← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة … كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعاً من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك وميمونة وغيرهما من أزواجه ﷺ ، وعلى ذلك جماعة أئمة الفتوى، وقد رُوي عن بن عباس أنه سُئل عن فضل وضوء المرأة فقال: ((هن ألطف بناناً وأطيب ريحاً)) (١)، وهذا منه جواب بجواز فضلها على كل حال» (٢). سبب الاختلاف: قال القرطبي ﵀: «سبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومَن صححوها اختلفوا أيضاً في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه ﵊: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرَّجه الترمذي وصححه» (٣). الترجيح: بعد عرض أدلة الأقوال ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، وهو قول الجمهور. قال الإمام مالك ﵀ في اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة: « … ولا خير في هذا التقزز والتنجس، إنما هو من الشيطان» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة التي استدل بها الجمهور وصحتها وصراحتها في الدلالة. ٢ - اضطراب أدلة المانعين، وورود المناقشات عليها. نقل ابن حجر ﵀ في (الفتح) عن الامام أحمد ﵀ قوله: «إن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك، مضطربة» (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين مما سبق أن من الفقهاء مَنْ ذهب إلى حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر

стр. 72

من كلام أهل العلم أن الصارف له: قرينة أحاديث الجواز التي نقلت فِعل النبي ﷺ . سلك القائلون بالكراهة مسلك الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الجواز، فقالوا: يُحمل النهي على الكراهة والتنزيه للجمع بين الأدلة (١)، فالقرينة الصارفة هي فِعل النبي ﷺ . فالأحاديث تنقل لنا اغتساله ﷺ بفضل بعض أزواجه، فكان بياناً للجواز، فمن ذلك: ١ - حديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة)) (٢). ٢ - وحديث ميمونة ﵂ قالت: ((أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ -أَوْ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ- فَاغْتَسَلَ مِنْهُ)) (٣). الحكم على القرينة: الأصل أن فِعل النبي ﷺ من الأدلة والقرائن النصية القوية، والذي يظهر في هذه المسألة أنها قرينة غير معتبرة؛ لأن القول بالجمع بين الأدلة فيه ضعف؛ لاضطراب أدلة النهي في مقابل صحة أدلة الجواز، فلا يُصار إلى الجمع، والقول أن فعله ﷺ قرينة صارفة؛ لعدم تكافؤ الأدلة المتعارضة في الظاهر بل المصير إلى الترجيح أولى، فالقول بالجواز والإباحة أرجح لصحة أدلته. والله أعلم. قال القرطبي ﵀: «ولا شك في أن هذه الأحاديث (أحاديث الجواز) أصح وأشهر عند المحدِّثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضاً فقد اتفقوا على جواز غسلهما معاً، مع أن كل واحد منهما يغتسل بما يفضله صاحبه عن غرفه» (٤).

стр. 73

المبحث الخامس: النهي عن استعمال الماء المسخن بالشمس المطلب الأول: حكم استعمال الماء المسخن بالشمس: دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: ((أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (١). صورة المسألة: إذا وُضع الماء في إناء، ووُضع في الشمس حتى يسخن، فما حكم استعماله في الوضوء والاغتسال به؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم استعمال الماء المسخن بالشمس، على قولين: القول الأول: جواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقاً من غير كراهة. وهو قول عند المالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: كراهة استعمال الماء المسخن بالشمس. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، واشترطوا له شرطين (٨):

стр. 74

الأول: أن يكون تشميس الماء في الأواني المنطبعة (١)؛ لأن الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زُهُومَةً (٢) تعلو الماء، يتولد منها البرص (٣). الثاني: أن يكون ذلك في البلاد الحارة: كالحجاز. أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل ثابت في المسألة (٤). الدليل الثاني: أن الأصل عدم الكراهة، وقد سُخن بطاهر، أشبه ما في البرك والأنهار، وما سُخن بالنار (٥). قال النووي ﵀: «عدم الكراهة في البرك والأنهار متفق عليه لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس» (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: ((أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (٧). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث نهي مطلق يُحمل على الكراهة والتنزيه، ونص النبي ﷺ على علة النهي أنه يورث البرص (٨).

стр. 75

نُوقش: بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، والضعيف لا تقوم به حجة (١). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ)) (٢). نُوقش: بأن الأثر ضعيف باتفاق المحدثين (٣). أُجيب عنه: بأنه وإن لم يثبت الأثر فقد حصل به ريب (٤). الدليل الثالث: أنه مضر طبياً؛ لأنه يورث البرص، وقد عُلم شرعاً من طلب الكف عما يضر عاجلاً (٥). نُوقش: أنه لم يثبت عن الأطباء أن لذلك تأثيراً في الضرر (٦). سبب الاختلاف: السبب هو تضعيف الحديث والأثر في النهي، والاختلاف في ثبوت الضرر من استعمال الماء المسخن بالشمس. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقاً. (وأما تقييد الكراهة بالأواني المعدنية المطروقة لتأثيرها، فإنه يحتاج إلى بحث وتحقق). أسباب الترجيح: ١ - عدم الدليل الصحيح الثابت في النهي عنه، فيبقى على الأصل، وهو الإباحة.

стр. 76

٢ - دخول الماء المشمس في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). ٣ - أنه الأقرب إلى يسر الشريعة؛ فحاجة الناس إلى تسخين الماء بالشمس قائمة في كثير من البلدان، ولأن الناس ما زالوا يستعملونه ولم يُعلم أن أحدًا برص (٢). ٤ - ضعف أدلة القول الثاني، وورود المناقشة عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: من خلال دراسة مسألة استعمال الماء المسخن بالشمس تبين اختلاف الفقهاء فيها على قولين مشهورين: قول بالجواز، وقول بالكراهة. وقد حمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص وفيه التعليل بما لا يقتضي التحريم: وذلك في قوله: (فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد: حيث جاء النهي عن استعمال الماء المشمس إرشاداً إلى مصلحة البدن، فضلاً عن كونه الأسلم له من جهة الصحة والطب. جاء في (المجموع): «وحيث أثبتنا الكراهة فهي كراهة تنزيه» (٣). والعلة: ذكر الفقهاء أن علة النهي خوف الإصابة بمرض البرص، وقالوا: لم يحرم؛ لأن ضرره مظنون (٤). الحكم على القرينة: القرينة النصية تكون قوية إذا ثبت النص وصح؛ فالقرينة النصية التي ذُكرت فيها علة النهي هنا ضعيفة؛ لضعف الحديث وعدم ثبوته، وتبعاً لذلك تضعف قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد؛ لضعف التعليل الذي اعتمد عليه، فثبت بذلك أن الماء المشمس لا أصل لكراهته.

стр. 77

قال النووي ﵀ بعد تضعيف الحديث والأثر: «حصل من هذا أن: المشمس لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء، فالصواب: الجزم بأنه لا كراهة فيه، وهذا هو الوجه الذي حكاه المصنف وضعَّفه، وكذا ضعفه غيره، وليس بضعيف، بل هو الصواب الموافق للدليل ولنص الشافعي؛ فإنه قال في (الأم): لا أكره المشمس إلا أن يُكره من جهة الطب» (١).

стр. 78

الفصل الثاني المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الآنية وفيه مبحثان: المبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة. المبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب.

стр. 79

المبحث الأول: النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة المطلب الأول: حكم استعمال آنية الذهب والفضة: دليل النهي: عن حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا تَلْبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ (١)، ولا تَشربوا في آنِيةِ الذَّهَبِ والفضَّةِ، ولا تأكلوا في صِحافِها (٢)؛ فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرةِ)) (٣). حكم المسألة: أجمع العلماء (٤) على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، وتحريم الأكل والشرب فيهما. قال النووي ﵀: «أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة» (٥). وقال ابن تيمية ﵀: « … كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى» (٦). الأدلة: الدليل الأول: حديث حذيفة بن اليمان ﵄ المتقدم.

стр. 80

وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي يقتضي التحريم، وغير الأكل والشرب في معناهما، فيكون حكمها التحريم، وإنما خُصا بالذكر؛ لأنهما أظهر وجوه الاستعمال وأغلبها، وفيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة (١). الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ (٢) فِي بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جَهَنَّمَ)) (٣). وجه الاستدلال: أن الحديث نَصَّ على الوعيد الشديد لِمن فعل ذلك، والوعيد بالعقاب يقتضي التحريم، وإذا حرم الأكل والشرب فغيرهما من الاستعمالات أولى؛ لاشتراك سائر الاستعمالات معهما في علة التحريم، وإنما ذكر الأكل والشرب للتغليب (٤). وذكر العلماء في العلة التي لأجلها حرم استعمال آنية الذهب والفضة، وجوهاً، منها: الأول: أن علة التحريم السَّرَف والخُيلاء وأذى الصالحين والفقراء، وقد حرم الشرع الإسراف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٥). الثاني: أن في استعمالها تشبهاً بالجبابرة وملوك الأعاجم (٦)، وذلك محرم أيضاً؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) (٧).

стр. 81

الثالث: أن الله تعالى جعل الذهب والفضة قواماً للناس وأثماناً لمعايشهم وقِيماً للأشياء (١)، فاستعمالها في غير ذلك يُفقِدها القيمة. سبب إيراد المسألة في البحث أنه ورد فيها قولٌ للإمام الشافعي ﵀ في القديم بالكراهة. وقد أورد النووي ﵀ الردود على بطلان ذلك، ورجوع الشافعي عنه، قال: «وأما قول الشافعي القديم: فقال صاحب التقريب (٢): (إن سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتُخذ منه الإناء ليست حراماً، ولهذا لم يحرم الحُلي على المرأة) هذا كلام صاحب التقريب، وهو من متقدمي أصحابنا، وهو أتقنهم لنقل نصوص الشافعي، ولأن الشافعي رجع عن هذا القديم. والصحيح عند أصحابنا وغيرهم من الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولاً ثم رجع عنه، لا يبقي قولاً له، ولا يُنسب إليه، قالوا: وإنما يُذكر القديم وينسب إلى الشافعي مجازاً، وباسم ما كان عليه لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة» (٣). وقال ابن حجر ﵀: «عن الشافعي في القديم … أن النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته: ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه مَنْ قطع به عنه، وهذا اللائق به؛ لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه، وإذا ثبت ما نُقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور» (٤). ولدراسة القرينة الصارفة التي قيل بها في هذه المسألة ندرس قول الإمام

стр. 82

الشافعي في القديم: قال الإمام الشافعي ﵀: «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، كراهةً وتنزيهاً لا تحريماً» (١). ودليل هذا القول: حديث حذيفة ﵁ السابق، وحُمل النهي على الكراهة؛ لأنه إنما نُهى عنه؛ لما فيه من السَّرَف والخُيلاء والتشبه بالأعاجم، وهذا لا يوجب التحريم (٢). نُوقش: ١ - بأن هذا القول ضعيف، ويكفي في ضعفه منابذته للأحاديث الصحيحة الصريحة في التحريم والمؤيَّدة بذِكر الوعيد (٣). ٢ - «قولهم في تعليله: (إنما نُهي عنه للسَّرَف والخُيلاء، وهذا لا يوجب التحريم) ليس بصحيح، بل هو موجِب للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء!» (٤)، وتحريم الاسراف، وتحريم التشبه بالكفار؛ وبذلك يتبين أن الاستعمال محرم (٥). يتبين بذلك ضعفُ هذا القول، وعدم اعتباره قولاً؛ لأن الإمام الشافعي رجع عنه. قال النووي ﵀: «واعلم أن هذا القديم لا تفريع عليه» (٦).

стр. 83

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذُكر في المسألة قول للإمام الشافعي في القديم بحمل النهي على الكراهة، والقرينة الصارفة له: ورود النهي في باب الأدب والتنزيه. قال الإمام الشافعي ﵀: «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، كراهةً وتنزيهاً لا تحريماً» (١). والعلة لهذا الأدب: علة الإسراف والخُيلاء والتشبه بالكفار، وهذه علل لا توجب التحريم (٢). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والتنزيه هنا ضعيفة وغير معتبرة؛ إذ التعليل بالإسراف والخيلاء والتشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم تفيد التحريم وليس الكراهة؛ فالقرينة ضعيفة، ويؤيده أن صراحة النهي وتأكيده بالوعيد يقتضي القول بالتحريم لا الكراهة، وهو قول الشافعي في الجديد وما أجمع عليه العلماء.

стр. 84

المبحث الثاني: النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب المطلب الأول: حكم استعمال آنية أهل الكتاب: دليل النهي: حديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ ﵁ (١) قال: قلت: ((يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ (٢)، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم استعمال آنية أهل الكتاب، على قولين: القول الأول: يُباح استعمال آنية أهل الكتاب، ما لم يتحقق نجاستها. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧).

стр. 85

القول الثاني: يُكره استعمال آنية أهل الكتاب. وهو وجه عند الشافعية (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم وفي أوانيهم، وذلك دليل على طهارة آنيتهم وجواز استعمالها (٤). الدليل الثاني: عن عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ (٥) قال: ((أَصَبْتُ جِرَاباً (٦) مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَداً مِنْ هَذَا شَيْئاً، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَبَسِّماً)) (٧). وجه الاستدلال: أن هذا الجراب من آنية اليهود، ولو كان نجساً لأمره النبي ﷺ بغسله وغسل الشحم الذي بداخله، فلما لم يكن دل ذلك على طهارته وجواز استعماله. الدليل الثالث: عن أنس ﵁: ((أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَلَّمَ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ (٨)

стр. 86

سَنِخَةٍ (١)، فَأَجَابَهُ)) (٢). وجه الاستدلال: إجابة النبي ﷺ لدعوة اليهودي، وأكْله مما قُدم له في آنيتهم، دليل على جواز استعمال آنيتهم والأكل فيها (٣). دليل القول الثاني: حديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ ﵁ قال: قلت: ((يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ)) (٤). وجه الاستدلال: أن قوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها) صريح في المنع من استعمالها عند توفُّر غيرها، أو قبل غسلها بالماء، وأقل أحوال النهي الكراهة؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم (٥). نُوقش: بأن الأصل في الآنية الطهارة والإباحة، والحكم للأصل حتى تتحقق النجاسة (٦). وأن الحديث يُحمل على أمرين (٧): أحدهما: أنه نُهي عن الأكل فيها للاستقذار -إن كانت مُعدَّة للنجاسة- كما يُكره

стр. 87

الأكل في المحجمة (١) المغسولة. والثاني: أن المراد بالحديث حالة تحقق نجاستها؛ لأن النهي عن الأكل في أوانيهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود لحديث أبي ثعلبة الخشني: ((إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ)) (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بإباحة استعمال آنية أهل الكتاب ما لم تتحقق نجاستها. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، وسلامتها من المناقشة والمعارضة. ٢ - موافقة هذا القول للأصل؛ فالأصل في الآنية الطهارة والإباحة. ٣ - موافقة القول بالإباحة لما جاءت به الشريعة من التيسير والتخفيف على الناس. ٤ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: مما سبق تبين أن بعض الفقهاء حمل النهي عن استعمال آنية أهل الكتاب على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. وذلك أن النهي عنها فيه إرشاد وتنزيهٌ عن النجاسة المحتملة في آنيتهم. وعلة النهي: الاستقذار؛ لكونهم لا يجتنبون النجاسة (٣)، وهذه علة لا توجب التحريم.

стр. 88

قال ابن قدامة ﵀ في (المغني): «أقل أحوال النهي الكراهة، ولأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم، وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة» (١). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القول بالكراهة وإعمال القرينة لذلك، يكون في حال عُلم استعمالهم لها في النجاسة، ويؤيد ذلك جواب الفقهاء عن الحديث: بأن المراد النهي عن الأكل في آنيتهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود. أما مسألة البحث هنا: فهي في حكم استعمال آنيتهم مطلقاً مع جهالة حالها: فالذي يظهر ضعفُ القرينة هنا؛ لمعارضتها للأصل -الطهارة والإباحة- المؤيَّد بآية المائدة المبيحة لطعامهم، وطعامهم إنما يُقدم في آنيتهم، فدل على حِل الجميع، وأحاديث أَكْله ﷺ من طعامهم في آنيتهم تؤكد ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 89

الفصل الثالث المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب قضاء الحاجة وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: النهي عن البول قائماً. المبحث الثاني: النهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم. المبحث الثالث: النهي عن البول في الجحور. المبحث الرابع: النهي عن البول في المغتسل. المبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول. المبحث السادس: النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول. المبحث السابع: النهي عن الاستنجاء باليمين. المبحث الثامن: النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار. المبحث التاسع: النهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم. المبحث العاشر: النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات.

стр. 90

المبحث الأول: النهي عن البول قائماً المطلب الأول: حكم البول قائماً: دليل النهي: عن عمر ﵁ قال: ((رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِماً قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِماً بَعْدُ)) (١). تحرير محل النزاع: أولا: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٢) على جواز البول قائماً إن كان لعذر. ثانيا: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم البول قائماً لغير عذر، على قولين: القول الأول: جواز البول قائماً إن أَمِن تطاير البول، وألا يرى عورته أحد. وهو مذهب المالكية (٣)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤). القول الثاني: الكراهة.

стр. 91

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٣). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن حذيفة ﵁ قال: ((أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبَاطَةَ (٤) قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِماً)) (٥). وجه الاستدلال: أن ثبوت فعله ﷺ دليل على جواز البول قائماً وقد أمن الرشاش؛ لأن السباطة لا ترُد البول عليه، وأمن الانكشاف؛ لأن حذيفة كان من خلفه يستره (٦). نُوقش: بأن النبي ﷺ إنما بال قائماً لعذر، وحملوا ذلك على أوجه، أشهرها (٧): أ - قيل: أنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عالياً، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله. ب - وقيل: السبب أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به. ت - وقيل: إنما بال قائماً؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك؛ لكونه قريباً من الديار. وقيل: إنه فعل ذلك لجرح كان في مأبضه (٨) لا يتمكن معه من القعود، واستدلوا

стр. 92

له بحديث أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ قَائِماً مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ)) (١). أُجيب عن حديث أبي هريرة: بأنه ضعيف: قال ابن حجر: «لو صح هذا الحديث لكان فيه غِنى عن جميع ما تقدم» (٢). وأُجيب عن هذه الأوجه: بـ «أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة، لكن حذيفة كان شاهداً لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائماً، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، والله أعلم» (٣). الدليل الثاني: مجموعة من الآثار التي رُويت عن جمع من الصحابة ﵃ فيها الترخص في البول قائماً، منها: أنه شُوهد: ((ابْنَ عُمَرَ، يَبُولُ قَائِمًا)) (٤)، و ((زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، يَبُولُ قَائِمًا)) (٥)، وأن ((عَلِيًّا بَالَ قَائِماً)) (٦). وجه الاستدلال: أن فِعلهم دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش (٧). الدليل الثالث: أن الأصل الإباحة فمَن ادّعى الكراهة فعليه الدليل، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء (٨). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن عمر ﵁ قال: ((رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِماً، فَقَالَ: يَا

стр. 93

عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِماً قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِماً بَعْدُ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن البول قائماً، ويُحمل على الكراهة لا التحريم؛ لعلة خوف التَّرَشُش والتنجس (٢). نُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت (٣)، وتبين ذلك في تخريج الحديث. الدليل الثاني: استدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: ((مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِماً فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِداً)) (٤). وجه الاستدلال: هذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته ﷺ البول من قعود، فيُحمل الخبر على الكراهة لا التحريم (٥)، ولأن الأغلب عندها: أن مَنْ بال قائماً لا يكاد يسلم من إصابة البول ثيابَه وبدنَه (٦). نُوقش من وجهين: الأول: بأنه ليس في الحديث ما يدل على كراهية البول قائماً، وقد ورد عنها أيضاً: ((فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَبُولُ جَالِساً)) (٧)، فليس فيه دليل على المنع؛ لأنه قد يجوز أن يبول جالساً في وقت، ويبول قائماً في وقت آخر، فلم تحكِ عن النبي ﷺ ما يدل على كراهية البول قائماً (٨). الثاني: أن ما أخبرتْ به مستند إلى علمها، فيُحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما

стр. 94

في غير البيوت: فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة (١). الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبُولَ قَائِماً)) (٢). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً عن البول قائماً، ويُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والإرشاد (٣). نُوقش: بأن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (٤). سبب الخلاف: تعارض ظاهر الأحاديث المثبتة لبول النبي ﷺ قائماً مع الأحاديث النافية له، والأحاديث الناهية عنه. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز البول قائماً وإن كان لغير عذر، إن أمن تلوثاً وناظراً، غير أن البول قعوداً أفضل؛ لأنه غالب فِعل النبي ﷺ . قال ابن المنذر في (الأوسط): «يبول جالساً أحب إليَّ؛ للثابت عن نبي الله ﷺ أنه بال جالساً، ولأن أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهي عن البول قائماً لثبوت حديث حذيفة» (٥). أسباب الترجيح: ١ - أن الأصل الإباحة، ولم يصح شيء عن النبي ﷺ في النهي عن البول قائماً. ٢ - أن حكاية الأخبار عن بوله ﷺ قاعداً لا ينافي جواز البول قائماً، وقد ثبت عنه ﷺ

стр. 95

البول قائماً: نقلت عائشة البول قاعداً، ونقل حذيفة البول قائماً، فكلٌّ نقل ما علم، ولا تنافيَ بينهما. ٣ - أن ثبوت ترخُّص جمع من الصحابة ﵃ فيه، يؤيد الجواز. ٤ - ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب بعض الفقهاء إلى أن النهي عن البول قائماً يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له عن التحريم القرائنُ التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها حكاية فعله ﷺ للمنهي عنه: وذلك ما جاء في حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ بال في حال القيام، فهذه قرينة نصية لبيان الجواز. قال ابن حجر ﵀: «الأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود» (١). وقال ابن قدامة ﵀: «لعل النبي ﷺ فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة» (٢). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد: قال النووي ﵀: «يُكره البول قائماً إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم» (٣). وعلة النهي: أن البول قائماً سبب في التنجس غالباً. جاء في (مراقي الفلاح): «لتنجسه غالباً» (٤). وقال القرافي ﵀: «لأنه أبعد عن التنجيس» (٥). وقال ابن قدامة ﵀: «لئلا يترشش عليه» (٦).

стр. 96

الحكم على القرينة: ورود النص بفعله ﷺ صحيح وثابت، ولا يُعد قرينة صارفة؛ لأن النهي لم يثبت، وبما أن الأصل الإباحة مع عدم ثبوت شيء في النهي، فإنه يُقال أن فِعله ﷺ دال على جواز البول قائماً وإباحته لعذر ولغير عذر بلا كراهة، وكذلك قرينة ورود النهي في باب الأدب غير معتبرة هنا؛ لعدم ثبوت النهي، وحديث عائشة ﵂ الثابت لا يفيد نهياً، والله أعلم.

стр. 97

المبحث الثاني: النهي عن البول في طريق الناس وظِلِّهم المطلب الأول: حكم البول (١) في طريق الناس وظِلِّهم: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ (٢) قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى (٣) فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ (٤) (٥). صورة المسألة: لو مر إنسان بطريق يسلكه الناس أو ظِلٍّ يستظلون به، وأراد قضاء الحاجة فيه، فهل يجوز له ذلك أو لا؟

стр. 98

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في النهي الوارد في الحديث: هل هو للتحريم أو الكراهة، على قولين: القول الأول: يحرم قضاء الحاجة في طريق الناس والظِّلِّ الذي ينتفعون به. وهو قول عند الشافعية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢). القول الثاني: يُكره قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم: وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٧). وجه الاستدلال: أن الآية جاءت بالمبالغة في التحذير من أذية المؤمنين بأي وجه من وجوه الأذى من قول أو فعل (٨)، وقضاء الحاجة في طرق الناس ومواطن تجمُّعهم وانتفاعهم: فيه أذية للمسلمين بتنجيس واستقذار هذه المواطن، وجاءت الآية بالوعيد لمن آذاهم، والوعيد دليل التحريم (٩). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ)) (١٠).

стр. 99

الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارد، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ)) (١). وجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث يدل على تحريم التخلِّي في طرق الناس وظِلِّهم؛ لما فيها من أذية المسلمين بإبطال منفعتهم، ولأنها تجلب لعن الناس على فاعلها (٢). الدليل الرابع: أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ)) (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على استحقاق مَنْ يؤذي المسلمين اللعنة منهم، واللعن دليل التحريم (٤). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالكراهة بحديثي أبي هريرة ومعاذ ﵃. وجه الاستدلال: أن النهي عن قضاء الحاجة في مواطن انتفاع الناس يُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والآداب (٥). يمكن أن يُناقش: بأن الوعيد على مَنْ فعل ما فيه أذية للمسلمين وكونها جالبة للعن الناس، قرائن تؤكد أن النهي على الأصل وهو التحريم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم. أسباب الترجيح:

стр. 100

١ - قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارض الراجح. ٢ - أن الإسلام جاء بالحث والترغيب في إماطة الأذى عن طريق المسلمين، وعليه يكون تعمد وَضْع الأذى في طريقهم ومواطن انتفاعهم من أعظم المناهي الشرعية؛ لما فيه من الضرر، وقد عُدت من الكبائر (١). قال القرطبي ﵀ في (المفهم): «يُفهم من هذا: تحريم التخلِّي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة: كمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم يكن له ظلال وغير ذلك» (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن بعض الفقهاء حمل النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي فيه إرشاد إلى آداب قضاء الحاجة، والمحافظة على نظافة الأماكن التي يحتاج إليها الناس. قال المَنَاوِيُّ ﵀ (٣) في (فيض القدير): «الأصح عند الشافعي الكراهة التنزيهية» (٤)، وقال أيضاً: «اقتصر جمهورهم على عدِّه من الآداب، وحملوا الأحاديث على الكراهة» (٥). قال النووي ﵀ في (المجموع): «هذا الأدب -وهو اتقاء الملاعن الثلاث- متفق عليه، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن فِعل هذه الملاعن أو بعضها مكروه كراهة تنزيه» (٦). والعلة: أن خوف إيذاء المسلمين به، محتمل غير متحقق، فلذلك يُكره.

стр. 101

جاء في (حاشية الجمل): « … مكروه: أي: كراهة تنزيه، وهو المعتمد، وقوله: (لما فيه من إيذاء المسلمين) دُفع بأنه غير محقق» (١). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، يُصرف بها النهي عن التحريم، والذي يظهر هنا أنها قرينة ضعيفة في مقابل اعتضاد الأصل -وهو التحريم- بقرائن مؤكِّدة له: - القرينة النصية في الآية التي جاءت بالوعيد لمَن آذى المسلمين. - أن هذا الفعل يجلب لعن الناس على فاعله. - القاعدة الفقهية: لا ضرر ولا ضرار (٢). ولأجل ذلك كان القول بتحريم قضاء الحاجة في طريق الناس وظِلِّهم أقوى، والله أعلم.

стр. 102

المبحث الثالث: النهي عن البول في الجحور المطلب الأول: حكم البول في الجحور: دليل النهي: عن عبد الله بن سَرْجِس ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرِ (١)، قيل لقتادة (٢): ما يُكره من البول في الجحر؟ قال: يُقال: إنها مساكن الجن (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة البول في الجحر. قال النووي ﵀ في (المجموع): «يُكره أن يبول في ثقب أو سرب … وهذا الذي قاله المصنف من الكراهة متفق عليه، وهي كراهة تنزيه، والله أعلم» (٥). الأدلة: الدليل الأول: حديث عبد الله بن سَرْجِس ﵁. وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث جاء للتنزيه والأدب، فيُحمل على

стр. 103

الكراهة (١). الدليل الثاني: أنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، أو يردُّ عليه بوله، فينجسه (٢). الدليل الثالث: أنه قد يكون مسكناً للجن، فيتأذى بهم، أو يؤذيهم (٣). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة للنهي عن التحريم: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أنه أدب من آداب قضاء الحاجة، وفيه إرشاد إلى صون النفس عما يؤذيها. قال النووي ﵀ في (المجموع): «وهي كراهة تنزيه، والله أعلم» (٤). قال المنَاوِي ﵀ في (فيض القدير): «والنهي للتنزيه» (٥). والعلة: خوف أن تؤذيه ما فيها من هوامّ أو تردّ عليه بوله فتنجسه، أو خوف أذية مَنْ فيها من الجن. قال ابن قدامة ﵀: «لأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، أو يكون مسكناً للجن، فيتأذى بهم» (٦). الحكم على القرينة: القرينة هنا قوية ومعتبرة؛ لمناسبة العلة للأدب والإرشاد إلى مصلحة النفس، ولعدم ما يعارضه.

стр. 104

المبحث الرابع: النهي عن البول في المُغتسل المطلب الأول: حكم البول في المُغتسل: دليل النهي: عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ (١)، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ)) (٢). حكم المسألة: أولاً: اتفق الفقهاء (٣) على أنه لا يُكره البول في المُغتسل الذي له منفذ ينفذ فيه البول والماء؛ لأمنه من عود الرشاش إليه، فلا يجره إلى الوسوسة (٤). قال ابن القيم ﵀: «لو كان المكان مُبَلطاً لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء -لم يُكره ذلك عند جمهور الفقهاء» (٥). وقال ابن المنذر ﵀: «قال عطاء (٦): إذا كان له مخرج، فلا بأس به» (٧).

стр. 105

وقال الطحطاوي ﵀ (١): « … لو كان بحيث لا يعود منه رشاش أو كان فيه منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول، لم يُكره البول فيه» (٢). ثانياً: اتفق الفقهاء (٣) على كراهة البول في المغتسل إن لم يكن له منفذ. قال ابن قدامة ﵀: «قال أحمد: إن صب عليه الماء، فجرى في البالوعة، فذهب -فلا بأس» (٤) الأدلة: الدليل الأول: عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ)) (٥). الدليل الثاني: عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلاً صَحِب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا)) (٦). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن البول في المستحم، وهو

стр. 106

محمول على الكراهة؛ لعلة كونه يفضي إلى الوسوسة (١)؛ لأن ذلك الموضع يصير نجساً، فيقع في قلبه وسوسة بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي عن البول في المغتسل محمول على الكراهة بدليل: القرينة النصية وفيها التعليل بما لا يقتضي التحريم: جاء في الحديث قوله: (فإن عامة الوسواس منه) أي أن: علة النهي إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة؛ لأنه لا يأمن الرشاش والتنجيس. جاء في (نيل الأوطار): «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (٣). قال الخطابي ﵀: «إنما نهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جَدداً صلباً، أو لم يكن مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل فيه الماء، فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه، فيورثه الوسواس» (٤). جاء في (شرح المصابيح): «لأنه يصير ذلك الموضع نجساً، فيصيبه منه رشاش» (٥). الحكم على القرينة: قرينة التعليل وردت في نص الحديث، فهي قرينة قوية؛ إذ القرائن النَّصِّيَّة من أقوى القرائن، والتعليل بخشية الإفضاء إلى الوسوسة معتبرة، وتفيد الكراهة لا التحريم، فالنهي محمول على الكراهة باتفاق الفقهاء.

стр. 107

المبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول المطلب الأول: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)) (١). صورة المسألة: قضاء الحاجة إما أن يكون في البنيان أو في الفضاء، فما حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند التخلي فيهما؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يحرم الاستقبال والاستدبار فيهما مطلقاً. وهو مذهب الحنفية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٦). القول الثالث: يُكره الاستقبال والاستدبار فيهما. وهو قول عند الحنفية (٧) (٨). القول الرابع: أنه يحرم فيهما الاستقبال فقط دون الاستدبار:

стр. 108

وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀ (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)) (٣). وجه الاستدلال: نهى النبي ﷺ في الحديث عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، والنهي المجرد عن القرينة يفيد التحريم، وخُص البنيان من العموم بما يأتي من حديث ابن عمر وعائشة جمعاً بين الأحاديث (٤). الدليل الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ (٥) فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا (٦)، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى)) (٧). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يدل على تحريمه في الفضاء دون البنيان؛ لقوله (إذا أتيتم الغائط) والغائط هو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون إلا في الفضاء (٨). جاء في (المدونة): «قال مالك: إنما يعني بذلك فيافي الأرض، ولم يعنِ بذلك القرى

стр. 109

والمدائن» (١). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ)) (٢)، وفي رواية: ((لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نَصَّ على الجواز في البنيان، وهو خاص يُقدم على العام (٤). نُوقش: بأن حديث ابن عمر ﵄ حكاية فِعل يحتمل الخصوصية والعذر، فيضعفه، فلا يقوى على رد العموم، ولأن القول أَوْلى (٥). أُجيب: أن احتمال الخصوصية والعذر لا بد له من دليل، ولا دليل هنا، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يُصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذُكر، فوجب المصير إليه (٦). الدليل الرابع: عن جابر ﵁ قال: ((نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا)) (٧). وجه الاستدلال: أن فِعل الرسول ﷺ محمول على أنه كان في المنازل والبنيان؛ لما

стр. 110

فيهما من المشاهدة له، وهو خاص يُقدم على العام (١). نُوقش حديث ابن عمر وحديث جابر: بأن النبي ﷺ إنما قصد بفعله الاستتار، ولا يمكن أن يكون تشريعاً للأمة وهو بهذا الخفاء (٢). أُجيب عنه بجوابين (٣): الأول: أن الذي يستتر به ﷺ يكون شرعاً لنا كالذي يُظهره؛ لأنه ﵇ لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فَعل النبي ﷺ على وجه الاستتار به أم الإظهار فهو شرعٌ لنا إذا وقفنا عليه. الثاني: أنه ﷺ قد فعل ذلك مستتراً به، وقد فعله ظاهراً منتشراً، وذلك في حديث عائشة أنه ﵇ أمر بأن تُستقبل بمقعدته القبلة. الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: ((ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا؟! اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي (٤) الْقِبْلَةَ)) (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث نص في محل الخلاف؛ لأنَّه في البنيان؛ بدلالة قوله (مقعدتي)، والمقعدة تكون في البنيان (٦)، فكان ذلك منه رداً لما تُوهم، وبياناً لكون النهي عنه في الصحراء دون البيوت. نُوقشت أحاديث ابن عمر وجابر وعائشة: بأنها دليل على نسخ النهي، فيجب تقديمه (٧). أُجيب عنه: بأن قولهم أنه ناسخ خطأ؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر
следующие страницы →