المعراج -كما ذكرتُ لك- آلة العُروج وقد جاء وصفها لأنَّ النبي ﷺ لما صلَّى في بيت المقدس أخذه جبريل، قال «فوجدتُ سُلَّمين أحدهما ذهب والآخر فضة، فقال لي جبريل: اصعد فصعدتُ» ، وجاء في بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ قال في المعراج «وهذا هو الذي يشخص إليه البصر حين تفارق الروح البدن» (١) يعني أنَّ هذا المعراج آلة خاصة يُعرج بالبدن وبالروح في السماء بها.
فهي إذاً آلة من جنس الآلات الله أعلم بحقيقتها.
إذا تبين ذلك في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج، على هذا الوجه الإجمالي فثَم هاهنا مسائل:
стр. 178
[المسألة الأولى] :
أنَّ الإسراء والمعراج يُربطان معا، وأهل العلم مختلفون في هل تَكَرَّرَ الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة، على أقوال كثيرة، وأهمها قولان:
١ - القول الأول:
أنَّ الإسراء والمعراج لم يكونا إلا مرة واحدة.
٢ - والقول الثاني:
أنَّ الإسراء وقع مرتين، والمعراج وقع مرة واحدة، وهذا هو اختيار الحافظ ابن حجر.
والقول الأول أوْلى، وهناك من قال إنَّ المعراج تَكَرَّرَ وأنَّ الإسراء تَكَرَّرَ ثلاث مرات أو أربع مرات.
وسبب الاختلاف في تكرر وقوعه هو اختلاف الروايات، فكلما جاءت رواية فيها مُخَالَفة لرواية أخرى مع ثقة النقلة قالوا: إنَّ هذا يُحمل على تعدد الوقوع.
ولكن هذا ليس بجيد ولا بصحيح حيث المنهج؛ لأنَّ الإسراء كما هو ظاهر الآية وقع مرة واحدة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] .
وقد يكون ثَمَّ احتمال في بعض الروايات أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ لكن الأقرب لظاهر الأدلة أنَّ الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة.
стр. 179
[المسألة الثانية] :
متى وقع الإسراء والمعراج ؟
١ - القول الأول:
وهذا عليه أكثر أهل العلم على أنَّ الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، على تباين بينهم في هل السنة تحديداً أم السنة تقريبا؟
- فقال بعضهم سنة إلا شهر.
- وقال بعضهم سنة إلا شهرين.
- وقال آخرون ثمانية أشهر قبل الهجرة.
- وقال آخرون عشرة، إلى آخره.
وإذا تبين هذا الاختلاف في كونه قبل الهجرة بسنة لهذا القول، فإنّ معه عدم تحديد وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب.
واشْتَهَرَ عند المؤرخين، أصحاب السير أنَّ الإسراء والمعراج وقعا في رجب؛ ليلة السبعة والعشرين.
وهذا إنما هو عند طائفة من أهل السّير، وأما أهل العلم المحققون من المحدثين والفقهاء ومن المفسرين فإنهم لا يحملون ذلك على الوقوع في شهر رجب بظهور، وإنما يقولون وقع قبل الهجرة بسنة.
ومعلوم أنَّ الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم قبله بسنة يعني أنّ الإسراء والمعراج لم يقع في رجب.
والأكثرون من أهل العلم على أنه أكثر من سنة: سنة وشهرين، سنة وثلاثة أشهر ونحو ذلك، والقليل من قال إنه ثمانية أشهر.
هذا قول أنه كان قبل سنة.
٢ - القول الثاني:
أنه كان قبل ثلاث سنين.
٣ - القول الثالث:
أنه كان قبل خمس سنين، واستدلّوا على ذلك بأنَّ خديجة صلّت وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين أو بخمس سنين، قالوا: كيف تصلي وإنما فُرضت الصلوات في ليلة المعراج؟ فكونها صلت يدلّ على أن المعراج وقع في حياتها، وهي ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس سنين.
والجواب عن هذا: أنَّ الصلاة كانت مفروضة ركعتين ركعتين؛ ركعة أول النهار وركعة آخر النهار، كما قالت عائشة ﵂ (فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقرت صلاة السفر) (١) .
فخديجة ﵂ كانت تصلي؛ ولكن لم تكن الصلاة المفروضة؛ الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج.
стр. 180
[المسألة الثالثة] :
الإسراء والمعراج هل وقعا بجسد النبي ﷺ أم بروحه؛ يعني بجسده وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟
اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك:
- فقالت طائفة: كان الإسراء والمعراج بروحه.
- وقال آخرون: بل بروحه وبجسده.
ولم يقل أحد منهم: إنَّ الإسراء والمعراج كانا مناما، فلهذا لا يسوغ أن يُنْسَبْ هذا القول للسلف؛ بل قاله بعض العلماء الذين لم يُدَقِّقوا الفرق بين قول من قال: إنه روح وبين أن يكون مناماً.
والصواب الذي عليه عامة أهل السنة؛ أكثر أهل السنة: أنه كان بجسده وروحه معاً في الإسراء والمعراج، ولم يقل أحد من المنتسبين لأهل العلم -فيما أعلم-: إنه أُسري بجسده وروحه وعرج بروحه فقط، وإنما ثَمَّ اتفاق ما بين الإسراء والمعراج؛ لأنه لم يقل أحد أنه ذهب ونام في بيت المقدس. (١)
: [[الشريط الرابع عشر]] :
إذاً نقول: الصواب أنَّ الإسراء والمعراج كانا بروحه وجسده معاً.
ويدلُّ على ذلك أدلة منها:
١- أنَّ الله قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]
قوله ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ العبد: اسم للجسد والروح معاً، وليس اسماً للروح، وإنما الروح تُخَصُّ بالإضافة، فيقال: روح العبد، «روح عبدي فلان» ، كما جاء في بعض الأحاديث، وكذلك الجسد يُخَص، فيقال: جسد فلان، أو جسد عبدي فلان؛ يعني إذا كان من الله .
أما إطلاق لفظ العبد أو الإنسان فإنه يكون لمجموع الروح والجسد.
فإذاً في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنَّ الإسراء كان بالروح والجسد معاً، وإذا كان في الإسراء كذلك، فالمعراج كان بهما جميعا.
٢- أنَّ النبي ﷺ أخبر أنه كان مضطجعاً في بيته، أو في بيت أم هانئ، ففُرِج السقف فنزل جبريل، وفي رواية (أنه ﷺ كان مضطجعا في الحطيم) (٢) -في الصحيحين- فأخذه جبريل فشق صدره ما بين ثُغرَةِ نحره إلى أسفل بطنه، استخرج قلبه إلى آخره، وهذه إنما تكون للجسد، ولا معنى للإسراء بالجسد بدون روح، فصار ثَمَّ تلازم ما بين الإسراء بالجسد والروح معاً.
إلى أدلة أخرى في هذا المقام معروفة.
стр. 181
[المسألة الرابعة] :
أنَّ الإسراء والمعراج اختلفت فيها الأحاديث.
فمن الأحاديث ما أُفرد فيه الإسراء دون المعراج، ومنها ما أُفرد فيه المعراج دون الإسراء، وهي في الصحيح وفي غيره.
وما جرى في الإسراء وما جرى في المعراج يؤخذ من مجموع الأحاديث؛ يعني أن تُجمع الرّوايات الصحيحة التي جاءت في الإسراء وجاءت في المعراج، ويُنْظَرْ ما حدث في الإسراء والمعراج.
يعني أنَّ بعض الروايات -مثلاً فيما رواه البخاري في صحيحه- قال «فأتاني جبريل فأخذني فأركبني على البراق فعرجت في السماء-أو فعرج بي إلى السماء- فاستفتح» وهذا فيه نقص؛ لأنَّ العروج في السماء إنما كان بعد الذهاب إلى بيت المقدس.
وفي بعض الروايات فيها نقص.
المقصود أنَّ الإسراء والمعراج تنوعت الروايات فيه، ونبَّه أهل العلم على أنَّ أحد الروايات في الإسراء والمعراج -مما رُوِيَ عن أنس ﵁ أنَّ فيها خلطاً، وهي رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر في البخاري وفي غيره.
ومسلم ﵀ حينما ذكر الرواية في صحيحه أشار إلى رواية شريك بن عبد الله عن أنس، وقال: فزاد ونقص -يعني شريكاً- فزاد ونقص وقَدَّمَ وأَخَّرَ ولم يسق روايته، وفي روايته أغلاط عند أهل العلم، خالف فيها مجموع أهل العلم الذين رَوَوا ذلك عن الصحابة.
إذاً فمسألة الروايات بها يُعلم ما حصل.
وبالنسبة للمعراج رواية الإسراء فيها يعني الإسراء والمعراج معاً؛ يعني مجموع الروايات، فيه أنَّ فيه وصف الدابة، وفيه تسميتها بالبُراق.
وتسمية هذه الدابة بالبُراق لأمرين:
الأول:
أنها في سرعتها كالبرق، وقد جاء في وصفها أنها -يعني البراق أو أنَّ الدابة- تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ومعلوم أنَّ الإسراء كان بالليل ومعنى ذلك أنها تبصر ليلاً وأنَّ سرعتها عظيمة، فلذلك كان من أوجُهِ تسميتها بالبراق أنَّ سرعتها كالبرق.
٢ - الثاني:
أنَّ لها بريقاً، ولذلك جاء في وصفها أنها دابة بيضاء بين البغل والحمار، ذلك لأنَّ لها بريقاً والبريق يؤخذ من البياض.
النبي ﷺ في الإسراء به مرَّ على أشياء كثيرة حتى وصل إلى بيت المقدس.
قال طائفة من أهل العلم: ارتبط الإسراء بالمعراج مع أنَّهُ لا رابط بينهما من جهة العروج إلى السماء فإنه يمكن أن يكون العروج إلى السماء من مكة، ارتبط الإسراء بالمعراج لأمورٍ؛ يعني لِحِكَمْ فيما استظهروه:
١- الحكمة الأولى: أن يطلع النبي ﷺ في مسيره على الأرض على أشياء تكون أقوى لحجته إذا سأله المشركون، ولو عُرِجَ به إلى السماء مباشرة فإذا سألوه فلن يكون عنده ما يُقَوِّي حجته عليهم بهذا الأمر، ولهذا لما رجع سألوه فأخبرهم عن خبر قافلة، فلما رجع أهل القافلة سألوهم فقالوا: نعم حصل كذا وكذا.
٢- الحكمة الثانية: أنَّ فيها إظهاراً للترابط ما بين مكة وما بين بيت المقدس، وأنَّ بيت المقدس كان قبلة وأنَّ مكة كانت قبلة، فلم يَتَوَجَه أتباعُ الأنبياء إلا إلى: بيت المقدس وإلى مكة المكرمة -يعني إلى الكعبة-.
٣-الحكمة الثالثة: أن يظهر فضل محمد ﷺ حيث يلتقي بالأنبياء في بيت المقدس ثم يصلي بهم.
وقد جاءت روايات مختلفة صحيحة في دخول النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى.
ففيها أنه دخل فقال له جبريل صَلِّ ركعتين، فصلى ركعتين أو صلى جبريل ركعتين، ثم وجد الأنبياء ووجد صفوفاً خلفه فصف معهم، ثم قَدَّمَه جبريل ﵇ فصلى بهم.
ففي هذا إظهار لفضله ﷺ ولمكانته ومَزِيَّتِهِ بالإمامة على سائر الأنبياء ﷺ .
أيضا مما يذكر في الإسراء أنَّه ﷺ مَرَّ بموسى في قبره.
قال -كما رواه مسلم - «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بمُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (١) .
وهذا الحديث رواه مسلم في الصحيح، وطائفة من أهل العلم قالوا: إنَّ في هذا الحديث شذوذاً أو نكارة ولم يقبلوه، والأكثرون على قَبوله؛ يعني أن هذا الحديث صحيح، وابن القيم ﵀ وجماعة ممن يميلون إلى أنَّ فيه مقالاً.
أيضا مما حدث في الإسراء أنَّ أهل العلم اختلفوا في الدَّابة: هل رُبِطَتْ أم تُرِكَتْ؟
فأنكر طائفة أن تكون رُبِطَتْ في الصخرة.
وقَبِلَ هذه الرواية أكثر أهل العلم فقالوا: إنَّ جبريل وَخَزَ الصخرة فانثقبت فربط الدابة فيها.
أما المعراج فلما عُرج به ﷺ أتوا إلى السماء الأولى فاستفتح جبريل.
فقيل له: أمعك أحد؟
قال: نعم.
قيل من؟
قال: محمد بن عبد الله.
فقيل له: (أَوَقَدْ بعث؟) أو (أَوَقَدْ أرسل؟) أو (أَوَقَدْ أوحي إليه؟)
فقال: نعم، فَفُتِحْ له.
قال النبي ﷺ : فلما ولجنا السماء وجدتُ فيها آدم ﵇ -يعني السماء الأولى- إلى آخره، فقيل لي: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه.
стр. 182
قال: فسلمت عليه، ثم ردَّ علي السلام، فقال: مرحباً بالابن الصالح والعبد الصالح.
ثُم عَرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح -يعني حصل مثل الذي حصل؛ من معك؟، أَوَقَدْ أرسل؟ إلى آخره- فوجد في السماء الثانية عيسى ﵇ ويحيى وهما ابنا خالة.
ثُم إلى السماء الثالثة وجد فيها يوسف.
ثُم السماء الرابعة وجد فيها إدريس.
ثُم السماء الخامسة وجد فيها هارون.
ثُم السماء السادسة وجد فيها موسى عليهم جميعا السلام.
ثُم السماء السابعة وجد فيها إبراهيم، وكل يقول له مرحباً بالأخ الصالح والعبد الصالح، إلا آدم
وإبراهيم فيقولان: مرحبا بالابن الصالح والعبد الصالح.
ولما مَرَّ على موسى ﵇ وسلم عليه ورد عليه موسى، قال ﷺ : فلما انصرفت أو فلما ذهبت إذا بموسى ﵇ يبكي فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أَنْ بُعِثَ غلام من بعدي يكون من يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي.
ثُم لقي إبراهيم الخليل ﵇ في السماء السابعة، قال: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى، فإذا نبتُهَا مثل قلال هجر وإذا ورَقُهَا مثل آذان الفيلة.
قال: ثم رفع لي نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت: فقيل لي النهران الباطنان من الجنة والنهران الظاهران النيل والفرات.
ثم أُتِيْتُ بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشربت الإناء من اللبن، فقيل لي: هُدِيت للفطرة أو هذه الفطرة فيك وفي أمتك. أو كما قال ﷺ إلى آخر الحديث.
المقصود أنَّ هذا حديث المعراج وما فيه، هذه إحدى الروايات والروايات في ذلك كثيرة، باختلاف أماكن الأنبياء، واختلاف المقالة، اختلاف ما حصل وكذلك في ما حصل في السماء السابعة.
إذا تبين ذلك فثَمَّ كلام هنا على لُقْيا النبي ﷺ للأنبياء والمرسلين.
стр. 183
[المسألة الخامسة] :
هل لقي النبي ﷺ أجسادَ الأنبياء مع أرواحهم؟ أم إنه ﷺ لقي أرواحهم دون أجسادهم؟
العلماء لهم في ذلك قولان:
١- القول الأول:
قال طائفة من أهل العلم: لَقِيَ أرواحا وأجساداً، واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الدليل الأول: أن هذا هو الظاهر من الجَمْعْ - يعني من أنهم جُمِعُوا له وأنه كلّم آدم وكلّم فلان وكلّم فلان إلى آخره.
- والدليل الثاني: أنه جاء في أحد الروايات قوله (وبُعِثَتْ لي الأنبياء) وبَعْثَةُ الأنبياء له، تدلُّ على أَنَّ ذلك خاص في ذلك الموقف الخاص.
٢- القول الثاني:
أن ذلك إنما هو للأرواح دون الأجساد حاشا عيسى ﵇ فإنه رُفِعَ إلى السماء بروحه وجسده.
وفي إدريس قولان؛ إدريس ﵇ في السماء الرابعة فيه قولان، هل كان رفعه للسماء الرابعة بروحه فقط أم كان بروحه وجسده؟ وفي ذلك خلاف عند المفسرين وعند أهل العلم مأخوذ أو تجده عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] في قصة لا تثبت؛ يعني في قصة لسبب الرّفع لا تثبت.
* والأظهر من القولين عندي أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد خلا عيسى ﵇؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ حين التقى بالأنبياء وصلوا معه ﷺ :
- إما أن يُقال صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحهم في السماء.
- وإما أن يُقال هي بالأرواح فقط؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.
ومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى ﵇ إلى السماء رَفْعاً حيّاً، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائماً ولا وجود لهم في القبور، هذا لا دليل عليه؛ بل يخالف أدلة كثيرة أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.
فمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.
ومن قال بخلافه قال هذا خاص بالنبي ﷺ أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.
وهذه الخصوصية لابد لها من دليل واضح، وكما ذكرت لك فالدليل التأمُّلي يعارضه.
وعلى كل هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.
стр. 184
[المسألة السادسة] :
النبي ﷺ حين رُفع إلى ما فوق السماء السابعة، ورأى البيت المعمور، ورأى سدرة المنتهى، رأى أشياء من آيات الله الكبرى، كما قال ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] .
والنبي ﷺ رأى هذه الأشياء بقلبه ورآها بعينه، كما قال ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ، فصار للفؤاد رؤية، وقال ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فصار للبصر رؤية.
لهذا نقول: رؤية النبي ﷺ لآياتِ رَبِّهِ الكبرى لما فوق السماء السابعة وفي السماء السابعة وما رأى صار بشيئين: بالبصر وبالقلب جميعاً، ولا يقال بالبصر وحده ولا يقال بالفؤاد وحده؛ بل رأى بهما جميعاً.
وهذا يعني أنَّهُ قد يكون ثَمَّ أشياء رآها ببصره وقلبه جميعاً، وثَمَّ أشياء رآها بفؤاده دون بصره.
لهذا قال من قال من أهل العلم: إن النبي ﷺ رأى ربه بفؤاده، وهذا يجرنا إلى المسألة المشهورة:
هل رأى نبينا ﷺ ربه أم لا؟
في قولين للصحابة:
- منهم من قال: رأى ربه.
- ومنهم من قال: لم يره.
كما هما قولان لعائشة وابن عباس ﵃ أجمعين.
* والصحيح من ذلك أن النبي ﷺ لم يرَ ربه وإنما سمع كلامه، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] ، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟؟ قال «نُورٌ فأَنّىَ أَرَاهُ» (١) ؟
يعني ثَمَّ نور وهو الحجاب، حجاب الرب نور، قال «ثم نور أنى أراه» ، وفي رواية أخرى قال «رأيت نوراً» ؛ يعني نور الحجاب.
إذاً فالصحيح أنَّ النبي ﷺ حصلت له أنواع رؤية:
- منها رؤية أشياء بالبصر.
- ورؤية أشياء بالقلب، بالفؤاد.
- ورؤية أشياء بهما جميعاً.
وأما الله ﷻ فلم يره وإنما سمع كلامه ﷺ .
стр. 185
[المسألة السابعة] :
من المشهور المعروف في قصة الإسراء والمعراج المراجعة التي حصلت بين النبي ﷺ وموسى في فرض الصلاة.
فإنَّ الله فَرَضَ الصلاة المفروضة على هذه الأمة خمسين صلاة، ثم رجع جبريل مع النبي ﷺ ثُم لمَّا لَقِيَ النبي ﷺ موسى سأله فقال: «فرض علي خمسين صلاة» ، فقال: إنها لكثيرة وقد عالجت من أمر أمتي ما علمتُ أنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فارجع فاسأل ربك التخفيف. ﷺ : «فاستأذنت جبريل فأذن لي فسألت ربي التخفيف» (١) .
هنا وقع خلاف في الروايات: هل صار التخفيف خمساً خمساً؟ أم كان التخفيف عشراً عشراً حتى وصلت إلى خمس في آخرها؟
* والصواب والأصح أنَّ التخفيف وقع عشراً عشراً؛ يعني كانت خمسين ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشراً فصارت أربعين، ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشراً فصارت ثلاثين، ثم خفف عنه عشراً فصارت عشرين، ثم خفف عنه عشراً فصارت عشراً، ثم خفف عنه خمساً، ثم لما رجع إلى موسى قال: إنها كثيرة إنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فقد عالجتُ من أمر أمتي ما عالجت أو كما قال، فقال نبينا ﷺ : «لقد استحييت من ربي» قال فسمعت من يقول لقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.
هذه بعض المسائل المشهورة في مسألة الإسراء والمعراج، ولا ندري هل غُطِّيَتْ أم لا؟
نرجع إلى ألفاظ المؤلف.
стр. 186
[المسألة الثامنة] : (١)
في قوله (فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) الصلاة هنا على النبي ﷺ من الله ﷻ معناها الثناء عليه ﷺ فإنَّ الصلاة لها استعمالات:
- فالصلاة من الله على عبده، على الأنبياء والمرسلين وعلى المؤمنين ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣] ، تكون الصلاة من الله بمعنى الثناء؛ يعني يُثني على نبيه في الملإ الأعلى.
(اللهم صلِّ على محمد) يعني اللهم أثْنِ على محمد في الملإ الأعلى بما هو أهله ﷺ .
- والصلاة من الملائكة على المؤمنين هو الدعاء لهم والاستغفار ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ يعني الملائكة تدعو لابن آدم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، تستغفر له كما قال ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] .
- والصلاة من العبد للعبد: اللهم صلِّ على فلان؛ يعني اللهم أثني على فلان، صليتُ عليك أو لك؛ يعني دعوت لك، لهذا قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] .
إذا تبين ذلك، فالصلاة من الله مُخْتَصَّة بالأنبياء والمرسلين.
يعني لا يقال على وجه الانفراد (اللهم صلَّ على فلان) إلا أن يكون نبياً أو رسولاً.
أما غيرهم فلا يُصَلَّى عليه على وجه الانفراد، وقد يُصَلَّى عليه على وجه التَّبَع (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) ، (اللهم صل على محمد وآله وصحبه) ، (صلى الله عليه وآله وصحبه) ، هذا يجوز من جهة التّبع، أما من جهة الاستقلال فلا يقال: (صلى الله على آل محمد،) فقط، (صلى الله على الصحابة) فقط.
وقد يجوز على المفرد إذا لم يكن شعاراً، مَرَّة مرتين تارةً تارتين ونحو ذلك، ولا يكون شعاراً، كما قال ﷺ لما جاءه ابن أبي أوفى بالصدقة قال «اللهم صل على آل أبي أوفى» (٢) ، هذا دعاء لهم، هذا يكون على وجه الانفراد، ولا يكون شعاراً.
فإذاً لا يكون شعاراً أَنَّا نُصَلِي على عَلِيٍّ ﵁، كلما ذكر علي ﵁ قلنا ﵇، أو بعض الآل نقول عليهم الصلاة والسلام أو نحو ذلك، فهذا مخالف للهدي هدي الصحابة رضوان الله عليهم.
تجوز الصلاة على المفرد بشرطين -ذكرتهما لك-:
١- الشرط الأول: ألا تكون دائماً، بمعنى أن تكون أحياناً.
٢- الشرط الثاني: أن لا تكون شعاراً على شخص أو على مجموعة؛ مثل الأئمة (صلى الله على الأئمة) ، هذه كلها من شعارات أهل البدع.
هذا ما يتعلّق بهذه الجُمَلْ، ونؤجل الكلام على الحوض في المرة القادمة إن شاء الله تعالى.
هذا الدرس حسب رغبة الكثيرين يكون كالعادة آخر درس لأجل قُرب الاختبارات، ونواصل إن شاء الله مع اليوم الأول من الدّراسة -إن شاء الله تعالى- بعد العيد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 187
الأسئلة:
س١/ ما صحة الرواية التي فيها أنَّ شق صَدْرِهِ كانَ وهو مُسْتَرْضَعْ في بني سعد؟
ج/ الجواب أن هذا صحيح، النبي ﷺ شُقَّ صدره عدة مرات بكل مرة ما يناسبه، ثلاث مرات لكل مرة بما يناسبها، ومن العجيب ما رواه الإمام أحمد من حديث أنس (أنه ﷺ كان يُرَى المخيط في صدره من أثر الشق) (١) ، المخيط في صدره من أثر شقِّ صدره ﷺ .
س٢/ عندما صلَّى النبي ﷺ في بيت المقدس هل بالأجساد والأرواح؟
ج/ هذه ذكرناها.
س٣/ هل كلّم النبي ﷺ ربه في قصة الإسراء والمعراج؟
ج/ هذه الأسئلة قبل تمام الدرس جاء الجواب عليها.
س٤/ هل كان المعراج بالبُراق؟
ج/ لا، البراق دابة رُكِبَ عليها ما بين مكة إلى بيت المقدس فقط، أما المعراج فبالمعراج، يعني يكون السؤال بهذا الشكل معناه أنَّ الدرس ما فُهِم.
س٥/ كيف نوّفق بين رواية أنَّ إبراهيم كان في السماء السابعة وموسى في السادسة وفي فرض الصلاة كان أول من قابل موسى؟
ج/لا، هو نزل فلما بلغ موسى راجعه موسى؛ يعني سأله موسى لا يعني أنه كان في السابعة.
س٦/ هل الكلام من الله يصل مباشرة أم هو وحي؟
ج/ كلام الله ثلاثة أنواع كما قال سبحانه في أخر سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] :
١- الأول: أن يكون وحياً ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ وهذا يدخل فيه النفخ بالروع ويدخل فيه الإلهام ويدخل فيه المنام ويدخل فيه أشياء كثيرة.
٢- الثاني: أن يكون من وراء حجاب ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهو ما كُلِّم به موسى ﵇ وما كُلِّمَ به النبي محمد ﷺ فكان من وراء حجاب.
٣- الثالث: أن يرسل رسولاً ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ سبحانه.
س٧/ ما معنى النهران في الجنة، النيل والفرات و..؟
ج/ هذا نؤمن به والله أعلم بحقيقته، نؤمن بما جاء في الحديث والله أعلم بحقيقته، نهران باطنان ونهران ظاهران.
س٨/ هل التكليم مختصاً بالأنبياء فقط أو يدخل فيه غيرهم؟
ج/ أما تكليم الله ، فهو لم يكلم الله مباشرة إلا موسى ﵇ ومحمد بن عبد الله ﷺ من الرسل، ونضيف عليهم آدم ﵇ من الأنبياء.
س٩/ [سؤال عن الروح وشكلها] ؟
ج/ الروح شكلها شكل الجسد؛ يعني بمعنى لو فُصِلَتْ روحك عنك صارت الصورة واحدة، يكون الجسد الجثمان، والروح مخلوق، الله أعلم بحقيقتها لكن من حيث الصورة واحدة.
ويدل عليه أن النبي ﷺ قال «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٢) ومعلوم أنّ الرائِي للنبي ﷺ في المنام إنما يرى روحه؛ لأن جسده ﷺ مدفون، وإذا كان رأى روحه فإنه يرى روحه على صورة جسده ﷺ الذي كان يعيش في الدنيا بروحه وجسده.
لهذا الروح صورتها صورة الجسد، الروح والجسد نفس الصورة، الروح تدخل في الإنسان؛ يعني في النفخ فيه حينما يكون جنينا وتتشكل مع الجسد، هيئة الروح هي هيئة الجسد والله أعلم بحقائق الأشياء.
س١٠/ هل يجوز أن نقول إن القرآن مُؤَلَفْ؟
ج/ لا يجوز ذلك، هذا من امتهان القرآن؛ القرآن كلام الله ، التأليف معناه الجمع، يُؤَلِّفْ ما بين جملة وجملة ويناسق بينها، ألَّفه؛ يعني جَمَعَهُ ونسَّق بينه؛ بين جمله ومباحثه وإلى آخره.
القرآن كلام الله ، القرآن نزل على سبعة أحرف، هذا من العجيب في كلام الله أنَّ القرآن أنزل على سبعة أحرف.
يعني أنَّ القرآنَ سمعه جبريل على هذا النحو سبعة أحرف فنزل، هذا مما يدل على عِظَمِ كلام الرب ﷻ .
س١١/ ما هو أوَّل مسجد وُضِعَ في الأرض؟
ج/ المسجد الحرام ثُمَّ بعده بأربعين عاماً وُضِعَ المسجد الأقصى، يعني وُضِعَ هذا المسجد الموجود.
والمسجد الحرام بنته الملائكة، يعني الكعبة بنتها الملائكة.
والمسجد الحرام حدد حرمته ابراهيم ﵇، وهو الذي حَرَّمَهُ، يعني ما حول الكعبة.
стр. 188
والمسجد الأقصى أيضاً بنته الملائكة بعد بناء الكعبة بأربعين سنة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] لفظة ﴿أَقْصَا﴾ هذه أَفْعَل فتدل على أنَّ ثَمَّ مسجدا ليس قاصي ولكنه ليس بأقصى، ولذلك فُهم من الآية أنَّ فيها بشارة بالهجرة، وفُهم من الآية فيها إرهاص بالهجرة، وأنه ثّمَّ مسجد سَيُعَظَّمْ سيكون قاصياً عن المسجد الحرام ولكنه ليس أقصى.
ولهذا قال تعالى ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ فكونه كان أقصى يعني أقصى المساجد؛ يعني فيه جمع من المساجد، والمساجد هذه هي الثلاثة المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى.
بيت المقدس أعم، المسجد خاص مثل ما تقول مكة والكعبة أو المسجد الحرام.
بالمناسبة فيه تشوفون في الصور، في القبة الموجودة هذه الزرقاء وأنها ذهبية أو شيء، المهم القبة المعروفة هذه القبة (١) وُضعت على الصخرة، لذلك الذي تحتها يسمى مسجد الصخرة ما هو المسجد الأقصى، وهذا الذي حول الصخرة لا يصلَّى فيه يعني اختياراً؛ لأنّ هذا عُظِّمَتْ فيه الصخرة، الصخرة لا يجوز تعظيمها لا ببناء قبة عليها ولا بتحويطها وإلى آخره، وإنما هي من جملة ما وصل إليه المسجد، فالتعظيم صار للصخرة بالبناء عليها ووضع القبة الحالية عليها هذا بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم.
أما المسجد الأقصى وهو مسجد قديم تشوفونه بعيد، لو شفتوا الصورة هذا هو الذي فيه حصل الصلاة؛ صلاة النبي ﷺ والإسراء كان إليه.
نعم توسعة المسجد الأقصى توسّع وشمل الصخرة هذه وزيادة عليها، فللجميع الاسم الآن، اسم المسجد الأقصى للجميع للمسجد القديم العتيق ولما ألحق به من التوسعة؛ لكن ليس المسجد الأقصى الذي فيه المحراب وفيه يعني الإمام الذي هو ما يسمى بمسجد الصخرة، وهذا من الأغلاط الشائعة.
س١٢/ بالنسبة للنيل والفرات كيف أنهما من أنهار الجنة؟
ج/ هذا قلنا نؤمن بها على حقيقتها، النيل والفرات ولا يعني أنها من السماء بمعنى أن السماء متصلة بالأرض من هذا الموضع، لا، أنت إذا ذهبت إلى الجبال رأيت منابع النيل تجدها ومنابع الفرات تجدها؛ ولكن النيل والفرات وجدهما النبي ﷺ في السماء وهذا حق نؤمن به، كيف ذلك؟ وما اتصال النهرين اللذين في السماء بالنهرين الذين في الأرض؟ الله أعلم بحقيقة ذلك.
س١٣/ أليس الذي بنى المسجد الحرام هو ابراهيم واسماعيل؟
ج/ قال ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] ولمَّا جاء ابراهيم ﵇ إلى الوادي، الوادي ليس فيه أحد فقال ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ، فهو قصد هذا المكان، هذا الوادي عند البيت.
فالبيت موجود لكنه ما وجد منه إلا قواعده.
لكن متى أقيم؟
لمَّا بلغ اسماعيل وشارك أباه ابراهيم عليهما الصلاة والسلام في بنائه ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ يعني بعد بلوغ اسماعيل وإلا فالبيت موجود من قبل.
س١٤/ يقال إنَّ يعقوب هو الذي بنى المسجد الأقصى؟
ج/ ليس بصحيح، المسجد الأقصى بنته الملائكة مثل المسجد الحرام.
(وسئل النبي ﷺ عن أول مسجد وُضِعَ في الأرض، قال الكعبة، قيل ثم أي، قال المسجد الأقصى، قيل كم كان بينهما، قال أربعين سنة) (٢) .
س١٥/هل من صفات الله التَّدَلِّي، وما مفهوم الآية والحديث؟
ج/ هذا التدلي الذي في الآية ليس لله ، والتدلّي الذي جاء في الحديث هذا أهل العلم منهم من أثبته صفة، وذلك منه لأجل تصحيح الرواية، ومنهم من أنكر ذلك وهو الصّحيح؛ لأنَّ هذه من أفراد شريك بن عبد الله بن أبي نمر فلا يؤخذ منه، وعامة أهل العلم الذين رووا الحديث خالفوه في ذلك، أصحاب أنس خالفوه في ذلك.
س١٦/ هل الصخرة لها مكانة شرعية معينة، وما سبب شهرتها؟
لا الصخرة بناء القبة عليها حرام، والتعلق بها حرام، والصخرة ليس لها مكانة، وهي مثل غيرها من الأمكنة.
وسبب شهرتها أنها رُبِطَ بها البراق، وهي قريبة من المسجد الأقصى، فرُبِطَ بها البراق ومشى النبي ﷺ ودخل المسجد.
ويقولون، وهذا لم أره في رواية ثابتة ويحتاج إلى تأمل أنَّه ﷺ عُرِجَ به منها، يعني صعد عليها ومنها طلع، لكن هذا لا أعرفه في رواية ثابتة، يعني لم أره في رواية ثابتة، ويقال إنَّ بها مغارة، وأنَّ النبي ﷺ من هنا خرج، يعني ثَمَّ بها تعلُّقات.
وقد نبَّهَ أهل العلم أئمة السنة أنَّ كل هذه التعلقات بالصخرة وبناء القبة عليها ... إلخ، كل هذا حرام، ومن التعلقات تعلقات بدعية ومن وسائل الشرك.
وفقكم الله جميعا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 189
الحمد الله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسَلِّمْ اللهم تسليما مزيداً، أما بعد:
الأسئلة:
س١/ أكملنا سنة منذ بداية الدروس، وتم شرح ثلث الكتاب تقريباً، وهذا يعني أنه بقي سنتان والعمر قصير فنرجوا منكم النظر في ذلك؟
ج/ الجواب أنَّ الشرح الذي نشرح به الطحاوية الآن شرح متوسط، ليس بالطويل ولا بالقصير؛ لأني أراعي في الشرح حال الذين حضروا قبل ذلك في شروح كتب العقيدة المختلفة مثل الواسطية وغيرها كي يستفيد من سبق له الحضور، والمباحث القادمة ربما كانت أقصر من المباحث الماضية.
س٢/ لقد صدر لكم كتاب بعنوان هذه مفاهيمنا، وقد رأيت أنَّ بعض أهل العلم يذكر أنَّ أمور العقيدة لا تطلق عليها مفاهيم؛ لأنها ترجع إلى ما يعتقده المرء مما دَلَّ عليه الكتاب والسنة لا إلى فهوم الناس، فما تعليقكم على ذلك، إلى آخره؟
ج/ الجواب أنَّ كلام بعض أهل العلم فيما ذكر إنما هو بالابتداء؛ يعني من سَمَّى بحوث العقيدة ابتداءً فُهوماً، مفهوم القدر في الإسلام، مفهوم الشفاعة في الإسلام، يعني من قرّر العقيدة ابتداءً باسم مفهوم.
وهذا ظاهر لأنَّ العقيدة مبنية على النصوص وليست ابتداء يطلق عليها مفهوم أو نحو ذلك.
وقد يُقال إنَّ المسألة إذا اختلف فيها أهل القبلة فإنه يقال فهم -يعني في غير المسائل قطعية الدّلالة- يقال فهم أهل السنة والجماعة كذا، وفهم السّلف الصّالح كذا، وهذا ظاهر بتعبير عدد من أهل العلم حيث عبّروا عن فهمهم لأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بقولهم: والذي يفهمه أهل السنة والجماعة من هذه النصوص كذا.
الحال الثانية وهي في الظاهر لم يُرِدْهَا من ظنَّ السائل أنه أراد بها كتابي (هذه مفاهيمنا) ، الحالة الثانية أن تكون في مقابلة الرد، والرد معلوم أنه يُقابَلُ فيه [الأصل] ويكون كمالاً إذا كان فيه دفع للمبتدع.
وهذا فيه مناسبة بلاغية أيضاً لأنّ الذي رُدَّ عليه بكتاب هذه مفاهيمنا سَمَّى كتابه (مفاهيم يجب أن تُصَحَّحْ) فالرد يكون باستعمال لفظ استعمله هُوَ لتأكيد قوة الأمر وتثبيته بقوله: هذه مفاهيمنا.
وهذا له أصل في اللغة العربية وفي القرآن والسنة فإنَّ الله لا يجوز عليه ابتداء أن يُوصَفَ بصفات؛ لكن إذا كان في مقابلة نقص البشر أو مكرهم أو استهزائهم فإنه يوصف، مثل المكر ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ [الأنفال:٣٠] فلا يطلق ابتداء المكر وإذا كان في مقابلة مكر فيقال يمكر الله بمن مكر، أو الاستهزاء يستهزئون الله يستهزئ بهم، أو المخادعة ونحو ذلك.
ففي تسمية الكتاب هذه مفاهيمنا في مقام الرد فيه صواب وذلك من جهتين:
١ - الأولى: أنّ الرد فيه القوة وفيه الاستعلاء، بما استعلى به صاحب النص والدليل.
٢ - الثانية: أنَّ فيه وجها بلاغيا؛ لأنّ مقابلة النص بتثبيته؛ تثبيت اللفظ والزيادة على ذلك بصحة المعنى، فإنه جائز بل مستعمل في اللغة وفي القرآن والسنة، ومن استعماله في اللغة قول عمرو ابن كلثوم في معلقته:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
مع إجماع العقلاء على أنَّ الجهل من صفات السفهاء، لكنّ لما كان في مقابلة جهل الجاهل صار كمالاً لأنه يدلّ على قوة.
فلما سمّى ذاك كتابه (مفاهيم يجب أن تصحح) كان من الكمال والرفعة أن يُقال (هذه مفاهيمنا) ؛ يعني أنَّ وجوب تصحيحها الذي ادعاه إنما هو باطل ومردود.
مع ظنِّي أنَّ من كتب في انتقاد هذه اللفظة يريد الوجه الأول وهو الابتداء لا الوجه الثاني.
نكتفي بهذا القدر ونبدأ في الكتاب.
[المسألة الأولى] :
أنَّ الحوض دلَّ عليه القرآن باحتمال، ودلَّت عليه السنة بقطع:
أما القرآن فدليل الحوض فيه قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) ﴾ [الكوثر] ، وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ فَسَّرَ الكوثر بأنه (حوض أعطاه الله إياه) (١) ، وهناك عدة تفاسير للكوثر منها أنه نهر في الجنة، وقد جاء أيضا أنَّ الحوض يُسْكَبُ فيه من الكوثر ميزابان يعني يغذونه بماء الكوثر.
وأما من السنة فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في وجود الحوض وفي صفته، وقد رواها عنه ﷺ أكثر من خمسين صحابياً، ولهذا نقول: هي متواترة نقلاً ومتواترة تواتراً معنوياً، فجمعت بين نوعي التّواتر.
وهذا النقل جاء عن أفاضل الصحابة وعن أكمل الصحابة.
فمرويات الحوض ثابتة عن الصحابة عن أبي بكر ﵁ وعن عمر وعن عثمان وعن علي وعن فقهاء الصحابة كابن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبي ذر إلى غير هؤلاء.
فجُلَّة الصحابة رووا أحاديث الحوض على خلاف بينهم في ألفاظها، والنّبي ﷺ كان يكرّر الكلام عن أحاديث الحوض كما روى أبو داوود في سننه عن أحد الصحابة أنه قال (سمعته مرارا لا أقول مرة أو مرتين) (٢) يعني عن النبي ﷺ .
فكان يكرر الأحاديث في الحوض فلذلك حصل فيها بعض الاختلاف كما سيأتي فيما نستقبل.
стр. 192
[المسألة الثانية] :
أنَّ صفة الحوض التي دل عليها الدليل من صحيح السنة.
١- أولاً: من حيث شكله:
هو مربع زواياه سواء وأضلاعه متساوية، وقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ «قال طوله شهر وعرضه شهر زواياه سواء» (١) فهذا يدل على أنَّ شكل الحوض مربع، وأنَّ زواياه قائمة، وأنَّ طوله وعرضه واحد وهو شهر.
واختلفت الروايات كثيرا في طوله وعرضه، ومُحَصَّلُها ما ذكرتُ لك من أنه شهر في شهر، وقد جاء في بعض الروايات قال «هو كما بين المدينة وبيت المقدس» ، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة وعُمَان» (٢) أو قال «عَمَّان» ، وفي رواية قال «هو كما بين المدينة إلى صنعاء» (٣) ، وفي رواية قال «هو كما بين أيلة إلى صنعاء» (٤) وثَمَّ غير ذلك.
وإذا قلنا مسيرة شهر في شهر، فالمراد بالشهر بسَير الجمال السّير المعتاد؛ لأنه هو الفصل في التقدير.
هذا من حيث طوله وعرضه وشكله، شكله مربع وطوله وعرضه شهر في شهر.
٢- ثانياً: من حيث مكانه:
مكانه هو في الأرض المُبَدَّلَة، يعني يوم يبدّل الله الأرض غير الأرض والسموات، هو في الأرض المُبَدَّلَة.
٣- ثالثاً: من حيث آنيته:
آنيته وصفَها ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص وغيره قال «آنيته كنجوم السماء» (٥) وهذا التشبيه بقوله (كنجوم السماء) نفهم منه صفتين:
- الصفة الأولى: الكثرة، في أنَّ كثرتها كثرة نجوم السماء، وهذا يدل على مزيد راحة وطمأنينة في الشرب منه وتناوله، وألا يكون هناك تزاحم على كيزانه، أو أنَّ الناس يشربون بأيديهم.
- والصفة الثانية: أنَّ كيزانه أو كيسانه أو أباريقه أو نحو ذلك كنجوم السماء في الإشراق والبهاء والنور.
فنجوم السماء فيها صفة الكثرة وفيها صفة النور والبهاء.
هذا من جهة وصف كيزانه من حيث العدد ومن حيث الشكل.
٤ - رابعاً: من حيث مائه:
ماؤه من حيث اللون أشد بياضاً من اللبن، كما ثبت في الحديث قال «حوضي طوله شهر وعرضه شهر ماؤه أشد بياضا من اللّبن وأحلى من العسل» (٦) ، وقد جاء في رواية قال «ماؤه أشدّ بياضا من الوَرِقْ» (٧) يعني من الفضة.
ورائحة مائه قال «رائحته كرائحة المسك» (٨) .
ومصدر مائه من الكوثر؛ النهر الذي في الجنة، قال ﷺ «الكوثر نهر أعطانيه الله في الجنة» (٩) .
وقد جاء في صفة الحوض «يشخب فيه من الكوثر ميزابان» (١٠) .
هذه من جملة صفاته.
стр. 193
[المسألة الثالثة] :
اختلف العلماء أين يكون الحوض؟ هل هو قبل الصراط أم بعد الصراط؟ على قولين:
١- القول الأول:
وهو قول جمهور أهل العلم على أنَّه قبل الصراط وليس بعد الصراط؛ لأنّ الأحاديث التي فيها صفة الحوض فيها ذُكِرَ أَنَّ أناسا يُذَادُون عنه ويُدْفَعُون ويُؤْخَذ بهم إلى النار، فيقول النبي ﷺ «ربي أصيحابي أصيحابي» (١) ، أو قال «أصحابي أصحابي فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٢) .
٢- القول الثاني:
وبه قال طائفة من أهل العلم إنَّ الحوض حوضان حوض قبل الصراط وحوضٌ بعد الصراط، فمن لم يشرب منه قبل الصراط بأن أُخِذَ للعذاب من هذه الأمة ثم نَجَى بعد ذلك، فَثَمَّ حوض آخر بعد الصراط يشرب منه.
* ولكن الذي تدل عليه الأحاديث بظهور وكثرة أنَّ الحوض يكون قبل الصراط لا بعده.
ثُمَّ القائلون بأنه قبل الصراط أيضاً اختلفوا: هل هو قبل الميزان أم بعد الميزان؟
على قولين لأهل العلم، والأكثر أيضا أنّه قبل الميزان، وأنّه في العرصات قبل أنْ يأتي الله ﷻ لفصل القضاء وقبل أن تتطاير الصحف وإلى آخر ذلك.
ولشدة طول [.....] الناس فإنّ الله يكرم نبيه ﷺ بهذا الحوض حتى يشرَب منه المؤمنون فلا يظمؤون ولا يقلقون في شدة هول الموقف.
فإذاً نقول الصواب أنَّهُ قبل الصراط وأيضاً أنه قبل الميزان.
قال القرطبي صاحب كتاب التذكرة في الكلام المشهور عنه يتناقله العلماء قال (والمعنى يقتضي هذا؛ لأنَّ الناس يخرجون من قبورهم عطاشا فإذا وافوا الموقف فإنهم يحتاجون مع طول الموقف إلى ما به ذهاب ظمئهم وصدورهم، وهذا يناسب أن يكون إكرام النبي ﷺ بالحوض قبل الميزان) .
стр. 194
[المسألة الرابعة] :
جاء في الأحاديث أنَّ الحوض يُذاد عنه، فقد جاء أنَّ النبي ﷺ يذود أناساً عن الحوض.
وجاء في أحاديث أخرى أنَّ النبي ﷺ يأتيه قوم فيعرفهم فيُذادُون عن الحوض؛ يعني يذودهم غيره ﷺ ، فيقول «يا ربي أصيحابي أصيحابي» إلى آخر الأحاديث التي سيأتي توجيهها.
وهذا يدلّ على أنّ التحقيق أنّ الذَّوْد عن الحوض نوعان:
١- الأوّل ذود عام:
وهو ذود النبي ﷺ غير أمته أن يستقوا من الحوض فيدفعهم أو يمنعهم ويذودهم عن الحوض الخاص بأمته ﷺ ، وهذا الذّود العام منه ﷺ وإبعاد الناس عن حوضه إلا أمته يفيد فائدتين:
- الفائدة الأولى:
أنه ﷺ للمؤمنين به في هذه الأمة رؤوف رحيم، فيريد أن تختص أمته بحوضه، وذلك فيه إكرام لهم ومزيد عناية بهذه الأمة.
- الفائدة الثانية:
أنه قد جاء -كما ذكرنا- أن لكل نبي حوضا، والنبي ﷺ يريد من كل كل تابع لنبي ومؤمن بنبي من إخوانه الأنبياء والمرسلين، يريد أن يذهب إلى النبي ليكون أبلغ في ظهور عظم الرسالة -رسالة النبي إلى قومه- ورأفة قومه به، وإظهار لمن آمن بكل نبي على من لم يؤمن بذلك النبي.
وهذا توجيه جيد أفاده عدد من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر ﵀ ومن تبعه.
٢- الثاني ذودٌ خاص:
فهذا يُذاد عن الحوض طائفة قليلة بالنسبة إلى كثرة من يرده، قد جاء فيه أحاديث كثيرة عنه ﷺ متعددة: أنه إذا ورد الحوض ورد عليه أناس يعرفهم ويعرفونه ثم يُذَادُونَ عن الحوض؛ يعني يُدفَعُونَ بشدة فيقول «يا ربي قومي قومي» وفي رواية «أصحابي» وفي رواية لأنس في الصحيح «أصيحابي أصيحابي» ، فينادي المنادي «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ، في رواية «إنهم لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم مذ تركتهم» ، فهذا دَفْعٌ بشدة عن الحوض لطائفة من المرتدّين ومن المُحْدِثِين.
ولهذا اختلف أهل العلم في هؤلاء الذين يُدفعون عن الحوض من هم؟ (١) على أقوال:
: [[الشريط الخامس عشر]] :
١- القول الأول:
أنّ الذين يُذادُونَ عن الحوض هم الذين ارتدوا من الصحابة بعده ﷺ ، كالذين تبعوا مسيلمة الكذاب أو سجاح أو كَفَرُوا وارتَدُّوا بعد ذلك، وهم قليل.
ويدل على قلتهم أنه ﷺ قال «يذاد قوم» أو يؤتى كما في رواية أخرى، قال «فيأتيني قوم فيُذادون عن الحوض» وهذا يدل على قلّتهم.
ويدل على ذلك أيضا قوله «يا ربي أصيحابي أصيحابي» . (٢)
فقال أهل العلم إنَّ كلمة (قوم) و (أصيحابي) ونحوهما، يدل على قلة العدد لا على كثرتهم.
وهذا يناسب هذا القول؛ لأنَّ عدد الذين ارتدوا بعد النبي ﷺ ممن صحبوه أو حجوا معه حجة الوداع قليل من شرذمة من الأعراب الذين لم يؤمنوا به حق الإيمان.
٢- القول الثاني:
أنِّ الذين يُذادون عن الحوض هم المنافقون.
والنبي ﷺ لم يعرف المنافقين جميعاً فقد قال الله ? له ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] فيأتون يوم القيامة وعليهم سيما أهل الإيمان أو أنهم مع المؤمنين فيظنّهم ﷺ من المؤمنين به ظاهراً وباطناً، ثم يُذادون فيُدْفَعُونَ عن الحوض بشدة، ويساقون إلى النار فيقول «أصحابي أصحابي» باعتبار ما كان عليه ظاهر أمرهم، فيقول (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (٣) ، (أو إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم مذ تركتهم) .
يعني ظَهَرَ نفاقهم واستبان بعد وفاته ﷺ .
٣- القول الثالث:
أنَّ الذين يذادون هم كل من أحدث بعده ﷺ حدثَاً فَغَيَّرَ في دينه إمَّا بالارتداد عن الإسلام إلى الكفر أو بما هو دون ذلك من المحدثات كالبدع المضلة من أنواع البدع المضلة كبدعة الرِّفض والسبئية والخوارج والنّصب والاعتزال، كل هذه من أنواع المحدثات.
والنبي ﷺ قال في وصف من يُذاد «فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ، وهذه من جملة أنواع المحدثات.
(وهذا القول الثالث هو أظهر الأقوال لشموله للقولين السابقين، فنقول:
- أولا: الذين يُذادون كما جاء في بعض الأحاديث الذين ارتدوا ممن شارك في حجة الوداع أو صحب النبي ﷺ ولم يؤمن به إيماناً حقيقياً، فهؤلاء يذادون.
- ثانياً: وأيضاً يذاد المنافقون.
- ثالثاً: وأيضاً يذاد كل أصحاب الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وأشباه هؤلاء من الفرق الذين ضلوا وأحدثوا في الدين وابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله.
قال بعض أهل العلم: ويُلْحَقْ بذلك أيضاً من افترى على الله في دينه؛ يعني كَذَبَ في أمر الدين.
ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده ونحو ذلك بألفاظ متقاربة من أنَّ النبي ﷺ قال «سيكون بعدي أمراء فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظُلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد عليَّ الحوض» (٤) .
قال في وصف هؤلاء «فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم» يعني يكذبون على الدين وهذا يُصَدِّقُهُم على ذلك ويعينهم على الكذب على الدين ويعينهم على الظّلم، فهذا مُحْدِثْ، ولهذا أُلحق بتلك الفئات بقوله ﷺ «فليس مني ولستُ منه ولن يرد عليّ الحوض» .
стр. 195
[المسألة الخامسة] :
خالف في الحوض طوائف من أهل البدع، خالف فيه المعتزلة والخوارج والرّافضة.
١- المعتزلة:
أما المعتزلة فخالفوا في إنكاره أصلاً فأنكروا الحوض، وقالوا هذه الصفة التي وردت لا تُعْقَلْ، فردُّوا الأحاديث المتواترة المتطابقة المتتابعة لفظاً ومعنىً، رَدُّوهَا بالعقل فقالوا (الحوض لا يُعْقَلْ وإنما له معنى يُؤَوَلْ إليه) .
فليس عندهم حوض موجود يوم القيامة وإنما هو معنًى من المعاني.
قالوا: فكيف يكون الحوض قبل الصراط وبين الناس وبين الجنة جهنم الكبيرة، ويكون الحوض يُغْذَى من الجنة، والصراط على جهنم؟
يعني أنهم تخيَّلُوا ما ورد في صفة يوم القيامة بعقولهم، ثم بعد ذلك ردُّوا ذلك، ردُّوا بعض الأحاديث مما لا يتناسب مع الوصف العام الذي تخيّلوه.
ومن المعلوم أنَّ السنة إذا ثبتت ولو بالآحاد، فكيف إذا كانت بالتواتر اللفظي والمعنوي، إذا ثبتت فلا يجوز أن يُسَلَّطَ عليها العقل؛ لأنّ الأمر أمرٌ غيبي.
والمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يُؤَوِّلُونَ الغيبيات: فأنكروا الصراط وأوّلوا الميزان وأوّلوا الصحف وأوّلوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النّقل.
فإذاً مخالفتهم مردودة.
وقال بعض أهل العلم: من أنكر الحوض بعد علمه بالتواتر فإنّه يكفر.
ولكن هذا فيه نظر من جهة تطبيقه لأنَّ التواتر قسمان: تواتر لفظي وتواتر معنوي، وقد يُسَلِّمُونَ بصحة النقل لكن لا يُسَلِّمُونَ بصحة الدّلالة.
٢- الخوارج والرافضة:
أما الخوارج والرافضة: فمخالفتهم ليست في إثبات الحوض، ولكن في أنهم جعلوا أحاديث الحوض على غير ما هي عليه من جهة الصحابة رضوان الله عليهم.
فقالت الخوارج والرافضة: إنَّ الذين ارْتَدُّوا فلم يَرِدُوا على الحوض هم الصحابة، وأولئك جمع كبير من الصحابة.
فيؤمن الخوارج والرافضة بالحوض لكن يقولون هؤلاء الذين رُدُّوا هم الصحابة ويحتجون بأحاديث الحوض على تكفير الصحابة.
فيقول الرافضة مثلا: إنَّ هؤلاء هم أصحاب النبي ﷺ فإنه لم يُسْلِمْ أو لم يبق على الإيمان بعده ﷺ من الصحابة إلا نفر قليل والأكثرون كَفَرُوا والعياذ بالله.
والرَّد على هذه الفِرْية من أوجه:
١- الرد الأول:
الألفاظ المختلفة تدلُّ على تقليل العدد، فقال ﷺ :
- «فيُذاد قوم عن حوضي» هذا في لفظ.
- والثاني «فيذاد أناس عن حوضي» .
- وفي الثالث قال «فأقول يا ربي أصحابي» .
- وفي الرابع قال «فأقول يا ربي أصيحابي» .
فدل ذلك بمقتضى اللغة على أنَّ قوله «يذاد أناس فأقول يا ربي أصيحابي» على أنَّ العدد قليل كما يقول القائل في اللغة (أتاني بنو تميم، إلا قوم منهم لم يأتوا) ، يعني إلا قليل منهم.
فإذا أتت الجملة الكثيرة ثم أُستثني قوم دلَّ على قلة أولئك كيف وقد جاء الحديث فيه ذكر التقليل لقوله «أصيحابي أصيحابي» .
٢- الرد الثاني:
أنَّ الذين نقلوا أحاديث الحوض عن النبي ﷺ هم الذين زعمت الرافضة أنهم كَفَرُوا، وهم جمعٌ كبيرٌ أكثر من خمسين صحابياً يقول الرافضة إنَّ هؤلاء كفروا، وهم الذين نقلوا أحاديث الحوض.
فنقول: إن كنتم صَدَّقْتُم بأنَّ ما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديث الحوض وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟
وإنّ كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف يَنْقُلُ هؤلاء الجلة من الصحابة والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرُهم؟
لا شك أنَّ فهم الجمع الغفير، بل عامة الصحابة، بل كل الصحابة لأحاديث الحوض، وكونهم رَوَوهَا وتناقَلُوهَا جميعاً -جميع الصحابة وجميع التابعين- نَقَلُوهَا وتَنَاقَلُوهَا مع تَرَضِّيهِمْ عن الخلفاء الأربعة جميعاً وعن العشرة المبشرين بالجنة ما يَدُلُّ دَلَالَةً قاطعةً على أَنَّ هذا الفهم لتلك الأحاديث لم يكن معروفاً عند الصحابة ولا التابعين ولا تبع التابعين.
وكون فَهْمٍ في الأحاديث يكون غائباً عن الصحابة جميعاً وعن التابعين وعن تَبَعِ التابعين ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدلّ على أنَّ هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين.
وإذا كان كذلك فالقاعدة المتفق عليها (أنَّ الفهم إذا كان مُحْدَثَاً وغابت القرون المفضلة ولم تَفْهَمْ هذا الفهم، فإنَّ معنى ذلك أنَّ هذا الفهم غير صحيح) .
وهذا هو الذي يلاحظ في الواقع، فإنَّ الذين ارتدوا من أصحاب النبي ﷺ ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم نفر قليل ممن قاتلوا مع مسيلمة أو كَفَرُوا بعد إسلامهم من شذاذ الأعراب وطوائف ممن قال الله فيهم ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] .
وكلام الرافضة لهم كلام طويل في الاستدلال بأحاديث الحوض على مسألة تكفير الصحابة ليس هذا محل بسطها وبيانها.
стр. 196
[المسألة السادسة] :
أَنَّ الشرب من الحوض -ورود الحوض- له أسباب في هذه الدنيا ينبغي؛ بل يجب على الموحّد أن يحرص عليها، بل يجب على كل مسلم أن يحرص عليها:
١ - أن يكون غير مُحْدِث في الدين حَدَثَاً؛ يعني كلُّ ما لم يكن على عهده ﷺ من أنواع الاعتقاد والعلم فإنه يجب ردُّه، يعني أن لا يَعْتَبِرَهُ حقَّاً.
فإذاً العقيدة والدين هو الذي كان عليه ﷺ وأصحابه في عهده، فكلّ من أتى بشيءٍ جديدٍ فإّنه لا يأمَن أن يكون داخلا في قوله «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ، حتى إنَّ أهل العلم أدْخَلُوا في ذلك كما سمعت كل من أَحْدَثَ بِدْعَة في الاعتقاد من: المرجئة والخوارج والمعتزلة والكلاّبية والرّافضة والسّبئية إلى غيرها من الفرق الغالية والمتوسطة والخفيفة، كل من أحدث حدثَاً يدخل في ذلك.
* فلهذا يجب على الموحد وعلى المؤمن أن يحرص تماماً على أن يحظى بهذه التَّكرمة العظيمة وهو ورود حوض النبي ﷺ الذي (من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) (١) وأمِن في يوم الفزع أمن في يوم الحَزَن حيث قال الله ? ﴿لَا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] ، ومن أسباب عدم الحَزَن أنه يأمن قبل تطاير الصحف بأن يشرب من حوض النبي ﷺ .
لذلك صار اهتمام المهتم بالتوحيد وبالعقيدة وبالدين الصحيح لأجل أن يأمن على نفسه وأن يحظى بهذه التّكرمة العظيمة يوم القيامة.
٢- أن يُخَلِّصَ قلبه من الغش والغل لخيرة هذه الأمة وهم صحابة رسول الله ﷺ ، فإنَّ النبي ﷺ معه من أحب، والصحابة معه يوم القيامة كما ثبت «أنت مع من أحببت» (٢) ، وإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن ينتقد الصحابة أو أن يُبغض بعضاً منهم أو نحو ذلك؛ بل يجب عليه أن يحب الجميع فلعله أن يحشر في زمرتهم وأن يرد حوض نبيه ﷺ معهم.
٣- أن يكون بعيداً عن الافتراء في دين الله ?؛ كما ذكرت لك من الحديث الصحيح أن النبي ﷺ ذَكَرَ أنَّ من صفة الذين لا يردون عليه الحوض قال «يكون بعدي أمراء فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد عليّ الحوض» ، وهذا الأمر شديد في أنَّ المرء لا يكذب على اسم الله، وأيضاً إذا خالط أحداً فلا يصدقه على كَذِبِهْ، فلا يصدّق من يكذب على دين الله.
ولهذا المسألة العظيمة هي هذه؛ في أنَّ المرء يَعْلَمْ الدين ويعتقد الاعتقاد الصحيح ويَعْلَمْ الشريعة ولا يعين المرء المسلم مَنْ كَذَبَ على الدين؛ بل يجب عليه أن لا يُصَدِّقَ أحداً في كَذِبِه وأن لا يُعِينَ أحداً على ظلمه، بل يسأل الله ? السلامة والعافية.
وأكثر ما يورد الناس النار يوم القيامة اللسان، فذلك ينتبه المرء بأنه لا يقول شيئاً يكون كذباً على الدين، يعني قد تقول لا أدري والمسألة سهلة، أو إن استطعت أن تنطق بالحق، فهذا يعني فيمن كذب على دين الله فهذه مرتبة عظمى.
أما أن يقول المرء في دين الله ? بما لا يعلمه فهذا قد يكون افتراء على الدين.
ولهذا ذكر السَّفَّاريني ﵀ في عقيدته المعروفة في منظومته ذكر جملة هذه الصفات بقوله:
عنه يُذادُ المفتري كما ورد ومن نحا سبل السلامة لم يُرَد
أي أَنَّهُ يُذاد عن الحوض المُفْتَرِي على الله ?؛ يعني من كَذَبَ على الله ? في العقيدة أو في الدين فنسب شيئاً إلى الله ? أو إلى دينه إنما هو محض تَخَرُّصْ منه، ما اجْتَهَدَ اجْتِهَادَاً أخْطَأَ فيه أو هو معذور في اجتهاده؟ لا، وإنما هو مَحْضُ تَخَرُّّْص واستهانة وعدم مبالاة بما ينسبه للشريعة وللدين، وهذا أمْرٌ يجب على المرء أن يحافظ على لسانه من أن يفتري على الله ?، والله سبحانه نَهَى عن أن يُقَال عليه ما ليس للمرء به علم فقال ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، فقَرَنَ بين الشرك وبين القول على الله بلا علم.
٤- أن يبتعد المرء عن الكبائر والذنوب؛ عن المداومة عليها، وإذا أَذْنَبَ يرجع ويستغفر لأنَّ جمعَاً من أهل العلم قالوا إنَّ الذين يُلَازِمُونَ الكبائر لا يرِدُون الحوض، وأخذوا ذلك من قوله ﷺ فيقال «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ، والناس في عهد النبي ﷺ كانوا إذا أذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا ولم يكن بينهم -يعني من الصحابة- ممن هو مداوم على الكبيرة غير تائب منها.
لهذا يحرص المرء على أن يأتي بالسبب الذي به غفران الله ?، وأن يُكْرِمَهُ الله بحوض نبيه ﷺ في أنه يبتعد عن الكبائر والموبقات والآثام، وأنّه إذا غشي شيء من المعاصي فيُنيب ويستغفر ويُتْبِع السَّيئة الحسنة لتُمحى عنه السيئات.
أسال الله أن يجعلني وإياكم ممن أُكْرِمَ بالورود على حوض النبي ﷺ ، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد.
مباحث الحوض كثيرة لو نسيت شيئا منها ستجدونه إن شاء الله في الكتب المختصّة.
стр. 197
الأسئلة:
س١/ تعريف الصحابي أَنَّهُ مات على الإيمان، فلماذا نقول إنَّ بعض الصحابة ارتدوا؟
هل هناك فرق ما بين الإطلاق الاصطلاحي والإطلاق غير الاصطلاحي؟
ج/ أما الاصطلاحي فإنَّ الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مُؤْمِنَاً به ومات على ذلك.
وكلمة (مات على ذلك) هذه فيها خلاف، (مُؤْمِنَاً به) كم المدة ساعة شهر يوم؟ أيضا فيها خلاف بين أهل العلم.
لكن التعريف الراجح للصحابي هو ما ذكرته لك.
(من لقي) فلا نقول رأى؛ لأنَّ الرؤية في بعض الصحابة لم يكونوا مبصرين، نقول: من لقي النبي ﷺ مُؤْمِنَاً به ومات على ذلك.
زاد بعض أهل العلم ولو تخللت ذلك ردة؛ يعني ارْتَدَّ ثم رجع، فمن لقي النبي عصلى الله عليه وسلم مُؤْمِنَاً به ومات على ذلك -يعني مات على الإيمان به- فهو صحابي وإن قلت المدة لشرف الصحبة، ولهذا نقول الذي جاء في الأحاديث يعني باعتبار ما كانوا عليه.
الذي يقول لماذا نقول أن بعض الصحابة ارتدوا يعني بعض من كان صحابيا وارتد، كان صحابيا فارتد.
س٢/ [.....]
القاعدة ما فيه فرق:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
الجهل نقص، وكُمَّل الرجال لا يَجْهَلُون؛ لأنَّ الجهل من صفة السفهاء، ولذلك قال ? ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:٦٣] ، الجهل صفة نقص؛ لكن لمَّا كان جَهْلُهُ في مقابلة جهل الآخرين؛ يعني سَفَهِهِمْ ونَقْصِهِمْ، فإنَّ وصف نفسه بالجهل لا يريد منه صفة النقص، وإنما يريد منه صفة الكمال والقوة والقدرة عليهم والاستعلاء عليهم والمُلك إلى غير ذلك.
لهذا نقول البيت يدل على أنَّ صفة النّقص إذا كانت في مقابلة صفة نقص أخرى فإنَّ الاتصاف بها كمال، ولهذا المكر في أصله نقص؛ لكن لَمّا كان في مقابلة مكر صار الاتصاف به كمالاً من جهة قوة الله ? وقدرته وهيبته وجبروته وعظمته إلى غير ذلك، كذلك استهزأ به بعض العباد فقال ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] ، يعني في مقابلة فعلهم ذلك مما يدل على كمال الله ? وقدرته وعظمته وجبروته وقهره لعباده.
س٣/ [.....]
هذه مسألة أخرى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] ، يعني ما ساءك هذا راجع للتفسير، ما ساءك من اعتداء غيرك عليك فأثب إليه بالاعتداء عليه؛ لكن هو إساءته ظلم أو اعتداء، وإساءتك إليه هذه قِصاص وحق لك، هذا من جهة.
والجهة الثانية أنَّ قوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ يعني في اعتبار المتلقي لا في اعتبار الفاعل.
س٤/ هل إذا قلنا إنَّ شكل الحوض مربع نجزم بذلك وهو من المغيبات التي لا نقول، أم نقول إنَّ زواياه متساوية وأضلاعه مسيرة شهر؟
ج/ زواياه سواء -هذا كلام النبي ﷺ وأضلاعه مسيرة شهر؛ يعني كل ضلع مسيرة شهر وهذا يدل على أنه مربع، لذلك صرّح طائفة من علماء السنة بأنه مربع الشكل.
نكتفي بهذا القدر وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 198
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
الأسئلة:
س١/ ما رأيكم في من يقول بأنَّ الحوض مُدَوَّرْ، ويستدل لذلك بأن طوله وعرضه سواء، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كان مُدَوَّرَاً؟
ج/ الجواب أنّ طوله وعرضه سواء لا يقتضي أن يكون مُدَوَّرَاً، وقد جاء في الرواية الأخرى «طوله مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر زواياه سواء» ، وهذا يدل على أنَّهُ ليس بدائري.
س٢/ ما معنى قول القائل: قَدَّسَ الله روح فلان؟
ج/ التقديس معناه التطهير، قَدَّسَ الله روح فلان يعني طَهَّرَ الله روح فلان من الذنوب أو من أثر الذنب من السيئات من المعاصي، وهذا التطهير يكون بمغفرة الله لذنبه، أو بمنّ الله ? عليه بأن يجعل ما أصابه كفّارة، أو بغير ذلك من الأسباب بتهيئة دعاء المؤمنين.
المقصود أنّه دعاء بأن يطهر الله روح فلان، هذا لا بأس به، قدّس الله روح فلان لا بأس به؛ لأنّ معناه طهر الله روح فلان، ومن أسماء الله القدّوس؛ يعني المُطَهَرْ من كل عيب ونقص:
لا في الذات، ولا في الأسماء، ولا في الصفات، ولا في الأفعال، ولا في الأمر: أمره الكوني القدري، ولا في أمره الديني، في هذه الخمسة.
وهناك عبارة أخرى لا تجوز وهي قول بعضهم: قدّس الله سِرَّه، كلمة سرّه هذه هي المُنْكَرَة؛ لأنّ هذه اللفظة يستعملها من يعتقد في الأموات بأنّ روح فلان لها سِرْ، ولذلك يطلقون على من له السّر السيد، على اعتقاد أنّه الذي فيه السِرْ، فيخصُّونَ بعض الأولياء الذين يُعتَقَدُ فيهم بأنهم يجيبون، أو أنَّ الدعاء عند قبرهم مستجاب، أو أنَّ الاستشفاع بهم يحصل به المقصود ونحو ذلك، يخصونه بقولهم قدس الله سره، وهذا غلط ومنكر؛ لأنَّ الروح ليس فيها سر، روح الناس روح المؤمنين ليس فيها أسرار، وهذا بالإضافة إلى أنَّ هذه الكلمة لم تأتِ لا في اللغة ولا في الشرع.
س٣/ ما معنى قول النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» (١) ؟
ج/ هذا الحديث يطول الكلام عليه؛ لكن خلاصة الكلام أنَّ الصورة هنا بمعنى الصفة؛ لأنَّ الصورة في اللغة تطلق على الصفة كما جاء في الصحيحين أنَّ النبي ﷺ قال «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر» (٢) يعني على صفة القمر من الوضاءة والنور والضياء، فقوله ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» ؛ يعني خلق آدم على صورة الرحمن أ؛ يعني على صفة الرحمن، فخص الله ? آدم من بين المخلوقات بأنَّ جعله مَجْمَع الصفات وفيه من صفات الله ? الشيء الكثير؛ يعني فيه من أصل الصفة على التقرير من أنَّ وجود الصفة في المخلوق لا يماثل وجودها في الخالق، فالله ? له سمع وجعل لآدم صفة السمع، والله ? موصوف بصفة الوجه وجعل لآدم وجهاً، وموصوف بصفة اليدين وجعل لآدم صفة اليدين، وموصوف بالقوة والقدرة والكلام والحكمة، وموصوف ـ بصفة الغضب والرضا والضحك إلى غير ذلك مما جاء في الصفات.
فإذن هذا الحديث ليس فيه غرابة كما قال العلامة ابن قتيبة ﵀ قال (وإنما لم يألفه الناس فاستنكروه) .
فهو إجمالٌ لمعنى الأحاديث الثانية الأخرى في صفات الله ?، «خلق آدم على صورته» يعني خلق آدم على صفة الرحمن ? فخصَّهُ بذلك من بين المخلوقات.
الحيوانات قد يكون فيها سمع فيها بصر لكن ما يكون فيها إدراك ما يكون عندها حكمة ما يكون كلام خاص إلى آخره.
فآدم خُصَّ من بين المخلوقات بأنْ جَعَل الله ? فيه من الصفات ما يشترك بها في أصل الصفة لا في كمال معناها ولا في كيفيتها مع الرحمن ﷻ ، تكريما لآدم كما ذكرنا لك.
وهذا ملخص الكلام فيها وإلا فالكلام يطول لأنَّ هذا الحديث كثيرون لم يفهموا المراد منه، ولا حقيقة قول أهل السنة والجماعة في ذلك.
س٧/ يقول ذكرت أن قول قدس الله سره لفظة منكرة، وقد أكثر منها الإمام السَّفَّاريني عند ذكره لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهل لذلك معنى؟
ج/ أحياناً العالم أو المؤلف يستعمل عبارة على حسب ما دَرَجْ، ولا يعني حَقِيقَةَ العبارة، فلذلك يُفَرَّقْ بين من يستعلمها يقصد المعنى وبين من يستعمل العبارة مُشَارَكَةْ، فالحكم يختلف:
فالذي يقصد المعنى أنَّ روح فلان لها سر وأنها تُغِيث فهذا شرك أكبر.
والذي يستعمل اللفظ من غير قصد لما يستعمله الآخرون منها، فإنه يقال تَسْتَبْدِلْ تلك بغيرها كما قال ? ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] ، فنهاهم على قول ﴿رَاعِنَا﴾ لاستعمال اليهود لها بمعنى الرعونة الإيذاء، ووجَهَهُم إلى غيرها مع أنها تحتمل أن تكون من المراعاة، فقال ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ فأبدلهم بكلمة لا إشكال فيها ولا شبهة ولا يشتركون فيها مع من يحرفون الكلم عن مواضعه.
[المسألة الأولى] :
- الشفاعة في اللغة: من الشَّفْع وهو الزوج ضد الفرد؛ لأنَّ الدّاعي أو المُتَوَسِّطْ صار زَوْجَاً للسائل بعد أن كان السائل فرْدَاً، فَسُمِّيَ شَفِيعَاً؛ يعني سُمِّيَ شَفِيعَاً لأنه شفع؛ يعني صار زوجاً له؛ يعني صار ثانيا معه.
وحقيقة الشفاعة في اللغة هي السؤال، سؤال الشافع للمشفوع له في حاجةٍ ما وطلب ذلك.
فَرَجَعَتْ في اللغة إلى معنى السؤال والدعاء، فمن قال لأحد اشفع لي عند فلان؛ يعني اسأل لي واطلب لي، توسط لي ونحو ذلك.
- وأما في الاصطلاح: فالشفاعة اسم عام لكل دعاء للنبي ﷺ (١) يوم القيامة لأمته، فكل دعوى يدعو بها ﷺ في العرصات يوم القيامة فإنها تعدُّ من الشفاعة.
يعني أنه إذا جاء في الحديث: فسألت الله لأمتي كذا، أو أسأل الله لأمتي، أو فأدعو الله لأمتي، هذه كلها شفاعة.
ولهذا أهل العلم جعلوا -لأجل ما جاء في الأحاديث- الشفاعة عدة أقسام لتنوع العبارات في ذلك.
стр. 201
[المسألة الثانية] :
أنَّ الشفاعة في أحكامها قسمان:
- شفاعة في الدنيا.
- وشفاعة في الآخرة.
والذي أراده الطحاوي هنا الشفاعة في الآخرة لأنه عبَّر بقوله (الَّتِي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ) .
ولكن لما كان ثَمَّ من يخالف في أحكام الشفاعة في الدنيا والآخرة وفي تأصيلها وفي العقيدة الصحيحة فيها يذكر العلماء هنا ما يتّصل بالشفاعة في الآخرة وأيضا الشفاعة في الدنيا، ويبيِّنون أحكام ذلك بالنسبة للنبي ﷺ ولعموم المكلّفين.
стр. 202
[المسألة الثالثة] :
الشفاعة في الآخرة اختلف فيها الناس إلى أقوال متعددة:
- فَثَمَّ شفاعة مُجْمَعْ عليها، وهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف كما سيأتي.
- وهناك شفاعة أنكرها المعتزلة والخوارج وطوائف وهي الشفاعة لأهل الكبائر من الأمة في أن يعفو الله ? عنهم وأن يخرجهم من النار.
-وهناك أنواع من الشفاعة يختلف فيها نَظَرُ العلماء من أهل السنة ومن غيرهم لأجل ورود الدّليل عليها.
* وهذه الثالثة لا تُعَدُّ من الخلاف في العقيدة؛ لأنّه قد يُثْبِتُ الشفاعة من رَأَى صحة حديث وقد ينفيها آخر لعدم ثبوت الدليل عنده بذلك، فهي إذاً مأخذ اجتهاد.
стр. 203
[المسألة الرّابعة] :
أنَّ الشفاعة التي للنبي ﷺ بما جاء في الأخبار يوم القيامة أنواع:
١- أولاً: الشفاعة العظمى:
وهي شفاعته ﷺ لأهل الموقف أن يُحَاسَبُوا، فإنَّ الناس يوم القيامة يمكثون زماناً طويلاً في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، ينتظرون الفرج وهم في شدة كرب وشدة حر وخوف وهلع، ينتظرون الحساب، وينتظرون تبيين المنازل، فيأتون إلى الأنبياء، يأتون إلى آدم يستغيثون به يطلبونه أن يشفع لهم، قال «فيأتون إلى آدم فيقولون له أنت أبونا ألا ترى ما نحن فيه اشفع لنا» فيعتذر عن ذلك متذكراً ذنبه ﵇، ثم يأتون إلى نوح فيسألونه، ثم يأتون إلى إبراهيم ثم يأتون إلى موسى ثم يأتون إلى عيسى عَلَيْهِم جميعا السَّلاَمُ، كل أولئك يعتذرون وبعضهم يذكر سؤالاً له وبعضهم يذكر ذنباً له، كما جاء في الحديث الطويل المعروف حديث الشفاعة (١) .
ثم يأتون إلى النبي ﷺ فيقول ﷺ «أنا لها، أنا لها» ، فيذهب فيخر تحت العرش بعد نزول الجبار أ) ، قال ﷺ «فأحمد الله بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن» فيقال: «يا محمد ارفع رأسك وسل تُعطَ واشفع تشفع» الحديث.
وهذا فيه من جهة السياق ما يدل على أنَّ المراد من هذا السؤال أن يشفع لهم ﷺ في تحقيق ما طلبوا، وإن لم يرد له ذِكْرٌ في الحديث، في تحقيق ما طلبوا وهو أن يحاسبوا وأن يرتاحوا من الموقف.
فهذه هي الشفاعة العظمى جاءت فيها عدة أحاديث، وعليها التفسير في قوله ? ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، وكما جاء في دعاء المجيب للأذان (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدّته) .
(المقام المحمود) هو المقام الذي تحمده عليه الخلائق جميعا، ويُثْنِي عليه به ﷺ جميع الخلائق الذين وقفوا في الحساب، وهو مقام الشفاعة العظمى؛ لأنه بدعائه ﷺ وشفاعته يرتاح الناس من ذلك الموقف العظيم الذي لا يُتَصوَّرْ ولا يَعرف هوله إلا من قام فيه، أعاننا الله ? على كرباته وأمننا وإياكم من الفزع الأكبر.
٢- ثانياًً: شفاعته ﷺ في أهل الكبائر:
وهذه قد جاء بها الدليل الخاص في قوله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٢) .
وقد سأل أبو هريرة ﵁ نبينا ﷺ فقال له (يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟) فقال ﷺ «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٣) خَرَّجَاه في الصحيحين، فقوله «أسعد الناس بشفاعتي» يعني سعيد الناس بشفاعتي، فـ «أسعد» أَفْعَل على غير بابها بمعنى (فَعِيل) ، يعني سعيد الناس بشفاعتي كما قال سبحانه ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] ، ليس معناه أنهم أحسن مقيلاً من أهل النار، فيشترك أهل النار معهم في حُسْنِ مقيل، بل معنى قوله ﴿أَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ يعني حَسَنٌ مقيلهم.
فأفعل ليس على بابها في المفاضلة؛ ولكنها بمعنى المصدر يعني حَسَنٌ مقيلهم، سعيد الناس بشفاعتي ونحو ذلك.
وهذه الشفاعة لأهل الكبائر لها نوعان؛ يعني لعموم اللفظ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» نوعان:
أ - النوع الأول: قومٍ أَهْلُ كبائر رَجحت سيئاتهم على حسناتهم، فأُمِرَ بهم إلى النار فيَشفع فيهم ﷺ في أن لا يدخلوا النار، فيُشفَّع فيهم ﷺ .
ب - النوع الثاني: في أقوامٍ دخلوا النار فيشفع فيهم ﷺ أن يخرجوا منها، فيخرجون منها كأنهم الحِمَمْ فيوضعون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في جانب السيل.
٣ - ثالثاً: شفاعته ﷺ في أن يدخل أقوام الجنة بغير حساب ولا عذاب:
وهذه يُستدلّ لها بقول عُكَّاشة في حديثه (يا رسول الله أدعوا الله أن يجعلني منهم) قال (أنت منهم) (٤) .
٤ - رابعاً: شفاعته ﷺ في رفع درجات بعض أهل الجنة:
وهذه يذكرها أهل العلم، ولم يورِدُوا عليها دليلاً بيِّنا، وهي شفاعة متفق عليها حتى عند أهل البدع.
فيُسْتَدَلُّ لها:
@ بالإتفاق.
@ بما استدل به ابن القيم ﵀ في شرحه على تهذيب سنن أبي داوود حيث قال (ويستدل لها بقوله ﷺ لما صلى على أبي سلمة «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين» (٥) . فقوله «وارفع درجته» دعاء في الدنيا له وهذا معنى الشفاعة) .
стр. 204
٥- خامساً شفاعته ﷺ في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم وصاروا على الأعراف، في أن يعفوا الله ? عنهم ويُدخلهم الجنة:
فهؤلاء يدخلون في عموم قوله ? ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦] ، على أحد أوجه التفسير من أنَّ أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيُجعلون على رأس جبل بين الجنة والنار لأجل التساوي، إذا نظروا يمنة إلى الجنة سُرُّوا، وإذا نظروا شمالا إلى النار خافوا، فَيُشَفَّعْ فيهم ﷺ إكراماً له في أن يجعلهم الله ? من أهل الجنة.
٦ - سادساً شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة:
فإنَّ الناس إذا جاوزوا الصراط يُحبسون في عرصات الجنة مدة، ثم يأتي ﷺ فيقرع باب الجنة فيُفتح له، ويسأل الله ? قبل ذلك أن يأذن لأهل الجنة بدخولها، فيدخلون برحمة الله ?، ثم بشفاعته ﷺ ، وهو ﷺ أول شافع وأول مُشَفَّع؛ يعني من حيث الجنس هو أول شافع وأول مُشَفَّع.
٧ - سابعاً شفاعته ﷺ لأبي طالب عمِّه في أن يخفف الله ? عنه العذاب:
فيُشَفَّع فيه فيكون في ضحضاح من نار نعلاه من نار يغلي منهما دماغه، نعوذ بالله من عذابه.
هذه سبعة أنواع وبعض أهل العلم يجعلها ثمانية؛ لأجل أنَّ أهل الكبائر -كما ذكرنا لكم- نوعان، فيجعل شفاعته لأهل الكبائر يعدها نوعين من الشفاعة، وهي واحدة لأن الدليل فيها واحد.
стр. 205
[المسألة الخامسة] :
الشفاعة يوم القيامة ليست خاصة بالنبي ﷺ ولا بالأنبياء؛ بل تَشفع الملائكة ويَشفع المؤمنون بدرجاتهم: (العلماء والشهداء والصالحون يشفعون) ؛ كما ثبت في الصحيح أنَّ الله ? يقول يوم القيامة «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيأمر الله ? بأقوام في النار لم يعلموا خيرا قط أن يخرجوا» (١) إلى آخر الحديث؛ يعني أنَّ الشفاعة ليست خاصة بالأنبياء بل الملائكة تشفع كما قال ? في وصف الملائكة من حملة العرش وغيرهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥] ، وهذا استغفار قبل معاينة المصير والعذاب، وهم أرحم ومُتَوَلِّيْنَ لأهل الإيمان إذا رأوا العذاب ورأوا المصير.
قال «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون» فإذاً الشفاعة عامة فكل مؤمن صالح يشفع؛ يشفع في قريبه، يشفع في من شاء.
стр. 206
[المسألة السادسة] :
الشفاعة لا تنفع عند الله ? مطلقا كما قال سبحانه ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] ، فليس كل شافع يُشفَّع وليست كل شفاعة تُقبل بل لا تنفع الشفاعة لا من الأنبياء ولا من الملائكة إلا بوجود شرطين فيها:
١- الشرط الأول: أي يأذن الله للشافع أن يشفع.
٢- الشرط الثاني: رضا الرحمن أعن المشفوع له.
كما قال سبحانه ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] ، وقال سبحانه ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] ، يعني فيمن تنفعه الشفاعة.
لهذا قال العلماء يُشترط لحصول الشفاعة وقبولها:
١ - إذن الله ﷻ
٢ - الرضا.
أ - أولاً: إذن الرحمن ﷻ .
المقصود بالإذن: الإذن الشرعي والإذن الكوني.
فإنَّ العبد لا يبتدئ بالشفاعة كونَاً إلا بعد أن يشاء الله ? أن تقع منه الشفاعة كونَاً؛ يعني في الدنيا وفي الآخرة.
وكذلك لا بد لتحقيق هذا الشرط من الإذن الشرعي، فإذا شفع في من لم يُؤْذَنْ شرعاً بالشفاعة فيه، فإن الشفاعة لا تُقْبَلْ.
مثاله شفاعة إبراهيم في أبيه قال ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] فلم تنفعه، وقال سبحانه في حقه ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة:١١٤] ، فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه.
كذلك شفع نوح ﵇ في ابنه ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] فأجابه الرحمن ? فـ ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٦] .
وكذلك شَفَعَ النبي ﷺ في عمِّه وقال «لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عن ذلك» (١) ، فنزل قول الله ? ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] .
فإذاً: ولو وقعت الشفاعة بإذن الله الكوني فإنها لا تنفع حتى يكون إذن الله الشرعي؛ يعني حتى تكون الشفاعة موافِقَةً للشرع.
موافِقَةً للشرع يعني الإذن الشرعي في صفتها وفي المشفوع له وفيما يكون في ذلك، وهذا الشرط مهم فيما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ب - ثانياً الرضا:
كما قال سبحانه ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] ، وقال ? في سورة الأنبياء في ذكر الملائكة ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] ، هذا الرضا هو:
- رضا الله ? عن الشافع....
- رضا الله ? عن المشفوع له.
@ فرضا الله عن الشافع في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] .
@ ورضا الله عن المشفوع له في قوله ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾ ، وآية النجم في قوله ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] كذلك.
إذاً فالرضا شرط:
١ - رضاه سبحانه عن الشافع، ولذلك الكافر لا يشفع....
٢ - رضا الله ? عن المشفوع له.
* ويرد على هذا شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، فهي مستثناة من هذا الشرط لأجل أنَّ الله ? رضي نصرته للنبي ﷺ ، فحصل من أبي طالب مِنَ الفعل ما فيه نوع رضا لله ? عن الفعل لا عن الفاعل.
فإذاً هو إيراد على الشرط، والجواب أنَّ هذا استثناء وسبب الاستثناء ما ذُكِر.
стр. 207
[المسألة السابعة] :
أنَّ الشفاعة من المباحث العظيمة التي ضلَّ فيها فئام من الناس.
فضلت النصارى فيها، وضل مشركو العرب فيها، وضلّ مشابهو مشركي العرب من الذين يغلون في الأولياء والأنبياء والقبور فضلوا فيها، والجميع لسانهم قول المشركين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] .
ولهذا الشفاعة كما ذكرت لك لها جهتان في بحثها:
١ - جهة تتعلق بالعقيدة والآخرة؛ وهي ما قدمنا ملخصاً ومختصراً في يوم القيامة.
٢ - جهة تتعلق بما يتصل بتوحيد العبادة وطلب الشفاعة من الأموات.
وتحقيقا لذلك المقام فنقول: إنّ طلب الشّفاعة من الإنسان أو من المخلوق هذه منقسمة إلى قسمين:
& الأولى شفاعة أَذِنَ بها الشرع.
& الثانية: شفاعة نهى عنها الشّرع.
?@ أما التي أذن بها الشرع فهي طلب الشفاعة ممن يملكها ويستطيع أداءَها وهو الحيّ الحاضر الذي يسمع، ولهذا سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلمأن يشفع لهم في حياته ﷺ لأنه حي حاضر يسمع.
وقد ثبت في الصحيح أن عمر ﵁ لما جاءت المجاعة وأصاب الناس الكرب في عام الرَّمادة أنه قال لما استسقى بالناس (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا استسقينا بنبيك، وإنا الآن نستسقي بعم نبيك اللهم فأسقنا، يا عباس قم فأدعُ ربَّك) (١) .
فدل هذا على أنهم كانوا يطلبون الشفاعة من النّبي ﷺ .
وطلب الشفاعة منه في حياته بمعنى طلب أن يدعو لهم ربّه أ، والنبي ﷺ دعواته الأصل فيها أنها مجابة، وقد يُرَدُّ بعضها لحكمة الله ?.
@ وأما التي نهى عنها الشرع فهو طلب الشفاعة من المخلوق الذي ليس بحي -ميت- أو هو غائب فإنه شرك بالله ﷻ .
لماذا؟
لأنه طلب؛ لأنَّ حقيقة الشفاعة دعاء وطلب، فإذا سأل غيره الشفاعة، فهو سأل وطلب من المسؤول أن يسأل.
فإذاً حقيقة طلب الشفاعة أنها دعاء، ولذلك من طلب من الميت أن يدعو له، فإنه يدخل في عموم نصوص الدّعاء؛ لأنّ الطّلب دعاء.
ولهذا نقول: كل طلبِ شفاعة من الأموات أو الغائبين ممن لا يملكها أو لا يستطيعها أو لم يُؤذن له فيها شرعا في حياة البرزخ فإنّ هذه من الشرك بالله ﷻ .
لكنّ الشُّبْهَة في الشفاعة كبيرة وتحتاج إلى إقامة الحجة على المخالف أكثر من غيرها من مسائل العقيدة.
المشركون لم يكونوا يطلبون من آلهتهم الدّعاء، لم يكونوا يطلبون من أوثانهم لتشفع ولكن كانوا يتقربون إليها لتشفع.
فإذاً صورة طلب الشفاعة من الميّت محدثة.
ولهذا يُعَبِّر كثير من أهل العلم عن طلب الشفاعة من الأموات بأنها بدعة محدثة؛ لأنّها لم تكن فيما قبل الزمان الذي أُحدثت فيه تلك المحدثات في هذه الأمة.
فإذاً تعبير بعض أهل العلم عنها بأنها بدعة، لا يعني أنها ليست بشرك؛ لأنَّ البِدَعَ منها ما هو كفري شركي ومنها ما هو دون ذلك.
تفاصيل مسألة الشفاعة من حيث تعلقها بتوحيد الإلهية مبسوط في شرح كتاب التوحيد كما هو معروف، والمقام في شرح العقيدة العامة لا يتسع لتفصيل الكلام على ذلك.
стр. 208
[المسألة الثامنة] :
احتج المعارض والمخالف من المعتزلة والخوارج في أنَّ الشفاعة لأهل الكبائر لا تنفع، الشفاعة لمن في النار لا تنفع، بقول الله ? ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] .
ووجه الاستدلال عندهم من الآية أنَّهُ قال ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ بالجمع، والذين يشفعون يوم القيامة هم الذين أذن الله لهم بالشفاعة وهم الأنبياء والمؤمنون، قالوا: فدلت الآية على أنَّ من في النار لا تنفعه الشفاعة -شفاعة الشافعين-، لأجل عموم لفظ الشافعين فهو عام في كل من يشفع.
والجواب عن ذلك:
١- أولاً:
أنَّ هذه الآية جاءت في سياق ذكر الكفار وأنهم في النار، فقال ? ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢-٤٨] ، فقوله ﴿فَمَا﴾ الفاء هنا ترتيبية تُرَتِّبُ النتيجة التي بعدها على الوصف الذي قبلها، والوصف الذي قبلها في الكافرين الذين وصفهم بقوله ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ووصفهم بقوله ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ وهؤلاء هم الكفار.
والمسألة التي هي الشفاعة لأهل الكبائر هي في مَنْ كان مسلماً، أما المكذّب بيوم الدين والذي لم يصحَّ إسلامُه فإنه ليس هو محل البحث.
فإذاً استدلالهم بالآية في غير محله؛ لأنَّ الآية يقول بها من يثبت الشفاعة لأهل الكبائر في أنَّ المشركين ولو شفع بعضهم لبعض وظنوا أنَّ آلهتهم تشفع فما تنفعهم شفاعة الشافعين؛ لأنهم مشركون كفرة، والكافر لم يرضَ الله ? عنه، ومن شرط الشفاعة الرضا.
فلو شفع على فرض أنَّ أحداً شفع لهم من أقربائهم فإنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، والله سبحانه إنما تنفع الشفاعة عنده لمن يأذن الله ? له ولمن يرضى.
٢ - ثانياً:
أنَّ قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح بمجموع طرقه «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذه نص وليست بالظاهر؛ يعني لا يحتمل التأويل، وكذلك قوله «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ومن نفسه» (١) هذا فيه ظهور في الدلالة؛ لأنها تعم من قال لا إله إلا الله مخلصاً وصاحب الكبيرة قالها، وقد قال ﷺ «أسعد الناس بشفاعتي من قال» يعني الذي قال ومن المقرر أنَّ الاسم الموصول في العربية وعند الأصوليين يعم ما كان في حيِّزِ صلته بظهورٍ في العموم.
ولهذا نقول: إنَّ من مَنَعَ الشفاعة لأهل الكبائر من المعتزلة والخوارج هذا لأجل مذهبهم الرّديء في أنَّ فِعْلَ الكبيرة كُفْرْ وأنه يوم القيامة يكون من أهل النار والعياذ بالله، وهذا باطل كما هو مقرّر في موضعه من مباحث الأسماء والأحكام في الإيمان.
стр. 209
[المسألة التاسعة] :
أنّ الشارح ابن أبي العز ﵀ في شرحه ذَكَرَ في هذا الموضع مسائل التوسّل بالجاه والتوسّل بالحق -يعني قول القائل: (بحق فلان) ، (بحق نبيك) ، (بحق عمر) ونحو ذلك، والتوسل بجاه فلان- وبَحَثَهَا بحثاً جيدا مُلَخَصاً من كتاب التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فلابد من الإطلاع على ذلك الكلام، ومراجعة كتاب التوسل والوسيلة؛ لأنَّ لفظ التوسل يشتبه بالشفاعة، فبعضهم يجعل (أتوسّل إليك) بمعنى الشفاعة، فيكون توسلاً متضمناً الشفاعة أو متضمناً التّشفع أو طلب التشفع.
ولهذا في قول القائل: أسألك بحق فلان، هذا فيه تفصيل ويُرْجَعْ فيه إلى شرح الطحاوية وإلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يناسب المتن؛ يعني لفظ الشفاعة التي ذكرها الطّحاوي ﵀، فهي فائدة استطرادية.
стр. 210
[المسألة العاشرة] : (١)
الأسباب التي بها يُحَصِّل المرء المسلم شفاعة نبيه ﷺ جاءت بها الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
ونذكر منها سببين:
١- السبب الأول:
وهو أعظم الأسباب وأرجاها وهو التوحيد وإخلاص الدين والعمل لله ﷻ وإسلام الوجه لله .
وهذا قد دلَّ عليه ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال (يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ له «لقد علمت أن لن يسألني أحد عن هذا قبلك أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (٢) ، ومثله قوله ﷺ «لكل نبي دعوة مجابة وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي مدركة منهم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه ونفسه» (٣) أو كما قال ﷺ .
٢- السبب الثاني:
متابعة المؤذن فيما يقول كما دل عليه الحديث الذي رواه البخاري وغيره أنه ﷺ قال «من سمع النداء فقال مثل ما يقول المؤذن، ثم قال اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٤) .
فمن أسباب نيل شفاعته ﷺ متابعة المؤذن بإخلاص وصدق؛ لأنّ ذلك دالٌّ على التوحيد وعلى الاستسلام لله ? في شرعه وأمره، فيقول مثل ما يقول المؤذن، ثم إذا ختم لا إله إلا الله قال مثل ما يقول ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته.
وهنا فيه زيادات مروية في بعض الروايات في دعاء مجيب المؤذن منها:
آتِ محمدا الوسيلة والفضيلة (والدرجة العالية الرفيعة) ، وهذه الزيادة ضعيفة.
وكذلك زيادة أخرى: وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته (إنك لا تخلف الميعاد) . وهذه رواها البخاري في صحيحه في رواية الكُشْمَيْهَنِي وهي عند المحققين شاذة لا تصحّ عن البخاري لمخالفة الكُشْمَيْهَنِي لجميع رواة الصحيح.
وثَمَّ أسباب أخرى تجمعونها إن شاء الله تعالى فإنها من نفيس العلم جعلني الله وإياكم ممن ينال هذا الحظ العظيم وهو شفاعته ﷺ .
لعلّ في هذا القدر كفاية.
стр. 211
الأسئلة:
س١/ يقول الحديث الوارد في شرح ابن أبي العز للطحاوية في موضوع الشفاعة فيه خلط بين أنواع الشفاعة، ثم لو أراد شخص الاستزادة هل يرجع إلى هذه الكتب؟
ج/ الحمد لله مسألة الشفاعة ليست من المسائل الغامضة أو العزيزة، هي موجودة في كل كتب العقيدة؛ لكن من حيث الحديث الذي ورد حديث الشفاعة الطويل كلام ابن أبي العز عليه حسن فيُرْجَعْ إليه.
س٢/ ما حكم قول من قال لمن ذهب إلى الغزو: إن استشهدت فاجعلني من السبعين الذين تشفع لهم. وهل إذا قُتل يكون شهيدا؟
ج/ الله المستعان، كما جاء في البخاري أنَّ عمر ﵁ لمَّا كَثُرَ قول الناس في ذلك، لما رجعوا من معاركهم يقول (تقولون فلان شهيد وفلان شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يُستشهد في سبيله) (١) .
فالمسألة عسيرة ولذلك لا يقال لأحد إنه شهيد، الشهيد فلان، هذا جزم لأنّ الشهداء معلومة منزلتهم في الأحاديث، فلا يجوز أن يقال فلان شهيد لأنه حكم له من أنه من أهل الجنة وهذا موقوف على معرفة النية والخاتمة.
وقد ذُكِرَ رجل بأنه استشهد فقال ﷺ في حقه «لا هو في النار» (٢) فلما رأوا إذا هو قد غلَّ شَمْلَةْ، نسأل الله العافية.
وما أحسن قول أنس بن مالك ﵁ وأرضاه لما رأى الناس وما توسعوا فيه قال (إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نَعُدُّها على زمن رسول الله ﷺ من الموبقات) (٣) .
والناس لا يتوسعون في الألفاظ خاصة العالم، طالب العلم ما يتلاعب بالألفاظ الشرعية بالمدح؛ لأنه بالتلاعب بالألفاظ تذهب معالم الدين وتذهب حراسته، فلابد لطالب العلم أن يكون حريصاً على ألفاظه حتى يسلم أولاً وحتى لا ينشر شراً بالألفاظ، ولهذا صار من علامات يوم القيامة أو مما يكون قرب الساعة أن يُقَالَ فلان أمين فلان فيه كذا فيه كذا من أنواع المدح، كما جاء في الحديث «فلان أمين ما أجلده ما أظرفه وليس في قلبه من الإيمان حبة خرذل» (٤) .
فالثناء يكون بما فيه إذا أراد المرء أن يُثني على أحد يكون بما فيه وبما لا يتضمن محظوراً شرعياً؛ لأنّ الثناء على المرء بما فيه يشجّع ويحثّ المرء به الآخرين على الخير وينتشر الخير، ولكن لا يكون في وجهه حتى لا يكون مدحا إلا لمصلحة شرعية.
ولهذا ينبغي على طلاّب العلم ألا يتوسّعوا في الألفاظ الخادشة بالشرع أو التي ليس لها أصل في الشرع أو التي فيها مؤاخذة في الاعتقاد كلفظ الشهيد، الشهيد فلان، الشهيد فلان، والله المستعان.
س٣/ هل يشفع الغريق والمحروق بسبعين من أهل بيته؟
ج/ لا أعلم.
س٤/ ذكر بعض أهل العلم أنَّ من أنواع الشفاعة: الشفاعة بأقوام استحقوا النار بأن لا يدخلوها، فما الدليل على هذا النوع من أنواع الشفاعة؟
ج/ الدليل «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ، بعض أهل العلم قال وهذا النوع لا دليل عليه؛ لكن هذا ليس بصحيح، لأن قوله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذا يعم نوعي أهل الكبائر فيمن استحق النار وفيمن دخل النار، ولذلك جعلتهم لك في التقسيم في نوع واحد، في جعلتها لك في أحد (٥) أنواع الشفاعة لأجل أن الدليل واحد في النوعين معا.
س٥/ ما توجيه قول الرسول ﷺ في الحديث «أسألك بحق السائلين عليك» (٦) ؟
ج/ هذا ذكره الشارح والبحث فيه معروف، وخلاصة الكلام أنَّ دعاء الخارج إلى المسجد في قوله أسألك بحق السائلين عليك في الحديث المعروف الذي رواه ابن ماجه وغيره بإسناد ضعيف وحسَّنَهُ بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، معنى «أسألك بحق السائلين عليك» يعني أسألك بصفة الإجابة أسألك بصفة إجابتك للسائل؛ لأن حق السائل على الله ? أن يجيبه أو أن يثيبه، كما قال سبحانه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] .
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الدعاء:
- منه دعاء مسألة.
- ومنه دعاء عبادة.
﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء المسألة بإعطائكم السؤال.
و ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء العبادة بالإثابة.
ولهذا قول القائل: «أسألك بحق السائلين عليك» حق السائلين صفة الله ? وهي إثابتهم أو إجابتهم.
فإذاً هو سأل بصفة من الصفات، والسؤال بالصفة جائز.
س٦/ ما رأيك في من يقول إن شروط طلب الشفاعة أن يكون حاضراً حيّاً قادراً، وأنها تتوفر في الجن، وكيف نرد على ذلك؟
ج/ هذا ربما أنه من أصحاب الجن؛ لأنه إذا كان عَلِمْ أنه حاضر وحي، كيف علم أنه قادر؟
ثم كيف علم أنَّهُ مسلم؟ لأنَّ الجن عند أهل العلم خبرهم ضعيف وشهادتهم غير مقبولة.
стр. 212
ولهذا الأحاديث التي يرويها أهل العلم وفي إسنادها جني عندهم ضعيفة كما هو معروف في مصطلح الحديث.
كذلك قَبول الخبر -فضلاً عن الشفاعة- متوقّف على معرفة العدالة، والجني إنما يُسْمَعُ صوته عند من سمع صوته ولا يعرف عدالته، وقول القائل أنا مسلم وأنا أشهد، يعني لو قال الجني خاطبه بهذا الكلام، فإنه لا يعني أنه صادق في ذلك؛ لأنه تراه في الإنس يقول كذا وهو كاذب، فإذا كان شيطاناً فإنه قد يكذب في ذلك.
لهذا نقول: قبول قول الجني في هذه الأشياء متوقّف على القول بعدالته، والعدالة مبنية على الرؤية والمشاهدة، وهذه غير حاصلة، فلذلك لا يؤخذ بقول الجن ولا بشهادتهم، نعم قد يكون خبرهم خبراً من الأخبار التي يُتَثَبَتْ منها كما يقال، يعني قيل لا يعتمد ولا يؤخذ به.
هذا في مسألة قبول الخبر. فكيف بأن تُطْلَبْ منه الشفاعة؟
فإذا كان طلب الشفاعة من الإنسان فيها ما فيها، فكيف تطلب من جني لا يُرى ولا يُعرف حاله، لا شك أن هذا من وسائل الشرك ومن ذرائع التعلق بالجن والغائبين.
نسأل الله ? أن يعيذني وإياكم من مضلات الفتن، ومما يقرب إلى مساخطه، وأن يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا لطاعته، وأن يُعلي مقامنا في الجنة إنّه جواد كريم.
كما أسأل المولى ﷻ أن لا يحرمنا شفاعة نبيه ﷺ ، وأن يجعلنا ممن حظي بها ومُنَّ عليه بها.
اللهم فاغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا واجعلنا من الصّالحين وثبت أقدامنا إنك على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)
стр. 213
: [[الشريط السادس عشر]] :
الحمد لله رب العالمين وولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليما كثيرا.
نجيب على بعض الأسئلة فيما يجتمع الإخوة.
الأسئلة:
س١/ هل يجوز لعن من فيه نَصٌّ بدخول النار كقاتل الزبير بن العوام ﵁، هذا إن صَحَّ حديث «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» (١) ، إلى آخره؟
ج/ هذه المسألة مبنية على حكم اللعن، وهل يجوز للمسلم أن يلعن أم لا؟
واللعن:
- إما أن يكون لمسلم، يعني أن يلعن مسلمٌ مُسْلِمَاً.
- وإما أن يلعن المسلم كافِرَاً.
فهاتان مسألتان.
ولعْن المسلم اختلف فيه أهل العلم؛ هل يجوز لعْن المسلم الذي ارتكب شيئا يستحق به اللعن أم لا؟ على أقوال.
والصحيح منها أنّ اللعن يجوز أن يتوجه للجنس لا للمُعَيَّنِ من المسلمين، فلا يجوز أن يَلعَنَ مُسْلِمٌ مُسْلِماً معيّنا، ولو كان قد فعل كبيرة أو كان فَعَلَ أو كان كاذباً أو كان ظالماً ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُلعَنَ المسلم، واستدلّوا على ذلك بقول الصحابة لرجل كان يشرب الخمر وجُلِدَ مرة ومرتين، ثم لما أوتي به بعد ذلك قال أحدهم (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به) فقال ﷺ «لا تقولوا هذا فإنه يحب الله ورسوله» (٢) فدل هذا على أنَّ المسلم المعين الذي يشرب الخمر لا يُلعن مع أنَّ النبي ﷺ لعن الجنس فَلَعَنَ في الخمر عشرة؛ لعن شاربها وساقيها إلى آخره، فدلَّ على التفريق ما بين الجنس وما بين المعين، وهذا من مثل الآيات التي في هذا الباب ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] ، فالذي لا يتناهى عن المنكر من المسلمين لا يُلعن بعينيه وإنما قد يُلعن بوصفه، وكذلك أشباه هذه لعنة الظالم ولعنة الكاذب إلى آخره.
فإذاً هذا النوع وهو لعن مسلم مسلماً فإنه لا يجوز لعن المعين؛ لكن قد يُلعن الصفة، يُلعن الجنس كما لَعن الله ? ولعن رسوله ﷺ .
ومن ذلك لعن الكاسيات العاريات وقول النبي ﷺ في حقهن «أينما لقيتموهن فالعنوهن فإنهن ملعونات» (٣) ، هذا لعنٌ للجنس، والقاعدة منطبقة عليه لأنَّ المرء لا يجوز أن يلعن مُعَيَّنَة مسلمة لكونها كاسية عارية، فقوله «أينما لقيتموهن فالعنوهن» يعني لعن الجنس لا لعن المعينة، مثل لعن شارب الخمر ولعن المرابي وأشباه ذلك.
أما المسألة الثانية وهي لعن مُسْلِمٍ كافراً فالعلماء اختلفوا فيها على قولين:
١- القول الأول: جواز أن يُلعن الكافر المعين؛ لأنَّ الكافر المعين ليس له حق وعِرضه غير مصان؛ ولأنَّ معنى اللعن طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله وهو متحقق في الكافر، فجاز عند هؤلاء أن يَلْعَنُ المسلم الكافر المعين كما يلعن جنس الكفرة، واستدلوا لذلك أيضا بأنَّ النبي ﷺ لَعَنَ أقواما بعينهم من كفار قريش. (٤)
стр. 214
٢- القول الثاني: وهو الصحيح أنَّ الكافر أيضا لا يُلْعَنْ بعينه؛ لأن النبي ﷺ لما لعن أقواما نزل قول الله ? في حقهم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] ؛ ولأنه ﷺ كان لا يلعن؛ ولأنَّ اللَّعَّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، يعني من جرى اللعن على ألسنتهم.
وكذلك يدل عليه أيضا -يعني على امتناع لعن الكافر المعين- أنَّ السنة لم تأتِ به، فإنَّ النبي ﷺ لم يلعن كافرا بعينه إلا هؤلاء ونزل فيهم قول الله ? ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، لهذا قال طائفة من العلماء: إنّ لعن الكافر المعين منسوخ بهذه الآية.
ويلحق ببحث لعن الكافر لعن الشيطان أو لعن إبليس، وهذا أيضا اختلف فيه أهل العلم على قولين:
١- القول الأول: منهم من أجاز لعنه بعينه لقول الله ? ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧-١١٨] ، وما جاء في الآيات في لعن إبليس وطرده عن رحمة الله ?.
٢- القول الثاني: أنه لا يُلْعَنْ إبليس ولا الشيطان لما صَحَّ في الحديث أنَّ النبي ﷺ نهى عن لعن الشيطان أو عن لعن إبليس وقال «لا تلعنوه فإنه يتعاظم» (١) رواه تمَّام في فوائده وغيره بإسناد جيد، قالوا: فهذا يدل على النهي عن اللّعن، وهذا متّجه في أنَّ اللعن عموماً في القاعدة الشرعية أنَّ المسلم لا يلعن؛ لأنّ اللعن منهي عنه المؤمن بعامة، ومن أعظم ما يكون أثراً للعن أنَّ اللَّعان لا يكون شفيعاً ولا شهيداً يوم القيامة.
والمسألة فيها أيضاً مزيد بحث فيما جرى من لعن يزيد، ولعن بعض المعينين؛ ولكن الإمام أحمد لما سئل عن حال يزيد قال: أليس هو الذي فعل بأهل المدينة يوم الحرة ما فعل، أليس هو كذا؟
فقال له: لم لا تلعنه؟
فقال: وهل رأيت أباك يلعن أحداً.
وهذا يدل على أنَّ ترك اللعن من صفات الأتقياء، وأنَّ اللَّعن من صفات من دونهم إذا كان في حقّ من يجوز لعنه عند بعض العلماء، أما لعن من لا يستحق اللعن فهذا يعود على صاحبه؛ يعني من لَعَنَ من لا يستحق اللعن عادت اللعنة؛ يعني الدعاء بالطرد والإبعاد من رحمة الله على اللاعن والعياذ بالله.