فدلّت هذه الأدلة ودلَّ غيرها على بطلان قول الخوارج وعلى ظهور قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة في أنَّ صاحب الذنب من الكبائر العملية التي ذكرنا بعضاً منها أنَّهُ لا يَخْرُجُ من الإسلام بحصول الذنب منه؛ يعني بحصول ذنب منه، أو بحصول كل ذنبٍ، أو أي ذنبٍ منه؛ يعني ليس كل ذنبٍ مخرجاً له من ذلك؛ بل الكبائر العملية ليست كذلك -يعني مُخْرِجَةْ له من الإسلام- خلافاً لقول الخوارج والمعتزلة في التخليد في النار.
وأما الجملة الثانية وهي قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) فهذه أيضاً فيها مخالفة للمرجئة الذين يقولون: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمَانِ ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والأدلة دَلَّتْ على أنَّ الذنوب تؤثر في الإيمان، منها:
١- قال في ذكر القاتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
٢- وقال في الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] .
٣- وقال في المرابين ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] .
٤- وشَرَعَ الله الحد في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، وشَرَعَ الجلد في القذف وفي الزنا إلى آخر ذلك، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور أثَّرَتْ في الإيمان، هذه الكبائر أَثَّرَتْ في الإيمان.
٥- والأحاديث عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتَّاتٌ» (١) ، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِم» (٢) وهذا تأثير في الإيمان بسبب هذه الكبيرة.
стр. 352
[المسألة الثانية] :
هذه الجملة اشتملت على مُعْتَقَدٍ فيه النهي عن التكفير، وتكفير أهل القبلة بأيِّ ذَنْبٍ حرام، والخوض في مسائل التكفير بلا علمٍ أيضاً حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب؛ بل هو من كبائر الذنوب لأَوْجُهٍ:
١- الأول: أنَّ الإسلام والإيمان ثَبَتَ في حق الشخص -في حق المعين- بدليل شرعي، فَدَخَلْ في الإسلام بدليل، فإخراجه منه بغير حجة من الله أو من رسوله ﷺ هذا من القول على الله بلا علم ومن التعدي -من تعدي حدود الله-، ومن التقدم بين يدي الله وبين يدي رسوله ﷺ .
وهذا فيه التحذير من هذا الأمر الجلل وهو مخالفة ما ثبت بدليل إلى الهوى أو إلى غير دليل.
لهذا يقول العلماء: من ثَبَتَ إيمانه بدليل أو بيقين لم يزل عنه اسم الإيمان بمجرد شُبْهَةٍ عَرَضَتْ أو تَأْوِيْلٍ تَأَوَّلَه؛ بل بد من حُجَّةٍ بَيِّنَةْ لإخراجه من الإيمان، كما يقول ابن تيمية ولابد من إقامة حجة تقطع عنه المعذرة.
٢- الثاني: من الأوجه في خطر التكفير وما تَضَمَّنَتْهُ هذه الكلمة من مُعْتَقَدِ أهل السنة والجماعة: أنَّ التكفير خاض فيه الخوارج وهم أول الفئات التي خاضت في هذا الأمر، والصحابة رضوان الله عليهم أنكروا عليهم أبلغ الإنكار بل عَدُّوهُمْ رأس أهل الأهواء.
وأولُ مسألةٍ خاض فيها الخوارج وسَبَّبَتْ التَّوَسُّع في التكفير هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث احتجوا على عليٍ ﵁ -وكانوا من جيش علي- بأنَّهُ حَكَّمَ الرجال على كتاب الله، لمَّا حَصَلَتْ واقعة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص ﵄.
فقالوا: حَكَّمَ الرجال على كتاب الله فهو كافر، فَكَفَّرُوا عليا ﵁، استدلالاً بقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] .
فذهب إليهم ابن عباس يناظرهم حتى احْتَجَّ عليهم بقول الله ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] الآية، فرجع ثلث الجيش وبقي طائفة منهم على ضلالهم وظهرت فِرَقْ كثيرة من الخوارج.
فيَدُلُّكَ على قُبْحِ الخوض في هذه المسألة بلا علم أنَّها شعار أهل الأهواء؛ أعني الخوارج وهم أول فرقة خرجت في هذه الأمة وخالفت الجماعة، ولا شك أنَّ التزام نهج أتقى أهل الأرض بعد رسول الله ﷺ هو المُتَعَيِّنْ.
٣- الثالث: من أوجه بيان خطر التكفير والخوض فيه: أنَّ النبي ﷺ قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١) يعني إن كان كافراً فهو كما ادُّعِيَ عليه وإلا عادت إلى الآخر، وهذا وعيد شديد.
- وقد يكون التكفير مبعثه الهوى.
- وقد يكون مبعثه الجهل.
- وقد يكون مبعثه الغَيْرَةْ.
فهذه ثلاثة أسباب لمنشإ التكفير: قد يكون الهوى -يعني التكفير بلا علم-، وقد يكون منشؤه الجهل، وقد يكون منشؤه الغيرة.
أما الأول والثاني فواضح -يعني الهوى والجهل-وأمثلة أهل الأهواء فيه كثيرة.
وأما الثالث وهو أنَّ التكفير قد يَحْمِلُ المَرْءَ عليه الغَيْرَةْ على الدين قصة عمر ﵁ مع حاطب ابن أبي بلتعة حيث لمَّا حصل من حاطب ما حصل، قال عمر لنبينا ﷺ : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
والحكم عليه بالنفاق حكم عليه بإبطانه للكفر، والنبي ﷺ لم يؤاخذ عمر ﵁ بذلك لأنَّهُ من أهل بدر ولأنه قالها على جهة الغيرة وخطؤه مغفورٌ له؛ لأنه من أهل الجنة؛ يعني لِسَبْقِ كونه من أهل بدر.
فدلَّ هذا على أنَّ الغيرة ليست حجة شرعية في التوسع أو في ابتداء القول في هذه المسائل بلا علم أو في التكلم فيها.
الغيرة ليست عُذْراً، لهذا النبي ﷺ ما عَذَرَ عمر بالغيرة، وإنما عُذِرَ عمر ﵁:
١- لاشتباه المقام أولاً في حق حاطب.
٢- ثُمَّ لأنَّ النبي ﷺ ما بيَّنَ عذره -يعني ما بَيَّنَ الرجل للنبي ﷺ عذره-
فقال النبي ﷺ لما أَخَذَ عمر بتلابيب حاطب، قال «أرسله يا عمر -أو دعه يا عمر-، يا حاطب: ما حملك على هذا؟» فلما استفصل منه رَجَعَ الأمر إلى الوضوح فيه.
стр. 353
[المسألة الثالثة] :
افترقت هذه الأمة في هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير إلى ثلاث طوائف.
طائفتان ضَلَّتَا، وطائفة هي الوسط وهي التي على سبيل الجماعة، وهذه الطوائف الثلاث هي:
١- الطائفة الأولى:
من كَفَّرَ بكل ذنب، وجعل الكبيرة مُكَفِّرَةً وموجبةً للخلود في النار، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتقدِّمين ومن أهل العصر أيضاً ممن يَشْرَكُهُمْ في هذا الأصل والعياذ بالله.
٢- الطائفة الثانية:
من قالت: إنَّ المؤمن لا يمكن أن يخرج من الإيمان إلا بانتزاع التصديق القلبي منه وحصول التكذيب، وهؤلاء هم المرجئة وهم درجات وطوائف أيضاً.
وهذا مبني على أصلهم في أنَّ الإيمان هو تصديق القلب فلا ينتفي الإيمان عندهم إلا بزوال ذلك التَّصديق.
وهذا أيضا غلط؛ لأدلة ربما تأتي إن شاء الله تعالى.
٣- الطائفة الثالثة:
وهم الوسط الذين نهجوا ما دَلَّتْ عليه الأدلة، وأخذوا طريقة الأئمة التي اقتفوا فيها هدي الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، فقالوا:
إنَّ المِلِّيَّ والوَاحِدَ من أهل القبلة قد يخرج من الدين بتبديله في الدين ومفارقته للجماعة بقولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ أو شك.
وهذا هو الذي أورده الأئمة في باب حكم المرتد، وقالوا:
إنَّ هذا يدخل في تبديل الدّين الذي قال فيه ﷺ «من بدّل دينه فاقتلوه» ، ويدخل في قول الله ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] آية البقرة ونحو ذلك، فدل ذلك على أنَّ المؤمن المسلم قد يحصل منه رِدَّةْ.
وهذه الردة لها شروطها ولها موانعها بتفصيلٌ لهم في كتب الفقه في باب حكم المرتد.
فعند أهل السنة والجماعة:
-لا يُتَسَاهَلْ في أمر التكفير بل يُحذَّرْ منه ويُخوَّفْ منه.
-وأيضا لا يَمْنَعُونَ تكفير المُعَيَّنِ مُطْلقاً؛ بل من أَتَى بقول كفري يخرجه من الملة أو فِعْلٍ كفريٍ يُخْرِجُهُ من الملة أو اعتقاد كفري يُخْرِجُهُ من الملة أو شك وارتياب يُخْرِجُهُ من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يَحْكُمُ عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.
стр. 354
[المسألة الرابعة] :
دلّ القرآن والسنة على أنَّ الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم: المؤمنون، الكفار، المنافقون.
- والمؤمن المسلم هو من دَخَلَ في الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بلوازم ذلك.
- والكافر الأصلي قد يكون كِتَابِيَّاً وقد يكون مشركاً وثنياً، كأهل الكتاب مثل اليهود والنصارى، وقد يكون وثنيا مثل المجوس وعبدة الكواكب والأوثان ومشركي العرب وأشباه ذلك.
- والمنافق هو من يُبْطِنُ الكفر ويُظهر الإسلام، فيُحْكَمُ بإسلامه ظاهراً كما فعل النبي ﷺ مع المنافقين، حتى إنه باعتبار الحكم الظاهر ورَّثَهُمْ وَوَرِثَ الصحابة من آبائهم المنافقين، وهم في الباطن كفّار أشد من اليهود والنصارى لقوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
فمن حَصَلَ منه ذنب ووقع في ذنب من الذنوب فإنه لا يخلو:
- إما أن يكون من أهل الإيمان.
- وإما أن يكون من أهل الكفر.
- وإما أن يكون ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر.
فمن كان من أهل الإيمان: فإنه ليس كل ذنب يُخرِجُهُ من الإيمان، فَلَمَّا شَهِدَ شهادة الحق بيقين وظُهُور فإنه لا يُخرِجُهُ منها إلا يقين مماثل لذلك مع إقامة الحجة ودرء الشبهة.
وهذا التفصيل تنتفع به في مسائل تدل على هذا أو ذاك؛ يعني على أحد الأقسام.
стр. 355
[المسألة الخامسة] :
من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب وما خالفوا به الخوارج والمعتزلة والمرجئة في باب الإيمان والتكفير أَنَّهُم فَرَّقُوا بين التكفير المطلق وما بين التّكفير المُعَيَّنْ، أو ما بين تكفير المطلق من الناس دون تحديد وما بين تكفير المُعَيَّنْ.
فأهل السنة والجماعة أصْلُهُمْ أنهم يُكَفِّرُونَ من كَفَّرَهُ الله وكَفَّرَهُ رسوله ﷺ من الطوائف أو من الأفراد.
فيُكَفِّرُونَ اليهود ويُكَفِّرُونَ النّصارى ويُكَفِّرُونَ المجوس ويُكَفِّرُونَ أهل الأوثان من الكفار الأصليين؛ لأنَّ الله شهد بكفرهم.
فنقول: اليهود كفار، والنصارى كفار، وأهل الشرك كفار، يعني أهل الأوثان عباد الكواكب عباد النار عباد فلان إلى آخره هؤلاء كفار وهؤلاء كفار أصليون نزل القرآن بتكفيرهم.
كذلك نقولُ بإطلاقِ القول في تكفيرِ من حَكَمَ الله بكفره في القرآن، ممن أنْكَرَ شيئاً في القرآن فنقول:
من أنَكَرَ آيَةً من القرآن أو حَرْفَاً فإنه يَكْفُرْ.
نقول من اسْتَحَلَّ الربا المُجْمَعْ على تحريمه فإنه يكفر، من استحل الخمر فإنه يكفر.
من بدّل شرع الله فإنه يكفر.
من دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه يكفر وهكذا، فيطلقون القاعدة.
وأما إذا جاء التشخيص على معين فإنهم يعتبرون هذا من باب الحكم على المُعَيَّنْ فيُرْجِعُوَنُه إلى من يصلح للقضاء أو الفتيا.
فالأول وهو التكفير المطلق أو تكفير المطلق دون تحديد هذا مما يَلْزَمُ المؤمن أن يتعلّمه ليُسَلِّمَ لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويعتقد ما أمر الله به وما أخبر به.
فإنَّ تكفير من كَفَّرَهُ الله بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله .
وأمَّا المُعَيَّنْ فإنهم لا يُكَفِّرُونَه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.
وعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟
عند من يُحْسِنُ إثبات البيّنات ويُحْسِنُ إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يَصْلُحُ للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه.
* فإذاً من أصولهم التفريق ما بين الحُكْمِ على المُعَيَّنْ وما بين القول المطلق.
وهذا الأصل دَلَّتْ عليه أدلة من فعل أئمة السلف ومن أقوالهم، فإنَّ الإمام الشافعي مثلاً حَكَمَ على قول حفص الفرد لمَّا نَاقَشَهْ بأنه كُفْرْ ولم يحكم عليه بالردة.
وكذلك من حكموا على من قَالَ بخلق القرآن أو أنَّ الله لا يُرَى في الآخرة بأنه كافر لم يُطَبِّقُوهُ في حق المعين، لهذا الإمام أحمد لما حَكَى أو قال بتكفير من قال بخلق القرآن لم يُكَفِّرْ عيناً أمير المؤمنين في زمانه الذي دعا إلى ذلك؛ بل أمراء المؤمنين الثلاثة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق حتى جاء عهد المتوكل، فاستدل منه أئمة أهل الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية على أنّ إطلاق الكفر غير تعيين الكافر.
ووَجْهُ ذلك ما ذكرته لك من أنَّ التعيين يحتاج إلى أمور؛ لأنه إخراج من الدين والإخراج له شروطه وله موانعه.
стр. 356
[المسألة السادسة] :
نرجع إلى قول الطحاوي هنا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) أُخِذَ على الطحاوي أنه قال (بِذَنْبٍ) وهذا يفيد أنه لا يُكَفِّرْ بأي ذنب.
قال (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني أنَّ أي ذنب لا يُكَفَّرُ به حتى يستحله.
وهذا ليس هو مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة على هذا الإطلاق وإنما يُعَبِّرُونَ بتعبير آخر وهو مراد الطحاوي يقولون (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بمجرّد ذنب) كما يقوله طائفة من أئمة الدعوة، أو (لا نكفر أحداً من أهل القبلة بكلّ ذنب) كما يقوله أيضاً طائفة من العلماء المتقدّمين ومنهم شارح الطحاوية تبعاً لغيره.
فإذاً قول الطحاوي (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ) المقصود به الذنوب العملية من الكبائر كالخمر والزنا والسّرقة وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف ونحو ذلك من كبائر الذنوب العملية التي كَفَّرَ الخوارج بها.
ويدل على هذا أنَّ العقيدة مُصَنَّفَةْ لبيان ما يخالف به أهل السنة أهل البدع والخوارج وما تميزت به الجماعة، ومعلوم أنَّ الخوارج خالفوا في تكفير مرتكب الكبيرة مثل القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وأشباه ذلك، فخالفهم بهذا القول، يعني لا نكفر بهذه الذنوب.
(بِذَنْبٍ) يعني من الذنوب العَمَلِيَّة التي كفَّرَ بها الخوارج أو خلَّدَ أصحابَها في النار المعتزلةُ.
ويدل عليه أنه قال بعدها (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) والاستحلال غالبه في الذّنوب العملية.
стр. 357
[المسألة السابعة] :
قوله (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) الاستحلال معه يكون مرتكب الكبيرة كافراً.
والاستحلال هو اعتقاد كون هذا الفعل حَلَالاً.
قال ابن تيمية ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ :
والاستحلال أن يعتقد أنَّ الله جَعَلَهُ حَلَالاً أو أَنَّ الله لم يحرمه.
فإذا اعتقد أنَّ هذا الشيء حلال، أو أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا سواءٌ كان حلالاً على الأمة جميعا أو حلالاً عليه هو، وسواءٌ كان عدم التحريم على الجميع أو عليه هو -لأنها صورتان- فإنَّ هذا هو الاستحلال.
فإذاً ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ هو الاعتقاد وذلك أنّ الإستحلال فيه جحد لكون هذا الذنب مُحَرَّمَّاً، لأنه إذا قال (١) الخمر حلال فإنَّهُ جَحَدَ تحريمها.
ويأتي الصلة ما بين الجحد والتكذيب والاستحلال في المسألة التي تليها إن شاء الله تعالى.
فإذاً ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ أن يعتقد كون هذا المحرم حلالاً وله صورتان:
١- الصورة الأولى: أن يعتقد كونه حلالاً له دون غيره، وهذه تسمى الامتناع.
٢- الصورة الثانية: أن يعتقد كونه حلالاً مطلقاً له ولغيره، وهذه تسمى التكذيب أو الحجد المطلق.
* فالاستحلال المكفِّر هو الاستحلال بالاعتقاد.
قال بعض أهل العلم: وأمَّا ما جاء في حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري الذي في البخاري مُعَلَّقَاً بل موصولاً، وهو قوله ﷺ «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ -يعني الزنا- والحرير والخمر والمعازف» (٢) ، هل هذا الاستحلال من الاستحلال العملي أو الاستحلال المكفّر؟
قال طائفة -كما ذكرتُ لك وهو ظاهر-: أنَّ هذا الاستحلال عملي وليس باعتقاد كون هذه الأشياء حلالاً:
- فلم يُخْرِجْهُمْ من الإيمان إلى الكفر.
- ولم يُخْرِجْهُمْ من كونهم من هذه الأمة لقوله «ليكونن من أمتي» فجعلهم بعض هذه الأمة.
وهذا يُلْمِعُ إليه كلام ابن تيمية وكذلك للحافظ ابن حجر ولجماعة.
وهو ظاهِرْ في أنَّ المدمن للذنوب يكونُ فِعْلُهُ فِعْلَ المُسْتَحِلْ؛ لكن ليس اعتقاده اعتقاد المُسْتَحِلْ.
فقال «يستحلُّون» يعني يستحلون عَمَلَاً لا اعتقاداً لأجل ملازمتهم لها وإدمانهم لهذه الذنوب.
فضابط الكفر في الاستحلال الذي ذَكَرَهُ هنا (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني ما لم يعتقد أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا، أو أنَّ الله أباح هذا، أو أنَّ هذا الأمر حلال، أو ليس بحرام إلى آخره.
* وهذا القَدْرْ له ضابط أصلي عام وهو:
أنَّ الذي يَنْفَعُ فيه ضابط الاستحلال هي الذنوب المُجْمَعْ على تحريمها، المعلومة من الدين بالضرورة.
أما إذا كان الذنب مُخْتَلَفَاً فيه إما في أصله أو في صورة من صوره فإنه لا يُكَفَّرُ من اعْتَقَدَ حِلَّ هذا الأصل المُخْتَلَفْ فيه يعني في أصله أو الصورة المختلف فيها.
يُوَضِّحْ ذلك النبيذ الذي أباحه طائفة من التابعين من أهل الكوفة وأَبَاحَهُ طائفة من الحنفية أو من أباح ما أسْكَرَ كثيره ولم يسكر قليله، فإنَّ أهل العلم من أهل السنة لم يُكَفِّرُوا الحنفية الذين قالوا بهذا القول وكذلك لم يُكَفِّرُوا من قال به من أهل الكوفة أو غيرهم.
وكذلك من لم يقل بتحريم رِبَا الفضل لأنه فيه اختلاف، وكذلك بعض صور الربا، وكذلك بعض مسائل النظر إلى المحرمات يعني إلى الأجنبيات أو إلى الغلمان ونحو ذلك.
فإذا كان هناك أصلٌ مُجْمَعٌ على تحريمه معلومْ من الدين بالضرورة -بالضرورة يعني ما لا يُحْتَاجْ معه إلى الاستدلال- فإننا نقول:
من اعتقد إباحة هذا أو حِلَّهُ فإنه يكفر.
مثل الخمر المعروفة يعني في زمن النبي ﷺ التي تُسْكِرُ من شَرِبَهَا؛ تخامر عقله، مثل السرقة، مثل الزنا والعياذ بالله، مثل نكاح ذوات المحارم إلى آخر هذه الصّور.
стр. 358
[المسألة الثامنة] :
مما له صلة بلفظ الاستحلال واشْتَبَهَ على كثيرين أيضاً الجحد والتكذيب.
وطائفة من أهل العلم يجعلون التكذيب والجحد شيئاً واحداً.
وهذا ليس بجيد؛ بل هما شيئان مختلفان، قد يجتمعان وقد يفترقان.
ويدل على ذلك قول الله في سورة الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ، فَنَفَى عنهم التكذيب وأَثْبَتَ لهم الجحد، فدل على أنَّ التكذيب والجحد متغايران.
فما صلتها بالاستحلال؟
الاستحلال: اعتقاد كون هذا الأمر حلالاً، يعني هذا المحرم حلالاً.
والجحد: أن يَرُدَّ الحكم بَأَنَّهُ حلال أو أَنَّهُ حرام.
حَجَدَ وجوب الصلاة: يعني رَدَّ هذا الحكم، يعني قال: لا، الصلاة ليست واجبة.
حَجَدَ حرمة الخمر قال: الخمر غير محرمة.
* فإذاً الاستحلال وهو اعتقاد كون الشيء المحرم حلالاً، يكونُ مَعَهُ جَحْدٌ قلبي؛ ولكن ليس معه جحد لساني، قد يكون معه وقد لا يكون؛ لأنَّ ظاهر آية الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني في الباطن ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني في الظاهر.
فالجحد قد يكون في الظاهر وقد يكون في الباطن، والتكذيب قد يكون في الباطن وقد يكون في الظاهر.
والتكذيب: هو عدم اعتقاد صدق الخبر أو الأمر أو النهي.
ولهذا أَرْجَعَ كثيرٌ من أهل العلم من أهل السنة أكثر مسائل التكفير إلى التكذيب، وذلك لأنَّ التكذيب في أصله مناقض للتصديق الذي هو أصل الإيمان.
والمرجئة ومن شابههم قَصَرُوا الكفر على التكذيب فضلوا.
وأهل السنة والجماعة جَعَلُوا الخروج من الإسلام والردة يكون بتكذيبٍ ويكون بغيره كما ذكرتُ لك.
فإذاً من الكلمات التي لها صلة بالاستحلال وتُلَازِمُ الاستحلال أيضا الجحد والتكذيب.
ومن الكلمات أيضاً التي لها صلة بالاستحلال الالتزام والامتناع، التَزَمَ وامْتَنَعَ.
ومن الكلمات القَبول والرد.
وهذه تحتاج في بيانها إلى مزيد وقت وسبق أن أوضحنا لكم بعض هذه المسائل.
стр. 359
[المسألة التاسعة] :
من أهل العلم من جَعَلَ التكفير في الاعتقادات أو جعله في المسائل العلمية.
فقال: المسائل العلمية التي دَخَلَ فيها أهل الأهواء والبدع فإننا نكفر المخالف فيها، وأما المسائل العَمَلِيَّةْ لا نكفر فيها إلا بالاسْتِحْلال.
وهذا قال به بعض المنتسبين إلى السنة؛ ولكنه مُخَالِفٌ لقول أئمة أهل الإسلام وما تَقَرَرَ من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنَّ الخطأ والاجتهاد والغلو ونحو ذلك يدخل في المسائل العلمية.
فأهْلُ البدع لا يُكفَّرُونْ بإطلاق، فليس كل من خَالَفَ الحق في المسائل العلمية يُعَدُّ كافراً بل قد يكون مذنباً، وقد يكون مخطئا وقد يكون مُتَأولاً.
وعلى هذه الثلاث حَكَمَ أهل السنة وأئمة الإسلام بأنَّ هذه بدعة:
- قد تكون ذنب يوصله إلى الكفر.
- وقد تكون ذنباً فيما دونه.
- وقد يكون سَلَكَ البدعة عن جهة الغلط منه والخطأ أو الجهل.
- وقد يكون تأول في ذلك.
ويستدلون على هذا بقصة الرجل الذي (أوصى إذا مات بأن يُحْرَقَ ثم يُذَرْ رُفَاتُهُ وقال: لئن قَدِرَ الله علي ليعذبني عذاب لم يعذبه أحدا من العالمين، فجمع الله رفاته وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنما فعلته خشية عذابك) . أو كما جاء. (١)
فَفَعَلَ هذا الفعل الذي أنْشَأَهُ عنده الجهل أو عدم اعتقاد الحق في صفة من صفات الله وهي صفة تَعَلُّقْ القُدْرَةْ بِرُفَاتِه (٢) هُوَ وبِقُدْرَةْ الله على بعثه.
وعفا عنه رب العالمين لأجل عِظَمِ حسناته الماحية أو لِجَهْلِهِ؛ لأنه قال فعلته من خشيتك أو خوفاً من عذابك أو نحو ذلك، وهذا اعتقاد عظيم وهو حسنة عظيمة قابلت ذلك الاعتقاد السيئ، فدلَّ على أنَّ الاعتقادات البدعية والمخالفة للحق قد يُعْفَى عن صاحبها.
فإذاً قول من قال أنَّ أهل البدع والضلالات المخالفين في التوحيد أو في الصفات أنهم يُكَفَّرون إذا خالفوا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة هذا قولٌ غلط وليس بصواب عند أئمة أهل السنة والجماعة.
بل الصواب تقسيمهم:
- فمنهم من يكون كافراً إذا قامت عليه الحجة الرسالية ودُفِعَتْ عنه الشبهة وبُيِّنَ له.
- ومنهم من يكون مذنباً لأنه مُقَصِّرْ في البحث عن الحق.
- ومنهم من يكون متأولاً.
- ومنهم يكون مخطئاً.
- ومنهم من له حسنات ماحية يمحو الله بها سيئاته.
стр. 360
[المسألة العاشرة] :
أنَّ تكفير المعين يُشْتَرَطُ فيه إقامة الحجة.
وإقامة الحجة شرطٌ في أمرين:
الأول: في العذاب الأُخْرَوِيْ؛ يعني في استحقاق العذاب الأخروي.
والثاني: في استحقاق الحكم الدنيوي.
والدليل على ذلك قول الله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ، وكذلك قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فَشَرَطَ لِتَوْلِيَةِ المُشَاقْ ما تولى وجَعْلِ جهنمَ له وساءت مصيراً أن يكون تَبَيَّنَ له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] ، وكذلك قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥] ، وكذلك قوله ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] ، وكذلك قوله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥-١٧٦] ، فهذه كلّها فيها اشتراط العلم وإقامة الحجة، وكُلُّ رسولٍ بُعِثَ لإقامة الحجة على العباد.
إذا تبين هذا فإنَّ إقامة الحجة تحتاج:
- إلى مقيم.
- وإلى صفة.
@ أما المقيم: فهو العالِمُ بِمَعْنَى الحُجَّةْ، العالِمُ بحال الشخص واعتقاده.
@ وأما صفة الحجة: فهي أن تكون حُجَّةً رساليّةً بَيَّنَةً، قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .
واشْتَرَطَ أهل العلم أن تكون الحجة رسالية؛ يعني أن تكون قول الله وقول رسوله ﷺ .
يعني أما إن كانت عقليةً وليس المَأْخَذُ العَقْلِيُّ من النص فإنّه لا يُكتفى به في إقامة الحجة؛ بل لابد أن تكون الحجة رسالية.
لهذا يُعَبِّرْ ابن تيمية ويُعَبِّرْ ابن حزم وجَمْعٌ بِأَنْ تكون الحجة رسالية؛ والسبب لأنها يَرْجِعُ فيها مَنْ لم يأخذ بالحجة إلى رَدِّ ما جاء من الله ومن رسوله ﷺ .
وأما فهم الحجة فإنه لا يُشترَطُ في الأصْلْ. (١)
ومعنى عدم اشتراطه: أننا نقول ليس كل من كَفَرْ فإنه كَفَرَ عن عناد، بل ربما كَفَرَ بعد إبلاغه الحجة وإيضاحها له لأنَّ عنده مانع من هوى أو ضلال مَنَعَهُ من فهم الحجة، قال ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٢) ، والآيات في هذا المعنى متعددة.
ما معنى فهم الحجة؟
يعني أن يَفْهَمَ وجه الاحتجاج بِقُوَّةِ هذه الحجة على شبهته.
فهوعِنْدَهُ شُبْهَة في عبادة غير الله، عنده شُبْهَة في استحلاله لما حُرِّمَ مما أُجْمِعَ على تحريمه؛ لكن يُبلَّغُ بالحجة الواضحة بلسانه ليفهم معنى هذه الحجة.
فإن بَقِيَ أَنَّهُ لم يفهم كون هذه الحجة رَاجِحَة على حجته فإنَّ هذا لا يُشْتَرَطْ-يعني في الأصل-؛ لكن في بعض المسائل جُعِلَ عدم فهم الحجة -يعني كون الحجة راجحة على ما عنده من الحُجَجْ- جُعِلَ مانعاً من التكفير كما في بعض مسائل الصفات.
يعني أنَّ أهل السنة والجماعة من حيث التأصيل اشترطوا إقامة الحجة ولم يشترطوا فهم الحجة في الأصل؛ لكن في مسائل اشترطوا فيها فهم الحجة.
وهذا الذي يَعْلَمُهُ من يقيم الحجة وهو العالم الرّاسخ في علمه الذي يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ .
стр. 361
[المسألة الحادية عشرة] :
قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة .
والمرجئة جَعَلُوا أصل الإيمان التصديق، وجعلوا هذا التصديق لا يتأثر زيادةً ولا نقصاً، وإنما هو شيء واحد.
لذلك لم يجعلوا الإيمان يزيد وينقص، ولم يجعلوا التصديق أيضاً واليقين يزيد وينقص بل جعلوه شيئاً واحداً، لهذا لم يجعلوا ذنباً يضر مع الإيمان.
والمرجئة في هذا على درجات مختلفة، يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى عند قول المؤلف (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) .
стр. 362
[المسألة الثانية عشرة] :
أَنَّ هاتين المسألتين وهما ما خالف فيه أهل السنة الخوارج وما خالفوا فيه المرجئة فرعٌ لأصل ومثالٌ لقاعدة؛ وهي قاعدة الوَسَطية لأهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:
فهم وسط في باب الأسماء والأحكام -يعني في أبواب الإيمان والكفر- ما بين الخوارج والمعتزلة الوعيدية وما بين المرجئة في قول أولئك وقول هؤلاء، فهم يحذِّرون من الذنوب ويَتَوَعَّدُونَ بها ويَتَوَعَّدُونَ بالكفر، ولكن لا يُخرجونه من الإيمان إلا بعد تمام الشروط وانتفاء الموانع.
فهم -أعني أهل السنة والجماعة ثبَّتني الله وإياكم على طريقتهم- لهم في ذلك الطريق الوسط في هذا الباب وفي باب الأسماء والصفات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي جميع أبواب الدين؛ بل وجميع أبواب الشَّريعة -يعني في أصولها-.
لهذا فالطَّريقة المثلى هي أن يكون المرء بين طَرَفَي الغلو والجفاء، فالغلو مذموم بأنواعه والجفاء مذموم أيضاً لأنه قصورٌ عن أمر الله، والغلو أيضا مذموم لأنه زيادة على أمر الله ، والحق فيما بينهما.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يُعَلِّمَنَا ما يفعنا، وأن يزيدنا من الفقه في الدين، ومن متابعة سنة سيد المرسلين، وأن يغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وأن يشفي قلوبنا من الأدواء والأهواء، وأن يشفي أبداننا من الأمراض نحن وجميع أحبابنا إنه سبحانه كريم جواد كثير النوال، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
نجيب على سؤالين ما يتعلق بالدرس.
стр. 363
الأسئلة:
س١/ ما حكم الحكم بغير ما أنزل الله؟
ج/ مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ذَكَرَهَا الشّارح ضمن الكلام في المسألة على اعتبار أنها ذنب من الذنوب، والكلام فيه هل يكفر أو لا يكفر؟
نَقَل فيها كلام ابن القيم ﵀، ولم أتطرق لها مع علمي بما ذَكَرَهُ الشارح لأجل أنها مسألة طويلة الذيول تحتاج إلى بحثٍ وتفصيل فيها، لعل لها مكاناً آخر إن شاء الله تعالى.
س٢/ قول القائل: كان من المفترض أن يُحِلَّ الله هذا؟
ج/ بعض الناس يستعمل هذه الكلمة وما يقصد ظاهر الكلام؛ لأنَّ ظاهر الكلام بشع؛ لأنه يكون الشيء حرمه الله ويقول هو من المفترض أن يكون حلالاً، هذا اعتراض واعتقاد أو تثبيت أنه حلال.
لكن بعض الناس يستعمل هذه العبارة من جهة رأيه وما عنده، فيقول في المسائل إذا تجادل اثنان أو أكثر يقول: من المفترض أنه يصير هذا مباح لعدم علمه، ما يقولها مثلاً في الخمر من المفترض أن يكون الخمر حلال، وإنما في المسائل المشتبهة التي لا يعرف وجهتها.
فإذاً هذه الكلمة لابد فيها من التفصيل قالها في أي ذنب، وما سياق؟، ولكنها من الكلمات الوخيمة.
س٣/ هل هناك فرق بين عدم فهم الحجة وعدم الاقتناع بالحجة؟
ج/ نعم فيه فرق.
س٤/ هل يُحْكَمْ على اليهودي المعين الذي مات على اليهودية أنه من أهل النار؟
ج/ نعم يحكم على المعين الذي مات على اليهودية أو على النصرانية بأنه من أهل النار، وهذا لأنه كافر أصلي والنبي ﷺ لمَّا زار الغلام اليهودي وقال له «قل لا إله إلا الله» أو «قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ، فجعل الغلام ينظر إلى أبيه ولم يقلها فقال له والده اليهودي: أطع أبا القاسم. فقال الغلام وكان يخدم النبي ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال ﷺ «الحمد لله الذي أنقذه الله بي من النار» (١) ، وقال ﷺ «والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أَكَبَّهُ الله في النار» (٢) ، وقال أيضا كما في صحيح مسلم «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» (٣) وقال أيضا ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ، وهذا لا يدخل في قول أهل السنة والجماعة، ولا نشهد لا معين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، هذا في حق المعين من أهل القبلة، أما من مات على كفره من اليهود والنصارى أو مات ونحن نعلم أنه يهودي أو نصراني فهذا كافر يُشْهَدُ عليه بأنه من أهل النار «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» .
س٤/ هل من كَفَّرَ بغير علم يصبح مُرْتَدَّاً فَيُقْتَلْ، أو أنَّ عَمَلَهُ هذا يُقْتَلُ به؟
ج/ من كَفَّرَ بغير علم:
- يلحقه الوعيد «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» هذا واحد.
- ويلحقه الوعيد في مشابهة الخوارج؛ لأنَّ الخوارج كَفَّرُوا بغير علم.
- ويلحقه الوعيد أيضا من جهة ثالثة وهو أنه تَعَدَّى على الدليل من القرآن والسنة؛ لأنَّهُ كما ذكرتُ لك في الأسباب أنَّ إثبات الإيمان جاء بدليل، فَنَفْيُ الإيمان عن المعين لابد فيه من دليل، فمن حَكَمَ بِكُفْرِ أحدٍ لهوى أو لغلو أو لقصور عنده في العلم فإنه تَعَدَّى ما أُذِنَ له به إلى أمر إنما هو لأهل العلم، فهو يؤاخذ بذلك، كما ذكرتُ لك في قصة عمر ﵁ وهي قصة تحتج منك إلى اعتبار في أنه قد يُطْلِقُ المرء التكفير من جهة الغَيْرَةْ وقد يُؤَاخَذْ وقد لا يُؤَاخَذْ، والواجب على العبد أن يحترز من فَلَتَاتِ لسانه، ويخاف أشد الخوف، فرُبّ كلمة قالها العبد لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.
ومن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم الذي قَرَّرَهُ أئمة أهل السنة أنَّ أهل العلم من أهل السنة يُخَطِّئونَ أو يُضَلِّلُونَ ولا يُكَفِّرُون.
يقولون: هذا القول بدعة، هذا ضلال، هذا فسق، هذا خطأ، ونحو ذلك، وقد يحكمون على المعين إذا كان الحاكم من الأئمة والعلماء ولكن لا يُكَفِّرُونْ إلا ببينة ووضوح.
وهذه المسائل مع الأسف شاعت عند الشباب في هذا العصر، وصاروا يتداولونها حتى في المجالس وهو يعلم من نفسه أنَّ مسائل الطهارة ما يعرفها، وكثير من مسائل الصلاة ما يعرفها، ومسائل يمكن معاشرة الزوجية يجيء فيها بحكم الطبيعة أو بحكم حياته ما آلفه وإلى آخره، ما يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله في هذه المسائل، ومع ذلك تجد أنه يقتحم هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير، وإنما هي لأهل العلم.
ذكرتُ لك أنَّ لها قسمين:
القسم الأول اعتقاد المسائل، اعتقاد مسائل التكفير مثل ما ذكرتُ لك.
стр. 364
والثاني التطبيق: التطبيق ليس إليك إنما هو لأهل العلم والقضاء والفتيا ونحو ذلك.
أمَّا الاعتقاد فهذا واجب أن تعتقد ما أمر الله به، أو ما أخبر به من إيمان المؤمن وكفر الكافر وكذا ما أخبر به ﷺ .
في هذا القدر كفاية، ونلتقي إن شاء الله بكم الأسبوع القادم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 365
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
نجيب على بعض الأسئلة:
الأسئلة
س١/ هل عدم اشتراط فهم الحجة أن لا يفهموا مقصود الشارع؟
ج/ ذكرنا لكم مراراً أنَّ العلماء الذين نَصُّوا على أنَّ فهم الحجة ليس بشرط في صحة قيام الحُجَّةْ بَنَوا على الدليل وهو قول الله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (١) فالله جَعَلَ على القلوب أَكِنَّةْ لِأَلَا يفهموه، فدلَّ على أنَّ الفهم والفقه -فقه الحجة- ليس بشرط؛ لأنَّ إقامة الحجة بالقرآن، تلاوة القرآن عليهم وهم أهل اللّسان كافٍ في قيامها.
فصار إذاً الحال مشتملْ على:
- أنَّ إقامة الحجة شرط، ومعنى إقامة الحجة أن تكون الحجة من الكتاب أو من السنة أو من الدليل العقلي الذي دل عليه القرآن أو السنة.
- وأن فَهْمَ اللسان العربي، فَهْمْ معنى الحجة بلسان من أقيمت عليه هذا لابد منه؛ لأنَّ المقصود من إقامة الحجة أن يَفْهَمَ مَعَانِيَ هذه الكلمات، أن يفهم معنى الحديث، أن يفهم معنى الآية.
* وأما ما لا يشترط وهو فَهْمُ الحُجَّةْ، فيُرَادُ به أن تكون هذه الحجة أرجح من الشبه التي عنده؛ لأنَّ ضلال الضالين ليس كله عن عناد، وإنما بعضه ابتلاء من الله ، وبعضه للإعراض، وبعضه لذنوبٍ منهم ونحو ذلك.
لهذا فإنَّ فهم الحجة على قسمين:
١- يُرَادُ بفهم الحجة فهم معاني الأدلة، فهذا لابد منه، فلا يُكْتَفَي في إقامة الحجة على أعجمي لا يفهم اللغة العربية بأن تُتْلَى عليه آية باللغة العربية، وهو لا يفهم معناها، ويقال قد بَلَغَهُ القرآن والله يقول ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] ، هذا ليس بكافٍ، لابد أن تكون الحجة بلسان من أقيمت عليه ليفهم المعنى، قال سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .
٢- المعنى الثاني لفهم الحجة أن يَفْهَمَ كونَ هذه الحجة أرجَحَ من شبهته التي عنده، المشركون -كما قررنا لكم في شرح كشف الشبهات- عندهم علم وعندهم كتب وعندهم حُجَجَ كما أخبر الله في كتابه.
ففَهْمُ حُجَّةْ الرسول ﷺ ، وفهم القرآن، وفهم حجة النبي ﷺ العقلية التي أدلى بها عليهم بعد الوحي، هذه معناها أن يفهموا المعنى.
إذا كانوا هم فهموا المعنى؛ لكن مثل ما يقول القائل: ما اقْتَنَعْ أَنَّ هذه الحجة أقوى من الشبهة التي عنده، فهذا ليس بشرط.
فإذن ما يُشْتَرَطْ من فهم الحجة هوالقسم الأول؛ وهو:
- فهم المعنى.
- فهم دلالة الآية باللغة العربية ونحو ذلك.
أما فهم الحجة بمعنى كون هذه الحجة أرجح في المقصود وأدلّ على بطلان عبادة غير الله أو على بطلان الباطل، هذا ليس بشرط، المهم يفهم معناها ودلالتها، ثم بعد ذلك الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء.
س٢/ يقول إذا كان الإمام أحمد ﵀ أقام الحجة على أحمد بن أبي دؤاد والمعتصم، فلم لم يُكَفَّرَا مع إصرارهما على البدعة؟ وإنْ كان لم يُقِمْ عليهما الحجة فلماذا لم يقم عليهما الحجة مع أنه في موقف يجب عليه إقامة الحجة؟
ج/ هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل، وتفصيله ينبني على فهم واقع فتنة خلق القرآن.
وفي الجملة منهج أهل السنة وأهل العلم أنَّهُمْ يجعلون هذه الفتنة فيها شبهة، فلم يُكَفِّرُوا بحصول الفتنة لا من جهة الوالي ولا من جهة من أجاب من المسلمين؛ لكن من أهل العلم من كفَّرَ ابن أبي دؤاد وكَفَّرَ أمثالَه العلماءَ.
لأنَّ العالم يفهم حجة القرآن، وإذا كان بقيت عليه الشبهة في مثل هذا الأمر العظيم فإنه إما أن يكون مقصرا في البحث عن الحق، وإما أن لا يكون:
- فإن كان مُقَصِّرَاً في البحث عن الحق مع قُرْبِهِ منه فلا يلومن إلا نفسه، وهذا لا يمنع من الحكم عليه بالكفر عيناً.
- وإذا كان غير مقصّر في البحث عن الحق؛ ولكن بقيت الشبهة عنده، فهذا لابد من أن تُزَالَ عنه الشبهة مع اختلاف المسائل في ذلك، لكن هذا الكلام بخصوص القول بخلق القرآن.
فمن أهل العلم من كَفَّرْ ابن أبي دؤاد ومنهم من لم يُكَفِّرُهُ عَيْنَاً لأجل الشبهة التي عنده.
كما ذكرنا لكم مسائل المعتزلة والخوارج في مثل مسألة خلق القرآن ونفي رؤية الله في الآخرة ونحو ذلك، أئمة أهل السنة يُكَفِّرُونَ بالنوع، يُكَفِّرُونَ بالمطلق يعني التكفير المطلق ولا يُكَفِّرُونَ الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وهذه كما ذكرنا يقيمها من يصلح لإقامتها من أهل القضاء أو الفُتْيَا.
س٣/ هل من فَعَلَ الذنب من الكبائر وجَاهَرَ به وأصبح يتاجر فيه كالغناء، نقول: إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها ونحكم بردتهم عن الإسلام؟
стр. 366
ج/ الكبائر لها حد -بمعنى لها تعريف- وذكرنا تعريفها عدة مرات ويأتينا إن شاء الله تعالى في موضعه من شرح الطحاوية بتفصيل.
فالحكم على الغناء بأنَّهُ من الكبائر هذا فيه نظر؛ لأنَّ الغناء التّغني بالصوت.
والتغني بالصوت قد يكون مُشْتَمِلاً على كلامٍ قبيح كفر أو نفاق أو دونه من التشويق بالنساء أو باستباحة المحرمات أو نحو ذلك، وقد يكون الكلام لا يشتمل على ذلك، ثُمَّ هو قد يكون مُصَاحَبَاً بمعازف وقد لا يكون مصاحبا بمعازف.
فقول القائل أصبح يتاجر فيه كالغناء أنَّ هذا من الكبائر لأ، يختلف الحال فيه.
لهذا من جهة إثبات الكبيرة لابد فيه من تفصيل، هل الغناء كله كبيرة؟
ليس بصحيح -يعني بهذا الإطلاق-، طالب العلم لابد أن يدقق في ألفاظه، إذا قال أحد الغناء من الكبائر، ليس صحيحاً هذا الكلام، فلابد من التفصيل فيه وهذا يرتبط بتعريف الكبيرة.
المسألة الثانية: المعازف من حيث هي والغناء المشتمل على المعازف لم يُجمِعْ العلماء على تحريمه، فمن أهل العلم -وهم نوادر- من قالوا بإباحته، وجمهور أهل العلم كما دَلَّتْ عليه الأدلة بالكتاب والسنة وهي كثيرة جداً قالوا بحرمة ذلك، وهذا هو الحق الواضح الذي لا يجوز العدول عنه؛ لكن معرفة خلاف طائفة من أهل العلم من فقهاء المدينة في زمن الإمام مالك ومن بعدهم مثل ابن حزم والسمعاني وطائفة من الناس من قالوا بإباحة السماع واستعمال المعازف فهو خلافٌ في المسألة.
ولا تَكْفِيرَ إلا بما أَجْمَعَ العلماء على تحريمه.
والمسألة إذا أجمع العلماء على تحريمها من قال بخلافها فالقول بخلافها كفر، ثم تكفير المعين يحتاج أيضاً إلى بيان.
المسائل التي أجمع العلماء على حرمتها المخالِفْ فيها يختلف؛ لأنَّ المسألة قد تكون من المسائل التي يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام أنها محرمة، مثل الخمر، مثل الزنا، الربا المتفق على تحريمه ونحو ذلك، هذا ما يحتاج، ينشأ الناشئ بين المسلمين وهو يعلم أنَّ هذه الأمور محرّمة باتفاق أهل العلم.
لكن ثَمَّ مسائل خفية تحتاج إلى استدلال، فمثلاً لو قيلَ إنّ المعازف مُجْمَعْ على تحريمها فإنَّ هذا الإجماع هم لم يجمع على تحريمها، لكن هذا الإجماع غير معروف لم يكن معروفاً عند الناس، لو قال قائل ذلك أو يكون في بلد معروف نشأ الناشئ وأهل الفتوى في بلده على أن الغناء محرم فهنا لا يقال بالتكفير لأنَّ هذا مما يخرج عن كونه من الضروريات، يعني العلم به من الضروريات.
فإذاً مسألة التكفير مسألة خطيرة ومهمة في أن يعلم طالب العلم حدوده، فالمسائل المحرمات لا تكفير إلا بما أُجمِعَ عليه. (١)
: [[الشريط السابع والعشرون]] :
ثُمَّ هنا ما أَجْمَعَ أهل العلم عليه على قسمين:
- منه ما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام، يعني لا يحتاج فيه العالم إلى بيان الأدلة.
- ومنه ما فيه خفاء يحتاج فيه إلى بيان الأدلة.
حتى غير المسائل هذه مثل مسائل السحر.
السحر لاشك أنه من كبائر الذنوب؛ بل لا يكون السحر إلا بشرك بالله ، لكن من أصناف السّحر ومن أحوال السَّحَرَةْ ما قد يخفى في بعض الأزمنة، فيحتاج إلى بيان وإيضاح.
فالمسألة في نفسها قد تكون في زمان مما يُعْلَمُ بالاضطرار -يعني الدليل فيها لا يحتاج إلى إقامة-؛ لأنَّ كل الناس يعلمون هذا، وقد يكون في زمان أو مكان يخفى الدليل على طائفة فيُحتاجُ في الحكم على المُعَيَّن إلى بيان، وإن كانت عند طائفة أخرى مما يُعْلَمُ بالاضطرار.
العلماء يذكرون مثال ذلك مثلاً من قال الزنا غير مُحَرَّمْ وهو ممن نشأ بباديةٍ بعيدة عن دار الإسلام، ومثله يجهل، مثل ما حَصَلَ في زماننا الحاضر في بعض من يسكنون في بعض الأماكن يقولون ما نعلم أنه محرم، يفعل الفاعل الزنا وما يعلم أنه حرام مع أنَّ حُرْمَةْ الزنا مما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام.
فالمقصود من هذا، أنَّ المسائل التي يقال فيها هذا مما يُعْلَمُ بالاضطرار من دين الإسلام، نعني بها ما لا يُحْتَاجُ معه إلى إقامة دليل؛ لأنَّه ينشأ الناشئ وهو يعرف هذا ولا يعرف غيره من دين الإسلام.
هذه المسائل تختلف باختلاف الزمان والمكان فلهذا يحتاج من يريد بحث هذه المسائل إلى استفصال.
آخر السؤال يقول: نقول إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها فنحكم بِرِدَّتِهِمْ عن الإسلام.
ليس كذلك، من فَعَلَ الكبيرة مُسْتَخِفّا بها لا يعني ذلك أنه مرتد؛ بل الذين يفعلون الكبائر منهم:
١- من يفعل الكبيرة لشهوةٍ غلبت عليه، شهوة طارئة، هو مؤمن صالح لكن غَلَبَ عليه أَمْرْ فَأَخَذَ مالاً من غَيْرِ حِلِّهِ، سرق لشهوة غلبت عليه ثُمَّ رَجَعْ، فهذا نقول فيه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
أو رأى امرأة أو خَلَا بامرأة ثم فعل معها الكبيرة عن غَلَبَةِ شهوة، فهذا لا يُخْرِجُهُ ما فَعَلْ عن كونه مؤمناً إذا تاب وأناب، فَغَلَبَةْ الشهوة تبقي اسم الإيمان إذا تاب وأناب.
٢- ومنهم الذي يخرج معه المؤمن من الإيمان إلى الإسلام وهو إذا استخف بالكبيرة.
يعني تَهَاوَنَ بها وهو يعلم أنها كبيرة ويعلم أنه عاصي، أقَامَ عليها واسْتَمَرَّ على فعل الكبيرة فهذا يخرج من اسم الإيمان إلى اسم الإسلام؛ لأنَّ الإيمان الحق -الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر- الإيمان الحق بهذه، الإيمان الكامل لا يجتمع مع صاحبه في مداومة الكبائر.
وفي هذا يروى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند (أنَّ العبد إذا فعل المعصية ارتفع عنه الإيمان فصار على رأسه كالظلة فإذا تركه عاد إليه) (٢) ، وهذا الحديث في إسناده ضعف؛ لكن يستدل به أهل العلم على أصلهم من أنَّ المؤمن حال مُوَاقَعَتِهِ للكبيرة التي كانت عن غلبة شهوة لا استمرار واستخفاف فإنه يبقى عليه اسم الإيمان؛ لكن يَنْتَزِعُ منه ما دام فاعلاً لهذا المنكر، فإذا ترك هذه الكبيرة وأناب إلى الله ، رجع فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
لكن المصر على الربا المصر على الزنا المصر على شرب الخمر لا يُخْرِجُهُ أهل السنة من اسم الإسلام ويجعلونه مرتداً، وكذلك أصحاب المعازف والغناء المحرم وبيع مثل هذه وآلات اللهو ونحو ذلك إذا كان مُمَارِسَاً لها وهو يعتقد حرمة ذلك فيما أُجْمِعَ عليه فإنه يخرج من الإيمان إذا كان مداوماً عليها إلى الإسلام؛ لأنَّ الإسلام هو العمل الظاهر إذا كان جاء بأمور الإسلام.
وهذه فيها مزيد تفاصيل تأتي في موضعها إن شاء الله في شرح الطحاوية.
[المسألة الأولى] :
أنَّ الرجاء للمحسن بالعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين:
- فمع نفسه تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ وتَسُوؤُهُ سيئته، ويرجو لنفسه إذا أَحْسَنْ، ويأمل ويطمع في أن يُدْخِلَهُ الله الجنة برحمته لا بعمله، ولا يأمن على نفسه أن يُقَلِّبَ الله قلبه، وكذلك لا ينظر إلى نفسه بِعَمَلٍ صالح عَمِلَهْ أَنَّهُ استوجب به الجنة، فدائماً ينظر إلى نفسه ما بين إحسانها بأن يطمع بثواب الله ورحمته وإذا أساءت فإنه يخاف ولا يقنط من رحمة الله ، هذا مع نفسه.
- وكذلك مع المؤمنين فإنه ينظُرُ إليهم بهذا الأصل، فمن مات من أهل الإيمان فإنه يرجو أن يعفو الله عنهم وأن يدخلهم الله الجنة برحمته، ومن مات من أهل الإساءة فإنه يستغفر للمسيء ويخافُ عليه ولا يُقَنِّطُ من أَسَاءَ مِنَ الأحياء وكذلك لا يُقَنِّطُ نفسه في من أساء من أن يعفو الله عن من مات.
стр. 369
[المسألة الثانية] :
الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يَعْرِفْ لنفسه ذنباً .
وذلك لقول النبي ﷺ للصديق أبي بكر ﵁ بأن يدعو في آخر صلاته «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم» (١) .
فقول أبي بكر «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا» هذا تَبَعْ لهذا الأصل، وهو أنَّ المحسن من المؤمنين حتى صاحب المقامات العالية كالصديق ﵁ يرجو أن يعفوَ الله عنه وأن يدخله الجنة برحمته ولا يأمن، كذلك مَنْ دونه من المؤمنين من أهل الاقتصاد وعدم السبق بالخيرات لابد أن يرجو لنفسه ولا يأمن، ويظن أنه محتاج إلى العفو، يعني يعتقد أنه محتاج إلى عفو الله وإلى رحمته.
стр. 370
[المسألة الثالثة] :
الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تَبَعْ لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء .
فالمأمور به شرعا أن يَجْمَعَ العبد ما بين خوفه من الله وما بين رجائه في الله ، والخوف عبادة والرجاء عبادة.
- والخوف المحمود: هو الذي يَحْمِلُ على طاعة الله بِفِعْلِ أمْرِهِ وتركِ المحرمات، هذا هو الخوف المحمود، وهو المذكور هنا في قوله (نَخَافُ عَلَيْهِمْ) .
- والخوف المذموم: هو الذي يَصِلُ إلى القنوط من رحمة الله ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
أ- أولاً: الخوف:
الخوف من الله عبادة مستقلة تحمل على:
١ - فعل الأمر واجتناب النهي.
٢ - عدم رؤية العمل الصالح -يعني رؤية أثره-، وكذلك على عدم رؤية العمل السيئ في أنه مُوْقِعٌ صاحبه وأنه مُهْلِكٌ له.
والله مَدَحَ عباده الذين يخافونه في كتابه في مواضع كثيرة، كقول الله في وصف الملائكة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] ، وأمر الله بالخوف في قوله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] ، وقال ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦] ، وذَكَرَ خاصَّةَ عباده من المرسلين بالخوف فقال سبحانه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] .
فَأَصْلُ الخوف من الله عبادة عظيمة لا تستقيم العبادة إلا بها ولا يستقيم الإيمان إلا بالخوف.
فمن لم يكن عنده خوف أصلاً من الله فليس بمؤمن لأنَّهُ يكونُ آمناً، والأمن ينقل عن ملة الإسلام، يعني الأمن التام بعدم وجود الخوف أصلاً من الله .
ب - ثانياً: الرجاء:
والرجاء: أمل يحدو الإنسان في أن يتحقق له ما يريد.
قال طائفة من العلماء ونقله الشارح عندكم: إنَّ الرجاء لا يكون إلا باجتماع أشياء:
- الأول: المحبة لما رجاه، وهو يرجو أن يدخل الجنة فلابد أن يُحِبْ أن يدخل الجنة.
- الثاني: الخوف وهو أن يخاف مما يقطع عليه أمله، يخاف من الذنوب، يخاف من الكفر، يخاف من النفاق أن يقطع عليه أمله في دخول الجنة.
- الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة التي تكون سبباً فيما رجا، فمن تَرَكَ تقديم الأسباب وفعل الأسباب فلا يكون راجياً.
قالوا: والفرق ما بين الرجاء والأماني:
أنَّ الرجاء يكون معه خوف وعمل، والأماني إنما هي طمع ليس معها خوف ولا سعي في الأسباب.
والمطلوب شرعاً من العبد المؤمن فيما يراه في نفسه ولإخوانه المؤمنين أن يكون راجياً، وليس بذي أماني، قال الله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] .
فإذاً دَلَّ هذا الكلام من الطحاوي على الأصل الشرعي وهو أنَّ العبد ينظر إلى نفسه في عبادته وفي أثر عبادته إلى أنه يجمع ما بين الخوف والرجاء، وكذلك في نظره إلى إخوانه المؤمنين.
стр. 371
[المسألة الرابعة] :
اختلف العلماء في الخوف والرجاء هل يجب تساويهما أم يُرَجَّحُ أحدهما على الآخر على أقوال:
١- القول الأول: أن يُغلَّبَ جانب الخوف مطلقاً.
٢- والقول الثاني: أن يُغلَّبَ جانب الرجاء مطلقاً.
٣- والقول الثالث: أن يستوي عند العبد الخوف والرجاء.
٤- والقول الرابع: التفصيل، ومعنى التفصيل أنّ الخوف قد يُغَلَّبُ في حال، وقد يُغلَّبْ الرجاء في حال، وقد يُطْلَبُ تساويهما في حال.
فَيُغَلَّبْ الخوف على الرجاء في حال أكثر المؤمنين؛ لأنَّ أكثر أهل الإيمان عندهم ذنوب فيُغَلِّبُونَ حال الخوف في حال الصحة والسلامة؛ لأنهم لا يخلون من ذنب والخوف يحملهم على ملازمة الطاعة وعلى ترك الذنب.
والرجاء يُغَلَّبُ في حال المرض لقوله ﷺ «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» (١) وللحديث أيضا الآخر الذي رواه البخاري وغيره «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» (٢) ، فدل هذا على أنَّ رجاء العبد مطلوب وإذا كان في حال المرض المَخُوفْ أو في أي مرضٍ كان فيه فإنه يُغَلِّب جانب الرجاء على الخوف.
وفي حال يستوي فيه الرجاء والخوف، وهو في حال التَّعَبُّدْ، إذا أراد العبادة ودخل في العبادة، فإنه يخاف الله ويرجو ربه ، يخاف العقاب ويرجو الثواب.
*وهذا القول الأخير هو الصحيح وهو الذي عليه أهل التحقيق.
ومن قال من أهل العلم أنَّهُ يُغَلِّبْ جانب الخوف مطلقا نَظَرَ إلى أنَّ حال أكثر المنتسبين حالهم على ذنب وعلى قصور فتغليب جانب الخوف في حقهم يَرُدُّهُمْ إلى الحق.
ومن قال يُغَلِّبْ جانب الرجاء دائما عمم قوله ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» .
ومن قال بالاستواء دائما نظر إلى قول الله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ، وكذلك قوله ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] .
والتفصيل هو الصحيح لأن الأحوال تختلف باختلاف المقامات والناس.
стр. 372
[المسألة الخامسة] :
قوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) .
قوله (لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا على مورِدْ التقسيم من أنَّ أهل الإيمان منهم المحسن ومنهم المسيء.
وليس شرطاً في رجاء العفو أن يكون من أهل الإحسان، وإنما المؤمن إما أن يكون محسناً وإما أن يكون مسيئاً.
- والمحسن هو من كان من المقتصدين أو من السابقين بالخيرات؛ لأنَّ أهل الإيمان ثلاث مراتب:
- الظالم لنفسه.
- والمقتصد.
- والسابق بالخيرات.
كما دلت عليهم آية فاطر ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] .
والمحسن من المؤمنين أو المسيء من المؤمنين نرجو أن يعفو الله عنهم ونخاف على المسيء منهم.
وعفو الرحمن عن العبد وعدم مؤاخذته بفعله هذا قد يكون:
١- مِنَّةً وتَكَرُّمَاً منه في غير الشرك به ، ومعنى مِنَّةْ أي يَمُنُّ على من يشاء، يعني ابتداءً منه بدون أن يفعل العبد سبباً يُحَصِّلُ به ذلك
٢- وقد يكون بسبب.
@ فأما ما كان مِنْهُ مِنَّةً وتَكَرُّمَاً فالله وَعَدْ بل تَوَعَّدْ أن لا يغفر الشرك به فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فما دون الشرك يغفره سبحانه لمن يشاء مِنَّةً وتكرماً منه .
@ وأما ما كان بسبب فالعلماء نظروا فيما جاء فيه الدليل من الكتاب والسنة في الأسباب التي تكون رافِعَةً لأثر الذّنب؛ لأنَّ الذنب إذا وقع من العبد فلابد من حصول الجزاء عليه، قال ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] .
ولمَّا نَزَلَتْ هذه الآية شق ذلك على المسلمين مشقة عظيمة، فعرف ذلك منهم ﷺ فخرج عليهم وقال «سددوا وقاربوا فما يصيب المسلم» أو كما جاء في الحديث «فما يصيب المسلم من مصيبة كانت كفارة له حتى في النكبة يُنْكَبُها وحتى الشوكة يشاكها» (٢) رواه مسلم في الصحيح، فقول الله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ دلَّ على أنَّ هناك ما يُكَفِّرُ الله به هذا السوء الذي حصل من العبد وأنه لا يُجَازَى به بل يُرْفَعْ الجزاء بسبب من الأسباب.
وقال سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ، يعني ما أصاب العبد من مصيبة في دنياه فهو بسبب ذنْبٍ عمله فتكون كفارةً له ويعفو الله عن كثيرٍ من الذنوب التي حصلت من العبد.
إذا تبين ذلك فالأسباب هذه التي يُكَفِّرُ الله بها الخطايا أو يمحو بها أثر السيئات ويرفع بها أثر الإساءة على ثلاثة أقسام:
- القسم الأول: أسباب يفعلها العبد.
- القسم الثاني: أسباب من المؤمنين للواحد منهم.
- القسم الثالث: أسباب من الله ابتداءً منه .
@ فالقسم الأول أسباب يفْعَلُها العبد:
وهو ثلاثة أنواع:
& النوع الأول التوبة:
والتوبة مأمورٌ بها إجمالا وتفصيلاً قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨] ، هذا إجمالاً، كل مؤمن حتى الصالح حتى الأنبياء مأمورون بالتوبة، كان ﷺ يقول «إني ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» (٣) وكان يُحْسَبُ له ﷺ في المجلس الواحد يتوب إلى مائة مرة، وقال سبحانه ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] .
فالتوبة مأمورٌ بها سواء كان العبد مُسَدَّدَاً أو كان دون ذلك.
فأعظم الأسباب التي يفعلها العبد لمحو السيئات عنه التوبة، فمن فَعَلَ سيئة مهما كانت حتى الكفر والشرك فإنَّ الله يمحو أثره بالتوبة إليه ، قال بعد أن ذَكَرَ أصناف الكبائر في سورة الفرقان ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧٠-٧١] .
والتوبة معناها -ضابط التوبة-: تاب بمعنى رجع.
وهناك ثلاثة ألفاظ متقاربة لكن المعنى يختلف بدقة وهي:
١ - آبَ.
٢ - تابَ
٣ - ثابَ
وهي تشترك في الأصل من أنها فيها رجوع.
آبَ: يعني رَجَعْ، آيبون تائبون تشمل هذه وهذه، فآب رجع، أو أَوَّابْ كثير الرجوع.
стр. 373
تواب أيضاً كثير الرجوع، لكن تَوَّابْ أو تَابَ من شيءٍ سيئٍ فَعَلَهْ، وأما آبَ فهو رجوعٌ مُطْلَقْ سواء مما يسوء أو مما لا يسوء.
وتاب مختص أيضاً برجوع خاص.
إذاً التوبة رجوع إلى الله بطلب محو تلك السيئات، فإذاً هي توبة ورجوع إلى الله بطلب محو السيئات.
هذا هو السبب الأول وهو التوبة وهي أعظم الأسباب قال ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] ، أَجْمَعَ العلماء على أنَّ هذه الآية نزلت في التائبين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يعني لمن تاب.
طبعاً التوبة تفصيل الكلام عليها وشروطها إلى آخره يُطْلَبُ من موضعه.
& النوع الثاني الاستغفار:
والاستغفار هو طلب المغفرة.
والمغفرة معناها سَتْرُ أثر الذنب؛ لأنَّ الذنب إذا وَقَعَ من العبد فلابد أن يوجد أثر ذلك الذنب، وهو إما أن يكون العقوبة عليه؛ -يعني أن يُعَاقَبَ العبد على ذنبه في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة-، وإما أن تَقَعْ عليه مصيبة يُكَفِّرُ الله بها ذنبه، وإما أن يُخْزَى بذنبه ﴿لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة:١١٤] والعياذ بالله -اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة-، الخزي يقع بسبب الذنوب.
فإذاً الذنب إذا وقع من العبد فله أثره الكوني وأثره الشرعي الذي يحصل ولا بد؛ إلا إنْ عَفَا الله مِنَّةً مِنْهُ وتكرماً.
إذا استغفر العبد، طَلَبَ غَفْرَ الذنب، طَلَبَ أن يُسْتَرَ هذا الذنب، فلا يُخْزَى به وأن يُسْتَرَ أثر الذنب فلا يؤاخذ به.
وهذا قرين التوبة، لهذا جاء في عدة آيات اقتران التوبة والاستغفار؛ لأنَّ الاستغفار مثل التوبة في الأمْرِ بها والحث والحض عليها، قال ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠] ، وقال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:١-٣] ، الاستغفار صار قبل التوبة من جهة أنَّهُ طَلَبْ مباشرة، طَلَبْ أن يُمْحَى أثر الذنب؛ لأنَّ أثر الذنب لو أخَّرْتَ طلب المغفرة فقد يقع الأثر سريعاً.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ يعني أنَّ التوبة تكون بعد الاستغفار من الذنب، ولهذا النبي ﷺ كان يُقَدِّمْ طلب المغفرة على طلب التوبة فقال «ربي اغفر لي وتُبْ علي» (١) ، «أستغفر الله وأتوب إليه» .
التوبة والاستغفار نظر فيها بعض العلماء وذكرها الشارح عندكم تبعاً لابن تيمية من أنَّ التوبة والاستغفار من الألفاظ التي إذا اجتمعت تفرقت وإذا تفرقت اجتمعت.
إذا اجتمعت تفرقت لأنَّ التوبة على ما ذكرت لك من تعريفها والاستغفار على ما ذكرت لك من أنَّ:
- الاستغفار: طلب ستر الذنب.
- والتوبة: هي طلب محو الذنب، رجوع في طلب محو الذنب.
إذا تفرقت فالمستغفر تائب والتائب مستغفر.
& النوع الثالث الحسنات التي تمحو السيئات:
والله قال ﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ، وقال ﷺ «وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» (٢) فالحسنة تمحو السيئة، فَفِعْلُ الحسنات يمحو الله به السيئات.
لكن هل كل حسنة يمحو الله بها كل سيئة؟
الجواب ليس كذلك؛ بل السيئة لها ما يقابلها من الحسنات التي تختص بها، والسيئات أيضا منها ما يُبْطِلُ الحسنات التي تقابلها.
الأول مثل أنَّ الأعمال السيئة الكبيرة مثل الإفساد في الأرض بالشرك بالله أو بقتل النفوس هذه ذنوب عظام يُكَفِّرُهَا الجهاد في سبيل الله ، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١] الآية.
الكبائر لها ما يقابلها فإذا كانت الكبيرة بالسرقة وأخذ المال من غير حله وبالربا ونحو ذلك فيقابلها من الكفارات الصدقة.
إذا كانت كبائر الذنوب من جهة أعمال البدن فيقابلها الصيام والصلاة ونحو ذلك.
إذا كانت من جهة المال يقابلها الزكاة والصدقات وأشباه ذلك.
стр. 374
فإذاً الحسنات من حيث الجنس يمحو الله بها السيئات والسيئات قد يفعل العبد سيئةً تَبْطُلُ معها حسنةً كان يعملها، ويُسْتَدَلُّ لذلك لما رُوي (من أنَّ زيد بن أرقم تعامل بالعِينَةْ أو باع شيئاً بأجل، باع فرساً له بأجل بثمانمائة درهم ثم اشتراه ممن باعه عليه بست مائة فربح هذا الفرق، فلما بلغ عائشة ذلك قالت اعلموا زيداً أنه أَبْطَلَ جهاده مع رسول الله ﷺ (١) ، وهذا اجتهاد من عائشة ﵂.
والحديث فيه ضعف معروف يعني إسناده لا يصح، لكن استدل به بعض أهل العلم مثل ابن تيمية ووَجَّهَهُ بأنَّ هذا الفعل وهو حصول الربا مقابل للجهاد، فوقوع التبايع بالعينة هذه قابلت بها عائشة فعل الجهاد.
ولهذا جاء في الحديث اقتران ترك الجهاد بالتبايع بالعينة، جاء فيما صحَّ عنه ﷺ الحديث الذي في السنن وفي غيرها «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد» (٢) فقارَنَ بين هذا وهذا.
فهذا الأصل يدلُّ على أنَّ الحسنات مُكَفِّرَات للسيئات، وعلى أنَّ بعض السيئات قد تُبْطِلُ بعض الحسنات؛ يعني تكون في مقابلتها من جهة عِظَمْ السيئة حتى أنها تُبْطِلُ -معنى تُبْطِل يعني أنها في الميزان تكون مقابلة لها في عظم الذنب- تلك حسنة كبيرة وهذا ذنب عظيم فتكون هذه مقابلة لهذه إذا وُضِعَت في الميزان.
الحسنات يُكَفِّرْ الله بها السيئات مثل ما ذكرنا في الآيات هذه أفعال العبد.
@ القسم الثاني أسباب من المؤمنين للواحد منهم:
وهذا المقصود به يعني ما يفعله المؤمنون لإخوانهم مما يكفر الله به السيئات.
وهذا يُجَامِعُ الرجاء، فعقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ العبد يرجو لنفسه ويخاف على نفسه، فيعمل الأسباب التي لنفسه من الرجاء والخوف التي ذكرنا ومن الاستغفار والتوبة والحسنات، وكذلك يرجو لإخوانه ويخاف على إخوانه، فيعمل الأسباب التي تنفعهم فيما رجا لهم، ويعمل الأسباب أيضاً التي تنفعهم فيما خاف عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك.
وهذا القسم ثلاثة أنواع أيضاً:
& النوع الأول الاستغفار والدعاء للمؤمنين (٣) .
وهذا ينفع، الاستغفار والدعاء نافع سواء أكان من الملائكة أم من المؤمنين من الجن والإنس.
والملائكة يستغفرون ويدعون للمؤمنين كما قال ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى آخره هذا دعاء للملائكة.
وكذلك دعاء المؤمن للمؤمن في خارج الصلاة أو في الصلاة هذا نافع له وهو من الأسباب التي يُكَفِّرُ الله بها خطايا المؤمن، فتدعو لإخوانك المؤمنين، تدعو لفلان المعين المذنب هذا يمحو الله به السيئات.
& النوع الثاني إهداء القُرَبْ وعَمَلُ العبادات عن المؤمن:
وهذه تشمل الصدقة عن الغير، أو عمل العمل الصالح وإهداء ثوابه للغير، أو أن يعمل العبادة التي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةْ مما جاء في السنة، ويجعلها لغيره مثل:
الصيام والحج والصدقة ونحو ذلك، هذه يأتي مزيد تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وفي دُعَاءِ الأَحْياءِ وَصَدَقَاتِهم مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَات) .
& النوع الثالث الشفاعة إما في الدنيا أو في الآخرة:
فشفاعة المؤمن لإخوانه المؤمنين نافعةٌ له، وأصل صلاة الجنازة لأجل دعاء المؤمن والشفاعة له، ولهذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال «ما من مسلمٍ يصلي عليه أربعون من أهل الإيمان إلا شفَّعَهُمْ الله فيه» وفي لفظ آخر قال «كلهم يشفعون له إلا شفّعهم الله فيه» (٤) .
والشفاعة تحصل في الدنيا بالدعاء وتحصل أيضاً في الآخرة، فشفاعة الأب لأبنائه والإبن لوالده ونحو ذلك والعالم لأحبابه وأهل القرابة لقراباتهم أو للمؤمنين، ومن ذلك؛ بل أعظم شفاعة النبي ﷺ لطوائف من أمته.
@ القسم الثالث: أسباب من الله ابتداءً منه :
وهو أربعة أنواع:
& النوع الأول مغفرة الله لعبده ابتداءً مِنَّةً منه وتكرّما:
وهو أعظم الأنواع وأجَلُّهَا، فالله مَنَّ على عبد بالإسلام وبالإيمان، فقد يَمُنُّ عليه بمغفرة الآثام ابتداءً، وهذا خلْقُ الله هو سبحانه يثيب من يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
& النوع الثاني المصايب التي تحصل للعبد في الدنيا:
стр. 375
مصيبة يوقعها الله بالعبد، مرض، فَقْدُ حبيب، حَزَن، هَم، نقص مال يهمه، ونحو ذلك مما يعني يفنى شيئا من ماله من بدنه يمرض يصاب بأشياء، هذه المصائب كفَّارَات، يُكفِّر الله بها من ذنب العبد.
قال العلماء: المصايب -مصايب بالياء ويجوز مصائب لكن الأصح مصايب أو يعني الأشهر المصايب- التي تحصل على العبد مِنَ الله هي في نفسها كفارة؛ لأنها ليست من جهة العبد يعني العبد ما اختارها لنفسه، الله ابتلى به المؤمن، فابتلاه بها ليكفر الله بها من خطاياه.
وهذا كما قال ﷺ «ما يصيب المسلم من هم ولا حَزَنٍ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه» (١) فالهم يأتي للمؤمن هَمْ، ضِيْقَةْ صَدْرْ لا يدري ما سَبَبُهَا، أو يُبْتَلى بشيء يُضَيِّقْ صدره أو يهمه ويصبح في غم أو في هم.
هذا سبب لأنه خروج عما يُسْعِدْ العبد وابتلاء من الله العبد فهذا سبب من أسباب كفارة الذنوب.
كذلك المصايب في النفس أو في الولد أو في المال أو نحو ذلك هذه المصايب كفارة.
وهل يؤجر عليها، أو هي كفارة بشرط؟
المصايب كفارة بلا شرط بإطلاق، فمن وقعت عليه مصيبة فالدليل دلَّ على أنَّ الله يُكَفِّرُ بها من خطاياه، والحمد لله على فضله وتكرمه ومنته؛ ولكن قد يؤجَرُ على المصيبة وقد يأثَمُ على المصيبة، وذلك إذا صبر أو تسخط، فإن صبر أُجِرْ وإن تسخط أثم.
فإذاً المصيبة في نفسها كفارة فإن صار مع المصيبة صَبْرْ فهذا أَجْرٌ، وإن صار مع المصيبة تسخط فهذا إثم.
& النوع الثالث العذاب الذي يحصل على العبد في البرزخ:
يعني العذاب الذي في القبر، يكون على العبد ذنب من الذنوب أو ذنوب كذا فيعذبه الله في القبر ثم يوم القيامة لا يُدْخِلُهُ النار.
& النوع الرابع ما يكون في عَرَصَات القيامة من المصايب والأمور العظام التي قد يبتلي بها الله بعض عباده فيكون في ذلك كفارة لهم.
فهذه عشرة أسباب فَرَّقَهَا الشارح وقَسَمْتُهَا لك بثلاثة من العبد، وثلاثة من المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، وأربعة من الله ﷻ وتقدست أسماؤه.
стр. 376
[المسألة السادسة] :
قول الطحاوي (وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ) يعني لا نشهد للمحسن بالجنة، وكذلك لا نشهد للمسيء بالنار، فلا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنةٍ ولا نار إلا من شَهِدَ له رسول الله ﷺ ، وهذه الجملة يأتي تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وَلاَ نُنَزِّلُ أحَداً مِنْهُم جَنَّةً ولا ناراً) .
стр. 377
[المسألة السابعة] :
أَنَّ في قوله (وَلَا نُقَنِّطُهُمْ) التقنيط هو كاليأس أو التأييس من رحمة الله .
بمعنى أن يقول القائل هذا ذنب كيف يغفره الله لك؟
أو يستعظم أن يعفو الله عن فلان.
وهذا قد يكون في بعض من أحواله من كبائر الذنوب، والواجب على المؤمن تجاه نفسه وإخوانه المؤمنين أن يفتح عليهم باب الرجاء إذا أقبلوا تائبين، وأن يَفْتَحَ عليهم باب الخوف إذا كانوا مُفَرِّطين، فإذا كان مقيم على لهوه، مقيم على ذنوبه على كبائره على آثامه فَتَعِظُهُ بالخوف، ولا تَفْتَحْ له الأمل لأنَّ فتح باب الرجاء له في هذه الحال يزيد من فعله للذنوب.
وهذا من المهمات لأهل الدعوة والمواعظ والخطباء وأئمة المساجد إلى آخره في أنَّ الناس إذا رآهم صالحين وعندهم تَشَدُّدْ يفتح لهم باب الرجاء وباب السهولة، كما قال ﷺ لما أَذِنَ باللعب في المسجد قال «لتعلم اليهود أنَّ في ديننا فسحة» (١) لأنَّ اليهود في شريعتهم ثَمَّ تشديد وآصار وأغلال وُضِعَتْ عليهم أو وضعوها على أنفسهم.
وأما إذا رآه صاحب خوف وبكاء وكثرة بكاء من خوف الله وكثرة الخوف من أنَّ الله لا يغفر ذنبه، ودائما يلاحظ ذنبه ويلاحظ كبيرته فهذا يفتح له باب الرجاء.
فإذاً الواجب هو ما قال أن لا نأمَنَ على المحسن وأن لا نقنّط المسيء فهذه عقيدة وأيضا يتبعها عمل.
стр. 378
[المسألة الثامنة] :
في قوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ) قوله (بِرَحْمَتِهِ) هذا كما ذَكَرْتُ لك في أوله بأنه لن يدخل أحد الجنة بعمله بل ما ثَمَّ إلا عفو الله ورحمته.
فالله وَعَدَ من عمل صالحاً بأن يدخله الجنة جزاءً بما عمل قال سبحانه ﴿جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ، فالجنة يدخلها العبد بالعمل؛ لكن الباء هذه ليست باء المقابلة إنما هي باء السببية؛ يعني بسبب ما كنتم تعملون.
فالعمل الصالح للعبد وأعلاه توحيد الله والبراءة من الشرك وأهله والكفر بالطاغوت هذا العمل الصالح هو أعظم الأسباب التي يُدْخِلُ الله بها العبد للجنة.
أما المُقَابَلَةْ فإنَّ الجنة وما فيها من النعيم وما أعطى الله العبد مِنَ النِّعَمْ في الدنيا بل ما مَنَّ عليه أصلاً من الهداية لا يستحق الجنة بالمقابلة؛ لأنَّ حصول الهداية للعبد مِنَّةْ من الله وتَكَرُّمْ ولو تُرِكَ العبد ونفسه لما اهتدى ولاحتوشته الشياطين.
لهذا لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله كما قال هنا (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ) .
فإذاً أهل السنة والجماعة يقولون إنَّ دخول أهل الجنة للجنة بسبب الأعمال الصالحة، وإلا فإنَّ الدخول برحمة الله لما دَلَّ عليه قوله ﷺ «لن يُدْخِلَ أحدا منكم الجنة عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (١) .
وأما المعتزلة وأهل إنفاذ الوعيد فيرون أنَّ دخول الجنة يكون بالعمل مقابلةً؛ لأنَّ الله سماه أجر كما يقولون والأجر يقتضي المقابلة.
نكتفي بهذا، نقف عند هذا أسأل الله لنا ولكم التوفيق والرُّشْدَ والسداد والعفو من السيئات والرحمة والرضوان.
стр. 379
الأسئلة:
س١/ هل جاء في الأثر أنَّ الرجل إذا فعل معصية ولم يتب قبل ست ساعات فإنه يُكْتَبْ عليه ذنب وإن تاب بعدها فلا ذنب عليه؟
ج/ جاء في تفسير قول الله ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، أنَّ العبد المؤمن إذا فَعَلَ السيئة قال الملك المُوَكَّلْ بالكتابة انتظروا فلعله يتوب أو يفعل حسنةً لمحوها، هذا جاء في الأثر لكن ما أستحضر صحة ذلك.
س٢/ حديث «من فاتته العصر فقد حبط عمله» (١) هل هو صحيح، ومن رواه؟
ج/ هو صحيح وقد رواه مسلم وهذا اختلف العلماء فيه، والظاهر منه أنّ قوله «من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله» يعني خرجت عن وقتها، يعني أخرجها عن وقتها كلها، يعني بعد المغرب.
حَبِطَ عمله يعني العمل الذي يقابل هذه الصلاة، ليس مطلق العمل أوكل العمل، لأ.
ومن أهل العلم من قال العمل الذي هو عمل الصلاة ولو صلاها لأنها حابطة.
س٣/ ما المراد بحديث «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» (٢) ؟
ج/ يعني أنَّ هذا الذنب الذي عمله من عظمه أنَّه كأنه فقد أهله وماله، يعني لو فقد أهله وماله كان أهون عليه.
س٤/ الفتوى التي انتشرت باستحلال الربا، أي أنَّ بعض العلماء قال إنَّ الربا حلال، أو الفوائد البنكية حلال؟
ج/ هناك فرق بين القول بأنَّ الربا حلال وبين قول أنَّ الفوائد البنكية حلال.
فمن قال إنَّ الربا حلال فهو كافر، لكن الفوائد فيها الخلاف، فالخلاف فيها قديم.
وأوَّلْ من أباحها فيما أعلم الشيخ محمد عبده المصري، ولم يُؤَلِفْ فيها لكن أَلَّفْ فيها الشيخ محمد رشيد رضا رسالة معروفة مطبوعة بعنوان (الربا والمعاملات المالية) ، ذَكَرْ في إباحة الفوائد، وليس الفوائد فقط حتى القروض التي فيها فائدة إذا كان المسألة ما فيها ظلم، إذا كان ما فيها استغلال للضعيف.
قالوا لأنَّ الله علَّلَ التحريم بالظلم فقال ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] ، وربا الجاهلية كان فيه استغلال لحاجة الضعيف.
لكن إذا كانَ ترك المال للبنك فيه قوة للبنك، ترك المال له فيه قوة له، كون بنك يعطيك ما فيه استغلال لحاجتك، وإنما فيه أنَّهُ أعطاكَ، ما استغل حاجتك، لأنك أنت أصلاً لست محتاج، لكن هو أعطاك لقاء عمله بالمال أو أقرض قروض ليست لاستغلال الحاجة إنما هي للإنتاج، يعمل استثمار، مصانع إلى آخره.
محمد رشيد رضا كتب فيه كتاب كبير ومشهور (الربا والمعاملات المالية في الإسلام) فيرى أنَّ هذه كلها ما فيها ظلم من الغني الذي هو صاحب البنك لصاحب المال، وإنما هذه فيها إعطاء وإعانة له فليست محرمة.
وهذا أخذه مجموعة عن المصريين ومجموعة من علماء سوريا، وكثيرين أخذوه.
لهذا نقول مسألة الفوائد البنكية هذه القول بإباحتها قول ضعيف والأدلة تشمل هذا وهذا، والتعليل بعدم الظلم، يعني الجواب عن هذا يطول، وقول جمهور أهل العلم بل عامة أهل العلم من عدم إباحتها لا هي ولا القروض الشخصية هذا هو الصواب.
لكن معرفتك للخلاف مفيدة في عدم الدخول في التكفير، لأنَّ الذي يُكَفَّرْ به ما هو؟
هو ما أُجْمِعْ عليه وهو ربا الجاهلية؛ يعني يعطيه قرض مثل ما قال قتادة ومجاهد وجماعة يعطيه قرض حسن ثُمَّ إذا أتى وقت السداد قال له جاء وقت السداد إما أن تقضي وإما أن تُرْبِيْ، ويكون هذا غالباً من الغني للفقير استغلالاً لحاجتة، فهو يعرف أنه لا يستطيع، فهذا الذي فيه ظلم وفيه إذلال إلى آخره.
هذا المجمع عليه وهو ربا الجاهلية والذي جاء فيه النص.
فهذا من أباحه فهو كافر، يعني إباحة ذلك كُفْرْ، أما المسائل الثانية ربا القروض وربا الاستثمار والفوائد فهذه ما فيها تكفير فيها صواب وغلط، لكن ما فيها تكفير، وهذه مهمة.
مثل شيخ الأزهر لما أباحها فهو مسبوق، كلامه فيها أضعف من كلام رشيد رضا، رشيد رضا أصَّلْهَا تأصيل يعني فيه شبهة.
س٤/ذكر العلماء لفظ الحد لله، فما المراد به؟
ج/ الحد لله يريدون به أنَّ الله غير مختلط بخلقه، فالله قالوا بِحَدْ يعني أنه غير مختلط بالخلق، غير ممازج لخلقه؛ لأنه لو كان ممازجاً كان ما صار فيه حد، لكن بِحَدْ يعني ثَمَّ حَدٌ ينتهي إليه الخلق، الخلق فيه حد ينتهون إليه ويبقى رب العالمين، هذا معنى بِحَدْ.
س٥/ هل قال أحدٌ منهم أنه أراد به العلو؟
هو العلو من ضمنه، فهو أوضح المسائل تطبيقاً، يعني استوى على عرشه.
قال بحد؟
قال نعم بحد، مثل ما قال سفيان وغيره وحماد بن سلمة، بحد يعني أنه مستوي على عرشه بذاته غير ممازج لخلقه غير مخالط لخلقه، هذا معنى بحد.
قال نعم، بحد؛ يعني غير مخالط منفصل.
قال نعم بحد؛ يعني فيه حد ينتهي الخلقُ إليه، فيكون ما ثمَّ إلا رب العالمين.
س٦/ الذي يقيم الحجة هل [.....] ؟
ج/ ما هو شرط المهم يكون عالما.
стр. 380
س٧ /ممكن يكون لا يعرفه يعني؟
لا، ما يعرفه ما يصلح، لابد يكون عالماً معروفاً.
س٨ /هل يعني الذي تقام عليه الحجة عارف الذي يقيم عليه الحجة؟
لا يعرفه شخصاً، هو يعرف أنه عالم وليس جاهلاً، فمثلاً اثنين [.....] ، لا يكفي، لابد يكون عالماً، وهذه تختلف، إقامة الحجة تختلف، فيه مسائل التي يمكن أي واحد -المعلوم من الدين بالضرورة- أي واحد يقيم، لكن في المسائل الخفية التي فيها شبه.
س٩/هل الناس في البلاد العربية ينطبق عليهم حكم الأعجمي لأنهم قد ابتعدوا عن اللسان العربي من ناحية فهم الألفاظ والمعاني؟
العلماء لا ينطبق عليهم، العلماء الذين درسوا اللغة ودرسوا النحو وهو عالم يعرف العقيدة ودَرَسْ، هذا القرآن كافي في حقه؛ لأنه مفرط كونه ما عرف، لكن العوام وأشباه العوام هؤلاء يحتاجون إلى بيان.
س١٠/ آحاد الناس ما يُكَفِّرُونَ أحداً، فقط التكفير يقتصر على العلماء والقضاة و [.....] ؟
يعني في المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، لكن المعلوم من الدين بالضرورة.
يعني مثلا شخصٌ قال لأحد من المسلمين الخمر حلال.
هذا يكفِّرُهُ لأنَّ هذا لا يحتاج إلى استدلال، معلوم من الدين بالضرورة.
لكن تجيء المسائل الخفية أو المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، المسائل الخفية يعني النادرة أو التي تحتاج إلى إقامة الحجة، فما دام فيه إزالة شبهة فلا بد من عالم يزيلها أو يحكم.
لكن المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يُحْتَاجْ فيه إلى استدلال أصلاً.
وهذه فيها تفصيلات تختلف باختلاف البلاد والأماكن.
س١١/ذكر شيخ الإسلام في مسألة حفظ [..] ... لما قال إنه [.....] ذكر كلام قال لو كان كَفَّرَهْ لكان مثلاً سعى في قتله؟
كلام شيخ الإسلام صحيح، حتى هو يقول أنا أقول للمخالفين لو قلت بما تقولون به لَكَفَرْتُ؛ لأنَّهُ عنده العلم الواضح، يقول للمخالفين لو قلت بما تقولون به لكفرت، فهذا أصل مهم.
س١٢/إيش معنى تكفير الشافعي لحفص الفرد؟ (١)
ما كَفَّرَهُ عيناً.
س١٣/لكن هو قال كفرت بهذا؟
كَفَرْتْ يعني لم يحكم عليه بالردة، كَفَرْتْ يعني هذا من باب الوعيد، لكن ما حَكَمْ عليه بالردة في نفسه، يعني المقالة هذه التي قلتها أنت كفرتَ بها، كفرتَ بقولك هذا.
لكن هل معنى كَفَرْتْ أنه جَعَلَ هذا الكفر مستديماً معه يعني خَرَجْ من الإسلام به؟
هذه لابد فيها إقامة الحجة، فإنه إذا كان اكتفى بذلك وأقام الحجة عليه خلاص يصير مرتد.
فإذاً ظاهر كلام ابن تيمية الذي قلته الآن أنه يقول أن الشافعي ما حكم عليه بالردة.
يقول شيخ الإسلام: قال له كَفَرْتْ من باب الوعيد لأن مقالته مقالة كفر؛ لكنه ما حكم عليه.
س١٤/بما أَنَّهُ ناقشه، ألا يكون قد أقام عليه الحجة؟
والله كلام ابن تيمية ما يساعد بهذا، ما يساعد أنه كفّره.
س١٥/ التسخط على المصيبة هل يكون في الألفاظ فقط؟
ج/ التسخط معروف، التسخط منافي للصبر، باللسان تكلم باللسان، أو الجوارح يضرب، أو في قلبه يظن الظن السوء بالله .
يقول ما الذي أتاني، أنا لا أستاهل هذا، غيري أولى مني.
هل هو باللسان فقط؟
التسخط له ثلاثة، الصبر له ثلاثة موارد، وكذلك التسخط له ثلاثة موارد، تسخط بالقلب، تسخط باللسان، تسخط بالجوارح.
س١٦/ [.....] ؟
ج/ هو غلط كلامه، كلام الطحاوي ما هو صحيح، إذا كان أراد به ما نكفره بأي ذنب حتى يستحله، يدخل فيه الشرك بالله، يدخل فيه السجود للأوثان، مسبة النبي ﷺ ومسبة الله فكلامه غير صحيح، إنما ظاهر السياق أنه أراد مخالفة الخوارج والمعتزلة، الخوارج والمعتزلة كلامهم في إيش؟ في الكبائر العملية، لذلك بذنب يعني من الذنوب العملية أو بمجرد ذنب أو بكل ذنب.
س١٧/ بالنسبة للقضاء والقدر، أحياناً تحدث المصيبة بسبب فعل الإنسان، مثل أن يسعى فيها أو يسعى في بعض أسبابها، كأن يكون إنسان باعَ شيئاً واستعجل في بيعه ثم اكتشف أنه أخطأ في بيعه، ثم جلس يقول يا ليتني لم أبعه أو ما أشبهه، فهل هذا معارض للقضاء والقدر؟
ج/ أولا الرضا له جهتان:
- الرضا بفعل الله ، بتصرف الله في ملكوته هذا واجب.
- والثاني الرضا بالمصيبة بالذنب، الرضا بفقد المال، الرضا بالمرض هذا مستحب ولا يقدر عليه كل أحد.
فالرضا بقضاء الله الرضا بفعل الله ، تصرف الله في ملكوته يعني حيث هو من فِعْلٌ الله يرضى ولا يسخط تصرف الله في ملكوته.
لكن يسخط المصيبة، يسخط المرض، لكن يقول الله ما شاء فعل هذا ملكه وأنا عبد من عباده؛ لكن إذا نظر إلى المصيبة سخطها إذا نظر إلى المرض سخطه، فهذا مستحب أنه يرضى بالمصيبة.
стр. 381
ولهذا مسائل الرضا فيها قال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢-٢٣] .
قوله هنا (في كتاب) و (قدر) و ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هذا تعليق أنَّ عدم اليأس وعدم الفرح يَعْظُمْ ويُوجَدْ بقوة إذا قوي إيمان العبد بفعل الله.
المقصود الواجب هو الرضا بفعل الله، أما الذي يسميه العلماء الرضا بالقضاء، يعني كون الله قضى هذا الشيء، أما المقضي المصيبة ما هو واجب بل هو مستحب، يختلف فيها الناس، ناس رضاها دائم وناس يرضى ساعة وساعة ما يرضى، يختلف الناس، والله المستعان.
س١٨/ عبارة ليس بالإمكان أبدع مما كان، قد يُكَفَّرْ قائلها؟
ج/ قد يُكَفَّرْ به إذا عنى شيئا، إذا عنى ليس بالإمكان أبدع مما كان أن الله لا يقدر أن يخلق أجمل من هذا الكون، هذا كفر؛ لأن هذه الكلمة قد يقولها القائل وتحتمل معنىً صحيحا وقد يقولها وتحتمل معنى باطلا، وقد تصير كفر.
إذا قال ليس في الإمكان أبدع مما كان يعني وجود هذه الطبيعة ما يمكن يكون فيه أحسن منها، ما يمكن أن الله أن يخلق أجمل من هذه أعوذ بالله، الله تعالى على كل شيء قدير.
س١٩/ «لا يدخل الجنة قاطع رحم» هل معناها أنه لا يدخلها مطلقا؟
ج/ يعني لا يدخلها أولا؛ بل هو متوعد بالعذاب على قطعه الرحم حتى يُطهَّر هذا من أحاديث الوعيد.
س٢٠/ الفخر بالأحساب هل يلحق بالطعن في الأنساب في الكفر وهل هناك ضابط؟
ج/ لا، هذا فعل جاهلي، هو فقط من خصال الجاهلية وليس كفراً، هذا من خصال الجاهلية منها ما يصل إلى أنها كفر يعني من جهة أنها ذنب عظيم إلى آخره، ومنها من الخصال التي تركها واجب مثل التفاخر مثل التطاول.
أما الضابط فليس فيها ضابط، فما دام أنه مسلم وحقق التوحيد فليس جاهلي، هذا أصل.
قد يأتيه خصلة تكون من خصال الجاهلية مثل ما قال النبي ﷺ لأبي ذر «أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية» ، فقد يكون في المسلم في المؤمن خصلة من خصال أهل الجاهلية، خصلة واحدة خصلتين، ثلاثة، عشرة؛ لكن ما يقال فلان جاهلي، جاهلي معناه أنك سلبته [.....] ، أما أن تقول فيك جاهلية تفاخر بالأحساب الطعن بالأنساب تقول فيك جاهلية هذا صحيح.
سبحانك اللهم وبحمدك. (١)
стр. 382
: [[الشريط الثامن والعشرون]] :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
الأسئلة:
س١/ هل هناك فرق بين فهم الحجة والاقتناع بالحجة؟
ج/ هذا مرّ معنا الجواب عليه (١) وهو أنَّ فهم الحجة الذي لا يُشترط في إقامة الحجة هو الاقتناع، كونه اقتنع أو لم يقتنع هذه ليس شرطاً؛ لكن المهم أن تُقَام عليه الحجة بوضوح وبدليل لأنه إذا قلنا بشرط الاقتناع معنى ذلك أنه لا يكفر إلا المعاند، والأدلة دَلَّتْ في القرآن والسنة على أنَّ الكافر يكون معانداً ويكون غير معاند، يكون مقتنع وأحياناً يكون غير مقتنع عنده شبهة لا زالت عنده ولكن لم يتخلص منها لأسباب راجعة إليه.
س٢/ ما الدليل على أخذ جبريل ﵇ القرآن من الله تعالى مباشرة، لا من اللوح المحفوظ وأنَّ الله كلمه به؟
ج/ الدليل على ذلك أنَّ الله نسب القرآن وأضاف القرآن إلى نفسه تكليما به قال ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] . ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فسَمَّاهُ كلاماً له ، وقال في ذكر جبريل ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي في القرآن وجبريل ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥] ، ودلّ على أنَّ هذا التنزيل تنزيل سماع لا تنزيل كتابة قوله ﷺ في الحديث الصحيح «إذا قضى الله الوحي في السماء سُمِعَ له كجر سلسلة على صفوان» (٢) إلى آخر الحديث، فيكون جبريل أول من يفيق فيقولون ماذا قال ربكم، لا، فتفيق الملائكة فينفذ ذلك فيهم.
«إذا قضى الله الوحي في السماء برزت الملائكة بأجنحتها في السماء خضعانا لقوله فينفذهم في ذلك» يعني إلى قوله «فتقول الملائكة ماذا قال ربكم فيقول جبريل ﵇ «الحق وهو العليّ الكبير» فالوحي يسمعه جبريل ﵇ ثم يبلغه النبي ﷺ .
وأما قول من قال من الأشاعرة إنه يأخذه من اللوح المحفوظ، فهذا ليس بصحيح وليس من أقوال أهل السنة البتة؛ لأنَّ ما في اللوح المحفوظ من القرآن هذا مجموع على جهة الكتابة، والقرآن له جهتان:
- جهة سماع.
- وجهة كتابة.
جهة كلام من الله يُسمع، وجهة كتابة.
وجهة الكتابة هي ما في اللوح المحفوظ من القرآن بأجمعه من أوله إلى آخره، وجبريل ﵇ لا ينتقي هذه الآية يأخذها وينزلها في الوقت المحدد، ثم يأخذ الآية الأخرى وينزلها في الوقت المحدد، وإنما هو وحي الله .
قال سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] ، قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعُه الأصوات، فقد جاءت المجادلة تجادل رسول الله ﷺ وأنا في حجرتي لا أسمعها (٣) ، وهذا مصيرٌ من عائشة ﵂ إلى أنَّ الله سمع ذلك منها فقال ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ .
المقصود من ذلك أنَّ تنزيل القرآن تنزيل سماع، أما الكتابة فهي موجودة في ثلاثة أشياء:
١ - موجودة في اللوح المحفوظ كما قال ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ، وقال ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢] ، هذه الأولى.
٢ - والثانية في الكتابة ما هو موجود في بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا على القول بصحة أثر ابن عباس ﵄ في ذلك.
- والثالث المكتوب في المصاحف التي بين أيدي المسلمين.
هذه ثلاثة كتابات، والكتابة ليست تكليما وإنما هي كتابة.
وحيثما وجد في اللوح المحفوظ أو في بيت العزة أو في المصاحف كله كلام الله ينسب إلى الله أو يضاف إلى الله إضافة صفة إلى موصوف.
س٣/ قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤] ، ما المقصود بالمعصية هل هي الصغائر أم الكبائر أم الشرك؟
ج/ المعصية هذه التي توعّد الله عليها بدخول النار والخلود فيها والعذاب المهين هي الكفر بالله والشّرك الأكبر والردة عن الإسلام والعياذ بالله، هذا هو الذي يترتب عليه ذلك.
стр. 383
والكبائر والصغائر داخلة في عموم المعصية ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يدخل فيها الكبائر والصغائر؛ لكن قوله ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ هذا يدُلُّ على أنَّ هذه المعصية هي المعاصي التي لا يدخلها التكفير، وهي الكبائر إن مات مصرًّا عليها ولم يتب؛ يعني ولم يشأ الله أن يغفر له والكفر والشرك كما ذكرتُ لك.
إذاً فالآية فيها الكبائر التي لم يَتُبْ منها مثل القتل مثل شرب الخمر ونحو ذلك، هذه إذا مات المسلم وهو يفعلها ولم يتب منها فإنه تحت المشيئة إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عَذَّبَهْ، وهذا يدخل في العذاب.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ الخلود في القرآن نوعان:
- خلود أبدي.
- وخلود أمدي.
الخلود في اللغة واستعمال القرآن على ذلك أنَّ الخلود معناه المكث الطويل، إذا مَكَثَ طويلا قيل له خالد، ولذلك العرب تسمي أولادها خالداً تفاؤلاً بطول المكث، بطول العمر، سَمَّوهُ خالداً؛ يعني أنه سيعمر عمراً طويلاً، وليس معنى الخلود يعني أنه خلود ليس معه انقطاع، وإنما هذا يُمَيَّزْ بالأبدية لهذا في الآيات ثَمَّ آيات فيها ﴿أبدًا﴾ ، وثَمَّ آيات ليس فيها الأبدية، فلما جاء في القتل قال ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] ، أجمع أهل السنة على أنَّ الخلود في هذه الآية ليس أبدياً لأنَّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بتوحيده.
والآيات التي فيها الخلود الأبدي واضحة كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦] ، لا، الآيات متعددة ما استحضرتها الآن، فإذاً الخلود نوعان في القرآن.
شيخ الإسلام ابن تيمية له بحث في هذا، لكن لا يُسَلَّمْ له. (١)
س٤/ لو قال لي شخص: أنتم يا أهل السنة والجماعة متناقضون في تقسيماتكم؛ كيف تقولون إنَّ الله نُثْبِتْ له صفة العلو بذاته وفي نفس الوقت تقولون إنه ينزل في الثلث الأخير من الليل، والنزول من الصفات الفعلية، فهل هذا إلا جمعٌ بين نقيضين؟
ج/ ليس أهل السنة الذين قالوا بهذا، الذي قاله النبي ﷺ ، هو الذي أثبت العلو لله بذاته، وهو الذي أخبر بنزول الرّب في آخر كل ليل، فإذا كان ثَمَّ تناقض فنُعِيذْ من يقول هذا أن ينسب التناقض للنبي ﷺ .
وقوله هل هذا إلا جمع بين النقيضين هذه مشكلة كل مؤوّل وكل مُحَرِّفْ هذا السؤال يمثل مشكلته.
وهي أنَّ المُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ، ما أوَّلَ إلا لأنه شبَّه، قام في ذهنه أنَّ إثبات الصفة فيه مشابهة ومماثلة لما يعلمه من اتصاف المخلوق بالصفة، ثُمَّ شَبَّهَ ثُمَّ نَفَى.
ما ينفي أحد في مجال الصفات والعقائد إلا أنه شَبَّهَ قبل، وإلا كيف تنفي؟
أنت لا تَقُلْ إنَّ الكيفية تعلمها أصلاً أو أنَّ الكيفية لها مماثل فيما ترى أو فيما رأيت، كيفية اتصاف الرب بصفاته لا يعلمها أحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فلا نعلم حقيقة اتصافه بالصفة ولا كيفية اتصافه بالصفة.
فإذا قال قائل: هذا يمتنع إننا نقول أنه عالٍ بذاته وأنه ينزل، يقول هذا جمع بين النقيضين؛ فمعناه أنه شَبَّهْ.
لأنه عَدَّهُ جمعاً بين النقيضين لماذا؟
لأنه جَمْعٌ بين النقيضين في حق بعض المخلوقات، وليس كل المخلوقات؛ لأنه يمكن أن ينزل المخلوق ويبقى عالياً، ينزل المخلوق ويبقى عالياً؛ لكن النزول مع الاستواء على العرش هذا من خصائص الله ، لكن المخلوق يمكن أن ينزل وأن يكون عالياً بذاته مثل الملائكة ينزلون وهم في العلو، أما الاستواء على العرش مع النزول هذا خاص بجلال الله .
فإذاً إثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية، من قال هذه تجمع مع هذه، هذا فيه تناقض، كيف؟
هذا معناه أنَّهُ شَبَّهْ، اسْتَحْضَرْ من الصفة مماثلة اتصاف المخلوق بها ثم نفى، وهذه مشكلة كل المؤولة.
س٥/ أيهما أعظم جُرْمَاً وذنباً الحلف بغير الله أو الزنا؟
ج/ الحلف بغير الله كفر والزنا ليس كفراً، ومعصية سمَّاها الله كفراً هي أعظم من معصية لم يسمها الله كفراً، وهذا المقصود به من حيث الجنس يعني جنس الحلف بغير الله وجنس الزنا.
لكن لو تطبقه على شخص لا يسوغ التطبيق، تقول هذا حَلَفَ بغير الله وهذا زنى، معناه هذا أبشع من هذا، فإنَّ هذا لا يُطَبَّقْ في كل نواحي الموازنة هل هذا أعظم أو هذا أعظم المقصود به النوع، أما إذا أتيت إلى الأفراد فهذا يختلف باختلاف الأحوال.
س٦/ هل الذبح أمام أو عند قدوم الضيف شرك، حيث إنَّ بعض من ينتسب إلى أهل العلم يقول إذا كان على وجه الإكرام يجوز ذلك؟
стр. 384
ج/ الذبح إراقة الدم من أعظم القربات لله ؛ لأنَّ الذي أجرى الدم في هذا المخلوق هو رب العالمين، فالدم هو الحياة، جريان الدم هو الحياة، فإراقته إنما تكون تقرباً لمن وهب هذه الحياة ووهب هذه الأنعام التي ينتفع بها الإنسان، التقرب بإراقة الدم إذا كان لمخلوق فهو كفر بالاتفاق، تقرّب بإراقة الدم لمخلوق تقرباً له تعظيماً له هذا كفر بالإتفاق، هذا شرك من جهة العبادة، فإنْ سَمَّى غير الله عليه صار مما أُهِل لغير الله به فرجع إلى الشك في الربوبية والاستعانة.
الذي يحصل عند البادية في بعض البادية أنهم إذا أرادوا أن يُكْرِمُوا ضيفاً -وليس كل ضيف- الضيف الذي يعظمونه أو سلطان أو أمير أو نحو ذلك، فإنهم يذبحون الذبيحة ليسيل الدم أمامه وهو يرى، وهذا جرت عادتهم أنَّ هذا على جهة التعظيم للقادم لا على جهة الإكرام، يُكْرِمون أضيافهم بالذبح وراء البيت بالذبح في أي مكان؛ لكن كونه ينحر الإبل والدم يضرب بقوة والضيف يأتي، هذا لا يفعلونه إلا للمُعَظَّمْ فيهم، وهذا نوع تقرب للمخلوق بهذا الدم، ما نقول تقرب لكن هو نوع تقرب، ولذلك حَكَمَ العلماء على أنَّ هذه الذبيحة ليست مباحة بل هي ميتة، لا يجوز أكلها، ويجب الإنكار على من فعل ذلك، سواء فعله مع سلطان أو مع أمير أو فَعَلَهُ مع رئيس قبيلة أو فعله مع ضيف معتاد ممن يُعَظَّمْ؛ يعني ليس من هؤلاء، فإنه لا يجوز الأكل منها، إذا ذبحها أمامه ضابطها أن ينحر الإبل ويضرب الدم وهذا يدخل أمامه وهو يرى لدخوله.
لكن لا يدخل في ذلك وهو جالس مثلاً في المكان أو في الخيمة أو في البر، هو جالس ثم دعوه على الكل فصاروا ذبحوا الذبيحة وهو ينظر إليها؛ لكن الضابط هو إراقة الدم وسيلانه وهذا يتحرك وهذا يقدم مثل ما حصل قريباً، نسأل الله العافية والسلامة، هذا كله محرم وكبيرة من الكبائر وبعض حالاته يكون شركاً في هذا؛ لكن على كل حال هذه الذبيحة محرمة ميتة لا يجوز الأكل منها.
س١٩/ لُوحظ في الآونة الأخيرة على بعض الشباب الملتزم الأخذ من اللحية تخفيفاً، فما حكم هذا العمل؟ وما حدود اللحية؟، وهل يُصَلَّى وراء الإمام الرسمي؟ آمل التكرّم بتفصيل مسألة بدعية الأسابيع المتكررة: المساجد الشجرة إلى آخره؟
ج/ أما حكم الأخذ من اللحية، فحلق اللحية حرام بالإجماع نص ابن حزم على تحريم حلق اللحية بالإجماع، وكذلك غيره، وعلماء المذاهب الأربعة يختلفون في هذه المسألة من حيث تحريم الحلق أصْلاً.
والذي دَلَّتْ عليه الأدلة الواضحة في السنة بألفاظ مختلفة أنّ إعفاء اللحية مأمور به قال ﷺ «خالفوا المجوس أعفوا اللحى وحفوا الشوارب» وفي رواية أخرى قال «أرخوا اللحى» (١) ، وفي رواية ثالثة قال «وفّروا اللحى» (٢) ، وقال «أكرموا اللحى» ، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور مأمور بها، وأنَّ حلق اللحية حرام، وقد روى ابن السعد أيضاً وغيره أنَّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ من المجوس وكان حالق اللحية وكان موفّر الشارب جداً فانصرف عنه ﷺ فلما أقبل عليه قال له «من أمرك أن تفعل هذا؟» فأجابه الرجل، فقال ﷺ «ولكن الله أمرني أن آخذ من هذا» يعني شاربه «وأعفي هذه» (٣) يعني اللحية.
إذا تقرر هذا فما هو حد الإعفاء لغةً وشرعاً الذي يحصل به الإعفاء، وهل معنى الإعفاء أنه لا يجوز أخذ شيء من اللحية، للعلماء في ذلك أقوال:
- الإمام أحمد وأصحابه ذهبوا إلى أنَّ إعفاء اللحية بتركها على حالها سنّة، وأنّ الأخذ منها إذا لم يكن إلى حد الحلق فإنه مكروه، وهذا هو الذي مدوّنٌ في مذاهبهم، والإمام أحمد كان يأخذ من لحيته كما ذكره إسحاق ابن هانئ في مسائله.
- والقول الثاني وهو المُفْتَى به عند علمائنا وذلك لظاهر الأدلة أنَّ معنى الإعفاء ألا يُؤْخَذَ منها شيء أصلاً بدليل قوله (وفّروا اللحى) ، (أكرموا اللحى) ، (أرخوا اللحى) وهذه كلها مأمور بها.
لكن ما هو حد الإعفاء هذا؟
الذين قالوا بأنَّ الأخذ من اللحية ليس مخالفاً للإعفاء، قالوا هذا الأمر، أعفوا، أرخوا، خالفه الصحابة بالأخذ بما زاد عن القبضة فَدَلَّ على أنَّ حد الإعفاء ليس مطلقاً؛ يعني بِأَنَّ من أَخَذَ فقد خالف الأمر بالإعفاء.
ولهذا ذهب جماعة من العلماء منهم الحنفية ونَصَرَهُ الشيخ ناصر الدين الألباني في هذا الوقت نصراً بالغاً بأنَّ حد اللحية إلى القبضة، وما زاد على ذلك فلا يُشْرَعْ، وهذا القول فيه ضعف ظاهر؛ لأنَّ من الصحابة من كان كث اللحية جداً وعظيمها وكانت لحيته تبلغ إلى صدره، كما ذُكر عن علي ﵁، والنبي ﷺ كان كثَّ اللحية جداً ونحو ذلك مما يدل على أنَّ حد الإعفاء بالقبضة وأنه لا يجوز أن يُعْفِيَ أكثر من القبضة هذا قول يحتاج إلى أدلة واضحة في ذلك.
стр. 385
ولو كان أنَّ الزيادة على القبضة لا تجوز كما ذهب إليه الشيخ ناصر الدين الألباني -حفظه الله- لما خَصَّ الصحابة الأخذ من اللحية مما زاد عن القبضة بالنُّسك، ابن عمر كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد عن القبضة أخذه، لو كان مطلق أنه ما يعفي أكثر من القبضة فمعناه أنه لا يُخَصْ بالنسك؛ لأنَّ تخصيصه بالنُّسك هذا يدل على معنى آخر وليس على الإطلاق.
المقصود من ذلك أنَّ العلماء لهم في ذلك أقوال:
القول الأول ما ذكرته لك من المفتى به عند علمائنا وهو أن الإعفاء بأنَّهُ يتركها على حالها، طبعاً إلا في حالة التشويه وهذه حالات نادرة.
والقول الثاني أنَّ الحلق يحرم وأنَّ تركها على حالها مستحب، والأخذ منها مكروه؛ يعني تَرَكَ فيه الأفضل.
والقول الثالث هو أنَّ الزيادة على القبضة لا يجوز؛ بل بدعة وهو قول الشيخ ناصر الدين الألباني، وهو قول ليس له حظ من الدليل.
[.....]
راجعة إلى كلمة (إعفاء) ما حدّه في اللغة؟ الأقرب من حيث النّظر وفعل الصحابة أنّ الإعفاء ما له حد؛ لكن المأمور به أن لا يكون المرء مشابهاً للذين يحلقونها أو يَقُصُّونَهَا شديداً؛ لأنَّ النووي ﵀ ذكر خصال إثنا عشرة أو عشر خصال في اللحية مذمومة، ومنها أشياء يُوَافَقُ عليها ومنها الأخذ منها شديداً وهذا من فعل المجوس ومنها حلقها، وهو من المعاصي لكن ليست كبيرة، حلق اللحية ليس من الكبائر.
نكتفي بهذا القدر، وتعذورنا على الإجابة على الأسئلة لكن لعل فيها فائدة إن شاء الله تعالى. (١)
стр. 386
: [[الشريط التاسع والعشرون]] :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
الأسئلة:
س١/ يقول: إذا كان لفظ الحَنَفِي من ألْفَاظِ الأضداد التي تُطْلَقْ على الميل والاستقامة، فلماذا لا يقال من الأصل إنَّ إبراهيم ﵇ كان مستقيماً على التوحيد ولا يقال مائلاً عن الشرك؟
ج/ لفظ (الحَنَفْ) في اللغة هو الميل، والحنيف يعني المائل، والرجل به حَنَفْ إذا كان به ميل في ساقيه أو في إحدى ساقيه، والأمور التي قال فيها العرب ونطقت العرب فيها بالأضداد؛ يعني أن تُطْلَقْ الكلمة وتُسْتَعْمَلْ في الشيء وفي ضده، هذا شائع في لغة العرب، وهو في اللغة يعني في اللّسان على نوعين:
- منها ما يُطْلَقُ على الشيء وعلى ضده ويُنْظَرُ فيه إلى التلازم؛ بمعنى أنَّ الشيء وضده متلازمان إذا وُجِدَ أحدهما وُجِدَ الآخر، ومن هذا الحنف، فيقال ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٠] ، فَمَنْ مال عن الشرك فإنه لا يميل عنه إلا إلى التوحيد؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا توحيد وشرك، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] ، إذا فررت من الكائنات فإنك تفر منها إلى مُكَوِّنْ الكائنات؛ لأنه ليس ثَمَّ إلا هذا وهذا.
- النوع الثاني أن يُطْلَقَ بلا إرادة التلازم؛ بل من باب التفاؤل تَارَةً ومن باب آخر أو من أبواب أُخَرْ تارات أخر، مثل أن يُسمى اللديغ سليم، فاللديغ معروف لكن العرب قد تقول له سليم من باب التفاؤل، فكلمة سليم تُطْلَقْ على السالم وتُطْلَقْ على المريض، أُطْلِقَتْ على المريض من باب التفاؤل.
وهذه لها تأثير في فقه اللسان العربي فالعرب تارةً تطلقا من باب التلازم وتارةً تطلقها من باب التفاؤل وتارة لا من هذا ولا من هذا، في فِقْهٍ لهم في هذه الألفاظ.
إذا كان كذلك فلفظ الحنيف الذي جرى عليه السؤال لا يُتَصَوَّرْ أن يكون المرء حنيفاً أو حَنَفِيَاً أو حَنِيفِيَاً إلا أن يكون موحّداً؛ لأنه إذا مال عن الشرك فإنه يميل عنه إلى الحق وهو التوحيد، حنيف عن أهل الشرك مائل عن أهل الشرك فإنه لابد أن يميل عنهم إلى أهل التوحيد، ولو كان مَنْ مَالَ إليه إبراهيم ﵇ وحده فإنه مع أُمَّةْ وليس مع واحد، وهكذا.
فإذاً الأصل في هذه أنها من باب التلازم، الحَنَفْ من باب التلازم.
ومنها كلمة -أيضا يُطلقها أهل نجد وربما بعضكم سمعها، وليسوا أهل نجد جميعاً وإنما هم أهل الدعوة، العامة منهم في أول الأمر- يقولون نحن أهل العُوجه، ما معنى العوجه؟
العوجه هذا من أسماء كلمة التوحيد، أهل العوجه؛ يعني أهل التوحيد، أهل ملة إبراهيم، أهل الحنيفية؛ لأنها عوجه عن طريق الشرك إلى طريق أهل التوحيد، وهذا هو التفسير الصحيح الذي فيها، مثل ما جاء في حديث وصف النبي ﷺ في التوراة.
وقد وصف الله بعض عباده بقوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١) ، هذا الاستدراج يُحدِثُ الأمن، وما عُذِّبَتْ أمة إلا وقد أَمِنَتْ؛ لأنَّ الله يبلوهم بالخيرات ويبلوهم بالسيئات ويبلوهم بالشر والخير فتنة ثُمَّ هم لا يتوبون ولا هم يَذَّكَّرُون.
فإذا وقع منهم الأمن وقعت عليهم العقوبة، نسأل الله لنا ولإخواننا العفو والعافية.
فهذا ضابط المسألة. (وَسَبِيلُ الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ) .
إذا تبين ذلك، فالواجب على كل مُوَحِّدْ، كل مؤمن: أن يُعَظِّمَ في قلبه جانب الخوف من الله .
فلا يُفْلِحْ مَنْ أمِنَ الله على نفسه طرفة عين، الله يُقَلِّبُ القلوب ويقلب الأبصار، وقال في وَصْفْ الأولين ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] .
يرى العبد أنَّ الخيرات تنفتح عليه وهم مُقِيم على الذنوب وهو مقيم على المعاصي وهو مقيم على الكبائر، سواء كان العبد فرداً أم كان مجتمعاً.
بنوا إسرائيل ادَّعَوا أنهم أحباب الله وأنهم أبناؤه وأنه لا يُعَذِّبُهُم ولو حصل لهم تعذيب فإنما تمسهم النار أياماً معدودة، والله عاقَبَ بني إسرائيل العقوبة العظيمة ولَعَنَهُم حيث قال سبحانه في سورة المائدة ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] ، الآيات.
فالواجب إذاً على المُوَحِّدْ أن يخاف ذنبه ولا ييأس من رَوْحِ الله.
كل أحد يُذنِبْ ولكن إذا أَذْنَبَ استغفر.
يخاف ذنبه ويخشى أنَّ الله لم يقبل توبته، لم يقبل حوبته، لم يقبل إنابته، يرجو رحمة الله ويخاف ذنوبه.
فما اجتمع هذان في قلب أحد إلا ونجا، وهو رجاء الرحمة وخوف الذنوب.
وهذا هو سبيل الحق الذي هو بين الأمن الإياس لأهل القبلة.
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الرّاغبين الرّاهبين الخاشعين، وأن يجنبنا الأمن كما أسأله أن يجنّبنا الإياس فإنه سبحانه على كل شيء قدير.
[المسألة الأولى] :
دليل هذه الجملة.
دليلها الإجماع؛ إجماع أهل السّنة والجماعة على أنَّ من دَخَلَ في الإيمان بيقين فإنه لا يَخْرُجُ منه إلا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ مماثلٍ -يعني في اليقين- لما بِهِ دخل في الإيمان.
وهذا الإجماع له أدلته من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ .