[المسألة الأولى] :
أنه أراد بقوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) أراد بالإرادة هنا المشيئة.
والإرادة؛ إرادة الله منقسمة إلى:
- إرادة كونية - يعني فيما يحصل في كون الله .
- وإرادة شرعية.
فأما الإرادة الكونية فكثيرة في النصوص وهي مرادفة للمشيئة، فمشيئة الله هي الإرادة الكونية، فإذا قلنا شاء الله كذا؛ يعني أراده كونا.
أما المشيئة فلا تنقسم إلى مشيئة كونية وإلى مشيئة شرعية؛ بل هي نوع واحد، هو مشيئة في كونه، أما الشرع فإنما يوصف بإرادة شرعية.
وهذا يعني أنّ الإرادة الكونية التي هي المشيئة هي التي لا يخرج أحد عنها.
فقد يقع الشيء مأذونا من الله ؛ شاءه الله كوناً وقَدَرَاً، ولكنه لم يُرده شرعاً ولم يُرده ديناً.
فتختلف الإرادتان إذا تعلقت بمعصية العاصي وكفر الكافر.
فمِن جهة معصية العاصي وقعت بإرادة الله الكونية لكنها لم تقع بإرادة الله الشرعية، والله سبحانه قال ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وفي المشيئة قال ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٩] وهذا راجع إلى عِلم الله فيهم بأنه سبحانه ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن .
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يعني في عِلم الله فيما لم يقع، ولن يقع، لو وقع، ولو شاءه كيف يكون.
فإذاً صارت مشيئة الله هي الإرادة، والإرادة مرتبطة بالعلم وبالحكمة.
وهذا خلاف الإرادة الشرعية فإنَّ الإرادة الشرعية مطلوبة من العبد؛ أَمْرْ.
أَمَرَ بكذا، وَنَهَى عن كذا، فصار المأمور به والمنهي عنه مراداً له شرعا.
إذا تبين هذا فإذن قولنا (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا راجع إلى الإرادة الكونية فقط.
والذين لم يفرقوا ما بين الإرادتين وقع منهم الغلط في معصية العاصي وضلال الكافر فيما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه من مباحث القدر.
стр. 39
[المسألة الثانية] :
أن قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) فيه تداخل ما بين إرادة الله وإرادة العبد.
وإرادة العبد هي مشيئته، وهي خارجة عن رؤية الحكمة.
وأما إرادة الله الكونية فهي منظور فيها بالحكمة.
فالله سبحانه يريد بما يوافق الحكمة، والعبد يريد ما لا يوافق الحكمة وقد يريد ما يوافق الحكمة.
وإذا كان كذلك فإرادة الله بالعبد موافقة للحكمة سواء تَعَلَّقَتْ بالمعين أو تَعَلَّقَتْ بالمجموع.
وهذا يعني أنّ إرادة العبد فيما يريده خارجة عن مقتضى حكمة الله ؛ إذا أراد شيئا في نفسه له - يعني له بخصوصه -.
والله يريد من العبد ما يوافق حكمته، فقد تجتمع الإرادتان فيما فيه حِكمَةٌ لله ، وقد تختلف الإرادتان فيما كان يريده العبد ولا يوافق حكمة الله .
وهذا يعني أنَّ العبد قد يتجه بإرادته إلى شيء فيُصرَفُ عنه لعدم موافقته لحكمة الله في نفسه؛ يعني فيما يتعلق بالعبد أو فيما يتعلق بالمجموع.
والله قد يريد الشيء كوناً، ولا يكون إلا ما يريد لموافقته للحكمة في خصوص العبد في نفسه، أو ظهور الحكمة في نفسه أو لظهور الحكمة في المجموع- يعني في غيره -.
ولهذا نقول ما من شيء يريده الله في ملكوته إلا وهو موافق للحكمة، والشر ليس إلى الله ؛ بل الله سبحانه لا يوصف أو لا يضاف إليه إلا الخير.
وأما العبد فقد يريد الشيء ويكون بالنسبة له شراً فيخرج من هذه الجهة عن كونه موافقا للحكمة -يعني حكمة العبد ومصلحته-، ولكنه بالنسبة لفعل الله وإرادته يوافق الحكمة التي هي منظور فيها إلى المجموع.
وهذا يعني أنَّ إرادة الله في ملكه إنما تكون على وفق الحكمة، وحكمة الله هي القاضية لهذه الأشياء جميعا في الإرادات.
وهذا فيه رد على طوائف كثيرة من المبتدعة في مسائل القدر يأتي بيانها مفصلاً إن شاء الله في موضعها في تعريف الظلم والعدل، وفي التحسين والتقبيح، وفي أيضا الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وفي وقوع المعصية ووقوع الكفر، وفي فعل العبد بنفسه.
وهذه مسائل كبيرة تحتاج إلى بيان وتفصيل في موضعها.
المقصود من ذلك أنّ قوله (لا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا موافق لما -أو تضيف عليها عبارة- أنّ ما يريده موافق لمقتضى الحكمة المطلقة سواء وافقت العبد المعين أو وافقت المجموع.
فالله سبحانه الشر ليس إليه كما وصفه به النبي ﷺ بقوله في الدعاء (وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ) (١) ففعله سبحانه خير محض، وقد يأذن بالشر المضاف إلى العبد، ولا يكون شرا بالنسبة لإرادته سبحانه، فالله لا يريد ظلما للعباد، ولا يريد شرا بالعباد، وإنما العباد أرادوا ذلك بأنفسهم، وإذا وقع ذلك فإنما يقع بالإضافة إلى فعل العباد، وليس مضافا إلى الله سبحانه لأنّ فعله سبحانه خير محض.
стр. 40
قال في الجملة بعدها (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)
стр. 41
[المسألة الأولى] :
أنَّ القاعدة العقلية المتفق عليها بين العقلاء والحكماء أنَّ معرفة الإنسان تنشأ شيئاً فشيئاً، وهذا قد جاء في القرآن في قوله تعالى (١)
: [[الشريط الثالث]] :
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] ، فمعرفة الإنسان باتفاق العقلاء والحكماء واتفاق أهل الشرع أنها إنما تكون شيئاً فشيئاً، وهذا هو الذي يسمى عند الفلاسفة نظرية المعرفة، أو نظرية حصول المعارف، وهي كما قلنا تأتي شيئا فشيئا.
وهي مبنية على قسمين:
- القسم الأول:
أنَّ هناك أشياء يدركها بحواسه؛ باللمس، بالبصر، بالشم، بالذوق، بالسماع، بحواسه يدرك، وهذا نوع من تحصيل المعارف، نوع من المعارف يحصل للإنسان بحواسه، وهذا أول ما يبدأ بها الصغير.
- القسم الثاني:
ما يحصل بعقله وإدراكه، وهذا مبني على المقارنة.
وهذا القسم الثاني مبني على الأول، وهو أنه يقارن الأشياء مع ما أحسها.
فالمحسوسات التي أدركها بعينه وبشمّه وبذوقه وبسمعه وبلمسه للأشياء، هذه تسمى ضرورية؛ لأنَّ وجودها لا يحتاج إلى برهان.
وغيرها مما يَحْصُلُ به المعرفة، إنما يكون منسوباً عنده لهذه الأشياء.
فيرى مثلاً هذا العمود، فيراه بإحساسه ذا حجم، ثم يرى عموداً آخر أصغر منه، فيراه مختلفاً عنه في الطول، فعقد المقارنة وقال هذا أصغر من هذا، ثم عقد المقارنة فقال هذا أكبر من هذا، عقد المقارنة بين الألوان فقال هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر، عقد المقارنة بين الأشياء الحرارية فقال هذا بارد وهذا متوسط وهذا دافئ وهذا حار إلى آخر ذلك.
وهذا نتحصَّلُ منه على القاعدة المتفق عليها بين القائلين بنظرية المعرفة، وهي صحيحة شرعاً على القَدْرْ الذي ذكرتُ لك بأنه لا يمكن للوَهَم - وهم الإنسان - ولا يمكن لفهمه أن يدرك شيئا ولا أن يبلغه وهَمه وفهمه إلا:
- إذا رآه.
- أو أحس بأحد الحواس.
- أو رأى ما يماثله ويشابهه فيقيس عليه.
- أو رأى ما يقيسه عليه ولو لم يَرَ ما يماثله أو يشابهه إذا أمكنه القياس.
فمثلا نذكر صفة حيوان ما، إذا قيل لك هناك حيوان اسمه (القَلَعَ) - أَيُ اسْمْ - فأنت مباشرة تتصور ولو لم تعرف حقيقته، أنه ما دام أنه حيوان يمكن أن تقيس وتُخْرِجْ بعض الصفات لأننا ابتدأنا وقلنا حيوان، فإذا قلت إنه أكبر من الفيل ذهبت إلى شيء آخر، إذا قلت أنه أصغر من الفيل بَدَأَتْ تَتَحَدَدْ وتَقْرُبْ عندك؛ لأنك أدركت هذه الأشياء بما رأيت، أو بما يمكنك أن تقيس عليه.
ولهذا نقول لا يمكن لأحد أن يدرك شيئاً ولا أن يَتَحَصَّلَ منه على معرفة يبلغها وهمه ويدركها فهمه:
- إلا إذا رآه.
- أو رأى مثيله وشبيهه.
- أو رأى ما يقاس عليه.
المثيل والشبيه، مثلاً تقول أكلنا خبزاً في بلد كذا، ما دام ذكرت الخبز. نحن أكلنا الخبز هناك، إذا قلنا لك الخبزة طولها ثلاثة أمتار طولها نأخذها ونقطعها، تعرف أنَّ الخبز دقيق أوبر إلى آخره، فعرفت مثيله أو شبيهه، فيمكن أن تدرك الآخر برِؤيتك لما يدخل معه في الشبه أو في المثلية.
الله لم تُدْرِكْهُ الحواس ، ولم يُرَ مثيل له أو شبيه له، ولم يُرَ ما يمكن أنْ يقاس الحق عليه .
ولذلك دخول المعرفة أو إدراك المعرفة أو حصول المعرفة بالله لا يمكن أن تكون بالأوهام أو الأفهام أو بالأقيسة أو بما تراه.
ولهذا احتاج الناس إلى بَعْثَةْ الرسل تُبَيِّنْ لهم صفة ربهم وصفة خالقهم؛ لأنه لم يُر، ولم يُدْرَكْ مثله، ولا ما يشبهه سبحانه، ولا يمكن أيضا أن يُقَاسْ على شيء، لذلك كان لابد من بعثة الرسل لبيان ذلك.
وهذا يعني أنه سبحانه (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) كما ذكر المصنف.
فإذاً قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) مُنْطلِق من مسألتين كبيرتين ذكرتهما لك في هذه المسألة.
стр. 42
[المسألة الثانية] :
أنَّ (الأوْهَامُ) و (الأفْهَامُ) هذه عَبَّر عنها بقوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) في (الأوْهَامُ) ، وفي (الأفْهَامُ) قال (ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) .
وهذا راجع إلى أن الوهَم - يعني ما يتوهمه الإنسان - غير ما يفهمه.
فالوهم راجع للخيال، والفهم راجع للأقيسة والمقارنات.
ولهذا الرب لا يمكن تَخَيُّلُهْ، ولا يمكن أيضا أنْ يُفَكَّرَ فيه فَيُدْرَكْ.
وهذا معنى قول الله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) سبحانه، هنا الأبصار يأتي معنى البصر؛ هو سبحانه لا يحيط به البصر إذا رآه أهل الإيمان في الآخرة.
وفي الدنيا لا تدركه الأبصار أيضاً التي هي الرؤى والعيون، وكذلك الأبصار التي هي الأفهام والأوهام لا تدركه .
فالفهم إذاً منقطع، والوهم إذاً منقطع.
ولهذا قال بعض السلف (ما خطر ببالك فالله بخلافه) ، لم؟
لأنه ذَكَرْتُ لك أنّه لا يمكن أنْ يخطر ببالك ولا أن تتخيل إلا شيء مبني على نظرية المعرفة من قبل، وهذا مقطوعٌ يقيناً.
إذاً فصار الأمر أنّ إثبات الصفات لله بأنواعها مع قَطْعْ الطَّمع في بلوغ الوهَم لها من جهة الكيفية والكُنْه، وكذلك من جهة إدراك الأفهام لتمام معناها، فمن الجهتين:
-كنه الصفة (الكيفية)
- وكذلك تمام المعنى.
هذا لا يمكن أن تبلغه الأوهام، ولا أن تدركه الأفهام.
نقف عند هذا القدر وهذه الجمل في أولها، مثل ما ذكرت لك راجع إلى مسائل مختلفة لا ينتظمها زِمَامْ، ويأتي بعد ذلك المسائل العقدية بتفصيلها إن شاء الله تعالى.
стр. 43
الأسئلة:
س١/ يقول على القاعدة التي ذكرتم؛ وهي أنَّ الاسم إذا كان منقسماً فإنه لا يطلق على الله، فماذا يقال في اسم الباسط والقابض، فإن هذين الاسمين منقسمين فالبسط يكون للخير وقد يكون للشر, وكذلك القبض قد يكون للخير وقد يكون للشر؟
ج/هذا سؤال جيد، وجوابه راجع إلى معرفة أنّ الأسماء الحسنى منها ما لا يكون كمالا إلا مع قرينه، مثل الخافض الرافع، فالرافع لما اقترن بالخافض صار كمالاً مثل القابض الباسط، الله قال ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾ [البقرة:٢٤٥] القابض الباسط ، الضار النافع ، فثَمَّ من الأسماء الحسنى ما لا يكون دالاً على الكمال بمفرده، ولا يسوغ التعبيد له، مثل الضار هو من الأسماء الحسنى، ما نقول عبد الضار وأشباه ذلك، مثل المميت، المحيي المميت، ما نقول عبد المميت؛ لأن هذه الأسماء تطلق على وجه الكمال وتكون حسنى مع قرينتها، لهذا تجد أنها ملازمة للاسم القرين.
لهذا نقول الباسط صار كمالا بالقابض، فيطلق منفردا لأن كماله باسم الله القابض، والقابض أيضا هو كمال باسم الله الباسط لكنه لا يُعَبَّدُ له كما يعبد للباسط، ومثله النافع والضار، الضار كماله بالنافع والنافع كماله بالضار، لأنه يدل على القهر والجبروت لله ، وكذلك المحيي المميت. وهذا يأتينا عند قوله إن شاء الله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) .
س٢/ لماذا تقولون أنّ عقيدة أهل السنة والجماعة من عقيدة التابعين، ونجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات؟ فهل نقول عقيدة الصحابة ولا نقول عقيدة التابعين؟
ج/ أولاً من حيث الأدب في السؤال ما يناسب لطالب العلم أن يسأل بقوله (لماذا تقولون؟) لأن هذا فيه منافاة لأدب المتعلم مع المعلم، هذه واحدة.
ثانياً أنَّ قوله (نجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات) التابعون إذا أراد بالذين غلطوا في الأسماء والصفات من أدركوا الصحابة، فليس هؤلاء من التابعين للصحابة بإحسان، لهذا قال ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] ليس كل من تبع فجاء تابعا للصحابة يكون محمودا.
لهذا نقول عقيدة الصحابة والتابعين. المراد بالتابعين الذين أثنى الله عليهم بأنهم تبعوهم بإحسان، أما الذين تبعوا الصحابة زمانا وخالفوهم عقيدة، وابتدعوا في الأسماء والصفات أو في القدر أو في الإيمان، كالخوارج والمرجئة والقدرية وأشباه هؤلاء، هؤلاء لا يدخلون أصلا في التابعين بإحسان، خير الناس قرن الرسول ? ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والمراد من كان منهم على الحق.
إن أراد السائل بعض الغلط المروي عن التابعين من أهل السنة؛ يعني ممن تبع الصحابة بإحسان، فإنه لا يقال أنهم غلطوا في الأسماء والصفات، وإنما حصل بعض العبارات التي يُنازعون فيها؛ لأنهم اجتهدوا، لكن لا يقال إنهم غلطوا في ذلك، ولكن يقال لهم اجتهدوا فينسب إليهم اجتهادهم ولا يعابون لا يعتبرون غلطوا، ما فيه مسألة يقال غلطوا فيها في الصفات؛ التابعين بإحسان، ولا غلطوا في الأسماء؛ لأنه إن غلط في هذا الأمر في أصل من أصول الصفات أو من الأسماء فإنه لا يكون من التابعين بإحسان.
س٣/ ورد في الحديث (نعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِك الْقَدِيمِ) (١) ؟
ج/ هذا معروف في البحث، السلطان هنا المقصود به الخَلْقْ؛ يعني الملكوت أو يُقْصَدْ به الصفة المتعلقة بذلك، وهذا فيه بحث زيادة على ما ذكرت، ولكن هذه الكلمة لا تعني أن القديم من أسماء الله ، أو أنه من صفاته سبحانه؛ لأنه وُصِفَ به سلطانه سبحانه «أَعُوذُ بِوَجْهِ الله الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» سلطان الله القديم الذي هو صفة تدبيره سبحانه، وهذه ليست راجعة إلى الاسم القديم الذي يدل على الذات، كما هو معلوم أن الأسماء تدل على الذات وتدل على الصفات.
س٤/ ما الفرق بين الصفات والأفعال في قولك باب الصفات أضيق من باب الأفعال؟
ج/ يعني قد يكون هناك أفعال تضاف إلى الله ، ولا نشتق منها صفة نصف بها الرب ، فباب الأفعال أضيق من باب الصفات، فليس كل فعل أطلق أو أضيف إلى الله من فعله سبحانه نشتق منه صفة من الصفات، وكذلك ليس كل ما جاز أن يُخبَر به عن الله جاز أن نجعله اسما له سبحانه، أو أن نجعله صفة له سبحانه، وكذلك ليس كل صفة له يجوز أن نشتق منها اسم، مثل مثلا الصُّنع الله قال في آخر سورة النمل ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] فالصنع هذا صفة (صُنْعَ اللَّهِ) ، (صُنْعَ اللَّهِ) هذا صفة لكن لا يجوز أن نشتق منها الصانع، لأنه كما ذكرنا الشروط لا بد أن تكون:
١ - أولا: جاءت في الكتاب والسنة.
٢ - ثانياً: أن يكون يدعى بها، واسم صانع لا يدعى به الرب ، لا نقول يا صانع اصنع لي كذا؛ لأنه لا يتوسل إلى الله به.
стр. 44
٣ - ثالثاً: أنه ليس مشتملا على مدح كامل مطلق غير مختص.
مثال للأفعال مثل ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] ، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ، وهنا ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) جاء إضافة الأفعال هذه إلى الله ، ما نقول نشتق منها صفة فيوصف الله بالمكر ويوصف الله بالاستهزاء وأشباه ذلك، هذا غلط؛ لأن باب الأفعال كما ذكرنا أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أضيق؛ لأن المكر منقسم (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) جاء هنا إضافة (يَمْكُرُ) إلى الله (يَمْكُرُ اللَّهُ) لكن المكر صفة منقسمة إلى:
- المكر الذي هو بحق، وهو ما دلّ على كمال وقهر وجبروت وهو المكر بمن مكر به سبحانه، أو مكر بأوليائه، أو مكر بدينه، هذا.... حق.
- وإلى مكر مذموم وهو ما كان على غير وجه الحق [.....] (١)
كذلك، ما نقول إنَّ من صفة الله الاستهزاء، كذلك الملل لا نقول من صفات الله الملل، وأشباه ذلك «إِنّ الله لاَ يَمَلّ حَتّى تَمَلّوا» (٢) أُطلق الفعل لكن لا نشتق منه الصفة؛ لأن الصفة منقسمة، كذلك من الصفة إلى الاسم، وهذا فيه قواعد ذكرها ابن القيم ﵀ في أول (بدائع الفوائد) .
نقف عند هذا نسأل الله التوفيق والسداد.
[المسألة الأولى] :
أنّ صفة الحياة صفةٌ مُشتَرَكة بين كل مخلوقات الله .
وكل حياة لها ما يناسبها، حتى الجماد له حياة تناسبه؛ حتى الشجر والحجر له حياة تناسبه.
وإنما سمي جماداً لأنه جامد في الظاهر؛ ليس له حركة ظاهرة، وإلا فإنه ليس بميت يعني لا حراك فيه ولا حياة، وإنما هو:
- ميت باعتبار عدم الحركة.
- وجماد باعتبار عدم الحركة.
ولهذا فإنَّ اشتراك المخلوقات مع الرب في هذا الاسم وفي صفة الحياة هذا اشتراكٌ في أصل المعنى فكل له حياة تناسبه، على حسب القاعدة المعروفة: وهي أن الصفات بما يناسب الذوات.
فإثبات الصفات إثبات وجود لله لا إثبات كيفية، وصفات المخلوقات تناسب ذواتهم الوضيعة الضعيفة الفقيرة.
وهذا ظاهر أيضاً في صفتي السمع والبصر كما قد قرَّرْنَاهُ لكم مِراراً في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فإنّ صفة السّمع وصفة البصر مشتركة بين أكثر الكائنات الحية، وكذلك الحياة فهي مُشْتَرَكَة بين جميع الكائنات الحية، منها ما حياته بالروح والنفس، ومنها ما حياته بالنماء، ومنها ما حياته خاصة به كالصخور والتراب، وأشباه ذلك ولهذا كان ? يقول كما رواه مسلم في الصحيح «إني لأعلم حجرا بمكة ما مررت عليه إلا سلَّم علي (١) .
فإذاً إثبات هذه الصفة واسم الحي لله يدل على نفي التعطيل بجميع أنواعه، ويدل على إبطال التجسيم بجميع أنواعه.
ولهذا صار اسماً عظيماً مختصاً بالرب على وجه الكمال، لأنَّ المخلوق يعرف أنَّ حياته قصَّة قليلة يريد زيادتها فلا يستطيع، يريد أن يكون في وَصْفِهِ بالحياة أكمل من وصف غيره فلا يستطيع، فدلَّ على ظهور نقصه في الصفة المشتركة بينه وبين جميع المخلوقات.
المقصود من هذا إنَّ في إثبات صفة الحياة لله إبطال للتعطيل وإبطال للتجسيم على الوجه الذي ذكرته لك، وهو ظاهر في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
стр. 48
[المسألة الثانية] :
الله قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته ولكمال قيوميته .
وقوله هنا (حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) دلَّتا على القاعدة المقرَّرة عند أهل السنة والجماعة وهي:
*أنَّ وصف الرب بالنفي ليس مقصوداً لذاته وإنما هو لإثبات كمال ضد ما نفى.
لهذا سبحانه أثبت الكمال له ثم نفى ليدل على إثبات الكمالات له ، فلمَّا قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ليدل على أنَّ قول ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ لكمال حياته ولكمال قيوميته، فنفى لتأكيد الإثبات.
وهذه هي القاعدة المقررة عند أهل السنة والجماعة فيما يُنفَى في القرآن وفي السنة عن الله إنما هو لإثبات كمال ضده من صفات الحق كما في قوله سبحانه ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله، وكما في قوله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم:٦٤] لكمال علمه سبحانه وحِفظِهِ سبحانه وقيوميته، وكقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ] الإخلاص] وأشباه ذلك.
стр. 49
[المسألة الثالثة] :
أنَّ اسم القيوم لله واسم الحي هذان الاسمان مُتَعَلِّقانِ بخلقه ، يعني أنَّ لهما الأثر في خلقه سبحانه، وكل حياةٍ تراها في خلقه فهي من آثار حياته ، وكل صلاح أو فعل تراه في خلقه فهو من آثار قيوميته .
واسم القيوم مبالغة لإثبات كمال قيامه على الوجه المطلق بنفسه وبخلقه، فلفظ القيوم، اسم القيوم يدل على أنه سبحانه كامل فيما يختاره لنفسه من الصفات التي تقوم بمشيئته واختياره وقدرته، وكذلك له الكمال فيما يقيم به خلقه .
وإذا تبيَّن ذلك فإن قول المؤلف (قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) راجع إلى الآية ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال قيوميته .
ففسَّر القيوم بأنه الذي لا ينام، وهذا كما ذكرت لك ليس تفسيراً لمعنى القيوم، فإنَّ معنى القيوم أنّهُ الذي قام بنفسه وأقام غيره، فليس ثَمَّ شيء إلا والله مُقيمٌ له على وجه ما تقتضيه حكمة الرب .
فإذا تبيَّن ذلك فإنَّ اسم القيوم لله واسم الحي له لهما أثر في إجابة السؤال.
وهذا الأثر مرتبط بقاعدة كلية في ارتباط الإجابة بحسن السؤال، ولهذا قال ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] فدعوة الله بأسمائه يعني بما يناسب مقصودك من الأسماء.
وكل [.....] لك في حياتك فهو من آثار اسم القيوم، لأنك تحتاج ما تقيم به حياتك، وكل ما تُقيمُ به حياتك إنما هو من القيوم ، فإذا أقامك على شيء أو أقام لك شيئاً فإنه سبحانه القيوم الذي هو ﴿قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] .
لهذا فإنَّ فقه الدعاء مرتبط بفقه الأسماء والصفات، فكلما كان العبد أعرف بأسماء الله وصفاته وآثارها في خلقه، كُلَّما كان أعرف وأعلم بسؤال الله بها وباستحضاره لمعنى ذلك كان ذلك أرجى لقبول الدعاء وحصول المطلوب.
стр. 50
[المسألة الرابعة] :
أنَّ اسم الحي واسم القيوم بلازمهما تدل على بقية صفات الرب ، لأنَّ الحياة مستلزمة لكثير من الصفات، والقيومية مستلزمة لكثير من الصفات.
لهذا قال طائفة من المحققين من أهل العلم في هذا الباب (إنَّ الصفات التي أثبتها الأشاعرة أو أثبتها غيرهم من أهل البدع وزعموا إثباتها بالعقل أنَّهُم قَصَّروا في ذلك لأنَّ العقل بالتلازم واللزوم يُثْبِتُ صفات كثيرة لله أكثر من السبعة التي أثبتها طائفة منها بالعقل) .
لهذا اسم الحي يستلزم صفات كثيرة، واسم القيوم يستلزم صفات كثيرة، لذا ينبغي أن يُتَاَمَّل هذا الموضع من جهة أنَّ حياة الرب واسم الرب (الحي) ، وقيومية الرب واسمه القيوم يستلزمان عقلاً عدداً كبيراً جداً من الصفات لله .
وهذا موضع يُحْتَجُّ به على من يُثبِتُونَ الصفات بالعقل لأنَّ حياته سبحانه ثابتة عقلاً عند الجميع وكذلك قيوميته سبحانه ثابتة عقلاً عند الجميع.
стр. 51
قال بعدها (خَالِقٌ بِلَا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلَا مُؤْنَةٍ)
стр. 52
وكونه سبحانه يرزق بلا نفقة يُنْفِقُهَا تُنْقِصُ مما عنده سبحانه، وبلا تعب، فهو سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، وما يفتح للناس من رحمة فإنه لا ممسك لها، وقد قال ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢] ، وقال ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وفي حديث أبو ذر المعروف قال (أَرَأَيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السّمَاوَاتِ والأرض, فَإِنّهُ لَمْ يَغِضْ ممّا فِي يَمِينِهِ شَيْئًا) (١) ، وهذا لا شك أنه صفة الرب .
أما المخلوق فإنه إذا رَزَقْ فإنه يَرْزُقْ بكلفة وتعب، ويرزق لحاجته أن يرزق، ويرزق أيضاً لمؤونة تنقص وتزيد، والله سبحانه له الملك الأعظم في ذلك.
فتَبَيَّنَ أَنَّ معنى قوله (رَازقٌ بلا مَؤُونَة) يعنى بلا كلفة ولا مشقة، أو بلا مؤنة يأخذ منها فتحتاج إلى أن تُمَوَّنَ، بل هو سبحانه لا يُنْقِصَ ما يُعْطِي خلقه من ملكه شيئاً، ولا يزيد فيه شيئا، بل هو سبحانه الرازق بلا مؤونة .
نكتفي اليوم بهذا القدْر، ونكمل إن شاء الله تعالى الأسبوع القادم.
стр. 53
الأسئلة:
س١/ هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟
ج/ الجواب: لا، خلْق الأشياء هذا مختص بالرب ، فهو الذي يخلق الأشياء.
أما أن يوصف بكونه خالقا، فنعم، لكن لا يقال خالق للأشياء، الأشياء بيد الله ، لكن يخلق ما يناسب، كما قال سبحانه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ، ويُعنى بالخلق هنا التقدير أو التصوير أو ما يناسبه، ولهذا قال ? في الحديث الذي رواه البخاري وغيره (مَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) (١) فأثبت لهم خلقا قال (يَخْلُقُ كَخَلْقِي) ، ثم نفى عنهم خلقا فقال (فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً) ، فدلّ على أنّ المخلوق يخلق أشياء؛ بمعنى يصورها أو يقدرها، أما برء الأشياء، أو برء الأمور؛ بمعنى إخراج الصور يعني فيها حياة فهذه لله .
أما تصنيع الجمادات فهذا نوع من الخلق؛ لأنه تقدير وتصوير.
س٢/ يستدل أهل التعطيل والتجسيم بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] على باطلهم، وقد رد أهل السنة والجماعة بردود عليهم في ورود الكاف والمِثل في الآية، فما هو وجه استدلال المعطلة والمجسمة؟ وما هو الرد الصحيح والوجه الصحيح من ردود أهل السنة في زيادة الكاف؟
ج/ سبق أن ذكرناه أظن مفصلاً في الدرس الماضي، أو الذي قبله، أظن في أول الدروس، أو عند قوله ولا يشبهه شيء أو (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) ، أو في أوله عند قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) (٢) .
المقصود أن استدلال المبتدعة بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مَصِيرٌ منهم إلى أن المثلية هنا قد تكون ناقصة، فيكون هناك مطلق التشابه منفيا، وهذا سيكون مطلق التشابه منفيا، وقد ذكرنا لكم أنّ المراد هنا المماثلة والمماثلة منفية في كل حال، والمشابهة في الكيفية أو في كمال المعنى؛ يعني في المعنى المطلق أيضا منفي، وأما المشابهة في مطلق المعنى وهو أصله الذي حصل به الاشتراك فإن هذا ليس منفيا؛ لأن هذا أثبته الرب .
س٣/ ما هو أفضل كتاب شرح الأسماء الحسنى واعتنى بمعناها؟
ج/ أحسن ما أُلف في ذلك فيما أعلم كتاب (النهج الأسمى) لأحد طلبة العلم في الكويت محمد الحمود، وهو من أنفع ما كتب في ذلك، ويليه ما فرقه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في كتبه من معاني الأسماء والصفات.
س٤/ هل الله محتاج إلى عبادة العابد كما قال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٧] ، فهو لا يحتاج سبحانه للرَّزق ولا للإطعام ولكن أثبت العبادة؟
ج/ ما أدري ما وجه السؤال.
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اللام هنا هذه لام (كي) لام الحكمة وليست لأجل الحاجة.
س٥/ هل يقال إنَّ الصفات الذاتية راجعة إلى صفة الحياة، والصفات الفعلية راجعة إلى صفة القيومية؟
ج/ لا، لا يقال ذلك من مثل صفة الرحمة ذاتية باعتبار وفعلية أيضا، ولكنها راجعة أيضا لقيوميته، فهو سبحانه أقام خلقه على الرحمة.
س٦/ كيف نعرف أن نفي صفة من صفات النقص تدل على الكمال المطلق؟
ج/ أي نفي جاء في الكتاب والسنة؛ نفي صفة عن الله فالمراد من هذا النفي إثبات كمال الضد؛ لأنَّ النفي المجرد ليس مدحاً وليس كمالاً، نفي الصفة عن المتصف أو عمن يتصف بها أو عمن يقال أو تنسب إليه قد يكون لنقصه ولعجزه؛ لعدم علمه أولعدم قدرته، فيقال مثلا فلان لا يسيء إلى أحد؛ لأجل أنّه ضعيف، حتى الكافر المشرك المعاند لا يسيء إليه لضعفه، ويقال فلان مثلاً ليس كثير الكلام قد يكون لعجزه عن الكلام بما ينفع، ولهذا قال الشاعر في ذم قبيلة من القبائل:
قُبَيِّلَة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
(قبيلة لا يخفرون بذمة) لعجزهم، والعرب كانت تفتخر بالاعتداء وبالقوة، فهو نَفَى عنهم صفة لأجل عجزهم عنها فقال (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم ولهذا إذا نفى الرب عن نفسه صفة دلَّ ذلك على كمال ضد هذه الصفة، فمثلاً قوله تعالى ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يدل على كمال حياته ، لا لأرقه مثلاَ أو لاهتمامه بخلقه أو لعدم إرادة تركهم حتى لا يفسد الملك أو نحو ذلك، بل (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) لكمال حياته، كذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] لكمال علمه وإحاطته.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] لكمال غناه ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] لكمال أَحديته سبحانه، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، وهكذا في غير ذلك من الصفات.
قال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ)
стр. 56
[المسألة الأولى] :
أنَّ (مُمِيتٌ) اسم فاعل من (أمات) المتعدي.
والاسم للرب المميت، هو سبحانه المحيي المميت.
والمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي.
المميت اسم كمال مع قرينه المحيي، فهو سبحانه الموصوف بكونه أحيا وأمات .
стр. 57
[المسألة الثانية] :
معنى (مُمِيتٌ) أي خَلَقَ الموت، فيمن شاء سبحانه، يعني جعل من شاء مِنْ خَلْقِهِ ميِّتاً بعد أن كان حيا.
والموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود.
وهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية وذلك لقول الله ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فجعل الموت مخلوقا وتَسَلَّطَ عليه الخلق، وهذا يدل على أنه موجود، (خَلَقَ الْمَوْتَ) وخَلْقُهُ يدل على أنه صفة وُجودية.
وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار (١) ، فهذا يدل على أنَّ الموت موجود وله صفة الوجود.
وهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنَّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة.
فالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت.
هذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.
وقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا.
وهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إنَّ بعضها المنتسبين لمنهج السلف ظنَّ أنَّ هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات فيها هذا التعريف.
وهذا هو تعريف أهل الكلام والفلاسفة يقولون: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا.
ويجيبون عن الآية في قوله ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.
وهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض.
وهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أنَّ الموت حياة أخرى.
ولهذا نقول لمن مات إنه في الحياة البرزخية وليس في عدمٍ.
فحياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده.
وحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة.
لذلك تنتثر أجزاؤه في التراب ويذهب.
وأما الروح وهي داخلة في جملة تسمية الإنسان إنسانا، أما الروح فهي مخلوقة للبقاء لا للعدم.
لهذا إذا قيل ماتَ يعني صار جسمه للعدم أو صار جسمه للفناء، وأما روحه فهي للبقاء، لكن لها حياة تخصُّها.
والجسد عند أهل السنة في القبر له تَعَلُّقْ بالروح؛ فإنَّ الحياة البرزخية للروح عند أهل السنة، والجسد تبع لها؛ تبع للروح، ليست الحياة للروح فقط؛ بل هي للروح والجسد تابع.
عكس الحياة الدنيا؛ فإن الحياة فيك الآن للجسد والروح تبع، فيألم الجسد فتألم الروح، وهكذا يسعد الجسد فتسعد الروح إلى غير ذلك من التفصيل.
وأما بعد الحياة البرزخية يعني بعد الموت، فإنَّ الموت حالة، صفة وُجِدَتْ أدَّت إلى انفصال الروح عن البدن، فصارت الروح بالموت لها حياة تخصُّها، وصار البدن بالموت له صفة تخصه، وبين هذا وهذا تَعَلُّقْ.
يدلُّكَ هذا على صحة ما اختاره أئمة أهل السنة بما دلتهم عليه الأحاديث وظاهر القرآن من أنَّ الموت صفة توجد وليس عدماً محضاً، بل هو موجود له خصائصه.
والموت في الآية مخلوق ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ .
وقولهم إنَّ الموت والحياة هنا تَسَلَّط عليها الفعل (خلق) فيكون بمعنى التقدير، نقول هذا غير مستقيم لأنه علَّلَ ذلك بعده بقوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وحُسْنُ العمل إنما يكون بعد الوجود، ولهذا قدَّمَ الموت على الحياة؛ لأنّ الموت يكون بعده الجزاء على حُسن العمل، ولِما جاء في السنة من الأدلة.
стр. 58
[المسألة الثالثة] :
أنّ الموت متعلِّق - يعني إماتة الرب - متعلقة بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ، فكل شيء كُتب عليه الموت، فلا بد أن يموت، (كُلُّ شَيْءٍ) يعني مما حَلَّتْهُ الحياة بالروح فلا بد أن يفنى.
وهناك ما اسْتُثْنِيَ مما يموت وذلك في قوله ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] .
والاستثناء هنا في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال ترجعون إليها في التفسير:
منها أن يكون المستثنى أرواح الشهداء؛ لأنَّ الشهداء أحياء بنص الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩-١٧٠] الآيات في آل عمران.
وهذا هو أظهر الأقوال؛ أنَّ المُسْتَثْنَى أرواح الشهداء، فيكون عموم قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ على ظاهره في أنه سَيَهْلِكُ كل شيء إلا الرب .
وهذا قد جاء في تفسير قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٤-١٦] ؛ لأنّ الرب إذا أمات الملائكة المقربين نادى (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) ؟ ثم أجاب نفسه العَلِيَّةْ بقوله ﷻ (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ، ثم قال ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] .
وهذا يدلّ على أنَّ المخلوقات جميعاً ضعيفة محتاجة إلى ربها.
فكل من استحضر صفة الموت الذي سيحل به وسيحل أيضا بغيره من المخلوقات، فإنه يظهر له عِظَمْ الرب الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنه هو المحيي المميت، وأنه هو هو الواحد الأحد الغني الكامل في صفاته ونعوت جلاله وعظمته.
وأمّا قول الطحاوي (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) فهذا فيه صفة البعث لله وفي موضعه سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر مسائل البعث والنشور بتفصيلاتها.
[المسألة الأولى] :
أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:
١ - المذهب الأول:
هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.
وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.
فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.
فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمَاً، فلما خَلَقَ سامِعاً لكلامه، خَلَقَ كلاما - عند المعتزلة والجهمية - فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.
كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.
٢ - المذهب الثاني:
هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب كان مُتَّصِفَاً بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمناً طويلا طَويلا مُعَطَّلاً عن الأفعال .
له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئاً، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.
فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله وخَلَقَ هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.
فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.
وقالوا هذا فِراراً من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب .
٣ - المذهب الثالث:
هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته قديمة، يعني هو أوَّلٌ بصفاته.
وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته) .
وأنّ صفات الرب لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.
والرب له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد .
فما أراده كوناً لابد أن يكون.
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعاً من المخلوقات وأنواعاً من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.
فجنس مخلوقات الله أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته .
فإنَّ أسماء الرب وإنّ صفات الرب لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.
فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١) ، فما أراده سبحانه كان.
وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .
وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب .
وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.
يعني أنَّ الله كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب ، وهذا نسبة النقص لله لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله كمالاته بصفاته.
أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضاً فيه وصف الرب بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.
ومعلوم أَنَّ هذا العلم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريباً.
стр. 61
فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال ? (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) (١) .
فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله لا يَحُدُُّه زمان، فهو أول ليس قبله شيء .
وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.
وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.
ولهذا نقول إن قول الآشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفاً بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئاً إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زماناً مطلقاً طويلاً طويلاً جداً ولم يكن الرب فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.
ولا بد أنَّ الله له من يعبده من خلقه، ولا بد أن يكون له مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.
بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.
وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله يعلمها.
وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.
المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ ، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب بكونه مُعَطَّلاً عن صفاته أو بكونه مُعَطَّلَاً أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.
стр. 62
[المسألة الثانية] :
أنّ الطحاوي ﵀ كأنّه يميل إلى المذهب الثاني؛ وهو مذهب الماتريدية.
وهذا من أغلاط هذه العقيدة التي خالف فيها مؤلفها منهج أهل الحديث والأثر.
هذا ظاهِرُ كلامه كما اعترف به الشارح.
ومن شَرَحَ هذه العقيدة من الماتريدية قرّروا هذا الكلام على أنَّ كلامه موافق لكلام أبي منصور الماتريدي والأشعري ومن نحا نحوهم.
стр. 63
[المسألة الثالثة] :
وهي متصلة بهذا البحث، وهذا البحث من أصعب المباحث التي ستعرض لك في شرحنا لهذه العقيدة، لكن نعرضها بشيء من الوضوح والاختصار، وهو ما يسمى بمسألة التسلسل.
والتسلسل معناه: أنه لا يكون شيء إلا وقبله شيء تَرتَّبَ عليه، أو لا يكون شيء إلا وبعده شيء ترتب عليه.
والتسلسل على اعتبارات:
* الجهة الأولى المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في صفات الرب .
وللناس في التسلسل المتعلق بصفات الرب مذاهب:
١ - المذهب الأول:
من قال إنَّ الرب يمتنع تسلسل صفاته في الماضي، ويمتنع تسلسل صفاته في المستقبل:
فلا بد من أمد يكون قد ابْتَدَأَ في صفاته أو قد ابْتَدَأَتْ صفاتُه، ولا بد أيضاً من زمن تنتهي إليه صفاته، وهذا هو قول الجهمية -والعياذ بالله- وقول طائفة من المعتزلة كأبي الهذيل العلاَّف وجماعة منهم.
٢ - المذهب الثاني:
هو أنَّ التسلسل في الماضي ممتنع، والتسلسل في المستقبل لا يمتنع:
يعني أنَّ الاتصاف بالصفات لا بد أن يكون له زمن ابتدأ فيه، وهذا الزمن قريب من خلق هذا العالَم الذي تعلّقت به الأسماء والصفات أو الذي ظهرت فيه آثار الأسماء والصفات، وفي المستقبل هناك تسلسل في الصفات يعني عدم انقطاع للصفات، وهذا هو قول أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية.
٣ - المذهب الثالث:
المذهب الثالث هو مذهب أهل السنة والحديث وهو أنّ التسلسل ثابت في الماضي وثابت في المستقبل، وثبوته في الماضي غير متعلق بخَلقٍ تَتَسَلْسَلُ فيهم الصفات أو تظهر فيهم آثار الصفات، بل يجوز أو نقول بل تتنوع التعلقات باختلاف العوالم، وفي المستقبل - يعني في الآخرة- هو آخر بصفاته ، فهناك التسلسل في جهة المستقبل.
مقتضى القسمة أن يكون ثَمَّ قسم رابع: وهو أنه لا تسلسل في المستقبل وهناك تسلسل في الماضي.
هذا مقتضى السبر والتقسيم في القسمة، وهذا لا قائل به من المذاهب المعروفة، يعني لا يُعْرَفُ أنَّ أَحَدَاً قال بهذا القسم.
* إذا تبين لك ذلك، فهذه المسألة بُحثَتْ أولا -مسألة التسلسل- قبل بحث المسألة الأولى التي ذكرناها لكم من جهة مذاهب الناس في الصفات وتعلقها بالخلق - يعني الثلاثة المذاهب التي ذكرناها - فلما بُحِثَ التسلسل نتج منه البحث الأول.
ولهذا إذا أردت أن تفهم جهة التسلسل تفهم أثرها الذي ذكرته لك في الأول؛ لأنَّ كُلاًّ من هاتين المسألتين مرتبطٌ بالمسألة الأخرى.
* الجهة الثانية المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في المخلوقات:
والتسلسل في المخلوقات للناس فيه مذهبان فيما أعلم:
١ - المذهب الأول:
تسلسل في الماضي، وهذا ممتنع عند عامة الناس إلا الفلاسفة الذين قالوا إنه لا عَالَم إلا هذا العالم، وأنَّ هذا العالم لم يزل في الماضي، وأنه ما من عِلَّة فيه إلا وهي مُؤَثرة لمعلول فيه أيضاً، وأنَّ هذا العالم ترتب التسلسل فيه الآخر عن الأول والثاني عما قبله وليس ثَمَّ غيره.
نقول إنَّ هذا من هذه الجهة عامة الناس عدا الفلاسفة على ما ذكرنا، يعني اتفق عليها المعتزلة وأهل السنة على أَنَّ التسلسل؛ تسلسل المخلوقات في الماضي أنه ممتنع إلا قول الفلاسفة.
والفلاسفة كما هو معلوم من قالوا بهذا القول خارجون عن الملة؛ لأنهم يرون قِدَمَ هذا العالم مُطْلَقَاً، وأَنَّ المؤثر فيه الأفلاك بِعِلَل مختلفة يبحثونها.
٢ - المذهب الثاني:
في المستقبل التسلسل في المخلوقات غير ممتنع عند الجمهور إلا في خلاف جهم وبعض المعتزلة في أنّ تسلسل الحركات والمخلوقات في المستقبل أيضا ممتنع وأنهم لا بد أن يصيروا إلى عَدَمٍ أو إلى عدم تأثير؛ إمّا عدم محض أو عدم تأثير.
* الجهة الثالثة المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل؛ تسلسل الأثر والمؤثر والسبب والمُسَبَّبْ والعلة والمعلول:
وهذا لابد من النظر فيه وأيضا نقول أشهر المذاهب فيه اثنان:
١ - المذهب الأول:
مذهب نفاة التعليل والعِلَلْ والأسباب الذين يقولون لا أثر لعلةٍ في معلولها، ولا أثر لسببٍ في مُسَبَبْ، وإنما يفعل الله عند وجود العلة لا لكونها علة.
وهذا هو مذهب نفاة التعليل، كقول الآشاعرة، القدرية، وابن حزم، وجماعات.
٢ - المذهب الثاني:
أنَّ الأسباب تُنْتِجُ مُسبَّباتِها ويتسلسل ذلك، وأَنَّ العلة تُنْتِجُ معلولاً ويتسلسل ذلك - يعني جوازاً - ولكن ذلك كله بخلق الله له، وأنّ التسلسل في الآثار ناتجا عن المؤثرات ليس لذاتها بل لسنة الله التي أجراها في خلقه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] .
стр. 64
[المسألة الرّابعة] :
قوله (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) ، وهذا القول في قوله (كانَ بصفاته) هذا حق؛ لأنَّ أهل السنة يعبرون عن الله بأنه بصفاته.
فيعبرون بالباء المقتضية للمصاحبة؛ لأن الله لم تنفكَّ عنه صفاته.
(وكما كانَ بصفاته) فلم يكن ولا صفة، بل كان بصفاته.
والباء هنا للمصاحبة؛ يعني أنه كان أزلياً بصفاته التي هو موصوف بها.
والمعتزلة وأشباههم يعبِّرون في مثل هذه المسائل عن الصفات بالواو، فيقولون: الله وصفتُه، الله وعلمه، والله وقدرته، الله وحِلمه، الله ورحمته، الله وقهره، وهكذا.
فيُعَبِّرُونَ بالواو لِأَنَّ الصفة عندهم منفكة عن الموصوف، فعندهم الصفة غير ملازمة للموصوف وليست قائمة به.
ولهذا بَحَثَ الشارح عندك هل الصفات غير الذات؟ والاسم هل هو عين المسمى ونحو ذلك، عَرَضَ لذلك بما نستفيده من بحثه لأنه نوع من الاستطراد.
لكن ننبهك إلى أنَّ قوله (كانَ بصفاته) هو الاستعمال الذي يستعمله أهل السنة، ولا نقول الله وقدرته مثلاً، أو نقول الله وعلمه، هذا استعمال الواو في هذا المقام لا يسوغ، بل تُستعمل الباء، فنقول الله بعلمه، الله بقدرته؛ لأن الباء تدل على المصاحبة؛ لأن هذه الصفات قائمة بذات الرب .
قوله (أزَليًّا) مرّ معنا البحث فيه وأنه منحوت من كلمة (لم يزل) .
стр. 65
[المسألة الخامسة] :
قوله في آخر الكلام (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) هذا تعليل لما مرّ.
(ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) على إحياء الموتى وعلى إفنائهم، وعلى رَزق المخلوقات وجميع ذلك.
وقوله (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) تتعلق به المسألة الخامسة هذه.
وهي أنّ أهل السنة يجعلون قدرة الرب متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ .
وهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكلّ ما في القرآن تعليق القدرة بكل شيء ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
أهل البدع وأهل الكلام يُعلِّقون القدرة بما يشاؤه الرب .
فيقولون تَعَلُّقْ قدرة الرب بما يشاؤه.
ولذلك ترى أنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى قولهم والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لم يشأه.
فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة.
فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يُوجَدْ إبليس؟ فيقولون: لا غير قادر.
هل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأنّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه ، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه فإنّ القدرة غير متعلقة به.
* ولذلك فيقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان.
لأنَّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله .
وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:
١ - الدليل الأول: فإن الذي جاء في القرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفا منها.
٢ - الدليل الثاني: أنَّ الله قال في سورة الأنعام ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] ، ولما نَزَلَتْ هذه الآية تلاها ? فقال ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ? (هذه أهون) (١) .
والله لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيُهْلِكَكُم بسَنَةٍ بعامّة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته العظيمة العلية.
فدلت الآية على أنّ قدرة الله تتعلق بما لم يشاء أن يحصل ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ، وهذا لم يشأه الله ومع ذلك تعلقت به القدرة.
* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالُها فليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.
في بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاء قادر) و (إني على ما أشاء قادر) (٢) وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ .
نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.
في هذا القدر كفاية وإن شاء الله نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله وفقكم الله جميعا. (٣)
[المسألة الأولى] :
القَدَرْ معناه في اللغة: تهيئة الشيء لما يصلح له، فإذا هيأت شيئاً لما يصلح له فقد قَدَّرْتَهُ.
وتقول أُقَدِّر أن يكون كذا وكذا، يعني هَيَّأْتَ هذا الأمر على أن يكون كذا وكذا، فتكون داخلاً في هذا الأمر بتقدير، إذا دخلت فيه بتهيئة.
وهذا هو المعنى اللغوي العام كما قال سبحانه ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] ، والآيات في هذا كثيرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ، ونحو ذلك.
أما في الشرع فالقَدَرْ: سرّ الله الذي لم يُطْلِعْ عليه أحداً، لم يُطْلِعْ عليه ملكاً مُقَرَّبَاً، ولم يُطْلِعْ عليه نبياً مرسلاً، بل هو سر الله ، الذي لا يعلمه على وجه الكمال أحد.
وتعريف القَدَرْ اختلف فيه الناس، وحتى تعريفه عند المنتسبين للسنة مُخْتَلِفْ.
لكنه عُرِّفْ بتعريف أُخِذَ من مراتب القدر التي جاءت الأدلة على مفرداتها.
فقيل في تعريف القدر عند أهل السنة: إنه علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ لكل ما قدَّر، أو خَلْقُهُ لكل شيء.
وهذا يشمل المراتب جميعا وسيأتي ذكر مراتب القدر ودرجاته في موضعه فيما نستقبل من هذه الرسالة.
стр. 68
[المسألة الثانية] :
أنّ القَدَرْ - لَمَّا كان هذا أول موضع فيه - يجب أن يُبْحَثْ من جهة النصوص فقط؛ لأنَّ النبي ﷺ صحّ عنه أنه قال (إذا ذُكر القدر فأمسكوا) (١) يعني فأمسكوا عن الخوض فيه بما لم يَدُلَّكُمْ عليه كلام الله أو كلام نبيكم ?.
فإذا تكلمنا في القَدَرْ أو خاض المرء فيه بعقله وفهمه فيجب أن لا يَتَعَدَّى ما دلت عليه النصوص، وذلك لأن تجاوز ما دلت عليه النصوص في باب القَدَرْ بسببه ضَلَّ الناس.
وهذا الخوض يسبّب الضلال، إذا تَعَرَّضَ الناظر لأمور تسبب له الضلال في القدر -:
١ - الأمر الأول: الخوض في أفعال الله بالتعليل.
إذا خاض في أفعال الله بالتعليل الذي يظهر له دون حجة فإنه يضل، لأنّ أفعال الله صفاته ، وهي مرتبطة عندنا بعلل توافق حكمة الربّ ، والمخلوق لا يفهم من تعليل الأفعال إلا بما أدركه أو بما يصل إليه إدراكه.
بما أدركه يعني يرى مثيله، علَّلَ هذا بهذا لأنه مرّ عليه، أو أدْرَكَهُ بما شاهد، أو أنَّهُ يصل إليه إدراكه بالمعلومات المختلفة التي يُقَدُِّّرَها.
وقد قدمنا لكم أنّ الأساس في صفات الله أنه لا يُدرَكُ كيفية الاتصاف بالصفات، كما لا يُدرَكُ كمال معرفة حكمة الله ولا كمال التعليل. (٢)
ولهذا من خاض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ، فإنه لابد أن يخطئ إذا تجاوز ما دلَّ عليه الدليل.
والعلل قسمان: عِلَلْ كونية وعِلَلْ شرعية.
وأفعال الله مُعَلَّلَةْ لاشك: أفعال الله في ملكوته مُعَلَّلَةْ وأفعال الله في شرعه - يعني أحكام الله في الشرعية مُعَلَّلَةْ، يعني الشرعيات في الغالب مُعَلَّلَةْ -.
إذا تبين لك ذلك فإن الخوض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ هو سبب ضلال الفِرَقْ المختلفة في باب القَدَرْ، هو سبب ضلال القدرية المشركية، وهو سبب ضلال القدرية الغلاة النافية للعلم، وهو سبب ضلال القدرية المتوسطون أو المعتزلة؛ لأنَّ الفِرَقْ الرئيسية في القَدَرْ ثلاث كما سيأتي بيانه:
- قدرية مشركية: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] .
- وقدرية غلاة: نفاة العلم الذين قالوا إنَّ الأمر أُنُفْ ولا يَعْلَمُ الأشياء.
- وقدرية متوسطة: وهم المعتزلة في باب القَدَرْ الذين لم ينفوا كل مراتب القَدَرْ، لم ينفوا العلم السابق كما سيأتي تفصيله في موضعه.
وكل هذه الفرق خاضوا في مشيئة الله وإرادته والتعليلات بعقولهم، فَلَمَّا لم يفهموا التعليل ضلوا، كما قال شيخ الإسلام في تائيته القدرية:
وأصلُ ضلالِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ
فإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
فإذاً الأمر الأول من أسباب الضلال في هذا الباب الخوض في الأفعال.
لِمَ أغنى؟ ولِمَ أفقر؟ ولِم أصحّ؟ لِمَ خلَقَ هذا الشيء على هذا النحو؟ لِم أعطى؟ لِم شرع؟ لِم جعل هذه الأمة كذا وهذه الأمة كذا؟ لِم جعل الأرض كذا؟ لِم جعل الجنة كذا؟ لِم جعل مصير هذا كذا؟ إلى آخره، كل هذا إذا خاض فيه العبد فإنه باب ضلال لأنّ القَدَرْ سر الله .
٢ - الأمر الثاني: قياس أفعال الله على أفعال المخلوقين، أو جعل ميزان تقدير الله على وجه الكمال والصحة هو ميزان تقدير المخلوقين.
فإنَّ العباد إذا نظروا في فِعْلِ المخلوق وفي تقديره وتصرفاته فإنهم يجعلون الصواب والكمال في حق المخلوق على نحوٍ ما، فإذا نقلوا هذا الذي أدركوه في المخلوق إلى فِعْلِ الله فإنه أتى بابٌ كبير من أبواب الضلال - يعني حصل باب كبير من أبواب الضلال -.
كما حصل للقدرية من المعتزلة وأشباههم، فإنهم قاسوا أفعال الله بأفعال خلقه، فأوجبوا على الله فعل الأصلح بما عهدوه من فعل الإنسان، وأوجبوا على الله العدل ونفوا عنه الظلم بما عهدوه من فعل الإنسان.
ولهذا قالوا إنَّ الله يجب عليه فعل الأصلح، وأنه يَحسُنُ في فعل الله كذا، ويقبح كذا، فما حسَّنَتْهُ عقولهم بما رأوه في البشر حَسَّنُوهُ في فعل الله، وما قبَّحَتْهُ عقولهم من أفعال المخلوقين قَبَّحُوهُ في فعل الله، فنفوا أشياء عن الله ثابتة له لأجل هذه المسائل الثلاثة التي ذكرتها لكم:
- مسألة التحسين والتقبيح.
- مسألة الصالح والأصلح.
- مسألة الظلم والعدل.
فهذه المسائل الثلاث هي أعظم أبواب ضلال القدرية، ولهذا يجب أن لا يَدْخُلَ فيها المكلف إلا بما دلت عليه النصوص.
والأصل في هذا أَنَّ الله سبحانه لا يُشَبَّهُ بِخَلْقِهِ في أفعاله ولا في صفاته، كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
стр. 69
٣ - الأمر الثالث: مما ينبغي مراعاته في بحث القَدَرْ وإذا قرأت في هذا الباب، أنَّ العلماء الذين تكلموا في مسائل القَدَرْ من المتقدمين من علماء السلف، فصنفوا فيه كابن أبي داوود، بل قبله ابن المبارك، ومن كَتَبَ في ذلك في مصنفات مستقلة، أو ضمن كتب السنة الأخرى، أو من صَنَّفَ من المتأخرين في هذا الأمر يجب أن تَنْظُرَ إلى كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمرٍ عقلي لا دليل عليه.
إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه من كلام الله أو كلام رسوله ﷺ فتوقف؛ لأننا وجدنا أَنَّ طائفة من الناس أخذوا كلام من وثقوا به من أهل العلم في مسائل القَدَرْ على أنه مُسَلَّمْ لَمَّا كان منتسبا إلى السنة؛ لكنه خاض باجتهاده في بعض المسائل من جهة العقل، فيأتي الناظر فلا يدرك كلامه على وجه التمام، أو يكون ذاك مخطئا فيتابعه هذا وينسبه إلى السنة.
والسنة في باب القَدَرْ هي ما دل عليه القرآن وحديث المصطفى ﷺ فحسب، وما زاد عنه فيجب الإمساك عنه.
قد يحتاج طالب العلم إلى التفصيل العقلي بما دلت عليه النصوص والالزامات، بما علم من النصوص في مقام الرد على المخالفين، لا في مقام التقرير.
فإذاً ينبغي أن يُفْهَمْ كلام أهل العلم على مرتبتين:
- المرتبة الأولى: مقام تقرير مسائل القَدَرْ. -هذا واحد-.
- والمرتبة الثانية: مقام الرد على الخصوم في القَدَرْ.
فإذا كان المقام مقام تقرير للاعتقاد الصحيح في القَدَرْ فلا يجوز أن يُتَجَاوَزَ القرآن والسنة، لا يجوز أن يُتَجَاوَزَ كلام الله وحديث المصطفى ﷺ ؛ لأن القدر سر الله .
стр. 70
[المسألة الثالثة] :
أنَّ الفِرَقْ في باب القَدَرْ -قبل أن نخوض أو نبحث هذا الموضوع نعطيك تصور عام وسيأتي له تفصيل-، فالفِرَقْ في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فِرَقْ:
- الفرقة الأولى: القَدَرِيَّة.
- الفرقة الثانية: الجبرية.
- الفرقة الثالثة: أهل السنة والجماعة.
والقدرية طوائف كثيرة منهم الغلاة، ومنهم المتوسطون.
وقولنا عنهم قَدَرِيَّة، نعني به نفاة القَدَرْ، ننسبهم للقدر؛ لأنهم نفوه، قال أهل العلم عنهم قَدَرِيَّة لأنهم نفوا القَدَرْ:
- منهم من نفى العلم
- منهم من نفى عموم المشيئة.
- أو عموم خلق الله لكل شيء
- ومنهم الجبرية الذين قالوا إنّ العبد مجبور.
* وهؤلاء الذين قالوا إنَّ العبد مجبور:
- منهم الغلاة كالجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون هو كالريشة في مهب الريح.
- ومنهم المتوسطون الذين قالوا هو مجبور في الباطن ومختار في الظاهر وهم الماتريدية والأشاعرة.
والمؤلف الطحاوي ينتمي في الجملة في المسائل المُشْكِلَة إلى الماتريدية، ولهذا ينبغي أن يُنتبه لكلامه في المواطن ذات الزلل كمسألة القَدَرْ، هل قرَّرَهَا على وجه الجبر أم على وجه كلام أهل السنة والجماعة كما سيأتي.
стр. 71
[المسألة الرابعة] :
نختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أنَّ هناك ألفاظاً تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القَدَرْ، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها.
مثال ذلك - ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى -.
مثال ذلك (مسألة الكَسْبْ) ، فإنَّ الكسب عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى.
فَلَفْظٌ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه.
كذلك (نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة) ، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة.
فالقدرية يعنون بذلك معنى - يعني المعتزلة ومن نفوا القَدَرْ - والجبرية يصرفونه لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص.
المقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بعامة؛ لأننا الأصل أنَّ الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة.
فتنتبه إلى أَنَّ الألفاظ في باب القَدَرْ متشابهة لكن المعاني مختلفة.
إذا قرأت كتاباً من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله ، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب "الكشّاف" للزمخشري إنه دسّ فيه مذهب المعتزلة في الصفات وفي القَدَرْ وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير.
هذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إن شاء الله تعالى في مواضعها.
стр. 72
قال ﵀ بعد ذلك (وَضَرَبَ لهم آجَالاً)
стр. 73
قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم
وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)
стр. 74
الأسئلة:
فيه كثير من الاخوة سألني في المسائل التي كنا تكلمنا فيها الأسبوع الماضي كمسألة التسلسل؛ التسلسل الماضي والمستقبل وحلول الحوادث، وكلام الشارح أيضا في هذا الموضع، في هذا الموطن، والمسألة يعني شائكة لكن ما ذكرته لك هو الحد الأدنى في فهمها، فينبغي أن لا تكثر من الخوض فيها لأنها عسرة بعض الشيء.
س١/ يقول: ما أفضل كتاب تكلم عن القدر وتعريفه ومراتبه وجميع ما يتصل به؟
ج/ أفضل كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ومن الكتب المعاصرة كتاب القدر للدكتور عبد الرحمن المحمود كتاب قرّب فيه المسألة لطالب العلم فهو كتاب نافع في هذا الباب جداً.
س٢/ ألا نستفيد من قوله سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩-٣٨] , ألا نستفيد منه تغيير الأجل لقوله سبحانه (يَمْحُوا) ؟
ج/ لا، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يعني ما في صحف الملائكة أما الآجال فهي ثابتة.
س٣/ (لا يرد القدر إلا الدعاء) (١) ؟.
ج/ هذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح.
س٤/ ذكرتم في الدرس السابق أنَّ الخلق في اللغة يشمل مراتب منها التقدير، فأرجو إيضاح هذه المرتبة بتفصيل أكثر؟
ج/ لعلك ترجع إليها لأنها تحتاج إلى تفصيل.
س٥/ ذكرتم في الدرس السابق أن صفات الله متلازمة وله الكمال المطلق، معنى قولكم متلازمة؟ وهل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) ؟.
ج/ أما كون الصفات متلازمة فنعم الصفات بعضها ملازم للآخر، أو الصفة تدل على الصفة الأخرى بالتلازم؛ يعني لا يُتَصَوَّرْ أن صفة الرحمة بلا صفة الحياة، ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة قهر بلا صفة القدرة ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة علم بلا صفة إرادة، ولا أن هناك صفة كلام بلا صفة إرادة وملك وقوة.
إذاً فصفات الله متلازمة، لهذا أهل العلم لما تكلموا على الأسماء الحسنى قالوا إنَّ الاسم من أسماء الله الحسنى يدل على:
مسماه ومعناه جميعا بالمطابقة.
ويدل على أحدهما بالتضمن.
ويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر باللزوم، كما هو معروف في موضعه.
قال هل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) كنا ذكرنا لكم تفصيلات الكلام عليها، (على ما يشاء قدير) هذه عبارة الأشاعرة وأشباههم؛ لأنهم علَّقُوا القدرة، قدرة الله بما يشاؤه، وأما ما لم يشأه فعندهم أن الله ليس بقادر عليه، هذا كلام الأشاعرة.
المعتزلة علقوا القدرة بما هو مقدور له، وما لم يكن مقدورا له فليس بقادر عليه، يعني عندهم أنَّ ثَمَّ أشياء ليست بمقدورة لله ، فليس بقادر عليها.
مثل الظلم، أصل الظلم هو ليس قادر عليه، لم؟
لأنه ليس ظالما فليس بمقدور له أن يظلم .
وعندنا الله قادر على كل شيء، ما يشاؤه وما لم يشأه، والظلم لم يشأه سبحانه بل حرَّمه على نفسه (إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا) (٢) .
إذن فتعلُّقْ القدرة، هذه مسائل تعلق الصفات، يعني القدرة لها مُتَعَلَّقْ، العلم له متعلَّق -عند الطوائف جميعا- الكلام له متعلق، الرحمة لها متعلق، وهكذا فتعلق الصفات هذه تختلف فيها الفرق المختلفة، وهو معلوم في موضعه.
المقصود أن قول القائل إن الله على ما يشاء قدير هذا من البدع التي لا تجوز، وقائلها ينبه على مخالفته بما جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
س٦/ هل أوضحتم ثمرة الخلاف المرتبة الناتجة عن الاختلاف لكون الموت صفة وجودية أو عدمية؟
ج/ المقصود الكلام على هل الموت صفة وجودية أو صفة عدمية؟ هذا متعلق بحياة الروح والعذاب والنعيم، هذا الخلاف بين أهل السنة وبين الفلاسفة الذين يقولون إن الموت عدم أو الموت حياة، يعني هل أن الموت حياة جديدة أو هو عدم حياة وزوالها؟
الفلاسفة لهم مذهب في هذا، في أن الموت هنا موت البدن، الروح هذه تذهب إلى مكان لها ثم تعود في جسد جديد تناسبه، فعندهم الموت عدم الحياة، انتهى.
عندنا لا، الروح كل روح مستقلة، روح المكلف هذه باقية، خُلقت للبقاء، لا تنتقل من فلان إلى فلان كما هو قول الفلاسفة ومن شابههم، بعض من ينطق بهذه الكلمة يعني بأن الموت صفة عدمية قد لا يستحضر أو قد لا يقول بهذا المذهب، لكن هو من أنشأ هذا الكلام ويقول بهذا المذهب من أن الأرواح محدودة والأجساد متعددة فالأرواح تتنقل فيها.
يعني مثلا عندهم نعيم الروح، كيف روح منعمة؟
стр. 75
يقول الروح تعذب بمصيرها في جسد حياته شقاء، يعني الآن فلان مثلا- أعوذ بالله ما نريد أن نقلق أسماعكم بهذا الباطل نعوذ بالله منه - لكن ما من مسأله نتكلم عنها إلا ولها ثمرات، يعني في العقيدة ما فيه خلاف لا ثمرة له، خذها كلية.
س٧/ كيف عرف ميل الإمام الطحاوي إلى مذهب الأشاعرة في مسألة اتصاف الله بصفاته؟
ج/ لا، ليس في مسألة الصفات، مسألة التسلسل.
س٨/ هل يصح أن يقال إن العلم بالله لا يكون إلا بالعلم النظري، لا الضروري؟
ج/ يعني يصح مع أحد الاعتبارات، لكنه قد يصل العكس إلى أن يكون علمه بالله ضروريا ما يحتاج معه إلى استدلال، صار واضحا عنده بحيث لا يحتاج منه إلى نظر، نَظَرَ واسْتَقَرَ الإيمان في قلبه واتضح له حتى صار عنده وجود الحق ضرورة لا يحتاج إلى استدلال، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أصبح ضروريا؛ لأن الضروري هو ما لا يُحْتَاجُ له إلى استدلال، والنظري ما يحتاج في إثباته إلى نظر واستدلال.
س٩/ ذكرت أن الروح لها صفة البقاء، فكيف نوفق بين هذا وبين المراد من المستثنى عند قوله تعالى (إلا من شاء الله) وهل معنى هذا أن أرواحهم غير ميتة؟
ج/ لا، ما لها علاقة (إلا من شاء الله) في الاستثناء يعني أرواح الشهداء أو أشبه ذلك، الأرواح لا يحلها الموت، تجتمع في الصور فيُنفخ فيه فتعود إلى الأجساد.
س١٠/ هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟
ج/ الموت صفة إذا سَمَّيْتَ الصفات أعراض فلا بأس، الموت حياة جديدة؛ حالة فيها حياة جديدة، يعني سمي الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية سمي موتا، هو انتقال إلى حياة جديدة، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] وكذلك كل مؤمن حي عند ربه يرزق.
هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟
في الآخرة يؤتى بالموت على صفة كبش فيكون قد قُلِبَ إلى عين.
س١١/ هل لابد أن يكون لله مخلوقات ليوصف بالخلق أو أنه يوصف بالخلق ولو لم يخلق شيئا أبدا؟
ج/ هذا سؤال في غير مكانه لأنه خالق وله مخلوقات، ولم يزل خالقا يعني هذه صفة ملازمة له سبحانه.
س١٢/ هل ابن حزم من أهل السنة والجماعة؟
ج/ لا، ابن حزم ليس سنيا بل له مذهب خاص، ابن عبد الهادي وغيره يعتبرونه من الجهمية، طائفة تعتبره من الفلاسفة يعني خليط، هو في العقيدة مخلّط لا يتبع مذهب من المذاهب عنده تجهم، وعنده أشعريات، وعنده فلسفة يعني مختلط.
س١٣/ ما هو الرد على من استدل بحديث (إن أول شيء خلقه الله القلم) (١) على عدم التسلسل في الماضي بالنسبة للمخلوقات؟
ج/ الأخ سألني قبل الصلاة أظن عن ذلك، وقلت اترك المسألة إلى وقت آخر، وحديث (إن أول شيء خلق الله القلم) هذا لفظ، واللفظ الآخر المعروف (إن أول ما خلق الله القلم) (٢) أول هنا بمعنى حين، إنه حين خلق الله القلم قال له أكتب، لماذا فسرنا بهذا التفسير؟
لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (٣) هذا التقدير هل هو راجع إلى العلم علم الله؟
الجواب: لا؛ لأن عِلْمَ الله ما يُعَلَّقْ بقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إذاً يتعلق بالكتابة، كتب الله مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة، هذا الحديث (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) وفي رواية (فقال له أكتب) هنا يعني خلق القلم فأمره بالكتابة؛ يعني التقدير، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فالمراد من الحديث أنَّ الله خلق القلم فأمره بكتابة المقادير فوْر خلقه له، هذا الذي نفهمه مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن التقدير هناك لابد أن يكون للكتابة، والأولية هنا إن كانت أولية مطلقة قبل المخلوقات يعني وُجد قلم وليس ثم مخلوق البتة، فقوله (فقال له أكتب) تقتضي الترتيب (خلق فقال) وهذا يعني أنه هناك زمن طويل ما بين خلقه وما بين ابتداء الكتابة، وهذا يشوش على الموضوع.
إذن فهذا الحديث فُهِمَ منه منع التسلسل في الماضي كما هو معلوم، وأن أول المخلوقات القلم وهذا عند المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم الذين ضمّوا الأحاديث في هذا الباب وفهموها مع صفات الله وما دل عليها من الآيات وكلام السلف، فهموا أن القلم في هذا الحديث أوليته هنا بالنسبة إلى الكتابة، فحين خُلق القلم كتب، (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) أو (فقال له أكتب) يعني حين خلق القلم قيل له أكتب فجرى بما هو كائن على قيام الساعة، فالحديث ليس في أولية المخلوقات، الأولية بالنسبة لغيرها وإنما الأولية من جهة التقدير والكتابة.