← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[المسألة الرابعة] : نختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أنَّ هناك ألفاظاً تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القَدَرْ، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها. مثال ذلك - ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى -. مثال ذلك (مسألة الكَسْبْ) ، فإنَّ الكسب عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى. فَلَفْظٌ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه. كذلك (نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة) ، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة. فالقدرية يعنون بذلك معنى - يعني المعتزلة ومن نفوا القَدَرْ - والجبرية يصرفونه لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص. المقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بعامة؛ لأننا الأصل أنَّ الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة. فتنتبه إلى أَنَّ الألفاظ في باب القَدَرْ متشابهة لكن المعاني مختلفة. إذا قرأت كتاباً من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله ، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب "الكشّاف" للزمخشري إنه دسّ فيه مذهب المعتزلة في الصفات وفي القَدَرْ وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير. هذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إن شاء الله تعالى في مواضعها.

стр. 72

قال ﵀ بعد ذلك (وَضَرَبَ لهم آجَالاً)

стр. 73

قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه)

стр. 74

الأسئلة: فيه كثير من الاخوة سألني في المسائل التي كنا تكلمنا فيها الأسبوع الماضي كمسألة التسلسل؛ التسلسل الماضي والمستقبل وحلول الحوادث، وكلام الشارح أيضا في هذا الموضع، في هذا الموطن، والمسألة يعني شائكة لكن ما ذكرته لك هو الحد الأدنى في فهمها، فينبغي أن لا تكثر من الخوض فيها لأنها عسرة بعض الشيء. س١/ يقول: ما أفضل كتاب تكلم عن القدر وتعريفه ومراتبه وجميع ما يتصل به؟ ج/ أفضل كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ومن الكتب المعاصرة كتاب القدر للدكتور عبد الرحمن المحمود كتاب قرّب فيه المسألة لطالب العلم فهو كتاب نافع في هذا الباب جداً. س٢/ ألا نستفيد من قوله سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩-٣٨] , ألا نستفيد منه تغيير الأجل لقوله سبحانه (يَمْحُوا) ؟ ج/ لا، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يعني ما في صحف الملائكة أما الآجال فهي ثابتة. س٣/ (لا يرد القدر إلا الدعاء) (١) ؟. ج/ هذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح. س٤/ ذكرتم في الدرس السابق أنَّ الخلق في اللغة يشمل مراتب منها التقدير، فأرجو إيضاح هذه المرتبة بتفصيل أكثر؟ ج/ لعلك ترجع إليها لأنها تحتاج إلى تفصيل. س٥/ ذكرتم في الدرس السابق أن صفات الله متلازمة وله الكمال المطلق، معنى قولكم متلازمة؟ وهل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) ؟. ج/ أما كون الصفات متلازمة فنعم الصفات بعضها ملازم للآخر، أو الصفة تدل على الصفة الأخرى بالتلازم؛ يعني لا يُتَصَوَّرْ أن صفة الرحمة بلا صفة الحياة، ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة قهر بلا صفة القدرة ولا يُتَصَوَّرْ أن هناك صفة علم بلا صفة إرادة، ولا أن هناك صفة كلام بلا صفة إرادة وملك وقوة. إذاً فصفات الله متلازمة، لهذا أهل العلم لما تكلموا على الأسماء الحسنى قالوا إنَّ الاسم من أسماء الله الحسنى يدل على: مسماه ومعناه جميعا بالمطابقة. ويدل على أحدهما بالتضمن. ويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر باللزوم، كما هو معروف في موضعه. قال هل تجوز هذه العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) كنا ذكرنا لكم تفصيلات الكلام عليها، (على ما يشاء قدير) هذه عبارة الأشاعرة وأشباههم؛ لأنهم علَّقُوا القدرة، قدرة الله بما يشاؤه، وأما ما لم يشأه فعندهم أن الله ليس بقادر عليه، هذا كلام الأشاعرة. المعتزلة علقوا القدرة بما هو مقدور له، وما لم يكن مقدورا له فليس بقادر عليه، يعني عندهم أنَّ ثَمَّ أشياء ليست بمقدورة لله ، فليس بقادر عليها. مثل الظلم، أصل الظلم هو ليس قادر عليه، لم؟ لأنه ليس ظالما فليس بمقدور له أن يظلم . وعندنا الله قادر على كل شيء، ما يشاؤه وما لم يشأه، والظلم لم يشأه سبحانه بل حرَّمه على نفسه (إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا) (٢) . إذن فتعلُّقْ القدرة، هذه مسائل تعلق الصفات، يعني القدرة لها مُتَعَلَّقْ، العلم له متعلَّق -عند الطوائف جميعا- الكلام له متعلق، الرحمة لها متعلق، وهكذا فتعلق الصفات هذه تختلف فيها الفرق المختلفة، وهو معلوم في موضعه. المقصود أن قول القائل إن الله على ما يشاء قدير هذا من البدع التي لا تجوز، وقائلها ينبه على مخالفته بما جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . س٦/ هل أوضحتم ثمرة الخلاف المرتبة الناتجة عن الاختلاف لكون الموت صفة وجودية أو عدمية؟ ج/ المقصود الكلام على هل الموت صفة وجودية أو صفة عدمية؟ هذا متعلق بحياة الروح والعذاب والنعيم، هذا الخلاف بين أهل السنة وبين الفلاسفة الذين يقولون إن الموت عدم أو الموت حياة، يعني هل أن الموت حياة جديدة أو هو عدم حياة وزوالها؟ الفلاسفة لهم مذهب في هذا، في أن الموت هنا موت البدن، الروح هذه تذهب إلى مكان لها ثم تعود في جسد جديد تناسبه، فعندهم الموت عدم الحياة، انتهى. عندنا لا، الروح كل روح مستقلة، روح المكلف هذه باقية، خُلقت للبقاء، لا تنتقل من فلان إلى فلان كما هو قول الفلاسفة ومن شابههم، بعض من ينطق بهذه الكلمة يعني بأن الموت صفة عدمية قد لا يستحضر أو قد لا يقول بهذا المذهب، لكن هو من أنشأ هذا الكلام ويقول بهذا المذهب من أن الأرواح محدودة والأجساد متعددة فالأرواح تتنقل فيها. يعني مثلا عندهم نعيم الروح، كيف روح منعمة؟

стр. 75

يقول الروح تعذب بمصيرها في جسد حياته شقاء، يعني الآن فلان مثلا- أعوذ بالله ما نريد أن نقلق أسماعكم بهذا الباطل نعوذ بالله منه - لكن ما من مسأله نتكلم عنها إلا ولها ثمرات، يعني في العقيدة ما فيه خلاف لا ثمرة له، خذها كلية. س٧/ كيف عرف ميل الإمام الطحاوي إلى مذهب الأشاعرة في مسألة اتصاف الله بصفاته؟ ج/ لا، ليس في مسألة الصفات، مسألة التسلسل. س٨/ هل يصح أن يقال إن العلم بالله لا يكون إلا بالعلم النظري، لا الضروري؟ ج/ يعني يصح مع أحد الاعتبارات، لكنه قد يصل العكس إلى أن يكون علمه بالله ضروريا ما يحتاج معه إلى استدلال، صار واضحا عنده بحيث لا يحتاج منه إلى نظر، نَظَرَ واسْتَقَرَ الإيمان في قلبه واتضح له حتى صار عنده وجود الحق ضرورة لا يحتاج إلى استدلال، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] أصبح ضروريا؛ لأن الضروري هو ما لا يُحْتَاجُ له إلى استدلال، والنظري ما يحتاج في إثباته إلى نظر واستدلال. س٩/ ذكرت أن الروح لها صفة البقاء، فكيف نوفق بين هذا وبين المراد من المستثنى عند قوله تعالى (إلا من شاء الله) وهل معنى هذا أن أرواحهم غير ميتة؟ ج/ لا، ما لها علاقة (إلا من شاء الله) في الاستثناء يعني أرواح الشهداء أو أشبه ذلك، الأرواح لا يحلها الموت، تجتمع في الصور فيُنفخ فيه فتعود إلى الأجساد. س١٠/ هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟ ج/ الموت صفة إذا سَمَّيْتَ الصفات أعراض فلا بأس، الموت حياة جديدة؛ حالة فيها حياة جديدة، يعني سمي الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية سمي موتا، هو انتقال إلى حياة جديدة، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] وكذلك كل مؤمن حي عند ربه يرزق. هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟ في الآخرة يؤتى بالموت على صفة كبش فيكون قد قُلِبَ إلى عين. س١١/ هل لابد أن يكون لله مخلوقات ليوصف بالخلق أو أنه يوصف بالخلق ولو لم يخلق شيئا أبدا؟ ج/ هذا سؤال في غير مكانه لأنه خالق وله مخلوقات، ولم يزل خالقا يعني هذه صفة ملازمة له سبحانه. س١٢/ هل ابن حزم من أهل السنة والجماعة؟ ج/ لا، ابن حزم ليس سنيا بل له مذهب خاص، ابن عبد الهادي وغيره يعتبرونه من الجهمية، طائفة تعتبره من الفلاسفة يعني خليط، هو في العقيدة مخلّط لا يتبع مذهب من المذاهب عنده تجهم، وعنده أشعريات، وعنده فلسفة يعني مختلط. س١٣/ ما هو الرد على من استدل بحديث (إن أول شيء خلقه الله القلم) (١) على عدم التسلسل في الماضي بالنسبة للمخلوقات؟ ج/ الأخ سألني قبل الصلاة أظن عن ذلك، وقلت اترك المسألة إلى وقت آخر، وحديث (إن أول شيء خلق الله القلم) هذا لفظ، واللفظ الآخر المعروف (إن أول ما خلق الله القلم) (٢) أول هنا بمعنى حين، إنه حين خلق الله القلم قال له أكتب، لماذا فسرنا بهذا التفسير؟ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (٣) هذا التقدير هل هو راجع إلى العلم علم الله؟ الجواب: لا؛ لأن عِلْمَ الله ما يُعَلَّقْ بقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إذاً يتعلق بالكتابة، كتب الله مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة، هذا الحديث (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) وفي رواية (فقال له أكتب) هنا يعني خلق القلم فأمره بالكتابة؛ يعني التقدير، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فالمراد من الحديث أنَّ الله خلق القلم فأمره بكتابة المقادير فوْر خلقه له، هذا الذي نفهمه مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن التقدير هناك لابد أن يكون للكتابة، والأولية هنا إن كانت أولية مطلقة قبل المخلوقات يعني وُجد قلم وليس ثم مخلوق البتة، فقوله (فقال له أكتب) تقتضي الترتيب (خلق فقال) وهذا يعني أنه هناك زمن طويل ما بين خلقه وما بين ابتداء الكتابة، وهذا يشوش على الموضوع. إذن فهذا الحديث فُهِمَ منه منع التسلسل في الماضي كما هو معلوم، وأن أول المخلوقات القلم وهذا عند المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم الذين ضمّوا الأحاديث في هذا الباب وفهموها مع صفات الله وما دل عليها من الآيات وكلام السلف، فهموا أن القلم في هذا الحديث أوليته هنا بالنسبة إلى الكتابة، فحين خُلق القلم كتب، (إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب) أو (فقال له أكتب) يعني حين خلق القلم قيل له أكتب فجرى بما هو كائن على قيام الساعة، فالحديث ليس في أولية المخلوقات، الأولية بالنسبة لغيرها وإنما الأولية من جهة التقدير والكتابة.

стр. 76

ولهذا تنازع العلماء مع ورود هذا الحديث، تنازعوا في أول هذه المخلوقات من هذا العالم المعلوم في الكتاب والسنة. هل أول المخلوقات من هذا العالم المعلوم العرش أو القلم؟ والصواب أنّ العرش كان قبل لأنه في حديث عمرو بن العاص قال ﷺ (قَدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) صار عندنا خلق للقلم كتابة المقادير، وجود العرش على الماء، وهذا هو الذي عقده ابن القيم في النونية بقوله: والناس مختلفون في القلم الذي *** كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده *** قولان عند أبى العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنه *** عند الكتابة كان ذا أركان والمسألة فيها بحث أطول من هذا نرجئه إلى وقته إن شاء الله تعالى. وفقكم الله ونلتقي إن شاء الله على خير وتقوى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)

стр. 77

: [[الشريط السادس]] : وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى، وإنَّه خَاتمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين، وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى، وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.

стр. 78

[المسألة الأولى] : تعريف النبي والرسول. والنبي والرسول لفظان موجودان في لغة العرب، فتعريفهما في اللغة يؤخذ من موارده في اللغة. وهو أنَّ: النبي: مأخوذ من النَّبْوَة وهي الارتفاع وذلك لأنَّه بالإيحاء إليه وبالإخبار إليه أصبح مرتفعاً على غيره. والرسول: هو من حُمِّل رسالةً فبُعث بها. ولهذا نقول إنَّ كلمة نبي جاءت في القرآن في القراءات على وجهين؛ يعني على قراءتين متواترتين: الأولى (النبي) بالياء. والثانية (النبيء) ، (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ) . والفرق ما بين (النبي) و (النبيء) أنَّ النبيء هو من نُبِّئَ. وكلا الأمرين حاصل في النبي ﷺ وفي كل نبي، فهو مرتفع ولأجل ذلك فهو نبي، وهو مُنَبَأٌ ولأجل ذلك فهو نبيءٌ. ولهذا نقول إن كلمة (نبي) صارت من الرفعة لأجل (نبيء) لأجل أنه نبيء؛ يعني أنه نُبِّئَ فصار في نَبْوَةٍ وارتفاع عن غيره من الناس. أما في الاصطلاح -التعريف الاصطلاحي للنبي والرسول- فهذا مما اختلف فيه أهل العلم كثيراً، والمذاهب فيه متنوعة: ١ - المذهب الأول: قول من قال إنه لا فرق بين الرسول والنبي، فكل نبي رسول وكل رسول نبي. ٢ - المذهب الثاني: أنَّ النبي والرسول بينهما فرق، وهو أنَّ النبي أدنى مرتبةً من الرسول فكل رسول نبيٌ وليس كل نبيٍ رسولاً. ٣ - المذهب الثالث: أنَّ النبي أرفع من الرسول، وهو قول غلاة الصوفية وأنَّ الرسول دون النبي. & المذهب الأول: قال به طائفة قليلة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين، ومنهم من يُنْسَبُ إلى السنة. & والمذهب الثاني: وأنَّهُ ثَمَّةَ فرق بين النبي والرسول وأنَّ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، هذا قول جمهور أهل العلم وعامة أهل السنة، وذلك لأدلةٍ كثيرة استدلوا بها على هذا الأصل مبسوطة في مواضعها، ونختصر لكم بعضها: @ الدليل الأول: قوله في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] قال سبحانه هنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ : ١ - ووجه الاستدلال أنَّ الإرسال وهو فعل (أَرْسَلْنَا) وقع على الرسول وعلى النبي، فإذاً الرسول مرسل والنبي مرسل؛ لأنّ هذا وقع على الجميع. ٢ - وجه الاستدلال الثاني أنه عطف بالواو فقال (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) ، والعطف بالواو يقتضي المغايرة؛ مغايرة الذات أو مغايرة الصفات، وهنا المقصود منه أنَّ الصفة التي صار بها رسولاَ غير النعت الذي صار به نبياَ، وهو المقصود مع تحقق أنَّ الجميع وقع عليهم الإرسال. ٣ - والوجه الثالث من الاستدلال أنه عطف ذلك بـ (لَا) أيضا في قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ ، ومجيء (لَا) هنا في تأكيد النفي الأول؛ في أول الآية وهو قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا) ، فهي في تقدير تكرير الجملة مَنْفِيَّةً من أولها، كأنه قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. @ الدليل الثاني: أنَّ النبوة ثبتت لآدم ﵇، فآدم كما صح في الحديث (نبي مُكَلَّم) (١) وأن هناك أنبياء جاؤوا بعد آدم ﵇ كإدريس وشيث وكغيرهما. وإدريس ذكره الله في القرآن، والرسل أولهم نوح ﵇. وجعل الله أولي العزم من الرسل خمسة، وجعل أولهم نوحا ﵇. فهذا يدل على أنّ آدم ﵇ لم يحصل له وصف الرسالة، بل جاء في الحديث قوله ﷺ «آدم نبي مُكَلَّمْ» ، ووُصف نوح بأنه رسول، ووُصف إدريس بأنه نبي، فدل هذا على التفريق بين المقامين. @ الدليل الثالث: الذي أورده أصحاب هذا القول ما جاء في حديث أبي ذر من التفريق ما بين عدد الأنبياء وعدد المرسلين، فجُعِلَ عدد الأنبياء أكثر من مائة ألف؛ مائة وأربعة وعشرين ألف أو نحو ذلك، وجُعل عدد الرسل أكثر من الثلاثة مائة بقليل؛ بضعة عشرة وثلاثمائة رسول. والله قص علينا خبر بعض الرسل وحجب عنا قَصص البعض الآخر فقال ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] ، وهذا الحديث -حديث أبي ذر- حسّنه بعض أهل العلم وإن كان إسناده عند التحقيق فيه ضعف؛ لكن فيه جمل صحيحة وهو حديث طويل رواه ابن حبان غيره. وثَمَّ أدلة أخرى في هذا المقام، قد لا تكون دالة بوضوح على المراد. إذا تبين لكَ ذلك، وأنَّ الصحيح هو قول الجمهور وهو أن ثمة فرقاً بين النبي والرسول، فما تعريف النبي وما تعريف الرسول في الاصطلاح؟ قلنا إنَّ النبي يقع عليه الإرسال؛ ولكن لا يسمى رسولاً عند الإطلاق.

стр. 79

والرسول يقع عليه الإرسال وهو الذي يسمى رسولا عند الإطلاق. والله جعل ملائكة مرسلين، وإذا قلنا الرسول فلا ينصرف بالإطلاق على المُبَلِّغ للوحي جبريل ﵇. والله أرسل الريح وأرسل المطر وأرسل أشياء من العذاب، ولا يقع عند الإطلاق أنْ يقال هذه مرسلة أو هذه رسالة الله أو هذه الأشياء رسول من إطلاق المفرد وإرادة الجمع به. ولهذا نقول قد يقال عن هذه الأشياء كما جاء في القرآن، قد يقال عنها إنها مرسلة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] ، ولكن إذا أُطلق لفظ الرسول فلا ينصرف إلى من أُرْسِلَ من الملائكة وإنما ينصرف إلى من أرسل من البشر. وهذا يدل على أنَّ الفرق قائم ما بين النبي وما بين الرسول، وأنّ النبي إرساله خاص وأنَّ الرسول إرساله مطلق. فلهذا نقول دلّت آية سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ على أنّ كلا من النبي والرسول يقع عليه إرسال. فما الفرق بينهما من جهة التعريف؟ الجواب: أنَّ العلماء اختلفوا على أقوال كثيرة في تعريف هذا وهذا، ولكن الاختصار في ذلك مطلوب: وهو أنَّ تعريف النبي–وهي مسألة اجتهادية-: النبي هو من أَوْحَى الله إليه بشرعٍ لنفسه أو أَمرَه بالتبليغ إلى قوم موافقين؛ يعني موافقين له في التوحيد. والرسول: هو من أَوْحى الله إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم مخالفين. وتلحظ أنَّ هذا التعريف للنبي وللرسول أَنه لا مَدْخَلَ لإيتاء الكتاب في وصف النبوة والرسالة، فقد يُعطى النبي كتاباً وقد يعطى الرسول كتاباً، وقد يكون الرسول ليس له كتاب وإنما له صحف ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] ، وقد يكون له كتاب. فإذاً من جَعَلَ الفيصل أو الفرق بين النبي والرسول هو إيتاء الكتاب، وحي جاءه بكتاب مُنَزَّلْ من عند الله ، فهذا ليس بجيد، بل يقال كما ذكرت لك في التعريف أنَّ المدار على: -النبي مُوحَى إليه، والرسول موحى إليه. -النبي يوحى إليه بشرع أو بفصلٍ في قضية؛ شرع يشمل أشياء كثيرة، -وكذلك الرسول يوحى إليه بشرع. -النبي يُوحى إليه لإبلاغه إلى قوم موافقين أو ليعمل به في خاصة نفسه كما جاء في الحديث (ويأتي النبي وليس معه أحد) (١) ، الرسول يُبعث إلى قوم مخالفين له. ولهذا جاء في الحديث أن (العلماء ورثة الأنبياء) (٢) ولم يجعلهم ورثة الرسل، وإنما قال (وإن العلماء ورثة الأنبياء) ، وذلك لأنّ العالم في قومه يقوم مقام النبي في إيضاح الشريعة التي معه، فيكون إذاً في إيضاح شريعته، في إيضاح الشريعة يكون ثَمَّ شَبَه ما بين العالم والنبي، ولكن النبي يُوحى إليه فتكون أحكامه صواباً؛ لأنها من عند الله ، والعالم يوضِحُ الشريعة ويعرض لحُكْمِهِ الغلط. يتعلق بهذه المسألة بحث أنَّ الرسول قد يكون متابعاً لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، كما أنَّ النبي يكون متابعاً لشريعة مَنْ قَبْلَهْ. فإذاً الفرق ما بين النبي والرسول في إتباع الشريعة -شريعة مَنْ قَبْلْ- أَنَّ النبي يكون متابعا لشريعة مَنْ قَبْلَهْ، والرسول قد يكون متابعاً -كيوسف ﵇ جاء قومه بما بعث به إبراهيم ﵇ ويعقوب-، وقد يكون يُبْعَثُ بشريعة جديدة. وهذا الكلام؛ هذه الاحترازات لأجل أنَّ ثمة طائفة من أهل العلم جعلت كل مُحْتَرَزٍ من هذه الأشياء فرقا ما بين النبي والرسول. فإذاً كما ذكرت لكم: - الكتاب قد يُعطاهُ النبي وقد يُعطاهُ الرسول. - بَعْثُهُ لقوم موافقين أو مخالفين هذا مدار فرق ما بين النبي والرسول. - الرسول قد يبعث بشريعة مَنْ قَبْلَهْ بالتوحيد بالديانة التي جاء بها الرسول لمن قبله، لكن يُرْسل إلى قوم مخالفين، وإذا كانوا مخالفين فلا بد أن يكون منهم مَنْ يُصَدِّقُهُ ويكون منهم من يُكَذِّبُه؛ لأنه ما من رسول إلا وقد كُذِّب، كما جاء في ذلك الآيات الكثيرة.

стр. 80

[المسألة الثانية] : نبوة الأنبياء هل هي واجبة أو ممكنة؟ الصواب أنَّ نبوة الأنبياء وإرسال الرسل مما جعله الله على نفسه، كما قال سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] . وقد اختلف الناس في ذلك: $ فقالت طائفة إرسال الرسل جائز. $ وقالت طائفة إرسال الرسل واجب على الله . $ وقالت طائفة إرسال الرسل ونبوة الأنبياء لا يقال فيها جائزة ولا واجبة بل هي تبع للمصلحة. $ وكما ذكرنا أنّ قول أهل السنة في ذلك: أنَّ إرسال الرسل جعله الله حجة على الناس كما في الآية، ولا يُطلق القول بوجوبها ولا بإمكانها أو جوازها أو ردِّ ذلك، بل يُتَّبع في ذلك النص الوارد لأنّ أفعال الله والإيجاب عليه والتحريم إنما يكون من عنده .

стр. 81

[المسألة الثالثة] : نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟ والجواب عن ذلك: أنَّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر. ونُقَدِّمُ قول غير أهل السنة، ونُبَيِّنْ لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة. وهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مُفَصَّلَة. فنقول: إنَّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب: ١ - المذهب الأول: أنَّ الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجعة إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره. وهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله ﷻ . ٢ - المذهب الثاني: قول من يقول إنَّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات. وهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أنَّ النبي يجري على يديه خوارق العادات. فمنهم من التزم -وهم المعتزلة وابن حزم- في أنَّه ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذاً لا يُثْبَتُ خارقٌ لغير نبي. فأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله. وأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء. ٣ - المذهب الثالث: هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره أئمتهم وهو أنَّ النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصرُ القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أو تجري على يدي النبي والولي. فمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة: - أولاً: الآيات والبراهين. - ثانياً: ما يجري من أحوال النبي في خَبَرِهِ وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالاًّ على صدقه بالقطع. - ثالثاً: أنَّ الله ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا. وهذه ثلاثة أصول. @ أما الأول: فمعناه أنَّ من قَرَّرَ نبوة الأنبياء عن طريق المعجزات، فإننا نوافقهم على ذلك؛ لكنَّ أهل السنة لا يجعلونه دليلاً واحداً، لا يجعلونه دليلاً فرداً؛ بل يجعلونه من ضمن الدلائل على النبوة. وهذا الدليل وهو دليل المُعْجِزَات -كما يُسَمَّى- يُعَبِّرْ عنه أهل السنة بقولهم الآيات والبراهين، وذلك لأنَّ لفظ (المُعْجِزْ) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لفظ (المُعْجِزَةْ) وإنما جاء في النصوص الآية والبرهان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢] ، وقال ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢] ، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] ، ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أنَّ ما يؤتاه الأنبياء والرسل إنما هو آيات وبراهين. وبعض أهل العلم جعل لفظ المُعْجِزْ نتيجة في أنَّ آية النبي وبرهان النبوة مُعْجِزْ، لكن لفظ الإعجاز فيه إجمال. وذلك لأنه مُعْجِزٌ لمن؟ فيه إجمال وفيه إبهام. فإعجاز ما يحصل لمن هو معجز؟ فإذا قلنا مُعْجِزْ لبني جنسه فهذا حال، مُعْجِزْ لبني آدم فهذا حال، معجز للجن والإنس فهذا حال، معجز لكافة الورى فهذا حال. ولهذا جعل المعتزلة والأشاعرة في الخلاف ما بينهم في المعجزات جاءت من هذه الجهة: أَنَّ لفظ معجز اختلفوا فيه، معجز لمن؟ كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله. ولهذا نعدل عن لفظ الإعجاز إلى لفظ الآية والبرهان. ونقول الآية والبرهان التي يؤتاها الرسول والنبي للدِّلالة على صدقه تكون معجزة للجن والإنس جميعاً. فما آتاه الله محمدا ﷺ يكون مُعْجِزَاً للجن والإنس جميعا، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] . أما إعجاز بعض الإنس دون بعض، أو الإنس دون الجن، فهذا هو الذي يدخل في الخوارق ويدخل في أنواع ما يحصل على أيدي السحرة والكهنة وما أشبه ذلك. أما الفرق ما بين الآية والبرهان الدال على صدق النبي مع ما يؤتاه أهل الخوارق، أنَّه هل هو معجز عامة الجن والإنس أم لا؟ فإن كان معجز لعامة الجن والإنس فهو دليل الرسالة والنبوة.

стр. 82

هذه الآيات والبراهين التي آتاها الله محمدا ﷺ أنواع: + النوع الأول منها القرآن وهو حجة الله وآيته العظيمة على هذه الأمة، فتَحَدَّى الله به الجن والإنس، ولم يستطيعوا ذلك مع أنهم متميزون في الفصاحة والبلاغة وأشباه ذلك. فإذاً الآية والدليل الأول هو القرآن العظيم وهو الحجة الباقية. + النوع الثاني آيات وبراهين سمعية؛ يعني تكون دالة من جهة ما يُسمع، ومن ذلك: تسبيح الحصى، تسبيح الطعام على عهده ﷺ كما روى البخاري في الصحيح أن ابن مسعود قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل مع رسول الله ﷺ . (١) + النوع الثالث آيات وبراهين راجعة إلى البصر وهو ما يُبْصَرُ من أشياء لا تحصل لغيره؛ بل هي آية وبرهان على عجز الثقلين عن ذلك، مثل نبع الماء ما بين أصابعه، ومثل حركة الجمادات وأشباه ذلك. + النوع الرابع أدلة وبراهين فيها نُطْقُ ما لم يَنْطِقْ وهذه تشمل الأول المسموعة، وتحرك ما لم يتحرك بالعادة ويشمل حركة الجمادات، وشعور من لا يُعرف بشعورِهِ وهذه إنما يُخْبِرُ عنها نبي وتحصل للرسل والأنبياء، مثل (حنين الجذع) (٢) وتسليم الحجر وأشباه ذلك هذا نوع وهو الآيات والبراهين (٣) @ أما الثاني هو أنَّ الرسول يأتي بخبر وأمر ونهي وللرسول قول وفعل، فهذه خمسة أشياء. وهذا النوع من الدلائل أهم من الدلائل التي ذَكَرْتُ لك فيما قبل عدا القرآن فهو أعظم الأدلة؛ وذلك أنَّ محمدا ﷺ جاء بأخبار -هذه تَصْدُقْ على جميع النبوات والرسالات-: - جاء بخبر عن الله ، وهذا الخبر: منه ما يتعلق بالماضي، ومنه ما يتعلق بالحاضر، ومنه ما يتعلق بالمستقبل. - وجاء بأمر ونهي، وهذا الأمر والنهي هو ما يدخل في الشريعة، والأوامر متنوعة والنواهي متنوعة. - وجاء بأقوال هو قالها في التبليغ وأفعال له. وكل هذه بمجموعها تدل للناظر على أنَّ من قال وأخْبَرَ عن الله وفَعَلَ وأَمَرَ ونَهَى فإنه صادق فيما قال؛ لأنّ كلَّ مدَّعٍ للخبر والأمر والنهي وله أقوال وله أفعال وليس على مرتبة النبوة فلابد أن يظهر لكل أحد أن يظهر كذبه فيما ادعاه وتناقضه في أقواله وأفعاله وضَعْفُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وعدم إِصْلَاحِهِ وأشباه ذلك. ولهذا محمد ﷺ جعل الله له الكمال فيما أخبر به، وفيما أمر به، وفيما نهى، وفي أقواله وأفعاله، فَجَعَل إتِّباعه في الأقوال والأفعال إتِّباعاً مأمورا به ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وجعل ما يخبر به الرسول ﷺ كخبر الله ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ونحو ذلك. فاستقام أمره ﷺ في هذه الأمور الخمسة، ولم يُعْرَف أنَّ أحداً طعن في شيء من هذه الأشياء واستقام على طعنه ولم يستسلم؛ بل كُلُ من طعن في واحد من هذه الأشياء فإنه آل به أمره إلى الاستسلام، أو أن يكون طعنه مكابرة دون برهان. لهذا نقول إن هذا الدليل من أعظم الأدلة التي تُفَرِّقُ ما بين الرسول والنبي الصادق وما بين مُدّعي النبوة، فإنّ الرسول له أحوال كثيرة يُسْمَعْ في أقواله، يُرَى في أفعاله، أوامره ونواهيه جاءت بماذا؟ أخباره جاءت بماذا؟ ونبينا محمد ﷺ أخْبَرَ عن أشياء حدثت في الماضي لم يكن العرب يعرفونها، وجاء تصديقها من أهل الكتاب وما كان يقرأ ﷺ كتب أهل الكتاب، وجاء بأخبار عما سيحصل مستقبلاً، وجاء بأخبار عما سيحصل بين يدي الساعة وحصلت بعده ﷺ شيئاً فشيئاً، منها ما حصل بعد موته سريعا، ومنها ما يحصل شيئا فشيئا، ومنها ما سيحصل بين يدي الساعة، وكل هذه الأخبار في تصديقها دالة على أنه لا يمكن أن يُعْطَاهَا إلا نبي. كذلك ما أمر به ﷺ وما نهى عنه فهو موافق للحكمة البالغة التي يعرفها أهل الدين ويعرفها أهل العقل الراجح، حتى إنَّ الحكماء شهدوا في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر بأن شريعة محمد ﷺ هي شريعة ليس فيها خلل لا من جهة الفرد في عمله ولا من جهة التنظير في المجتمع بعامة. وكذلك ما في أفعاله ﷺ فكان ﷺ له المقام الأكمل في التخلص من الدنيا والبعد عن الرَّفْعَة - يعني والترفع على الناس - بل كان ﷺ أكمل الناس في هديه وفي تواضعه وفي قوله وفي عمله ﷺ ، وكان أكمل الناس في عبادته، وكلُّ دعوى لمن ادَّعَى النبوة فلا بد أن يظهر فيها خلل في هذه الأشياء.

стр. 83

أيضا هو ﷺ تحدّى الناس في قوله فيما أتى به، وأخذ يدعو كما يظهر لك من قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤالات هرقل لأبي سفيان، وأخذ يدعو غير ملتفت لخلاف من خالف، والناس يزيدون وأعداؤه ينقصون، وهذا مع تطاول الزمن ونصره الله له، فإنَّ هذا دليل على صدقه فيما أخبر وفي أمره ونهيه وقوله وفعله ﷺ . @ أما الثالث -كما ذكرنا- هذه جنس أجناس الأدلة أنَّ الله هو صاحب الملكوت وهو ذو الملك والجبروت، وهو الذي يَنْفُذُ أمره في بريته، فمحال أن يأتي أحد ويَدَّعِي أنه مرسل من عند الله، ويصف الله بما يصفه به، ويذكر الخبر عن الله وأسمائه ونعوته، ثم هو في مُلْكِ الله يستمر به الأمر إلى أن يُشَرِّع ويأمر وينهى وينتشر أمره ويغلب من عاداه ويسود في الناس ويُرفع ذكره دون أن يعاقب، ولهذا قال في بيان هذا البرهان ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] ، لو كانت الدَّعْوَةُ في ملك الله وهذا يَدَّعِي أنه مُرْسَلٌ ونبي ويأتي بأشياء يقول هي من عند الله، فإنّ مالك الملك لا يتركه وحاله بل ربما جعل ذلك ابتلاءً وامتحانا للناس، ولكن لا يُنْصَرْ وتكون شريعته هي الباقية ويكون ذكره هو الذي يبقى، ويكون خبره عن الله وعن أسمائه وصفاته ودينه وشرعه وعن الأمم السالفة وعما يحصل هو الذي يبقى في الناس، فإنَّ هذا مخالف لقول الله (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) والمشركون لما كذّبوا النبي ﷺ قالوا ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠] ، لأنّ السُّنَّةَ ماضية عند العقلاء أن الذي يَدَّعِي عن الله فإنما يُتَرَبَصُ به الهلاك والإفناء. ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ فجاء البرهان ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١] ، لأنّ هذا برهان صحيح، فتربصوا فإنِّي معكم من المتربصين ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ وقد صدقتم في هذا البرهان لأنه لو كان كما تقولون كاذب فإنه يُتَرَبَصُ به ريب المنون وأن يُهْلِكَهُ الله وأن يجعله مخليا وأن يجعله عبرة لمن اعتبر. فالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والمرسلين جعلهم الله حملةً لرسالته وشَرَّفَهُم ورَفَعَ ذِكْرَهُمْ ونَصَرَهُم بين الناس، ولهذا تجد أنَّ الرسالات هي الباقية في الناس، رسالة موسى ﵇ ورسالة إبراهيم ورسالة عيسى ﵇ ورسالة محمد ﷺ ، وكل واحدة منها دخلها من التحريف ما دخلها، فأتباع إبراهيم حرَّفُوا في دينهم حتى أصبحوا على غير ملة إبراهيم، وأتباع موسى من اليهود الآن على غير دين موسى، وأتباع عيسى ﵇ الآن على غير دين عيسى، وأتباع محمد ﷺ هم الذين حفظهم الله وجعل منهم طائفة ظاهرين بالحق يقومون به إلى قيام الساعة. هذا ما يتعلق بالمسألة الثالثة.

стр. 84

[المسألة الرابعة] : أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر يجوز في حقهم ما يجوز في حق البشر مما هو من الِجِبِلَّةْ والطبيعة، ولهذا في القرآن يكثر وصفهم بأنهم بشر وأنّ محمدا ﷺ بشر لكن يُوحَى إليه. وأما من جهة الذنوب والآثام أو نجعل البحث هذا يعني رأس المسألة منقسم إلى ثلاثة أقسام: - القسم الأول من حيث الأمراض والعاهات: فعند أهل السنة والجماعة أنَّ الرسل والأنبياء يُبتَلَونَ ويمرضون مرضاً شديداً، وعند الأشاعرة أنهم يمرضون ولكن بمرض خفيف ولا يمرضون بمرض شديد. هذا غلط بَيِّنْ فإنّ ابن مسعود دخل على النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إني أراك تُوعَكَ - يعني فيك حمى شديدة - قال (أجل إني أُوعَكَ كما يوعك رجلان منكم) قال ابن مسعود: ذلك بأن لك أجرين؟ قال (نعم) (١) إلى آخر الحديث، والأنبياء يُضَاعَفُ عليهم أو يشتدّ عليه البلاء بأنواع. فإذاً من جهة الأمراض والأسقام التي لا تؤثر على التبليغ وصحة الرسالة فإنهم ربما أُبْتلُوا في أجسامهم وأبدانهم بأمراض متنوعة شديدة. -القسم الثاني، من جهة الذنوب: الذنوب أقسام: فمنها الكفر وجائز في حق الأنبياء والرسل أنْ يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة. والثاني من جهة الذنوب، فالذنوب قسمان كبائر وصغائر: - والكبائر جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة؛ فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تَقَحَّمَها عليهم الصلاة والسلام بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع. - أما الصغائر فَمَنَعَ الأكثرون فِعْلَ الصغائر من الأنبياء والرسل، والصواب أَنَّ الصغائر على قسمين: أ - صغائر مؤثرة في الصدق؛ في صدق الحديث وفي تبليغ الرسالة وفي الأمانة، فهذه لا يجوز أن تكون في الأنبياء، والأنبياء منزهون عنها؛ لأجل أنها قادحة أو مؤثرة في مقام الرسالة. ب - والثاني من الأقسام صغائر مما يكون من طبائع البشر في العمل أو في النظر أو في ما أشبه ذلك، أو من جهة النقص في تحقيق أعلا المقامات وأشباه ذلك، فهذه جائزة، ولا نقول واقعة؛ بل نقول جائزة، والله أنزل على نبيه ﷺ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] الآية، فالنبي ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

стр. 85

[المسألة الخامسة] : هي أنّ الرسول والنبي فيهم شروط أو أوصاف عامة جاءت في القرآن والسنة: أولا أَنَّ الرسول يكون ذكراً وكذلك الأنبياء ذكوراً، فليس في النساء رسولة ولا نبية، وإنما هم ذكور. الثاني أنهم من أهل القرى يعني ممن يسكنون القرى ويتَقَرَّون ويجتمعون، وليسوا من أهل البادية يعني ممن يبدون كما جاء في آية يوسف. الثالث أنَّ الرسول لابد أن يُكَذَّب، فلم يأتِ رسول إلا وكُذِّب كما قال ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠] . مباحث النبوة والرسالة كثيرة متنوعة، وهذه يعني بعض المسائل المتعلقة بها، وقد لا تجد ذلك مجموعاً في موضع واحد. ولاشك أَنَّ هذا البحث، خاصة دلائل النبوة بحث مهم، واعتنى به أئمة السنة والسلف، وصنف فيه عدد من العلماء في دلائل النبوة وفي آيات وبراهين النبي محمد ﷺ . نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وإنَّه خَاتَمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ) إن شاء الله.

стр. 86

الأسئلة: س١/ يقول ذكرتم أنَّ العطف بالواو يقتضي المغايرة فهل فَصَّلتم أكثر وكيف تكون المغايرة في قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١] ؟ ج/ أنا ذكرتُ لك أنَّ المغايرة نوعان: مغايرة في الذات، ومغايرة في الصفات. مغايرة في الذّات: تقول هذا قلم وكتاب، هذان قلم وكتاب، خُذ القلم والكتاب، معلوم أنَّ القلم شيء في ذاته والكتاب شيء في ذاته، دخل محمد وخالد، هذا شيء وهذا شيء، فالعطف بالواو يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه في هذه الأمثلة؛ مغايرة ذات، هذه ذات وتلك ذات، هذا له حقيقة وهذا له حقيقة، هذا له ماهية وهذا له ماهية. النوع الثاني من المغايرة مغايرة في الصفات: أن يكون المعطوف والمعطوف عليه في الدلالة على مسمى واحد، ولكن يكون ثمة فرق ما بين الصفات، كما ذكر في المثال قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:١] ، الكتاب المبين هو القرآن، لكن العطف في اختلاف الصفات، فالقرآن سمي قرآنا لأنه صار مقروءا، وسمي كتابا مبينا لأنه يُكتب فيستبين به كل شيء كما قال ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] . فإذاً حقيقة المصحف في كونه قرآنا غير حقيقة المصحف في كونه كتاباً، فهذا وصف له وهذا وصف له كما ذكرنا في الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢] ، فالنبي والرسول قد يجتمعان في شخص واحد فيكون الرسول والنبي العطف لتغاير الصفات، يكون مقام النبوة غير مقام الرسالة كما نقول في نبينا ﷺ نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، وقد يكون هنا الرسول والنبي في الفرق ما بين الذاوت، الرسول واحد أحد المرسلين والنبي المقصود به نبي آخر، وهكذا في نظائرها. مثل هذه المباحث ترجعون فيها إلى كتب اللغة ومن أمْثَلِها في الحروف كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام وأمثل الكتب في حروف المعاني. الكتب التي في دلائل النبوة منها كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم وقد طبع مختصرا في مجلدين معروف، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة للبغوي، وفي كتب الحديث أبواب أو كتب تتعلق بدلائل النبوة. س٢/ ما معنى قول بعض السلف النبوة العلم والعمل، وهل هذا صحيح أم لا؟ ج/ الجواب أنّ هذا القول ليس بقول لبعض السلف بل قاله ابن حبان صاحب الصحيح وغُلِّطَ في ذلك وهُجِرَ بسبب هذه الكلمة؛ فإنه سُئِلَ عن النبوة فقال النبوة العلم والعمل. وهذا كقول الفلاسفة؛ لأنَّ الفلاسفة عندهم أنَّ النبوة ليست اصطفاء واجتباءً واختيارا إنما هي كسبية يكتسبها الحكيم، هذا لما سئل ابن حبان ﵀ وقيل له ما النبوة؟ فقال: العلم والعمل اتُّهِمَ بالفلسفة وكان ﵀ ربما طالع بعض كتبها ولذلك صَنَّفَ كتابه في الصحيح على التقاسيم والأنواع، قالوا إنه تأثر بما في المنطق من الترتيبات ونحو ذلك، التقاسيم والأنواع كتاب ابن حبان معروف انه غير موجود ولكنه رتبه الفارسي ابن بلبان، وهو المطبوع رتّبه على الأبواب، ولكن نفس كتاب ابن حبان ليس على هذه البابة، لكن الواقع أن ابن حبان سليم مما رمي به ﵀ فإنَّ تصنيفه للكتاب ليس مأخذه مأخذاً فلسفياً، ولكنه رأى طلاب العلم يعتمدون على ما في الكتب وتركوا الحفظ فصنف لهم كتابا جمع فيه صحيح السنة -بحسب رأيه، بحسب اجتهاده في التصحيح- وجعله غير مُبَوَّبٍ على الأبواب المعهودة حتى يُحْفَظْ رغبة في الحفظ وتوجيه الناس إلى الحفظ وإلزام الطلبة بالحفظ، ومعلوم أن حسن الظن بأهل العلم هذا أولى من إساءة الظن بهم. وأما قوله النبوة العلم والعمل يعني أنّ النبوة فيها كمال العلم وكمال العمل، وهذا كما هو معروف في ذكر الشيء بأعظم صفاته كما سئل النبي ﷺ عن الحج فقال (الحج عرفة) (١) يعني مع بقية الأركان والشروط، فلا يَنْفِي أن النبوة وحي من الله وأنها اصطفاء وأنّ النبي هو من أوحي إليه ونحو ذلك، لا ينفي ذلك وإنما ذكر الصفة التي يبلغها النبي؛ كمال العلم وكمال العمل، وهذه ليست إلا في الأنبياء، ﵀، لكن ليس بقولٍ هذا للسلف فلينتبه لذلك. س٣/ أشكل عليَّ قولك: النبي قد يكون على غير التوحيد قبل الرسالة؟ ج/ نعم النبي قد يكون على غير ذلك، فيصطفيه الله وينبهه؛ يعني ما فيه مشكل في ذلك، قد يكون غافلا. س٤/ لم تذكروا ما إذا كان هناك رسول من الجن أولا؟

стр. 87

ج/ الصواب إن الجن ليس فيهم رسول وإنما الجن تبع للإنس في الرسالة، كما قال ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩] ، صرفهم الله جل علا إلى محمد حتى يسمعوا الرسالة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ فالصارف هو الله والمصروفون هم الجن لسماع الرسالة، قال ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍا﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٠] الآية، فدلّ على أنهم متبعون لموسى قبل ذلك، متبعون للأنبياء، فلما جاءت رسالة محمد ﷺ خوطبوا بذلك، فهذا هو الصحيح في الآية، وأما قوله ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠] ، المقصود التغليب لأنَّ الجنسين جنس واحد في التكليف. س٥/ أرجو بيان بعض الكتب التي بحثت هذا الموضوع؟ ج/ إنَّ هذا الموضوع تَفَرَّقَ في بيان الآيات في تفسير الآيات التي فيها ذكر النبوة والرسالة والآيات والبراهين، وشيخ الإسلام ابن تيمية كتب كتابة عظيمة في هذا الباب خاصة في المعجزات والآيات والبراهين والفرق بين النبوة والرسالة في كتابه النبوات، لكنه طويل يحتاج إلى اختصار من طالب علم يقربه لطلاب العلم. س٦/ ما رأيكم في عبارة أشرف الأنبياء؟ ج/ هذه العبارة ما جاءت في الأحاديث، والشرف متنوع، الشرف نوعان: - شرف كسبي. - وشرف نَسَبي. وهذا من حيث تقسيم الشرف؛ يعني في تعريفه. الشرف النَّسَبي: هذا النبي ﷺ قال (إنّ الله اصطفى من قريش كنانة) (١) إلى أن قال (فأنا خيار من خيار من خيار) . الشرف الكسبي أو شرف النبوة: هو الكمال، كمال العبودية، كمال الصفات. ونبينا محمد ﷺ فيه كمال الصفات؛ الصفات الكاملة التي صار بها أكمل من غيره -وإن كنا لا نقول إنه أفضل من غيره في جهة الموازنات- لكن هو اجتمعت فيه صفات الكمال، ولهذا الناس يأتون يوم القيامة إلى كل أولي العزم من الرسل فيمتنعون من إجابتهم -في حديث الشفاعة المعروف- ويأتون إلى محمد ﷺ فيقول أنا لها، فقد كَمَّلَهُ الله بصفات لم يجعلها في غيره ﷺ . فإذاً الشرف هنا شرف الصفات، ولهذا يقول أهل العلم وأشرف الأنبياء والمرسلين. وحدثني الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد ﵀ وكان من مشايخنا العباد الزهاد ﵀ ورفع درجته في الجنة، أنه كان يقرأ على شيخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وكان يقول هذه الكلمة والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين فقال له أحد الإخوان هذه ما جاءت؛ يعني كيف تقول أشرف الأنبياء والمرسلين، فعظمت عليه، يقول فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي أنا أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، وهذه لها حُكم المنامات التي هي للبشرى، وإلا المعنى كما ذكرت لكم صحيح. ٦س/ هل أرسل للعرب رسول غير محمد ﷺ ؟ ج/ الجواب: لا. نكتفي بهذا القدر وأسأل الله لي ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على ونبينا محمد.

стр. 88

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قبل البدء بعض الاخوة اقترح أن يكون أول الدرس خمس دقائق أسئلة إما فيما مضى أو في غيره؛ لأجل أن يحضر الذين يصلون في أماكن بعيدة، فما أدري، الحق لكم يا الذين تحضرون مبكرين، هو مناسب أو لا؟ الذي عنده أنه غير مناسب يرفع يده، الذي يرى أنه غير مناسب يرفع يده. فكان إجماعا. طيب، فيه أسئلة عندك، انتهت؟ طيّب. س١/ قال: ظهرت قبل فترة أشرطة تكلمت بالتفصيل على ما وقع بين الصحابة من فتن، واسم هذه السلسلة قصص من التاريخ الإسلامي، فما رأيكم فيها؟ ج/ لم أستمع لها ولكن ذُكِرَ لي من عدد من الإخوة أنَّ عليها ملاحظات، والذي ذكر لي ذلك كان يوردها ويناقش على الأشرطة فإذا كانت لا توافق طريقة أهل السنة فيما وقع بين الصحابة من شجار وجب منعها حينئذ. ذكر الأخ أنّ سماحة الشيخ يقول أنه منعناها، فالحمد لله. فهذا شيء طيب. س٢/ هل تارك العمل بالكلية مسلم؛ تارك الأركان وتارك غيرها من الواجبات والمستحبات والأعمال الظاهرة بالجوارح؟ ج/ الجواب: أنَّ العمل عند أهل السنة والجماعة داخل في مسمى الإيمان؛ يعني أنَّ الإيمان يقع على أشياء مجتمعة وهي الاعتقاد والقول والعمل، ولذلك من ترك جنس العمل فهو كافر؛ لأنَّهُ لا يصحّ إسلام ولا إيمان إلا بالإتيان بالعمل. س٣/ هل يُتَصَوَّر وجود مطلق الانقياد في القلب ولا يظهر له أثر على الجوارح؟ ج/ والجواب: أنَّ هذا فرع المسألة التي قبلها، فإنَّ الانقياد في أصله عقيدةً واجب وهو من عمل القلب، ولا يصح الإيمان حتى يكون الانقياد ظاهراً على الجوارح؛ يعني حتى يعمل. س٤/ ما هو التوجيه الصحيح للحديث الذي في مسلم «لم يعمل خيرا قط» ؟ ج/ وردت عدة أحاديث بهذا اللفظ، فينبغي أن يُحْضِرَ النص لأنَّ لكلٍ جوابه. س٥/ هل يشترط في مسائل العقيدة معرفة الدليل حتى للعامي، وهل يسوغ التقليد في مسائل العقيدة؟ ج/ هذا بحث يطول سبق أن تكلمنا عليها أظن في بعض الشروح، ويأتي إليه بحث إن شاء الله في هذا الكتاب شرح العقيدة الطحاوية بإذنه تعالى.

стр. 89

وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ

стр. 90

[المسألة الأولى] : أنَّ قوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، بكسر التاء، هو فاعل من خَتَم، خَتَمَ الشيء يختِمه فهو خاتِم له؛ يعني جاء آخراً فخَتَمَهُ فهو الآخر منهم. وهذا دلّ عليه قوله ﷺ (وأنا العاقب) (١) يعني الذي لا نبي بعده، وأما قوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بالفتح ففسره العلماء على أوجه منها: - أنَّ الخاتَم في هذا ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه كالطَّابَعِ على مسألة النبوة، والطَّابَعْ على الشيء يأتي آخر ما يأتي، فالذي يُرْسٍلْ الرسالة يجعل الخاتَم آخر شيء، فتكون دلالة ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ دالة على أنه هو الآخر؛ لأنَّ الخاتم إنما يأتي آخره. - وفيه أيضا أنَّ الخاتم هو زَيْنُ الشيء وما يُتَزَيَنُ به، فهو البارز حلية وزينة وفضلا. وهذا الوجه ذكره الشوكاني وغيره. فدلّ هذا على أنَّ القراءتين ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، والقراءة الأخرى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنَّ دلالتهما على ختم النبوة واحداً، وأنَّ قراءة ﴿وَخَاتَمَ﴾ تزيد على القراءة الأخرى بزيادة معنى وفضل دِلالة.

стр. 91

[المسألة الثانية] : أنَّ مسألة ختم النبوة الكلام فيها راجع إلى بعض الكلام في مسألة النبوة والنبي والرسول التي مرت معنا. وذلك أنَّ مِنْ الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة وإلى الصوفية الغالية مَنْ قال إنَّ النبوة مُكْتَسَبَة. وإذْ تُكْتَسَبْ النبوة بأشياء: - منها أشياء علمية. - ومنها أشياء عملية. - ومنها استعدادات ومواهب فطرية. كما قد يكون غير الأنبياء مساوين لهم في تلقي الأوامر وتلقي الوحي كما يزعمون. وهذا القول لا يُنْسَبُ إلى طائفة معروفة بحيث يقال إنَّ الفلاسفة قالوا هذا أو إنَّ الصوفية قالوا هذا؛ بل ربما وُجد عند بعض أفرادٍ منهم.

стр. 92

[المسألة الثالثة] : أنّ الكلام على ختم النبوة هو الكلام نفسه على ختم الوحي، فإنَّ النبوة إنما كانت بالوحي. فمن ادَّعَى أنه يسمع كلام الله فقد ادَّعَى أنه يُوحَى إليه. وانقطاع الوحي بموت النبي ﷺ دالٌ على أنَّ الوحي لا يكون لأحد بعده ﷺ . فلهذا كفَّرَ طائفة من المحققين من أهل السنة من ادَّعَى أنه يوحى إليه وأنه يسمع كلام الله مباشرة أو بواسطة جبريل ونحو ذلك؛ لأنَّ حقيقة سماع الوحي هي حقيقة النبوة. فإذاً من ادَّعَى أنَّهُ يوحى إليه فقد ادَّعَى أَنَّهُ نبي، ولو نفى النسبة عن نفسه.

стр. 93

[المسألة الرابعة] : أنَّ ادِّعَاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة . فمن ادَّعَى أنه يُوحَى إليه فقد ادَّعَى منزلة النبوة، وهذا يدخل في عدم التصديق بختم النبوة وبالكذب على رب العالمين، وهذا هو الكفر.

стр. 94

[المسألة الخامسة] : أنّ ختم النبوة وكون النبي ﷺ خاتِم الأنبياء وخَاتَمَهُم لا يعارض نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فإنّ نبوته ﵇ كانت قبل نبوة محمد ﷺ ، وإذا نزل فالنبوة السابقة ملازمة له ﵇، ولكنه يأتي مؤمناً بمحمد ﷺ حاكماً بشريعته، قاتلاً الخنزير، كاسراً الصليب، واضعاً الجزية على النصارى واليهود، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال (لَيُوشِكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ حَكَما عدْلا. فَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَكْسِرُ الصّلِيبَ, وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ) (١) . وإذا نزل ﵇ جَعَل إمام هذه الأمة منها وصلى مأموماً ﷺ ، وقال في ذلك (إمامكم منكم تَكْرِمة الله لهذه الأمة) (٢) . فلا يُنْظَرْ من ادَّعَى بطلان تقرير ختم النبوة بنزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، فإن نبوته والوحي إليه كان سابقا لبعثة محمد ﷺ . وإذا نزل في آخر الزمان فإنه ينزل حاكماً بالشريعة، حاكماً بالقرآن، مؤمناً بمحمد ﷺ ، ولا يوحى إليه بشيء جديد. الحديث الذي ذكرتُ لكم أُنسِيْتُه، جاء الآن، وهو قوله ﷺ (مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبياءِ قبلي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى دَاراً فََحَسَّنَهَا وزينها إلا مَوْضِعَ لَبِنَةِ منها, فَجَعَلَ النّاسُ يطوفون بهذه الدار، ويقولون ما أحسنها ما أجملها لو كملت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وبي ختم النبيون) (٣) ﷺ .

стр. 95

قال المؤلف ﵀ بعدها (وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ)

стр. 96

[المسألة الأولى] : أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ البقرة:٢٥٣] ، والرسل كثيرون وأفضلهم أولو العزم من الرسل وهم خمسة: نوح ثم إبراهيم، -يعني في الزمان- نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذكرهم في سورتي الأحزاب والشورى. وهؤلاء الخمسة أفضلهم محمد ﷺ ، فقد فُضِّل إبراهيم بالخُلّة ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ، والله جعل محمدا ﷺ خليلاً له، فَفَضْلُ إبراهيم جاء لمحمد ﷺ ، وفُضِّل موسى بالتكليم ومحمد ﷺ أيضا مُكَلَّمْ كما في حديث المعراج.

стр. 97

[المسألة الثانية] : أنَّ الفضل والتفاضل والتخيير بين الأنبياء له حالتان: حالة عامة وحالة خاصة. - فالحالة العامة: يجوز فيها ذلك بمعنى أن يقال محمد ﷺ أفضل المرسلين سيد المرسلين، أشرف الأنبياء والمرسلين. - وأما في مقابلة نبي بحسب شخصه في مقابلة نبي بذاته: فهذا يكون خصوص فلا يجري التفضيل على وجه الاختيار، ولهذا جاء في السنة أنَّ النبي ﷺ قال (لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعَقون يومَ القِيامةِ فأكونُ أولَ مَن يُفِيقُ, فإِذا أنا بموسى آخذٌ -أو قال باطش- بقائمةٍ من قوائم العرشِ, فلا أدرِي أأفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بصَعقةِ الطّور) (١) فقوله ﷺ هنا (لا تخيروني على موسى) وفي رواية (لا تفضلوني على موسى) (٢) دلّ على عدم جواز التفضيل الخاص.

стр. 98

[المسألة الثالثة] : أنَّ هذا البحث وهو بحث التفضيل بين الأنبياء جاءت فيه أحاديث، منها هذا الحديث (لا تفضلوني على موسى) ، (لا تخيروني على موسى) ، ومنها حديث عام (لا تَخَيَّرُوا بين الأنبياء) (١) ، ومنها حديث خاص بيونس ﵇ وهو قوله ﷺ (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى) (٢) وفي رواية قال (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) (٣) ، وهذا اختلفت فيه أنظار العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والتفضيل وما جاء في القرآن من قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، وأحسن الأجوبة على ذلك أن يقال: ١ - أولا: أنَّ قوله (لا تخيروني على موسى) هذا قاله لسبب قصة وردت، وهو أنَّ اليهودي والمسلم اختلفا فافتخر اليهودي على المسلم بموسى، والمسلم ردّ على اليهودي ولطمه؟ فإذاً يكون النهي إذا كان التفضيل الخاص جاء على جهة العصبية والحمية والفخر، ولهذا جاء في الحديث (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (٤) ، فدلّ على أنَّ التفضيل إذا كان مورده الفخر والعصبية فإنه يمنع منه. ٢ - ثانياً: أنَّ جهات الفضل متنوعة، والتفضيل من جهة الجنس؛ جنس الفضائل سائغ، ومن جهة كل فَضيلة بحسبها متعدد، ولهذا يقال إنَّ تفضيل محمد ﷺ من جهة مجموع الفضائل، ولا يُنَصَّ على أَنَّهُ أفضل من غيره من الرسل في كل فضيلة عند جميع الرسل؛ يعني من حيث النظر العام. ٣ - ثالثاً: أن يقال إنَّ التفضيل بين الأنبياء لا حاجة إليه؛ لأنَّ الأنبياء والرسل رسالتهم واحدة، والله وَصَفَ المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله، والرسل وَصَفَهُم النبي عليهم الصلاة والسلام بقوله (الأنبياء إخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى) (٥) ، وتَوَلِّي الرسل جميعاً فرض، ومحبتهم جميعاً فرض، فإذاً الدخول في التفضيل دخول فيما لا طائل تحته، فالواجب أن يُبْقَى في ذلك على النص وهو ما ذكرناه أولاً من التفضيل العام دون التفضيل الخاص. أما قوله ﷺ (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) فهذا لأجل أَنَّ بعض الناس قد يظن أَنَّ يونس ﵇ فعل ما يُلامُ عليه، وأَنَّهُ عُوقِبَ بأن كان في البحر وفي بطن الحوت، ثم قال: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ، فقال إنَّ هذه الكلمة ربما تكون لمن فعل شيئاً يُلَامُ عليه وعوقب، فقال: إنَّ يونس بن متّى قالها لأنَّهُ فَعَلَ ما فعل. وهذا في الحقيقة غلط؛ لأنه لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى، كما قال ﷺ ، فيَتْرُكْ الدعاء بهذا الدعاء العظيم ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، فهذا قد دعا به آدم ﵇، ودعا به موسى ﵇، ودعا به غيرهما من الأنبياء والمرسلين. فإذاً هذا الدعاء وحال يونس بن متّى ليس فيها نص في حقه ﵇ أعني يونس بن متّى ﵇، فإذاً لا ينبغي أن يقال إنَّ فلانا أفضل من يونس من جهة الاستحباب، لا ينبغي أن يقال ذلك، يعني لا ينبغي أن يقال إن محمداً أفضل من يونس بن متّى على جهة الاستحباب، والدليل دلّ على عدم الجواز فيمن يقوله لنفسه فلا يجوز لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى. والنبي ﷺ ترك ذلك، وهو أكمل الخلق ﵇. هذا البحث ربما لم تظهر حاجتُه لكن بحَثَه العلماء في هذا الموضع؛ لأنَّ هناك مِن مَن يعتقد الكمال في الوَلاية من يظن أنّ حالتَه أرفع من حالة يونس بن متّى ﵇.

стр. 99

قال ﵀ بعد ذلك (وحَبيبُ ربِّ العالَمين)

стр. 100

[المسألة الأولى] : أنَّ المحبة بمراتبها التي تضاف إلى رب العالمين إنما هي ما ورد. - وبعض الناس غَلَوْا في ذلك فوصفوا الله بكل مراتب المحبة، وهذا باطل وغلو. - وبعضهم جفا كالجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم فنفوا المحبة بمعناها الظاهر وما يكون من مراتبها؛ فنفوا حقيقة محبة الله لعبده ونفوا حقيقة اتخاذ الله لعبده خليلاً، وأوَّلوا ذلك كما سيأتي في مواضعه في بيان أصولهم في الصفات. وأهل السنة والجماعة بين هاتين الطائفتين فلم يغلو في المحبة؛ يعني في محبة الله لعبده ولم يكونوا من الجفاة في ذلك، بل سلكوا الأصل الذي أصَّلُوهُ وأنَّ هذه المسائل تبع لما ورد في النصوص. فمن المراتب، مراتب المحبة التي جاءت في النصوص وتُثبت لله : - الإرادة الخاصة التي هي بمعنى المحبة. - والمحبة بلفظها. - والمودة. - والخلة. وما ثبت من غير ما ذكرت هذه التي أذكرها الأربعة: إرادة، المحبة، المودة، الخلّة.

стр. 101

[المسألة الثانية] : أنَّ من ألفاظ المحبة التي هي من مراتبها لفظ (العشق) . وهذا اللفظ استعمله طائفة من أرباب السلوك فيما بين العبد وبين ربه، فقالوا: إنّ الله يُعشَقُ ويَعْشَقْ، وقالوا: إنني -يعني المتكلم الذي تَكَلَّمَ- أعشق الله . ولفظ العِشْقْ هو من مراتب المحبة -كما هو معلوم-؛ ولكنه يُمْنَعْ في إطلاقه من العبد على ربه ومن الرب للعبد، وذلك لأمور: ١ - الأول: أنّ لفظ العشق لم يرد في النصوص لا في الكتاب ولا في السنة، لا من جهة العبد لربه ولا من جهة الرب لعبده، فيمتَنِعُ إطلاق هذا اللفظ واستعماله في المحبة لأجل الاتّباع. ٢ - الثاني: -وهو تعليل لفظي أيضا- أنَّ لفظ العشق إنما تستعمله العرب فيما إذا كان لصاحبه شهوة في المعشوق، ومعلوم أنّ الشهوة إنما تكون لمن يَنكِح أو يُنكَح يعني للرجل أو المرأة. فإذاً استعمال اللفظ في حق الله ممتنع لفظاً؛ لأنه لا يستعمل هذا اللفظ إلا في ذلك المعنى. ٣ - الثالث: في رد لفظ العشق واستعماله- من جهة المعنى، وهو أَنَّ العشق فيه من جهة العبد، أو في إطلاقه على من وُصِفَ به فيه تعلُّق بالإرادة وبالإدراك. فلا عشق يحصل إلا وهو مُؤَثِرٌ في الإرادة بإضعافها ومؤثر في الإدراك بحصول خلل فيه. ولهذا أجمع أهل اللغة في أنَّ معاني العشق لابد أن يكون في آثارها ما هو نوع اعتداء: إما على النفس، وإما على الغير. - اعتداء على النفس بإضعاف الإدراك أو بإضعاف الإرادة. - واعتداء على الغير بأنه لو أشعره بذلك فتعاشقا لصار عنده ضعف في الإدراك وضعف في الإرادة. والله لا يجوز أنْ يُقال في محبته إنها تُنْتِجُ ضعفاً في الإرادة أو ضعفاً في الإدراك؛ بل محبة الله تبلغ بالعبد -يعني محبة العبد لربه- تبلغ بالعبد كمال الإرادة المطلوبة المحمودة وكمال الإدراك المطلوب المحمود؛ يعني في الإيمان، ولهذا امْتَنَعْ أنْ يوصف الله بأنه يعشق عبدَه أو أن العبد يعشق ربَّه.

стр. 102

قال ﵀ بعدها (وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى، وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء)

стр. 103

[المسألة الأولى] : أنَّ قوله ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام:١٣٠] قوله ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ هذا على جهة التغليب لأنَّ الجن والإنس اجتمعا في شيء وافترقا في أشياء. فاجتمعا في التكليف، فلذلك صحَّ أن يشتركا في التثنية ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لاشتراكهما في أصل التكليف ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون ِ﴾ [الذاريات:٥٦] والاشتراك في الجنس ولو اختلف النوع فإنه يُبقي الدلالة الأغلبية صحيحة. وقال بعض السلف: إنَّ الجن يكون منهم رسل. ولكن هذا القول ضعَّفَهُ جماعة كثيرون من أهل العلم من التابعين فمن بعدهم. قال ابن عباس ﵁ (الرسل من الإنس ومن الجن النُّذُر) (١) . أخذ هذا من قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] .

стр. 104

[المسألة الثانية] : أنَّ بعثة النبي ﷺ قيل فيها إنها تشمل الملائكة، وذلك لعموم قوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وهذا ليس بجيد، هذا القول ليس بجيد؛ بل يترجح أنّه غلط وذلك لأمور: ١ - الأول: أنّ قوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ هذا فيه الإنذار، والملائكة مقيمون على عبادة الله وعلى توحيده وعلى تسبيحه كما قال ﷺ (أَطّتْ السّمَاءُ وَحُقّ لَهَا أَنْ تَئِطّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ إِلاّ وَمَلَكٌ قائم أو مَلَكٌ سَاجِد أو مَلَكٌ راكع) (١) فالملائكة موحدون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، الملائكة عُبَّادْ لله ، الملائكة متقربون إلى لله ، ومن كانت هذه حاله فلا يصلح له الإنذار. ولهذا قوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ليس فيه دليل لمن ذهب إلى أنّ بَعثة النبي ﷺ عامة للجميع؛ لأن الآية فيها تعليق بالإنذار والملائكة لا يُنْذَرُون. ٢ - الثاني: أنَّ الملائكة جنسُهم أو نقول منهم من أتى بالرسالة إلى محمد ﷺ وهو جبريل ﵇، وأمَرَهُ أن يُبَلِّغها للناس، ودخول الآمِرْ في مثل هذا في الأمر يحتاج إلى دليل؛ لأنّ الأصل أنّ الآمِرْ إذا أَََمَرَ غيره فإنه لا يدخل في الأمر، فطلب من النبي ﷺ أنْ يُعلن الرسالة للناس جميعا بل للثقلين، فإدخاله -إدخال جبريل- ﵇ يحتاج إلى دليل. ٣ - الثالث: أنّ الملائكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥] ، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] ، وهم أنصار الأنبياء يُرْسِلُهُم الله إليهم لنصرتهم وهم أولياؤهم، وهذا يدل على أنهم خارجون عن الاتِّباع؛ لأنهم لو كانوا تابعين لصارت نصرتهم للنبي ﷺ وللمؤمنين مُتَعَيِّنَة بلا أمر لأجل عَقْدِ نُصْرَةْ الرسالة. قال هنا (المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى) ، (وكَافَّةِ) هذه في إضافتها للورى - الوَرَى يعني الناس- صحيحة، وجاءت في لغة قليلة عن العرب، واستعملها عمر بن الخطاب ﵁ وهي صحيحة، خلافا لمن قال إنَّ (كَافَّة) لا تُسْتَخْدَمْ إلا منصوبة على وجه الحال - يعني أن تكون حالاً - كما قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبإ:٢٨] فالأصل أن تكون منصوبة حال، ويجوز أو في لغة قليلة استُعْمِلَتْ مضافة. قوله (بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء) هذه الأربع أوصاف وأسماء للقرآن. وبهذا نختم هذا الدرس. أسأل الله أن يجعلنا من أتباع محمد ﷺ . مباحث النبوة سبق أن ذكرنا لكم أنها لم تُجْمَع في كتاب عام لكل مباحث الأنبياء تعريف النبي والرسول والمعجزات والبراهين وختم النبوة والرد على المخالفين في كل ما يتعلق بالنبوات، ولا شك أنَّ الحاجة داعية إلى ذلك، فهذه مباحث قد لا توجد في كتاب مجموع، لهذا حبذا لو يتوجه إلى هذا البحث بجمع كل مسائل النبوة، بعض طلبة العلم حتى يكون تناوله يسيرا في أيدي إخوانهم من طلبة العلم. نكتفي بهذا القدر.

стр. 105

الأسئلة: س١/ ما حكم تكفير الكافر المعين والحكم عليه بالخلود في النار بعد الممات، وما معنى قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له، إلى آخره؟ ج/ الجواب: أنَّ قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا بنار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ؛ يعني من هذه الأمة من المنتسبين للقبلة، أما المشرك الأصلي أو الكافر اليهودي أو النصراني فإنه يستصحب الأصل الذي كان عليه؛ فإذا مات على الكفر فإننا نقول هو كافر ومات عليه وهو من أهل النار، والنبي ﷺ قال لنا (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار) (١) أبشر بالنار، هذا لا يدخل في قول أهل السنة لأنَّ المقصود من ذلك أهل القبلة، لا نشهد لمعين بجنة من أهل القبلة ولا لمعين من أهل القبلة بنار، إلا من شهد له الرسول ﷺ في الذين يدخلون الجنة وفي الذي غلّ وفي الذي قتل نفسه؛ وجَعَ نفسه بحديدة ونحو ذلك، من شهد عليه رسول الله ﷺ بنار من أهل القبلة فنشهد عليه بالنار وأما المشركون والكفار من أهل الكتاب فلا كرامة لهم فإذا ماتوا شهدنا عليهم بالنار وكفَّرْنَاهم في حياتهم وبعد مماتهم، ولا يقال في حقهم لا نكفر إلا من بلغته الحجة أو لا نشهد عليهم بالنار إلا من قامت عليه الحجة ونحو ذلك، كما بينا ذلك مرة في هذا المسجد حينما رددت على صاحب مقالة كفرية. س٢/ هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ ج/ يأتينا البحث مطولا إن شاء الله في آخر العقيدة الطحاوية، والجواب باختصار الأنبياء أفضل من الملائكة. س٣/ هل يُقال أن أفضل الصحابة أبو بكر وأفضل أمة محمد عيسى ﵇؟ ج/ الجواب أنَّ عيسى ﵇ نبي من الأنبياء ومن أولي العزم من الرسل، وأيضا يصدق عليه حد الصحابي، ولذلك يُلْغِزُ بعض العلماء يقول مَن مِن هذه الأمة من هو أفضل من أبي بكر؟ فيقال عيسى ﵇، من جهة أنه لقيه، لقي النبي ﷺ لما أسري به وآمن به وإذا نزل يكون مؤمنا وحاكما بشريعة محمد. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 106

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. الأسئلة: س١/ ما هو الفرق بين الفعل لله والصفة لله، ما هو الفرق بين الاسم والمسمّى مع الأمثلة؟ وحبذا ذِكر المرجع الذي تكلم عن هذه المسألة؟ ج/ الجواب: الفرق بين أفعال الله وصفاته أنَّ الأفعال مشتملة على صفة وعلى زمن؛ لأنَّ الفعل يشتمل على حدث وعلى زمن، والحدث هذا وصف، ولما كان كذلك كان الفعل المضاف إلى الله لا يدلّ على الصفة التي اشتمل عليها هذا الفعل بإطلاق، بل قد يوصف الله بها وقد لا يوصف؛ لأنّ باب الأفعال أوسع بمن باب الصفات. مثاله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩] ، فاستواء الله صفة أخذناها من فعل استوى؛ لأنَّ استوى مشتمل على حدث وهو الاستواء (الصفة) ، ومشتمل على زمن وهو الماضي، ويُثبَتْ الاستواء هنا صفة لله كما يليق بجلاله وبعظمته لأنه متضمن كمالا، فيقال من صفات الله الاستواء على العرش. مثال الثاني ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠] ، (يَمْكُرُ اللَّهُ) هذا فعل مضارع مشتمل على حدث على صفة وهو المكر؛ يعني على مصدر وهو المكر، ومشتمل على زمن وهو المضارع؛ لكن لا يقال هذا الفعل يدلّ على إثبات صفة المكر؛ لأنّ صفة المكر ليست دائما صفة كمال، فلهذا قال أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى: إنَّ باب الأفعال أوسع من باب الصفات؛ فقد يضاف الفعل إلى الحق ولا تُثْبَتُ الصفة التي تضمنها هذا الفعل، كما أنَّ باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ فقد تطلق الصفة على الله ولا يطلق الاسم. من مثل الاستواء والمستوي، وممثل المكر بحق والماكر وأشباه ذلك. إذاً ثَمّ فرق بين أفعال الله وبين صفاته من هذه الجهة. أما من جهة قيامها جميعا بالله فالصفة قائمة بالله ولها أثر في الخارج، لها أثر مثل صفة الخلق لها أثر في المخلوق، صفة الرحمة لها اثر في المرحوم، وهكذا، والفعل في تعقله بالله قد يكون متعديا وقد يكون لازما. وللمسألة مزيد تفصيل المقصود أن باب الأفعال أوسع من باب الصفات، وأنه لا يطرد القول بالمساواة بيت الفعل القائم بالله وبين الصفات القائمة بالله . س٢/ما هو الفرق بين الاسم والمسمى؟ الاسم والمسمى إذا اجتمعت فيُعْنَى بها بحث كلامي بحث عند أهل الكلام ودخل فيه أهل السنة رداً على أهل الكلام وبيانا للحق فيها، وإلا فبحث الاسم والمسمى ليس من البحوث الموجودة في الكتاب والسنة ولا في كلام الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما الكلام فيها حادث؛ لكن جرّ إلى الكلام فيها أنَّ المعتزلة خاضوا في ذلك توطئةً لنفي الصفات ولتحريف الأسماء لله . وتلخيص المسألة: أنّ الاسم مثل: الرحمن، الرحيم، الكريم، ونحو ذلك، المسمى بهذا الاسم هو الله ، محمد المسمى به رسول الله ﷺ ، الكأس اسم المسمى هو هذا الذي ترى. فإذاً الاسم دلالة عامة والمسمى انطباق هذا الاسم على العين أو على الذات. إذا تبين ذلك، فإن المسألة التي اختلفوا فيها هي: قولهم هل الاسم عين المسمى أم أنَّ الاسم غير المسمى؟ وهذه المسألة مبسوطة وطويلة الذيول؛ لكن اختصار القول فيها أنَّ مذهب الأئمة أنَّ الاسم لا يطلق القول بأنه عين المسمى ولا أنه غير المسمى؛ بل المسألة فيها تفصيل في دلالة الاسم على المسمى وأنَّ الأسماء مختلفة؛ لأنّ كل اسم يدل على المسمى وزيادة صفة، فهو يدل على الذات ويدل على الصفة التي تضمنها هذا الاسم، كما ذكرنا لكم الرحيم تدل على ذات الله المتصفة بالرحمة، والذين قالوا إن الاسم هو عين المسمى جعلوا أنه لا فرق بين الأسماء في دلالتها على المسمّى فجعلوا العليم هو الرحيم مطابقة، وجعلوا الملك هو الودود، ونحو ذلك، بدون تفرقة بين الاسم والصفة، يعني جعلوا أنَّ الأسماء دالة على الذات كما قال المعتزلة عليم بلا علم، رحيم بلا رحمة، وهكذا وهلم جرّاً. والمسألة فيها طول لكن هذا بيان لأصلها. س٣/ يتعرض كثير من الشباب لبعض الشبهات من خلال دراسته للعقيدة والفِرَقْ، أرجو حل هذه المشكلة كيف يتعامل الشخص مع هذه الشبهات؟

стр. 107

ج/ لاشك أن هذا داء وكثير من المسائل يرغب المُعلِّم ربما في تفصيلها للخاصة من طلاب العلم، لكن لأجل حضور من ليس مستواه مهيئا لتلقي العلم العالي فإنه يُحجم، فذِكْرُ المسائل العقدية وذكر التفصيل وكلام أهل الفرق والشبهة وردها حقيقة في الأصل أنه لا يناسب المبتدئ في طلب العلم بل لابد أن يتلقاه من علم أصول أهل السنة والجماعة وفهم مذهبهم وطريقتهم وسنتهم في ذلك بعد قراءته الكتب الأولى، لهذا نوصي دائما بالمنهجية، إذا علم مذهب أهل السنة والجماعة من خلال مثلاً لمعة الاعتقاد كمنهج عام في تقرير مسائل الإيمان بأجمعها؛ عرف مذهبهم في الإيمان، مذهبهم في الصفات، مذهبهم في الأسماء، في القدر، في الغيبيات، في الصحابة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ولاة الأمر، وهكذا المسائل التي يعرضونها، في القدر، في اليوم الآخر، فيما يُعْرَضْ، عَلِمَ قول أهل السنة، بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة تلي ذلك؛ حتى لا يطَّلِع على بعض الشبهات فيظن أن هذه مؤثرة على مذهب أهل السنة والجماعة، فيُعْرَضْ له شيء من التفصيل من الزيادة بقول أهل البدع مع الرد عليهم، ثم يترقى حتى يتوسع في ذلك. فلهذا من رأى أن حضوره لمجالس العلم التي فيها تفصيل يورد عليه الشبهات فينبغي له أن لا يحضر وأن يبتدئ العلم من أوله وأن لا يعرض نفسه للشبهة لأن الشبهة ربما استحكمت فأثرت س٤/ هل الرافضة والجهمية ليستا من الاثنين والسبعين فرقة وكيف؟ ج/ أما الجهمية فأهل السنة جميعا على أنهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ليسوا من فرق الأمة. وأما الرافضة فجمهور أهل السنة على خروجهم من الثنتين والسبعين فرقة، والمقصود من الرافضة الغلاة؛ غلاة الشيعة الذين يلعنون أبا بكر وعمر ﵄، والذين يتدينون بسب الصحابة ويُبْغِضُون بعض أمهات المؤمنين ويقذفون عائشة ونحو ذلك، من معتقداتهم المعروفة. س٥/ ما حكم قول البعض شاءت الأقدار، ساقته الأقدار، اقتضته حكمة الله، شاءت إرادة الله، ونحو هذه العبارات؟ ج/ شاءت الأقدار، الأقدار جمع قدر، والقدر تبع المقدِّر وهو الله ، والذي يشاء القدر هو الله ، فقول القائل شاءت الأقدار وأشباه ذلك، فإنّ هذا غلط لأن الأقدار ليس لها مشيئة، المشيئة لله هو الذي شاء القدر وشاء القضاء . وساقته الأقدار هذه محتملة، محتملة لهذا وهذا، وتجنبها أولى. اقتضت حكمة الله، هذه صحيحة لا بأس بها استعملها أهل العلم؛ لأن الاقتضاء خارج عن الشيء؛ يعني حكمة الله نشأ عنها شيء هو مقتضاها، اقتضت حكمة الله أن يكون كذا وكذا؛ يعني من القضاء الذي حصل؛ يعني أن ما حصل موافق لحكمة الله . شاءت إرادة الله، هذا أيضا مثل ما سبق فإنّ الإرادة الكونية هي المشيئة، فقول القائل شاءت إرادة الله كقوله شاءت مشيئة الله وهو تكرار لا وجه له. ونرجئ بقية الأسئلة إلى وقتها.

стр. 108

[وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله، منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً، وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً، وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا، وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّةِ، فمن سمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] ، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر]

стр. 109

[المسألة الأولى] : نشأة القول بخلق القرآن أو أنَّ كلام الله مجاز وأشباه ذلك؛ ما منشأ القول بهذه المسألة؟ ولم خالف المخالفون في ذلك؟ من المعلوم أنَّ أول من تَكَلَّمَ في هذه المسألة هو الجعد بن دِرْهَمْ وضُحِّيَ به؛ ضَحَّى به خالد القسري، وكان يقول إنَّ الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، كما رواه البخاري في خلق أفعال العباد. هذه المسألة تطورت عند الجهمية وعند جهم بخصوصه فَأَصَّلَ لها أصلاً. وهو أنه نظر في أصل الدين فوجد أنه مبني على إثبات وجود الله -وانتبه! معي في سياق ما أذكرباختصار- نظر أنَّ أصل الدين مبني على إثبات وجود الله . وقد ابْتُلِيَ هو بطائفة من منكري وجود الإله ـ، وحَيَّرُوهْ فيما أوردوا عليه من الأسئلة. فقالوا له: أقم لنا برهاناً عقلياً على أَنَّ الله ـ أو على أنَّ هذا الخَلْقَ له رب وله خالق وأنه موجود. فتحير ونظر في هذه المسألة، ثم قال لهم: وجدتها. فأقام البرهان بما يسمى عند أهله بحلول الأعراض في الأجسام. وهو أصل الانحراف في مذهب الجهمية ثم المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية. ولهذا السلف يَنْسِبُونَ كل من انحرف في الصفات إلى جهم فيقولون هو جهمي؛ لأنَّه ما انحرف إلا بموافقته لجهم في هذا الأصل الذي أصَّلَهُ وانحرف به عن منهج السلف. وهذه المسألة أو هذا البرهان الباطل - هو ليس ببرهان بل هو دليل باطل - قال في تقريره: إنَّ الجسم تحُلُّ فيه الأعراض -الجسم هو المتحيز: كتاب متحيز، كرسي متحيز، مبنى متحيز، إلى آخره- الأجسام تحل فيها الأعراض. والأعراض مثل البرودة، الحرارة، مثل الارتفاع، الانخفاض، مثل الطول العرض العمق، مثل الحركة فيه والتحرك إلى آخره، هذه الأشياء مَعْلُومٌ أنها لا توجد بنفسها وإنما وُجِدَتْ بالجسم. والجسم حَلَّتْ فيه هذه الأعراض دون اختياره، فبهذا صار هذا الجسم جسماً محتاجا إلى العَرَض، لأَنَّ العرض وحده لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالأجسام. وحلول الأعراض بالأجسام دلَّ على أنَّها مخلوقة وعلى أنَّهَا محتاجة لهذه الأشياء التي تميزها عن غيره وتصلح معها للوجود. فلهذا صار الجسم قابلاً لحلول الأعراض فيه. وصار إذاً الجسم محتاجاً لغيره فصار إذاً مخلوقا مُوجَدَاً. إذا تبين هذا، قالوا له هذا دليل صحيح في أنَّ الجسم لم يُوجِدْ نفسه - يعني الجسم المعين، العين المعينة هذه - لم يوجد نفسه وأنه موجود واقتنعوا بهذا البرهان مع أنه في حقيقته غير مقنع وغير مستقيم، فأثبت لهم وجود خالق، وجود رب لهذه الأشياء. فلما نظروا في هذا قالوا له: هذا دليل صحيح، فصِفْ لنا ربك. كان جهم فَقِيْهاً عنده علم بالكتاب والسنة، ولما سألوه هذا السؤال، نظر في الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة فتحيّر في أنّه لو أثبت هذه الصفات لعادت على هذا الدليل الذي لم يجد غيره في إثبات وجود الله عادت عليه بالإبطال. لأنه وَجَدْ في الكتاب والسنة أنَّ من الصفات الاستواء، من الصفات العلو، من الصفات الرحمة، من الصفات الانتقام، من الصفات الإعطاء، من الصفات الغضب، من الصفات الرضا إلى آخره، وهذه كلها معاني لا تقوم بنفسها، وهي تأتي وتذهب يعني من حيث هي. فلهذا قال إنه لو قال لهم إنَّ صفات الرحمن هي التي جاءت في الكتاب والسنة على ظاهرها فإنه يعود إلى أن سيقال له: إذاً فالذي يتصف بهذه الصفات هو محتاج، إذاً هو مثل الجسم فهو جسم كالأجسام. فلهذا قال لهم إنَّ الله سبحانه لا صفة له إلا صفة الوجود المطلق. وعلى هذا الأصل مشى جهم في نفي الكلام ونفي جميع الصفات، حتى أسماء الرحمن يفسرها بالآثار المخلوقة. جاء بعده المعتزلة فقالوا هذا البرهان صحيح، ولكن ثمّ صفات دلّ عليها العقل لا يمكن أن يكون الرب موجوداً دون هذه الصفات. جاء الأشاعرة وقالوا كلام المعتزلة صحيح لكن الصفات أكثر من الثلاث التي أثبتها المعتزلة فهي سبع وتؤول إلى عشرين عندهم. بعد ذلك جاء الماتريدية وقالوا الصفات ثمان، لابد من زيادة على السبع صفة التكوين وهكذا. إذاً منشأ الضلال في هذه المسألة هو هذا البرهان الباطل على وجود الله الذي جعل فيه دليل الأعراض هو الدليل على حدوث الأجسام، ومنه أبطل وصف الله بصفاته ونفى الكلام. ولهذا مسألة الكلام هي أعظم المسائل التي بُحِثَ فيها لأنه ورثها جهم من الجعد بن درهم وكانت أصل المسائل التي يفكر فيها من جهة الصفات، فلما أقام برهانه صارت هذه المسألة أو هذه الصفة من أوائل الصفات التي نفاها لأجل إقامة برهانه واستقامته. إذا تبين لك ذلك فثَمَّ تعبيرات مختلفة عن منشئ الضلال في هذه المسألة-وكلها حق-: فتارة تجد من يقول إنَّ منشأ الضلال هذه المسألة هو أنَّ إثبات صفة الكلام يستلزم التجسيم، وهي راجعة إلى ما ذكرنا. ومنهم من يقول إنَّ صفة الكلام المضافة إلى الله صفة تشريف يعني إضافة تشريف لا إضافة صفة إلى موصوف. وهذان القولان هما اللذان ذكرهما الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع - يعني شبهة الذين قالوا إنَّ كلام الله مخلوق -.

стр. 110

[المسألة الثانية] : أنّ الناس اختلفوا في مسألة الكلام هذه إلى أقوال كثيرة يهمك منها عدد -يعني لا نستوعب الأقوال لأنها طويلة وبعضها لا فائدة منه-: ١ - المذهب الأول: قول أهل السنة والجماعة وهو الذي سمعت؛ وهو: - أنَّ القرآن كلام الله سمعه منه جبريل فنزل به على محمد ﷺ فسمعه منه محمد ﷺ وأسمعه الناس وتلاه عليهم. - وأنه منه بدأ وإليه يعود. - وأنَّ كلام الله ـ يُسْمَعْ، وإذا كان جبريل قد سَمِعَهْ ونَزَّلَهْ فإذاً هو صوت، سمعه بصوت وليس معناً قُذِفَ في داخل جبريل أو أَخَذَهُ من اللوح المحفوظ. - وأنَّ كلام الله سبحانه هو كلامه حيث وُجِدْ، وأنه إذا تُليَ فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، فهو كلامه الموجود في المصاحف، وهو كلامه الموجود الذي يسمع في تلاوة التالي، وهو كلامه الذي يُسْتَدَلُ به إلى آخره، لا يخرج من هذه الحالات عن كونه كلام الله . وهذا هو الذي قُرِّرْ في هذا الموضع من الطحاوية. ٢ - المذهب الثاني: مذهب الجهمية وهو أنَّ الله سبحانه لا يوصف بكلام أصلاً وليس بمتكلم ولا بذي كلام، فيُسْلَبُ عنه هذا الوصف، ويُفَسَّرْ الكلام بمخلوق منفصل يقال له كلام. فَخَلَقَ الله هذا القرآن وسمَّاهُ كلاماً له، فيكون كلام الله خَلْقَاً من خلقه. ٣ - المذهب الثالث: مذهب المعتزلة وهو شبيه بمذهب الجهمية إلا أنهم قالوا إنَّ القرآن مخلوق خَلَقَهُ الله في نفس جبريل، فعبّر به جبريل أو نَقَلَ جبريل ما خُلِقَ في نفسه، فهو مخلوق في نفس جبريل، وكلام الله يُخْلَقْ في أحوال مختلفة؛ من جهة كلام موسى خُلِقَ في الشجرة ويُخلق في كذا، ويُخلق في كذا إلى آخر قولهم. فإذاً يتفقون على أنه مخلوق مع الجهمية ويجعلون زيادة عليهم أنه مخلوق في موضع يناسبه. وهذا منهم فقه أعظم من فقه جهم؛ لأنه حتى لا يُعَارَضْ عليهم بأنَّ القرآن تنزيل وأنه أُنْزِلْ، فقالوا إنه أُنْزِلَ ولكنه خُلِقَ في نفس جبريل أو في رُوع جبريل. ٤ - المذهب الرابع: هو مذهب الكُلاّبية أتباع ابن كلاب؛ بل مذهب ابن كلاب نفسه وأتباعه من الأشاعرة وغيرهم، وهو أنَّ كلام الله مَعْنَىً واحداً وكُتُبُ الله تعبير عن هذا المعنى الواحد فتارة يُعَبَّرُ عنه بالعربية فيسمى قرآن وتارة يُعَبَّرُ عنه بالسريانية فيسمى إنجيل وتارة يُعَبَّرُ عنه بالعبرانية فيسمى توراة، وهكذا. فإذاً هو معنى وليس ثَمَّ صوت يُسْمَعْ ولا كلام حقيقة، ولكنه معنىً قائم بنفس الرب ألقاه في روع جبريل فنزل به جبريل، عَبَّرَ عنه جبريل بهذه التعبيرات المختلفة. ٥ - المذهب الخامس: هو مذهب الفلاسفة وطائفة من الصوفية، وهو أنّ كلام الله هو ما يُفاضْ أو ما يُفِيضُهُ على النفوس من المعاني الخيّرة، معاني الحكمة، وهذه الإفاضة قد تكون مباشرة منه إلى العقل الفَعَّالْ -عندهم-، والعقل الفَعَّالْ يفيضه على النفوس حسب استعداداتها، وقد تكون هذه الإفاضة منه مباشرة على قلب الرجل، كقول طائفة من الصوفية، وقد تكون هذه الإفاضة في وقائع مختلفة. المقصود من هذا تقريب للمذاهب المشهورة في هذه المسألة، وإلا فثَمَّ مذاهب أخرى لهذه المسألة، وكما ذكرت لك فإن هذه المسألة من كُبْرَياتْ المسائل التي تكلم فيها الناس.
следующие страницы →