات السيئة ضد البابية الأزلية.
وقد ظل صبح الأزل يواصل بث الدعاية ضد البهائية بكل وسيلة وهو في منفاه في جزيرة فاما جوستا بقبرص، وألف المؤلفات الكثيرة في بيان كذب المازندراني ونشر الدعايات ضده، إلا أن الأمور كانت تسير في غير صالحه إلى أن هلك في سنة ١٩١٢م عن اثنين وثمانين سنة.
بعد أن أوصى بالأمر من بعده لابنه الميرزا محمد هادي، مع أنه ما كان له ما يوصي به (١) ، وقد تفرق بقية أتباعه بعد ذلك وانتهت البابية التي لاحقتها مطاردة البهائية في كل مكان وصلت إليه البهائية.
ولم يفد البابية شيئاً ذلك الوحي الذي لفقه زعيمهم الشيرازي حين قال في كتابه البيان: ((لا إله إلا أنت لك الأمر والحكم، وأن البيان هدية مني إليك)) ، حيث فسر البابيون هذا الكلام على أنه موجه إلى يحيى صبح الأزل، بينما العجل حسين كما سماه أخوه صبح الأزل جاء في حقه قول يحيى: ((خذوا ما أظهرنا بقوة وأعرضوا عن الإثم لعلكم ترحمون إن الذين يتخذون العجل من بعد نور الله أولئك هم المشركون)) على أن الإثم والعجل المقصود
стр. 630
بهما حسين المازندراني (١) .
لقد أفنى حسين المازندراني أتباع يحيى صبح الأزل بحد السلاح، ولم يأخذه فيهم أي إحساس بالرحمة أو اللين؛ لأنه في عجل شديد للوصول إلى ما يهدف إليه من آماله العريضة، ولما كان الغرض يتعلق بدراسة البهائية وآرائها وبيان ما وصلت إليه من نفوذ وانعكاسات في العالم الإسلامي -فإننا نكتفي بذكر الإشارات السابقة في بيان نشأة البهائية التي قامت على أنقاض البابية التي قامت هي الأخرى على أكتاف الرشتية بتأسيس من الشيخية الضالة.
فمن هي البهائية وكيف قامت؟
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 631
الفصل الثاني
خطر البهائية
قبل الدخول في تفاصيل أمور البهائية ينبغي أن أذكر بما أجمع عليه العلماء العارفون حقيقة هذه الطائفة من شدة خطرها على المسلمين وما تبيته لهم من نية السوء.
ذلك أن البهائية هي إحدى الحركات الهدامة التي احتضنتها الصهيونية العالمية لهدم الأديان، وخصوصاً الدين الإسلامي، وقد عرفنا فيما سبق أنها وريثة البابية بعد هلاك الشيرازي، بعد أن احتدمت بين البابية والبهائية تلك الخلافات على السلطة والزعامة الدينية، حيث خرجت البهائية منها هي المنتصرة في النهاية.
وقد تسربت البهائية إلى أذهان كثير من الناس في أثواب براقة وأساليب مختلفة، ولقد كان لهم دور بارز في مصر ونشاط أقلق الرأي العام في سنة ١٩٧٢م، وكتب عنها حينذاك رجال الفكر في الصحف والمجلات.
وتمت محاكمة البهائيين واتضح أنهم فئة خارجة على جميع الأديان السماوية، وتحت زعامة نبيهم المزعوم أو ربهم بهاء الله الذي حول الحج إلى المزارات البهائية في إسرائيل، واخترع له شريعة من أفكاره، وحوّل الكعبة إلى المكان الذي هو فيه، ولهم نشاط ظاهر في محاربة جميع الأديان وأهمها الإسلام، كما أن لهم نشاطاً خفياً ومنشورات تدعو إلى نبذ الإسلام في
стр. 632
البلدان التي يخافون فيها من بطش المسلمين بهم.
ولهم شهور تخالف الشهور الإسلامية وعادات تخالف العقائد الإسلامية ومحافل وخلايا مندسة ومبثوثة بين صفوف المسلمين.
ولقد حوربت البهائية واعتبرت عدوة الأديان جميعاً وحظر نشاطها في كل من مصر وتركيا وإيران بعد اطلاع علماء هذه البلدان على نوايا هذه الطائفة المجرمة عميلة الصهيونية العالمية، منذ أن تزعمها المازندراني الذي زعم لنفسه ألقاباً وصفات لا تليق إلا بالله ، تبعاً لشيخه الشيرازي الذي زعم قبل أن يقتل شر قتلة بأنه المظهر الإلهي، حيث حلت فيه الحقيقة الإلهية أتم حلول، وأنه أيضاً حقيقة كل نبي وقديس ورسول بل هو الله نفسه (١) .
ثم جاء البهاء وأغرق في الزيارة على تلك الأوصاف كلها وزعم تلك المزاعم كلها، وزاد عليها ما جاد به خياله الواسع في التعالي، حيث زعم أن الباب نفسه إنما جاء هو وسائر الرسل للتبشير بمجيء البهاء، فهو الممثل الوحيد لبهاء الله الذي هو متمثل به -تعالى عن إلحادهم (٢) .
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 633
الفصل الثالث
زعيم البهائية
١- مؤسس هذه الطائفة يسمى حسين علي، وأبوه يسمى عباس بزرك النوري المازندراني.
٢- ولد حسين علي النوري المازندراني في قرية من قرى المازندران في إيران تسمى نور، وقيل: ولد في طهران في سنة ١٢٣٣هـ.
وحين ظهرت البابية لم يكن هذا الرجل معتبراً من حروف ((حي)) التي نظمها الباب الشيرازي، ولا كان له ذكر مشهور في أول قيام البابية، وقد اعتنق البابية سنة ١٢٦٠هـ وهو في السابعة والعشرين من عمره.
وقد وجد في نفسه على الباب الشيرازي، إذ لم يجعله من حروف حي أي صفوة زعماء البابية، بل جعل أخاه يحيى صبح الأزل منهم، ولكن المازندراني استطاع كظم غيظه وأسرَّ ذلك في نفسه على الباب، إلا أنه ظل يتحين الفرص للظهور، ووجد فرصته حينما عقد البابيون مؤتمرهم في صحراء بدشت.
حيث هيأ للمؤتمرين كل وسائل المتعة والترف، واستحوذ على قرة العين غانية البابيين، واستحوذت هي الأخرى عليه، وكانا أساس المؤتمرين وأهم البارزين فيه، إلا أن المازندراني كان يخفي نفسه في أول المؤتمر ليتحاشى الخصومة مع المؤتمرين، ولكنه ظهر في آخر المؤتمر ليقطف ثمرته حين كانت قرة العين- كما سماها الشيرازي- تصر على نسخ الشريعة الإسلامية بالشريعة
стр. 634
البابية.
وحينما تأزمت الأمور بينهما وبين بقية المؤتمرين تدخل المازندراني لصالح قرة العين، وأخذ يقرأ سورة الواقعة ويفسرها بتفسيرات باطنية ويزعم لهم أن القرآن نفسه فيه إشارة قوية لنسخ شريعة الإسلام بشريعة الباب، فاجتمعت الكلمة على طاعة قرة العين التي جعلت نفسها بعد ذلك طائعة للمازندراني تمام الطاعة ولقبته على أحد الأقوال -بهاء الله- أو لقب نفسه هو بهذا اللقب، بعد أن تعاظم في نفسه (١) ، أو لقبه اليهود لتحقيق ما في كتبهم من ذكر بهاء الله ورب الجنود الذي يقيم دولتهم (٢) ، عندما يأتي للإيحاء بأن مجيء المازندراني يعتبر من جملة الإرهاصات لمجيء رب الجنود إله إسرائيل بزعمهم.
ثقافته:
تلقى المازندراني العلوم الشيعية والصوفية وهو صغير، وتزعم كتب البهائية أنه كان يتكلم في أي موضوع، ويحل أي معضلة تعرض له ويتباحث في المجامع مع العلماء، ويفسر المسائل العويصة الدينية، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره (٣) .
وكان شغوفاً بما يتعلق بالمهدي وأخبار المهدي وقراءة كتب الصوفية والفلاسفة والباطنية، إلا أنه حينما عظم في نفسه وجاء بتخريفاته الإلحادية زعم أنه أمي لا يعرف شيئاً، ولكن الله ألهمه العلوم والمعرفة جميعاً (٤) ، وكتب ما كتب من أقوال تعد من أشنع الكذب- وكان محباً مائلاً لأقوال الصوفية وشطحاتهم- إلى أفكار البراهمة والبوذيين والباطنية والمانوية، وغير ذلك من
стр. 635
المذاهب التي كان يغترف منها مدعياً أن كلامه وحي وظهور لكلام الله تعالى، ولقد ذكر العلماء أقوالاً شنيعة في تناقض المازندراني حين ادعى أنه أمي مع ما لفقه في كتبه من أقوال الناس (١) .
عمالته هو وأسرته لأعداء الإسلام والمسلمين:
كانت أسرته عميلة وفية للروس، فقد كان أخوه الأكبر كاتباً في السفارة الروسية، وكان زوج أخته الميرزا مجيد سكرتيراً للوزير الروسي بطهران.
ولذلك كان الجاسوس الروسي كنييازد الجوركي من بناة البابية الأوائل، وليس الروس وحدهم في هذا الميدان؛ بل إن اليهود أيضاً دخلوا في خدمة هذه النحلة أفواجاً مع شدة تعصب اليهود لدينهم ولجنسهم واحتقارهم الآخرين.
وهدفهم واضح من هذه المسارعة وهو دعم هذه النحلة ظاهراً ليوجهوها لخدمتهم، كما تم ذلك بالفعل وبالتعاون أيضاً مع سائر أجهزة التبشير العالمي. وإلا فمتى كان اليهود يحبون خدمة الإسلام والمسلمين على حد من يزعم أن البهائيين مسلمون.
لقد أدرك اليهود وهم يسعون حثيثاً لامتلاك دولة باسمهم أن أي دعوة تقبل فكرة محو الجهاد في سبيل الله تعالى وتستهجنه أدركوا أن هذه الدعوة هي إحدى الروافد التي تمدهم بالقوة.
فكيف إذا كانت تلك الدعوة إنما تقوم من الأساس على أكتاف اليهود وعلى تجمعهم في فلسطين، فإن المازندراني نفسه قال في الوحي الذي زعمه: ((قل تالله الحق إن الطور يطوف حول مطلع الظهور، والروح ينادي من في