← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الرابع: أنواع القرائن الصارفة للنهي عن التحريم اتفق جمهور الأصوليين والفقهاء على أن الأصل في صيغة النهي -إذا تجردت عن القرائن- أنها تُحمل على ظاهرها وهو التحريم، فإن احتفت بها القرائن المعتبَرة الصحيحة الصالحة لصرف النهي عن التحريم، فإنه يلزم حَمْلها على ما دلت عليه القرينة الصارفة من الكراهة أو غيرها من المعاني التي يمكن أن ترد لها (١). والباحث في كتب العلماء المتقدمين يلمس الجهود الكبيرة في العناية بالقرائن وبيان أثرها والاستفادة منها في فهم دلالات الأدلة الشرعية والمراد منها؛ لاستنباط الأحكام، لكنهم لم يفصِّلوا الكلام عنها، ولا أفردوا لها مبحثاً مستقلاً خاصاً، ولكنها منثورة ومفصَّلة في كتب الفقه وشروح الأحاديث، فيما يذكرونه من أدلة وشواهد وعلل ومناسبات في ثنايا المسائل الفقهية والأحاديث التي تطرَّقوا لشرحها (٢). وقد أشار الإمام الشافعي ﵀ إلى بعض هذه القرائن الصارفة، حيث يقول: «أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهياً عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار. ولا نفرق بين نهي النبي ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ أو أمر لم يختلف فيه المسلمون، فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنة، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم» (٣). والقرائن لها أنواع كثيرة وتقسيمات متعددة بحسب اختلاف الاعتبارات، نجدها منثورة في كتب الفقه وأصول الفقه. وفيما يلي: بيان طائفة مما ذكره العلماء من القرائن الصارفة للنهي عن التحريم (٤):

стр. 37

الأول: الإجماع: إذا ورد نهيٌ في نص شرعي، ثم أجمعت الأمة على حَمْله على الكراهة والتنزيه، كان الإجماع قرينة صارفة له عن ظاهره، وذلك لأن الإجماع لا يمكن أن يقع مخالفاً لمقتضى النص الشرعي؛ لأنه قائم على مستند من القرآن أو السنة؛ فالعمل بالإجماع هو عمل بالنص والإجماع، والعمل بالدليلين والجمع بينهما أولى من إلغاء أحدهما (١). قال الإمام الشافعي ﵀: «ولا نفرق بين نهي النبي ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ أو أمر لم يختلف فيه المسلمون» (٢). مثاله: مسألة النهي عن القزع؛ فقد حمل الفقهاء النهي على الكراهة بالإجماع. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (٣). الثاني: القرينة اللفظية في النص نفسه أو في نص آخر: بأن يَرِد نهي في نص شرعي ظاهره التحريم، وتأتي في النص نفسه قرينة لفظية تدل على عدم إرادة التحريم من النهي، فيكون ذلك قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة. أو يَرِد نصان: أحدهما فيه نهي ظاهره التحريم، والآخر يقتضي حمل النهي على الكراهة والتنزيه، فيُصرف عن ظاهره إلى الكراهة عملاً بالنصين. قال الإمام الشافعي ﵀: «ولا نفرق بين نهي النبي ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ » (٤). مثاله: حديث النهي عن البول في المغتسل فقد نص فيه على أنه يورث الوسواس، جاء في (نيل الأوطار): «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (٥).

стр. 38

الثالث: فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه: إذا ثبت فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه في بعض الأوقات، فإن ذلك يدل على أنه محمول على الكراهة؛ لأنه ﷺ معصوم لا يقع في فِعله محرم، وإن فعل شيئاً وكان مكروها في حقنا، فليس بمكروه منه؛ لأنه إنما يفيد به التشريع وبيان الجواز، ويُشترط له ألا يكون الفعل منه ﷺ على سبيل الاختصاص به (١). وقد ذكر العلماء لمسألة: تعارض القول والفعل، أنواعاً متعددة وطُرُقاً لدفع هذا التعارض، منها: جَعْل الفعل بياناً للجواز. قال الزركشي ﵀: «للفقهاء في مثل ما مثَّلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهي: حمْل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجَعْل الفعل بياناً لذلك» (٢). مثاله: ما جاء في حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ بال في حال القيام، فهذه قرينة نصية لبيان الجواز وأن النهي ليس للتحريم. جاء في (فتح الباري): «الأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود» (٣). الرابع: إقرار النبي ﷺ لمَن فعل المنهي عنه: إذا فعل بعض الصحابة ﵃ المنهيَّ عنه بمحضر من النبي ﷺ أو في عصره، مع علمه بذلك، وإقراره لهم -فإن ذلك قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة؛ لأن هذا المنهيَّ عنه لو كان محرماً لما ترك النبي ﷺ الإنكار على فاعله؛ فإنه ﷺ جاء لبيان الأحكام. و «لأنه لا يجوز على النبي ﷺ أن يرى منكرًا فلا ينكره؛ إذ كان ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله الحظ الأوفر في ذلك» (٤). الخامس: التعليل بما يشعر بعدم التحريم: أن يُعلل النهي الوارد في النص الشرعي بعلة تُشعِر بحمله على الكراهة والتنزيه، فتُعد هذه العلة قرينة صارفة للنهي عن التحريم عملاً بمقتضاه وتجنباً لإلغائه.

стр. 39

قال الخطابي ﵀ (١): «والمعاني هي المصرِّفة للأسماء والمرتِّبة لها» (٢)، والمعاني هي العلل. مثاله: ما جاء في (نيل الأوطار) عند حديث النهي عن البول في المغتسل: «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (٣). السادس: فعل الصحابة ﵃ للمنهيِّ عنه: إذا نُقل عن طائفة من الصحابة ﵃ فعل المنهيِّ عنه في بعض الأوقات من غير عذر وضرورة، كان فعلهم قرينة صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة؛ لعدالة الصحابة، ولأنه ربما علم بقرينة صارفة، و «لأنه شاهد الرسول وسمع كلامه، والسامع أعرف بالمقاصد ومعاني الكلام» (٤). مثاله: ماجاء في مسألة النهي عن الصبغ بالسواد؛ فقد فَعَله جماعة من الصحابة، ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أن الصحابة فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم (٥). السابع: القرينة الحالية: إذا ورد نهي في نص شرعي واحتف به ما يدل على أن المراد به غير ظاهره، كسبب ورود النهي أو الأحوال المصاحبة له، فإنه يُصرف حينئذ عن حقيقته إلى الكراهة والتنزيه، وذلك لما ثبت من تأثير القرينة الحالية في الدلالة على المراد.

стр. 40

قال ابن عبد البر ﵀ (١): «النهي محمول على الحظر والتحريم والمنع حتى يصحبه دليل من فَحْوى القصة والخطاب أو دليل من غير ذلك يخرجه من هذا الباب إلى باب الإرشاد والندب» (٢). الثامن: المقصد من النهي: استعمل الفقهاء وغيرهم النظر في مقصد الشارع من النهي في صرفه عن التحريم، وذلك لأن النهي الوارد في النص الشرعي قد يكون المقصد منه حمل الناس على مكارم الأخلاق ومحاسنها، أو حثهم على ما فيه رشدهم والأصلح لهم، كذا قد يكون مغزاه الرفق بهم ورحمتهم وإعلامهم بما هو أيسر عليهم. جاء في (الموافقات): «الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تُعلم من النصوص، وإن عُلم منها بعض فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح» (٣). قال القرافي ﵀: «القاعدة أن: الوسائل تبع للمقاصد ودونها في الرتبة: فوسيلة الواجب واجبة ودونه في الوجوب، ووسيلة المندوب مندوبة ودونه في الندب، ووسيلة المباح مباحة غير أنها لا يمكن أن تكون أدنى منه؛ لتعذر ذلك في المباح؛ لضرورة الاستواء» (٤). التاسع: الأصول والقواعد الشرعية العامة: من القرائن الصارفة للنهي عن التحريم أن تقتضي الأصول والقواعد الشرعية

стр. 41

حمله على الكراهة والتنزيه. مثاله: استعمال قاعدة سد الذرائع قرينةً لحمل النهي على غير التحريم في مسألة النهي عن تخليل الخمر. جاء في (التبصرة): «ومحمل الحديث أن ذلك حمايةٌ؛ لئلا يتذرَّع الناس إلى شُربها، وليس أنَّها تكون حراماً إن فعل» (١). العاشر: القياس: عمل بعض الفقهاء بالقياس في صرف النهي عن التحريم. ولا يكون الصرف به في مقام الاستقلال به وحده، وإنما في مقام الاعتضاد مع غيره من القرائن. من ذلك: القياس المعارض لحمل النهي على التحريم: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ)) (٢). فمن الفقهاء مَنْ استدل بالقياس وتأول مفهوم النهي فقال بالإباحة (٣). الحادي عشر: ضعف الحديث: إذا ورد النهي في حديث ضعيف فإن بعض أهل العلم يقيم ضعف الحديث مقام الصارف للنهي عن التحريم. قال ابن مفلح ﵀ (٤): «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: (لعل هناك صارفاً عن مقتضى الدليل ولم يُذكر)؛ لأنه خلاف

стр. 42

الظاهر» (١). الثاني عشر: ورود النهي في حال دون حال: قال الإمام الشافعي ﵀: «أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهياً عن بعض الأمور دون بعض … » (٢). جاء في فتاوى الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ الإشارة إلى هذا الصارف في مسألة تخصيص يوم الجمعة بصيام: فحُمل به النهي على الكراهة لا التحريم، حيث سُئل: «إذا كان الأصل في النهي التحريم، فلِم صار في الجمعة للكراهة؟ فأجاب: لعله لكونه رُخص في الشرع في صيامه وصيام يومٍ معه، فلو كان حراماً لما ساغ صومه بالكلية» (٣). الثالث عشر: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد: إذا ورد نهي في نص شرعي وكان النهي في باب الأدب والإرشاد إلى المصلحة، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى صرف النهي عن التحريم؛ لكونه في باب الآداب، وأن النهي فيه راجع إلى الكراهة (٤). قال الشافعي ﵀: « … وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (٥). مثاله: قال القرطبي ﵀ (٦) عند الكلام في باب الانتعال وآدابه: «لا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر

стр. 43

عند مُعتبَر بقوله من العلماء، والله تعالى أعلم» (١). ملحوظات: - يقسم العلماء القرائن إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات، إلا أنها تتداخل فيما بينها كثيراً، ولا تكاد تجد اعتباراً يفصِلها دون أن تتجاذبها الاعتبارات الأخرى، ولذا ذكرتها سرداً دون تقسيم. - الحكم على القرائن قوةً واعتباراً يختلف بحسب أصل القرينة إن كانت قرينة نصية أو غير نصية، وبحسب القرائن الأخرى المصاحبة لها أو المعارضة، وبحسب دلالتها إن كانت عامة أو خاصة في موضوع المسألة الفقهية التي وردت فيها، وغير ذلك من الأمور المؤثرة.

стр. 44

الباب الأول المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الطهارة ويتكون من ستة فصول: الفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المياه. الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الآنية. الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب قضاء الحاجة. الفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة. الفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الوضوء ونواقضه. الفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب إزالة النجاسة.

стр. 45

الفصل الأول المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المياه وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد. المبحث الثاني: النهي عن الغسل في الماء الراكد. المبحث الثالث: النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها. المبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة. المبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المُسخَّن بالشمس.

стр. 46

المبحث الأول: النهي عن البول في الماء الراكد المطلب الأول: حكم البول في الماء الراكد (١): دليل النهي: عن جابر ﵁: عن رسول الله ﷺ أنَّه ((نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ)) (٢). صورة المسألة: إذا أراد إنسان أن يبول في الماء الواقف الذي لا يجري، فهل يجوز له ذلك أو لا؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء على أن الماء المستبحر (٣) الكثير جداً لا يدخل في النهي؛ فهو مُخصَّص من النهي بالإجماع (٤). قال ابن تيمية ﵀: «لا تنازع بين المسلمين أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يعم جميع المياه، بل ماء البحر مستثنى بالنص والإجماع» (٥). وقال ابن دقيق العيد ﵀ (٦): «اعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره

стр. 47

بالتخصيص أو التقييد؛ لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جداً لا تؤثر فيه النجاسة» (١). دليل الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) (٢). ثانيا: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم البول في الماء الراكد، على قولين: القول الأول: يحرم. وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول عند المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: يُكره. وهو المذهب عند المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 48

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁: عن رسول الله ﷺ أنَّه ((نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ)) (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث نهي صريح عن البول في الماء الراكد، والنهي المجرد يقتضي التحريم، ولا صارف للنهي عن التحريم، وقوله: (الماء الدائم) يعم القليل والكثير (٣) (٤). الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ (٥) الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ (٦) فِي الْمَوَارد (٧)، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ)) (٨)، وفي رواية:

стр. 49

(( … أو في نقع ماء (١) (٢). وجه الاستدلال: يدل الحديث على أنه يحرم قضاء الحاجة في المواضع التي يَرِدها الناس للاستسقاء منها؛ لأنه ضرر عظيم بالمسلمين؛ إذ يعرضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء، ولأن مَنْ فعلها شُتم ولُعن (٣). الدليل الرابع: أن الماء إن كان قليلاً نجسه البول فيه، وإن كان كثيرا: فإن توارد البول عليه من البائلين يؤدي إلى تغيُّره وتقذيره، ويظن المار أنه تغير من قراره (٤). نوقش: أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك (٥). أجيب عنه: أنه مع كثرة البائلين فيه قد يؤول إلى أن يتغير بالنجاسة فيصير نجسًا بالإجماع (٦)، وذلك إيذاء للناس بإفساد مياههم، إذ يمنعهم من الانتفاع به فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء؛ فيُمنع سداً للذريعة ومراعاة لمصالح العباد (٧). أدلة القول الثاني: الدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأبي هريرة اللذين استدل بهما القائلون بالتحريم.

стр. 50

وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث للكراهة؛ لوروده على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة (١). نُوقش: أن النهي يقتضي التحريم عند المحققين وأكثر أهل الأصول، فلا يصح حمله على غير التحريم إلا بدليل (٢)، ولا دليل على ذلك. الدليل الثالث: أنه يكره؛ لأن فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيه فيغيره (٣). يمكن أن يناقش: أن تغيره بكثرة البول دليل تنجسه؛ فلذا يحرم البول في الماء الراكد، ولأنه إفساد للماء وإيذاء لمستعمله. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم البول في الماء الراكد. أسباب الترجيح: ١ - أن النهي فيه صريح صحيح سالم من المعارِض الراجح. ٢ - أن الناس شركاء في الماء، فلا يجوز إفساده عليهم بتنجيسه؛ لأن الشريعة جاءت بتحريم الإيذاء. ٣ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.

стр. 51

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. فالنهي عن البول في الماء الراكد فيه تنزيه عن النجاسة، وحث على مكارم الأخلاق. جاء في (إكمال المعلم): «نهيه ﷺ عن بول الرجل فى الماء الراكد أو الدائم الذى لا يجرى … على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والاحتياط على دين الأمة» (١). وجاء في (الكواكب الدراري): «فيه التأديب بالتنزه عن البول» (٢). وجاء في (فيض القدير): «والنهي للتنزيه» (٣). والعلة: هي استقذار الناس من الماء الذي بِيل فيه، فيمنعهم ذلك عن استعماله في حاجاتهم. قال ابن دقيق العيد ﵀: «النهي معلل بالاستقذار الحاصل في الماء بسبب البول» (٤). وقال ابن الملقن ﵀ (٥): «فيه التأدب بالتنزه عن البول في الماء الراكد؛ لعموم الحاجة إليه» (٦). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا ضعيفة لا تقوى على صرف النهي من التحريم إلى الكراهة؛ لأن دلالة النهي الصريح على التحريم أقوى؛ لوجود ما يؤكد حمله على التحريم؛ فإن الشرع جاء بتحريم أذية المسلم، ولكونها تجلب اللعن على مَنْ يؤذي الناس في

стр. 52

مياههم ومواردهم، ولموافقتها لما جاءت به الشريعة من البعد عن النجاسة والقذر، والله تعالى أعلم.

стр. 53

المبحث الثاني النهي عن الغسل في الماء الراكد المطلب الأول: حكم الغسل في الماء الراكد (١): دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ (٢)، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا)) (٣). صورة المسألة: لو أراد شخص الاغتسال في الماء الواقف الذي لا يجري، هل يجوز له ذلك أو لا؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم اغتسال الجُنب في الماء الراكد (٤)، على قولين: القول الأول: يُكره. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). القول الثاني: يحرم في القليل. وهو مذهب الحنفية (٨).

стр. 54

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا)) (١). وجه الاستدلال: يدل الحديث على النهي عن الاغتسال في الماء الراكد قليلاً كان أو كثيراً، وهو محمول على الكراهة؛ لأن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملاً (٢)، وذلك مفسد له فيمتنع على الغير الانتفاع به (٣). نُوقش: بأن التعليل بمصير الماء مستعملاً تعليل ضعيف، بل العلة: مصيره مستخبثاً بتوارد الاغتسال فيه، فيفسد ويبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: (يتناوله تناولاً)، فإنه يدل على أن النهي إنما هو من الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق (٤). الدليل الثاني: أن الغسل فيه يقذره على مَنْ يستعمله بعده؛ إذ لا يخلو من وسخ وعرق في جسمه غالباً، فيغيره؛ فتعافه النفس (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم مما تستخبثه الطباع السليمة، والخبيث محرم، والتحريم دليل النجاسة؛ فيكون الاغتسال محرماً (٧). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ الذي استدل به أصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ نهى عن الاغتسال في الماء الراكد، ويحمل على

стр. 55

القليل، والأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأن فيه تنجيساً للماء الطاهر، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى، لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، إذ بدن الجنب به نجاسة تقديرية، وذا يقتضي التنجيس به، فيفسده ويحرم استعماله على غيره (١). يمكن أن يُناقش: بأن النهي عام في القليل والكثير، وأن الماء لا يتنجس بمجرد ذلك؛ للإجماع على أن بدن الجنب طاهر (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن اقتران النهيين في الحديث يقتضي التسوية، فيدل على أن الغُسل فيه كالبول فيه، والنهي عنهما للتحريم (٤). نوقش: أن دلالة الاقتران ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها: فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه؛ لئلا يسلبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحا قوله (يتناوله تناولا) فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره (٥). سبب الاختلاف: هو اختلاف الفقهاء في علة النهي عن الاغتسال في الماء الدائم: فالقائلون بالتحريم قالوا: العلة هي الاستخباث وتنجيس الماء بالملاقاة، والقائلون بالكراهة منهم مَنْ قال: العلة هي صيرورة الماء مستعملاً، ومنهم مَنْ قال: العلة هي الاستقذار، وعيافة النفس.

стр. 56

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الغسل في الماء الراكد. أسباب الترجيح: ١ - أن هذا القول موافق لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة والبعد عن الأقذار. ٢ - أنه موافق للطبائع؛ فالنفس تنفر مما يستقذر. ٣ - ضعف استدلال القول الآخر، وورود المناقشة عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين مما سبق أن الجمهور حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة هي: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي عن الغسل في الماء الراكد فيه إرشاد إلى مصلحة المحافظة على الماء وعدم تقذيره على الناس. قال النووي ﵀ (١): «قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يُكره الاغتسال في الماء الراكد قليلاً كان أو كثيراً … وهذا كله على كراهة التنزيه» (٢). وقال ابن دقيق العيد ﵀: «أن المقصود: التنزه عن التقرب إلى الله سبحانه بالمستقذرات» (٣). قيل: العلة: تقذير الماء على الناس. وقيل: لئلا يصير الماء مستعملاً، فيفسد الانتفاع به على غيره. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد هنا قرينة معتبرة؛ لمناسبة

стр. 57

التعليل بالاستقذار لمعنى الإرشاد إلى المصلحة، ولكونه موافقاً لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة. أما التعليل بمصير الماء مستعملاً فضعيف مردود بما بينه الصحابي بأنه لا يُمنع التناول منه. والله أعلم. قال ابن تيمية ﵀: «نهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره؛ لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملا» (١).

стр. 58

المبحث الثالث: النهي عن غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها المطلب الأول: حكم غمس يد المستيقظ من النوم في الإناء قبل غسلها: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) (١)، ولفظ البخاري: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) (٢). صورة المسألة: إذا قام المسلم من نوم ليل أو نهار، وأراد الوضوء، فهل يجوز أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: أجمع العلماء (٣) على أن غسل اليدين في أول الوضوء سنة؛ لورودها في صفة وضوء النبي ﷺ (٤)، ودليله: عَنْ حُمْرَانَ (٥) مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: ((أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ … ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وقال: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ

стр. 59

ذَنْبِهِ)) (١). ثانيا: أجمعوا على النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها إن قام من النوم (٢)، واختلفوا فيه: هل النهي للتحريم أو للكراهة، على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، ومذهب الحنابلة في نوم النهار، ورواية في نوم الليل (٦). القول الثاني: التحريم. وهو المذهب عند الحنابلة في نوم الليل (٧). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٨). وجه الاستدلال: جاء الأمر بالوضوء في الآية من غير غسل الكفين في أوله، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به، وقوله: (إذا قمتم) يعم القائم من النوم وغيره، ولاسيما وقد فسَّره زيد بن أسلم (٩) بالقيام من الليل (١٠). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ

стр. 60

مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) (١). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث محمول على الكراهة لا التحريم؛ بدلالة قرينة التعليل وذِكر العدد: فأما قرينة التعليل: فقوله: (فَإِنَّه لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) تعليل بأمر يقتضي الشك في النجاسة، وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، فلا يجب غسله، وإنما يُستحب (٢)، وأما قرينة العدد: فإن ذِكر العدد في غير النجاسة العينية دليل الندب (٣). الدليل الثالث: أن الطهارة الواجبة عن الحدث يجزئ فيها غسل اليدين في جملة أعضاء الوضوء بنية الحدث، ويُكتفى لهما بغسلة واحدة (٤). دليل القول الثاني: استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم. وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث أمر صريح بالغسل قبل إدخاله في الإناء، وفي اللفظ الآخر نهي صريح عن إدخاله قبل الغسل، وأمره ﷺ يقتضي الوجوب، ونهيه يقتضي التحريم، وهو تَعبُّدي غير معقول المعنى، وخُص بنوم الليل؛ لأن المبيت إنما يكون بالليل (٥). نُوقش: بأن تعليل النبي ﷺ بأمر يقتضي الشك في النجاسة بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) علة صارفة للنهي عن حقيقته إلى الكراهة، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوباً في الحكم، وقوله: (من نوم) يعم نوم الليل والنهار، وإنما ذكر الليل لكونه الغالب (٦). سبب الاختلاف: السبب هو اختلافهم في مفهوم علة النهي في الحديث (٧).

стр. 61

قال ابن تيمية ﵀: «وأما الحكمة في غسل اليد: ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خوف نجاسة تكون على اليد، مثل: مرور يده موضع الاستجمار مع العرق أو على زبلة ونحو ذلك. والثاني: أنه تعبد ولا يُعقل معناه. والثالث: أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان كما في الصحيحين عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ أَحَدُكُمْ- مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)) (١)، فأمر بالغسل معللاً بمبيت الشيطان على خيشومه، فعُلم أن ذلك سبب للغسل عن النجاسة والحديث معروف. وقوله ﷺ : (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) يمكن أن يُراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار» (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة غمْس يد القائم من نوم ليل أو نهار في الإناء قبل غسلها، وهو قول الجمهور. أسباب الترجيح: ١ - موافقة هذا القول لآية صفة الوضوء. ٢ - قوة أدلة الجمهور، وأن القرائن المصاحبة للنهي مؤثرة في القول بالكراهة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل الجمهور النهي في هذه المسألة على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص بالتعليل بما يقتضي عدم التحريم. وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)، فهذه العلة تفيد الشك، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوباً في الحكم (٣).

стр. 62

قال ابن القيم ﵀: « … أنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه» (١). وقال ابن حجر ﵀ (٢): «الأمر عند الجمهور على الندب … والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التعليلُ بأمر يقتضي الشك؛ لأن الشك لا يقتضي وجوباً في هذا الحكم استصحاباً لأصل الطهارة .... والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على الندبية» (٣). القرينة الثانية: ورود النص بذكر العدد. ذَكر النبي ﷺ أن غسل اليد قبل إدخاله في الإناء يكون ثلاثاً، فكان ذلك قرينة صارفة؛ لأن ذِكر العدد في غير النجاسة العينية دليل الندب (٤). القرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. وذلك أن في النهي عن إدخال اليد في الإناء قبل غسلها إرشاداً إلى المصلحة؛ لخوف نجاسة تكون على اليد، فتفسد الماء. قال ابن عبد البر ﵀: «علمنا بكتاب الله وسنة رسوله أن أمره ﷺ القائمَ من نومه ألا يغمس يده في وضوئه إنما ذلك ندب وأدب وسنة قائمة لمن كانت يده طاهرة وغير طاهرة» (٥). وجاء في (المفهم): «ذهب الجمهور إلى أن ذلك على جهة الاستحباب؛ بدليل تعليله في آخره بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، ومعنى ذلك أن: يد النائم تجول في: مغابنه، ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلق باليد منها شيء، فيؤدي إلى إفساد الماء، … أو إلى

стр. 63

عيافته» (١). وقال ابن حجر ﵀: «والنهي فيه للتنزيه كما ذكرنا، إن فُعل استُحب، وإن تُرك كُره» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة التعليل، وقرينة ذِكر الغسل ثلاثاً: قرينتان قويتان لقوة أصلهما؛ فهما من القرائن النصية المتصلة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتبار علة وهم النجاسة أو مبيت الشيطان، فالقرائن تعضد بعضها وتقوي حمل النهي على الكراهة. والله أعلم.

стр. 64

المبحث الرابع: النهي عن وضوء الرجل بفضل طهور المرأة المطلب الأول: حكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة (١): دليل النهي: عن الحكم بن عمرو ﵁ وهو الأقرع (٢): ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ)) (٣). صورة المسألة: للرجل في استعمال فضل طهور المرأة حالان، أحدهما: حال اجتماعهما، والثاني: إن خلت المرأة بالماء. فما حكم استعمال الرجل فضل طهور المرأة في هذه الأحوال؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء (٤) على جواز اجتماع الرجل والمرأة على الوضوء أو الاغتسال من إناء واحد مشترك بينهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «هذه السنن الثابتة عن النبي ﷺ وأصحابه الذين

стр. 65

كانوا بمدينته على عهده دلت على أمور: أحدها: هو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم على أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز كما ثبت ذلك بالسنن الصحيحة المستفيضة» (١). أدلة الإجماع: الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بالزَّوْرَاء (٢)، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ)) (٣). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: ((كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ)) (٤). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعاً)) (٥). وجه الاستدلال: أن الأحاديث ظاهرة الدلالة على جواز اجتماع الرجل والمرأة للتطهر من إناء واحد، فإذا اجتمعا فقد اغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه (٦). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في استعمال الرجل فضل طهور المرأة إن خلت به (٧)، على ثلاثة

стр. 66

أقوال: القول الأول: يجوز التطهر بفضل طهور المرأة للرجال والنساء، سواءٌ خلت به أم لا. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤). القول الثاني: لا يجوز للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به. وهو المذهب عند الحنابلة (٥). القول الثالث: يُكره للرجل استعمال فضل طهور المرأة إن خلت به. قال به بعض الشافعية (٦)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٧). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عباس: ﵄ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ)) (٨). وجه الاستدلال: أن فعله ﷺ دليل صريح على جواز استعمال الرجل فضل طهور المرأة. نُوقش: بأنه محمول على أنها لم تخلُ به (٩). أُجيب عنه: بأنه قد ورد في روايات أخرى عن ميمونة ﵂ ما يدل على أنها خلت به (١٠)، وبيانه في الدليل الآتي.

стр. 67

الدليل الثاني: عن ميمونة ﵂ قالت: ((أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ (١)، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا، قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ)) (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث صحيح صريح في الدلالة، ظاهر في الخلوة (٣)، وقد دل فِعل النبي ﷺ وجوابه على جواز استعمال الرجل فضل المرأة وإن خلت به، وأنه لا تأثير للخلوة. نُوقش: بأنه يُحمل على عدم الخلوة (٤). أُجيب عنه: بأنه لا يصح حمله على عدم الخلوة؛ فالحديث ظاهر في الخلوة (٥)؛ لأن العادة أن الإنسان يقصد الخلوة في الاغتسال، ولأن ميمونة ﵂ ذكرت أنها اغتسلت، فجاء النبي ﷺ بعدها، فأعلمته بأنها اغتسلت من الجفنة. الدليل الثالث: أنه ثبت بالإجماع جواز اشتراك الرجل والمرأة في الاغتسال من إناء واحد وإن كان كل منهما يغتسل بسؤر الآخر، فإذا ثبت اغتسالهما معاً فكل واحد مستعمل فضل الآخر، فجاز لأحدهما بعد الآخر، ولا تأثير للخلوة (٦). قال الطحاوي (٧) ﵀: «أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معاً من إناء واحد أن

стр. 68

ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك، وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه -كان وضوؤه بعده من سؤره -من النظر- أيضاً كذلك» (١). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن الحكم بن عمرو ﵁ وهو الأقرع: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على منع الرجل استعمال فضل طهور المرأة (٣)، والأصل في النهي التحريم إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة. نُوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يصح النهي (٤). وأُجيب عنه: بأن رواية الإمام أحمد ﵀ للحديث واحتجاجه به، يُقدم على التضعيف؛ لاحتمال أن يكون قد رُوي من وجه آخر صحيح خفي على مَنْ ضعفه (٥). الوجه الثاني: أن دلالة الحديث غير صريحة على أن المرأة إذا خلت بالماء لا يجوز للرجل استعماله. وأُجيب: بأنه يُحمل على ما إذا خلت به؛ جمعاً بين الأحاديث (٦). الدليل الثاني: عن حُمَيْدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ (٧) قال: لقيت رجلاً قد صحب

стр. 69

النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا)) (١). وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في نهي الرجل عن فضل طهور المرأة، وهو محمول على ما خلت به؛ جمعاً بين الأحاديث (٢)، والأصل في النهي التحريم. نُوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف؛ لجهالة الصحابي، فهو بمعنى المرسل (٣). وأُجيب عنه: بأن دعوى أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن جهالة عين الصحابي لا تضر؛ فالصحابة كلهم عدول، وقد صرح التابعي بأنه لقيه (٤). الوجه الثاني: بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإباحة (٥). وأُجيب عنه: بأنه ليس مخالفاً للأحاديث الصحيحة، بل يُحمل على أن المراد ما سقط من أعضائهما، جمعاً بين الأحاديث (٦). ويمكن أن يُعترض عليه: بأن حمله على ما تساقط من أعضائهما تأويل بعيد؛ فالمتساقط من الأعضاء لا يتبادر للذهن عند إطلاق لفظ فضل الطهور، وفضل الماء في اللغة: هو ما تبقى في الإناء، والعرب تقول لبقية الماء في المزادة: فضلة (٧).

стр. 70

وأيضاً لم يثبت عن النبي ﷺ الأمر بجمع المتساقط ولا باستعماله (١). الدليل الثالث: عن عبد الله بن سَرْجِسَ (٢) ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلَكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعاً)) (٣)، ودليل التخصيص بما خلت به: ما رُوي عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: ((لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ)) (٤). وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر في المنع من فضل طهور المرأة، ويدل قول عبد الله بن سرجس على تخصيص المنع بما خلت به المرأة (٥). نُوقش: بأن الحديث موقوف، ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ (٦). وحديثي حميد وابن سرجس ورد فيهما نهي المرأة عن فضل الرجل، ولم يقل به أحد!. أدلة القول الثالث: استدل القائلون بالكراهة بأدلة النهي التي استدل بها القائلون بالتحريم، وحملوا النهي على الكراهة للقرينة الصارفة، وهي أدلة القائلين بالجواز؛ جمعاً بين الأدلة (٧). نُوقش: بأن أحاديث النهي مضطربة، وأحاديث الإباحة أصح، فالقول بها أولى. قال ابن عبد البر ﵀: «الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة،

стр. 71

والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة … كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعاً من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك وميمونة وغيرهما من أزواجه ﷺ ، وعلى ذلك جماعة أئمة الفتوى، وقد رُوي عن بن عباس أنه سُئل عن فضل وضوء المرأة فقال: ((هن ألطف بناناً وأطيب ريحاً)) (١)، وهذا منه جواب بجواز فضلها على كل حال» (٢). سبب الاختلاف: قال القرطبي ﵀: «سبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومَن صححوها اختلفوا أيضاً في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه ﵊: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرَّجه الترمذي وصححه» (٣). الترجيح: بعد عرض أدلة الأقوال ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، وهو قول الجمهور. قال الإمام مالك ﵀ في اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة: « … ولا خير في هذا التقزز والتنجس، إنما هو من الشيطان» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة التي استدل بها الجمهور وصحتها وصراحتها في الدلالة. ٢ - اضطراب أدلة المانعين، وورود المناقشات عليها. نقل ابن حجر ﵀ في (الفتح) عن الامام أحمد ﵀ قوله: «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك، مضطربة» (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين مما سبق أن من الفقهاء مَنْ ذهب إلى حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر

стр. 72

من كلام أهل العلم أن الصارف له: قرينة أحاديث الجواز التي نقلت فِعل النبي ﷺ . سلك القائلون بالكراهة مسلك الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الجواز، فقالوا: يُحمل النهي على الكراهة والتنزيه للجمع بين الأدلة (١)، فالقرينة الصارفة هي فِعل النبي ﷺ . فالأحاديث تنقل لنا اغتساله ﷺ بفضل بعض أزواجه، فكان بياناً للجواز، فمن ذلك: ١ - حديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة)) (٢). ٢ - وحديث ميمونة ﵂ قالت: ((أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ)) (٣). الحكم على القرينة: الأصل أن فِعل النبي ﷺ من الأدلة والقرائن النصية القوية، والذي يظهر في هذه المسألة أنها قرينة غير معتبرة؛ لأن القول بالجمع بين الأدلة فيه ضعف؛ لاضطراب أدلة النهي في مقابل صحة أدلة الجواز، فلا يُصار إلى الجمع، والقول أن فعله ﷺ قرينة صارفة؛ لعدم تكافؤ الأدلة المتعارضة في الظاهر بل المصير إلى الترجيح أولى، فالقول بالجواز والإباحة أرجح لصحة أدلته. والله أعلم. قال القرطبي ﵀: «ولا شك في أن هذه الأحاديث (أحاديث الجواز) أصح وأشهر عند المحدِّثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضاً فقد اتفقوا على جواز غسلهما معاً، مع أن كل واحد منهما يغتسل بما يفضله صاحبه عن غرفه» (٤).

стр. 73

المبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المسخن بالشمس المطلب الأول: حكم استعمال الماء المسخن بالشمس: دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: ((أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (١). صورة المسألة: إذا وُضع الماء في إناء، ووُضع في الشمس حتى يسخن، فما حكم استعماله في الوضوء والاغتسال به؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم استعمال الماء المسخن بالشمس، على قولين: القول الأول: جواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقاً من غير كراهة. وهو قول عند المالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: كراهة استعمال الماء المسخن بالشمس. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، واشترطوا له شرطين (٨):

стр. 74

الأول: أن يكون تشميس الماء في الأواني المنطبعة (١)؛ لأن الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زُهُومَةً (٢) تعلو الماء، يتولد منها البرص (٣). الثاني: أن يكون ذلك في البلاد الحارة: كالحجاز. أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل ثابت في المسألة (٤). الدليل الثاني: أن الأصل عدم الكراهة، وقد سُخن بطاهر، أشبه ما في البرك والأنهار، وما سُخن بالنار (٥). قال النووي ﵀: «عدم الكراهة في البرك والأنهار متفق عليه لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس» (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: ((أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (٧). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث نهي مطلق يُحمل على الكراهة والتنزيه، ونص النبي ﷺ على علة النهي أنه يورث البرص (٨).

стр. 75

نُوقش: بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، والضعيف لا تقوم به حجة (١). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (٢). نُوقش: بأن الأثر ضعيف باتفاق المحدثين (٣). أُجيب عنه: بأنه وإن لم يثبت الأثر فقد حصل به ريب (٤). الدليل الثالث: أنه مضر طبياً؛ لأنه يورث البرص، وقد عُلم شرعاً من طلب الكف عما يضر عاجلاً (٥). نُوقش: أنه لم يثبت عن الأطباء أن لذلك تأثيراً في الضرر (٦). سبب الاختلاف: السبب هو تضعيف الحديث والأثر في النهي، والاختلاف في ثبوت الضرر من استعمال الماء المسخن بالشمس. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقاً. (وأما تقييد الكراهة بالأواني المعدنية المطروقة لتأثيرها، فإنه يحتاج إلى بحث وتحقق). أسباب الترجيح: ١ - عدم الدليل الصحيح الثابت في النهي عنه، فيبقى على الأصل، وهو الإباحة.
следующие страницы →