← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

: [[الشريط الحادي عشر]] : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: الأسئلة س١/ يقول ذَكَرَ العلماء أَنَّ لفظ الجلالة أصله إله فأدخلت الألف واللام وحذفت الهمزة وأدغمت اللام في التي تليها، والسؤال هو: ألا يتنافى هذا مع كون أسماء الله عظيمة؟ ج/ لفظ الجلالة واسم الله: اختلف العلماء فيه؛ هل هو مشتق أم هو غير مشتق؟ والخلاف واسع. والذي يرجحه جمع كثير من المحققين وهو المعتمد عند أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى أنَّ لفظ الجلالة مشتق، ومعنى كونه مشتقاً أنَّ اسم الله دال على المعبود بحق دلالة مطابقة؛ يعني أنَّ كلمة الله أصلها الإله والإله هو المعبود. أما الذي يقول أنه ليس بمشتق فيقول: إنَّ الله علم على الذات -ذات الرب - وليس فيه معنى. والقاعدة عامة عندنا أنَّ اللغة في الأسماء لابد أن تكون دالة على معاني. فالاسم يكون دال على معنى، أسماء الله الحسنى دالة على معاني فيها فليس ثَمَّ اسم ليس له دلالة على معنى، والدلالة على المعنى تارة تكون دلالة جامدة وتارة تكون دلالة مشتقة. وهذا في اسم الله الأعظم أو اسم الله (الله) لفظ الجلالة العظيم هذا مشتق من إله؛ لأنَّ العرب تُسَهِّلْ في مثل هذا كثيراً. والبحث فيه بحث نحوي وصرفي وأَكْثَرَ العلماء منه. المقصود من الجواب أنَّ اسم (الله) مشتق ولا ينافي هذا تعظيم لفظ الجلالة؛ لأننا كما نقول إنَّ الجبار يتنوع إلى عدة معاني أو يدل على عدة معاني ومشتق من كذا واسم الله العظيم مشتق واسم الرحمن مشتق من الرحمة، وهكذا. فالذين يقولون إنَّ الاشتقاق ينافي التعظيم هذا ينخرم الكلام فيما أوردوه بجميع الأسماء الحسنى، فأسماء الله الحسنى كلها مشتقة، والاسم (الله) مشتق من الألوهة وهي العبادة؛ لأنَّ الله عَلَمٌ على المعبود بحق. [.....] ؟ (١) هذا بحث آخر؛ يعني هل تظن أنَّ أسماء الله هي قبل اللغات؟ لا، اللغات دالة على أسماء الله وصفاته، كما تدل اللغات على أشياء أخر، ولا يعني هذا أنها مُواضَعَةْ؛ أنَّ الناس اصطلحوا عليها، ليس كذلك؛ لأنَّ الله ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] ، فالأسماء ومن ضمنها أسماء الله مُعَلَّمَةْ، وكذلك في اللغات دلالة الكلمة على أنها اسم من أسماء الله هذا بالتعليم، وليس العباد الذين يضعون أسماء لله ، فهذا لا يعني أنَّ أسماء الله بالمواضعة -يعني بالاصطلاح-، الناس وضعوها واشتقوا هذا من هذا إلى آخره، يعني أنهم هم الذين فعلوا ذلك، لا، أسماء الله ، الله سبحانه لم يزل له الأسماء الحسنى والصفات العلا قبل أن يخلق الخلق. [.....] ؟ هذا على كل حال بحث لغوي طويل، لا أظن يسع مثل هذا المقام أن يُفَصَّل فيه. اللغات في نشأتها، كيف نشأت اللغات؟ اللغة العربية كيف نشأت؟ هل آدم ﵇ كان يتكلم باللغة العربية؟ ما قبل إبراهيم ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟ نوح ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟ الله جَعَلَ من آياته اختلاف الألسن والألوان، فَأَصْلُ اللُّغات أسماء عَلَّمَهَا ربُّنا آدم، ثم حَصَلَ هناك أنواع من الاشتقاق وتداخل الناس لما تفرقوا في اللغات. اللغات بعضها يأخذ من بعض، وعند العلماء المعاصرين يعني علماء اللغة، علماء فقه اللغة وخاصة اللغات السامية دَلَّتْهُم البحوث والكتابات القديمة التي وجدوها في الجدران وفي الآثار القديمة على أَنَّ مجموعة من الكلمات كانت مشتركة ما بين اللغات، وهذا طبعاً يدل على أَنَّ أصل اللغات واحد، وهذا لا شك فيه، ثم بعد ذلك بدأت تتوسع اللغات وتختلف. فلهذا جاء في الحديث «أول من فُتِقَ لسانه عن العربية الفصحى إسماعيل ﵇» (٢) . إذاً فُتِقَ اللسان، من الذي فَتَقَ اللسان؟ يعني هذه القواعد التي أوردها العلماء -قواعد النحو- هذا استنتاج، لا يُتصور أَنَّ العرب اجتمعت في مؤتمر عام وقالت بنضع القواعد في لغتنا، هذا غير موجود. كذلك أغرب منه في العلل والاشتقاق. ولهذا قال بعض العلماء في العلل الضعيفة هذه أضعف من علة نحويّ؛ لأنها مستنتجة. مثلاً: تقول: محمد قادم، ثم تقول: لمحمد قادم، ثم تقول: إنَّ محمدا لقادم. (محمد قادم) خبر أُكِّدَ باللام الأولى في الجملة الثانية (لمحمد قادم) . واللام هذه لام التأكيد، لام الابتداء لها حق الصدارة. (إنَّ محمداً لقادم) ، هنا أُخّرَتْ ولذلك سميت إيش؟ المزحلقة؛ لأنها زُحْلِقَت من المبتدأ حين كانت فيه (لمحمد قادم) إلى الخبر فصارت (إن محمدا لقادم) . هنا لماذا حصل هذا؟

стр. 142

يأتي النحاة ويوجِّهُونَ ذلك، وثَمَّ كتب كثيرة في علل النحو لا تُحْصَى، وهي عدة مدارس في تعليل الأحكام النحوية. من تعليلاتهم يقولون: إنَّ العرب من عادتها أن تكرم الضيف، فلما أتت اللام ضيفاً على محمد قادم كان لها حق الصدارة، فلما أتى الضيف الجديد إنَّ تأخرت اللام؛ لأنها كانت في الجملة موجودة فتأخرت. يعني هذه كلها التماسات. كذلك إذا قال لماذا (كَانَ) نصبت الخبر ورفعت الاسم؟ لأنها مشبهة بالفعل وهي فعل ماضي ناقص، وكذلك أخواتها. (إن وأخواتها) : إنَّ وأَنَّ وليس إلى آخره، هذه لماذا انعكست فيها القضية؛ مُخالِفةً لـ (كان) ؟ لأنها تَقَعَّدَت (كان) وهذه وهذه بعضها يشبه بعضاً، يعني (كان وأخواتها) و (إن وأخواتها) بالدخول على الجملة الاسمية، فَفَرَّقُوا بينها. إذاً كل هذا نخلص منه إلى شيء مهم جداً في علم اللغة وهو أنَّ صنعة العلوم إنما أتت بعد انتهاء اللغة. فإذاً هي التماس. فإذا قال لك العالم: إنَّ كلمة (الله) كانت إله ثم أُدْخِلَتْ فإنَّ هذا من جهة التحليل، وليس أنَّ العرب صنعت ذلك على مراحل؛ لكن هذا من جهة التحليل. يقول لك: ولكثرة الاستعمال صارت كذا، يعني هذا من جهة التحليل. يعني اعكس المسألة وقل: لأنَّ لفظ الجلالة الله موضوع لكثرة الاستعمال فجاء على لفظ الله ولم يأت على لفظ الإله؛ لأنَّه موضوع لكثرة الاستعمال. * وهذه انتبه لها قاعدة في اللغة. ولهذا يخطئ بعض الذين يعتنون بمباحث الاشتقاق ويستغربون بعضها من هذه الجهة، فيظنون أنَّ العرب اجتمعت ووضعت للغتها قواعد. والصحيح الذي لا ينبغي المحيد عنه: أنه ليس ثَمَّ وَضْعْ في اللغة، وعِلْمُ الوَضْعْ الذي يُسَمَّى علم الوضع إنما هو تقريب للعلوم التي صُنِّفَت في هذه الأمة، وليس هو وَضْعْ العرب، فإنَّ العرب ما اجتمعت، العرب متفرقة، العرب كانت في اليمن ثم تَفَرَّقَت، والعرب القديمة - العرب العاربة- ثم العرب المستعربة تفرقت، واللغة بدأت تتدرج وتنمو وتصل إلى مراحل في نموها. فاللغة مثل الإنسان، اللغة مثل الإنسان، مرَّ به طفولة، ثم مرَّ به شباب، ثم مرّ به فتوة وقوة ثم يمرُّ به اكتهال إلى آخره، فهذه اللغات تمر بهذه المراحل. أما اللغة العربية فثبتت وقويت ولم تمر بها فترة الكهولة التي تُسَمَّى فترة الكهولة؛ لأنَّ فيها القرآن، القرآن هو الذي أبقاها حية قوية في شبابها. فلهذا كل ما تراه من التعليلات عند النحويين أو الذين يعتنون بالنحو ويوغلون فيه بحثاً فيما يستبعدون أو يقبلون هي كلها في ظنهم أنَّ المسألة ليست هكذا وإنما هي هكذا. ما كان فيه إله، وكيف يكون فيه إله؟ أو كيف يشتق هذا من هذا؟ والعرب ما اشتقت هذا من هذا، وإنما الوضع الأول هو كذا. الوضع الأول في الأسد هو كذا، الوضع الأول في الجناح هو في الطائر، من الذي يقول هذا؟ كل هذا من الذي يقوله؟ يقولون الجناح للطائر من الذي قال أنَّ الجناح للطائر؛ من؟ هل ثَم برهان؟ لذلك يأتون عند قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] يقولون هنا استعارة؛ لأنَّ الجناح للطائر واستعير للإنسان، استعارة يعني مجاز. طَيِّبْ من الذي قال إنَّ العرب وضعت الجناح للطائر،؟ لا يوجد. * فإذاً تنتبه لأنَّ من أوغل في المباحث اللغوية دون معرفة لأصولها والتحقيق فيها قد تدخل عليه إشكالات في العقيدة. لهذا اعتنى المعتزلة بالمباحث اللغوية لصدّ كثير من الناس عن الحق في مسائل الاعتقاد، ظنّاً منهم أنهم حققوا المسائل العقدية. فانتبه إلى هذه القاعدة: وهي أنّه لا يُتَصَوَّرْ في القواعد التي وُضعت في هذه الأمة -القواعد العلمية- في النحو أو في الأصول أو في أي فن من الفنون أو في المصطلح أنها وضعت هكذا باجتماع واتفق العلماء على هذا، لا، هي التماس. ولهذا المجتهد إذا بلغ في الاجتهاد مبلغاً عظيماً وصارت عنده آلات الاجتهاد له أن يخالف. ابن جرير الذي ذكرتَ أنتَ المثال عنه، ابن جرير لا يمثل مدرسة البصريين في النحو، ولا يمثل مدرسة الكوفيين في النحو، وإنما له مدرسة مستقلة في تفسيره؛ تارَةً يذهب إلى هؤلاء وتارة يذهب إلى هؤلاء، عندما يملي عليه الراجح وما يسمعه وما يحفظه من كلام العرب. كذلك في القراءات ليس عنده شيء اسمه قراءات سبع ولا قراءات عشر، وإنما عنده قراءات أنصاف –اذا كنت اطلعت على التفسير-. لماذا يصنع هذا؟ لأنَّه لا يتقيد بمصطلحات أهل العلم وبمواضعات أهل العلم. نحن إذا تقدمنا في العلم ترى أنَّكَ تمرُّ على العلم، وترى أنَّ العلم يسبح في قرون، يسبح في القرون هكذا بين مد وجزر، في التواليف، وفي صنيع أهل العلم. لكن هل هذا هو العلم أو هو وَضْعْ لقواعد العلم؟ هو وَضْعْ لقواعد العلم؛ لأنَّ العلم موجود قبل ذلك، العلوم موجودة قبل ذلك؛ العلوم اللغوية والشرعية والحديث كلها موجودة قبل ذلك، وإنما وَضَعُوا القواعد. ووَضْعُ القواعد هذا هل هو إجماع أو اجتهاد؟

стр. 143

اجتهاد؛ ليس ثَمَّ قواعد علم من العلوم مُجْمَع عليها، وإنما تجد في العلم ما هو مُجْمَعٌ عليه: في النحو فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الفقه فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في المصطلح فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الأصول ثَمَّ مسائل مُجْمَعٌ عليها، وتجد أنَّ المسائل المجمع عليها في كل فن قليلة. إذاً ننتبه إلى أنَّ التعليلات التي ترد في العلوم المختلفة إنما هي التماس هذه [.....] ولذلك من أتى يُحَلَّلُ لك هي التماس، وقد يكون صاحبه مصيباً في التماسه وفي تعليله، وقد لا يكون كذلك. مثلاً البحث المشهور عند قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وفي قراءة سبعية متواترة ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ . طيب (إِنَّ) ما تنصب الاسم، لماذا ما صارت (إنَّ هذين لساحران) ؟ بدؤُوا يُعَلِّلُون فمنهم من يخطئ، يقارن، هذا غلط علمي كبير، لماذا؟ لأنك تُحَكِّمْ قواعد وضَعَهَا النحاة على الحق المطلق الذي هو القرآن؛ لأنها قراءة متواترة فهي الحق، يجب أن تبحث في القواعد لا العكس، فالقواعد اصطلاحية. يأتي في مسند أبي يعلى في مطالعتي عند حديث قال فيه النبي ﷺ «إنّ هذان لشيطانان» (١) في الحديث الذي في المتن قال «إنَّ هذين لشيطانان» - أنا لدي بحث على الآية، وأعرف كلام المحققين عليها وما يتعلق بها. استغربت: «إنَّ هذين لشيطانان» ليس هو اللفظ وإنما لأجل أنه يَخْرِمُ القاعدة جَعَلَهَا هكذا، وإذا به في الحاشية يقول: في الأصل «إنَّ هذان لشيطانان» وهذا يخالف القاعدة النحوية فغيرتها إلى (إنَّ هذين لشيطانان) . طبعا سيطرة القواعد النحوية على الحق المطلق، سيطرة القضايا الاصطلاحية كلها على الحق المطلق هذه قضية كبيرة في العلم وفي نشأة العلوم وتوسع العلوم، فطالب العلم ينبغي له أن يرتقي في هذه المسائل ولا يعجل. فمسائل الاشتقاق في أسماء الله هي من هذه البابة، فينبغي أن يُنظر إليها نظراً.

стр. 144

لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا، فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ، وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ

стр. 145

[المسألة الأولى] : أنَّ الناس في تلقّي الشريعة -الناس؛ يعني هذه الأمة، الفرق جميعاً- انقسموا إلى أقسام: ١ - القسم الأول: من كان عقلياً محضاً؛ يعني جعل العقل حَكَماً على الشريعة، وجعل الشريعة تابعة للعقليات. ٢- القسم الثاني: من جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي البتة؛ بل الشريعة جميعاً عندهم ليس فيها عِلَل ولا تعليل بقسميها العقيدة والشّريعة. ٣ - القسم الثالث: من توسّط بين الفئتين، وقال: إنَّ الشّريعة في العقيدة، في الأمور الغيبية وكذلك في العمليات: العقل مفيد فيها، والعقل خادم للشريعة وليس حَكَمَاً عليها، فنستفيد من العقل: بيان العلل والأحكام وفهم الشريعة واستخراج الأسرار؛ لأنَّ الله جعل القرآن لقوم يعقلون. هذه الثلاث مدارس كبيرة: - المدرسة الأولى: يمثلها الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في أصول مباحثهم. - والمدرسة الثانية: يمثلها الظاهرية في الفقه وكذلك في الاعتقاد، ويمثلها الأشاعرة والماتريدية في مسائل الأسباب. - والمدرسة الثالثة: منهج أهل السنة والجماعة. ولتفصيل هذه المدارس الثلاث بحوث تطول نرجئها إلى مواضعها إن شاء الله تعالى.

стр. 146

[المسألة الثانية] : أنَّ التسليم لله ولرسوله ﷺ هو تسليم للحق المطلق. والبراهين التي يتعاطاها الناس في العقليات وفي مصدر التلقي هذه البراهين تختلف -كما ذكرت لك تنقسم إلى أقسام ثلاثة-. والتسليم يعني أنَّ البرهان الديني الشرعي يقين وأنَّ البرهان العقلي ناقص وأنَّ البرهان العاطفي فطري. معنى ذلك أنَّ البرهان الديني يقيني في مُقَدِّمَاته، نصل إلى صدق الكتاب وصدق السنة بمقدمات. [.....] (١) . [.....] البرهان العقلي يعتمد على أشياء: - الأول منها يعتمد على الحس. - والثاني يعتمد على التجربة. - والثالث يعتمد على تصديق اللاحق بالسابق. ١ - النوع الأول من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (الحس) : فالله جعل للإنسان أعضاء: سمع، بصر، لسان؛ يعني جعل له حواسّاً كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] ، فهذه الثلاث هي التي يسميها الفلاسفة والمناطقة يسمّونها وسائل تحصيل المعرفة. هذه وسائل ضرورية حِسِّيَّة؛ يعني بعينك حَصَلَ لك البرهان، بسمعك حَصَلَ لك البرهان، بيدك لمست الشيء حَصَلَ لك البرهان. فالمعرفة جاءت من براهين ضرورية مُحَسَّة ليست خارجة عن المحسوس. ولذلك ما يُجادل أحد في هذا بهذه البراهين إلا طائفة لا يُعبأ بها يجادلون في الضروريات. ثُمَّ بعد ذلك بُنِيَتْ المعرفة بالحسيات من طريق المقارنة بين هذه المعلومات التي جاءت بالوسائل الحسية. يعني نأتي نقول: هذا طويل، هذا العمود طويل، الآخر ليس في طوله. عرفنا حجم هذا وطوله بالعين، فصار الحجم وصار الطول مُدرَكاً محسوسا بأمر ضروري، ثم بعد ذلك يُنسب له الشيء آخر، فإذا رأينا ما هو أقل منه قيل هذا أقصر، ما هو أطول منه قيل هذا أطول، فيأتي أحد وينازعك يقول القصير أطول من الطويل، لا يُقبل، لماذا؟ لأنه المقارنة ما بين هذا وهذا حَصلت بمقدمات يقينية؛ لأنَّ المقدمات الحسية يقينية، مُقَدِّمَة العين أنها حَسَّت بهذا أنه أطول من ذاك، ما يمكن يأتي يجادل ويقول لا هذا أطول، يعني القصير أطول من الطويل؛ لأنَّ هذا شيء مُدْرَك بالعين، وهذا ينتج في كل المقدمات الحسّية. وانتبه لمسألة المقدمات الحسّية؛ لأنها أقوى البراهين اللي هي الضروريات، أقوى البراهين. تشرب ماء تقول هذا بارد يأتي آخر ويقول -إذا كان بارد جداً- يأتي آخر ويقول: هذا حار يغلي. لا يمكن، لماذا؟ لأنَّ البرهان عليه الحسّ. فلان مثلا ملتحي، يأتي آخر، يقول: لا هذا حالق لحيته. هذا لا يمكن أن يكون ثَمَّ لأنَّ البرهان حسّي. كذلك السمع يقول هذا صوت إنسان، قال الآخر: لا هذا صوت مثلاً إيش؟ صوت سيّارة مثلا، لا يمكن، هذا يتكلم لماذا؛ لأن البرهان جاء سمعي. وهذه تعتمدها هذه النقطة لأنها تفيد في قضية الاستسلام. هذا البرهان الحسي هو الذي بنى عليه طائفة من الناس الكلام على نظرية المعرفة وتكلّموا فيه. قلنا اعتمدوا على الحس -يعني أهل العقل-: اعتمدوا على الحس، وعلى التجربة، وعلى تقليل أو متابعة اللاحق للسابق. ٢ - النوع الثاني من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (التجربة) : فما يَصْلُحُ للتجربة تَكُونُ التجربة برهاناً صحيحاً له؛ لكن ما لا يَدْخُلُ تحت التجربة، كيف تكون التجربة برهانا صحيحا له؟ ونقول الله جَعَلَ الأشياء على قسمين: - قسم لا تدخله الأهواء لتُغَيِّرْ حقائقه. - وقسم يدخله الهوى ليُغَيِّرَهُ. والله جعل كلماته تامّة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ما لا يدخله الهوى لم تأتِ الشرائع ببيانه، وهو غاص فيه الفلاسفة، وغاص فيه العلماء، وغاص فيه الباحثون. لم تأتِ الشرائع ببيانه؛ لأنه لا يدخله الهوى، واحد زائد واحد يساوي اثنين يساوي ثلاثة يساوي أربعة. لم تأتِ به الشرائع؛ لأنَّ هذا الله خَلَقَ الأشياء واحد زائد واحد يساوي اثنين، خَلَقَ الله الجبل فيه من المكونات كذا وكذا، خَلَقَ الله الجاذبية على هذا النحو وقوانين الجاذبية على هذا النحو، لا يمكن لهذه الأشياء أن تدخلها الأهواء. ولهذا لم تتعرّض لها الشرائع، ولم تتعرض لها الديانات، وتُرِكَ إستنتاجها والبحث فيها للناس؛ لأنَّ هذه سيصلون إليها بالتجربة، سَيُخَطَّأ المخطئ وسيُصَوَّبْ المصيب؛ لأنّ الشيء ماثل أمامهم، ليس لهم هوى في أن يجعلوا معامل الجاذبية كذا يزيدون واحد ولا ينقصون واحد من عشرة ما لهم. الهوى ما يدخل في هذه المسائل. إذاً قلنا إنَّ الشرائع جاءت لما فيه إخراج الإنسان من داعية هواه. فالأشياء التي يَتَحَكَّمُ فيها الهوى جاءت الرّسالات لها.

стр. 147

يَتَحَكَّمُ الهوى في علاقات الناس بعضهم ببعض، يَتَحَكَّمُ الهوى في العبادة، واحد يريد أن يخرج من التّكاليف، يريد أن يعمل ما يشاء، يفعل ما يشاء، يقتل، يسرق، يفعل ما يشاء، الهوى يدخل في حرّية الإنسان، يدخل في هل يتعبّد أم لا يتعبّد؟، في علاقته بأهله، في علاقته بمجتمعه، في علاقته بأسرته، إلى آخره، هذه أشياء يدخلها الهوى؛ لهذا جاءت الشريعة بضبطها. إذاً فنقول: التجربة في العقليات صحيحة لكن فيما لا يَدْخُلُهُ الهوى، أما ما يَدْخُلُهُ الهوى فلا تصح التجارب فيه، لابد أن يُتلقَّى من حَكَمٍ يفرض على الأهواء لا تتنازع فيه ويسلمون له، ولهذا قال ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١] ؛ لأنَّ الأهواء غير منضبطة، والحق واحد لا يخضع لهوى. تجارب المجربين تصلح إذاً فيما يمكن عمل التجارب عليه لكن الأمور الكونيةمثل الغيب هل ثَم سلطان للتجربة عليها؟ لا، الأمور الكونية لا مجال للتجربة عليها ولهذا قال من قال من العلماء المعاصرين في الأمور الدنيوية -الغربيين وغيرهم من الحذاق-: إنَّ المرء كلما أوْغل في العلم بالكونيات كلما ازداد معرفة بأنَّ فيها أسرارا لا تُدْرَكْ. ولهذا الأمور الكونية صعب أن تخوض فيها بإدراكٍ تام، تجارب لكن ستبقى تجارب، وإذا كانت ليست مُسَلّمات، فإذاً لا يمكن أن نُخضع لها الحق المطلق. ٣ - النوع الثالث من البرهان العقلي الذي اعتمدته المدرسة العقلية: (أنَّ المتأخر يسلّم للسابق) : أنظر مثلاً للمعتزلة، المعتزلة في أصلهم سَلَّمُوا للفلاسفة بصحّة أنواع البرهان العقلي، فإذاً ثَمَّ تقليد. المتأخرون سلّموا لمن قبلهم، الأشاعرة سلّموا للأولين في البرهان، إذاً ثَمَّ تقليد. فقولهم برهان عقلي، وهذا عقل؛ لأنَّ الشرائع مبنية على التقليد، هذا غير صحيح منطقياً؛ لأنه أيضاً أهل البرهان العقلي يسَلِّمُونَ لأوائلهم بصحة في البرهان. فيبتدئ من برهان الأشعري، الأشعري مثلاً بدأ ووصل إلى شيء، فيبتدئ أصحابه من النقطة التي وصل إليها، وينطلقون منها. فإذاً قولهم العقليات تُخْلِي من التقليد ومن التسليم ومن الاستسلام وتطلق الحرية، فهذا غير صحيح. لأنَّهُ ما من أحد إلا ويُسَلِّمُ لمقدمات من سبقه، فإذا كان التسليم لبشر ليس معصوماً من الخطأ، فالتسليم لمن هو معصوم من الخطأ من جهة البرهان أَوْلَى. فإذا كانت المسألة مسألة تسليم واستسلام، فالتسليم لمن لا يُخْطِئْ أَوْلَى. لهذا تجد أنَّ من المتأخرين -حتى في العصر الحاضر من أهل العقليات- تجد أنهم يحيلونك على شيء؛ لكن هذا الشيء بنوه على التقليد، يقولون طبعا هو كذا، طبعا في عُرْفِ من؟ لماذا هذا صار طبعاً؟ لأنه شيء غير مشكوك فيه لماذا صار غير مشكوك فيه؟ إذا كان المرجع إلى حس فلا مجادلة إلى الحسيات. إذا كان المرجع على أمور تجريبية أو إلى نظريات فإنَّ الذي يُحيل الأمور في الاستسلام على الدّين أَوْلى فيمن يحيل الأمور في الاستسلام على أصحاب العقليات. ذلك لأنَّ أصحاب العقليات يُقَلِّدُ بعضهم بعضاً، أما أصحاب الديانات فصحيح نقول المتأخر يسلم للأول براهينه ولكنه يصل إلى برهان يقيني هو الكتاب والسنة. وأما تقليد العقليات فإذا كانت راجعة إلى أشياء صحيحة فهذا تسليم لاشك فيه ما نجادل فيه؛ لكنهم في كثير من مباحثهم يتابع المتأخر الأول. أنظر مثلاً إلى قضية ترتيب الأفلاك، الناس قرون بل آلاف منذ بدأ اليونان الكلام على ترتيب الأرض والشمس والكواكب السبعة في الكون وهم على نحو ما، إلى وقت قريب تَغَيَّر. هذه الأمم آلاف السنين التي مَرَّت من الفلاسفة والفلكيين الإسلاميين والفلكيين اليونان والمدرسة الرومانية إلى آخره، هذه الأمم والمدرسة الهندية في الأمور العلمية والفلك، التتابع في الطب كذلك، كلّ هذه ألم يسلم المتأخر للأول؟ سَلَّمَ له، وظَهَرَ الآن أَنَّ تلك الأشياء جميعاً غير صحيحة، لماذا كانت غير صحيحة؟ لأنهم -كما ذكرنا لك- وضعوا تجارُباً؛ لكن التجارُب صارت على أمور خارجة عن حيز التجربة الذي يُنتج نتائج صحيحة. فهذه مسألة عظيمة ما نحب نطيل فيها، هذه المسألة راجعة إلى البرهان الحقّ في أنَّ أقوى البراهين هو البرهان الديني. لذلك نقول لك: هذه الثلاثة من الأشياء العقلية: - البرهان الحسي نقول صحيح، ما فيه إشكال فيه، وكل المعرفة قامت على هذه البراهين الحسية. - برهان التجربة منقسم إلى ما يكون ثَمَّ تجربة ناجحة فيه، وما لا تنجح فيه التجربة. - برهان متابعة اللاحق للسابق، هذا أيضاً لابد يخضع للدراسة لأنه قد يكون الأول مخطئاً في برهانه العقلي، كما هي كثير من الأمور العلمية والنظرية، فضلا عن أمور الغيبيات والإلهيات.

стр. 148

إذاً نستخلص من هذه المسألة الثانية إلى أنَّ أنواع البراهين الثلاثة، من قال البرهان العقلي، هذا تجده عند جميع العقلانيين حتى في العصر الحاضر، وكثير من الناس تعجبه البراهين العقلية، ولكن عندما تخوض في صحة البرهان تجد أشياء. فإذاً نقول: المنطق أو العقل منقسم على ثلاثة أقسام: - شيء حسي. - تجربة. - فيه أشياء فيها تقليد. كيف عرفت أنّ هذا المنطق؟ قال: فلان، فيحيله على من قبله، فإذاً تكون المناقشة مع من قبله. إذاً تبقى المسألة خاضعة للبحث والرد. أما المصدر المُتَيَقّن بمقدماته هو مصدر الكتاب والسنة كما ذكرتُ لك: - وبرهان كون الكتاب من عند الله تَقَدَّمْ. - برهان وجود الله معروف. - برهان النبي؛ برهان النبوة متقدم.

стр. 149

[المسألة الثالثة] : في قوله (وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ) كلمة (الاشتباه) و (المشتبه) معناها ما لا يُدْرَكُ معه العلم ويُقابَلْ ما بين المُحْكَمْ والمتشابه. والله جعل القرآنَ مُحْكَمَاً ومتشابهاً؛ يعني صَيَّرَ القرآن مُحْكَمَاً ومتشابهاً. والقرآن يصحّ أن يقال: - إِنَّهُ مُحْكَمٌ كله. - وإِنَّهُ متشابهٌ كله. - وإِنَّهُ محكم ومتشابه. فالقرآن منه محكم ومنه متشابه، والقرآن محكم كله، والقرآن متشابه كله، بكل قسم باعتبار. @ أما كونه مُحْكَمٌ كله: فالله بيَّن أَنَّهُ أحكم القرآن كما قال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:١] ، فالقرآن مُحْكَمٌ كله ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢] ؛ يعني المحكم في أحد أوجه التفسير. @ وأما كونه متشابهٌ كله: فكما قال سبحانه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] ، فالقرآن كله متشابه؛ لكن هذا بمعنى أنَّ بعضه يشبه بعضاً. لأنَّ المسائل محدودة وبعضه يشبه بعضاً: هذا قصص في سورة وقصص في سورة وقصص في سورة، هذا الكلام على الإيمان والإيمان والإيمان، والكلام على الجنة والنار في سور مختلفة، في صفات الله، وأسماء الله فهو متشابه. @ وأما كونه منه محكم ومنه متشابه: وهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي في هذا الموضع قال (وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ) . (منه محكم) يعني ما معناه واضِحٌ للجميع. (ومنه متشابه) ما يشتبه معناه على البعض. وإذا تبين ذلك فليس ثَمَّ في القرآن إذاً متشابه على كل أحد، ليس ثَمَّ في القرآن متشابه مطلق. نقول هذه المسألة متشابهة بمعني أنَّه لا أحد يعلمها، أي في القرآن آية لا أحد يعلم معناها هذا مستحيل لأنَّ الله جعل القرآن محكماً كله، وجعل منه محكم ومنه متشابه، والراسخون في العلم يعلمون المتشابه الذي هو المعنى. أما المتشابه النسبي فنعم، هذا المتشابه النسبي ما معناه؟ معناه أنَّهُ ما من شيء إلا ويشتبه عليّ أو عليك أو على فلان، فليس ثَمَّ أحد بعد النبي ﷺ عَلِمَ كل شيء، عَلِمَ كل القرآن، عَلِمَ كل السنة، لابد أن يشتبه عليه شيء، بمعنى أن يستسلم لبعض الشريعة فإنه لا يعلم المعنى. وقد جاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال عند قوله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] قال: (أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١) . مثلاً: عند قوله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] كم عِدَّةْ أصحاب الكهف؟ متشابهة؛ يعني أنا لا أعلم، أنت لا تعلم، ابن عباس ﵁ حينما جاء إلى هذه الآية قال (أنا من القليل الذي يعلمه) (٢) ، لأنَّهُ متشابه نسبي. فإذاً الذي يقول إنَّ في القرآن متشابه مطلق على كل أحد، هذا غير موجود لا في العقائد ولا في العمليات. لكن هناك متشابه على الجميع وهو الكيفيات؛ كيفيات الأشياء، كيفيات الغيبيات. ولهذا قال كثير من السلف إنَّ الوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ؛ يعني تأويل الآيات، تأويل المتشابه المحكم ما يعلمه إلا الله في أمور الكيفيات، في أمور تمام المعنى، في الجنة جاءت صفتها نعلم معنى الأنهار ومعنى الشجر؛ لكن كيفية ذلك هذا مشتبه علينا. لذلك نقول: الاشتباه نسبي، أما الاشتباه المطلق لا يوجد. فإذا كان كذلك: لزم أن نَرُدَّ علم ما اشتبه علينا إلى عالمه، نقول الله اعلم. لهذا قال من قال من أهل العلم (إذا ترك العالم الله أعلم أُصِيْبَتْ مقاتله) ، وفي رواية قال: (إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله) (٣) ، لأنَّهُ لابد أن يشتبه عليه شيء. إذا تقرر لك ذلك: فإنّ الاشتباه الحاصل يكون في العقيدة وفي الشريعة. فكلّ ما لا تعلم عِلّتَه أو حكمته أو السِّر فيه فهو متشابه، فَسَلِّم للشريعة، سلِّم للكتاب والسنة الحق وأيقن بذلك ورُدَّ ما اشتبه إلى عالمه. مثلاً في العقائد يأتينا أنواع الاشتباه.

стр. 150

في العقائد في مسائل الغيبيات، واحد يشكل عليه في مسائل الغيبيات أشياء: أمر الجنة، أمر النار، أمر الناس كيف يعذّبون في النار بعد الموت، تأتيك أسئلة، تأتيك أسئلة كثيرة، هذه الأسئلة، الرؤية مثل التي ذكر، كيف يرى الفرد المؤمن بقواه المحدودة يرى الرب الذي السموات مطويات بيمينه وهو سبحانه وسع كل شيء رحمة وعلما، كيف يكون؟ ما يتحمل العقل ذلك، العرش كيف أنّ السموات السبع كدراهم سبعة ألقيت في ترس، كيف أنَّ الكرسي وسع السموات والأرض؟ كيف الماء وكان عرشه على الماء؟ تأتي مثل هذه الأسئلة لا تدركها. فإذا جاء عدم الإدراك في مسائل الإيمان بالغيبيات فيجب أن تُسَلِّم إلى عالمه. في القدر لم كان كذا؟ لم قضى الله كذا؟ لم أغنى الأغنياء؟ لم أفقر الفقير؟ لماذا أمرض؟ لماذا أصاب بكذا؟ إذا بدأت الأسئلة فيأتي بِدْأْ الاعتراض ويُحرم المرء كما سيأتي في الجملة التالية. فإذاً تحتاج إلى الاستسلام في العقائد أعظم الاستسلام؛ لأنها مبنية على الغيبيات. والأمور الغيبية برهانها إذا استسلمت للبرهان فصدقه، الأمور الغيبية مبنية على برهان، هل هو البرهان للغيبي نفسه؟ لا، هو برهان لبرهان الغيبيات. برهان الغيبيات هو القرآن والسنة. عندنا برهان لصحة القرآن والسنة، هذا برهان واضح صحيح؛ لكن البرهان على الغيبيات بأفرادها ما عندنا. لكن عندنا برهان على البرهان الأصلي وهو الكتاب والسنة. بالنسبة لأمور العبادات والفقه تأتي مسائل العلل؛ التعليلات. الشريعة مُعَلَّلَة ولاشك، والله جعل الأحكام الشرعية منوطة بعللها. لكن من العلل ما ظهر ومنه ما لم يظهر، لهذا تجد أنَّ بعض العلماء يُعَبِّرْ عن مسائل العلل في العبادات بأنَّ علته قاصرة، فتجده تارةً يقول (فإنَّ العلة تعبدية) ، كما أنَّ هناك علل معروفة. فإذاً إذا جاءتك المجاهيل في أمور العبادات فإنك تُسَلِّم دون خوف؛ لأنه ثَمَّ أشياء تغيب عن العبد.

стр. 151

[المسألة الرابعة] : قوله (وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِسْلَامِ) التسليم والاستسلام هما دين الإسلام. فإنَّ الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. فإذاً دين الإسلام هو دين الاستسلام. ولهذا كل الأنبياء دينها الإسلام يعني دينها الذي دعت إليه الاستسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، نوح ﵇ بُعِثَ بالإسلام، وعيسى بُعِثَ بالإسلام، وموسى ﵇ بُعِثَ بالإسلام، الذي هو الدين العام؛ لكن الشرائع مختلفة (١) . ودين محمد ﷺ الذي بُعِثَ به هو الإسلام العام الذي اشترك فيه مع جميع الأنبياء والمرسلين والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام. كل هذه لا تَثْبُتُ إلا على قدم التسليم والاستسلام. يعني أنَّ من لم يستسلم فهو شاك والشاك ليس بمسلم. لأنَّ أصل الديانة مبنية على التسليم، فإذا شك في أمر يجب الإيمان به، فإنَّ الإيمان يجب أن يكون عن يقين. لا تنفع (لا إله إلا الله) إلا بيقين، لا تنفع (محمد رسول الله) إلا بيقين، لا ينفع الإيمان بالجنة والنار إلا بيقين كما جاء في حديث عبادة «وأن الجنة حق وأن النار حق (٢) » ، فلا بد من اليقين بذلك بدون تردد. فإذا جاء الشك والارتياب وعدم التسليم والاستسلام، هذا معناه أنَّ الإسلام غير قائم. وقد يكون الشك في بعض الناس لطلب الحقيقة، فهو يبحث عن جواب، السؤال هذا لا يقدح في دينه؛ لأنه قد يعرض للمرء؛ لكن يجب أن لا يُظْهِرَهُ بل يكتم ذلك ويسأل عنه من يثق بعلمه حتى يزيل الشبهة، فمعنى ذلك أنَّ عدم الاستسلام والتسليم ينقسم إلى قسمين: ١ - القسم الأول: الشك المستمر الذي يستكين له صاحبه، وهذا خلاف اليقين الواجب، وهذا ليس بمسلم، عنده الشك في الغيبيات وعنده الشك في الجنة، شك في النار، شك في صدق الرسالة، شك في القرآن، هذا ليس بمسلم. ٢ - القسم الثاني: عنده شك في بعض الأفراد؛ مسألة في السنة، مسألة في القرآن، فليس الشك في الأصل وإنما عنده شك في الأفراد، فهذا يجب عليه أن لا يستسلم لهذا الشك، وأن يبحث عمّن يزيل عنه الشبهة. نكتفي بهذا.

стр. 152

الأسئلة س١/ هل يكون اتباع ما لا علة عقلية له أعظم أجراً من اتّباع ما دل النقل والعقل عليه؟ ج/ لا، من كان بالتسليم وبالبرهان فهو أعظم، والتسليم والبرهان، البرهان بأنواعه. س٢/ كيف يكون البرهان بالتجربة في أمور العقيدة؟ ج/ الدرس ما أدري فُهِمْ أو ما فهم. المقصود العقيدة هذه برهانها ديني والذي قد قلنا حس وتجربة ومتابعة هذا هو (البرهان العقلي) واضح؟ هذا تأصيل مهم في منهج التلقي ومعرفة الدليل والاستسلام له لأنه ما يسوغ لطالب علم العقيدة بالخصوص أن يكون غير مُبَرْهَنْ، العقيدة ليست قضايا نظرية! لا، برهانية لكن نوع من البرهان، برهانية واضحة مثل هذه اللّمبة التي أمامنا مثل الشمس في رابعة النهار، ما عندنا شك في ذلك؛ لكنها بأنواع البرهان الذي ذكرت. نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 153

الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بالهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: الأسئلة س١/ هذا سائل يقول: ذكر ابن التّين في شرحه للبخاري في مسألة إثبات اليدين لله : أنَّ يدي الله لا توصف بأنها جارحتان وذكر خِلافاً، فهل إثبات اليدين يقتضي كون أنهما جارحتان، أرجو توضيح ذلك؟ ج/ الجواب أنَّ معتقد أهل السنة والجماعة مبني على متابعة الكتاب والسنة، وعلى أن لا يُتجاوز القرآن والحديث، نُمِرَّ ما جاء على ظاهره لا نتجاوز القرآن والحديث، فإثبات صفة اليدين لله ، هذا لأنها جاءت في القرآن وفي السنة، كما قال ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] ، وكما قال في سورة ص ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وكما قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] ونحو ذلك من الآيات، وفي السنة أيضا أحاديث كثيرة في هذا الباب. فإذا تَقَرَّرَ ذلك، فإثبات صفة اليدين لله لا يُتجاوَزْ فيه ما جاء في الكتاب والسنة، فلا نقول اليدان جارحتان، ولا نقول اليدان كأيدينا، ونحو ذلك مما فيه مجاوزة، اليد معروفة كلّ يعقل معنى اليد؛ لكن لا تُشَبَّهْ يد الرحمن بيد عباده؛ بل على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فإثبات الصفات إثبات وجود وإمرار على ظاهرها لما اشتملت عليه الصفة من المعنى، لا إثبات كيفية، فلا نَدْخُلُ في الصفات متوهمين بأوهامنا ولا مجتهدين بآرائنا؛ لأنَّ الباب باب غيبي لا يخاض فيه بالآراء والأوهام، وهكذا كل صفات الرب مثل صفة الوجه صفة العينين وصفة السمع والبصر وصفة الإتيان والمجيء والاستواء والرحمة والرضا والغضب، وسائر صفات الرب كلها تُثْبَتْ؛ لأنها جاءت في النصوص جاءت بالحق المطلق بالكتاب والسنة، وما لم يأت بالكتاب والسنة فلا نثبته ولا نطلقه على صفات الله إذْ ذلك زيادة على ما عُلِّمْنَا، والله قال ناهيا ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] فمن زاد على ما جاء في النصوص في الصفات فقد قفا ما ليس له به علم. (١) : [[الشريط الثاني عشر]] : س٣/ قال في سؤاله: إذا ثَبَتَتَ لله تعالى صفة بلفظ معين، فهل يجوز أن يُطْلَقَ على الله مُرَادف هذه الصفة، مثل قول بعض العامة الله يشوف، يريدون أنه يرى؟ ج/ هذا إذا كان من باب الخبر فلا بأس؛ لكن من باب إثبات الصفة فلا يجوز لأنَّ الصفات توقيفية. س٤/ ما هو التسلسل الواجب والممتنع والممكن؟ ج/ هذا ذكرناه فيما مضى في أول شرح العقيدة الطحاوية ويمكن أن ترجع إلى شرح الطحاوية ففيها تفصيل ذلك. س٥/ ذكرتم مسألة مهمة في تقعيد العلوم، ولكن هل لكم أن تنبهوا الطلاب إلى أنّ معرفة هذه لا تعني تطاولهم على القواعد وعدم الاعتداد بها لأدنى سبب؟ ج/ نعم هذه التي ذكرناها ليس تعليما لها؛ ولكنه تنبيه لمَّا سأل السائل عن مسألة لفظ الجلالة هل الأسماء هي قديمة إلى آخره. س٦/ هل التّرضي على أهل الشجرة دعاء لهم بأن يرضى الله عنهم أو تقرير رضا الله ؟ ج/ هذا سؤال جيد وهو مبني على أنَّ قول القائل: ﵁، ﵀. هذا دعاء في أصله، فإذا كان قد أُمْتُنَّ عليهم بذلك من الرب فالترضي معناه التحقيق تحقيق ذلك والدخول في تأكيده؛ لأنَّ الله سبحانه منَّ عليهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] . س٨/ الحروف المقطعة هل هي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يوجد من يعلمه من العلماء؟ ج/ الحروف المقطعة اختلف أهل العلم فيها إلى اثني عشرة قولاً، وهذه الأقوال جماعها قولان: الأول أنه يُعْلَمُ معناها. والثاني أنه لا يُعْلَمُ معناها. ومن قال يُعْلَمُ معناها اختلفوا فيها إلى أقوال، والصحيح أنَّ معناها معلوم معروف، وأنه لا يقال لا يُعْلَمُ معناها؛ لأنها ذُكِرَتْ -كما بينتُ لكم مرارا- للتحدّي، فهذه الأحرف المقطعة ليست أوائل كلمات، وليس مجموعها يدل على أسماء الله ، وليست أسماء للسور كما هي أقوال مختلفة في المسألة، وإنما هذه الأحرف المقطعة هي الأحرف التي يُنشئ بها العرب كلامهم، والتي بها يُفاخرون في إنشاء الأشعار وإنشاء الخطب، فإذا كان كذلك فهذا القرآن من هذه الأحرف، تكَلَّمَ الله بالقرآن بلسان عربي مبين، فإذا كان كذلك، فتكلموا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور مثله، أو بمثل سورة، والجميع عجزوا عنه، ولهذا هذه الأحرف المقطعة الصحيح أنه لا يقال لا يعلمها إلا الله؛ بل هذه الأحرف المقطّعة جُعِلَتْ في صدر السّور للتحدّي؛ تحدّي الكفار أن ينشئوا مثل هذا القرآن الذي هو من هذه الأحرف.

стр. 154

فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الْإِيمَانِ، فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، زَائِغًا شَاكًّا، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا.

стр. 155

قال هنا (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ، إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ)

стр. 156

[المسألة الأولى] : التأويل لغةً: هو ما تؤول إليه الأشياء، آلَ الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إِيَالُ الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة. تأويل الرؤية: ما تَؤُولُ إليه الرؤية، تأويل الطاعة ما تَؤُولُ إليه الطاعة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥] يعني وأحْسَنُ عاقبة، أَحْسَنُ مآلاً. فإذاً كلمة تأويل هذه اسم مصدر: آلَ الشيءُ، يَؤُولُ، إِيَالَاً، وتَأْويْلَاً، فَإِيَالُهُ؛ نهايته تسمى تأويله. والكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرته لك.

стр. 157

[المسألة الثانية] : التأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- القسم الأول: التأويل بمعنى التفسير. تأويل كذا يعني تفسيرَه، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي﴾ [يوسف:١٠٠] يعني هذا تفسير ﴿رُؤْيَاي﴾ . و [ذهب] قول العلماء في تفسير القرآن (قول أهل التأويل) ؛ مثل ما يستعمل الإمام ابن جرير في تفسيره ويكثر منه، فيقول (قال أهل التأويل) يعني أهل تفسير القرآن. ٢- القسم الثاني: تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي. تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر. يعني أنه إذا ذُكِرَ شيء لك فأُخْبِرْتَ به فتَأْوِيْلُهُ حينما تراه كما قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني تأويل ما ذَكَرَ الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ﴾ [الأعراف:٥٣] إلى آخر الآية. قوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس. فتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه. فتأويل الجنة هو حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار. فهذه الأخبار التي أَخْبَرَ الله بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية، ولهذا قال ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] على من وقف عند لفظ الجلالة. لأنَّ أَحَدَاً لا يعلم التأويل إلا الله؛ يعني تأويل المتشابه. يُعنى بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء، يعني ما هي عليه وهذه لا يعلمها إلا الله. لا يعلم حقيقة الصفات إلا الله، لا يعلم حقيقة الجنة والنار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله . فهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله؛ لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أُخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الرب . لهذا صَحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّهُ قال (ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء) (١) . يعني أنك تعرف أصل المعنى، أما الحقائق فالمسألة ليست بمقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة. حقائق الأخبار إذاً، حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله. فيكون الوقف عند الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ . والراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى. أمَّا الأمرُ والنهي: فالله أَمَرَ بأوامر ونَهَى عن نواهي: فتأويل الأمر امتثاله، وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأنَّ الله قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] ؛ يعني وأحسن امتثالاً لأمر الله وأحسن عاقبة. فإذاً كل من أُمِرَ بِأَمْرٍ فتأويلُ الأمْرِ؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر هو أنْ يمتثله. فمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر ولم يطع في ذلك. تأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي وهو امتثاله - امتثال النهي يعني أن يجتنب النهي؛ أي ما نُهِيَ عنه. ثم يزيد على الأمرين: - في الامتثال بالأوامر عاقبة أو جزاء الامتثال. - وفي الإنتهاء جزاء الانتهاء عما نهي عنه بالنواهي. فإذاً التأويل بالأمر والنهي يشمل شيئين: - الأول: أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي. - والثاني: ما سيراه في الآخرة من جزاء الأمر، وما امتثله، ومجازاة العبد على انتهائه عن ما نهي عنه. ٣ - القسم الثالث التأويل بمعنىً حادث لم يأتِ في القرآن وفي السنة. وهو أنْ يُصرَفْ دليل عن ظاهره لِحُجَّة. وهو صحيح إذا كان بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم. ويُعَبِّرْ عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة. وهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث أنَّه ينقسم إلى ثلاثة أقسام. لكن هذا المعنى من التأويل صحيح، يعني أنَّ النصوص ربما صُرِفَ اللفظ إلى غيره، صُرِفَتْ دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.

стр. 158

[المسألة الثالثة] : هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلَّط (١) [.....] [.....] وأوَّلوها بالتأويلات. فنصوص الرؤية حَرَّفُوهَا وسَمَّوا تحريفهم تأويلاً. ونصوص إثبات الصفات من الوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حَرَّفُوهَا وسمَّوا تحريفهم لها تأويلاً. وهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) ؛ لأنَّ تأويلهم له كان باطلاً، وحقيقة التأويل أن يُتْرَكْ التأويل. يعني التأويل المطلوب شرعاً أن يُترك التأويل، وهذا يحتاج على تطبيق. فالتعريف، عَرَّف الأصوليون التأويل بأنه صرف اللفظ -يعني الذي جاء بالدليل- عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة. هنا القرينة لابد أن تَدُلَّ على أنَّ الظاهر غير مراد حتى يُمكن أن يُصرَفْ اللفظ عن ظاهره لأنّ الظاهر هو الأصل. فإذا أردنا أن نُؤَوَّلْ الظاهر لابد من قرينة. هذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد. فأتوا بهذه القرينة وسَلَّطُوهَا على نصوص الصفات. فقالوا في الرؤية مثلاً: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب -، يعني أنَّهُ يكونُ مُتَحِيِّزَاً حتى يمكن أن يراه الناس، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أنَّ الناس يروه، لابد أن يكون في مقابلة العينين حتى تراه العينين، وهكذا. فلَّمَا كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أنَّ الله لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا: إذاً الرؤية تُؤَوَّل لأنَّ معناها الظاهر غير مراد قطعاً؛ لأنَّ فيه تمثيلاً وتشبيهاً لله بخلقه. وهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تُطَبِّقْ هذه القاعدة على كل ما أُوِّلَ من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواءً كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية. ونناقش هؤلاء -وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها-: هؤلاء جاءوا بشيءٍ سَمَّوهُ قرينة فحَكَّمُوهُ على النص، فسَمَّوا هذا الذي فَعَلُوهُ تأويلاً. ونحن بقاعدة الأصوليين -بتعريف الأصوليين- نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئاً سَمَّيتُمُوهُ تأويلاً؟ القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة. فنقول هنا (صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة) : لصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صُرِفَ عنه معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنَّهُ لا يصلح، حتى يمكن أن نصرفه. وهذا في التقعيد واضح. صفات الرب في ظاهرها المتبادِرْ منها أصل المعنى، وليس ظاهراً في الكيفية وليس ظاهراً في كل المعنى. إذاً فعندنا في النص ثلاثة أشياء: - عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة. - وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة. - وعندنا ثالثا الكيفية. فإذاً ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجود، صفة الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة؟ ليس واضحاً في النص، إِذْ النصوص فيها أصل إثبات الصفة. فإذاً صرف اللفظ عن ظاهره المتبادِرِ منه إلى غيره لقرينة، هم لم يصرفوا الظاهرَ، وإنما صَرَفُوا شيئاً تَوَهَّمُوهُ زيادةً على الظاهر. فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له. فهم تَوَهَّمُوا للظاهر شيئاً زائداً على دلالة النص، توهموا تمام معنىً وتوهموا كيفيةً. فإذاً لم يقتصروا على الأمر الأول؛ وهو أنَّ النص جاء في الصفات وفي الأمور الغيبية لأصل المعنى وإنما توَّهَمُوا كيفية، فقالوا: كيف أن الإنسان يرى الله بعينيه؟ معناه أنَّ الله يكون متحيز، وسوف يكون في جهة، وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة. ونقول هذه زائدة على النص. فإذن التأويل الذي سُلِّطَ على النص في الحقيقة سُلَّطَ على ما في الأوهام ولم يُسلَّط على النص، فإنكم تَخَيَّلْتُم أنَّ النص يشمل الثلاث هذه جميعاً: في أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية، ثُمَّ سَلَّطْتُم التأويل عليها. فسلطتم إذاً التأويل ليس على اللفظ وإنما على ما تَوَهَّمْتُمُوهُ من اللفظ. فإذاً قاعدة التأويل في الحقيقة لم تُطَبَّقُوهَا وإنما طبَّقتم ما في أذهانكم. لهذا نقول: إنَّ إثباتَ الصفة هو إِثْبَاتُ وجودٍ لمعنى وليس إثبات تمام المعنى أو الكيفية. فالقرينة التي بها تَسَلَّطُوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة. فيقولون: هذا يقتضي التمثيل، يقتضي التشبيه، يقتضي التجسيم، فلذلك يُؤَوَّلْ.

стр. 159

فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصاً، القرينة عقلية في أنَّ هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين، يشابه صفات المخلوقين، فلذلك يجب أن نَنْفِي هذا الظاهر. وهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص. ظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس فيه كمال المعنى. وإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أنَّ فيه أصل اتصاف الله بالصفة. فنؤمن بأنَّ الله ذو وجه ، وأنه سبحانه مُتَّصِفٌ بصفة السمع. لكن كيف يسمع؟ يسمع دبيب النملة على ظهر الصخرة الملساء. كيف حصل هذا السمع؟ تمام معنى السمع لا نستطيع أن ندخل فيه، وإنما نقول الله موصوفٌ بصفة السمع وله من هذه الصفة كمالها؛ كمال هذه الصفة، الكمال المطلق. لكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته؟ لا نستطيع. كذلك صفة الوجه، صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات. فإذاً هو إِثْبَاتُ وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة لا إثبات كيفية. فإذاً الذين سَلَّطُوا القرينة سَلَّطُوهَا بشيءٍ مُتَوَهَّمْ، فلهذا لا يَصِحُّ أن يُقَال إنهم طَبَّقُوا قاعدة التأويل، بل هم حرَّفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دِلَالَة بأوهامهم خلاف دلالة النص، ثم بعد ذلك سلطوا عليها تأويلهم. لهذا قال طائفة من أهل العلم (كل مُؤَوِّلْ مُمَثِّلْ، كل مُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ) . لأنه لا يمكن أن يُؤَوِّلْ إلا وقد قام في قلبه من دِلَالَةِ النص التشبيه أو التمثيل، هذا واحد. الأمر الثاني نقول لهم: إذا لم تُسَلِّمُوا بذلك وقلتم: إنَّ تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا. فنقول يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟ فإذاً في صفة السمع: للمخلوق سمع، فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامهم. فالنص الذي به أَثْبَتُّمْ صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي أُثْبِتَتْ به سائر الصفات. فلِمَ لم تتعرضوا لهذا بتأويل وتَعَرَّضْتُم للآخر بتأويل؟ إنْ كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأوّلتم، فهذه أنتم أخذتم أصل المعنى فيلزمكم التأويل. إذاً فالحاصل من هذا أنَّ كل مؤول لا يصح أن يقال إنه مُؤَوِّل؛ بل هو مُحَرِّفْ لأَنَّ التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة. فالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك. تتميم للمسألة، إذاً قول الطحاوي هنا دقيق للغاية يُتنبه لقوله، قَالَ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ) . إذا أردت أن تُطَبِّقْ قاعدة التأويل فتخرج منها وسَتَسْتَنْتِجْ منها أنَّ التأويل تَرْكُ التأويل. كيف؟ إذا قلنا إنَّ القرينة غير ممكنة؛ لأنَّ هذا المعنى غيبي، فإذاً سينتج منه أنَّ القاعدة غير منضبطة. فإذاً التأويل سَيُؤَدِّيْكَ إلى ترك التأويل؛ لأنَّ القاعدة غير جائية وسارية في مسائل الغيبيات. وهذه كلمة دقيقة منه ﵀ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) لأنك لو طَبَّقْتَ قاعدة التأويل نَتَجَ منها تَرْكُ التأويل. التأويل: يعني أن تترك التأويل.

стр. 160

[المسألة الرابعة] : مِثْلُ التأويل في تسليطه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز. والتأويل والمجاز يُستخدَمَانِ في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يُسَلِّمُوا للنصوص دِلَالَتِهَا. (المجاز) لم يأتِ هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين. يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يُستعمل هذا اللفظ، فلفْظُهُ حادث. والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح: - إن كان هذا المصطلح أُسْتُخْدِمَ في شيءٍ سليم، في شيء مقبول شرعاً، فلا بأس به إذ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، مِثْلْ ما قالوا التأويل هو كذا وكذا فَعَرَّفُوهُ، ومثل ما تَعَارَفُوا على أشياء كثيرة في العلوم. ولهذا اسْتَعْمَلَ لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فَكَتَبَ أبو عبيدة مَعمَر بن مثنى كتاباً سَمَّاهُ مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضاً ذِكْرَاً للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نَظَرْ في المجاز لا نَعْرِضُ له الآن. إذاً هذا تاريخ اللفظ أنَّ اللفظة حادثة ما كانت مستعملة. ماذا يُقْصَدْ بلفظة (مجاز) من حيث اللغة؟ المجاز يعني: ما يجوز، هذا في اللغة. ولهذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨] ، قال: مَجَازُهُ علا على العرش، وهذا يعني أَنَّهُ معناه في اللغة؛ يعني ما تُجِيْزُهُ اللغة. يعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى. إذا نظرت لذلك وجدت أَنَّ استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المُحَرِّفين. لهذا نقول: المجاز عند أهل التّحريف عَرَّفُوهُ بما يلي: قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وَضْعٍ ثانٍ لعلاقة بينهما. وعَرَّفَهُ آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له. مثاله عندهم، يقول مثلا: أَلْقَى فلان عَلَيَّ جناحه. فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره. قالوا: أصل الجناح للطائر، جناح الطائر. فلما اسْتُعْمِلَ في الإنسان صار استعمال اللفظ لغير ما وُضِعَ له، لهذا سَمَّوهُ مَجَازَاً. إذا تبين لك ذلك فنقول: أولاً قولهم في تعريف المجاز: إنَّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مَبْنِيٌّ على أنَّ الألفاظ موضوعة لمعاني. ومن الذي وَضَعَ المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟ يقولون العرب وَضَعَتْ. التعريف الأول -وهو المشهور عند الأصوليين- المجاز نقْلُ اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني. يعني أنَّ العرب وضعت للألفاظ شيئاً ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني. هذا التصور مبني على خيالٍ في أصله. وهو أنه يُطَالَب من عَبَّر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وَضَع الوضع الأول؟ هذا أَوَّلَاً في التعريف لهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلاً، يعني في الغيبيات أما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل. لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فَنَاقِشْهُ في التعريف. الآن ما هو تعريف المجاز؟ استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له، أو نَقْلُ اللفظ من الوضع الأول إلى الوضع الثاني. هذا الوضع الأول والوضع الثاني كيف عرفنا أَنَّ هذا هو الوضع الأول؟ الجواب: لا سبيل إلى الجواب. ليس ثَمَّ أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وُضِعَ لكذا، إِذْ معنى ذلك أَنَّ العرب اتفقت، عَقَدَتْ مُؤْتَمَرَاً، اجتمعت جميعاً وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول. هذا السقف السماء وضعها الأول هو ما علا. الأرض هي هذه هذا الوضع الأول. السَّيْرُ، جَرَى، مَشَى، معناه كذا. جَنَاحْ هُوَ لهذا الطائر، حَمَامْ هو لهذا الطائر، وهكذا. فَيُتَصَوَّرْ من التعريف أنَّ العرب اجتمعت وجَعَلَتْ لكل لفظٍ معنىً في لغتها. وهذا خيال؛ لأنّ من عَرَفَ ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصوّر أنَّ اللغة العربية نشأت على هذا النّحو. لهذا نقول: أولاً التعريف غير صحيح، لأنَّ الوضع الأول يَحْتَاجُ إلى برهان لإِثْبَاتِ أَنَّهُ وَضْعٌ أول. أَثْبِتْ لي أَنَّ هذا هو الوضع الأول ولا بأس. ولا سبيل إلى الإثبات. لهذا نقول: إنَّ المعاني في اللغة العربية كثيرٌ منها كُلِّيَّةْ. وكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحْذَقْ وأَفْهَم للغة. وهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة، كتاب سماه (معجم مقاييس اللغة) جَعَلَ الكلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعاً أول ثم وضعاً ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك. إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يُسْتَعْمَلَانِ كثيراً. الظاهر: يقابله التأويل. والحقيقة: يقابلها المجاز. فيُقَال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويُقَالْ هذا ظاهر وهذا تأويل.

стр. 161

ولا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مراراً. المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أنَّ هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح. يقولون مثلاً: الرحمة مجاز عن الإنعام. طيب مجاز عن الإنعام يعني أنَّ لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان. فلما أسْتُعْمِلَ في صفات الرب نَقَلُوهُ من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ وهو الإنعام لأنَّ العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام. فإذاً الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام. رَحِمَهُ يعني أنْعَمَ عليه. قالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول. ففي صفات الرب لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟ قالوا لأنَّ الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب ﷻ . فإذاً نقلوا من الوضع الأول إلى وضعٍ ثانٍ لعلاقة. العلاقة بينهما هي مناسبة هذا لله . يعني الإنعام مناسب في هذا وفي هذا. العلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة، وأُلِّفَتْ فيها كتب، يعني من باب الذكر وليست مهمة. طيب، عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، والرحمة حينما فسرتموها قلتم الوضع الأول في الإنسان لماذا؟ الرحمة هذا اللفظ وُجِدَ مع الإنسان، أليس كذلك؟ وُجِدَ مع الإنسان، أحَسَّ بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سُمِّيَ رحمة. فهل هذه الرحمة حينما وُضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعاً؟ الجواب أنها في لغة العرب؛ يعني من حيث لفظ (رحمة) . وأما المعنى المُشْتَرَكْ لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات؛ يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه. اللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟ اللغة المفروض فيها أنها تجعل الألفاظ للمعاني الكلية، لا لمعانٍ محدودة. فنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وَجَدَ هذه الصفة في نفسه فَسَمَّاهَا رحمة. لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود. كذلك الرأفة، كذلك الوُد، كذلك المحبة، ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدّد لها حتى في كتب اللغة. إذاً فهي ليست موضوعة لما يحسُّهُ الإنسان، وهي إذاً موضوعة لمعانٍ كلّية تشمل هذه الصفة. ولهذا نجد أنّ كل الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها. لو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك؟ لا يُحْسِنْ حتى هؤلاء الذين يَحْكُمُون بالمجاز وبالتأويل لا يُحْسِنُونَ أَنْ يُعَرِّفُوا الرحمة بشيءٍ جامعٍ مانع. هات الرحمة بتعريف جامع؟ فيُفَسِّرْ الرحمة بأثر الرحمة، فيُفَسِّرْ الرأفة بأثر الرأفة، فيُفَسِّرْ المحبة بأثر المحبة. لكن كل إنسان في أي لغة إذا طَرَقَ سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه. إذاً فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع. فإذاً جَعْلُ الكلية اللغوية مُفْرَدَاً في حال الإنسان، وجَعْلُ هذه المفْرَدَةَ وضْعَاً أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضاً برهان وهو تَحَكُّم. فإذاً لكل شيء يناسبه. إذا قلت للعربي رحمة الطير، الطير حينما رَحِمَ، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطَّيْرِ الرحمة؛ أي جَعَلَهَا في الطير مجازاً؟ الجواب: لا، يقول لا، الطير فيه رحمة، طيب هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصَّاً بالإنسان ثم عُدِّيَ أو كان للجميع؟ فإن قال للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يُسَلَّمْ له. وإن قال للإنسان والطير وللحيوان فيما يَرْحَمْ، قيل له فإذاً العرب وضعت هذا اللفظ بالوضع الأول للجميع لهذين فقط، أو وضعت كُلِّيَّة فَطُبِّقَتْ على الإنسان والحيوان وعلى الطير؟ فَمُؤَدَّى الأمر أَنَّ هذه الكلمات مبنية على برهانين: ١ - البرهان الأول: معرفة نشأة اللغات، وأنَّ الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أنَّ هذا غير جارٍ؛ لأنه ما يُتَصَوَّرْ -كما قلت لك خَيَالٌ أنَّ العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-. ٢ - البرهان الثاني: أن يُقَال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لُغَوِي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لولدها تمثيل، وهكذا، فإذاً القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يُسَلَّط عليه المجاز بالأمثلة. هذه القضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه إلى هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات. كيف نشأت اللغات؟ كيف نشأت اللغة العربية؟ في اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟ لا، الأسماء عُلَّمها آدم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] .

стр. 162

هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية؟ لا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية. كلمة كانت بسبب الصوت مثلاً. مِثْلْ كلمة جَرَّ، جَرَّ هذه أنْتَ لو حَمَلْتَ جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار، تأتي به من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه، تسمع صوته في الأرض بهذه الكلمة جَرْرْرْرْ، فتسمع هذه. مثل كلمة خرير؛ خرير الماء هذا الصوت. مثل كلمة وسوسة الصوت هذه الوسوسة مأخوذة بالسمع. إذاً اللغة تَشَكَّلَت من أشياء، ومَنْ دَرَسَ نشأة اللغات يقول: إنَّ البرهان على الوضع الأول الذي أعْتُمِدَ عليه بالمجاز ممتنع. وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويُثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أنّ الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدَّدْ أو في الحيوان إلى آخره. خذ مثلا كلمة جناح. جناح في اللغة فيها دِلَالَة على المَيْلْ، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مَالَ وثَمَّ زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلاً خفيفاً لكن فيه استطالة، لهذا قال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] ، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] ؛ يعني لا إثم عليكم لأنَّ الإثم ميل واستطالة. إذاً فتسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قَسَّمُوا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سَمُّوهُ جناح، أو هو لمعْنىً كلي موجود قبل وَجَدُوهُ في هذا الجزء من الطائر فَسَمَّوهُ بِهِ. هم عندهم الميل، رأوا أَنَّ جناح الطائر فيه استطالة وميل، يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن جسم الطائر ثابت، لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسمّوا هذا الجناح بهذا الاسم. طيب جاء في الإنسان: الإنسان فيه أيضاً شيء يميل وهو اليد، فاليد تميل. إذاً اليد أيضا جناح، ولذلك قول الله ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] ، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازاً وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال في قصة موسى ﵇ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢] . ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ الجناح ما هو؟ اليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي. إذن في هذه المسائل تطول. يعني العنق سُمَّيَ عنق يعني هكذا أم ثَمَّ معاني نشأت منها اللغات ثم تَوَسَّعَتْ؟ لهذا نقول اللغة كليات جاءت أمثلة عليها تطبيقات في الواقع، قواعد عامة. لهذا من عَرَفَ أَقْيِسَةَ اللغة فَهِمَ حقيقتها، أما وجود وضع أول يُبْنَى عليه المجاز فهذا غير ممكن.

стр. 163

الأسئلة س١/ لو ذكرتم كتباً تكفي طالب اللغة تتحدث عن نشأة اللغات؟ ج/ نشأة اللغات فيها كتب كثيرة ليست سليمة؛ يعني لم أر كتاباً سليماً في جملة تفاصيله، لأنه لا يخلو كل باحث من خلفيات عنده ومُقَرَّرَات سابقة تسيطر عليه في بحثه ذاك. لكن من أحسنها أو مما يطلعك على ذلك كتاب اسمه (مولد اللغة) للشيخ مصطفى الغلاييني وثَمَّ كتب أخرى. س٢/ أول درس لي في العقيدة هو هذا الدرس في الطحاوية ولم أدرس الواسطية وغيرها، فبماذا تنصحني؟ ج/ إذا كان هذا أول درس فصعب؛ لأنه راعيت في هذا الشرح من انتقل معنا من الواسطية إلى الطحاوية لذلك يُذكَرْ أشياء فيها مباحث لم تذكر فيما قبل؛ ما نكرر المعلومات تماما، إنما نزيد بعض المسائل. فأنا أوصي الأخ الذي هذا أول درس له أن يبتدئ مع أحد أهل العلم في كتاب لمعة الاعتقاد، وينتقل منه إلى الواسطية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى شرح الطحاوية. س٣/ هل اللغات توقيفية أم اصطلاحية؟ ج/ فيها عدَّة أقوال والصحيح أنَّ الأسماء المطلقة توقيفية، الأسماء اللغوية بدون أن نقول بلغة فلان، بلغة العرب، أو باللغة السريانية، وهكذا. الأسماء مطلقاً توقيفية لقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أمَّا بعد ذلك التداخل والتوسع، فما يوجد برهان واضح، واللغة تنمو، وإذا كان المعنى الكلي موجود فكل ما يُذْكَر مثال لأنَّ المعنى الكلي يختلف باختلاف الإضافة. مثلا عندك السمع، السمع هذه كلمة عامة، صحيح، السمع معروف لو أردت أن تعبر عن السمع تقول إدراك المسموعات واضح، وأيضا فيه إشكال لأنك رجعت بتعريف السمع إلى المسموع، واضح، المسموع رجعنا بالمسموع إلى السمع، صار فيه دور، لذلك لا يصح تعريفاً على طريقة المناطقة وإنما هو تقريب، إذا قلنا السمع إدراك المسموعات، سمع الإنسان يصح أن يطلق عليه سمع، سمع البعوضة يصح أن يطلق عليه سمع، الإنسان في سمعه تلحظ فيه أذن، وفيه صماغ، وفيه الغضاريف الزائدة هذه التي يتلقى بها، هذا وسيلة حصول السمع؛ لكن البعوضة ما فيها شيء عندها سمع. فإذن الكلية الحاصلة وهو إدراك المسموع موجود، لكن تمام المعنى بالنسبة للإنسان يناسب ذاته، الكيفية مختلفة، ما يناسب البعوضة أو الذبابة من السمع يناسبها بقدْرها، آلة السمع عندها مختلفة عن آلة السمع عندنا، البصر في بعض الحيوانات تبصر بإيش؟ بالذبذبات أو لا؟ يعني بإرسال الأصوات، يعني عندها إحساس آخر قلنا تبصر؛ لأنها تدرك المبصرات، إذا جاءت للشيء مالت عنه، وهي ليس لها ما تبصر. إذاً كيف الاتصاف بالصفة، كيفية الاتصاف بالصفة، هذا لا يجوز أن يُجْعَلَ حَكَمَاً على المعنى الكلي، فالمعنى الكلي ما يشمل هذه الصفات المشتركة بين الكائنات، بل المعاني المشتركة العامة، هي تأتي في الإنسان تطبيقا، يطبقها على نفسه، يطبقها على الحيوان، وإنما تختلف من حيث كمال المعنى ومن حيث الكيفية مثل ما مثلت لك. ولهذا قال طائفة من أهل العلم في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، أنَّ الله نَبَّهَ على السمع والبصر في هذا لأجل اشتراكه بين كل الكائنات الحية، الكائنات الحية لها سمع ولها بصر ومع ذلك أثبته لنفسه مع قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنَّه موجود ووَصَفَ الله به نفسه، فمعنى ذلك أنه إثبات صفة لا إثبات مشابهة أو كيفية. س٤/ هل يصح إطلاق لفظ العارف أو قاضي القضاة على العَالِمْ؟ ج/ أما لفظ العارف فلا بأس به، استعمله أئمتنا في بعض كلامهم، قال بعض العارفين، قال فلان العارف بالله، على قلة، والأحسن أن يترك. وأما لفظ قاضي القضاة فهو محرم؛ لأنَّ قاضي القضاة هو الرب ﷻ . س٥/ ما رأيكم في من قال ليس لله مكان؟ ج/ هذا باطل، المكان ما يُطْلَقْ ولا يُنْفَى لأنه ما جاء في الكتاب والسنة، وإنما نقول الله مستوٍ على عرشه بما وصف به نفسه. هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (١)

стр. 164

: [[الشريط الثالث عشر]] : الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأسئلة: س١/ ما معنى هذه العبارة: لا يُستعمل في العلم الإلهي قياس تمثيلي أو شمولي وإنما يستعمل قياس الأَوْلى. ج/ هذه الأقيسة الثلاث مستعملة عند المناطقة: - قياس التمثيل. - وقياس الشمول. - وقياس الأولى. والتمثيل والشمول يقتضي الاشتراك في الجنس؛ لأنَّ المثال هو أحد أفراد الجنس، وأمَّا القياس الذي يصح أن يُطَبَّقَ في صفات الله وفيما يليق به ﷻ وهو قياس الأولى. يعني أن يقال كُلُّ كمال في المخلوق فالله أوْلَى به؛ لأنَّ الله سبحانه متصف بصفات الكمال المطلق، وإذا في المخلوق نوع كمال يناسبه فالله له الكمال المطلق. مثاله: الغِنَى كَمَالٌ في حق المخلوق -يعني عند الناس-، وكذلك سلامته في حكمته وإدراكه، وهذا كمال في حقه، كذلك قدرته كمال في حقه، كذلك سمعه وبصره وسلامة آلاته هذا كمالٌ في حقه، وهكذا، فهذه الصفات التي في المخلوق التي تكون فيه كمال، فهي تُثْبَتُ لله ؛ لأنَّ الله سبحانه أولى بالكمال، وأولى بنَفْيِ النقص عنه . ومن الأمثلة التي تُشْكِلْ على بعض الناس في هذا الباب هو أَنْ يُقَال أنَّ الله نَفَى عنه الولادة، فقال ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ، فليس له ولد لأنه غير محتاج إليه، والمخلوق الولد في حقه كمال؛ إذ العقيم ليس بكامل عند الناس. وهذا ليس مُتَّجِهَاً ولا مُعَارِضَاً للقاعدة؛ لأنَّ المخلوق صار الولد في حقه كمالاً لحاجته إليه، فهو يستكثر بالولد ويستقوي به لحاجته إليه؛ لأنه قد ينتفع منه بأنواعِ الانتفاع، والولد في حق المخلوق نقص، ولهذا يُنْفَى عن الله ، وليس كمالاً كما قد يُظن. المقصود أنَّ عبارات (القياس التمثيلي، والقياس الشمولي، وقياس الأَوْلى) من عبارات المناطقة أصحاب المنطق وعلم الكلام، ولا يصح استعمالها عند أهل السنة والجماعة إلا في قياس الأوْلى دون غيره. س٢/ ذكر أحد طلبة العلم أنَّ التوراة الإنجيل والزبور ليست كلها محرفة؛ بل أغلبها، لذا اختلف العلماء في مس الجنب لها، ويجوز الحلف بها؛ لأنها من كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته. السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؟ أرجو التوضيح. ج/ أولاً التوراة والإنجيل والزبور التي أُنزِلَتْ على موسى وعيسى وداوود هذه كلام الله ؛ لكن هذا المُنَزَّل على هؤلاء الأنبياء الموجود الآن لا يُتَيَقَّنْ أنَّهُ ذلك المنزل؛ بل قد يكون الموجود اختلط به كلام الله وكلام علمائهم وزيادات باطلة من التحريفات، والعلماء اختلفوا هل وقع التحريف في هذه الكتب من جهة المعنى أو من جهة الألفاظ؛ يعني هل حُذِفَتْ بعض الأشياء وأُبْدِلَتْ بأخرى وحُرِّفَتْ بنقص، بحذف، ثم زيادة أشياء من كلام الناس، أم كان التحريف في المعنى فقط، فهم حَرَّفُوا من جهة المعنى مع بقاء الأصل، على ثلاثة أقوال لأهل العلم. والصواب منها أنَّ التوراة والإنجيل فيها وفيها: - فيها ما هو من كلام الله. - وفيها ما هو من إضافات الناس الباطلة. - وفيها ما حُرِّف لفظه. . - وفيها ما حُرِّف معناه. اجتمعت فيها كل أنواع التحريف؛ تحريف اللفظ وتحريف المعنى وترك الأحكام، وهذا له تفاصيل في محلها. س٣/ ما المراد بالغِل في قوله تعالى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ؟ ج/ الغل هو الحقد والضغينة التي تتخلل النفس والفؤاد، وأصل هذه المادة في اللغة -مادة غلّ- لما يكون مُتَخَلِّلَاً للشيء، ولهذا قيل للغُل الذي يُغَلُّ به -تُغَلُّ به الرقبة- ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس:٨] سُمِّي غُلاًّ لأنَّ الرقبة تتخلله وهو أيضاً يتخلل الرقبة يحيط بها، وكذلك يقال أيضاً للماء الذي يجري بين السواقي من هذه المادة، ويسمى الماء الغليل وأشباه ذلك. فالمقصود أنَّ هذه المادة تدور على التغلل، وعلى التسلل، فلهذا الحقد والضغينة إذا كانت مُتَسَلِلَةً في النفس محيطة بها سميت غِلًّا، كما قال هنا ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ، ويدعو أهل الإيمان ربنا ﴿لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، فأهل الجنة ليس في قلوبهم غل ولا حسد ولا ضغينة؛ بل هم أحباب متآخون.

стр. 165

وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ

стр. 166

[المسألة الأولى] : أنَّ النفي يشمل أشياء: - أَنْ ينفي صفات الله كلها. - أو أَنْ ينفي أكثرها. - أو أَنْ ينفي بعضا منها @ فالذين نفوا كل الصفات هم الجهمية. @ والذين نفوا أكثر الصفات هم المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. @ والذين نفوا بعض الصفات طوائف كثيرون من المفسرين ومن شُرَّاح الأحاديث، يَغْلَطُونَ فيُثْبِتُونَ في موضع ويناقضون أنفسهم فينفون في موضعٍ آخر. فإذاً النفي من جِهَةِ أصله فيه هذه الدرجات، والدرجة الأخيرة وهي نَفْيُ بعض الصفات فأكثر ما يَغْلَطُ فيه من غَلِطَ من المفسرين وشُرَّاح الحديث في الصفات التي هي من جهة صفات الأفعال. وهذه يعني الصفات الاختيارية مثل: الرضا والغضب والنزول والمَقْتْ والأَسَفْ وأشباه ذلك من الصفات. فالصفات الاختيارية قَلَّ من ينْهَجُ فيها منهج السّلف الصالح؛ وذلك لأنَّ الباب بابٌ واحدٌ في الصّفات الذّاتية وفي الصّفات الفعليّة.

стр. 167

[المسألة الثانية] : - النفي تارَةً يَتَوَجَّهْ لأصل الصفة. - وتارَةً يَتَوَجَّهْ لظاهر الصفة. - وتارَةً يَتَوَجَّهْ لكيفية الصفة. - وتارَةً يَتَوَجَّهْ إلى معنى الصفة. ١ - المرتبة الأولى توجهه لأصل الصفة: ينفي أَصْلَاً اتصاف الله بالسمع، ينفي أَصْلَاً اتصاف الله بالحكمة، ينفي أَصْلَاً اتصاف الله بالعلم، وهكذا. ٢ - المرتبة الثانية توجهه لظاهر الصفة: فيقولون نثبت الصفة لكن ظاهرها غير مراد، كيف؟ يقولون: نثبت الاستواء لكن ليس على ظاهره، فالاستواء له معنى غير المعنى الظاهر المتبادر منه، له معنى آخر. وهؤلاء على فرقتين: - منهم من يقول: المعنى كيت وكيت. - ومنهم من يقول: المعنى لا أحد يعلمه. فأما الأوّلون فهم المؤولة. وأما أصحاب القول الثاني فهم أهل التجهيل الذين يسميهم العلماء المُفَوِّضَة، يُثْبِتُونَ لكن يُفَوِّضُونَ كل الصفة لله ، لا يعلمون لها معنى، ولا يعلمون لها كيفية، جميع الصفة منفية؛ يعني مثبتة لكن منفي العلم بها. ٣ - المرتبة الثالثة توجُّهُهُ لكيفية الصفة: هذا النّفي الذي يَتَّجِه إلى كيفية الصفة هذا واجب، وهو منهج أهل السنة والجماعة فإننا ننفي العلم بالكفية؛ لأنَّ الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فنُثْبِتْ الصفة مع نفينا للكيفية. وهذا المعنى ليس مراداً في قوله (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ) ؛ بل هذا نَفْيٌ واجب وهو أن نَنْفِي عِلْمَنا بالكيفية. فالكيفية لا يعلمها إلا الله ، كما قال ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] . ٤ - المرتبة الرابعة توجُّهُهُ لمعنى الصفة: والنفي المتجه للمعنى هذا يُثْبِتُ كثيرون الصفة لكن ينفون المعنى؛ يقولون ليس لها معنى، ليس لها معنى مطلقا؟ فاسم الرحيم هو العليم، والرحمة هي العلم؛ لكن لَمَّا تَعَلَّقَتْ إرادة الله بالمُعَيَّن فَرُحِمَ سُمِّي هذا التَّعَلُّق رحمة، لما تَعَلَّقَتْ به قُدْرَة سُمِّيَ ذلك قدرة إلى آخره. فيقولون هي من جهة قيامها بذات الرب شيء واحد، ولذلك ننفي أن يكون لهذه الصفات معاني متعددة، وهذا يشترك فيه جملة من أصحاب المذاهب المختلفة. فقوله إذاً (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ) يدل على أنَّ ترك النفي مطلوب وواجب، وهو ألا تُنْفَى أصل الصفات، وألا يُنْفَى الظاهر، وألا يُنْفَى العلم بالمعنى؛ بل يُنْفَى شيء واحد وهو الكيفية دونما سواها. ٢ - (التَّشْبِيهَ) : التشبيه مصدر شبَّهَهُ بغيره تَشْبيهَاً، أو شَبَّهَ الشيء بكذا تشبيهاً. فالتشبيه: هو جعل المخلوق مشابهاً لله ، أو جعل الله مُشَابِهَاً في صفاته للمخلوقات.

стр. 168

[المسألة الثالثة] : التشبيه مراتب أيضا: ١ - فالمرتبة الأولى التشبيه الكامل وهو المساوي للتمثيل: يعني أن يقول يده كيدي، كقول المجسمة والعياذ بالله، وصورته كصورتي والعياذ بالله، وأشباه ذلك، فهذا تشبيه كامل؛ يعني شَبَّهَ الله بالمخلوق من جهة الصفة في الكيفية وفي المعنى. وهذا كفر بالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ والمُشَبِّهُ يَعْبُدُ صَنَماً، الممثل يَعْبُدُ صنماً. فهو تَخَيَّلَ في نفسه صورة للرب فجَعَلَهَا عليه. وهذا كما قلنا لكم لا يمكن أن يكون لله في ذاته وصفاته شيء يَتَخَيَلُهُ العبد أو يتصوره؛ لأنَّهُ كل ما خطر ببالك فالله بخلافه، كل ما جاء في بالك فالله ـ بخلافه. لأنَّ المعرفة واستقبال المعارف والإدراكات في الإنسان ستأتي شيئاً فشيئاً. وهو أصلاً جاء من غير إدراك. والله جعل له السمع والبصر والفؤاد ليدرك. فإذاً كل المُدْرَكَات في الإنسان مَجْلُوبَةٌ له من واقع ما رَأَى، ومن واقع ما سمع، أو من واقع ما قارن. والشيء الذي لم يره ولم يسمعه وليس ثَمَّ ما يُقَارَنُ به، فكيف تحصل له معرفته؟ ولذلك تجد أنَّ الإنسان لا يمكن أنْ يَتَصَوَرْ شيء ما رآه أو رأى مثيلاً له أو رأى ما يُقَاسُ عليه؛ ما يجتمع هو وإياه في أشياء. ما يمكن أن يتصوَّرَ شيء لم يره أصلاً أو لم ير مثيلا له. لكن لو رأى ما يُقَاسُ عليه ممكن، لو رأى مثيلاً له ممكن. مثلا تقول الإنسان الياباني مختلف في صورته عنَّا لكن يبقى التَخَيُّلْ العام عندك أنه ما دام أنه إنسان فهو على هذه الصفة. تقول مثلا الخبز في بلدٍ له شكل غريب، أنت لا تتصور هذا الشكل لكن تعرف الخبز ما هو من حيث الصفة؛ لأنك تعرف أنَّ ذاك سيكون في مادته مشابِهَاً لهذا الذي عرفته. لو ذُكر لك شيء غريب، مثلا في بلد من البلاد رأينا بناءً عجيباً جداً، ممكن أن تتصور البناء على نحو ما إذا كنت رأيت شبيهاً له أو ما يقاس عليه؛ أو مُرَكَّبَات هذا البناء وطريقة البناء وأنه أَدْوَار مثلاً. مَثَلَاً: شُرِحَ لك عن الأهرامات من صفتها كذا وكذا، يمكن أن تتصور لأنَّكَ رأيت مثيلاً له، رأيت ما يُقَاسُ عليه، رأيت ما يمكن أن تُعْقَدَ مقارنة فتصل على نوع إدراكٍ لذلك. أما الرب وتقدست أسماؤه وصفاته فلا يقاس بخلقه ولم يُرَ مثيلاً له ولا يُقَارَنْ بشيء، ولذلك كل ما يخطر في البال إنما هو من جَرَّاءِ إدراكات مختلفة لا يمكن أن يكون منها حقيقة الرب . ولهذا كل ما خطر في بالك فالله بخلافه، فإذا استرسل مع هذا وشَبَّهْ فإنّه يعبد صنماً. يعني تَخَيَّلَ في نفسه صورة وهيأ له إلهاً يكون على نحو ما فَعَبَدَهُ. ولهذا قال أئمة السلف (المشبه يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً) . هذا التشبيه الكامل هو التّمثيل وهذا التمثيل أو التشبيه: - قد يكون في الذات بأجمعها. - وقد يكون في صفة من الصفات. قد يقول: الله ـ مثلي، على صفتِي -والعياذ بالله- وهذا كفر. أو يقول: يده كَيَدي، وسمعه كسمعي، وعينه كعيني وأشباه ذلك وهذا أيضا كفر بالله . ٢ - المرتبة الثانية التشبيه في بعض الصفة، لا في الكيفية ولكن في المعنى: فيقول: الكيفية لا نعلمها لكن معنى الصفة في الله هو معناها في المخلوق. وهذا أيضاً مما ينبغي تَجَنُّبُه؛ لأنَّ صفة الرب معناها في حقه كامل لا يعتريه نقص من وجه من الوجوه، وأما في المخلوق فهو فيه الصفة ولكنها ناقصة تناسب نقص ذاته. ولهذا يقال في مثل هذا: إنَّ الله له الكمال المطلق في صفة السمع، والمخلوق متصف بالسمع، أو تقول لله سمع وللمخلوق سمع وليس السمع كالسمع؛ يعني في أصل المعنى موجودٌ سمع وسمع؛ لكن في تمام المعنى وكماله مختلف ليس الاتصاف في الله مثل الاتصاف في المخلوق. ٣ - المرتبة الثالثة تشبيه العكس وهو تشبيه المخلوق بالخالق والعياذ بالله: وتشبيه المخلوق بالخالق، يعني أن يَجْعَلَ للمخلوق صفة من صفات الله . مثل أن يُغِيثْ أو أنَّهُ يسمع وهو غائب، أو أنَّ له قدرة أو أنَّ له تصرف في الكون أو أشباه ذلك. وهذا كحال عُبَّاد الأصنام والأوثان والقبور وعُبَّاد عيسى والملائكة وعُبَّادْ الأولياء، كلهم على هذه الصفة، يجعلون للمخلوق بعض صفات الله . وهذا لاشك أنه تشبيه وهو في حد ذاته من جهة التشبيه كفر لمن اعتقده. فمن وَصَفَ المخلوق بصفة الله من تصريف الكون أو يقولون فلان من الأولياء له ربع الكون يتصرّف فيه أوله نصف الكون يتصرف فيه، أو فلان المَلَكْ له التَّصَرُّفْ في الملكوت بنفسه فَيُطْلَبْ منه ويُسْتَغَاثْ به ويُسْأَلْ أو يُلْجَأْ إليه ونحو ذلك، من الأموات أو من الغائبين.

стр. 169

فكل هذا تشبيه للمخلوق بالخالق وتمثيل للمخلوق بالخالق وهو شرك بالله ﷻ . لهذا لم يُطلق أكثر السلف نفي التشبيه، وإنما أطلقوا نفي التمثيل؛ لأنَّ الله ﷻ قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ولفظ التشبيه لم يرد فيه النفي في الكتاب ولا في السنة فيما أعلم، وإنما ورد لفظ التمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وفرق ما بين التمثيل وبين التشبيه: - فالتمثيل: معناه المساواة هذا مثل هذا؛ يعني يساويه في صفة أو في صفات. - أما التشبيه فهو من التَّشَابه، وقد يكون التشابه كاملاً، فيكون تمثيلاً، وقد يكون التشابه ناقصاً فيكون في كلّ المعنى أو في أصل المعنى على نحو ما فَصَّلْتُ لك (١) . فإذاً إذا قيل لا نُشَبِّه فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى، يعني التشابه في المعنى. لأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابَهَةٍ في المعنى، ولكن ليس مُشَابَهَة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل. * فلهذا لا يُطلق النفي للتشبيه، لا نقول التشبيه منتفيا مطلقاً، كما يقوله من لا يحسن، بل يقال التمثيل منتفٍ مطلقا. أما التشبيه فنقول: التشبيه منتف؛ فالله ـ لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء. وينصرف هذا النفي للتشبيه في الكيفية أو في تمام المعنى في كماله. ٣ - (التنزيه) : (التَّنْزِيهَ) يعني تنزيه الرب عما لا يليق بجلاله وعظمته. قال (لَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) فالذي لم يَحْذَرْ النفي ولم يَحْذَرْ التشبيه، فإنه يَزِلُّ ولن يصيب تنزيه الرب عما لا يليق بجلاله وعظمته. والتنزيه هو التسبيح؛ فمعنى ذلك أنَّ من نَفَى أو شَبَّهَ فإنَّهُ لم يُسَبِّح الله كما يليق بجلاله وعظمته. لأنَّ معنى سبحان الله هو: تَنْزِيهَاً لله، والكون كله يردد سبحان الله وبحمده، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] . فإذن من الواجب أن يُنَزَّهْ الله عما لا يليق بجلاله وعظمته. ولهذا نقول: إنَّ اتقاء النفي والتشبيه هو طريق التنزيه والتسبيح الحق لله . فالمعتزلة الجهمية والمبتدعة من الأشاعرة والكلابية وسائر الطوائف التي نفت بعض الصفات هؤلاء لم يُنزِهُوا الرب عن ما لا يليق بجلاله وعظمته بل وقعوا في شيءٍ من عدم التنزيه. لذلك قال (وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) يعني لم يُنَزِّهْ سواءً أَكَانَ مُرَادُهُ التنزيه فَأَخْطَأَ أو هو في الحقيقة لم يُنَزِّهْ؛ لأنه ما نَزَّهَ الله عما لا يليق بجلاله وعظمته؛ لأنَّ الله سبحانه له الكمال المطلق في الاتصاف بالصفات. فمن لم يثبت جميع الصفات، فهو لم يُثْبِتْ الكمال المطلق، فمعناه أنَّهُ نقص حمده لله ومعنى ذلك أنه لم يُنَزِّهْ الله ﷻ عما لا يليق بجلاله وعظمته. وهذه الجملة عظيمة من كلام الطحاوي ﵀ (وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ، -يعني من سائر طوائف الضلال- زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ) وإن زَعَمَ أنه يُنَزِّهْ فإنه لم يُصِبْ، وهذا يكثر في المعطلة وفي المؤولة وفي النفاة، يقولون: نفينا وأوَّلنا وعَطَّلْنَا لأجل التنزيه. وهذا يُرَدُّ عليهم بأنَّ ما فعلتموه هو وصف لله بالنقائص، وليس تنزيها للرب ـ.

стр. 170

ثم علل ذلك ب قوله (فَإِنَّ رَبَّنَا مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الْفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَرِيَّةِ .)

стр. 171

قال بعدها (وَتَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ.) (١)

стр. 172

[المسألة الأولى] : أنَّ طائفة من العلماء لما ذَكَرُوا الاستواء على العرش لله سُئِلُوا: بحدٍّ؟ قالوا: بحد. وهم طائفة من أئمة أهل السنة كابن المبارك والثوري وجماعة من الأئمة، وهذا يُوَجَّه بأنَّ استعمالهم لفظ (الحد) مع أنه لم يأتِ في الكتاب والسنة لأجل أن يبطلوا دعوى الجهمية في أنَّ الله في كل مكان. وإذا احتاج المُوَحِّد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات تُوضِح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها للمصلحة؛ لكن لا تُثْبَتُ عقيدةً مُستقِلة. يعني إذا جاء أحد يقول: ما هي عقيدتك؟ فلا تقل: عقيدتي أنَّ الله مستوى على عرشه بحد. إنما نقول: هو مستوٍ على عرشه. إذا احتيج إلى ذلك في مقامه فقد يُقال ذلك؛ لأنَّ لفظ (بحد) يعني أنه ليس مختلطاً بخلقه ﷻ . فهو سبحانه الحدود والغايات التي تنتهي إليها صفاته كما قال (تَعَالَى عَنِ) ، لأنَّ الله سبحانه ليس لصفاته حد يعلمه البشر. قال (تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ) يعني المعلومة (وَالْغَايَاتِ) المعلومة.

стр. 173

[المسألة الثانية] : يُشْكِلْ على هذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره وهو قوله ﷺ في وصف الرب «حِجَابُهُ النّورُ. لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (١) ، فهل معنى ذلك أنَّ البصر محدود بالخلق؟ والجواب عن ذلك: أنَّ هذا إحالة على -يعني في قوله «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» - في أنَّ الإحراق إحراق السبحات لما انتهى إليه البصر. والبصر لا ينتهي لحد، فكذلك الإحراق لا ينتهي لحد. فإذاً هو بناء شيء على شيء، فلا يُثْبَتْ الثاني لأجل ورود الأول بل الثاني مَنْفِي فكذلك الأول نقول ليس له حد. «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» الله ينْفُذُ بصره في جميع بريته ـ، وكل ما سواه مخلوق. فإذاً بصره ينتهي في جميع مخلوقاته، فإذاً لو كَشَفَ الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل مخلوقاته. فإذاً هذا ليس فيه إثبات الحد والغاية، وإنما هذا فيه إثبات أنه مُطْلَق في اتصافه بصفاته لا حد؛ يعني لذلك يُثبت؛ بل نقول: هو سبحانه كامل في صفاته.

стр. 174

قال (وَالْأَرْكَانِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ)

стр. 175

الأسئلة: س١/ يا شيخ، قلنا المخلوق له ملك، والله ـ له ملك، وملك الإنسان مقيد، وأنَّ ملك الله مطلق، هل هذا صحيح؟ ج/ ملك الله مطلق في الأشياء، صحيح، ملك الإنسان مقيد، صحيح. س٢/ هل الفرد اسم لله؟ ج/ لا، ليس من الأسماء الحسنى الفرد، لكن الإخبار عن الله بأنه فرد موافق لاسم الله الصّمد والأحد وأشباه ذلك. س٣/ قلتَ نفي الكيفية واجب، فهل نفي الكيفية هو الواجب أم تفويض الكيفية؟ ج/ الجواب أنَّ النفي؛ يعني نفي الكيفية المعقولة، نفي العلم بالكيفية، أما اتصاف الرب بالصفات بكيف، هو سبحانه في صفاته متصف بها بكيف بكيفية، لكن نعلمها؟ لا نعلمها. فإذاً النفي يتوجه إلى العلم بالكيفية، لا إلى وجود الكيفية. س٤/ ذكرت أنَّ صفة الرحمة صفة جمال، فهي اختيارية وذكرت أنها ذاتية؟ ج/ ما ذكرت أنَّ صفة الرحمة اختيارية، التقسيمات غير متساوية، هذه تنتبه لها في العلوم جميعاً، إذا قسمنا الصفات إلى ذاتية وفعليه، ثم باعتبار آخر -يعني باعتبار نوعها- إلى جلال وجمال، لا يعني أنَّ الجلال هي الذاتية والجمال هي الاختيارية، لا، هذا تقسيم آخر. مثل ما نقول مثلا: شرك أكبر وأصغر، شرك ظاهر وخفي، مُو معنى الكبر والأصغر، أن الخفي هو الأصغر، الخفي منه أكبر مثل شرك المنافقين. مثل غَلَطِ من غَلِطَ، تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وأصغر، ثُم قُسِّمَ باعتبار آخر إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، فظُنَّ أن كفر العمل هو الكفر الأصغر، وأنّ كفر الاعتقاد هو الكفر الأكبر، هذا ليس بصحيح، فمن فَهِمَ من كلام ابن القيم ﵀ في تقسيم الكفر إلى أكبر وأصغر، ثُمَّ إلى كفر اعتقاد وكفر عمل: إن العمل هو الأصغر. هذا ليس بصحيح، حتى على كلام ابن القيم؛ لأنّ العمل هذا تقسيم باعتبار المورد، مورده يكون من جهة الاعتقاد، ومورده يكون من جهة العمل، فكفر العمل منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر -كما نبهنا عليه مرارا-، يعني في التقسيمات تنتبه. مثل ما يقسّم الأصوليون الواجب مثلا، يقولون: الواجب ينقسم إلى واجب موسَّع وواجب مضيَّق، طيب. ثم يقسمون باعتبار آخر إلى واجب عيني وواجب كفائي. ثم يقسمون القسمة الثالثة إلى: واجب معيّن وواجب مخيّر، مثل [خصال] الكفارة. فإذاً هناك تقسيم، التقسيم باعتبارات مختلفة، وإذا علمت التقسيم مع جهة اعتباره فهمت العلم، أما التقسيم هذا مطلقَاً بدون أن تفهم جهة اعتبار التقسيم فهذا يُحدث لَبْسا. س٥/ هل الإنسان إذا رأى ربه في المنام تكون الرؤية صحيحة؟ ج/ مثل ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال «رأيت الليلة ربي في أحسن صورة (١) » ، يرى المؤمن ربه في صورة إيمانه بالله، فإذا كان إيمانه بالله كاملا رأى صورة حسنة أحسن الصور، وإذا كان إيمانه بالله ناقصا رأى صورة تناسب إيمانه؛ لكن ما يرى في المنام الرب على ما هو عليه ﷻ . س٦/يسأل عن وصف اليمين والشمال لله . ج/ هذا جاء في حديث رواه مسلم (٢) وأثبته طائفة من أهل العلم. والصواب عندي عدم إثبات صفة الشمال لله . س٧/ ذكرتَ في هذا الدرس: صفة العين مع عدم وروده، فما وجه ذلك؟ ج/ كيف صفة العين مع عدم وروده؟!! الله متصف بهذه الصفة كما قال سبحانه ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقال سبحانه ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، والجمع هذا يُراد به المثنى؛ لأن لغة العرب إذا أضافت المثنى إلى ضمير تثنية أو إلى ضمير جمع جَمعت المثنى، كما في قوله تعالى ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] ، مع أنَّ لهما قلبين: قلب عائشة وقلب حفصة، ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أصل الكلام: فقد صغى قلباكما. لكن لما كانت التثنية تضاف إلى ضمير التثنية أو الجمع فيجمع الأول. وقد ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «إن الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة -أو طافية روايتان-، وإن ربكم ليس بأعور ﷻ » (٣) ، العَوَر في اللغة هو ذهاب أحد ما له منه اثنان؛ يعني أحد العينين؛ هذا العور، عينان ذهبت إحداهما قيل عَوَر، فلهذا الدجال وصف بأنه أعور قال (وإن ربكم ليس بأعور) ؛ يعني لا يشتبه عليكم الدجال له عين واحدة، والله سبحانه ليس بأعور؛ يعني له عينان. ومن قال إنَّ الآية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ فيها إثبات الأعين لله ، فهذا باطل من جهتين: الجهة الأولى: الإجماع فإنَّ أهل السنة أجمعوا على أن الله موصوف بصفة العينين. والجهة الثانية: أنَّ الأعين مخالفة لقوله (وإن ربكم ليس بأعور) ؛ لأن لفظة أعور في اللغة تدل على ذهاب إحدى العينين، فتكون الإضافة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ هي إضافة مثنّى إلى مجموع فجمع لأجل هذه الإضافة كما هو مقرّر في لسان العرب يعني في لغة العرب. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.

стр. 176

وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَا، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] . فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. وَالْحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ- حَقٌّ.

стр. 177

المعراج -كما ذكرتُ لك- آلة العُروج وقد جاء وصفها لأنَّ النبي ﷺ لما صلَّى في بيت المقدس أخذه جبريل، قال «فوجدتُ سُلَّمين أحدهما ذهب والآخر فضة، فقال لي جبريل: اصعد فصعدتُ» ، وجاء في بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ قال في المعراج «وهذا هو الذي يشخص إليه البصر حين تفارق الروح البدن» (١) يعني أنَّ هذا المعراج آلة خاصة يُعرج بالبدن وبالروح في السماء بها. فهي إذاً آلة من جنس الآلات الله أعلم بحقيقتها. إذا تبين ذلك في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج، على هذا الوجه الإجمالي فثَم هاهنا مسائل:

стр. 178

[المسألة الأولى] : أنَّ الإسراء والمعراج يُربطان معا، وأهل العلم مختلفون في هل تَكَرَّرَ الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة، على أقوال كثيرة، وأهمها قولان: ١ - القول الأول: أنَّ الإسراء والمعراج لم يكونا إلا مرة واحدة. ٢ - والقول الثاني: أنَّ الإسراء وقع مرتين، والمعراج وقع مرة واحدة، وهذا هو اختيار الحافظ ابن حجر. والقول الأول أوْلى، وهناك من قال إنَّ المعراج تَكَرَّرَ وأنَّ الإسراء تَكَرَّرَ ثلاث مرات أو أربع مرات. وسبب الاختلاف في تكرر وقوعه هو اختلاف الروايات، فكلما جاءت رواية فيها مُخَالَفة لرواية أخرى مع ثقة النقلة قالوا: إنَّ هذا يُحمل على تعدد الوقوع. ولكن هذا ليس بجيد ولا بصحيح حيث المنهج؛ لأنَّ الإسراء كما هو ظاهر الآية وقع مرة واحدة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] . وقد يكون ثَمَّ احتمال في بعض الروايات أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ لكن الأقرب لظاهر الأدلة أنَّ الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة.

стр. 179

[المسألة الثانية] : متى وقع الإسراء والمعراج ؟ ١ - القول الأول: وهذا عليه أكثر أهل العلم على أنَّ الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، على تباين بينهم في هل السنة تحديداً أم السنة تقريبا؟ - فقال بعضهم سنة إلا شهر. - وقال بعضهم سنة إلا شهرين. - وقال آخرون ثمانية أشهر قبل الهجرة. - وقال آخرون عشرة، إلى آخره. وإذا تبين هذا الاختلاف في كونه قبل الهجرة بسنة لهذا القول، فإنّ معه عدم تحديد وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب. واشْتَهَرَ عند المؤرخين، أصحاب السير أنَّ الإسراء والمعراج وقعا في رجب؛ ليلة السبعة والعشرين. وهذا إنما هو عند طائفة من أهل السّير، وأما أهل العلم المحققون من المحدثين والفقهاء ومن المفسرين فإنهم لا يحملون ذلك على الوقوع في شهر رجب بظهور، وإنما يقولون وقع قبل الهجرة بسنة. ومعلوم أنَّ الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم قبله بسنة يعني أنّ الإسراء والمعراج لم يقع في رجب. والأكثرون من أهل العلم على أنه أكثر من سنة: سنة وشهرين، سنة وثلاثة أشهر ونحو ذلك، والقليل من قال إنه ثمانية أشهر. هذا قول أنه كان قبل سنة. ٢ - القول الثاني: أنه كان قبل ثلاث سنين. ٣ - القول الثالث: أنه كان قبل خمس سنين، واستدلّوا على ذلك بأنَّ خديجة صلّت وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين أو بخمس سنين، قالوا: كيف تصلي وإنما فُرضت الصلوات في ليلة المعراج؟ فكونها صلت يدلّ على أن المعراج وقع في حياتها، وهي ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس سنين. والجواب عن هذا: أنَّ الصلاة كانت مفروضة ركعتين ركعتين؛ ركعة أول النهار وركعة آخر النهار، كما قالت عائشة ﵂ (فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقرت صلاة السفر) (١) . فخديجة ﵂ كانت تصلي؛ ولكن لم تكن الصلاة المفروضة؛ الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج.

стр. 180

[المسألة الثالثة] : الإسراء والمعراج هل وقعا بجسد النبي ﷺ أم بروحه؛ يعني بجسده وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟ اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك: - فقالت طائفة: كان الإسراء والمعراج بروحه. - وقال آخرون: بل بروحه وبجسده. ولم يقل أحد منهم: إنَّ الإسراء والمعراج كانا مناما، فلهذا لا يسوغ أن يُنْسَبْ هذا القول للسلف؛ بل قاله بعض العلماء الذين لم يُدَقِّقوا الفرق بين قول من قال: إنه روح وبين أن يكون مناماً. والصواب الذي عليه عامة أهل السنة؛ أكثر أهل السنة: أنه كان بجسده وروحه معاً في الإسراء والمعراج، ولم يقل أحد من المنتسبين لأهل العلم -فيما أعلم-: إنه أُسري بجسده وروحه وعرج بروحه فقط، وإنما ثَمَّ اتفاق ما بين الإسراء والمعراج؛ لأنه لم يقل أحد أنه ذهب ونام في بيت المقدس. (١) : [[الشريط الرابع عشر]] : إذاً نقول: الصواب أنَّ الإسراء والمعراج كانا بروحه وجسده معاً. ويدلُّ على ذلك أدلة منها: ١- أنَّ الله قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] قوله ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ العبد: اسم للجسد والروح معاً، وليس اسماً للروح، وإنما الروح تُخَصُّ بالإضافة، فيقال: روح العبد، «روح عبدي فلان» ، كما جاء في بعض الأحاديث، وكذلك الجسد يُخَص، فيقال: جسد فلان، أو جسد عبدي فلان؛ يعني إذا كان من الله . أما إطلاق لفظ العبد أو الإنسان فإنه يكون لمجموع الروح والجسد. فإذاً في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنَّ الإسراء كان بالروح والجسد معاً، وإذا كان في الإسراء كذلك، فالمعراج كان بهما جميعا. ٢- أنَّ النبي ﷺ أخبر أنه كان مضطجعاً في بيته، أو في بيت أم هانئ، ففُرِج السقف فنزل جبريل، وفي رواية (أنه ﷺ كان مضطجعا في الحطيم) (٢) -في الصحيحين- فأخذه جبريل فشق صدره ما بين ثُغرَةِ نحره إلى أسفل بطنه، استخرج قلبه إلى آخره، وهذه إنما تكون للجسد، ولا معنى للإسراء بالجسد بدون روح، فصار ثَمَّ تلازم ما بين الإسراء بالجسد والروح معاً. إلى أدلة أخرى في هذا المقام معروفة.
следующие страницы →