[المسألة الخامسة] :
من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين ، فمن قال أُكَذِّبُ بفلان من الرسل وأومن بمحمد ﷺ فهو كافر؛ لأنه من كَذَّبَ برسول فقد كذّب بجميع المرسلين إذا بلغه العلم وقامت عليه الحجة، قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء١٠٥-١٠٦] ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فنحن اتَّفَقْنَا على أنَّ نوح ﵇ كان أوّل رسول، قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنهم لمَّا كَذَّبُوا نُوحاً فإنهم كَذَّبُوا بِتَكْذِيبِهم نوحاً جميع المرسلين؛ لماذا؟
لأنّ دينهم واحد وهو توحيد الله والبراءة والكفر بالطاغوت، كذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وكذلك قوله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إلى آخره. (١)
стр. 317
: [[الشريط الرابع والعشرون:]]
ننتقل إلى التي بعدها، قال (وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)
стр. 318
[المسألة الأولى] :
الكتاب الذي أنزله الله هو وَحْيُهُ لرسوله الذي أعطاه الله ذلك الكتاب، ووحيه:
- قد يكون بواسطة الرسول الملكي إلى الرسول البشري.
- وقد يكون أنّ الله أَوْحَى إليه مباشرة.
فوَحْيُ الله بِكُتُبِهِ ينقسم كما قال الله في آخر سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ، فَجَعَلَها ثلاثة أقسام:
@ فمنها ما كتبه الله بيده كما هي صحف موسى ﵇ والتوراة خَطَّهَا الله بيده الكريمة العظيمة ﷻ (١) .
@ ومنها ما نزل به جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ .
كُتُبُ الله من جهة أنها كلامه مُتَّفِقَة -يعني كلها كلام الله -، فالله تَكَلَّمَ بما تَكَلَّمَ به وسَمِعَهُ جبريل منه فأنزله على رسوله.
تَكَلَّمَ بالقرآن فنزل به جبريل على محمد ﷺ .
وتَكَلَّمَ بالإنجيل فنزل به على عيسى.
وتكلم بالتوراة فنزل بها على موسى ﵇.
стр. 319
[المسألة الثانية] :
كُتُبُ الله هي من آياته التي أعطاها الرسول، يعني لأنَّهَا من الوحي.
وموضوعات الكتب مختلفة:
- فمنها ما هو مواعظ ورقائق.
- ومنها ما هو شريعة.
- ومنها ما هو خَبَرْ وأَمْرْ ونَهِيْ -يعني أخبار وإنشاءات وأوامر ونواهي، فهي مختلفة في موضوعاتها.
الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم شتى: فمن جهة التوحيد الكتب متفقة، والأنبياء دينهم واحد في توحيد الله .
واتفاق الكتب والأنبياء في التوحيد يُعْنَى به شيئان:
الأول:
أنّ أَصْلَ التوحيد وهو عبادة الله وحْدَهُ، ورَدُّ عِبَادَةِ غيره، والكفر بالطاغوت، والبراءة من الشّرك وأهله، هذا قَدْرٌ مشترك في رسالة جميع الأنبياء، قال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، يعني من المرسلين ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، فهذا قدْرٌ مشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين، والكتب دَلَّتْ على هذا وحضَّت عليه وأمرت به.
٢ - الثاني:
هو أصول الإيمان الستة، أركان الإيمان الستة وهي الإيمان بالله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وهذا مُتَّفَقٌ عليه أيضاً بين الأنبياء لا خلاف فيه.
وذلك أنَّ جهة الإيمان بهذه الأشياء الخَبَرْ، والخبر لا يُنْسَخْ ولا يُكْذَبُ فيه والله إذا أخبر نبياً بشيء من أمر الغيب فهو على ذلك.
فالأنبياء في كتبهم وما أُرْسِلُوا به متفقون على هذين الأصلين العظيمين:
- توحيد الله على نحو ما ذكرت لك.
- وأمور الغيب الستة هذه، أمور الإيمان الستة.
ولذلك معنى قوله «الدين واحد» يعني هذين الأصلين.
والكتب تختلف في الشرائع:
تختلف في القَصَصْ، ما يُقَصُّ به في كتابٍ يكون مُفَصَّلَاً وكتاب يكون مختصراً.
تختلف في الشرائع والأمْرْ والنَّهْيْ، تكون التوراة شريعتها شديدة وفيها قُوَّةْ في الطَّهَارة وفي الصلاة وفي الجهاد وفي أشياء كثيرة، فهي شريعة فيها الشِدَّة ولا يَصْبِرْ عليها إلا صادق ولذلك ما صَبَرَ عليها بنو إسرائيل.
والإنجيل فيه الرقة والوعد والتسامح وإلى آخره وتحليل بعض ما حَرَّمَ الله على بني إسرائيل.
يعني أنَّ موضوعات كتب الله مختلفة، والله يُوحِي بما يشاء وفق حكمته وَوِفْقَ ما يريد من عباده .
فشرائع الأنبياء شتى، والكتب مختلفة باختلاف الشرائع، وأيضاً مختلفة فيما قَصَّ الله في تلك الكتب لأنَّ القَصَصْ للعبرة والناس يختلفون في الأمم بما يُصلحهم من أمور القصص وما يُحْدِثُ عندهم العبرة.
стр. 320
[المسألة الثالثة] :
الإيمان بالكتب على نحو ما ذكرنا سالفاً في الإيمان بالملائكة والنبيين ينقسم إلى:
- إيمان إجمالي.
- وإيمان تفصيلي.
@ الإيمان الإجمالي: يجب على كل أحد أن يؤمن بِكُلِّ كتابٍ أنزله الله كما قال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥] ، وقال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، فكل كتاب يجب على العباد أن يؤمنوا به عَلِمُوهُ أو لم يعلموه، فنؤمن بالتوراة ونؤمن بالإنجيل ونؤمن بالزبور ونؤمن بالقرآن ونؤمن بكل كتاب أعطاه الله أنبياءه -يعني رسله-.
@ الإيمان التفصيلي: وهو أنَّ كل كتاب عَلِمْناهُ في الدليل، كل كتاب سَمِعَ المسلم بِذِكْرِهِ في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فيجب أن يؤمن به على وجه التفصيل، التوراة ذُكِرَت، صحف موسى ذُكرت، صحف إبراهيم ﵇ ذُكرت، الزبور ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١) الزبور ذُكِرْ، الإنجيل ذُكِرْ، وهكذا، فهذه نؤمن بها على وجه التفصيل.
فَكُلُّ كتاب ذَكَرَهُ الله في كتابه وجب علينا الإيمان به تفصيلاً.
ثُمَّ الإيمان بالكتب ثَمَّ مرتبة واجبة وأكيدة وهي آكدها وأعظمها وهي الإيمان بهذا القرآن، الإيمان بكتاب الله الخاتَمْ الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ .
والإيمان بالقرآن يشمل أشياء:
١- أولاً: الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله وليس بقول البشر؛ كلام الله أوحَاهُ إلى عبده محمد ﷺ .
٢- ثانياً: أنَّ القرآن ناسخٌ لما قبله من الكتب فليس لأحَدٍ أن يَتَّبِعَ غير القرآن؛ بل الواجب أن يُصَدَّقْ بكل خبرٍ في القرآن ويُعْتَقَدْ، وأن يُعْمَلْ بكل أمرٍ ونهيٍ جاء في القرآن، وذلك بامتثال الأمر وانتهاء النهي.
٣- ثالثاً: أن يُعْلَمْ أنَّ القرآن جعله الله مهيمناً على الكُتُبِ وشاهداً عليها، كما وصفه بذلك في سورة المائدة، وهذا يدلّ على أنَّ الناس واجب عليهم ألا يلتفتوا عن هذا القرآن إلى غيره متى ما سمعوا هذا القرآن.
لذلك الآن الكتاب من جهة السماع بالقرآن تكاد الحجة قامت من جهة السماع لهذا الوحي وأنه كلام الله على أكثر الخلق.
стр. 321
[المسألة الرابعة] :
الكُتُبُ التي أنزلها الله على المرسلين اختلف العلماء هل يدخل فيها الصحف، أم أنَّ الكتب غير الصحف؟ على قولين:
- من أهل العلم من قال: الصحف هي الكتب.
- ومنهم من قال: لا؛ الصحف غير الكتاب.
ويَتَّضِحْ الفرق في صحف موسى ﵇ والتوراة، فإنَّ الله أعطى موسى ﵇ صُحُفَاً وأعطاه أيضاً التوراة، فهل هما واحد أم هما مختلفان؟
خلاف:
- والقول الأول: أنهما واحد لأنَّ صحف موسى هي التوراة وهي التي كتبها الله بيده.
- القول الثاني: أنَّ الصحف غير الكتب، وهذا القول هو الصحيح وهي أنَّ كتب الله غير الصحف.
ويدل على هذا الفرق أنَّ الله أعطى موسى صُحُفَاً ﵇ وكَتَبَ له ذلك في الألواح كما قال ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] ، وأوحى الله إليه بالتوراة أيضاً.
فقوله ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] :
صحف إبراهيم: ذَكَرَ الله ما فيها في سورة النجم قال ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم:٣٧-٤١] ، إلى آخره، فهذه كانت مما في صحف إبراهيم ﵇.
وفي صحف موسى: ما كتبه الله له.
وأما التوراة: فهي وحْيٌ وكتَابٌ مستقل غير صحف موسى ﵇ أوحاها الله إليه.
صحف موسى بالذات وَقَعَ فيها الإشتباه من جهة أنَّهُ ظاهر القرآن أنَّ الله كَتَبَ الصحف لقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ ، وجاء في الحديث أنَّ الله كتب التوراة لموسى بيده، فمن هذه الجهة وقع الاشتباه، هل هما واحد لأجل أن هذه كُتِبَتْ وهذه كُتِبَتْ.
والأظهر كما ذكرتُ لك من سياق الآيات في سورة الأعراف أن الكتب غير الصحف.
стр. 322
[المسألة الخامسة] :
يدخل في الكلام على الكتب الكلام على القرآن، وعلى إعجاز القرآن، وعلى بحث هذه المسألة؛ لأنَّ القرآن آية محمد ﷺ .
وقد قَدَّمْنَا لك تفصيل الكلام على إعجاز القرآن في درس مستقل (١) أظن عند قول الشيخ الطحاوي ﵀ في أول الكلام (فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ) إلى قوله (عَلِمْنَا وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ. وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ) ، ومسألة إعجاز القرآن ومعرفة القرآن ووجه كونه آية وما فيه، هذا من أعظم المسائل في هذا الباب.
إذا تبين ذلك فنقول:
الإيمان بأركان الإيمان الستة -إذا أخرجنا الإيمان بالقَدَرْ- فإنَّ بعض أهل العلم يسميها أصول الدين الخمسة، وذلك لمجيئها في أكثر الآيات دون ذكر القَدَرْ، والقَدَرْ جاء منفصلاً في القرآن وجاء مع بقية الأركان في السنّة.
هذه الأصول الخمسة تَبِعَ الإيمان بها أنَّ أهل البدع أصَّلُوا أُصُولَاً في مقابلة هذه الأصول الخمسة:
فجاء المعتزلة مع إيمانهم بِجُمَلِ هذه الأصول الخمسة لكن جعلوا لهم أصولاً خمسة لتُمَيِّزَهُمْ عن غيرهم، وهذه المعروفة بالأصول الخمسة عند المعتزلة، وكَتَبَ فيها عبد الجبار كتابه الأصول الخمسة، ويعتني بها المعتزلة والإباضية والزيدية والرّافضة.
الأصول الخمسة هذه هي:
١- أولا: التوحيد.
٢- والثاني: العدل.
٣- والثالث: الوعد والوعيد.
٤- والرابع: المنزلة بين المنزلتين.
٥- والخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والرافضة يعتقدون مُعْتَقَدْ المعتزلة في الغالب، فجعلوا لهم أصولاً أربعة في مقابلة ذلك وهي:
١- التوحيد.
٢- والعدل.
٣- والنبوة.
٤- والإمامة.
يُدخلون في هذه الأصول عقائدهم في تدريس عقائدهم المخالفة لما دَلَّ عليه الكتاب والسنة.
وهذه الجملة تحتاج إلى تفصيل طويل يمكن أن ترجع لها في الشرح أو في المطولات.
المقصود أن لفظ الأصول الخمسة أو أركان الإيمان الستة أو الخمسة -يعني بخلاف الإيمان بالقدر- هذه جُعِلَ في مقابلتها أشياء وَضَعَهَا أهل البدع للتعليم وللتميُّزْ لِيُعَلِّمُوا على أساسها وليتميزوا عن غيرهم.
ولاشك أنَّ الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وقول سلف الأمة إلى أنْ ابتدعت المعتزلة بدعتها هو أنّ أركان الإيمان ستة، ولا دخل لتلك المسائل التي ذَكَرُوهَا من الوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذه لا أصل لها في الكتاب والسنة؛ يعني في كونها من أركان الإيمان أو من أصول الدين.
في هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.
ونقف عند قولنا (وَنُسمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمينَ مُؤْمِنينَ) .
فيه مسائل -ذكّرني بعض الإخوان بها جزاهم الله خيراً- وهي تحتاج منا إلى أنكم تقتفون أثر ما ذكرناه في الملائكة وهو ما في كل مسألة في الإيمان بالكتب والإيمان بالأنبياء ثَمَّ مسألتان:
المسألة الأولى: تفاضل الإيمان بأجمعه بتفاضل الإيمان الأنبياء والمرسلين. هذه مسألة. (٢)
المسألة الثانية: أثر الإيمان بالمرسلين جميعاً على الإيمان العام.
كذلك في الكتب تأتيك الفقرتان جميعاً: تفاضل الإيمان بالكتب، والثانية أثر الإيمان بكتب الله على الإيمان.
يمكن أنتم تستنتجونها وتبحثونها إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا القدر، نستودعكم الله.
стр. 323
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نُجيب على بعض الأسئلة .
الأسئلة:
س١/ قال هل نفهم من كلام المؤلف في قوله (وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) أنَّ الأنبياء لا يُعطونَ كُتُبَاً مُنَزَّلَة؟ وهل كلّ رسول لابد أن ينزل عليه كتاب؟ نرجو الإفادة وجزاكم الله خيرا.
ج/ ذكرنا في شرح كلام الطحاوي ﵀ أنّ الكتب يُعْطِيها الله الرسل حُجَّةً لهم، هذا هو الأصل، وقد يعطيها نبيا من الأنبياء، قال ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١) ، وداوود في أحد الأقوال أنَّهُ كان نبياً في بني إسرائيل ولم يكن رسولاً.
المقصود أنَّ الكتب الأصل العام فيها أنه يعطيها الله رسله؛ لأنَّ الكتاب حجة وفيه شريعة هذا هو الأصل في ذلك، فنؤمن بكتب الله التي أعطاها أنبياءه ورسله؛ لكن النفي بأنَّ النبي لا يُعْطى كتاب أصلاً هذا يحتاج إلى دليل.
س٢/ ما حكم من أنكر الملائكة أو الجن أو المهدي والدجال؟ وهل من أنكر واحداً من هذه الثلاث كافر؟ وما وجه التفريق بين تكفير من أنكر الملائكة وعدم تكفير من أنكر المهدي أو الجن مع أنَّ كلها من الغيب وثابتة بالنص؟
ج/: ذكرنا أنَّ من أركان الإيمان، الإيمان بالملائكة.
وضبطنا الإيمان بالملائكة الذي هو ركن الإيمان ومن أنكره كَفَر وهو الإيمان بوجود الملائكة إجمالاً، فإذا آمن بوجود الملائكة لله فهو مؤمن، فإذا كان سَمِعَ باسم جبريل ﵇ وأنه ينزل بالوحي وجب عليه الإيمان بذلك.
فرجعت المسألة إلى أنَّ من أنكر الملائكة فلم يدخل في عقد الإيمان أصلاً؛ لأنَّ من أركان الإيمان الإيمانُ بالملائكة، ويدلّ أيضا على أنَّ التكذيب بأي خبر جاء في القرآن فإنه تكذيب بالقرآن، فإذا كَذَّبْ بجبريل، كذّب بميكائيل ونحو ذلك، كذّب بملك الموت، كذّب بأي ملك جاء ذكره في القرآن فيُعرَّف بالآية، فإن أصرّ فهو مكذب بالقرآن فيكون كافرا من هذه الجهة.
وكذلك الجن فقد جاء ذكرهم في القرآن فالإيمان بالجن واجب والتصديق بخبر الله بذلك واجب ويدخل الإيمان بالجن في الإيمان بالقرآن، الإيمان بالكتب؛ لأنَّ معنى الإيمان بالكتب لله أن يعتقد العبد أنها حق وأنَّ الله أنزل كتبه وأنَّ ما فيها حق، وخاصة الإخبار فإنَّ الأنبياء لم يختلفوا فيما أخبروا به لأنَّ الخبر مداره الصدق، أما الشرائع فتختلف، العقيدة واحدة.
ذكرنا لكم أنَّ الأنبياء اجتمعوا على ما أَخْبَرُوا به من الإعتقاد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه اجتمعت عليها الأنبياء فدينهم واحد، لا فرق بين نبي ونبي، وبين رسول ورسول في أصول الدين، في تحقيق التوحيد، في الإسلام، الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، هذا أصل عام اجتمعت عليه الأنبياء، واجتمع عليه المرسلون، وكذلك أركان الإيمان الستة، هذه اجتمعت عليها الأنبياء؛ لكن الشرائع تختلف.
من الإيمان بالكتب الإيمان بالقرآن والقرآن فيه الخَبَرْ عن الغيب ومنه الخبر عن الجن، فالجن أنزل الله فيهم آيات كثيرة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١-٢] ، وقال في آية الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] ، وقال ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سيإ:٤١] ، وقال سبحانه ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨] ، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر الجن، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] ، فالإيمان بالجن واجب؛ الإيمان بوجودهم وبما أخبر الله عنهم من صفتهم في كتابه، وبما صحّ في حديث النبي ﷺ ، فمن أنكر وجود الجن كفر لأنه كذَّبَ القرآن، فَيُعَرَّّْف -إذا كان مثله يجهل- يُعَرَّفْ بما جاء في القرآن من الآيات، فإذا كذب بوجود الجن مع ذكرهم في القرآن فإن تكذيبه يعود إلى إنكار وجحد القرآن فيكون كافراً بذلك.
أما المهدي الذي ذَكَرْ فليس الكلام فيه كالكلام في الملائكة والجن؛ لأنَّ المهدي إنما جاء في السنة، ومجيئه في السنة هو من جنس الأخبار التي تكون مما أخبر بها النبي ﷺ ، يتأوّلها المتأولون، ولا تكفير مع احتمال التأويل.
стр. 324
مثل من تَأَوَّلَ الصفات، ومثل من تأوّل بعض الحقائق بعض الأسماء والأحكام وأشباه ذلك فإنه لا تكفير بذلك.
أحاديث المهدي كثيرة أكثر من خمسين حديثا متنوّعة، قال طائفة من أهل العلم تبلغ درجة التواتر المعنوي لا التواتر اللفظي؛ لأنها مختلفة في ألفاظها.
لكن وجود المهدي وأنه سيخرج في آخر الزمان، وأن اسمه محمد بن عبد الله، وأنه من ذرية الحسن، وأنَّ من صفاته كذا وكذا، وأنه يصلحه الله في ليلة، وما أشبه ذلك من الأخبار، هذا جاء في السنة فجعله طائفة من أهل العلم مما يبلغ درجة المتواتر المعنوي لا المتواتر اللّفظي.
وأحاديث المهدي تأوّلها جماعة ومنها ما لم يُصَحَحَ، ومنها ما صُحِّحْ، فالمقصود أنها ليست مثل الكلام في الجن والكلام في الغيبيات التي جاءت في القرآن وهي التي تكون متواترة بدِلالة قطعية، فلذلك من أنكر المهدي أو أنه سيخرج أو قال: لا مهدي بعد محمد ﷺ ، ونحو ذلك فإنه يقال أخطأ وخالف ما جاء في الأحاديث ولا يحكم عليه بالكفر.
وقد قال بهذا القول جماعة من المنتسبين إلى العلم وأخطؤوا في هذا خطأً شنيعا؛ لأنَّ الأحاديث كثيرة متعددة المخارج في السنن والمسانيد وغيرها.
[المسألة الأولى] :
قوله (أَهْلَ قِبْلَتِنَا) هذه الكلمة (أهل القبلة) لم ترد في النصوص في تحديد المراد بها؛ يعني في أن يكون لها اصطلاح شرعي؛ ولكن جاء في النص وفي الأحاديث ذِكْرُ من استقبل القبلة، ولهذا جُعِلَ هذا الإسم (أهل القبلة) بمعنى من استقبل القبلة، فكل من استقبل القبلة في صلاته فهو من أهل القبلة.
وسبب هذه التسمية (أهل القبلة) هوما جاء في الأحاديث في الصحيح في البخاري وفي غيره «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا» ، (استقبل قبلتنا) لأنه تميز باستقبال القبلة في عهد النبي ﷺ عن الكفار إذْ يُصَلُّونْ وعن اليهود والنصارى إذ قبلتهم مختلفة.
و (أهل القبلة) إذاً يشمل كل أهل الأهواء، كل الفِرَقْ الثلاث والسبعين التي أخبر بها وعنها النبي ﷺ في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» (١) فهذه الفرق الثلاث وسبعين كلها تدخل عند أهل العلم تحت هذا الاسم (أهل القبلة) .
ويدخل تحت هذا الاسم أيضاً المنافقون؛ لأنهم كانوا يستقبلون القبلة في عهد النبي ﷺ واسم الإسلام الظاهر ينطبق عليهم.
لهذا اسم أهل القبلة كاسم المسلم ينطبق على من استقبل القبلة بصلاته ولو كان من أهل البدع أو من أهل الأهواء أو ممن يعتقد في الباطن اعتقاداً مُكَفِّراً مناقضاً للدين، فالأصل فيه أنه من أهل القبلة.
وهذا يتّضح بأن نقول أهل القبلة لفظ يُطْلَقُ على طائفتين: (٢)
الطائفة الأولى:
هم أهل الإسلام الصحيح الذين كانوا على مثل ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، وهذا يدخل فيه -يعني هذه الطائفة- يدخل فيها دخولاً أوَّلِيَّاً صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وتبع التابعين وكل من كان على منهجهم.
فأولى الناس بهذا الوصف من كان على عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم، وما أعظم قوله ﷺ «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ فلا تُخفروا الله في ذمته» (٣) .
ويدخل في هؤلاء من تبعهم بإحسان على عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل التوحيد الذين حَقَّقُوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلم يعبدوا إلا الله ولم يُحكِّمُوا إلا شرع محمد ﷺ ، وهؤلاء في الحقيقة هم أهل القبلة لأنهم أولياء البيت، وهم الحقيقون بوصف المتقين، قال لمَّا ذكر المشركين في سورة الأنفال قال ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ [الأنفال:٣٤] ، يعني أولياء البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤] ، فأولياء البيت الحرام؛ أولياء القبلة يعني الذين يحبونها حقيقة وينصرونها وثَمَّ ولَايَةْ هم أهل البيت، هم أهل القبلة.
الطائفة الثانية:
هم كل منتسب إلى الإسلام سواءٌ كان فيه مُكَفِّرٌ باطناً أم ليس فيه مُكَفِّرْ، فيدخل في ذلك أهل البدع والأهواء من فرق الضلال كالمعتزلة والخوارج والمرجئة والقدرية وإلى آخره وغلاة الصوفية، كل من خالف عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك يدخل فيه المنافقون.
فإذاً اسم الإسلام، المسلم، واسم أهل القبلة يشمل المبتدعة وأهل الأهواء والعصاة، ويشمل المنافقين في دار الإسلام؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يكن يميز ما بين المنافق وغير المنافق في الوَلاية الظاهرة؛ يعني في كونه له ما له وعليه ما عليه؛ لأنَّ المنافق له حكم الإسلام ظاهراً؛ لأنه أظهر الإسلام، وكذلك أهل البدع والأهواء لهم حكم المسلم ظاهراً لأنَّهُم أَظْهَرُوا الإسلام واستقبلوا القبلة.
إذا تبين ذلك، فإذاً هذا الوصف أهل القبلة ليس وصفاً لطائفة واحدة؛ بل هو وصف متميّز ومُتَمَايِزٌ أهله فيه، فالوَلَايَةْ لأهل القبلة والنُّصرَة لأهل القبلة والمحبة لأهل القبلة ليست على درجة واحدة:
- فكل من كان مُتَحَقِّقَاً بوصف الطائفة الأولى فله الوَلاية الخاصة لمن كان على مثل ما عليه ﷺ وأصحابه.
- ومن كان من أهل البدع والأهواء فله حكم الإسلام وله حكم أنه من أهل القبلة، فلا يُسْتَباحْ دمه ولا يُكفَّر ولا يُخرَجْ من الدين إلا إذا أتى مُكَفِّراً.
فإذاً هذا الاسم واللقب أهل القبلة هذا فيه نوع اختلاط، وتعلمون أنَّ زمن المؤلف وما قبله لم يكن فيه إلا ما ذكرنا لك من هاتين الطائفتين:
- طائفة من كان على منهاج أهل السنة والجماعة.
- والطائفة الثانية طائفة أهل البدع والأهواء والمنافقون.
стр. 327
[المسألة الثانية] (١) :
ظَهَرَ بعد زمان المؤلف المشركون -الشرك الأكبر- الذين يعبدون مع الله غيره ويدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويذبحون لغير الله ويعبدون غير الله .
فهل هؤلاء يصدق عليه اسم أنَّهم من أهل القبلة أم لا يصدق عليهم أنهم من أهل القبلة؟
على قولين لأهل العلم:
القول الأول:
ليسوا من أهل القبلة لأنَّ صلاتهم باطلة؛ لأنَّ المشرك لا تُقبَلُ صلاته، فيكون استقباله للقبلة لَغْواً؛ يعني ليس من أهلها، كما كان المشرك من قريش، ومن العرب يتوجه إلى الكعبة بالطواف ويؤدون عندها بعض العبادات ونحو ذلك، ولكنهم لم يكونوا موحدين فلم يتصفوا بوصف أنهم يستقبلون القبلة في الأحاديث.
٢- القول الثاني:
أنَّ الأصل في المسلم الإسلام حتى يَثْبُتَ عنه أو منه ما يُخرِجُهُ من الدين.
وهؤلاء إنْ أُطْلِقَ عليهم أنَّهُم كَفَرُوا -يعني صار عليهم اسم الكفر- سُلِبَ عنهم اسم أهل القبلة.
وإن لم يُطْلَقْ عليهم الكفر -يعني ليسوا بكفار- فإنهم يبقون في الطائفة الثانية من التقسيم الأول؛ يعني في أهل البدع والأهواء والمنافقين وأشباه هؤلاء؛ لأنه لا يُكَفَّرْ أَحَدْ إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية التي يَكْفُرُ جاحدها أو يَكْفُرُ منكرها أو يَكْفُرُ رادُّها.
*وهذا القول الثاني هو الأَوْلى وذلك أنَّ الأصل فيمن استقبل الكعبة أنه مسلم حتى يثبت عنه ما يخرجه من الإسلام.
العلماء -خاصةً بعض علماء الدعوة- بحثوا هنا في مسألة الكافر الأصلي، يعني من نشأ، بَلَغْ وهو يعبد الأوثان وهو يعبد الأضرحة وهو يعبد غير الله ، ومن كانت هذه الأمور عارضةً له، بَحَثُوا في هذه المسألة في بعض الردود؛ لكن ليس بحثها مؤثراً على التقسيم الذي قلناه.
المقصود أَنَّ اسم أهل القبلة مثل اسم المسلم؛ يعني لا يترتب على هذا اللفظ (أهل القبلة) لا يترتب عليه حقوق إلا حقوق المسلم، فما دام أنه مسلم فله حق الإسلام له حقوق المسلم، إذا كان مسلماً مطيعاً فله حق المسلم المطيع، مسلم عاصي صاحب كبيرة، مسلم مبتدع، مسلم ظاهراً منافق باطناً فهذا له حقوقه.
стр. 328
[المسألة الثالثة] :
قوله (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) هذا الوصف: (مسلم) ، (مؤمن) ، هذا بناءً على أنَّ الإسلام والإيمان عند الطحاوي واحد وأنَّه لا فرق ما بين الإسلام والإيمان.
وهذا القول ليس بجيد؛ بل مخالفٌ للأدلة ويأتي بحثه في الكلام على الإيمان.
وهناك وِجْهَةْ أخرى ظهرت لي أثناء تَأَمُّلْ كلمته أنه وإن قال ذلك لكن هذه الكلمة ليست مُلْزِمَةْ له بهذا القول؛ يعني لا نفهم منها أنه يُسَوِّيْ ما بين المسلم والمؤمن؛ لأنَّ من جهة التسمية نسميهم مسلمين أو نسميهم مؤمنين فالإسلام والإيمان إذا تفرّقا اجتمعا، فإذا قلنا هو مؤمن مع كونه مسلماً صحيح، وحتى صاحب الكبيرة نقول هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
فإذاً هذه الكلمة (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) لا تدل بنفسها على أنَّهُ يجعل الإسلام والإيمان واحد وأنَّ المسلم هو المؤمن، ويأتي بيان أنَّ قول أهل السنة والجماعة -يعني جمهور أهل السنة والجماعة- والراجح عندهم أنَّ الإسلام غير الإيمان، والله فرَّقَ بينهما في كتابه فقال ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، وهذا دليلٌ واضحٌ على التفريق ويأتي بقية الأدلة في موضعها.
стр. 329
[المسألة الرابعة] :
أنَّ هذا الإسم أهل القبلة واسم المسلم والمؤمن لابد من بقاء ما دلَّ عليه، وهذا هو ما ذَكَرَهُ بعد ذلك بقوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني أنَّهُ لو ارْتَكَبَ مُكَفِّرَاً فإنه يَخْرُجُ من اسمه مسلم ومن اسمه مؤمن ولو استقبل القبلة، ولو كان السجود في جبهته فإنَّهُ ما دام أنه ثَبَتَ عنه بيقين ما حَكَمَ عليه عالم أو قاضي بكفره فإنه يكون حينئذ ليس له حكم المسلم المؤمن ولو كان مستقبل القبلة.
قال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ)
معنى الاعتراف هنا هو الإقرار بأنَّ ما جاء به النبي ﷺ في كل مسألة حق.
لكن فَرْقٌ هنا ما بين الجحد وما بين التأويل:
فإنَّ من جحد أمراً جاء به النبي ﷺ وكان ثابِتَاً عن النبي ﷺ وكانت دلالته قطعية فإنه يكفر بذلك، مثل «عثمان في الجنة» (١) هذا دلالته قطعية «عثمان في الجنة» ما تحتمل معنى آخر، فإذا قال: لا، هذا لا يدل على أنه يُحْكَمْ له بالجنة، لا أنا ما أحكم لعثمان بالجنة مع أنَّ النبي ﷺ حَكَمَ له، أنا أَرُدْ كون عثمان ﵁ في الجنة، لا أدري هو من أهل الجنة أو من أهل النار، هذا ردٌّ لخبر دلالته قطعية.
فإذاً قوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ) هنا الاعتراف بمعنى الإقرار بهذا الخبر وبما جاء به ﷺ .
* وهذا الإقرار فيما كانت دلالته قطعية، أما إذا كانت دلالته محتملة وصار ثَمَّ للتأويل مَسْرَحْ؛ فإنه لا يُسلب عنه اسم الإسلام والإيمان.
ولهذا نصَّ أهل العلم من أئمة الدَّعوة ومن غيرهم على أنَّ متأولة الصفات ليسوا كمنكري الصفات، يعني ليس الأشاعرة مثل الجهمية، ليس المعتزلة مثل الجهمية في هذا الباب، الصفاتية الذين أثبتوا أصل الصفات وتأَوَّلُوا بعضاً هؤلاء لهم شُبْهَة التأويل فلم يُكَفِّرْهُمْ أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنّهم معترفون بأصل ما جاء به النبي ﷺ في هذا الباب؛ لكن تَأَوَّلُوهُ إلى جهةٍ أخرى.
فإذاً يُفَرَّقْ هنا ما بين الرد وما بين التأويل، فالاعتراف هو الإقرار.
* كذلك يُفَرَّقُ هنا ما بين الإقرار الذي يقابله الجحد، وما بين الإلتزام الذي يقابله الامتناع:
١- أولاً (الإقرار أو الإعتراف) الذي يقابله الجحد:
فالاعتراف الذي هُوَ الإقرار يقابله الجحد، يقالُ أَقَرَّ واعترف أو حَجَدْ.
أقر بأنَّ النبي ﷺ أَمَرَ بكذا، أو حَجَدَ أنَّ الصلاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ الزكاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ أَكْلْ نوع من المأكولات المباحة أنَّهُ حلال، جَحَدَ أن الخمر محرم، فهذا جحد يناقض الإعتراف، يعني أصلاً ما يقر بالتحريم أصلاً.
٢- ثانياً الإلتزام الذي يقابله الإمتناع:
قد يُقرُّ ولكنه لا يلتزم.
وقد لا يجحد ولكنه يمتنع.
والالتزام واجب والامتناع مُكَفِّرْ.
ما معنى الامتناع؟
الامتناع أن يقول: أنا لا أدخل في هذا الخطاب، وهذا معنى قول العلماء: الطائفة الممتنعة، وقول إذا امتنع أحد عن كذا يعني لم يلتزم، فَجَعَلَ فِعْلَهُ غير داخل في هذا الخطاب.
مثل حديث أبي بردة بن نيار المعروف (أنَّ النبي ﷺ بعثه في رجل نكح امرأة أبيه فأمره أن يقتله وأن يُخَمِّسَ ماله) (٢) .
هذا رجل نَكَحَ امرأة أبيه، الفعل معصية كبيرة، كبيرة بشعة أن ينكح امرأة أبيه؛ لكن النبي ﷺ أمره أن يقتله وأن يخمّس ماله؛ يعني جعله مرتداً لم؟
لا لكونه جَحَدَ ولكن لكونه امتنع.
فإذاً هنا في الاعتراف (مَا دَامُوا مُعْتَرِفِينَ) :
- فيه الإقرار ويقابله الجحد.
- وفيه الالتزام ويقابله الامتناع
الالتزام: أن يعتقد أنه مخاطب.
والامتناع: أنا غير مخاطب بذلك، مثل فعل مانعي الزكاة، فيقولون: الزكاة واجبة وأَدُّوهَا لكن نحن بذاتنا لا نحن لسنا داخلين في هذا الخطاب.
فالرجل ظَنَّ أنه لا يدخل في هذا الخطاب في قوله ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] ، فهو مُقِرٌّ بوجوبها بدخوله في الإسلام أصلاً، مُقِرٌّ بهذه الآية بدخوله؛ لكنه امْتَنَعَ من الالتزام بها لأجل أنَّ هذه كانت فِعْلَةْ أهل الجاهلية، فكان من إكرام الرّجل لأبيه أن ينكح امرأة أبيه لأنَّ هذا يدل على بِرِّهِ، يدل على صلته، ويدل على شرفه، ويدل على أشياء عندهم، فلما أنَّهُ امتنع، يعني كان أَخَذَهُ إذاً مَأْخَذْ الحكم الجاهلي ما دام أنه لم يلتزم.
إذاً في هذه الصورة لم يلتزم -هو مقر معترف- لكنه لم يلتزم، بمعنى امتنع.
وليست المسألة مسألة تكفير بالعمل أو أن فِعْلَهُ دَلَّ على استحلاله.
ليست من هذا الباب، إنما هي من باب الامتناع فمن عَرَفَ واقع أهل الجاهلية في نكاح امرأة الأب إلى آخره وسبب نزول الآية ودلالة ذلك عرف.
المقصود من هذا أنَّ قول الطحاوي (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى ﷺ مُعْتَرِفِينَ) :
الاعتراف هو الإقرار، والإقرار يقابله الجحد.
ويأتي الكلام على الاستحلال في قوله (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
فإذاً صارت عندك هنا أنَّ النسبة إلى الإسلام، النسبة إلى أهل القبلة يأتي الخروج منها بأشياء.
وأما العمل فيأتي الكلام عليه (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
لهذا هنا علقها بالاعتقادات (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَهُ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) .
стр. 330
[المسألة الخامسة] :
هذا الباب، باب الإيمان، والخروج من اسم الإسلام واسم الإيمان ومِنْ معنى أهل القبلة، هذا من المواضع التي تَزِلُّ فيها الأقدام.
ولهذا الذي يجب على كل طالب علم أن يعلم:
- ما قاله أهل السنة والجماعة في بيان الإيمان وبيان ضده.
- وأنَّ الإيمان والإسلام إذا قامت بالشخص -يعني وُصِفَ أحد بالإسلام والإيمان-، المسلم والمؤمن لا يُخْرَجُ من إسلامه وإيمانه حتى يأتي بُمُكَفِّرٍ واضِحٍ مثل وضوح ما أدخله في الإيمان.
فهو دخل باعتقادٍ واضح، دخل بكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل أيضا بِعَمَلٍ بالأركان، فلا بد أن:
- يكون الاعتقاد مضاد للأصل -الإيمان بالله وملائكته ورسله إلى آخره.
- كذلك القول يكون مضاد للأصل؛ يعني مواجه للأصل، مضاد للتوحيد، لكلمة التوحيد؛ يعني من الأقوال الشركية.
- كذلك العمل يكون مضاد لما دلَّ عليه العمل من الاستسلام لله .
وهذه المسألة يأتي لها مزيد تفصيل فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
فإذاً معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أنَّ من ثَبَتَ في حقه اسم الإسلام والإيمان فإنَّهُ يبقى على هذا الاسم ما لم يأتِ بشيء من الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات تَرُدُّ هذا الأصل بوضوح لا باحتمال؛ لأَّن الواضح البَيِّنْ اليقيني لا يزيله إلا يقيني.
стр. 331
قال بعدها (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ، وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) .
стр. 332
[المسألة الأولى] :
الخوض في ذات الله محرمة، وكذلك التفكر في ذات الله أيضاً منهيٌّ عنه.
لكن المأمور به أن يُفَكِّرْ المرء في آلاء الله .
قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا» (١) .
فالمأمور به العبد أن يتفكّر في آلاء الله، وآلاء الله يعني في آياته.
آيات الله نوعان:
- آيات مرئية وهي ملكوته في السموات وفي الأرض وما خَلًقً الله من شيء.
- وآيات متلوة وهي القرآن.
فمن تفكر في آلاء الله دلَّهُ على عِظَمِ ربه وأصابه طمأنينة وسكينة وخشوع وخضوع للرب .
لهذا أمرنا ربنا سبحانه بالتفكر في آلائه وملكوته وآياته، قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١] ، وقال سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) وقال سبحانه أيضا ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] ، وقال ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦] ، تقف هنا ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبإ:٤٦] ، والنبي ﷺ حُبِّبَ إليه الخلاء، حُبِّبَ إليه أن يدخل غار حراء ويمكث فيه الليالي ذوات العدد يَتَحَنَّثْ ويتأمل في ملكوت الله .
وهذا يُحدِثْ من حقائق الإيمان في النفس ومن الارتباط والذل لله ما يُحدث.
ولهذا كان من هدي السلف رضوان الله عليهم قلة الكلام والتفكّر في آلاء الله .
قالت أم الدرداء في وصف زوجها أبي الدرداء (كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكّر) (٣) .
وكان الحسن البصري ﵀ يقول (عاملنا القلوب بالتفكر فأورثها التَذَكُرْ، فرجعنا بالتَذَكُرْ على التفكر وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (٤) .
هذه كلمة عظيمة، الناس قلوبهم مُضْغَة كلها تتحرك وتقذف الدم؛ ولكن القلب الحي ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠] ، صاحب القلب الحي هذا يكون قلبه له سمع وبصر؛ يعني يرى أشياء ويتفرس في الأشياء ويكون له مرئيات، يرى ما لا يراه الآخرون.
قال (عاملنا القلوب بالتفكر) ، التفكر في آلاء الله، وليس التفكر في الله ولا في ذات الله إنما التفكر في آلاء الله ، فيما خلق، في آياته التي أعطاها المرسلين، في آياته المتلوة، القرآن إلى آخره، يعني في المنظورة والمقروءة.
(فأورثها التَذَكُرْ) ؛ يعني تَذَكَرْ العبد، إذا تفكر وخلا بنفسه فإنه سيتذكر؛ لكن تَذَكُرُهُ سيكون ضعيفاً؛ لأنه بدايات التذكر بعد التفكر.
قال (فرجعنا) -هو يحكي حال السلف الحسن البصري يقول (عاملنا) يعني السلف يعني طبقة التابعين-
قال (فرجعنا بالتَذَكُرْ) هذا الذي تذكرناه وصار في القلب نوع حياة رجعنا به على التَفَكُرْ، تَفَكَّرْنَا من جديد، نظرنا في الملكوت، في آلاء الله، في تصرف الله في خلقه، في آيات الله في القرآن.
(فرجعنا بالتذكر على التفكر وحركنا القلوب بهما) ، يعني مرة ورا مرة، هذا تذكر بعد تفكر، تذكر بعد تفكر، يبقى العبد في الإيمان.
قال (فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) ، ينفتح القلب من معارف الله ومن الأُنْسِ به ومن لذة مناجاته ومن إيثار ما عنده على ما في هذه العاجلة، وعلى إيثار مَحَابِّهِ ﷻ على أهواء النفس ما لا يدركه إلا من وفّقه الله ﷻ .
لهذا قال (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) سمة أهل السنة والجماعة أنهم لا يخوضون في الله، ولا يخوضون في صفات الله وإنما يذكرون ما دَلَّ عليه الكتاب والسنة ويُعَلِّمُونَ ذلك، وإنما المهم العمل، المهم هذا القلب أن يكون صالحاً، أن يكون خاشعاً لله، منيبا لله ﷻ ، ولهذا صح عن النبي ﷺ أنه قال «عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٥) ، وقال في السبعة الذين يظلهم الله في ظلهم «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (٦) .
стр. 333
فمن أعظم العبادات التَفَكُّرْ، تَفَكَرْ في القرآن، تُرَدِّدْ الآيات لتؤثر على قلبك، التَفَكُّرْ في ملكوت الله، في هذه السماء العجيبة، الأرض، في الخلق، هذا من سمة وخصال أهل السنة والجماعة، مخالفين بذلك لطريقة الصوفية الذين أورثهم العزلة التفكر والخوف في الله والكشف؛ كشف الحُجُبْ ونحو ذلك مما زلَّتْ به أقدامهم.
стр. 334
[المسألة الثانية] :
على قوله (وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) المِرَاء مذموم.
والمراء ضابطه هو أن يُورِدْ الشيء بقصد الانتصار للنّفس أو إضعاف من أمامه.
يعني المغالبة، يريد يغالب، يريد يشكك، الشبه يوردها.
هذا من الأمور المذمومة لأنّ أصل الدين مبني على الاستسلام، فالمراء في الدّين محرم وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء وهو محقّ وأنا زعيم بييت بوسط الجنة لمن ترك المراء» (١) .
[.....]
ايش، المقصود الحديث اشتبه عليّ لفظه، «أنا زعيم في بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء» . النبي ﷺ تَكَفَّلَ ببيت لمن ترك المراء وإن كان محقا -ببيتٍ في الجنة-، لماذا؟
لأنَّ المراء أحياناً وأنت تماري يأتيك الحق معك لكن تغلبك نفسك للانتصار لنفسك لا للحق، والإنسان بين هذه وهذه يكون عنده شيء -يعني بين الانتصار للحق وبين الانتصار لنفسه-، وكثيرا ما تشتبه على أكثر الناس؛ يعني تختلط هذه بهذه، أنت ستنتصر لنفسك أو ستنتصر للحق، ولهذا يسمى هذا مراء، إذا صارت مجادلة وخشيت أن تنتصر فيها لنفسك، فالسكوت أفضل لأنَّ الانتصار لنفسك من المراء في دين الله ﷻ .
فإذاً من صفة أهل السنة والجماعة ومن سماتهم أنهم لا يمارون في دين الله، لهذا قال الإمام مالك ﵀ لما سُئِلْ (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عليها؟)
قال (لا، يخبر بالسنة فإن قُبِلَتْ منه وإلا سكت) (٢) .
لأنَّ المراء في ذلك يورث العداوة قد يورث الانتصار للنفس، وذلك كله مذموم.
نقف عند هذا، وأسأل الله لي ولكم الهدى والرشاد، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا.
كما أسأله ﷻ أن يُكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
نكتفي بهذا القدر، وفقكم الله. (٣)
[المسألة الأولى] :
المجادَلَةُ: عُرِّفَتْ بأنها إيراد الحجة على القول المخْتَلَفِ فيه مِن المُخْتَلِفِينَ.
فإذا اختلفوا في مسألة؛ هذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريراً لقوله وهذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريراً لقوله، فتصير مجادلة.
وفي الشرع المجادلة قسمان:
١- مجادلة مذمومة: وهي التي يُرادُ بها الانتصار للنفس وللقول دون تحرٍّ للحق.
٢- مجادلة محمودة: وهي المجادلة بالتي هي أحسن؛ يعني التي الغَرَضُ منها الوصول إلى الحق وإرشاد الضال وتبيين حجة الله ، وهي مأمور بها في الشرع.
وهذه هي التي أثنى الله على عباده بها، وأمرهم بها في قوله ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥] ، وكقوله سبحانه في سورة العنكبوت ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] .
ويَشْتَبِهُ بالمجادلة الجَدَلْ.
والجَدَلُ قال بعض أهل العلم إنه هو المجادلة؛ لأنه مأخوذ من الجَدْلْ، جَدْلْ الحبل، وهو لَفُّ بعضه على بعض كَأَنَّ الأقوال التَفَّ بعضها على بعض من الإيراد.
والأظهر أنَّ الجَدَلْ نوعٌ من الخصومة؛ لكن لم يُمْدَحْ في القرآن، فذمّه الله في قوله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) ﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨] .
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يعني في ذلك ذَمْ لهذا الإيراد، لأنَّهُم ما أَرَادُوا المجادلة ولا أَرَادُوا دفعاً للشُّبْهَة أو الوصول إلى الحق، وإنما هو جَدَلْ.
وهنا ثَمَّ بعض البحوث التي كُتِبَتْ في هذا الموضوع خاصَّةً عند المعاصرين باسم الجَدَلْ، (الجَدَلْ في القرآن) .
والجَدَلْ إذا كان يصل معه المتجادلون إلى حقيقة فإنه في الحقيقة مُجَادَلَة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] ، فهي مجادَلات في القرآن.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن المجادلات فإنَّ هذا مقبول؛ لكن تكون تسميتها بالجدل هذه يكون فيها بحث اصطلاحي.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن -مثل ما كتبوا- ما ضُرِبَ جَدَلاً لغيرِ وصولٍ إلى الحق، فهذا لا يدخل فيه المجادلات التي للوصول للحق، لأنهم يُدْخِلُونَ فيها ما أقام الله به الحُجَّة مثل مجادلة الملك مع إبراهيم ﵇ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، هذه يُدْخِلُونَهَا في الجدل.
فقوله هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) المجادلة -كما ذكرنا- إذا كانت بالتي هي أحسن للوصول إلى الحق فهذه مطلوبة شرعاً، وأمر الله بها عباده.
لكنهم يجادلون بالقرآن لا فيه.
يعني يُجَادِلُ غيره بحجة القرآن.
وفَرْقٌ ما بين المُجَادَلَةْ بالقرآن وبين المُجَادَلَةْ في القرآن:
- فالمجادلة بالقرآن: أن تُورد الحجة من كتاب الله وتُورِدْ وجه الاستدلال من ذلك.
- أما المجادلة في القرآن: فهو أن يُخْتَلَفْ في حُجِّيَتِهِ، أو تُضْرَبُ بعض الآيات ببعض، أو أنْ لا يُرَدْ المتشابه إلى المُحْكَمْ أو أن يُخَاضَ في الأمور الغيبية بأمور عقلية ونحو ذلك.
فالمجادلة بالقرآن محمودة لإقامة الحجة، وأما فيه فإنها مذمومة.
стр. 337
[المسألة الثانية] :
الذين جادلوا في القرآن في هذه الأمة، أمَّةْ الإجابة كثيرون.
فكل طوائف الضلال ممن لم يستسلم لنص القرآن والسنة فإنه جادَلَ في القرآن.
وذلك أنهم أسَّسُوا مذاهب لهم واعتقادات، فإذا جاءهم الدليل من القرآن على خلاف ما أَلِفُوا أو ما هَوَوهُ فإنهم يجادلون فيه.
يعني يَرُدُّونَ حُجَّةَ الله التي في القرآن ويأتون بآية تضرب هذه الآية.
والنبي ﷺ أتى بعض الصحابة- وهم يتجادلون في القرآن فغضب كما ذكرنا لك.
فالتأدب مع القرآن أن يكون الإيراد به -يعني إيراد الدليل به- فإن اختلفت الأدلة وَجَبَ رد المتشابه إلى المحكم.
فالقرآن حَقٌ كله لا يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضَاً؛ بل بعضه يدل على بعض.
١- فالقرآن مُحْكَمٌ كُلَّهُ:
جعله الله مُحْكَمَاً كما قال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] ، وكما قال ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١-٢] ، حكيم يعني المُحْكَمْ في أحد أوجه تفسير ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ .
٢- وكذلك القرآن مع كونه مُحْكَمَاً فإنه أيضاً متشابه؛ متشابه كله:
فالقرآن مُحْكَمٌ كله وأيضاً هو متشابِهٌ كله؛ لأنَّ بَعْضَهُ يشبه بعضاً.
متشابه يعني يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً، وذلك لقوله الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] ، يعني يشبه بعضه بعضاً؛ هذه آية في صفات الله وهذه آية في صفات الله، هذه آيات في تقرير التوحيد -توحيد الربوبية توحيد الألوهية- وهذه آيات من مثلها، وهذه آيات في الحِجاج مع المشركين، وهذه آيات في الحجاج مع المشركين، هذه آيات في قصص الأنبياء وهذه آيات في قصص الأنبياء، ونحو ذلك من المعاني.
فهو متشابه، موضوعاته متشابهة مع اختلاف الآيات في ذلك.
٣ - أن القرآن مُحْكَمٌ بعضه:
يعني بعض آياته مُحْكَمَة، ومنه ما هو متشابه.
وهذا هو المَعْنِيْ في قوله سبحانه في أول سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لاحظ قوله ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يعني أنَّ بعضاً منه آيات محكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني يُرْجَعُ إليها في تفسير الكتاب ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] ، وقوله ﴿أُخَرُ﴾ يدل على قلة المتشابه بالنسبة إلى المحكم.
فإذاً أقسام القرآن ثلاثة:
١- محكم كله.
٢- متشابه كله.
٣- منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه.
وكلٌ من هذه الأقسام دلَّتْ عليها آية أو آيات من القرآن العظيم.
المحكم والمتشابه الذي هو الأخير:
عُرِّفَ المُحْكَمْ بأنه: ما اتضحت دلالته.
وهو يختلف عن المَبَيَّنْ عند الأصوليين -يعني المجمل والمبين-؛ لأنَّ ذاك من عوارض الألفاظ يعني ما اتضحت دلالة لفظه وهذا ما اتضحت دلالة الآية في معناه.
والثاني المتشابه: وهو ما اشتبهت دلالته.
والمتشابه للعلماء في تفسيره وبيان نوعه أقوال كثيرة.
لكن المُحَقَّقْ عند أهل السنة والجماعة أنَّ المتشابه في القرآن إنما هو متشابه على من نُزِّلَ عليه.
متشابه على بعض هذه الأمّة.
أما المتشابه الكلي بحيث إنه يوجد في القرآن ما لا يُعَلَمُ معناه ولا يُعْلَمُ تأويله مطلقاً لِكُلِّ الأمة، فإنَّ هذا ممتنِع؛ لأنَّ القرآن جاء بلسان عربي مبين.
وما ورد عن ابن عباس ﵄ فيما ساقه ابن كثير وغيره في (أنَّ من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله) -يعني لا أحد يعلم تأويله-، فيريد به نوعاً من التأويل والتفسير.
فالمتشابه مُتَشَابِهٌ نسبي.
المُتَشَابِهْ الكلي: آية لا أحد يعلم معناها لا النبي ﷺ ولا صحابته ولا العلماء إلى وقتنا الحاضر، فهذا ممتنع.
حتى الأحرف المقطعة فإنَّ دلالتها عَلِمَهَا بعض هذه الأمة.
وأما المشتبه النسبي، اشْتَبَهَ عليّ، اشتبه على من هو أعظم وأجل، على بعض الصحابة، فهذا موجود.
أبو بكر ﵁ سأل عن الأب ما (الأب) ؟ ثم قال (أيّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١) .
عمر ﵁ سأل الصحابة عن بعض الآيات.
وابن عباس خَفِيَ عليه بعض الآيات وسأل عنها وهكذا.
فالمتشابه النسبي الذي يشتبه معناه، تشتبه دلالته، إما لعدم معرفة معنى اللفظ أو لمعارضة آية لها أخرى تحتاج إلى تَأَمُلْ، فإنَّ هذا يكون نسبياً.
مثل ما سئل ابن عباس أنَّ الله أخبر أنَّ الناس في يوم القيامة يُوقَفُونَ فَيُسْأَلُونْ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وفي آيات أُخَرْ أَخْبَرَ الله أنهم لا ينطقون ولا يُسْأَلُونْ ونحو ذلك، فكيف يُجمع بينهما؟
هذا متشابه، يعني آيات يَشْتَبِه معناها فيجب رَدُّهَا إلى المحكم.
هذا النوع الثالث المحكم والمتشابه هو الذي تكون فيه المجادلة التي نَهَى عنها الطحاوي هنا ونهى عنها أئمة أهل السنة جميعاً، المجادلة في القرآن.
стр. 338
لهذا أثنى الله على الراسخين في العلم بأنهم يَرُدُّونَ المتشابه إلى المحكم، ويقولون آمنا به.
ما عَلِمْتَ معنى الآية، ما عملت معنى سورة، معنى آية، ما عملت وجهه، ما عملت كيف تجيب عن الإشكال الوارد عليها، فنقول: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ ، ونعلم أنَّ كلام الله مُحْكَمْ وذلك كما قال سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] ؛ لكن الله ابتلى الأمة بوجود المتشابه لينظر كيف تُسَلِّمْ وتستسلم لكتاب الله .
المقصود من ذلك أنَّ أصل الضلال في الفِرَقْ وُجِدَ من المجادلة في القرآن، والمجادلة في القرآن بأنهم اعتمدوا المتشابه ولم يُرْجِعُوا المتشابه إلى المحكم.
فالخوارج إنما خَرَجَتْ بالمجادلة في القرآن.
جادلوا في القرآن فجاءهم ابن عباس ﵁ فجادلهم بالقرآن.
فقالوا: كيف يُحَكِّم عَلِيٌّ الرجال والله يقول ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] .
فقال ابن عباس لهم (إنَّ الله سمَّى بعض الرجال حَكَمَاً فقال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] ) ، وحاجَّهُم في ذلك حتى رجع معه ثلث أو أكثر من الخوارج.
المرجئة، القدرية، المعتزلة، كلّهم لم يعتمدوا القرآن كله، وإنما جادلوا فيه فيَدخُلون في عموم قوله ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر:٥] .
стр. 339
[المسألة الثالثة] :
قال (وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) ، هذا فيه تقرير لعقيدة أهل السنة في أنَّ القرآن كلام الله.
وقد مرّ معنا تفصيل الكلام على هذه الجملة من جهة كون القرآن كلاماً لله وتفاصيل الأقوال في ذلك.
وأهل السنة يعتقدون:
- أنَّ القرآن حروف وكلمات وجُمَلْ وآيات وسور.
- وأنَّهُ ألفاظ ومعاني.
- وأنَّ هذه جميعاً من الله .
فالقرآن كلام الله بحروفه ومعانيه، تَكَلَّمَ به الحق أ، فسمعه منه جبريل ﵇، فبلَّغَهُ لنبيه ﷺ كما سَمِعْ.
والقرآن الذي بلّغه جبريل محمداً ﷺ هو القرآن المسموع، كلام الله المسموع وليس كلامَ الله المكتوب.
لأنَّ القرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ جميعاً، كتب القرآن جميعه في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٩] .
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ يعني جميع القرآن كريم، هو أعلى وأفضل وأميز الكلام.
لأنَّ الكريم من الأشياء هو المتميز على غيره الفاضل الأفضل.
قال ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ يعني في اللوح المحفوظ.
﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الذين هم الملائكة.
وكذلك قوله في آية الحاقة.
فالقرآن المكتوب في اللوح المحفوظ، جبريل لم يأخذه مكتوباً وإنما أخذه مسموعاً، فهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة.
فقوله هنا ﴿نَشْهدُ أَنَّهُ كَلاَمُ ربِّ العالمينَ﴾ يعني بحروفه وكلماته وآياته وسوره هو كلام الله ، سمعه جبريل فنزل به مسموعاً إلى النّبي ﷺ .
غير أهل السنة لهم في ذلك أقوال كثيرة يأتي ذكر تَعْدَادٍ لها عند قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) .
стр. 340
[المسألة الرابعة] :
في قوله (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) الروح الأمين هو جبريل ﵇.
وسُمِّيَ روحًا: لفضله وتَمَيُّزِهِ عن الملائكة ولأنه يَنْزِلُ بالرّوح من أمر الله وهو الوحي.
وسُمِّيَ الأمين أو نَعَتَهُ الله بالأمين في قوله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] : لأنه مُؤْتَمَنٌ على أعظم ما يؤتمن عليه وهو كلام الله ووحيه في سماواته.
стр. 341
[المسألة الخامسة] :
في قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) كلمة (لَا يُسَاوِيهِ) هنا يعني لا يكون مساوياً له أيّ كلامٍ لمخلوق.
وهذا للدلالة على إعجاز القرآن، ولهذا أكد بعد قوله (كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال (وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) .
وإعجاز القرآن، يعني وَجْهُ كَونِ القرآن مُعْجِزَاً للجن الإنس أن يأتوا بمثله من إنزال القرآن إلى قيام الساعة، ما وجه كون ذلك؟
كيف صار القرآن مُعْجِزَاً؟
ذكرنا لكم هذا بالتفصيل في درس مستقل (١) .
وبيانه هو ما ذكره الطحاوي هنا مُحَقِّقَاً بأنه كلام الله تعالى لا يشبه قول البشر.
وهذا معنى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) يعني لا يشابهه، لا يدانيه، لا يكون مساوياً له لأنّه مُعْجِزٌ.
ولماذا صار معجزا؟
لأنه كلام الله.
وهذا هو المراد بقوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) ، وإلا فلو كان المراد التقرير الابتدائي فليس مناسبا أن يُقال إنَّ كلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ابتداءً؛ لأنَّ هذا فيه نوع تركٍ للأدب الواجب مع القرآن، ولقد قال الشاعر:
ألم تَرَ أنّ السيف ينقص قدره ****** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
لكن هو لم يُرِدْ هذا المعنى، إنما أراد دليل الإعجاز أنَّ القرآن لا يشبه قول البشر، لا يساويه، ولا يماثله شيء من كلام المخلوقين، لم؟
لأنه كلام الله تعالى.
стр. 342
[المسألة السادسة] :
قال في آخر هذه الجملة (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) .
في قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) بخصوصها يعني:
- أنَّ مُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وتبع التابعين وأئمة الإسلام وأئمة أهل السنة والجماعة ومُعْتَقَدْ عامة المنتسبين إلى الإسلام أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود .
- نَّ القول بخلقه ضلال وخروج عن جماعة المسلمين؛ يعني عن ما اجتمع عليه المسلمون من زمن الصحابة إلى زمن المؤلف؛ بل إلى زمننا الحاضر.
والقول بخلق القرآن هذه عقيدة فُتِنَ بها كثيرون؛ لكنهم شواذ وقلة بالنسبة لعموم الأمة.
وأول ما نَشَأْ القول بخلق القرآن من جهة الجَعْدْ بن درهم ثم الجهم بن صفوان ثم أخذه المعتزلة فَنَصَرُوهُ واستدلُّوا له.
القول بخلق القرآن الكلام عليه يطول جداً.
ومما يُؤْسَفُ له ويَجِبُ جِهَادُهُ أيضاً أنَّ بعض الضُّلال والمفتونين بَدَؤُوا ينشرون لهذه الفكرة عن طريق بعض وسائل الإعلام والقنوات والمناقشة فيها، كما نشرته بعض الإذاعات فيما ذُكِرَ لي في مناظرات تتصل بذلك، وجَعْلْ الناس -يعني العامة- يتكلمون في هذه المسألة.
وهي فتنة مشابهة للفتنة الأولى من حيث الابتداء.
فنسأل الله أن يكبِتَ شر من يريد صرف الأمة عن حُسن الاعتقاد وإضلال عامّة المسلمين.
من قال بخلق القرآن طوائف في هذه الأمة منهم: الجهمية والمعتزلة والخوارج والرّافضة.
والخوارج اليوم يوجد منهم طائفة الإباضية وهم من أخصِّ فرق الخوارج قولاً واعتقادات، ويوجدون في أكثر من مكان في العالم الإسلامي في الجزيرة وفي ليبيا وفي الجزائر وفي أنحاء أُخَرْ، ولهم كتب كثيرة ومصَنَّفَة في العقيدة وفي الفقه يعني تبلغ عشرات المجلدات أو أكثر.
هم الذين ينصرون اليوم القول بخلق القرآن في مؤلفاتهم.
ومنهم اليوم الرافضة وعقيدتهم أيضاً في القرآن بأنه مخلوق.
وكذلك الزيدية يعتقدون هذا الاعتقاد.
ومن العجب أنَّ بعض المنتسبين للسنة من أئمة الحديث أو ممن حاربوا التقليد ونصروا الدّليل لأجل ما راج في بلده اشتبهت عليه هذه المسألة، وهو العلامة الشّوكاني ﵀، فإنه اشتبهت عليه مسألة خلق القرآن؛ لأجل ما شاع في بلده وذهب فيها إلى الوَقْفْ، وذَكَرَ ذلك في تفسيره.
فهذه الطوائف المعتزلة، والعقلانيون أيضاً في عصرنا الحاضر جماعة من العقلانيين من المنتسبين إلى الإسلام، يعني من المسلمين، وممَّن يدَّعون غير ذلك أيضاً هم ينصرون مذهب المعتزلة في خلق القرآن. (١)
فإذاً مسألة خلق القرآن كغيرها من مسائل الاعتقاد لا يُقَالُ ذهبت أبداً بل هي باقية، فطالب العلم يتعلم أدلة ذلك حتى يجادل بالقرآن من قال بخلقه والعياذ بالله.
وهذه مسائل تحتاج إلى إيضاح طويل وتفصيل للكلام على الأدلة والخلاف في ذلك مما له موضع آخر إن شاء الله تعالى.
стр. 343
[المسألة السابعة] :
شبهة من قال بخلق القرآن وهم الطوائف الذين ذكرتهم لك قالوا:
إنَّ القرآن حروف وكلمات وصوت، فإذا قيل إنه كلام الله الذي هو صفته صار الله مَحَلاً لِما هو من صفة الأجسام والتقطع في الكلام؛ لأنَّ القرآن حروف متقطعة؛ يعني حروف تكونت منها الجمل، تكونت منها الآيات.
فنظروا إلى هذا فقالوا: هذا التقطع إنما هو من صفات من له نَفَسْ، من يُخْرِجْ الحرف ثم يَتَنَفَّسْ، ثم يقول كذا ونحو ذلك، وهذه من صفات المخلوقين، فلهذا جعلوه مخلوقاً.
ولهم في تبايُن صفات الخلق، أو كيف خَلَقَهُ وفي أي شيء خلقه، لهم أقوال كثيرة.
وهذه الشبهة والإيراد مبني أيضا على اعتقادٍ لهم، وهو أنَّ -أظن أني ذكرته لكم قبل ذلك- حدوث الأجسام إنما كان بدليل الأعراض، يعني حلول العَرَض في الجسم تَبِينُ به حاجة الجسم وافتقار الجسم إلى العرض، والعرض يطرأ ويزول، فلهذا صار الجسم حادثاً مما هو معروف، وقد فصّلته لكم فيما قبل فيما يسمى بدليل الأعراض (١) .
وهذا دليلٌ يعتمده المعتزلة وأخذه عنهم كتأصيل الأشاعرة والماتريدية وجماعة.
والقرآن إن قيل إنه صفة الله صار عندهم أنَّ القرآن يكون في حالْ ولا يكون في حالْ؛ لأنَّ القرآن تَكَلَمَ الله به ليس دَفعة واحدة، وإنما بحسب الوقائع، قالوا هذا يمتنع معه إلا أن يكون مخلوقاً.
والأشاعرة والماتريدية لما سلَّموا بأصل البرهان عارضوا ذلك ظاهراً.
عارضوا قول المعتزلة ظاهراً وسَلَّمُوهُ باطناً، فقالوا: القرآن قرآنان:
- قرآن قديم وهو الذي تكلم الله به.
- وقرآن أُنْزِلَ على محمد ﷺ .
فالقرآن القديم الذي هو صفة الله ، هذا تكلم الرب به دفعة واحدة.
والقرآن الذي أنْزِلَ على محمد ﷺ هذا جُعِلَ في رُوعِ جبريل، ذلك القرآن جُعِلَ في روعه -يعني في نفسه بدون أن يسمع- فنزل به على نبينا ﷺ . (٢)
وهذا منهم لأجل أن لا يُبطِلُوا الدليل السابق.
واستدلوا على ذلك -يعني المعتزلة- بأدلة كثيرة، موجودة في كتبهم، ليس هذا محل بيانها.
المقصود أنَّ القول بخلق القرآن مبني على شبهة، ولأجل هذه الشُّبْهَة ولأجل إبطالها فإنَّ أئمة أهل الإسلام كفَّرُوا في خلق القرآن بالنوع ولم يُكَفِّرُوا كل أحد قال بخلق القرآن حتى تقوم عليه الحجة لأجل الاشتباه في الدليل.
فإذاً نقول: من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لكن إذا جاء المُعَيَّنْ لابد من إيضاح الحجة له والرد على شبهته؛ وذلك لأنَّ هذه الفتنة عظيمة.
كذلك من تَوَقَّفَ في ذلك ولم يستبن له الأمر، أو من أجاب في الفتنة -فتنة خلق القرآن- فإنَّ أئمة أهل السنة والجماعة لم يُكَفِّرُوا أحداً في ذلك ولم يمتنعوا أيضاً عن الرواية ممن توقف في المسألة أو أجاب لأجل الافتتان.
وهذا أصل عظيم مهم في هذا الأصل؛ يعني في مسألة خلق القرآن.
فإذاً معتقد أهل السنة والجماعة:
- أنّ القول بخلق القرآن من أبْطَلْ الباطل.
- وأنَّ القول بخلق القرآن كفر، لأنَّ معنى القول بأنَّ صفة الله مخلوقة، والقرآن صفة الله كلام الله فالقول بأنَّ صفة الله مخلوقة هذا تنقّص عظيم للرب ، وتنقّص الرب كفر بالله ، فهو أعظم من الاستهزاء المجرّد لأنَّ هذا قول بالتنقص ومسبّة لله .
لكن ثَمَّ اشتباه وشبهة الوضع معها ما ذكرته لك آنفا.
أما الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فهم يَرُدُّونَ على المعتزلة وعلى العقلانيين وعلى الخوارج وعلى الرافضة في مسألة خلق القرآن، يَرُدُّونَ عليهم بأنواع من الردود.
* لكن تنتبه إلى أنَّ مبنى هذه الردود على مذهبهم؛ وهو أنَّ كلام الله قديم وأنَّ الذي أُنْزِلَ على محمد ﷺ إنما كان في روع جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ -أخذه من المكتوب- أو نزل به من بيت العزة أو نحو ذلك من أقوالهم المعروفة.
стр. 344
[المسألة الثامنة] :
في قوله (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) ، (جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) هذه الكلمة من الكلمات العظيمة التي تَرِدْ في كتب أهل السنة والجماعة وفي عقائدهم.
والجماعة عندهم يُراد بها نوعان:
- النوع الأول: جماعة الدين.
- والنوع الثاني: جماعة الأبدان.
وكلٌ منهما مَأْمُورٌ التزامه، وكلٌ منهما مطلوبٌ التمسك به، جماعة المسلمين في دينهم وجماعة المسلمين في أبدانهم.
وقد فصَّلْتُ لك الأقوال في ذلك في أول شرح الواسطية يمكن أن ترجع إليه للازدياد من هذا الموطن (١) .
الجماعة تقابلها الفرقة.
يعني لماذا قسمناها إلى جماعة دين وجماعة البدن جماعة الأبدان؟
لأَّنُه جاء في النصوص الأمر بلزوم الجماعة وجاء في النصوص النهي عن الفُرْقَة.
والنهي عن الفرقة جاء النهي عن الفرقة في الدّين والنهي عن الفرقة في الأبدان، كما في قوله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] ؛ يعني في الدين.
والتفرق في الدين يَؤُولُ إلى الترفق في الأبدان، فكلٌّ منها له صلة بالآخر.
فجماعة الأبدان يقوى معها الاجتماع في الدين، والتفرق في الأبدان يحصل معه تَفَرُّقْ في الدين.
وكذلك الاجتماع في الدين يحصل معه اجتماع في الأبدان، فكل منهما يقود إلى الآخر.
ولهذا لما ظهرت العقائد الباطلة في زمن عثمان وزمن علي ﵄ ظَهَرَ الافتراقُ في الأبدان والخروج على الأئمة ونحو ذلك، فهذه وهذه كل منهما يؤول إلى الآخر.
قول الطحاوي هما (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) هذه عقيدة عظيمة يجب على كل مُعْتِقِدٍ لِمُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة أن يهتم بها.
فجماعة المسلمين (جماعة الدين) واجِبٌ التزامها، وعدم الخروج عما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم وعما كان عليه السلف الصالح وأئمة الإسلام.
وكذلك (جماعة الأبدان) بلزوم إمام المسلمين وولي أمرهم وعدم شقّ الطاعة والسمع والطاعة في المعروف، هذا واجبٌ أيضا الاجتماع عليه والائتلاف على ذلك.
وهذا هو الذي كان عليه أئمة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى.
فإذاً من خالف في عقيدة من عقائد الإسلام ففي الواقع خالف جماعة المسلمين.
جماعة المسلمين كانت على شيء قبل أن تَفْسُدَ الجماعة، كانوا على شيء في زمن الصحابة رضوان الله عليهم.
ولذلك تعلمون ما ذَكَرَهُ ابن القيم في أول إغاثة اللهفان وذَكَرَهُ غيره من أنَّ الرجل الواحد قد يكون في زمن من الأزمان هو الجماعة، متى؟
إذا كان موافقا لِمُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وأئمة الإسلام ولم يكن معه أحد فهو الجماعة وإن خالفه الناس جميعا، لماذا؟
لأنَّ الجماعة معناها هو من كان في العقيدة مع الجماعة، من كان في الاعتقاد مع الجماعة فهو الجماعة.
وفي زمن الإمام أحمد حينما حصلت فتنة القول بخلق القرآن، كان الإمام أحمد ومن معه ممن وقف في وجه أمراء ذلك الوقت في هذه العقيدة، وأقرّوا ما عليه جماعة المسلمين، كانوا هم الجماعة، والمخالفون لهم الأكثر كانوا قد خالفوا الجماعة.
وهذه مسألة مهمة في أنَّ الجماعة بمعنى العقيدة هو من كان على الجماعة.
فإذاً الجماعة لها إطلاقان:
١- الإطلاق الأول: الجماعة بمعنى الاجتماع على عقيدة السلف، فمن كان على ذلك الاعتقاد فهو الجماعة في العقيدة وإن كان واحداً.
٢- الإطلاق الثاني: الجماعة في الأبدان وهو أن يلزم إمام المسلمين وجماعتهم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فيعتزل الفرق كلها، ويعبد الله على بصيرة، فيكون حينئذ أدى ما يجب عليه أداءه.
فالواجب إذاً على كل طالب علم أن يأخذ بهذه الكلمة، وأن يوصي غيره بها؛ لأنها من أعظم ما يتقرب بها العبد إلى ربه أن يكون مع الجماعة؛ لأنَّ النبي ﷺ بيَّنَ الفرق الضالة، الفرق التي توعدها بالنار قال «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟
قال «هي الجماعة» (٢) وفي الرواية الثانية قال «الجماعة من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) أو نحو ذلك.
والرواية الأولى جيدة يعني من حيث الإسناد قال «هي الجماعة» يعني من كان على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم.
وهذا وعد عظيم كلها في النار إلا واحدة.
إذا حصل أنَّ المرء اشتبه عليه شيء في مسائل فما الذي يجب عليه؟
يجب عليه أن يأخذ بما يَتَيَقَّنُهُ من الدين وما يَتَيَقَّنُهُ من عمل أئمة الإسلام، وما دُوِّنَ في العقائد الصحيحة لأهل السنة والجماعة وأن يترك ما اشتبه عليه.
стр. 345
لأنّ الله له حدود كما جاء في حديث النعمان بن بشير «الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» (١) يعني في نفسها، مُشْتَبِهَات على من يريدها أو على من ينظر فيها، وفي رواية أخرى في البخاري «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبَّهَاتٌ» (٢) يعني الله جَعَلَهَا كذلك ليختبر العباد، مثل ما جعل بعض الكلام محكماً وبعض كلامه متشابهاً.
قال ﷺ في المتشابهات «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» يعني طَلَبَ البراءة وهذا هو الواجب؛ لأنه ما كل أحد يأتي للمتشابه يقول لا سَأَعْرِفُهُ.
الذي يشتبه عليك اتركه أسلم لدينك، وخاصَّةً في مسائل الجماعة، في مسائل الاعتقاد، في مسائل الاختلاف لأنك لا تدري ما يؤول إليه الأمر.
تَعْرِفْ أنَّ الخوارج صار معهم بعض من وُلِدَ في زمن النبي ﷺ ؛ لكنه لم يكن منهم لكنهم شَبَّهُوا عليه كمحمد بن أبي بكر الصديق ولدته أمه أسماء بنت عميس في الحج -يعني في حجة الوداع- نفست فولدت بمحمد بن أبي بكر.
يعني وُلِدَ في زمن النبي ﷺ ، وحَصَلَ أنه أتى لعثمان لقوة الاشتباه، أتى لعثمان بعد أن تسلق عليه البيت وهو يتلو القرآن فشده من لحيته، وقال له -يعني وعظه عثمان- فبكى محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ فبكى وترك ذلك وتركهم ثُمَّ قُتِلَ عثمان، وضلَّ من قال أنَّ الذي قتله أو ساعد في قتله أنه محمد بن أبي بكر. (٣)
المقصود أنَّ المسائل المشتبهة قد تشتبه على الخيار، فطالب العلم الذي يرغب في سلامة دينه يعتمد ما كانت عليه الجماعة ولا يخالف ما كانت عليه جماعة المسلمين.
وهذا من أعظم فوائد طلب العلم، أنّ المرء يعلم ما به السلامة له في دينه، ويكون مع الفرقة الناجية يوم القيامة، «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» .
وهذا مما يُرَغِّبْ كل واحد منكم في طلب علم العقيدة لأنَّ معه سلامة القلب ومعه سلامة العمل ومعه سلامة الخروج بيقين عن الفرق الضالة والالتزام بطريق الجماعة.
فهذه الكلمة كلمة عظيمة (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) يعني في اعتقادهم ولا في أقوالهم، وكذلك لا نترك جماعة المسلمين في أبدانهم لأنَّ هذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين تابعوا الكتاب والسنة ولم يخرجوا عن ذلك أعان الله الجميع على كل خير.
نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (ولا نُكَفِّرُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
نأخذ بعض الأسئلة.
стр. 346
الأسئلة:
س١/ لماذا كفَّرَ أئمة الهدى القائلين بخلق القرآن مع أنهم متأوّلون، ولم يكفروا القائلين بإنكار الأسماء والصفات أو بعضها لأنهم متأولة؟
ج/ هذه مسألة كبيرة في مسألة التكفير، تكفير الفِرَقْ يقال به من جهة الوعيد والتنفير من هذا القول؛ لكن تكفير المعين، يعني تكفير المعتزلة لا يعني أننا نُكَفِّرْ الأفراد، تكفير من قال بخلق القرآن لا يعني نُكَفِّرْ كل من قال به، تكفير من أنكر الأسماء والصفات ليس معناه أنه كل فرد أنكر يُكَفَّرْ، ليس كذلك.
ولذلك أهل السنة والجماعة أجمعوا على عدم تكفير من تأول الصفات لأن ثَمَّ شبه.
والتكفير إخراج من الدين والإخراج من الدين لابد أن يكون بأمر يقيني في قوة ما به دخل إلى الإسلام أو ما به صار مسلما وصار مؤمنا.
وهذه المسائل التي فيها تأويل أو اشتباه لو كَفَّرَ بعض الأمة بعضاً فيها لصار هناك تكفير كبير، وهذا لم يعمله أحد من أئمة الإسلام.
فلذلك هناك تكفير بالنوع وهذا وعيد ولأجل إطلاق النصوص وحمايةً للشريعة.
فإذا جاء المعين لابد في حقه من إقامة الحجة ورد الشبهة والجواب عن شبهته.
قالوا حتى في مسائل الأسماء والصفات يُشْتَرَطُ فيها الفهم.
يعني في تأويل الأسماء والصفات لا يقول أقمت الحجة وهذه لا يُشْتَرَطُ فيها الفهم.
كما هو القول المعروف الصحيح أنَّ الذي يُشْتَرَطْ إقامة الحجة في التكفير أو في التبديع أو في التفسيق إلى آخره، أما فهم الحجة فلا يُشْتَرَطْ.
قالوا إلا في الأسماء والصفات فلابد أن يفهم لأنَّ الشبهة فيها قوية وقال بها عدد من المنتسبين إلى الحديث والسنة، وفيها نوع اشتباه.
وهذه الكلمة وهي استثناء الأسماء والصفات قالها بعض أئمة الدعوة كما هو موجود في الدرر السنية وفي غيرها، فينتبه لهذا الأصل.
س٢/ يقول الفرق كلها في النار إلا فرقة واحدة هل الدخول في النار تخليد أم [.....] ؟
ج/ لا ليس تخليداً؛ لأنَّ قوله ﷺ «وستفترق هذه الأمة» قال العلماء المقصود بها أمة الإجابة لا أمة الدعوة، ولذلك أخرجوا منها الجهمية وأخرجوا منها الفرق التي لا تدخل في الإجابة أصلاً؛ يعني الجهمية باتّفاق وقد تدخل بعض الفرق الأخرى على اختلاف بينهم.
فهذه الفرق هي من فرق الإجابة يعني أنها من فرق المسلمين.
فقوله «كلها في النار» ليس إخراجاً لهم من الإسلام، وإنما هو وعيد لمخالفتهم لما كانت عليه الجماعة.
من هذه الفرق الخوارج، من هذه الفرق المعتزلة، من هذه الفرق المرجئة، من هذه الفرق أشباه هؤلاء الذين خالفوا الجماعة.
لكن لا يُشْهَدْ على مُعَيَّنْ منهم بأنه كافر أو أنه من أهل النار ونحو ذلك على أصل أنه لا يُشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار.
في هذا القدر كفاية، جمعني الله وإياكم على رضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 347
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
الأسئلة:
س١/ كيف نجمع بين حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ «لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» (١) وبين حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده فقال «لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» (٢) قال قال الأعرابي: طهور؛ بل هي حمى تفور على شيخ كبير تُزِيرُهُ القبور، قال النبي ﷺ «فَنَعَمْ إِذاً» ؟
ج/ الحديثان المذكوران كلاهما في الصحيح، والعلماء جمعوا بينهما بأوجهٍ من الجمع:
- من أحسنها أنَّ قوله ﷺ «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله) هذا من باب الخبر لا من باب الدعاء، فهو قال للأعرابي هذه الحمى طهور لك؛ طهور لك في دينك وطهور لك أيضا في بدنك فتصبح بعدها سالما، فأخبره النبي ﷺ بذلك.
لأنَّ قوله (طهورٌ) مرفوع، والرافع له مبتدأ محذوف أو الابتداء المحذوف بقوله (هي طهور إن شاء الله) وليس المراد الدعاء لأنه لو كان دعاءً لصارت منصوبة اللهم اجعلها طهوراً.
لو قال: طهوراً إن شاء الله؛ يعني: اجعلها اللهم طهوراً، فيكون دعاء.
فالظاهر من السياق من اللغة ومن القصة أنَّ المراد الخبر.
فإذا كان المراد الخبر فلا يعارض الدعاء بقول القائل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت؛ لأنَّ النبي ﷺ عَلَّقَ الخبر بالمشيئة فقال «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» ، كما قال ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ، وكقوله ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٩٩] ، فقوله اغفر لي إن شئت، هذا تعليق للدعاء بالمشيئة، والله لا مُسْتَكْرِهَ له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد في خلقه ﷻ .
- الوجه الثاني وهو وجه حسن أيضاً أنَّ قول الداعي: اللهم اغفر لي إن شئت هذا على جهة المخاطبة، اغفر لي إن شئت.
وأما إذا كان على جهة الغَيْبَةْ فإنه لا بأس به، فلو قال غَفَرَ الله له إن شاء الله، هذا أخف من التعليق بالمواجهة اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت.
لأنَّ المخاطبة تقتضي الذل والتقرب إلى الله ﷻ بما يحبه من نعوت جلاله وصفاته ومدحه سبحانه والثناء عليه.
والتعليق بالمشيئة فيه نوع استغناء، فلهذا قال في آخره «إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» وقال «إن الله لا مستكره له» .
وهذا الوجه الثاني قال به بعض أهل العلم ولكنه ليس في القوة كالأول فالأول ظاهر، والثاني قيل به وليس هو المختار.
س٢/ هل تعدد الجماعات مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؟
ج/ إذا كان يقصد بالجماعات الجماعات الإسلامية التي ظهرت في هذا الزّمن فليس ذلك مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؛ لأنَّ تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة هذا إذا كان مورده الاجتهاد فإنَّ كل واحد من القائلين بالمسألة الفقهية يؤجر على اجتهاده فيما اجتهد فيه؛ لأنَّ المسألة موردها الاجتهاد.
كذلك في المسائل التي ينزع فيها المجتهد إلى دليل هو مأجور كما قال النبي ﷺ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد (٣) » يعني أجر على اجتهاده، والثاني له أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق.
وأما الجماعات الإسلامية الموجودة الآن فهي تختلف في طريقتها وتختلف في أصولها وتختلف في مبادئها وأهدافها إلى آخر ذلك، والأصل الواجب على كل مسلم أن يلزمه هو لزوم جماعة المسلمين قبل أن يَحدث الافتراق، فإنَّ الافتراق الحادث في الأمة لا يجوز إقراره ومعالجته بإحداث جماعات جديدة، فالواجب على المسلمين جميعا لزوم الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.
стр. 348
والجماعة التي هي على الحق لم يتركها الله لم يُبَيِّنْهَا، ولم يتركها الرسول ﷺ لم يُبَيِّنْهَا؛ بل بَيَّنَهَا الله بقوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] ، المراد بالمؤمنين هنا الصحابة؛ لأنهم هم المقصودون بذلك في وقت تنزّل هذه الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني صحابة رسول الله ﷺ ، وبَيَّنَ ذلك الأمر نبينا ﷺ بقوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» ، وفي رواية أخرى قال «هم الغرباء» ، وفي رواية ثالثة قال «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» إلى غير لك، وهذا يدلّ على أن الجماعة موجودة في زمن الصحابة، وهي موجودة في زمن التابعين، وموجودة يحملها أئمة السلف وأئمة الإسلام امتثالاً لقول نبينا ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١) أو كما قال ﷺ .
فالواجب على كل مسلم يريد السلامة في دينه وأن يكون ممن وَعَدَهُ النبي ﷺ بأن يكون من الفرقة الواحدة التي لم تأخذ سبيل الثنتين والسبعين فرقة أن يلزم أمر الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وهذا من أعظم مقاصد الدّين العظيمة التي يمتثلها العبد بامتثال قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ، فالعبد المؤمن يلزم هذه الطريقة.
وكيف يلزمها؟
بتعلُّم هذه العقيدة المباركة فإنَّ دروس العقيدة والمحاضرات في التوحيد والعقيدة هي التي تنقلك إلى الالتزام بطريقة الجماعة الأولى قبل أن تفسد الجماعة.
ولهذا ففتّش أنت بنفسك وستجد أنَّ من خالف أمر الجماعة الأولى وأحدث شعارات جديدة وأهداف وآراء وكتباً غير كتب السلف في هذه المسائل، ستجد أنه خالف شيئاً من أمور الاعتقاد ولا بد، فإذاً خالف طريق الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.
وهذه مسألة مهمة فتعدد الجماعات ليس مثل تعدد الفقهاء؛ بل الواجب على جميع أمة الإسلام أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا امتثالاً لقول الله ﷻ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، يعني لا تتفرقوا في الأبدان ولا تتفرقوا أيضا في الدين بل التزموا بالقرآن الذي يدعو إلى الإجتماع على الحق. (٢)
: [[الشريط السادس والعشرون]] :
س٣/أشكلت علي مسألة وهي: أنَّ كل من انتسب إلى القبلة من أهل الأهواء والبدع وغيرهم ينتسبون إلى الإسلام، ومن قال إنَّ المجتمعات مجتمعات جاهلية، فكيف يكون الإيضاح على هذا الأمر؟
ج/ الأول ذكرناه وقَرَّرْنَاهُ لكم فيما سبق أنَّ من كان منتسباً إلى القبلة بالصلاة إليها من أهل التوحيد فهو من أهل القبلة، وإذا عَرَضَ له هوى أو بدعة فإنَّ البدع درجات والأهواء أيضاً درجات، فلا نُخْرِجُهُ من الإسلام لبِدْعَةٍ فيه، يعني لمجرد بدعة فيه أو بكل بدعة فيه، ولا نُخْرِجُهُ من الإسلام بمجرد الهوى الذي يكون في هذه الأمة؛ بل لابد أن يكون الهوى مُؤَثِّرَاً أو أن تكون البدعة مُغَلَّظَةً مُكَفِّرَةْ.
أما من قال مجتمعات المسلمين اليوم مجتمعات جاهلية، فهذا باطل؛ لأنَّ الجاهلية في النصوص هي اسم لفترة زمنية مضت، قال ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب:٣٣] الأولى وقال سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، وهذه الجاهلية تكون في العقيدة، في العبادة، تكون في الأحوال الاجتماعية وتكون في الأخلاق وتكون في الآداب.
فهي من جهة الزمان انقضت زمانها ببعثة محمد ﷺ .
أما من جهة المكان فإنَّ الجاهلية اسم يتبع صفة الجهل، والجهل يتنوع، والجهل العام ارتفع ببعثة محمد ﷺ ، لهذا قال ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» (٣) ووجود هذه الطائفة على الحق حتى قيام الساعة يمنع رجوع الجهل العام ورجوع الجاهلية العامة.
فإذاً الجاهلية العامة في الأمكنة ذهبت، وجاهلية الزمان ذهبت، بَقِيَ نوع آخر من الجاهلية وهو جاهلية الصِّفَات، فمن أَشْبَهَ أهل الجاهلية في صِفَةْ فهو مشارِك لهم في هذه الصفة، كما قال ﷺ لأبي ذر لما عَيَّرَ رجلا أسودا بأمه فقال له: يا ابن السوداء. قال له ﷺ «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٤) يعني فيك خصلة من خصال أهل الجاهلية، وخصال الجاهلية متنوعة كثيرة دل عليها القرآن والسنة يعني فيما خالف فيه رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.
وألّف في هذا إمام هذه الدعوة الكتاب المشهور مسائل أهل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.
فتلك المسائل منها ما هو مُكَفِّرْ كعبادة غير الله، منها ما هو في الاعتقادات، ومنها ما هو في المسائل العملية، ومنها ما هو في الاجتماعيات، ومنها ما هو في الأقوال إلى آخره.
فجاهلية الصفات هذه باقية، وقد صح عنه ﷺ أنه قال «لتسلكُنَّ مسلك الأمم من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع» قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟
قال «فمن الناس إلا أولئك» (٥) .
فارس والروم خصالهم من خصال الجاهلية؛ بل خصالهم خصال جاهلية في الاعتقاد وفي الأقوال وفي الأعمال، فدل على أنَّ خصال الجاهلية تكون في هذه الأمم.
فإذاً وَصْفُ الأرض بأنها صارت إلى جاهلية هذا باطل، ومناقض لحكم النبي ﷺ ؛ بل وحكم الله ﷻ في قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] ، فظهر دين محمد ﷺ على كل دين وظهرت مِلَّتُهُ على كل مِلَّة وظهر هَدْيُهُ على كل هدي.
والحمد لله على ذلك كما قال ﷻ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] ، فَرُفِعَ ذِكْرُ محمدٍ ﷺ فوق ذكر غيره، فصار هو المُقَدَّمَ ﷺ في الإتِّبَاعْ وفي الهَدْيْ في أكثر الأرض ولله الحمد.
كذلك جاهلية الزمان لا يوجد زمان يكون زمان جاهلية، لأنَّ زمن الجاهلية انتهى ببعثة محمد ﷺ .
فلا يقال مثلاً هذا القرن قَرْنٌ جاهلي، أهل هذا القرن في جاهلية ونحو ذلك؛ بل لا تزال في أمة محمد ﷺ صنوف الخير ولله الحمد على منته وتوفيقه.
[المسألة الأولى] :
دليل أهل السنة والجماعة على أنَّ من أصاب ذنباً من أهل القبلة فإنه لا يُكَفَّر دلَّ على ذلك جملة أدِلَّةْ من الكتاب والسنة:
١- منها قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] ، ومعلومٌ أَنَّ القاتل داخل في هذا الخطاب في النداء بالإيمان، وقال بعدها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] ، فَسَمَّاهُ أخاً له، فدلَّ على أنَّ حصول القَتْلِ على عِظَمِهِ لم يَنْفِ اسم الإيمان.
٢- كذلك قوله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠] ، فَسَمَّاهم مؤمنين وسَمَّاهُمْ إخوة أيضاً ووَصَفَهُمْ بالأخوة، فدل على أنَّ وقوع القتل منهم لم ينفِ اسم الإيمان، مع قوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣] ، فأثبت له جهنم وعيداً، وغَضِبَ الله عليه واللعنة، ومع ذلك لم ينف عنه اسم الإيمان.
فدلَّ على أنَّ وقوع الكبيرة من المسلم لا يسلب عنه الإيمان، ووقوع الذنب ليس مُبِيحاً لإخراج هذا المذنب من أصل الإسلام إلى الكفر.
٣- ويدل على ذلك أيضاً قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حينما أوتي برجل من الصحابة يقال له حمار شرب الخمر فجلده، ثم شربها ثانية فأُتِيَ به فجلده، ثم لما أتي به الثالثة قال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال نبينا ﷺ «لا تقولوا ذلك فإنه يحبّ الله ورسوله» (١) ، فدلّ على أنَّ وجود المحبة الواجبة لله ولرسوله ﷺ مع حصول الكبيرة مانِعٌ من لَعْنِهِ، وهذا يعني أنها مانع من تكفيره ومن إخراجه من الدين من باب الأولى.
٤- كذلك قال الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١] ، فناداهم باسم الإيمان مع حصول الذنب منهم وهو الإلقاء بالمودة إلى عدو الله وعدو رسوله ﷺ ، فدل على أنَّ إلقاء المودة لأمر الدنيا ليس مُخْرِجَاً من اسم الإيمان؛ بل يجتمع معه قال تعالى في آخر الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١] .
٥- في قصة حاطب بن أبي بلتعة في إسراره للكفار بخبر رسول الله ﷺ ما يدل على وقوع الذنب منه وعلى مغفرة الذنب له لأنه من أهل بدر، قال ﵊ في حقه «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٢) وفي الرواية الثانية «إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣) .
والأدلة على هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة كثيرة.
٦- ومما يدل عليه من جهة النظر: أنَّ الكبائر كالسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك شُرِعَتْ لها الحدود، والحدود مُطَهِّرَةْ، والمرْتَدُّ يُقْتَل على كل حال، ووجود الحدود هذه دليل ظاهر على أنَّهُ ارتكب فعلاً لم يُخْرِجْهُ من الملّة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال «من بدّل دينه فاقتلوه» (٤) ، وقال «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٥) يعني ممن يحلّ دمه، فدل على أن وقوع هذه الذنوب من العبد تُطَهَّرُ بهذه الحدود وليست كفراً؛ لأنها لو كانت كفراً لكان يُقْتَلُ ردةً لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه» .
٧- ويدلّ عليه أيضا أنَّ ولي الدم في القتل يعفو، له السلطان إن شاءَ عَفَا وإنْ شَاءَ أخذ، قال ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] ، قال ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وهذا يدلّ على أنَّ الحق هنا للمخلوق، وأما الرِّدَة فهي حق لله، يعني أمَّا الردة فجزاؤها حق لله ليس لولي المقتول.
стр. 351
فدلّت هذه الأدلة ودلَّ غيرها على بطلان قول الخوارج وعلى ظهور قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة في أنَّ صاحب الذنب من الكبائر العملية التي ذكرنا بعضاً منها أنَّهُ لا يَخْرُجُ من الإسلام بحصول الذنب منه؛ يعني بحصول ذنب منه، أو بحصول كل ذنبٍ، أو أي ذنبٍ منه؛ يعني ليس كل ذنبٍ مخرجاً له من ذلك؛ بل الكبائر العملية ليست كذلك -يعني مُخْرِجَةْ له من الإسلام- خلافاً لقول الخوارج والمعتزلة في التخليد في النار.
وأما الجملة الثانية وهي قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) فهذه أيضاً فيها مخالفة للمرجئة الذين يقولون: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمَانِ ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والأدلة دَلَّتْ على أنَّ الذنوب تؤثر في الإيمان، منها:
١- قال في ذكر القاتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
٢- وقال في الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] .
٣- وقال في المرابين ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] .
٤- وشَرَعَ الله الحد في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، وشَرَعَ الجلد في القذف وفي الزنا إلى آخر ذلك، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور أثَّرَتْ في الإيمان، هذه الكبائر أَثَّرَتْ في الإيمان.
٥- والأحاديث عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتَّاتٌ» (١) ، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِم» (٢) وهذا تأثير في الإيمان بسبب هذه الكبيرة.
стр. 352
[المسألة الثانية] :
هذه الجملة اشتملت على مُعْتَقَدٍ فيه النهي عن التكفير، وتكفير أهل القبلة بأيِّ ذَنْبٍ حرام، والخوض في مسائل التكفير بلا علمٍ أيضاً حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب؛ بل هو من كبائر الذنوب لأَوْجُهٍ:
١- الأول: أنَّ الإسلام والإيمان ثَبَتَ في حق الشخص -في حق المعين- بدليل شرعي، فَدَخَلْ في الإسلام بدليل، فإخراجه منه بغير حجة من الله أو من رسوله ﷺ هذا من القول على الله بلا علم ومن التعدي -من تعدي حدود الله-، ومن التقدم بين يدي الله وبين يدي رسوله ﷺ .
وهذا فيه التحذير من هذا الأمر الجلل وهو مخالفة ما ثبت بدليل إلى الهوى أو إلى غير دليل.
لهذا يقول العلماء: من ثَبَتَ إيمانه بدليل أو بيقين لم يزل عنه اسم الإيمان بمجرد شُبْهَةٍ عَرَضَتْ أو تَأْوِيْلٍ تَأَوَّلَه؛ بل بد من حُجَّةٍ بَيِّنَةْ لإخراجه من الإيمان، كما يقول ابن تيمية ولابد من إقامة حجة تقطع عنه المعذرة.
٢- الثاني: من الأوجه في خطر التكفير وما تَضَمَّنَتْهُ هذه الكلمة من مُعْتَقَدِ أهل السنة والجماعة: أنَّ التكفير خاض فيه الخوارج وهم أول الفئات التي خاضت في هذا الأمر، والصحابة رضوان الله عليهم أنكروا عليهم أبلغ الإنكار بل عَدُّوهُمْ رأس أهل الأهواء.
وأولُ مسألةٍ خاض فيها الخوارج وسَبَّبَتْ التَّوَسُّع في التكفير هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث احتجوا على عليٍ ﵁ -وكانوا من جيش علي- بأنَّهُ حَكَّمَ الرجال على كتاب الله، لمَّا حَصَلَتْ واقعة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص ﵄.
فقالوا: حَكَّمَ الرجال على كتاب الله فهو كافر، فَكَفَّرُوا عليا ﵁، استدلالاً بقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] .
فذهب إليهم ابن عباس يناظرهم حتى احْتَجَّ عليهم بقول الله ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] الآية، فرجع ثلث الجيش وبقي طائفة منهم على ضلالهم وظهرت فِرَقْ كثيرة من الخوارج.
فيَدُلُّكَ على قُبْحِ الخوض في هذه المسألة بلا علم أنَّها شعار أهل الأهواء؛ أعني الخوارج وهم أول فرقة خرجت في هذه الأمة وخالفت الجماعة، ولا شك أنَّ التزام نهج أتقى أهل الأرض بعد رسول الله ﷺ هو المُتَعَيِّنْ.
٣- الثالث: من أوجه بيان خطر التكفير والخوض فيه: أنَّ النبي ﷺ قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١) يعني إن كان كافراً فهو كما ادُّعِيَ عليه وإلا عادت إلى الآخر، وهذا وعيد شديد.
- وقد يكون التكفير مبعثه الهوى.
- وقد يكون مبعثه الجهل.
- وقد يكون مبعثه الغَيْرَةْ.
فهذه ثلاثة أسباب لمنشإ التكفير: قد يكون الهوى -يعني التكفير بلا علم-، وقد يكون منشؤه الجهل، وقد يكون منشؤه الغيرة.
أما الأول والثاني فواضح -يعني الهوى والجهل-وأمثلة أهل الأهواء فيه كثيرة.
وأما الثالث وهو أنَّ التكفير قد يَحْمِلُ المَرْءَ عليه الغَيْرَةْ على الدين قصة عمر ﵁ مع حاطب ابن أبي بلتعة حيث لمَّا حصل من حاطب ما حصل، قال عمر لنبينا ﷺ : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
والحكم عليه بالنفاق حكم عليه بإبطانه للكفر، والنبي ﷺ لم يؤاخذ عمر ﵁ بذلك لأنَّهُ من أهل بدر ولأنه قالها على جهة الغيرة وخطؤه مغفورٌ له؛ لأنه من أهل الجنة؛ يعني لِسَبْقِ كونه من أهل بدر.
فدلَّ هذا على أنَّ الغيرة ليست حجة شرعية في التوسع أو في ابتداء القول في هذه المسائل بلا علم أو في التكلم فيها.
الغيرة ليست عُذْراً، لهذا النبي ﷺ ما عَذَرَ عمر بالغيرة، وإنما عُذِرَ عمر ﵁:
١- لاشتباه المقام أولاً في حق حاطب.
٢- ثُمَّ لأنَّ النبي ﷺ ما بيَّنَ عذره -يعني ما بَيَّنَ الرجل للنبي ﷺ عذره-
فقال النبي ﷺ لما أَخَذَ عمر بتلابيب حاطب، قال «أرسله يا عمر -أو دعه يا عمر-، يا حاطب: ما حملك على هذا؟» فلما استفصل منه رَجَعَ الأمر إلى الوضوح فيه.
стр. 353
[المسألة الثالثة] :
افترقت هذه الأمة في هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير إلى ثلاث طوائف.
طائفتان ضَلَّتَا، وطائفة هي الوسط وهي التي على سبيل الجماعة، وهذه الطوائف الثلاث هي:
١- الطائفة الأولى:
من كَفَّرَ بكل ذنب، وجعل الكبيرة مُكَفِّرَةً وموجبةً للخلود في النار، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتقدِّمين ومن أهل العصر أيضاً ممن يَشْرَكُهُمْ في هذا الأصل والعياذ بالله.
٢- الطائفة الثانية:
من قالت: إنَّ المؤمن لا يمكن أن يخرج من الإيمان إلا بانتزاع التصديق القلبي منه وحصول التكذيب، وهؤلاء هم المرجئة وهم درجات وطوائف أيضاً.
وهذا مبني على أصلهم في أنَّ الإيمان هو تصديق القلب فلا ينتفي الإيمان عندهم إلا بزوال ذلك التَّصديق.
وهذا أيضا غلط؛ لأدلة ربما تأتي إن شاء الله تعالى.
٣- الطائفة الثالثة:
وهم الوسط الذين نهجوا ما دَلَّتْ عليه الأدلة، وأخذوا طريقة الأئمة التي اقتفوا فيها هدي الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، فقالوا:
إنَّ المِلِّيَّ والوَاحِدَ من أهل القبلة قد يخرج من الدين بتبديله في الدين ومفارقته للجماعة بقولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ أو شك.
وهذا هو الذي أورده الأئمة في باب حكم المرتد، وقالوا:
إنَّ هذا يدخل في تبديل الدّين الذي قال فيه ﷺ «من بدّل دينه فاقتلوه» ، ويدخل في قول الله ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] آية البقرة ونحو ذلك، فدل ذلك على أنَّ المؤمن المسلم قد يحصل منه رِدَّةْ.
وهذه الردة لها شروطها ولها موانعها بتفصيلٌ لهم في كتب الفقه في باب حكم المرتد.
فعند أهل السنة والجماعة:
-لا يُتَسَاهَلْ في أمر التكفير بل يُحذَّرْ منه ويُخوَّفْ منه.
-وأيضا لا يَمْنَعُونَ تكفير المُعَيَّنِ مُطْلقاً؛ بل من أَتَى بقول كفري يخرجه من الملة أو فِعْلٍ كفريٍ يُخْرِجُهُ من الملة أو اعتقاد كفري يُخْرِجُهُ من الملة أو شك وارتياب يُخْرِجُهُ من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يَحْكُمُ عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.
стр. 354
[المسألة الرابعة] :
دلّ القرآن والسنة على أنَّ الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم: المؤمنون، الكفار، المنافقون.
- والمؤمن المسلم هو من دَخَلَ في الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بلوازم ذلك.
- والكافر الأصلي قد يكون كِتَابِيَّاً وقد يكون مشركاً وثنياً، كأهل الكتاب مثل اليهود والنصارى، وقد يكون وثنيا مثل المجوس وعبدة الكواكب والأوثان ومشركي العرب وأشباه ذلك.
- والمنافق هو من يُبْطِنُ الكفر ويُظهر الإسلام، فيُحْكَمُ بإسلامه ظاهراً كما فعل النبي ﷺ مع المنافقين، حتى إنه باعتبار الحكم الظاهر ورَّثَهُمْ وَوَرِثَ الصحابة من آبائهم المنافقين، وهم في الباطن كفّار أشد من اليهود والنصارى لقوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
فمن حَصَلَ منه ذنب ووقع في ذنب من الذنوب فإنه لا يخلو:
- إما أن يكون من أهل الإيمان.
- وإما أن يكون من أهل الكفر.
- وإما أن يكون ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر.
فمن كان من أهل الإيمان: فإنه ليس كل ذنب يُخرِجُهُ من الإيمان، فَلَمَّا شَهِدَ شهادة الحق بيقين وظُهُور فإنه لا يُخرِجُهُ منها إلا يقين مماثل لذلك مع إقامة الحجة ودرء الشبهة.
وهذا التفصيل تنتفع به في مسائل تدل على هذا أو ذاك؛ يعني على أحد الأقسام.
стр. 355
[المسألة الخامسة] :
من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب وما خالفوا به الخوارج والمعتزلة والمرجئة في باب الإيمان والتكفير أَنَّهُم فَرَّقُوا بين التكفير المطلق وما بين التّكفير المُعَيَّنْ، أو ما بين تكفير المطلق من الناس دون تحديد وما بين تكفير المُعَيَّنْ.
فأهل السنة والجماعة أصْلُهُمْ أنهم يُكَفِّرُونَ من كَفَّرَهُ الله وكَفَّرَهُ رسوله ﷺ من الطوائف أو من الأفراد.
فيُكَفِّرُونَ اليهود ويُكَفِّرُونَ النّصارى ويُكَفِّرُونَ المجوس ويُكَفِّرُونَ أهل الأوثان من الكفار الأصليين؛ لأنَّ الله شهد بكفرهم.
فنقول: اليهود كفار، والنصارى كفار، وأهل الشرك كفار، يعني أهل الأوثان عباد الكواكب عباد النار عباد فلان إلى آخره هؤلاء كفار وهؤلاء كفار أصليون نزل القرآن بتكفيرهم.
كذلك نقولُ بإطلاقِ القول في تكفيرِ من حَكَمَ الله بكفره في القرآن، ممن أنْكَرَ شيئاً في القرآن فنقول:
من أنَكَرَ آيَةً من القرآن أو حَرْفَاً فإنه يَكْفُرْ.
نقول من اسْتَحَلَّ الربا المُجْمَعْ على تحريمه فإنه يكفر، من استحل الخمر فإنه يكفر.
من بدّل شرع الله فإنه يكفر.
من دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه يكفر وهكذا، فيطلقون القاعدة.
وأما إذا جاء التشخيص على معين فإنهم يعتبرون هذا من باب الحكم على المُعَيَّنْ فيُرْجِعُوَنُه إلى من يصلح للقضاء أو الفتيا.
فالأول وهو التكفير المطلق أو تكفير المطلق دون تحديد هذا مما يَلْزَمُ المؤمن أن يتعلّمه ليُسَلِّمَ لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويعتقد ما أمر الله به وما أخبر به.
فإنَّ تكفير من كَفَّرَهُ الله بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله .
وأمَّا المُعَيَّنْ فإنهم لا يُكَفِّرُونَه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.
وعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟
عند من يُحْسِنُ إثبات البيّنات ويُحْسِنُ إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يَصْلُحُ للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه.
* فإذاً من أصولهم التفريق ما بين الحُكْمِ على المُعَيَّنْ وما بين القول المطلق.
وهذا الأصل دَلَّتْ عليه أدلة من فعل أئمة السلف ومن أقوالهم، فإنَّ الإمام الشافعي مثلاً حَكَمَ على قول حفص الفرد لمَّا نَاقَشَهْ بأنه كُفْرْ ولم يحكم عليه بالردة.
وكذلك من حكموا على من قَالَ بخلق القرآن أو أنَّ الله لا يُرَى في الآخرة بأنه كافر لم يُطَبِّقُوهُ في حق المعين، لهذا الإمام أحمد لما حَكَى أو قال بتكفير من قال بخلق القرآن لم يُكَفِّرْ عيناً أمير المؤمنين في زمانه الذي دعا إلى ذلك؛ بل أمراء المؤمنين الثلاثة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق حتى جاء عهد المتوكل، فاستدل منه أئمة أهل الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية على أنّ إطلاق الكفر غير تعيين الكافر.
ووَجْهُ ذلك ما ذكرته لك من أنَّ التعيين يحتاج إلى أمور؛ لأنه إخراج من الدين والإخراج له شروطه وله موانعه.