شرح العقيدة الطحاوية
للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي
والمسمى بـ ((إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل))
شرحها فضيلة الشيخ العلامة
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
حفيد مفتي الديار السعودية
وسليل شجرةٍ مباركة حَمَلَت راية التوحيد والدعوة ابتداءً من أصلها المبارك الإمام المجدد
محمد بن عبد الوهاب ﵀
قال سماحته ((والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة)) .
بدأ فضيلته بشرحها في مدينة الرياض يوم السبت ١٣ ذي القعدة ١٤١٧هـ
стр. 2
: [[الشريط الأول]] :
مقدمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُواً أحد، واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، وتقدس وتعاظم ربنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فهذا الدرس شروعٌ في شَرْحِ مُخْتَصَرٍ في العقيدة؛ مُخْتَصَرٍ مهمّ لأنَّ أهل العلم يُحَبِّذُونَ إقْرَاءَهُ وشرحه ويؤكدون على أهمية ما اشتمل عليه من مسائل الاعتقاد بلفظٍ مُوجَز وبيانٍ حَسَنْ.
وهذه العقيدة التي نبتدئ شرحها في هذه الدروس هي عقيدة العالم المحدِّث: أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، المتوفى سنة ٣٢١هـ، وهي المسماة بالعقيدة الطحاوية نسبةً إليه.
وهي عقيدةٌ موافقة في جُلِّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر، أهل السنة والجماعة، كما سيأتي في بيانه إن شاء اللهُ تعالى.
وهذه العقيدة الطحاوية ذَكَرَ عددٌ من أهل العلم أنَّ أتْبَاعَ أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المُتَّفَقِ عليه بين أهل العلم، وذلك في الإجمال لأنَّ ثَمَّ مواضع اُنتُقِدَت عليه كما سيأتي بيانه.
وأبو جعفر الطحاوي من علماء الحديث المعروفين ومن الفقهاء المشهورين أيضاً، وكان شافعياً تَفَقَّهَ على المُزَنِي ﵀ تلميذ الشافعي، ثم انتقل في الفروع من مذهب الشافعية إلى مذهب الحنفية فصار في المذهب حنفي المذهب إلا أنَّهُ لا يتعصب لقول أبي حنيفة ولا يُقَلِّدُهُ؛ بل صنيع العلماء المحققين أنْ يتابعه فيما ظهر فيه الدليل وأن يأخذ بالدليل إذا خالف قول الإمام.
وجرت مناظرة في ذلك، أو جرى حوارٌ في ذلك بين الطحاوي وبين أحد العلماء في مصر من الحنفية، فقال الطحاوي في مسألة بغير قول الإمام أبي حنيفة، فذاك قال له: ألست من أتباع أبي حنيفة؟
قال: بلى، ولكني لا أقَلِّدُهُ؛ لأنَّهُ لا يُقَلِّدُ إلا عصبي - يعني متعصباً -.
فقال الآخر وغبي أيضاً - يعني لا يقلد من أهل العلم إلا عصبيٌ أو غبي -.
فصارت الكلمة مثلاً في مصر تداولها الناس في مقولة هذين العالمين، وذلك يدل على تحرّي أبي جعفر الطحاوي للحق وعلى ابتغائه له.
وهو في الفروع كما ذكرنا حنفي المذهب، وأما في الأصول ففي الجملة هو على مذهب أهل السنة والجماعة أتباع أهل الحديث والأثر إلا في مسائل تَبِعَ فيها مُرجئة الفقهاء.
وفي جُمَلِ كلامه في هذه العقيدة يوافق معتقد السلف إلا في المواضع التي ذكر فيها مسألة الإيمان في تعريفه حيث قال (والإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان) وقال (وأهله في أصله سواء) وهذه من مقالة المرجئة، وقد ذكر هو في صدر عقيدته هذه أنَّ هذا الُمعتَقَد الذي كتبه هو اعتقاد أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهذا ظاهر فيما ذَكَرَ من مسألة الإيمان.
* فنقول: هذا الكتاب -كما سيأتي- كتابٌ مشتملٌ على أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعبارةٍ حسنة جيدة وبتقريرٍ لها طيِّب، إلا في مسائل انتُقِدَتْ عليه.
ولهذا كان بعض مشايخنا عافاهم الله وخَتَمَ لهم برضاه يقول: هذه عقيدة الطحاوي ولا يقال هذه عقيدة أهل السنة والجماعة إذا أُرِيدَ الجميع، لأنّه ثَمَّ مسائل خالف فيها معتقد أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر في الأصول وفي التعبير عن الاعتقاد كما سيأتي بيانه.
وهذه العقيدة اهتَمَّ بها علماؤنا لأجْلِ شَرْحِهَا العظيم؛ وهو شَرْحُ ابن أبي العز الحنفي من تلامذة الحافظ ابن كثير صاحب شرح العقيدة الطحاوية المشهور بينكم.
على أنَّ هذه العقيدة لها شروحٌ كثيرة، فالماتريدية شَرَحُوهَا بشروحٍ متنوعة، ووجَّهُوا الكلام فيها على معتقد أتباع أبي منصور الماتريدي.
ولكن شرح ابن أبي العز وجَّهَهَا توجيهاً سلفيا تابِعَاً فيه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية وطريقة ابن القيم - رحمهما الله تعالى - وأجاد في ذلك بحيث صار هذا الشرح مرجعاً في علم الاعتقاد بعامة، ودافع الشارح عن المصَنِّفْ الطحاوي في مواضع مما عبَّرَ فيه بغير ما ينبغي من التعبير أو فيما قرَّرَهُ في مسألة الإيمان، بما هو معروفٌ في موطنه وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى عند التعرض لعبارات المصنف.
هذا الكتاب أو هذه الرسالة والنبذة؛ العقيدة الطحاوية فيها كما ذكرنا ذِكْرُ الاعتقاد بعامة ولكنَّهُ أُخِذَ عليه أنه لم يُرَتِّبْهُ، ولهذا وقع الكلام على الصفات مُفَرَّقاً، ووقع الكلام على القدر مُفَرَّقَاً، ووقع الكلام على الإيمان مُفَرَّقاً، وهكذا في نظائر هذه المسائل.
فهي كانت شبيهةً بالإملاء على ما جاء في قلب المؤلف ﵀ وأجزل له المثوبة - دون ترتيبٍ علميٍ يجمَعُ المسائلَ بعضَهَا إلى بعض؛ يجمع النظير إلى نظيره، والشبيه إلى شبيهه.
стр. 3
ولهذا وَقَعَ كلام الشارح علي بن علي بن أبي العز الحنفي وقَعَ كذلك تَبَعاً للأصل غير مرتَّبْ.
وذَكَرَ في أواخر شرحه أنه تَمَنَّى أنْ لو رَتَّبَ هذا الشرح على ترتيب أركان الإيمان، ثم ما يتصل بذلك من الكلام، ليكون أبلغ في الانتفاع؛ فيجعل الكلام في الألوهية مُتَتَابِعَاً، والكلام في الصفات مُتَتَابِعَاً، والكلام في الإيمان مُتَتَابِعَاً، وفي القدر مُتَتَابِعَاً، وفي النبوات مُتَتَابِعَاً إلى آخر ذلك.
وهذا لو حصل لكان أنفع وأدعى لاستحضار شرح تلك المسائل.
هذه العقيدة أيضا على جلالتها ووَجَازَةِ ألفاظها تحتملُ شرحاً طويلاً كما صنع الشارح ابن أبي العز الحنفي، وتَحْتَمِلُ شَرْحَاً متوسطاً، وتحتمل شرحاً مُخْتَصَرَاً، ولما كُنَّا قد شرحنا عدداً من كتب العقيدة في سِنِيِّنَا التي مَرَّتْ، رأيت -والتوفيق بيد الله أن أجعل الكلام عليها ليس على طريقة الشارح في الاستطراد في ذكر الشرح وإدخال المسائل بعضها في بعض، ولكن على طريقةٍ مرتبة متعلقة:
- أولا: بألفاظ المُصَنِّفْ.
- ثانياً: بالمسائل التي أورَدَهَا المُصَنِّفْ.
- وثالثا: بتحقيق القول في أنَّ ما ذَكَرَهُ هو مذهب أهل السنة والجماعة.
- ورابعا: في أدلة ما ذكره من المسألة.
- خامسا: في ذِكرِ تفريعاتِ تلك المسألة على اعتقاد أهل الحديث والأثر.
- وسادساً: في ذِكر الأقوال المخالفة؛ أقوال أهل الفِرَقْ، وأدلَّتِهَا والرد عليها.
وكما تنظر في هذا التقسيم يحتمل تطويلاً كبيراً، ويحتمل توسطاً، ويحتمل اختصاراً.
فأسأل الله أن يوفقني لما ينفعكم وأن ينفعكم بما تسمعونه إن شاء الله وأرجوا أن يكون منكم الاجتهاد في متابعة الشرح والتَّفْرِيْعْ على هذه المسائل من جهة النظر في الشروح، وكلام شيخ الإسلام وابن القيم وأئمة الدعوة رحمهم الله تعالى جميعا؛ لأنَّ في بحثك بعد الدرس ومراجعتك للدرس ما يُؤَكِّدُ هذه المسائل ويُبَيِّنُهَا، لأنَّ التطويل والتفصيل قد يُذهِبُ بَعضُه بعضاً عند المبتدئ والمتوسط، لكن إذا راجعت وأكدت على نفسك بالمراجعة المستمرة الأسبوعية كان في ذلك إن شاء الله تعالى خير كثير واستحضارٌ لتلك المسائل.
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك فهيِّئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم لا يسير إلا ما يَسَّرْتْ، ولا سَهْلَ إلا ما جعلته سَهْلَاً، أنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وسددنا في القول والفهم والعمل إنك على كل شيء قدير. نعم
[المسألة الثانية] :
قوله (أهلُ السنَّة والجماعة) أهل السنة والجماعة، هذا لفظٌ أُطْلِقَ في أواخر القرن الثاني الهجري على أتْبَاعِ الأثر والمخالفين للفِرَقْ المختلفة الذين خرجوا عن طريقة الصحابة والتابعين.
وأول من استعمله بعض مشايخ البخاري - رحمهم الله تعالى - وجَمَعَ بين لفظين، بين (السنة) و (الجماعة) ؛ لأنَّ هناك من يدَّعِي اتّباع السنة ولكنه لا يكون مع الجماعة، وهناك من يدعو إلى الجماعة بلا اتِّبَاعِ سنة.
فصارت طريقة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح مشتملة على شيئين: اتِّبَاعْ السنة والجماعة.
وكلٌ منهما في الحقيقة لازمٌ للآخر، فاتّباع السنة هو اتّباع الجماعة، واتّباع الجماعة هو اتّباع السنة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ صَحَّ عنه في الحديث الذي في السنن أنه قال (وَسَتَفْتَرِقُ هذه الأمَّة عَلَى ثلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. كُلّهَا فِي النّارِ, إِلاّ وَاحِدَةً. وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) (١) .
فصارت الفِرَقْ في النار؛ يعني مُتَوَعَّدَةْ بدخولها في النار، والناجية فرقة واحدة هي الجماعة، وهم المتبعون للسنة الممتثلون لقول النبي ﷺ (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيين مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكوا بها، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (٢) ... الحديث.
وإذا أُفْرِدَ أهل السنة فقد يُطْلَقُ ويُرَادُ بهم ما يقابل الرافضة والشيعة.
لأنَّ لفظ (أهل السنة) يطلق ويراد به ما يخالف التَّشيُّع، ويُطلق ويراد به أهل الحديث والأثر.
ولهذا زادوا على السنة (الجماعة) ، مع أنَّ كلاً منهما ملازمٌ للآخر لأجل أن يكون هناك تحديد في الإطلاق، فيكون المراد بالإطلاق ما يخالف الفرق كلها: الرافضة والخوارج والجهمية، المرجئة والقدرية، والجبرية إلى آخر أصول الفرق.
وقد ذكرنا لكم في أول شرح الواسطية تفصيل معنى أهل السنة والجماعة، ومعنى الجماعة؛ وجماعة الدين وجماعة الأبدان بما يُرجع في ذلك إليه.
стр. 6
[المسألة الثالثة] :
أنّ هذه العقيدة التي ذكرها الطحاوي ﵀ بُنيت على مذهب فقهاء الملة:
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن.
وهؤلاء عند أهل الحديث والأثر وافقوا السنة والجماعة في أكثر المسائل، لكنَّهُم خالفوهم في أصلٍ عظيمٍ من أصول الدين ألا وهو الإيمان، ولهذا أُطْلِقَ عليهم مرجئة الفقهاء.
فهُم مرجئة لأنَّ كلامهم في الإيمان كلام المرجئة لأنهم أرجَؤُوا العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا (إنّ أهله في أصله سواء) ، وقيل لهم مرجئة الفقهاء؛ لأنهم فقهاء، اشتهروا بذلك.
فإذن يظهر من هذا التقديم أنَّ هذا المُؤَلَّفْ مبنِيٌّ على كلام أهل السّنة والجماعة بعامة، وعلى مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان بخاصة.
وهذا هو الواقع فِعلاً؛ فإنَّ كلامه في الإيمان هو كلام المرجئة.
فإذاً قوله (أهل السنة والجماعة) يُدخِل فيهم المرجئة؛ مرجئة الفقهاء.
وهذا منه يدل على أنَّ مدلول (أهل السنة والجماعة) يشمل أهل الحديث والأثر ويشمل الماتُريدية والأشاعرة، وهذا باطل.
وهذا القول صَرَّحَ به بعض الشُّرَّاحْ من المتقدمين ومن المتأخرين كالسَّفَّاريني في (لوامع الأنوار) (١) حيث قال في فصلٍ له (اعلم أنَّ أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف؛ أهل الحديث والأثر والأشاعرة والماترودية) .
وهذا باطِلٌ؛ لأنَّ أهل السنة والجماعة هم الذين أخذوا بالسنة والجماعة في كل أصول المسائل.
وأعظم المسائل التي حصل فيها الاختلاف أولاً هي مسألة الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام، فخالَفَ فيها الخوارج، كما هو معلوم، ثم تَبِعَ ذلك ظهور المرجئة إلى آخر ما حصل.
فإذاً هذه المسألة -مسألة الإيمان- من مسائل الأصول العظيمة فلا يكون من نفاها -يعني من نفى دخول العمل في مسمى الإيمان- على طريقة أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر؛ لمخالفة قولهم للنصوص الكثيرة الدالة على أنَّ العمل من الإيمان كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 7
[المسألة الرابعة] :
قوله (وما يعتقدون من أصول الدِّين) هذه الكلمة (أصول الدِّين) يُعبَّرُ بها عن العقيدة لأنَّ التعبير عن العقيدة صار فيه اشتراك.
فيُعَبَّر عنها -عن العقيدة- عند أهل الحديث بما ذكرنا لك من العبارات: العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة، وعَبَّرَ عنها المخالفون بِعِلْمِ الكلام.
والذين تركوا الفلسفة وما أصَّلَهُ علماء الكلام في بيان العقيدة إلى ما دَلَّ عليه كلام مُعَظَّمِيهم كالأشعري والماتريدي عَدَلُوا عن (علم الكلام) إلى (أصول الدين) .
لأنَّ كلمة أصول الدين فيها مخالفة للفظ علم الكلام المذموم، وفيها تَوَسُطْ ما بين الألفاظ الشرعية (السنة، العقيدة، التوحيد، الشريعة) وما بين قولهم: علم الكلام.
فأَتوا بهذا اللفظ الذي هو بيْن اللفظين.
ولهذا نقول هذا اللفظ إن كان دليله ومَأخَذُهُ هو مَأْخَذْ التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة فلا بأس باستعماله، ولهذا يستعمله أهل السنة والجماعة، ويريدون به المعنى الصحيح وهو أنَّ (أصول الدين) المقصود بها أصول الإيمان الستة وما يَنْدَرِجُ في ذلك من المسائل الأصلية والتّبَعِيَّة.
فكلمة (أصول الدين) كلمة مُرَكَّبَة مُضَافَةْ، ولذلك يقولون هي مُرِكَّبٌ إضافي؛ أُضيف فيه الأصل إلى الدين.
و (أصول الدين) كلمة معناها العقيدة.
يريدون بكلمة (أصول) ما يخالف الفروع وهي العمليات.
وإذا كان اللفظ محدثا أو مُصطَلحاً عليه فنقول لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعنون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة.
فإذن (وما يعتقدون من أصول الدين) يعني المقصود بها أصول الإيمان المعروفة، وما يتصل بذلك من مباحث، وما خالف فيه أهل السنة أهل البدعة.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو جعل الله واحداً لا مِثْل له في أسمائه وصفاته كما قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكما قال ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، وكما قال ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] .
إذاً قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله) هنا ذَكَرَ التوحيد لأنَّ الخلاف قائمٌ فيه:
- ففي الربوبية قام الخلاف مع الدُّهْرِيَةْ والفلاسفة الذين يقولون: إنَّ هذا العالمَ قديم لم يزل، وأنه ليس له خالق، بل وُجِدَ هكذا العالم باتفاق، وغير ذلك من مقالات نُفاة الرب .
وكذلك مخالفة للذين جعلوا الله رباً ولكن جعلوا معه شريكاً في الربوبية، وهم طوائف من الملل مختلفة، وفي هذه الأمة دَخَلَ ذلك في قول غلاة المتصوفة الذين يقولون:
إنَّ لهذا العالم فيه من يتصرف فيه من الأولياء والأقطاب الذين لكل بلد قطب يمنع ويعطي فيها ويرزق ويحيي ويميت، إلى آخر ما يعتقدون فيه.
- في الإلهية ثَمَّ من خالف.
- في الأسماء والصفات ثَمَّ من خالف كما سيأتي تفصيله.
هنا سؤال: وهو أنه قَدَّمَ القول في الاعتقاد في الله ، لم؟
والجواب عن ذلك أنه قدَّم ذلك لأمرين:
- الأمر الأول: أنّ الإيمان بالله مُقَدَّمٌ على غيره من أركان الإيمان كما قال ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، فَقَدَّمَ الإيمان بالله على غيره، وكما في قوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المعروف (الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ) (١) .
- الأمر الثاني: أنَّ الاعتقاد في الله هو أصل الإيمان، وبه يصير المرء مؤمناً، بالاعتقاد في الله بالوحدانية بما دَلَّتْ عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمدا رسول الله، وأَنَّ ذلك هو أول واجبٍ على العبيد.
وفي هذا مخالفة للذين زعموا أنَّ أول واجبٍ على العبد -ويقدمونه في عقائدهم- أن يَعْرِفَ الله، أو أَنْ يستدل على معرفة الله، أو ما يسمونه بالنظر للتوحيد أو للمعرفة، أو بالقصد إلى النظر.
فلما كان أول واجب هو التوحيد قَدَّمَه، مخالَفَةً لمن قال إنَّ أول واجب هو أَنْ تنظر في الدلائل وفي الملكوت لمن كان أهلاً لذلك.
قال (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) ، (إنَّ الله واحدٌ) ، لفظ (واحدٌ) هذا من أسماء الله الحسنى، كما قال الله ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤] ، وأيضا من أسمائه الحسنى الأحد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .
و (واحدٌ) يعني أنه لا شريك له، ولذلك كانت كلمة (لا شريكَ لَهُ) هذه مؤكِّدَة تأكِيْدَاً بعد تأكيد.
قال الحافظ ابن حجر وغيره في قوله (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) هذا تأكيد بعد تأكيد لبيان عِظَمِ مقام التوحيد.
وكلمة (واحدٌ) هذه راجعة عند أهل الاعتقاد إلى أَحَدِيَّتِه سبحانه.
ونقول الصحيح أنه لا فرق بين واحد وأحد.
والمتكلمون يُفَرِّقُونَ ما بين الواحد والأحد؛ أو واحد وأحد، فيُرْجِعُون الوَاحِدِيَّةْ للصفات، والأَحَدِيَّة للأفعال.
لكن الصحيح أنَّ اسم الله الواحد يرجع إليه أَحديته سبحانه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله (شريكَ لَهُ) هذا تفسير لـ (واحدٌ) وتأكيدٌ له.
ولهذا دلَّ قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) على أَنَّ التوحيد أعظم ما يُفَسَّرُ به نَفْيُ الشريك عن الله ، (نقُولُ في تَوحيدِ الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) فالتوحيد يُفسَّر بِضِدِّهِ وهو نفي الشرك كما قال الشاعر:
فالضد يظهر حسنه الضد ****** وبضدها تتبين الأشياء
فقد لا يستقيم معرفة التوحيد بتفاصيله إلا بالإيقان بِنَفْيِ الشرك بأنواعه.
لهذا نقول هنا قوله (لا شريكَ لَهُ) هذا عام يشمل نفي الشريك في الربوبية، ونفي الشريك في الألوهية، ونفي الشريك في الأسماء والصفات.
١ - النوع الأول من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في ربوبيته:-
والشَّرِكَة في الربوبية راجِعَةْ إلى جعل المخلوق له من صفات الرب في صفات الربوبية؛ يعني أنْ يَجْعَلَ للمخلوق تصرفاً.
إذا جعل للمخلوق تصرفاً في الكون مما يختص به الله ، فهذا ادِّعَاءٌ للشريك معه في الربوبية.
أو أن يعتقد أنَّ الله معه مُعِينٌ أو ظهير أو وزير.
стр. 10
وهذا كله منفي، وكل هذا داخل في الاشتراك في الربوبية، كما قال ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبإ:٢٢] ، فذكر أنواع الاشتراك في الربوبية:
- إما شَرِكَةْ مستقلة ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني استقلالاً.
- أو معاونة.
- أو اتخاذ ظهير ووزير لله .
وهذه المعتقدات موجودة في طوائف من هذه الأمة.
والإيمان بتوحيد الربوبية ونَفْيِ الشَّرِكَةْ في الربوبية على درجتين:
أ - الدرجة الأولى: واجبة على كل مُكَلَّف، ومن لم يأتِ بها فليس بموحّد، بل هو مشرك، وهو ما ذكرنا من الاعتقاد بأنَّ الله واحدٌ في ربوبيته؛ في أفعاله سبحانه، فهو الخالق وحده، وهو الرزّاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده ، وهو مُدَبِّرُ الأمور وحده، وهو خالق الخَلق وحده، إلى آخر أفراد ذلك، وهذه واجبة على كل أحد.
ب - الدرجة الثانية: وهي مرتبةٌ للخاصة وأهل العلم وهي شهود آثار الربوبية في خَلْق الله ، وهذه بحيث لا يَرَى غير الله مُؤَثِراً في هذا الملكوت، ولو كان تأثير معلولات عن عِلَلْ، أو تأثير مُسَبَّبَاتْ عن أسباب، فإنّه يَرَى أنْ لا مؤثر في الحقيقة ولا خالق إلا الله ، وينظر لذلك في الملكوت متفكراً، متدبراً.
وهذه حال الخاصة وهي مستحبة، وهي لأهل العلم ولأهل الإيمان، وليست واجبة على كل أحد، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١] ، وكما وصف الله بعض عباده بالتفكر والنظر والتدبر في خلق الله ، بل أمر بذلك في بعض الآيات بقوله ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] ، وكقوله ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ [الأعراف:١٨٤] ، وكقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦] ، فهذا التَّفَكُرْ في ربوبية الله ، في خلق الله يدل على توحيده في الربوبية، وهو حال الخاصة، كما قال الحسن البصري ﵀ (عاملنا القلوبَ بالتفكر فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التفكر، وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (١) .
وهذه عند أهل البدع وأهل الكلام مطلوبة وواجبة لمن كان أهلاً لها.
فيوجِبُونَ النظر، ويوجبون التفكر، ولا يصح إيمان أحدٍ - عند طائفة منهم- ممن كان أهلا للنظر إلا بالنظر.
فلو مات المتأهل للنظر من غير نَظَرٍ لم يكن مؤمنا بربوبية الله ، وإنْ كانت تجري عليه أحكام أهل الإسلام في الدنيا فإنهم لا ُيجرُونَ عليه أحكام أهل الإسلام في الآخرة على تفصيل مذهب أهل الكلام في ذلك.
٢ - النوع الثاني من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في إلهيته:-
والإلهية معناها العبادة، يعني لا شريك له في عبادته، كما دلت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) .
فيعتقد أنَّ الله ليس معه إله يستحق العبادة، وأنّ كل من أُدُّعِيَ فيه الإلهية وأنه يُعْبَدْ، فإنما عُبِدَ بالبغي والظلم والعدوان والتعدي.
وكل من أشرك بالله فهو ظالمٌ أبشع الظلم وأكبر الظلم؛ لأنه سبحانه توعَّد أهل الشرك بالنار، بل أوجب لهم النار في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وكما قال المسيح ﵇ ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] .
لبيان هذا التوحيد وما يتصل به كتب توحيد العبادة المعروفة ومن أعظمها وأشملها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀.
٣ - النوع الثالث من أنواع نفي الشريك في قوله (لا شريك له) نفي الشريك لله في الأسماء والصفات:-
وذلك بأنْ يعتقد أنَّ الله لا شريك له في كيفية اتصافه بالصفات.
يعني لا مُماثِلَ له، ولا مشابه له في كيفية اتصافه بالصفات.
стр. 11
وأنه سبحانه لا شريك له في المعنى المطْلَقْ لصفاته سبحانه ولأسمائه، ولا مُشَابِهَ له في المعنى المطلق لأسمائه وصفاته.
وأنَّ اشتراك بعض خلقه معه سبحانه في الصفات إنما هو اشتراك في مطلق المعنى وفي أصله لا في المعنى المطلق ولا في كماله ولا في الكيفية.
فيعتقد أنَّهُ لا شريك له في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله سبحانه، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
لأجل هذا المعنى العام، عَطَفَ عليها المصنف بقوله (ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) كما سيأتي تفصيل الكلام على هذه المسائل في ذكر معنى هذه الجُمل الثلاث.
إذاً هذا إجمالٌ لمعنى التوحيد ونفي الشريك، ويأتي تفصيلها مع بيان كل مسألة:
توحيد الربوبية وأبحاثه، توحيد الأسماء والصفات وأبحاثه، توحيد الإلهية وأبحاث توحيد الإلهية.
بَقِيَ أن نقول: إنَّ في قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) إنَّ هذه العبارة (لا شريكَ لَهُ) تفسيرها على طريقة أهل السنة ذكرناها.
وأمَّا أهل البدع فيقولون في تفسير (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) عبارات مختلفة تجدونها في التفاسير، ويُكْثِرُ منها أهل البدع.
فيقولون في تفسير (واحدٌ) :
واحد في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شريك له، وواحدٌ في أفعاله لا نِدَّ له.
وفي قولهم في أوَّلِهَا (واحد في ذاته لا قسيم له) هذه من التعبيرات المحدثة، وإن كان يمكن أن تَحْتَمِلَ معنَىً صحيحاً؛ لكن التوحيد والأَحَدِيَة تُفسَّرُ بواحديته سبحانه وأحديته في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته.
وأهل البدع في التوحيد اختلفت عباراتهم؛ وسبب اختلاف عباراتهم في التوحيد أنهم نظروا في تعريف التوحيد إلى حال النصارى وأهل الملل، فَفَسَّرُوا التوحيد بما يخالِفُ ما عليه بعض الطوائف.
فقالوا (واحدٌ في ذاته لا قسيم له) يعني نفيا للأقانيم الثلاثة التي هي صُوَرْ لله مختلفة كما هو اعتقاد النصارى أو طائفة من النصارى، وكذلك اعتقاد السِّنَوِيَّة والذين يقولون أنَّ ثَمَّ إلهين، هو إله واحد لكن له أُقنومان شيءٌ للخير وشيءٌ للشر.
والله ـ واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، واحدٌ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ـ.
سيأتي إن شاء الله مزيد بيان لقول المخالفين في تفسير الربوبية والألوهية والأسماء والصفات فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
نكتفي الليلة بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه أنْ يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يزيدني وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يختم لنا برضاه، وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 12
الأسئلة:
س١/ قد يُفهم من الدرجة الثانية من توحيد الربوبية نفي الأسباب أو آثارها؟
ج/ لا يُفْهَم ذلك؛ لأنَّ المقصود أن يرى، أن يشهد آثار الأسماء والصفات، وشُهود آثار الأسماء والصفات، هذا ليس نفياً للأسباب، بل هو جعل الأسباب أسباباً، وعدم مجاوزتها لكونها أسباباً، فيرى أنّ الفاعل هو الله ، وأنه سبحانه أجرى الأسباب بجعلها أسباباً، وأنْتَجَ عنها مسبباتها، وأنَّ العِلَلْ تُنْتِجُ معلولاتها، وأنَّ المؤثرات تنتج الآثار، إلى غير ذلك مما هو معلوم من اعتقاد أهل التوحيد.
س٢/ ما نكاد نقرأ كتابا من كتب السنة، كالسنة لعبد الله، واللالكائي، والإبانة إلا ونجد فصلاً أو بابا في طعن الأئمة في أبي حنيفة فما هو السبب؟ وما موقفنا من هذه الآثار؟
ج/ هذا كان في ذلك الزمان لأنَّ أبا حنيفة ﵀ خالف السنة والآثار في مسائل كثيرة جداً، ورَدَّ عليه أهل السنة والحديث حتى لا يأخذ الناس بكلامه في ذلك، فالتآليف هذه لأجل انتشار مذهب الحنفية في البلاد، فكتبوا ذلك تحذيراً من اتِّبَاعِهِ فيما أخطأ فيه، لكن لمَّا استَقَرَّتْ المذاهب، واستقرت الفرق، وصار أبو حنيفة ﵀ أحد الأئمة الأعلام الذين يشار إليهم، والذين يُتَّبعون في مسائل الفقه، ترك أهل السنة إيراد ذلك بعد نهاية القرن الخامس، واجتمعوا على عدم ذكرها، بل عَدُّوهُ من الأئمة الأعلام كما عَقَدَ ذلك شيخ الإسلام في كتابه المعروف (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذكر منهم أبا حنيفة ﵀.
فأخطأ هو في مسائل، وخالف السنة في مسائل، وعُدَّ من مرجئة الفقهاء، لكن ما ورد في تلك الكتب من شتمه ولعنه وسبه أو نحو ذلك، هذا تَرَكَهُ أهل السنة؛ فلم يَصِرْ من شعار أهل السنة أن يُفعَلَ ذلك، كما قرَّرَهُ الأئمة وفي كتبهم وتركوه في مؤلفاتهم بعد نهاية القرن الخامس.
س٣/ بعض أهل العلم يقسّم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الحاكمية فهل هذا التقسيم صحيح أم لا؟
ج/توحيد الحاكمية داخِلٌ إما في توحيد الربوبية أو في توحيد الإلهية أو فيهما معاً؛ لأنَّ الله جعل الحكم إليه سبحانه بقوله ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) ، وقال ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ، ونحو ذلك من الآيات، وكقوله ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] .
فالحاكمية من جهة تحاكم الناس هذا فِعْلُ العبد، وفِعْلُ العبد داخلٌ في توحيد الإلهية، ولهذا أَدْخَلَ إمام الدعوة مباحث هذا النوع من التوحيد في (كتاب التوحيد) فعَقَدَ عدة أبواب في بيان هذه المسألة العظيمة المهمة، ولهذا نقول إنَّ إفراده بالذكر لا يصلح؛ لدخوله في توحيد الإلهية، فهو من ضمن مسائله الكثيرة.
لكن قد يُقْسَمْ التوحيد عند طائفة من أهل العلم إلى أربعة أقسام ويجعلون الرابع توحيد المتابعة؛ يعني متابعة النبي ﷺ ، وهم يقصدون بهذا التقسيم ما دلَّتْ عليه الشهادتان.
فإذا قالوا (توحيد الله) قالوا ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
وإذا قالوا (التوحيد) بدون الإضافة إلى الله ، جعلوه أربعة أقسام؛ ثلاثة مختصة بالله ، والرابع هو توحيد المتابعة للنبي ﷺ ، لأنْ لا يُتَّبَعَ في التشريع غير المصطفى ﷺ .
[المسألة الأولى] :
أنَّ قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) مأخوذٌ من قول الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ومن قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ومن قوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، ومن قوله سبحانه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال َإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] ، وأشباه هذه الأدلة التي تدل على أنَّ الله سبحانه لا يماثله شيء من مخلوقاته.
стр. 15
[المسألة الثانية] :
أنَّ قوله (لا شيءَ مثْلُهُ) راجِعٌ لنفي المماثلة.
وهذا هو الذي جاء في الكتاب والسنة أنْ يُنْفَى عن الله أن يُمَاثِلَ أحداً أو شيئاً من خلقه، وكذلك يُنْفَى عن المخلوق أن يكون مُمَاثِلَاً لله .
وإذا كان كذلك، فالمماثلة أو التمثيل أو المِثلِيَّة تُعَرَّفُ بأنها المساواة في الكيف والوصف:
والمساواة في الكيفية راجعة إلى أَنْ يكون اتصافه بالصفة من جهة الكيفية مُمَاثِلٌ لاتصاف المخلوق، كقولهم: يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا وأشباه ذلك.
وأما المماثلة في الصفات فهي أن يكون معنى الصفة بكماله التام في الخالق كما هو في المخلوق.
إذا تِقِرَّرَ ذلك، فإنَّ اعتقاد المماثلة في الكيفية أو في الصفات على النحو الذي ذكرتُ هذا تمثيل يَكْفُر صاحبه.
ولهذا كَفَّرَ أهلُ السنة النصارى، وكَفَّرَ أهلُ السنة المُجَسِّمَة؛ لأنَّ النصارى شَبَّهُوا المخلوق بالخالق، وشَبَّهُوا عيسى بالله ، والمُجَسِّمَة شَبَّهُوا الله ومثَّلُوه بخلقه.
стр. 16
[المسألة الثالثة] :
الفرق ما بين المماثلة والمثلية وبين التشبيه.
ولتقرير ذلك تنتبه إلى أنَّ الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة.
أما نفي المشابهة؛ -مشابهة الله لخلقه- فإنها لم تُنْفَ في الكتاب والسنة؛ لأنَّ المشابهة تحتملُ أن تكون مشابهةً تامة، ويحتمل أن تكون مشابهةً ناقصة.
فإذا كان المراد المشابهة التامة فإنَّ هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفِيٌ، لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
فإذاً لفظ المشابهة ينقسم:
- إلى مُوَافِقٍ للمماثلة، الشَبِيهْ موافِقٌ للمثيل وللمِثِلْ.
- وإلى غير موافق.
يعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحداً، إذا أُريْدَ بالمشابهة المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة.
وأمَّا إذا كان المراد بالمشابهة المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإنَّ هذا ليس هو التمثيل المنفي، فلا يُنْفَى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثَمَّ مشابهة بمعنى أن يكون ثَمَّ اشتراك في أصل المعنى.
وإذا كان كذلك فإنَّ لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قَرَّرْتُ لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا يُنْفَى ولا يُثْبَتْ.
وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إنَّ الله لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء يعنون بالمشابهة المماثلة.
أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قَطْعَاً أنَّ الله لم ينفها؛ لأنه سبحانه سَمَّى نفسه بالملك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١) وسَمَّى بعض خلقه بالمَلِكْ ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ (٢) وأشباه ذلك من الآيات، وكذلك سَمَّى نفسه بالعزيز، وسَمَّى بعض خلقه بالعزيز، وكذلك جَعَلَ نفسه سبحانه سميعاً، وأخبرنا بصفة السمع له، والبصر، والقوّة، والقدرة، والكلام، والاستواء، والرحمة، والغضب، والرضا وأشباه ذلك، وأثبت هذه الأشياء للإنسانِ فيما يناسبه منها.
فَدَلَّ على أَنَّ الاشتراك في اللفظ وفي بعض المعنى ليس هو التمثيل الممتنِع؛ لأنَّ كلام الله حق وبعضه يفسر بعضاً.
فَنَفَى المماثلة سبحانه بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وأثبت اشتراكاً في الصفة.
وإذا قلتُ اشتراكَاً ليس معنى ذلك أنها من الأسماء المُشْتَرَكَة في الصفات، ولكن أثْبَتَ اشتراكاً في الوصف يعني شَرِكَةً فيه، فإنَّ الإنسان له مُلْكْ والله له الملك، والإنسان له سمع والله له سمع، والإنسان له بصر والله له بصر، وهذا الإثبات فيه قَدْرٌ من المشابهة، لكنَّهَا مُشَابَهَةٌ في أصل المعنى، وليست مشابهة في تمام المعنى ولا في الكيفية.
فتحَصَّلَ من ذلك أنَّ المشابهة ثلاثة أقسام:
١ - الأول: مشابهة في الكيفية، وهذا ممتنع.
٢ - الثاني: مشابهةٌ في تمام الاتصاف ودلالة الألفاظ على المعنى لكمالها، وهذا ممتنع.
٣ - الثالث: مشابهة في معنى الصفة - في أصل المعنى - وهو مطلق المعنى وهذا ليس بمنفي.
ولهذا صار لفظ التمثيل، ونفي التمثيل، ونفي المِثْلِيَّة شرعياً؛ لأنه واضح، دلالته غير مجملة.
وأما لفظ المشابهة فإنَّ دلالته مجملة فلم يأتِ نفيه.
ونحن نقول إنَّ الله لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء .
ونعني بقولنا (لا يشابهه شيء) معنى المماثلة في الكيفية أو المماثلة في تمام الاتصاف بالصفة وتمام دلالة اللفظ على كمال معناه.
стр. 17
[المسألة الرابعة] :
أَنَّ إثبات الصفات لله قاعدته مأخوذةٌ من هذه الجملة (وَلا شيءَ مثْلُهُ) .
فإثبات الصفات مأخوذ من قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فنفى وأَثْبَتْ.
وعند أهل السنة والجماعة أنَّ النفي يكون مُجْمَلَاً (لا شيءَ مثْلُهُ) ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، وأنَّ الإثبات يكون مُفَصَّلَاً ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
وهذا بخلاف طريقة أهل البدع فإنهم يجعلون الإثبات مُجْمَلَاً، والنفي مُفَصَّلَاً، فيقولون في صفة الله : إن الله ليس بجسمٍ ولا بشبحٍ ولا بصورةٍ ولا بذي أعضاء ولا بذي جوارح ولا فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا قُدّام ولا خلف وليس بذي دم ولا هو خارج ولا داخل. إلى آخر تصنيفهم للمنفيات، وإذا أتى الإثبات، إنما أثبتوا مُجْمَلَاً.
فصار نفيهم وإثباتهم على خلاف ما دَلَّتْ عليه الآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
فطريقة أهل السنة أنَّ النفي يكون مُجْمَلَاً وأن الإثبات يكون مُفَصَّلَاً على قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
والنفي المُجْمَلْ فيه مدح، والإثبات المُفَصَّلْ فيه مدح.
والنفي المُجْمَلْ والإثبات المُفَصَّلْ من فروع معنى استحقاق الله للحمد.
والله سبحانه أثْبَتَ أنه مَحْمُودٌ ومُسَبَّحٌ في سماواته وفي أرضه ، كما قال سبحانه ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، وكقوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم:١٨] ، وكقوله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] ، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) ، ونحو ذلك.
والجمع بين التسبيح والحمد هو جَمْعٌ بين النفي والإثبات؛ لأنَّ التسبيح نفي النقائص عن الله فجاء مُجْمَلَاً، والحمد إثبات الكمالات لله فجاء مفصلاً.
فإثبات الكمالات من فروع حمده ـ، ولهذا صار محموداً على كل أسمائه وصفاته، وعلى جميع ما يستحقه سبحانه، وعلى أفعاله .
وتنزيهه سبحانه بالنفي - يعني بالتسبيح - أنْ يكون ثَمَّ مُمَاثِلْ له .
فمعنى (سبحان الله) تنزيهاً لله عن أن يماثله شيء أو عن النقائص جميعاً.
والحمد إثبات الكمالات بالتفصيل.
فإذاً من نَفَى مُجْمَلَاً وأثْبَتَ مُفَصَّلَاً، فإنه وافق مقتضى التسبيح والحمد الذي قامت عليه السموات والأرض.
ومن نفى مُفَصَّلَاً وأثبت مُجْمَلَاً، فقد نافى طريقة الحمد والتسبيح الذي قامت عليه السماوات والأرض.
لهذا صارت طريقة القرآن أن يكون النفي مُجْمَلَاً والإثبات مُفَصَّلَاً، وطريقة أهل البدع بعكس ذلك.
стр. 18
[المسألة الخامسة] :
أنَّ قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، الذي هو دليل (وَلا شيءَ مثْلُهُ) ، قد اختلَفَ فيه المفسرون في معنى الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
والكاف هنا، على أي شيء تدل؟ على أقوال:
١ - القول الأول: أنَّ الكاف هذه بمعنى مِثْل، فيكون معنى قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ليس مِثْلَ مِثْلِه شيء، مبالغة في النفي عن وجودِ مِثْلِ المِثْل، فكيف يوجد المِثْلْ، فنَفْيُه من باب أولى.
ومجيء الكاف بمعنى الاسم هذا موجود في القرآن وكذلك في لغة العرب:
- فأما مجيئه في القرآن -مجيء الكاف بمعنى الاسم، وهي حرف- كما في قوله ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] ، فقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) عَطَفَ الاسم على الكاف التي هي في قوله (كَالْحِجَارَةِ) ؛ (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ) ، ومعلوم أنَّ الاسم إنما يُعْطَفُ على الاسم فقوله (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) يعني فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
- ومجيئه في اللغة أيضاً ظاهر ومحفوظ، كقول الشاعر:
لو كان في قلبي كقدر قُلَامَةٍ ****** حبا لغيركِ ما أتتكِ رسائلي
فقوله (لو كان في قلبي كقدر قلامة) هذا جَعَلَ شبه الجملة الجارّ والمجرور (في قلبي) مُقَدَّمْ، وجَعَلَ الاسم (كقدر) لكون الكاف بمعنى (مِثْل) ؛ يعني لو كان في قلبي مِثْلُ قَدْرِ قُلَامة.
وهذا التوجيه الأول لطائفة من المفسرين في أنَّ الكاف هنا بمعنى (مِثْل) على ما ذكرنا.
وهذا التوجيه لهم وجيهٌ وظاهرٌ في اللغة ومستقيمُ المعنى أيضاً في الآية.
٢ - القول الثاني: أنَّ الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هذه صلة، وهي التي تُسَمَّى عند النحويين زائدة؛ وزيادتها ليس زيادَةً للفظ، وإنما هو زيادَةٌ لها لكون المعنى زائداً.
فليست زائدة بمعنى أن وجودها وعدم وجودها واحد، حاشا وكلا أنْ يكون في القرآن شيء من ذلك، وإنما تُزادْ ليكون مبالغةً في الدلالة على المعنى.
فقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تكون الكاف صلة ومجيء الصلة في مقام تَكْرَارِ الجملة تأكيداً.
كما حَرَّرَهُ ابن جِنِّي النحوي المعروف في كتابه (الخصائص) حيث قال:
إنَّ الصلة والزيادة تكون في الجمل لتأكيدها وتكون مقام تكريرها مرتين أو أكثر. أو كما قال.
فيكون معنى قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) : ليس مِثْلَه شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا تفهمه العرب في كلامها.
وجاءت الزيادة بالصلة في مواضع كثيرة من القرآن كقول الله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .
فقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ﴾ يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم. يعني ليس من جهتك وإنما هو رحمة من الله .
وكقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣] يعني: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، وكقوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] في أحد وجهي التفسير.
إذا تقرر لك ذلك فإنَّ الوجه الأَوْلى من هذين التفسيرين هو الثاني من كون الكاف صلة زائدة في مقام تكرير الجملة؛ يعني أنَّ النفي أُكِّد فتكون أبلغ من أنْ يُنْفَى مِثْلْ المِثْل؛ لأنه قد يُشْكِلْ في نفي مثل المثل أن يكون (١)
: [[الشريط الثاني]] :
نفيُ المِثْليِةِ الأولى ليس مستقيماً دائماً، أو ليس مفهوماً دائماً.
أما الثاني فإنه واضح من جهة العربية، وواضح من جهة العقيدة، وواضح من جهة دلالته على تأكيد النفي الذي جاء في الآية.
هذا خلاصة الكلام على قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) .
стр. 19
ثم قال ﵀ (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)
стр. 20
[المسألة الأولى] :
أن هذا منتزع من قوله الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤] ، فنفى سبحانه أن ثَمَّ شيءٌ يعجزه في السماوات وكذلك في الأرض، وعلَّلَ ذلك بكونه (عَلِيمًا قَدِيرًا) .
ونفي العجز في الآية جاء مُعَلَّلاً بكمال علمه وقدرته؛ وذلك لأنَّ العجز في الجملة:
- إما أن يرجع إلى عدم علم، فلأجل عدم علمه بالأمر عجز عنه.
- وإما أن يرجع لعدم القدرة، فَعَلِمَ ولكن لا يقدر على إنفاذ ما علم أو ما يريد.
- وإما أن يرجع إليهما معا.
ولذلك لما قال ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ عَلَّلَه بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ، ومن المتقرر في علم الأصول في مسالك العلة من أبواب القياس: أنّ التعليل في القرآن والسنة يُستفادُ من جهات؛ ومنها مجيء (إنَّ) بعد الخبر أو بعد الأمر والنهي.
وهنا لما أخبر عن نفسه بعدم العجز، وعلل ذلك بكونه سبحانه عليما قديرا، عَلِمْنَا أنَّ سبب عدم العجز هو كمال علمه سبحانه وكمال قدرته.
стр. 21
[المسالة الثانية] :
أن هذه الجملة نأخذ منها قاعدة قَعَّدها أئمة أهل السنة والجماعة وهي أنَّ النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يُراد به حقيقة النفي، وإنما يُراد به كمال ضده.
يعني أنّّ كل نَفْيٍ نُفِيَ عن الله .
أنَّ كل نَفْيٍ أُضِيفَ لله فنُفِيَ عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله في القرآن أو في السنة، فإن المقصود منه إثبات كمال الضِّد.
لأنَّ النفي المحض ليس بكمال، فقد يُنفَى عن الشيء الاتصاف بالصفة؛ لأنه ليس بأهلٍ لها، فيقال: فلان ليس بعالم. لأنّه ليس أهلاً لأن يتّصف بذلك، ويقال: فلان ليس بظالم لأنه ليس بقادر أصلا، كما قال الشاعر في وصف قوم يذمهم:
قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ****** وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْذَلِ
لأنهم لا يستطيعون أصلا أنْ يظلموا أو أن يعتدوا لعجزهم عن ذلك؛ لأن العرب كانت تفتخر بأنّ من لم يَظلِمْ يُظلَم كقول الشاعر وهو زهير:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ****** ومن لا يظلم الناس يظلم
فتقرر أنَّ النفي المحض ليس بكمال، ولذلك نقرر القاعدة: أنّ النفي في الكتاب والسنة إنما هو لإثبات كمال الضد.
وأخذنا ذلك من قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ، فصار النفي نفي العجز عنه سبحانه فيه إثبات كمال علمه وقدرته.
وهذا خُذْهُ مطّرِداً في مثله قوله ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وفي قوله في أول آية الكرسي ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، لكمال حياته وكمال قيوميته سبحانه، ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ فيه إثبات كمال قدرته وكمال قوته، وفي قوله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله سبحانه، وفي قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وذلك لكمال اتصافه بصفاته، وفي قوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] لكمال استغنائه سبحانه.
ففي كل نفيٍ جاء في الكتاب والسنة تأخذ إثبات الصفة التي هي بضد ذلك النفي.
ولهذا تُثْبَتُ بعض الصفات وتُثبتُ بعض الأسماء عند طائفة من أهل العلم بألفاظ لم ترد صراحة وأخذوها من النفي الذي جاء في الكتاب والسنة.
стр. 22
[المسألة الثالثة] :
أنّ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) كما ذكرتُ لك من أفراد توحيد الربوبية.
والتمثيل عن العام ببعض أفراده في التوحيد صحيح؛ لأنَّ دِلالة الخاص على العام مؤكَّدةٌ واضحة لا يمكن أن تخرج دلالة الخاص عن الأمر الكلي العام.
ولهذا يجيء الإثبات مفصلا كما ذكرنا لأجل أنَّ الإثبات العام لله في جميع الصفات حق، فيُثْبَتُ في كل موضع بحسبه.
فمن مثَّل في موضع ببعض أفراد الربوبية، فإن تمثيله لذلك حق وإنْ لم يُمَثِّل بجميع أفراد الربوبية، بخلاف الأسماء والصفات فإنَّ الأسماء والصفات تُمَثِّل عليها بأنواعها.
أهل السنة إذا ذكروا الأسماء والصفات تمثيلاً في هذا المقام فإنهم يذكرون تلك الأسماء والصفات والأفعال التي تدل على أنواع الصفات.
فيذكرون مثالاً للصفات الذاتية، ومثالاً للصفات الاختيارية، ومثالاً للصفات الفعلية حتى يكون ذلك عامّا لأجل أن لا يشترك أهل السنة مع أهل البدع في التعبير.
فإذا أتى مثلا في إثبات الصفات لا يقولون إننا نثبت صفات الرب كالحياة والقدرة والسمع والعلم والبصر والإرادة والكلام ويسكتون، لأنَّ هذه السبع هي التي أثبتها الكُلَّابِيَّة والأشاعرة وطائفة، ولا يقولون نثبت الحياة والكلام لله والسمع والبصر ويسكتون، ولكن يذكرون هذا وهذا، فإذا ذكروا هذه السبع يقولون أيضا معها فهو سبحانه سميع بصير أو موصوف بالسمع والبصر والقدرة والكلام والإرادة والحياة والاستواء والنزول والرحمة والغضب والرضا فيجمعون -والوجه واليدان، إلى آخره- فذكر الصفات ما جرى عليه الاتفاق وما لم يجرِ عليه الاتفاق - يعني بينهم وبين أهل البدع - تمييزًا لقول أهل السنة عن غيرهم.
وأما في الربوبية لأجل أنه لم يَجْرِ فيها الخلاف فإنه يسوغ أن يمثل لها ببعض أفرادها.
стр. 23
[المسالة الرابعة] :
أنَّ العجز هنا كما في الآية؛ جاء نفيه متعلقاً بالأشياء، ودِلالة الآية على النفي أبلغ وأعظم في قول المصنف (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) ، لأنه جاء في الآية زيادة (مِنْ) التي تنقل العموم من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤] ، فقوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لو قال: وما كان الله ليعجزه شيء لصَحَّ النفي وصار ظاهرا في العموم، وأما لمَّا قال (مِنْ شَيْءٍ) جاءت زيادة (مِنْ) هذه، لتنقل العموم المستفاد من مجيء النكرة في سياق النفي من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه.
ومعنى الظهور في العموم: أنّه قد يَتَخَلَّفُ بعض الأفراد على سبيل النُّدْرَة.
وأما النَّصِّيَّة في العموم: فإنه لا يتخلَّفُ عن العموم شيء.
فلما نفى بمجيء النكرة في سياق النفي وجاء بزيادة (مِنْ) التي دلت على انتقال هذه النكرة المنفية من ظهورها في العموم إلى كونها نصاً صريحاً في العموم.
إذا تقرر هذا فالمَنْفِيُّ أن يعجزه هو الأشياء.
والأشياء جمع شيء، والشيء الذي جاء في الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، وفي قوله هنا (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) ، وكذاك في قوله قبل (وَلا شيءَ مثْلُهُ) ، تعريف شيء عندنا: أنّه ما يصح أن يُعْلَمَ أو يَؤُولُ إلى العلم، سواءً كان في الأعيان والذّوات، أو كان من الصفات والأحوال.
فكلمة (شيء) في النصوص تُفَسَّر عند المحققين من أهل السنة بأنها: ما يصح أن يُعلم أو يؤول إلى العلم.
قولنا (يصح أن يعلم) مما هو موجود أمامك أو ما يؤول إلى العلم لعدم وجوده ذَاتاً ولكنه موجود في القَدَرْ، كقول الله ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ، وقد كان شيئا لكن لا يذكره الناس؛ لأنهم لم يروه، ولكنه شيء يُعْلَمُ في حق الله ، وسيؤول إلى العلم في حق المخلوق والذِّكْرْ.
ولهذا في قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) ، وقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) راجع هنا إلى ما هو موجود وإلى ما ليس بموجود من الذوات والصفات والأحوال؛ لأنها جميعا إما أن تكون معلومة، أو تكون آيلة إلى العلم.
стр. 24
قال بعدها ﵀ (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) .
стр. 25
[المسألة الأولى] :
أنَّ هذه الكلمة هي معنى كلمة؛ أو هي مطابقة لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) معناها (لا إلهَ غَيْرُهُ) .
والإله في كلمة التوحيد وفي قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) هذا دخل عليه النفي.
فالمَنْفِيُّ جنس الآلهة التي تستحق العبادة، والله ليس داخلا في هذا النفي -كما سيأتي بيانه في إعراب كلمة التوحيد-.
وكلمة (إلا الله) موافقة لـ (غَيْرُهُ) ؛ لأن الغَيرِيَّةْ:
- ربما كانت غيرية في الذوات كقولك: ما دخل رجل غيرُ زيد، فهنا ذات الرجال غير ذات زيد.
- أو في الصفات كقولهم: جاءكم بوجه غير الذي ذهب به.
الوجه من حيث هو واحد لكن من حيث الصفة اختلف.
فإذاً الغَيرِيَّةْ قد ترجع إلى غيرية الذات، وقد ترجع إلى غيرية الصفات.
وفي النفي (لا إله إلا الله) هنا الإله المنفي هو جنس الآلهة التي تستحق العبادة.
* و (إلا الله) ليس هذا مُخْرَجاً من الآلهة؛ لأنه لم يدخل أصلاً فيها حتى يخرج منها لأن النفي راجع إلى الآلهة الباطلة.
стр. 26
[المسألة الثانية] :
أنَّ قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (الإله) هذه اختلف الناس في تفسيره.
- فالتفسير الأول لها:
أنّ الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستغني عمَّا سواه، المفتقر إلى كل ما عداه.
وهذا قول أهل الكلام، في أنّ الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يَقْدِرُ على الخَلْقِ والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عمَّا سواه وكل شيء يفتقر إله.
كما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السَّنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك.
وهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات وفي تحديد أول واجب على العباد.
- التفسير الثاني لها:
نأتي للجملة هذه [.....] (١) وأنّ الإله، إله (فِعَالْ) بمعنى مَفْعُولْ يعني مَأْلُوهْ.
سُمِّيَ إلهً لأنه مألوهٌ.
والمألُوهُ مفعول من المصدر وهو الإلهَةْ.
والإلهة مصدر أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً وأُلُوهَةً إذا عَبَدَ مع الحب والذل والرضا.
فإذاً صارت كلمة الإله هي المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا.
فصار معنى الإله إذاً هو الذي يُعْبَدُ مع المحبة والرضا والذل.
وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأنَّ كلمة (إله) هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَك﴾ [الأعراف:١٢٧] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيؤُها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:
لله درّ الغانيات المُدّهِ ****** سبّحن واسترجعن من تألهِ
يعني من عبادتي.
فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسَّر الإله بمعنى الرب مطلقاً.
لأنَّ الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية.
فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١-٨٢] ، وكقوله ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] يعني أَجَعَلَ المعبودات معبوداً واحداً.
وهذا يدلك على أنَّ هذا النفي في قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) راجعٌ إلى نفي العبادة.
وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعاً، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله.
وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله ﷻ .
стр. 27
[المسألة الثالثة] :
راجعة إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ما معناها؟
معناها: لا معبود حق إلا الله .
وكما هو معلوم الخبر في قوله (لا) ، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله) ، ثم قال (إلا الله) .
وحذْفُ الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي ﷺ (لاَ عَدْوىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ، وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ) (١) فالخبر كله محذوف.
وخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوعٍ إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب -يعني باب لا النافية للجنس:
وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ ****** الخَبَر إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَر
فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط.
وسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة (حق) ، (لا إله حق إلا الله) أنّ المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله ، وإنما نازعوا في أحقِّيةِ الله بالعبادة دون غيره، وأنّ غيره لا يستحق العبادة.
فالنزاع لمَّا كان في الثاني دون الأول؛ يعني لمَّا كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية.
في (لا إله) صار الخبر راجعاً أو صار الخبر تقديره حق كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٩٢] ، وفي الآية الأخرى قال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠] ، فلما قال سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرن بين أحقّية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دلّ على أن المراد في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله .
فإذاً صار تقدير الخبر بكلمة (حق) صوابا من جهتين:
- الجهة الأولى:
أنّ النّزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
- الجهة الثانية:
أنّ الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله بالعبادة دون ما سواه.
إذا تقرر ذلك فكما ذَكَرْتُ لك الخبر مقدر بكلمة (حق) ؛ (لا إله حق) .
و (لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
نفت جنس المعبودات الحقّة، فلا يوجد على الأرض ولا في السماء معبود عَبَدَهُ المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد.
وتقدير الخبر بـ (حق) كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ (موجود) أو بشبه الجملة بقولهم (في الوجود) (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود) .
وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى (الإله) لأنهم فهموا من معنى (الإله) الرب، فنفوا وجود رب مع الله ، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ، وكقوله في آية الإسراء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢] ، ففسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
إذا تقرر ذلك فنقول: إن عبادة غير الله إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية.
стр. 28
[المسألة الرابعة] :
في إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) .
(لا) نافية للجنس.
(إله) هو اسمها مبني على الفتح.
و (لا) النافية للجنس مع اسمها: في محل رفع مبتدأ.
وحق: هو الخبر؛ وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء أو العامل فيه (لا) النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل.
و (إلا الله)
(إلا) استثناء؛ أداة استثناء.
(الله) مرفوع، وهو بدل من الخبر، لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يُخرَج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يَدخل فيها -كما يقوله من لم يفهم- حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر.
وكون الخبر مرفوعا والاسم هذا مرفوعا، يُبيِّنُ ذلك أن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد.
وهنا تَنْتَبِهْ إلى أن الخبر لما قُدِّرَ بـ (حق) صار المُثبَتْ هو استحقاق الله للعبادة.
ومعلوم أنّ الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثباتٍ مجرد بلا نفي.
ولهذا صار قوله (لا إله إلا الله) وقول (لا إله غير الله) هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد، لأن هذا قد ينفي التقسيم ولكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة.
ولهذا صار قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] ، وقول القائل (لا إله إلا الله) بل قوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر.
وبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المفرّغ وهذا ليس بجيد، بل الصواب فيها أن يقال هذا حصر وقصر، فجاءت (لا) نافية وجاءت (إلا) مثبتة ليكون ثَمَّ حصرٌ وقصرٌ لاستحقاق العبادة في الله دون غيره.
وهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنَّهُ فيه لا في غيره.
وهذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه النفي والإثبات.
ومعنى كلمة التوحيد وتفصيل الكلام عليها ترجعون إليه في موضعه من كلام أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.
стр. 29
[المسألة الخامسة] :
على قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) أنَّ هذه الكلمة فيها إثبات توحيد العبادة لله كما ذكرنا.
وتوحيد العبادة لله لا يستقيم إلا بشيئين كما ذكرنا: بنفي وبإثبات.
فالنفي وحده لا يكون به المرء موحداً، والإثبات وحده لا يكون به المرء موحداً، حتى يجمع ما بين النفي والإثبات.
نفي استحقاق العبادة لأحد من هذه الآلهة الباطلة، وإثبات استحقاق العبادة الحقة لله وحده دون ما سواه.
وهذا هو معنى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، فلا يستقيم توحيد أحد حتى يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله.
ومن كان إيمانه بالله صحيحا كان كفره بالطاغوت صحيحا، إذ ثَمَّ ملازمة ما بين هذا وهذا.
وإثبات توحيد الإلهية على هذا المعنى بين النفي والإثبات يتضمن إثبات توحيد الربوبية؛ لأنَّ كل موحد لله في الإلهية موحد لله في الربوبية، وكذلك مستلزم لإثبات صفات الكمال لله ؛ لأنه لا يُعبد إلا من كان متصفا بصفات الكمال.
هذا خلاصة ما يشتمل عليه قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) .
في هذا القدر كفاية وأسأل؛ الله لي ولكم النور في الدنيا وفي الآخرة والإهتداء التام والأمن التام إنه كريم جواد سميع الدعاء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 30
الأسئلة:
س١/الكلام على مسألة التشبيه من حيث الكيفية والمعنى، والأصل نرجوا توضيحها والتمثيل عليها؟
ج/هذه المسألة كما هو معلوم بسطها أهل السنة وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه، وكذلك هو في شروح الواسطية المطولة تذكر هذه المسألة:
التشبيه من حيث الكيفية هو التمثيل كقول المجسمة: إن الله جسم كأجسامنا، ويده كأيدينا، وقدمه كأقدامنا، واستوائه كاستوائنا، في كيفية الاستواء مماثل لنا ومشابه لنا. فهذا تشبيه من حيث الكيفية.
وتشبيه من حيث تمام المعنى كأن يقول معنى استواء الله هو معنى استوائنا تماما، المعنى في هذا هو هذا، معنى سمع الله هو معنى سمعنا تماما، لا فرق بين هذا وهذا، وهذا أيضا تشبيه مذموم باطل.
ولكن المشابهة التي لا تُنفى هي ما كان من جهة الاشتراك في أصل المعنى؛ لأن المعنى كما هو معلوم يوجد كليا في الأذهان، وأما في الخارج فيكون مختلفا بحسب الإضافة والتخصيص، فإذا كان المعنى الكلي هذا له جهتان:
جهةُ مطلق المعنى، أقل درجات المعنى، فهذه هي، أو هذا هو القدر المشترك بين كل من اتصف بالصفة، فمثلا في السمع: البعوضة لها سمع، والذباب له سمع، والضأن له سمع، والنمل له سمع، والإنسان له سمع، هؤلاء اشتركوا في أصل معنى السمع؛ لكنهم يتفاوتون فيه بقدر ما هم عليه، بقدر ما يناسب ذواتهم، بقدر ما يناسب أبدانهم، بقدر ما يناسب استعداداتهم التي جعلها الله لهم، فسمع البعوض ليس هو كسمع الإنسان، وسمع النمل ليس كسمع الإنسان، لكن أصل معنى السمع مشترك بين هذه المخلوقات، فكذلك جنس المخلوقات التي لها سمع نُثبت لها أصل السمع كما هي عليه؛ ولكن سمع الله يناسب ذاته، كما أن ما بين الإنسان وما بين النمل في السمع قدر مشترك في هذا المعنى؛ معنى السمع ومعنى البصر، فما بين المخلوق وبين الله هو قدر مشترك في أصل المعنى.
أما في تمام المعنى فكل له ما يناسبه؛ فالله يناسب ذاته العلية العظيمة الجليلة الاتصاف بالصفات الكاملة المطلقة؛ الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص في وجه من الوجوه، والمخلوق له ما يناسب ذاته من نقص وحال. فهذا معنى الكيفية تمام المعنى أصل الاتصاف بالصفات.
س٢/ كيف نفرق بين الكيفية وتمام المعنى؟
تمام المعنى غير مضاف كلي والكيفية تمثيل:
فإذا قلت السمع هو كالسمع صار هذا تمثيلا.
وإذا قلت سمعه أو بصره في كيفية الاتصاف هو ككيفية اتصاف المخلوق بالسمع والبصر صار هذا تكييفا.
فإذا قلت السمع والسمع صار هذا تمثيلا، تمثيلا في المعنى.
وإذا قلت اتصف بالسمع بكيفية اتصافنا بالسمع، واتصف بالبصر بكيفية اتصافنا بالبصر، صار تجسيما أو صار هذا من جهة الكيفية.
لأنَّ السمع إدراك المسموعات، أنت تدرك المسموعات بواسطة أذن وطبلة إلى آخره، والله إدراكه للمسموعات ليس بكيفية إدراك المخلوق للمسموعات، كذلك البصر؛ عين الله ليست كعين المخلوق في الكيفية، نثبت لله عيناً كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن لا نقول عينه سبحانه كعين الإنسان في الكيفية؛ فيها سواد، بياض، أو لها حدقة، شبكية إلى آخره.
فإثبات المعنى هذا كمال المعنى لله ، والكيفية التمثيل فيها هذا تجسيم وهو من المكفرات، لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق.
س٢/ما رأيك في كتاب المنحة الإلهية في تعريف شرح الطحاوية؟
ج/ ما شفت الكتاب هذا.
س٣/قولك المنفي جنس الآلهة التي تستحق العبادة؟ ج/المقصود بقول تستحق العبادة في ظن العابدين وإلاّ (لا إله حق) فنفت كلمة التوحيد أحقية الآلهة في العبادة، المقصود بحسب ظنهم، أو نقول المنفي جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
س٤/هذا سؤال في الأصول ومتعلق بكلمة الكاف في ﴿كَمِثْلِهِ﴾ ؟
ج/والجواب عليها تقسيم الألفاظ إلى شرعي ووضعي وعرفي ونقص وزيادة ونقل واستعارة [.....] (١) وكازدياد الكاف في (كَمِثْلِه) . هذا البحث فيه معروف لكن هذا يحتاج إلى بسط آخر.
س٥/قال أهل السنة كما ذكرتم قاعدة أهل السنة: أن النفي مجمل والإثبات مفصل، وأنَّ أهل البدع عكس لأهل السنة، فما القول عندما يقول أحد من أهل البدع (املأ الكون نفيا ولا تقل بإثبات) فيكون الإثبات عندهم والإثبات مجمل؟
ج/ أنا ما أفهم الكلام -املأ الكون نفيا يعني انْفِ كما تريد (ولا تقل بإثبات) يعني لا تفصل، هذا موافق لقولهم إن النفي مفصل والإثبات مجمل.
نكتفي بهذا القدر وصل اللهم وبارك على نبينا محمد. (٢)
стр. 31
قَدِيمٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ دَائِمٌ بِلَا انْتِهَاءٍ
стр. 32
[المسألة الأولى] :
اسم القديم: هذا كما ذكرت من الأسماء التي سمَّى اللهَ بها المتكلمون.
فإنهم هم الذين أطلقوا هذا الاسم القديم على الرب ، وإلا فالنصوص من الكتاب والسنة ليس فيها هذا الاسم.
وإدراج اسم الله وإدراج القديم في أسماء الله هذا غلط، ولا يجوز، وذلك لأمور.
- الأمر الأول:
إن القاعدة التي يجب اتّباعها في الأسماء والصفات ألاّ يُتجاوز فيها القرآن والحديث، ولفظ أو اسم القديم أو الوصف بالقدم لم يأتِ في الكتاب والسنة، فيكون في إثباته تعدٍّ على النص.
- الأمر الثاني:
أنّ اسم القديم منقسم إلى ما يُمدح به، وإلى ما لا يمدح به، فإنّ أسماء الله أسماء مدح؛ لأنها أسماء حسنى واسم القديم لا يمدح به؛ لأن الله وصف به العرجون، والقديم هذا قد يكون صفة مدح وقد يكون صفة ذم.
- الأمر الثالث:
أنَّ اسم القديم لا يدعا الله به، فلا يدعا الله بقول القائل يا قديم أعطني، ويا أيها القديم، أو يا ربي أسألك بأنك القديم أن تعطيني كذا، والأسماء الحسنى يُدْعَى الله بها فذلك لقوله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، فالأسماء الحسنى يُدْعَى بها؛ يعني تكون وسيلة لتحقيق مراد العبد، ولهذا لم يدخل الوجه في الأسماء، ولم تدخل اليدان في الأسماء، ولا أشباه ذلك، لأن هذه صفات وليست بأسماء، والأسماء هي التي يُدْعَى الله بها.
وإذا تبين ذلك فننتقل إلى:
стр. 33
[المسألة الثانية] :
ما ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى ؟
الاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
- الأول: أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُصَّ عليه في الكتاب والسنة، نُصَّ عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر، وسيأتي تفصيل لذلك.
- الثاني: أن يكون مما يُدْعَى الله به.
- الثالث: أن يكون متضمِّنا لمدحٍ كاملٍ مطلقٍ غير مخصوص.
وهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وهي:
أنَّ باب الأسماء الحسنى أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال أضيق من باب الإخبار. واعكس ذلك.
فتقول: باب الإخبار عن الله أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى.
وهذه القاعدة نفهم منها أنَّ الإخبار عن الله بأنه (قَديمٌ بلا ابتدَاء) لا بأس به لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) انتفى المحذور فصار المعنى حقا، ولكن من جهة الإخبار.
أما من جهة الوصف، وصف الله بالقدم فهذا أضيق لأنه لا بد فيه من دليل.
وكذلك باب الأسماء وهو تسمية الله بالقديم هذا أضيق فلا بد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذَكَرْتُ لك.
والشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع والمتكلم والمريد وأشباههم لـ:
- أولا:
لم تَرِدْ في النصوص فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم، ولا المريد، ولا القديم، أما الصانع فله بحث يأتي إن شاء الله.
- ثانياً:
اسم القديم لا يدعا الله به؛ يعني لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنىً متعلقا بالعبد فيسأل الله به، فلا يقول يا قديم أعطني، لأنه لا يتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، فثَمَّ فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.
- ثالثاً:
من الشروط: الذي ذكرناه هو أن تكون متضمنةً على مدحٍ كاملٍ مطلق غير مختص.
وهذا نعني به أنّ المدح، أنَّ أسماء الله هي متضمنة لصفات.
وهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق.
غير الممدوحة في حال والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال أو مسكوت عنها في حال.
وذلك يرجع إلى أنَّ أسماء الله حسنى؛ يعني أنها بالغة في الحسن نهايتَه.
ومعلوم أن حُسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى؛ ما اشتملت عليه من الصفة.
والصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لا بد أنْ يكون دالا على الكمال مطلقا بلا تقييد وبلا تخصيص.
فمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم أو صفة القِدم مدحا قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) ، وحتى الدائم هنا قال (دَائمٌ بلا انْتهاء) .
لكن لفظ القديم قيّده بكونه (بلا ابتدَاء) وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقا وحسنا ووصفا مشتملا على مدح حق.
لهذا نقول إنّ هذا الأسماء التي تُطلق على أنها من الأسماء الحسنى يجب أن تكون مثل ما قلنا صفات مدح وكمال ومطلقة غير مختصة، وأمّا ما كان مقيَّدا أو ما كان مختصا المدح فيه بحال دون حال، فإنه لا يجوز أن يطلق في أسماء الله.
ولهذا مثال آخر أبْيَنْ من ذلك، مثل المريد والإرادة، فإنَّ الإرادة منقسمة إلى:
١ - إرادة محمودة؛ إرادة الخير إرادة المصلحة، إرادة النفع، إرادة موافقة للحكمة.
٢ - والقسم الآخر إرادة الشرّ، إرادة الفساد، إرادة ما لا يوافق الحكمة، إلى آخره.
فهنا لا يسمى الله باسم المريد، لأنّ هذا منقسم، مع أنَّ الله يريد ، فيُطْلَقْ عليه الفعل، وهو سبحانه موصوف بالإرادة الكاملة، ولكن اسم المريد لا يكون من أسمائه لما ذكرنا.
وكذلك اسم الصانع لا يقال أنه من أسماء الله ؛ لأن الصّنع منقسم إلى ما هو موافق للحكمة، وإلى ما هو ليس موافقا للحكمة، والله يصنع وله الصنع سبحانه، كما قال ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] وهو سبحانه يصنع ما يشاء وصانِعٌ ما شاء كما جاء في الحديث «إِنّ اللهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ» (١) ، ولكن لم يُسَمَّ الله باسم الصانع لأنّ الصُّنع منقسم.
стр. 34
أيضا اسم المتكلم، المتكلم لا يقال في أسماء الله المتكلم؛ لأن الكلام الذي هو راجع إلى الأمر والنهي، منقسم: إلى أمر لما بما هو موافق للحكمة؛ أمر بمحمود، وإلى أمر بغير ذلك، ونهي عمّا فيه المصلحة؛ نهي عمّا فيه الخير، ونهي عن ما فيه الضر، والله نهى عمّا فيه الضرر، ولم ينهَ عما فيه الخير، بل أمر بما فيه الخير، ولذلك لم يسمَّ الله بالمتكلم.
هذه كلها أطلقها المتكلمون على الله ، فسموا الله بالقديم، وسموا الله بالمتكلم، وسموا الله بالمريد، وسموا الله بالصانع، إلى غير ذلك من الأسماء التي جعلوها لله .
فإذا تبين لك ذلك فإن الأسماء الحسنى هي ما اجتمعت فيها هذه الشروط، واسم القديم لم تجتمع فيه الشروط؛ بل لم ينطبق عليه شرط من هذه الشروط الثلاثة.
والمؤلف معذور في ذلك بعض العذر؛ لأنّه قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) .
أمَّا الخالق غير الصانع وذلك لـ:
- أولاً:الخالق جاء في النص والصانع لم يأت في النص.
- ثانياً: من جهة المعنى الصنع فيه كلفة وليس ممدوحاً على كل حال، والخَلق هذا إبداع وتقدير فهو ممدوح
- ثالثاً: الخلق منقسم إلى مراحل، وأمّا الصنع فليس كذلك؛ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] فالخلق يدخل من أول المراحل، والصنع لا، الصنع ليس كمالا، فممكن أ، يصنع ما هو محمود ويصنع ما هو مذموم، يصنع بلا برء ولا إنفاذ، وقد يصنع شيئا لا يوافق ما يريده.
فلهذا اسم الخالق يشتمل على كمال ليس فيه نقص، وأما اسم الصانع فإنه يطرأ عليه أشياء فيها نقص من جهة المعنى ومن جهة الانفاذ، فلذلك جاء اسم الله الخالق ولم يأتي في أسماء الله الصانع.
стр. 35
[المسألة الثالثة] :
أنَّ قوله (قَديمٌ) و (دَائمٌ) كما ذكرنا عند أهل السنة يُعَبَّرُ عنه بالأول والآخر كما جاء في النص.
والله أوليته عند أهل السنة في ذاته وفي صفاته، وآخِرٌ سبحانه في ذاته وفي صفاته.
فهو سبحانه لم يزل متصفا بالصفات، وهو أولٌ بصفاته، وهو سبحانه لن ينقطع اتصافه بصفاته من الجهة الأخرى.
يعني أنَّ آخريته سبحانه آخِرِيَةُ ذاتٍ وصفات، وأوليته سبحانه أولية ذات وصفات.
فنقول عِلْمُ الله أَوَّل، ورحمة الله أُولى، وخلقه سبحانه أول.
يعني اتصافه بهذه الصفات كذاته سبحانه، فهو الأول الذي ليس قبله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا سيأتي له مزيد بيان عند قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ، وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .
المقصود أنّ التعبير عن صفات الله بكونها أُولى والله أوّل بذاته وصفاته هذا الموافق للنص، أما نقول الكلام القديم أو خَلْقُهُ القديم أو حكمته القديمة وأشباه ذلك فإنّ هذا يَرِد وأيضا يحتمل معنى غير صحيح.
стр. 36
الجملة الثانية قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) .
стр. 37
ثم قال (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ)
стр. 38
[المسألة الأولى] :
أنه أراد بقوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) أراد بالإرادة هنا المشيئة.
والإرادة؛ إرادة الله منقسمة إلى:
- إرادة كونية - يعني فيما يحصل في كون الله .
- وإرادة شرعية.
فأما الإرادة الكونية فكثيرة في النصوص وهي مرادفة للمشيئة، فمشيئة الله هي الإرادة الكونية، فإذا قلنا شاء الله كذا؛ يعني أراده كونا.
أما المشيئة فلا تنقسم إلى مشيئة كونية وإلى مشيئة شرعية؛ بل هي نوع واحد، هو مشيئة في كونه، أما الشرع فإنما يوصف بإرادة شرعية.
وهذا يعني أنّ الإرادة الكونية التي هي المشيئة هي التي لا يخرج أحد عنها.
فقد يقع الشيء مأذونا من الله ؛ شاءه الله كوناً وقَدَرَاً، ولكنه لم يُرده شرعاً ولم يُرده ديناً.
فتختلف الإرادتان إذا تعلقت بمعصية العاصي وكفر الكافر.
فمِن جهة معصية العاصي وقعت بإرادة الله الكونية لكنها لم تقع بإرادة الله الشرعية، والله سبحانه قال ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وفي المشيئة قال ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٩] وهذا راجع إلى عِلم الله فيهم بأنه سبحانه ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن .
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يعني في عِلم الله فيما لم يقع، ولن يقع، لو وقع، ولو شاءه كيف يكون.
فإذاً صارت مشيئة الله هي الإرادة، والإرادة مرتبطة بالعلم وبالحكمة.
وهذا خلاف الإرادة الشرعية فإنَّ الإرادة الشرعية مطلوبة من العبد؛ أَمْرْ.
أَمَرَ بكذا، وَنَهَى عن كذا، فصار المأمور به والمنهي عنه مراداً له شرعا.
إذا تبين هذا فإذن قولنا (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا راجع إلى الإرادة الكونية فقط.
والذين لم يفرقوا ما بين الإرادتين وقع منهم الغلط في معصية العاصي وضلال الكافر فيما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه من مباحث القدر.
стр. 39
[المسألة الثانية] :
أن قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) فيه تداخل ما بين إرادة الله وإرادة العبد.
وإرادة العبد هي مشيئته، وهي خارجة عن رؤية الحكمة.
وأما إرادة الله الكونية فهي منظور فيها بالحكمة.
فالله سبحانه يريد بما يوافق الحكمة، والعبد يريد ما لا يوافق الحكمة وقد يريد ما يوافق الحكمة.
وإذا كان كذلك فإرادة الله بالعبد موافقة للحكمة سواء تَعَلَّقَتْ بالمعين أو تَعَلَّقَتْ بالمجموع.
وهذا يعني أنّ إرادة العبد فيما يريده خارجة عن مقتضى حكمة الله ؛ إذا أراد شيئا في نفسه له - يعني له بخصوصه -.
والله يريد من العبد ما يوافق حكمته، فقد تجتمع الإرادتان فيما فيه حِكمَةٌ لله ، وقد تختلف الإرادتان فيما كان يريده العبد ولا يوافق حكمة الله .
وهذا يعني أنَّ العبد قد يتجه بإرادته إلى شيء فيُصرَفُ عنه لعدم موافقته لحكمة الله في نفسه؛ يعني فيما يتعلق بالعبد أو فيما يتعلق بالمجموع.
والله قد يريد الشيء كوناً، ولا يكون إلا ما يريد لموافقته للحكمة في خصوص العبد في نفسه، أو ظهور الحكمة في نفسه أو لظهور الحكمة في المجموع- يعني في غيره -.
ولهذا نقول ما من شيء يريده الله في ملكوته إلا وهو موافق للحكمة، والشر ليس إلى الله ؛ بل الله سبحانه لا يوصف أو لا يضاف إليه إلا الخير.
وأما العبد فقد يريد الشيء ويكون بالنسبة له شراً فيخرج من هذه الجهة عن كونه موافقا للحكمة -يعني حكمة العبد ومصلحته-، ولكنه بالنسبة لفعل الله وإرادته يوافق الحكمة التي هي منظور فيها إلى المجموع.
وهذا يعني أنَّ إرادة الله في ملكه إنما تكون على وفق الحكمة، وحكمة الله هي القاضية لهذه الأشياء جميعا في الإرادات.
وهذا فيه رد على طوائف كثيرة من المبتدعة في مسائل القدر يأتي بيانها مفصلاً إن شاء الله في موضعها في تعريف الظلم والعدل، وفي التحسين والتقبيح، وفي أيضا الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وفي وقوع المعصية ووقوع الكفر، وفي فعل العبد بنفسه.
وهذه مسائل كبيرة تحتاج إلى بيان وتفصيل في موضعها.
المقصود من ذلك أنّ قوله (لا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا موافق لما -أو تضيف عليها عبارة- أنّ ما يريده موافق لمقتضى الحكمة المطلقة سواء وافقت العبد المعين أو وافقت المجموع.
فالله سبحانه الشر ليس إليه كما وصفه به النبي ﷺ بقوله في الدعاء (وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ) (١) ففعله سبحانه خير محض، وقد يأذن بالشر المضاف إلى العبد، ولا يكون شرا بالنسبة لإرادته سبحانه، فالله لا يريد ظلما للعباد، ولا يريد شرا بالعباد، وإنما العباد أرادوا ذلك بأنفسهم، وإذا وقع ذلك فإنما يقع بالإضافة إلى فعل العباد، وليس مضافا إلى الله سبحانه لأنّ فعله سبحانه خير محض.
стр. 40
قال في الجملة بعدها (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)