← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[المسألة الثانية] : عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ أو خَتْمْ الأَوْلِيَاءْ مبنيةٌ على ثلاثة أمور: ١- الأمر الأول: أنَّ النبي إنما أتى بشريعةٍ ظاهرة، وخاتَمْ الأولياء جاء بشريعةٍ باطنة، فخَاتَمْ الأولياء في الظاهر مع النبي وفي الباطن مستقلٌ عن النبي. لهذا يقولون: إنَّ الأنبياء راعَوا الظاهر واهتموا بالعبادات الظاهرة، وخَاتَم الأولياء وصفوة الأولياء اهتموا بالأخذ عن الله . ولهذا ابن عربي في كتابه الفُصُوصْ لمَّا جاء إلى حديث النبي ﷺ الذي في الصحيح أنَّ بُنْيَان الأنبياء تَمْ ولم يبق فيه إلا موضع لبنة، قال ﷺ «مثلي ومثل الأنبياء من بنى بنيانا فكَمَّلَهُ وأحسنه حتى لم يبق منه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون لم كملت هذه اللبنة- قال:- فكنت أنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (١) . قال ابن عربي -قَبَّحَهُ الله- في هذا الموطن: وخاتَمْ الأولياء يَرَى نفسه في قَصْرْ الوَلَاية في موضع لبنتين لبنةُ فضة في الظاهر ولبنةُ ذهب في الباطن، فهو يَفْضُلُ النبي في الحاجة إليه؛ لأنَّ البنيان احتاج إلى لَبِنَتَينْ وذاك احتاج إلى لَبِنَة واحدة، ولَبِنَتُهُ الظاهرة من الفضة في متابعة النبي ظاهراً، ولَبِنَتُهُ الذهبية في الباطن بها يأخذ من المشكاة التي تُنْزِلُ الوَحْيَ على خاتم الأنبياء، يعني يأخذوا عن الله مباشرة أو كما جاء في كلامه. وقد كرَّرَ هذا في مواضع في الفصوص وخاصَّةً في فَصٍّ واحد يعني كَرَّرَ الكلام وعَبَّرَ عنه. وهذا ليس خاصًّاً بهذا الرجل بل كذلك مَنْ بعده ممن شَرَحُوا أو الميرغني أو التيجاني أو مَنْ شابههم كان كلٌ منهم يعتقد في نفسه أَنَّهُ خاتم الأولياء. ٢- الأمر الثاني: أنَّ خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء؛ لأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ عن الله بواسطة وخَاتَمْ الأولياء يأخذ مباشرة؛ ولأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ الناس بما يُصْلِحِ ظاهرهم وخَاتَمْ الأولياء يُصْلِحُ باطنهم. ولهذا يقول: مثلاً الميرغني في بعض كلامه: من رآني، ومن رَأَى مَنْ رَآني إلى خمسة أجيال فإنَّهُم مُحَرَّمُونَ عن النار، لما في خَاتَمْ الأولياء من النُّور الذي قذفه الله فيه، فينبَعِثُ هذا النور فيمن رآه ورَأَى من رآه إلى آخره. أو كما قال. وهذا العقيدة بها جعلوا أنَّ للوَلِي ما يَفْضُلُ به النبي والعياذ بالله. ٣- الأمر الثالث: أنَّ الولي والنبي بينهما فَرْقْ من جهة أنَّ النبي جاءَهُ الوحي اختياراً من الله ، وأمَّا خَاتَمْ الأولياء فَفَاضَ عليه الوحي؛ لأنَّهُ اسْتَعَدَّ لذلك بتصفية باطنه، فعنده القَبُولْ والاستعداد لأَنْ يُفَاضَ عليه، وبهذا صار خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء. هذه ثلاث مجملات في تلخيص كلامهم.

стр. 667

[المسألة الثالثة] : أهل السنة يعتقدون بكرامات الأولياء كما سيأتي لكن بالاعتقاد الصحيح، لكن عند كثيرين من الفئات التي تعتقد في الأولياء، مثل الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية يعتقدون أنَّ أفضل المقامات مقام الولي، ويليه الدرجة الثانية مقام النبي، ويليه مقام الرسول، وفيها يقول قائلهم: مقام النبوة في برزخٍ ****** فُوَيْقَ الرسولِ ودونَ الولي (مقام النبوة في برزخٍ) يعني هو الوسط. (فُوَيْقَ الرسول) الرسول تحت النبي مع أنَّ الرسول هو أفضل من النبي، النبي تحته بقليل يعني بقليل. (فويق) يعني بينهما شيء يسير. (ودون الولي) يعني بينه وبين الولي مراتب. فالأعلى عندهم الولي ثُمَّ بعده النبي ثُمَّ الرسول. وهذا القول في الترتيب قال به غلاة الصوفية وكما ذكرت لك النقل عنهم، وقال به أيضاً أئمة مذهب الاثني عشرية مثل ما ذكرت لك في أول الكلام عن قول الخميني حيث قال (من ضروريات مذهبنا) . (ضروريات) معناها الشيء الذي لا يحتاج إلى استدلال، الذي يُحَسْ بأحد الحواس الخمس، ما يحتاج إلى دليل ولا برهان، الشيء الضروري ما يحتاج إلى دليل وبرهان لأنَّهُ محسوس. قال (من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل) . يعني أَنَّ مقام الأولياء -يعني الأئمة الاثني عشر- أعلى من مقام الأنبياء. وهذا بلا شك طعنٌ في القرآن وطعنٌ في السنة وطعنٌ في الصحابة، وهكذا يبلغ الأمر عند من قاله؛ لِأَنَّ أفضل هذه الأمة وأحق الناس بأن يكون من الأولياء أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم العشرة المبشرون بالجنة، وهكذا، فهؤلاء هم الأولياء وهم سادة الأولياء والأصفياء وخير الصحابة رضوان الله عليهم. وإذا كان النبي ﷺ فَضَّلَ قرنه فقد فَضَّلَ أبا بكر وفَضَّلَ عمر. فكيف يكون واحد من هذه الأمة يأتي ويَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الصحابة، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل الأولياء وخاتَمْ الأولياء، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الأنبياء. لا شك أنَّ هذا القول من صاحبه قد يُحْكَمُ بِكُفْرِ صاحبه؛ بل حَكَمَ كثير من العلماء بكفر من قال هذه المقالة؛ لأنَّهَا قدح في القرآن وقدح في السنة، ورفع لمقام الولي، وتهجين مقام النبي والرسول، ورفع خَاتَمْ الأولياء على خَاتَمْ الأنبياء. ولهذا مع اختصارٍ في المقام، ذكر الطحاوي ﵀ هذه الجملة ورَكَّزَ عليها يعني في هذه العقيدة لأنها بدأت في زمانه وهي سبب الشر في افتراق الناس مع طرق الصوفية إلى هذا الزمان، وقال (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدَاً مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ ما فيه ولي يمكن أن يكون أفضل من نبي؛ بل أفضل الناس هم الأنبياء ثم يليهم الأولياء، صحابة رسول الله ﷺ وصحابة كل نبي إلى آخره. قال (وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ) ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] .

стр. 668

قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ)

стр. 669

[المسألة الأولى] : كرامات الأولياء جمع كرامة، والكرامَةُ في اللغة: إِكْرَامْ من الإِكْرَامْ، وهو ما يُؤْتَى المُكْرَمْ من هِبَةٍ وعَطِيَّة وهِيَ في باب الكرامة من الله . وفي الاصطلاح عُرِّفَتْ كرامة الولي بأنَّهَا أَمْرٌ خارق للعادة جرى على يدي ولي. وكونه خارِقَاً للعادة يخرُجُ به ما يُنْعِمُ الله به من النِّعَمْ على عباده مما لا يدخل في كونه خارِقَاً للعادة، فأهل الإيمان يُنْعَمُ عليهم بنعم كثيرة وهي إكرامْ من الله ؛ لكن لا تدخل في حد الكرامة. فالكرامة ضابطها أنَّهَا أمرٌ خارقٌ للعادة. والعادة هنا، خارقٌ للعادة أي عادة؟ عادة أهل ذلك الزمان. فقد يكون خارقَاً لعادة أناس في القرن الثاني وهو ليس بخارِقٍ لعادتنا في هذا الزمن. مثلاً أنْ يَنْتَقِلْ من بلدٍ إلى بلد في ساعة، من الشام إلى مكة أو إلى القدس في ساعة، ويُصَلِّي هنا إلى آخره، أو أن يُحْجَبَ عن بعض المكروه، أو أن يكون عنده علم بحال أُنَاسٍ بالتفصيل يسمع كلامهم ويرى صورتهم في بلدٍ بعيدٍ عنه، هو في الجزيرة ويرى حالهم في الشام أو في مصر أو في خراسان أو ما أشبه ذلك. هذه في زَمَنٍ مَضَى كانت خوارق لعادة أهل ذلك الزمان لكنَّهَا بالنسبة لأهل هذا الزمان ليست بخارقٍ مُطْلَقاً. لهذا تُضْبَطْ العادة في تعريف الكرامة (خارقٌ للعادة) بأنها عادة أهل ذلك الزمن. والمعجزة أيضاً أو الآية والبرهان للنبي وخوارق السَّحَرَة والكهنة كما سيأتي فيها خَرْقٌ للعادة لكن مع اختلاف الخارق واختلاف العادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. (جرى على يَدَي ولي) قوله جرى يعني أنَّهُ أُكْرِمَ به الولي فَجَرَى على يديه. وقد يكون أُعْطِيَ القدرة وقد يكون الولي أَحَسَّ بالشيء وجَرَى على يديه دون قدرةٍ منه، إما من الملائكة أو بسببٍ شاءه الله . وآخر جملة (على يدي ولي) يخْرُجُ منها ما جرى على يَدْ الأنبياء فهي أمرٌ خارق للعادة لكنَّهُ ليس على يدي ولي، وإنما على يدي نبي، كذلك خوارق السحرة والكهنة والمشعوذين فهي شيطانية ليست إيمانية، ولذلك لا تدخل في التعريف.

стр. 670

[المسألة الثانية] : الأصل في كرامات الأولياء من القرآن قول الله ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] ، وقوله أيضاً ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] ، وقوله ﷺ «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» (١) . ومن الواقع فإنَّهُ تواتر النَّقْلُ عن الصحابة وعن التابعين ومن تَبِعَهُمْ وعن الأُمَمْ السالفة، تَواتَرَ النقل بما لا يكون معه مجال للتكذيب ولا للرَّدْ بنَقْلِ عددٍ كبير يختلفون في أماكنهم ويختلفون في لغاتهم بحصول هذه الكرامات، فيكون معه النقل متواتراً ويكون دليلاً من الأدلة في هذه المسألة. فإذاً حصول الكرامات دَلَّ عليه القرآن والسنة ودَلَّ عليه التواتر في النقل عن الأمم السالفة وعن هذه الأمة.

стр. 671

[المسألة الثالثة] : الكرامة تَبَعٌ للوَلَايَة، والأولياء جعلهم الله هم أهل الإيمان والتقوى قال ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، فالولي الذي يُعْطَى الكرامة هو الموصوف بهذين الوصفين: الإيمان والتقوى. فلو جَرَى الخَارِقْ على يدي من لم يُوصَفْ بالإيمان والتقوى فليس هو مِنَ الكرامة؛ لأَنَّ الله جَعَل الوَلاية في أهل الإيمان والتقوى، وهم الذين يُعْطَونَ الكرامة. وهاهنا سؤال: هل المبتدع أو الضَّالْ أو العاصي يُعْطَى كرامة؟ والجواب عن ذلك: أَنَّ الأولياء -كما قَرَّرَ أهل العلم- على فئتين: - الفئة الأولى السابقون. - والفئة الثانية المُقْتَصِدُونْ. فليس للظالم لنفسه المقيم على المعصية حظ في الكرامة. لكن قد تجري الكرامة على يَدَيْ من عنده بدعة أو معصية أو ظلم لنفسه، وذلك راجع لأسباب: ١- السبب الأول: أن يكون ليس هو المراد بها وإنَّمَا يكون هذا المبتدع أو هذا الظالم لنفسه في جهادٍ مع الكافر، في جهادٍ مع العدو الكافر فيعطيه الله الكرامة لا لذاته ولكن لما يُجَاهِدَ عليه، وهو الإسلام والإيمان ورد الكفر. فيكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لا يغتر بها لأنها ليست لشخصه وإنما هي للدليل على ظهور الإيمان والإسلام على الكفر والإلحاد والشرك ونحو ذلك. ٢- السبب الثاني: أن يكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لحاجته إليها في إيمانه أوفي دُنْيَاه، فتكونُ سبباً له في استقامة أو في خير. فلهذا من جرى على يديه شيء في ذلك فينظر في نفسه: - إنْ كان من أهل الإيمان والتقوى فيحمد الله ويُثْنِي عليه ويُلازِمُ الاستقامة على ما أكرمه الله به. - وإن كان من أهل البدعة أو المعصية أو الظلم للنَّفْسْ، فيعلم أَنَّ في ذلك إشارة له أن يلازم سنة النبي ﷺ والإيمان والتقوى حتى تكون البُّشرى له في الدنيا والأخرى، وإلَّا يكون قد قامت عليه حُجَّةْ ونعمة من الله رآها ثُمَّ أَنْكَرَهَا.

стр. 672

[المسألة الرابعة] : كرامة الأولياء هي أمْرٌ خارِقٌ للعادة، وتشترك مع مخاريق السَّحَرَة والكَهَنَة في أنها أَمْرٌ خارق للعادة، وكذلك معجزات الأنبياء والآيات والبراهين هي أمر خارق للعادة. فخَرْقُ العادة في نفسه ليس مُثْنَىً عليه، فقد تُخْرَقُ العادة لِمُبْطِلْ، وقد تُخْرَقُ العادة لصالح -يعني لرجلٍ صالح-، وقد تُخْرَقُ العادة لكاهنٍ، ساحر، وقد تُخْرَقُ العادة لوليٍ صالح. ولهذا وَجَبَ أن يكون ثَمَّ فُرْقَانْ في خَرْقْ العادة عند من حصلت له وعند الناس. هل خُرِقَتْ العادة لمؤمِنٍ تقي أو لمبطلٍ غير متابع للسنة من السحرة والكهنة وأشباههم؟ فنعلم حينئِذْ الفُرقانْ البَيِّنْ بين كرامة الولي وخرق العادة له وأنَّهَا خَرْقٌ إيماني، خَرْقٌ من الله لإكرامه وكرامته، وبين خرق العادة للساحر والكاهن والمشعوذ وأنها خارقٌ شيطاني؛ لأنَّ الشياطين لها قدرة في خَرْقِ عادة. لكن ثَمَّ فرق بين خارق العادة للشياطين وخارق العادة للأولياء، وهو: @ أنَّ خارق العادة للأولياء هذا: - أولاً: من الله أولاً. - ثانياً: وأَثَرٌ من متابعة الرسول ﷺ . - ثالثاً: أنَّهُ خرقٌ لعادة أهل الزمان، فهو في جنسه أعظم وأرفع من جنس خوارق السحرة. @ وأما خوارق السحرة فهي: - أولا: من الشيطان، مخاريق شيطانية نتجت من التَّقَرُبْ للشياطين والتعاون معهم حتى خدمتهم الشياطين، كما قال في سورة الأنعام لما ذَكَرَ حشر الجن والإنس يوم القيامة قال ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨] ، فاسْتَمْتَعَ الإنْسِيْ بالشيطان الجني واستمتع الشيطان الجني بالإنسي، فهذا تَقَرَّبَ وهذا خَدَمْ، لهذا منشؤُهَا من جهة الشيطان. - ثانياً: أنها متابعة للمعصية والبدعة والشرك إلى آخره التي هي مخاريق السحرة. - ثالثاً: أنَّهَا محدودة، وفي الغالب أنها تَخْيِيْلْ وليست حقيقة، والشيطان هو الذي يَتَمَثَّلْ وليس من أُعْطِيَ الخارق أو من جَرَى الخارق على يديه في ظاهر أعين الناس أنه هو الذين انتقل. مثلاً وُجِدَ في الشام ووُجِدَ في مكة في نفس الوقت، وُجِدَ في مصر في القرية الفلانية ووُجِدَ في القرية الفلانية، هذا لا يمكن أن يكون إلا من الشيطان. مثلاً مثل ما قال عبد الوهاب الشعراني في ترجمة أحد من ادَّعَى أنهم مجاذيب ومجانين وأولياء-يعني في الثناء عليه- قال في ترجمته (وكان ﵀ يخطب الجمعة في سبع قرىً في مصر) . وهذا خارقٌ عند الناس، كيف القرية هذه والقرية هذه كلهم يخطب فيهم هذا؟؟ فيكون الشيطان تَمَثَّلَ به وخَدَمَه حتى يُغوِي الناس، وبالإضافة إلى ذلك هو مجنون ومجذوب وما شابه ذلك. فإذن الشياطين تخدم الساحر والكاهن لكنْ أكثر ذلك تَخْيِيْلْ كما قال ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] ، وثَمَّ تفصيل للكلام على هذه المسائل المهمة في مسائل نأتي إليها إن شاء الله تعالى في الدّرس القادم.

стр. 673

الأسئلة: س٢/ ألا يقصد المؤلف ﵀ بأهل الحديث والأثر من ذُكِرُا في حديث (خير القرون قرني) ؟ ج/ هذا قد يرد ولكن لا يُسَمَّى الصحابة أهل الأثر، لأنَّ التقسيم بين أهل الأثر وأهل النظر هذا إنما أتى بعد ذلك فلا نقول إنَّ في الصحابة أهل أثر وأهل نظر، إنما هذا نشأ في أوائل القرن الثاني من مدرسة المدينة أهل الرأي والكوفة الرأي إلخ، فانقسم أهل العلم إلى مدرستين مدرسة النظر والفقه ومدرسة الفقه والأثر. س٣/ تكثر المراثي والأشعار فيمن يموت من العلماء وغير ذلك، ويحصل من المبالغة في ذكر المحاسن والثباكي عليه وثَمَّ سؤالان: الأول: هل هذا من النياحة؟ الثاني: يرد في كثيرٍ منها بعض الألفاظ الشركية أو قريب منها والمبالغة الشديدة إلى آخره. وذَكَرَ أمثلة من ذلك، وأظنه يقول القصائد كانت في رثاء الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وثَمَّ مدخل لأهل البدع؟ ج/ لاشك أنَّ ما رُثِيَ به سماحة الشيخ عبد العزيز ﵀ فيه قسم منه حق وطَيِّبْ وجزى الله الرَّاثين خيراً. والعلماء يرثون العلماء والشعراء يرثون أهل العلم ومن في فقدهم على الإسلام والمسلمين الأَثَرْ. لكن القسم الثاني من تلك المراثي كما ذَكَرْ من الأمثلة فيها من الغلو ووسائل الشرك ونداء الميت ما فيه، وهذا مما يُبَيِّنُ لك غُرْبَةْ التوحيد، وأَنَّ الناس لا يَصِحُّ أن يقولوا التوحيد علمناه والحمد لله، الناس على الفطرة ولا يحتاجون للعقيدة والتوحيد. هذا في موت سماحة الشيخ لمَّا سِيْرَ بجنازته من الناس من تَمَسَّحَ به وألقى عليه غترة وسمح من الجهلة، ولمَّا جاءت القصائد فيه من يُشَارُ إليهم من ناداه في قصيدته يا أبا عبد الله وغوث الملاهيف (١) ونحوه من المبالغات. وهذا يدلك على أنَّ رسالة الشيخ ﵀ في حياته والدعوة التي أقامها في ملازمة السنة وترك البدع ورَدْ وسائل الشرك ووسائل البدع فيمن هو أفضل من الشيخ ﵀ هو النبي ﷺ ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره. الشيخ أقام حياته لتقريض السنة والرد على البدع ووسائل الشرك، فيأتي من يغلو فيه إما لغرضٍ صالح أو لغرضٍ غير صالح أيضاً. لاشك أنَّ هذا ذنب وإثم على من قاله ويجب عليه التوبة وسحب هذه القصائد وأن يراجعها أهل العلم إذا كان فيها شيء منكر وجَبَ عليه أن. وهذه نتبرأ منها، نحن نتبرأ ممن غلا في مدح الأولياء، الصحابة، وفي مدح النبي ﷺ غلا فيه الغُلُو الذي أوصله إلى مقامٍ لم يجعله الله له، فكيف بمن هو دون النبي ﷺ ودون الصحابة من العلماء والأولياء ومثل سماحة الشيخ ﵀؟ لاشك أنَّ الواجب الإنكار ولا نُقِرُّ شيئاً من ذلك ونبرأ منه. وليس لأهل البدعة حجة في ذلك لأنَّ أهل التوحيد فيهم جَهَلَة أيضاً، مثل ما في أهل البدع جَهَلَة، فَمِنْ أهل البدع جَهَلَة يبالغون في المدح ويطرون، كذلك في المنتسبين إلى التوحيد وإلى أهل التوحيد وإلى أهل العقيدة فيهم من يجهل كثيراً فيُخْطِئْ ويتجاوز. وذَكَّرَنِي هذا حينما رأيت بعض الأشياء، ذَكَّرَنِي هذا بحياة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش حياته للعقيدة وللتوحيد ولنصرة السنة ولرد البدع ووسائل الشرك والغلو في الأموات ثُمَّ بعد ذلك جنازته صُلِّيَ عليها الظهر وظلت تمشي إلى المقبرة والناس يُلْقُونَ عمائمهم ويُلْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ على جثمان شيخ الإسلام تَبَرُّكَاً به، فما حياته إذاً؟ هؤلاء الجهلة الكثيرون حتى ولو انتسبوا إلى الثقافة وإلى العلم، هؤلاء الجهلة بحاجة إلى أن يدرسوا العقيدة ويعلمون ما يحل وما يحرُمْ. هو يريد أن يرثي إماماً وعالماً مثل سماحة الشيخ ويقع في الإثم ويجعل الإثم أيضاً ينتشر في الأمة والبدعة ووسائل الشرك، فبَدَلَ أن نسير في دعوته وما عاش في حياته له نخالفه بعد وفاته. وهذا لاشك أنه مما يَسُرُّ الشيطان ويأنس له. والغلو شرٌّ، الغلو شر، وهدي الصحابة في ذلك هو الهدي الكامل، فكم المراثي في أبي بكر وكم المراثي في عمر وفي عثمان وكم المراثي في ابن عمر وابن عباس، اجمعوها أليس في زمنهم من الشعراء والعلماء من فيه؟ لكنها قليلة، مُحَافَظَةً، لا لأنهم لا يستحقون؛ لكن خشيةً من الغلو، وأحياناً بعض المسائل يُعَامِلْ فيها الإنسان الناس بنقيض القصد حتى لا يتوسعوا في الشرك والبدع. ولهذا ينبغي عليكم جميعاً أن تَسْتَدِلُّوا بما حصل من هذه التجاوزات على غربة التوحيد ويعطيكم دليلاً على أنَّهُ في هذا البلد والذين هم قريبون من الشيخ ويعلمون دعوته ويعلمون الكتب التي شرحها ودَرَّسَها وفتاويه التي يرد فيها على أقل البدع وعلى أقل وسائل الشرك كيف أَنَّ الناس يخالفونه وهم عاشوا معه سنين عدداً. فما أشد الغربة وما أشد حاجة الناس إلى التوحيد والعقيدة العلم الصحيح والالتزام بالسنة.

стр. 674

أسال الله أن يرفع درجة شيخنا في عليين وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأن يجعله مع الأئمة السابقين ممن أحبهم واقتفى أثرهم إنه سبحانه على كل شيء قدير. س٤/ ما رأيكم ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟ ج/ هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَبْ لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونُقِلْ لبعض العلماء فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريباً -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَلْ: قول سفيان قول وكيع قول سفيان الثوري قول سفيان بن عيينة قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة. فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَلْ. ولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري وكَتَبْ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، وفي كتبه جميعاً يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان. وهكذا درج العلماء على ذلك كما قال الإمام الطحاوي إلا -كما ذكرت لك- بعض من زاد، غلا في الجانبين: إما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةْ وسَمَّاهُم جهلة. ومن غلا أيضاً من المنتسبين للحديث والأثر فوقع في أبي حنيفة ﵀ أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية أو في العلماء. والمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي وهو الذي عليه أئمة السلف. لمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل وأن يُنْظَرْ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل فَيُؤْخَذُ بِهِ وأن لا يُتَابَعْ عالم فيما أخطأ فيه وفيما زل؛ بل نقول هذا كلام العالم وهذا اجتهاده والقول الثاني هو الراجح. ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقاً لهذا الأصل. حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز ﵀ لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتابة السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ ﵀ رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعْ وأن لا يُبْقَى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك. وطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد. حتى طُبِعَت مُؤَخَّرَاً في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره. وهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك. ولما طُبِعْ كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعياً لسماحة الشيخ عبد العزيز ﵀، فطَرَحْتْ عليه أول ما طُبِعْ كتاب السُّنَّة الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ. فقال ﵀ في مجلس الشيخ صالح قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّنْ ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفْ وإيراده ليس مناسباً. وهذا هو الذي عليه منهج العلماء.

стр. 675

زاد الأمر حتى صار هناك تآليف يُطْعَنْ في أبي حنيفة وبعضهم يقول أبو جيفة ونحو ذلك، وهذا لاشك أنه ليس من منهجنا وليس من طريقة علماء الدعوة، ولا علماء السلف لأننا لا نذكر العلماء إلا بالجميل، إذا أخطؤوا فلا نتابعهم في أخطائهم، وخاصَّةً الأئمة هؤلاء الأربعة؛ لأنَّ لهم شأنَاً ومقاما لا يُنْكَرْ. نكتفي لهذا القدر أسأل لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 676

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: الأسئلة: س١/ هل في هذه الكلمة محذور شرعي وهي صورة لقطعة من الذُّرَة ومكتوب عليها: (هذه من خيرات الطبيعة) حيث أنها تنتشر دعاية لمثل هذا في الشوارع؟ ج/ هذا صحيح رأيناه في الشوارع، هذه الكلمة كلمة فيها سو؛ ء لأنَّ الخير من الله ، والطبيعة مطبوعة ليست طابعة للأشياء، فعيلة بمعني مفعولة، هي مطبوعة، طَبَعَهَا الله وجعلها على هذا النحو من سُنَنِهِ، فالله هو الذي جعل سُنَّتَهْ أَنَّ الماء ينزل وأَنَّ الأرض تُنبِتْ وأنَّ الأرض تتنوع، ما ينتج منها. ولهذا هذه الكلمة فيها مخالفة فينبغي بل يجب تجنبها حفظَاً لنعم الله على عباده. س٢/ في قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] هل إذا غلب على الظن عدم الانتفاع يجوز السكوت عن المنكر؟ ج/ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وقد ذكرت لكم الخلاف أظن في شرح الواسطية (١) أو في بعض المواضع، والآية استدَلَ بها جماعة من العلماء منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية شيخ الإسلام ومنهم ابن عبد السلام في القواعد وجماعة، وذكر هذا أيضاً ابن رجب عن بعض أهل العلم في شرحه على الأربعين. والآية فيها دليلْ على أنَّ الذِكْرَى مأمور بها إذا كانت ستنفع؛ لأنَّ الله قال ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَمَرَ بالتذكير إذا كانت الذكرى ستنفع. هل يدخل هذا في النهي عن المنكر، أم هذا في التذكير بما ينفع الناس؟ ظاهر لكلمة ﴿الذِّكْرَى﴾ أنها تشمل الأمر بالمعروف وتشمل النهي عن المنكر؛ لأنَّ التذكير يشمل هذا وهذا في القرآن والسنة. لهذا قال طائفة من العلماء ممن سَمَّيْنَا ومن غيرهم: إنَّهُ للمرء أنْ يترك الإنكار إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، كذلك يجوز له أن لا يُذَكِّرْ إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، أما إذا غلب على الظن الانتفاع بالإنكار أو الانتفاع بالذِّكْرَى فهنا يجب عليه أن يُنْكِرْ ويحب عليه أن يأمر بالمعروف بحسب الحال، هذا قول. الجمهور على خلاف ذلك وهو أنَّ الأحاديث دَلَّتْ على أَنَّ المنكر إذا رُئِيَ وَجَبَ تغييره، لهذا قالوا سواءٌ غلب على الظن أو لم يغلب على الظن فلابد منه حفاظاً على ما أجب الله . ولهذا قال لمَّا ذَكَرَ حال أهل القرية ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤] ، فَدَلَّ على هذا أنَّ المعذرة مطلوبة وأن لا يُسْكَتْ عن المنكر؛ لكن هذا لا يَدُلُّ على الوجوب، وحال الصحابة بكثيرٍ من أحوالهم وخاصَّةً لما دَخَلُوا على الولاة -ولاة بني أمية والأمراء- فيما سكتوا عنه وفيما لم يُنْكِرُوهُ، قال ابن عبد السلام ويُلْمِحُ إليه كلام ابن تيمية أيضاً أنهم أخذوا بأنه غلب على ظنهم أنهم لا ينتفعون بذلك لِعِلْمِ الواقع في المنكر ولأجل أنَّهُ يعلم أنَّهُ لو أُنْكِرَ عليه فإنه لن يستجيب. المقصود من ذلك أن العلماء لهم في ذلك ثلاثة أقوال: ١ - القول الأول: أنه يجب الإنكار مطلقا كما أمر النبي ﷺ . ٢ - القول الثاني: أنَّهُ يجب مع غلبة الظن، وإذا لم يغلب على الظن فإنه يجوز له أن ينكر (٢) . ٣ - والقول الثالث: وهو المتوسط بينهما أنَّهُ لا يجب ولكن يستحب إذا غلب على الظن عدم الانتفاع. وهذا معناه أنَّ الإنسان لا يُؤَثِّمْ نفسه فيما غلب على الظن عدم الانتفاع. وهذا يحصل في المسائل التي يغلب فيها الظن على عدم الانتفاع مثل المنكرات المنتشرة، مثل مثلاً حلق اللحى، ومثل الإسبال، ومثل كشف المرآة لوجهها، ومثل رؤية المجلات رؤية صور النساء المحرمة في المجلات، أو مثل هذه يغلب على الظن من الناس عدم الانتفاع مطلقاً أو عدم الانتفاع في وقتها؛ يعني بحسب الحال. لكن إذا غَلَبَ على الظن أنه إذا وَعَظَهُ أو أَمَرَهُ أو نهاهُ أنه ينتهي ولو في الوقت نفسه، فهذا يتعين عليه. يعني دَخَلَ في المسألة مثل غيرها مع القدرة؛ لكن إذا كان يظن أنَّهُ إذا قال له لا تحلق لحيتك أو هذا حرام أنه لن ينتفع، فلا يجب عليه حينئذ ويسلم من الإثم. المقصود السلامة من الإثم في مثل هذه الحال، والله المستعان كلٌ في هذا الباب مقصر، نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم.

стр. 677

[المسألة الخامسة] : كرامات الأولياء ترجع إلى نوعين: - ترجع إلى القُدْرَةْ. - وترجع إلى التأثير. والقُدْرَةْ والتأثير قد يكونان في الأمور الكونية وقد يكونان في الأمور الشرعية. ١ - القسم الأول: كرامات ترجع إلى القدرة: القدرة قد تكون في الكونيات وقد تكون في الشرعيات: @ النوع الأول من القُدْرَةْ: قدرة في الكونيات: مثال القُدْرَةْ في الأمور الكونية: أن يُقْدِرَهُ الله على ما لم يُقْدِرْ عليه غيره من الناس؛ بأن يَسْمَعْ ما لم يسمعوا، أو أن يَقْدِرْ من حيث المشي أو القُدْرَةْ البدنية على ما لم يقدروا، أو أنَّهُ يَغْلِبْ بما لم يَقْدِرُ عليه الواحد في العادة. يعني أنه راجعٌ إلى قُدْرَةٍ -يعني الكونيات- إلى قُدَرٍ في السماع، في الآلات، في السمع أو في البصر أو في القوى والأركان. هذا له مثال أو له أمثلة، فمن القدرة في السمعيات سَمَاعْ سارية كلام عمر ﵁ وهو في المدينة حيث كان يخطب، فقال (يا سارية الجبل الجبل) ، يعني الزم الجبل، وسارية كان في بلاد فارس وسَمِعَ الكلام. وهذا لاشك قدرة في السماع خارقة للعادة أُوتِيَهَا. وكذلك هي من جهة عمر ﵁ قُدْرَةْ في الإبصار حيث إنَّهُ أَبْصَرَ ما لم يُبْصِرُهُ غيره، فقال: يا سارية الجبل الجبل. فنظر إلى سارية ونظر إلى الجبل ونظر إلى العدو وكأنَّ الجميع أمامه، ولهذا قال: الزم الجبل. هذه قدرة في الآلات، في السمع وفي البصر. كذلك قد تكون القدرة في القُوَى -يعني هذه في الكونيات- قد تكون القدرة في القُوَى بأن يَغْلِبْ ما لم يغلبه مثله، وبأن يمشي مثلاً على الماء مثل ما حصل لسعدٍ ومن معه، سعد بن أبي وقاص، ومثل أن ينوم نومة طويلة كأصحاب الكهف لا يتغير فيها البدن ولا يتأثر فيها أكثر ثلاثمائة وتسع سنين وهكذا. ومثل إحياء الفرس، يُعْطَى قوة فيمسح على الفرس أو يأمره بأن يحيى فيحيى له فرسه. ومثل أن يدخل في النار فلا تؤثر فيه أو فلا تأكله النار. المقصود هذه القدرة راجعة إلى قُدَرٍ في الكونيات يُكْرِمُ الله بها العبد بحيث تكون فيما يحصل له في ملكوت الله . @ النوع الثاني من القُدْرَةْ: قدرة في الشرعيات: ونقصد بالشرعيات يعني المسائل الدينية، فيكون عنده قدرة بأن يستقبل من العلم والدين ما لا يستقبله غيره من جهة الحفظ -حفظ الشريعة- أو الفهم الذي يُؤتيه الله من خَصَّهُ من أوليائه أو ما شابه ذلك، فعنده قدرة في فهم الشرعيات وفي فهم مراد الله وفي الحفظ وفيما أُعْطِيَ بمزيد عن عادة أمثاله. هذا يكون بالإكرام إذا خَرَجَ عن مقتضى العادة، صار خارقَاً للعادة في حال بعض الناس. ٢- القسم الثاني: كرامات ترجع إلى التأثير: التأثير قد يكون أيضاً في الكونيات وقد يكون التأثير في الشرعيات. @ النوع الأول من التأثير: تأثير في الكونيات: يعني تأثيرٌ يرجع إلى تأثيرٍ في الكون بأن يُؤَثِّرْ في المكان الذي هو فيه، أو في أبصار الناس بأن لا يروه، مثل ما حصل مثلاً للحسن البصري ﵀ حيث دَخَلَ عليه بعض الشُّرَطْ لِطَلَبِهِ فلم يروه، دخلوا وداروا في المكان وهو جالس في وسط الدار فلم يروه، وأشباه ذلك مما فيه تأثيرٌ في قُدَرْ الآخرين. الأول قُدْرَةْ في نفسه والتأثير يكونُ في قُدَرِ الآخرين، التأثير في خصائص الأشياء، التأثير في خاصية الهواء، خاصية الماء ونحو ذلك، هذا قد يؤتيه الله بعض أوليائه لحاجتهم إليه كما ذكرنا. @ النوع الثاني من التأثير: تأثير في الشرعيات: يعني أن يُؤَثِّرْ في ما هو مطلوب شرعَاً، إذا عَلَّمَ فإنَّهُ يقع تعليمه موقع النفع أكثر من غيره، يعني بشيءٍ لا يُسْتَطاع عادة، يكون فيه الأمر زائِدْ عن العادة، له قَبُولْ والكلام يقع موقعه أكثر مما اعتداده الناس في أمثال أهل العلم، كذلك تأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا أمر ونَهَى فإنه يؤثر التأثير البالغ بحيث لا يُعَارَضْ، ومثل أن يُؤَثِّرْ في الناس في هدايتهم إذا وعظ، إذا قال لفلان من الناس افعل كذا أطَاعَهْ، إذا وعظ رق قلبه، إذا أَمَرَ بالتوبة أُطِيع ونحو ذلك مما هو خارجٌ العادة إلَّا أنَّ الناس من عادتهم أن يطيعوا ولا يطيعوا. هذا التقسيم ذكره شارح الطحاوية في هذا الموقع، وشيخ الإسلام قَسَمَهُ في الواسطية -كما تعلمون- إلى أنَّ الخوارق التي تجري على يدي الولي وتُسَمَّى كرامة: - تارةً تكون في العلوم والمكاشفات. - وتارةً تكون في القدرة والتأثيرات. فَجَعَل القدرة والتأثير باباً واحداً، وجَعَلَ العلم والمكاشفة جعله باباً آخر. وهذا التقسيم أيضاً ظاهر، وهي تقاسيم باعتبارات مختلفة.

стр. 678

[المسألة السادسة] : ذكرنا لكم أنَّ الخوارق ثلاثة أقسام: - خارقٌ للعادة جرى على يدي نبي ورسول، وهذا يسمى آية وبرهان ومعجزة. - وخارقٌ للعادة جرى على يدي ولي، وهذا يسمى كرامة. - وخارقٌ للعادة جرى على يدي شيطان أو عاصي أو مبتدع أو من ليس مطيعاً لله ومُتَّقِيَاً له، فهذا يسمى حالاً شيطانياً. فالفرق بين هذه الثلاثة أشياء واضح: ١ - أولاً: أنَّ الأمْرَ الخارق للعادة بحسب من يضاف إليه: - فإذا أضيف إلى النبي صار اسمه آية وبرهانا ومُعْجِزَاً. - وإذا أضيف إلى الولي فإنه يُسَمَّى كرامة. - وإذا أضيف إلى أصحاب الكهانة والسحر والشعوذة فيُسَمَّى حالاً شيطانياً. ٢- ثانياً: أنَّ خرق العادة الذي يجري للولي لا يكون مصحوباً بِدَعْوَى النُّبُوَة، فقد يجري للأولياء أحوالٌ عظيمة لكنها مع عدم دعوى النبوة. فإذا ادَّعَى مع تلك الأحوال النبوة صار شيطاناً، وصار ما يُسَاعَدُ به إنما هو من جهة الشياطين والسحرة وأشباه ذلك. ٣- ثالثاً: أنَّ ما تُخْرَقُ به العادة للنبي أوْسَعْ بكثير وأعظم من مما تُخْرَقُ به العادة للولي، فخَرْقُ العادة للولي محدود بالنسبة لخرق العادة للنَّبِي. وخَرْقُ العادة للسحرة والكهنة الشياطين وأهل الشعوذة وأهل العصيان الذين يَدَّعُونَ الأحوال هذه ليست خرقاً للعادة في الحقيقة ولكنها قُدْرَةْ مما أَعْطَى الله الشيطان أن يوهم به الناس وأن يُضِلَّ الناس به، من جهة التخييل تارة، ومن جهة تصَوُّرِهِ وتَشَكُّلِهِ في صُوَرْ وأشكال تارة أخرى. أما خرق العادة بالنسبة للأنبياء، فالأنبياء يَخْرِقُ الله لهم العادة أي عادة الجن والإنس في زمانهم، حتى يكون ما يُعْطَوهُ آيةً وبُرْهَانَاً؛ لأنَّ الساحر والكاهن قد يُعارِضُ النبي بما أُعْطِيَ من خارقٍ للعادة بما يمكِنُ للشياطين أن تُمِدَّ بِهِ هذا الساحر والكاهن إلى آخره. لكن جَعَلَ الله الخارق للعادة بما لا يمكن للإنسي ولا للجني لو اجتمعت أن يُعْطَوا ذلك، كما قال ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ، فالقرآن آية، برهان، وهكذا آية موسى ﵇، الآيات التي أوليتها موسى لا تستطيعها السَّحَرَة ولا الكهنة، وكذلك ما أعطى الله عيسى من الآيات، وكذلك كل نبي ورسول لا يستطيعه أهل زمانهم من الإنس والجن لو اجتمعوا، فإنهم لا يستطيعون ذلك. ولهذا صار مثلاً حمل الشيء الكبير العظيم من بلدٍ إلى بلد لا يدخل ضمن معجزات الأنبياء كما حصل في قصّة سليمان ﵇: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩] ، هذا حَمْلْ لِمُدَّةْ أنْ يقومَ بالمقام، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠] ، فصار جَلْبْ هذا الشيء من مكانٍ إلى مكان، من اليمن إلى أرض سليمان ﵇ في فلسطين، صار جَلْبُهُ ليس من آيات الأنبياء ولا من براهين الأنبياء، فصار في حق الذي أُوتي علماً من الكتاب: كرامة (١) . : [[الشريط السابع والأربعون]] : وما قام به الجن هذا مما يَقْدِرُونَ عليه، فَخَرْقُ الجن للعادة بما لا يستطيع البشر قُصَارَى ما عندهم أنْ يأتوا به قبل أن يقوم من هذا المقام، يعني ذلك الجني الذي قال تلك الكلمة، وهذا الذي أُكرِمْ، أُكرِمْ بأن يَدْعُوَ فيُؤْتَى بالعرش إلى سليمان ﵇. وهذا من جهة هو كرامة لمن أُعْطِي، ومن جهة أخرى هو أيضاً آية لسليمان ﵇ بالنظر إلى تسخير هذا الإنس والجن له مما لا يُسَخَّرُ معه الإنس والجن والطير لغير نبيِّ من الأنبياء. المقصود من ذلك: - أنَّ خارق النبي آية وبرهان؛ لأنه يَخرِقُ عادة الجن والإنس في ذلك الزمان. - أمَّا خارق الولي فهو محدودٌ بالنسبة إلى خارق النبي في أَنَّهُ تُخْرَقُ له العادة التي لا يستطيعها الإنس ولا بعض الجن. لأنَّ اجتماع الإنس والجن، هذا خاص -يعني لو أرادوا أن يحدث شيء- هذا لا يمكن لأنَّ معجزة النبي أكبر وأعظم، وأما الولي فإنَّهُ بِحَسَبِ مَنْ هُوَ فيهم لأنها كرامة وليست آيةً ولا برهاناً على رسالةٍ ولا نبوة؛ بل هو خاصٌ بما يُكْرَمُ به هُوَ. - أمَّا خوارق الشياطين والسحرة بما يُولُونَ به أولياء الشياطين من الإنس فهذه محدودة: & وقد تكون تَخْيِيلاً -يعني تصوير للعين-. & وقد تكون تَشَكُّلاً لكن تَشَكُّلْ من الجني في صورة إنسي أو في صور حيوان أو ما أشبه ذلك. لهذا قد يظهر الجني في صورة إنسان، في صورة العبد الصالح ويكون في مكانٍ آخر، مثل ما قال ابن تيمية ﵀ في موضع (كان وَقَعَ بأصحابي شِدَّةْ، قال: فَرَأَوا صورتي عندهم فاستغاثوا بي، ثم أخبروني فَأَعْلَمْتُهُم أَنِّي لم أَبْرَحْ مكاني -يعني في دمشق وهم كانوا خارج دمشق-، وإنما هذا جني تَصَوَّرَ بي) . وهذا مما أَقْدَرَ الله عليه الجن، لكن لا يَقْلِبُونَ الحال؛ لكن يتشكلون في صورة ينظر إليها الإنسي أنَّ هذا هو صورة فلان، من قَبِيْلِ التَّشَكُّل، لكن ليس ثَمَّ مادة وقلب حقيقي. لكن قد يدخلون في جسد حيوان، قد يدخلون في جسد إنسان، هذه مسألة التَّلَبُّسْ مسألة أخرى لكن من حيث التَّشْكِيلْ والتَّصْوِير هذا من جهة التخييل، أو من جهة إظهار الشيء بدون حقيقة مادية؛ لأنهم هم ليس لهم مادة يعني مثل مادة الإنسان. لهذا صار صاحب الخوارق الشيطانية، هذا ليس بكرامة وإنما هو من جهة الشيطان، ولا يُعْطِيه الله على ذنبه ومعصيته واستعانته بالشياطين، فيستعين بالشياطين على ذلك. ٤- رابعاً: أنَّ كرامة الولي لا تبلغ جنس آية النبي. هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ -يعني أهل الحديث- في أنها لا تبلغ جنسها وإنْ شَرِكَتْهَا، يعني اشتركت معها في الصورة فلا تبلغ جنسها. يعني قد يدخل النار فلا يحترق، وإبراهيم ﵇ دخل ناراً فلم تضره أو صارت برداً وسلاماً عليه؛ لكن لا يشتركان في الجنس، وإن اشتركوا في النوع. يعني إنْ اشتركوا لكن هذه قدْرَهَا ليس كَقَدْرِ هذه، صفة النار هذه ليست النار كصفة هذه، وصفة ما يحصل للولي ليس كصفة ما يُعْطَاهُ النبي. وأما الأشاعرة وطائفة فإنهم قالوا تتساوى، تتساوى الكرامة بآية وبرهان النبي والمعجزة من حيث الجنس، لكن الفرق بينهما أنَّ النبي يقول: أنا نبي، وأما الولي فيقول: أنا تابعٌ للنبي. والأول مثل ما ذكرت لك هو المتَعَيِّنْ لأنَّ الله فَرَّقَ بين ما يُعْطِيهْ النبي من خرق العادة وما يُعْطِيهْ غيره فقد قال فيما يُعْطِيهْ للنبي: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] ، وأما ما يُعْطِيهْ الإنسي فإنَّه قد يكون محدوداً. مثلاً أصحاب الكهف ناموا تلك النومة، ولم يتأثروا ثلاثمائة وتسع سنين، فيه من يعيش أكثر من ذلك. وهذا أقل مما يحصل للأنبياء في جنس ما يُعطَوْن.

стр. 679

[المسألة السابعة] : أنكرت المعتزلة وجماعات كرامات الأولياء وقالوا: إنَّ إثبات كرامات الأولياء يعود على معجزات الأنبياء بالإبطال؛ لأنَّ الجميع خرقٌ للعادة، وما عَادَ على معجزات الأنبياء بالإِبْطَالْ فهو باطل. فالجواب عن ذلك أنَّ الله أثبت هذه الأنواع الثلاث: أثبت الآيات والبراهين التي يعطيها للأنبياء. وأثبت ﷻ كرامات الأولياء. وأثبت مخاريق السحرة وتخييلات السحرة. فَكُلُّ هذه في القرآن وفي السنة، وكلها تشترك في أنها أمور خارقة للعادة، فعدم الإيمان بها هو ردٌ للقرآن فيما دَلَّ عليه. وقد لا تكون الدِّلالة عندهم قطعية وبذلك لا تدخل المسألة في الكفر؛ لكن ظاهر أنَّ القرآن فيه هذا وهذا. فمثلاً مريم ﵍ أُعْطِيَتْ أشياء وليست بِنَبِيَّة لأنَّهُ ليس في النساء نَبِيَّةْ كما هو معلوم، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] ، وكذلك قصة أصحاب الكهف، وهؤلاء جميعاً ليسوا بأنبياء. المقصود من ذلك أنَّ جنس الكرامة هذا ثابِتْ في القرآن وفي السنة وقَصَّهُ الله ، فَنَفْيُ الكرامة لأنها خارق للعادة هذا رَدٌّ لما أثبته الله ، والله فَرَّقَ بين هذا وهذا. وأما أنها تشتَبِهْ مع خارق الأنبياء فهذا ليس بصحيح كما ذكرنا لك من الفروق السّابقة لأنَّهُ ثَمَّةَ فُروق ما بين كرامات الأولياء وما بين معجزات الأنبياء. وطَرَدُوا المعتزلة هذا الباب فقالوا: كل الخوارق الشيطانية وكل الخوارق التي تجري للعقل والسحر والأشياء كل هذه مما يدخل في باب خرق العادة، لا نؤمن به ويُرَدْ. وكُلُّهُ جَرْيَاً منهم على هذا الأصل، وهو أنَّهُ يعود على آيات الأنبياء بالإِبْطَال.

стр. 680

[المسألة الثامنة] : مما يشتبه بالكرامة: الإعانة الخاصة مِنَ الله لبعض عباده، فقد يُعِينُ الله بعض العباد بأشياء يُفَرِّجُ بها عنهم الهم والكرب والضيق لكن لا تدخل في باب الكرامة؛ لأنها ليست أموراً خارقة للعادة، فَثَمَّ فَرْقْ بين نِعَمِ الله تعالى المتجددة مما يُنَجِّي الله به مثلاً عبده من حادث أو من مرض أو نحو ذلك ولا يكون هذا الإنْجَاءْ من الخوارق للعادة. فلذلك يُفرَّقْ ما بين جنس النِّعَمْ التي يُعطيها الله خاصة العباد وما بين الكرامات، فليس كل ما يُنْعِمُ الله به على العبد من الأمور العظيمة كرامة؛ بل الكرامة ضابطها أنها أمرٌ خارقٌ للعادة جرى على يدي ولي. ولهذا أصحاب الطُّرُقْ والذين يريدون صرف وجوه الناس إليهم قد يُعَظِّمُون ذِكْرْ بعض الإِنْعَامْ حتى يجعلوه كرامةً، فيُغْرُونَ الناس بأنهم أولياء وأنهم أُكْرِمُوا بكذا وكذا إلخ. والله يُنعم على عباده بأنواع النِّعَمْ الدينية، والشرعية والكونية، وهذه الأنواع من الإِنْعَامْ هذه ليست دائماً مما تُخرَقُ به العادة، لهذا نقول الكرامة مما تُخْرَقُ به العادة.

стр. 681

[المسألة التاسعة] : الكرامة إذا أعطاها الله الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة . فالكرامة إكرامٌ وإِنْعَامْ من الله للعبد لأجل حاجته إليها، وقد تكون حاجته إليها دينية وقد تكون حاجته إليها كونية دنيوية. لهذا قَلَّتْ الكرامات عند الصحابة، فالمُدَوَّنْ من الكرامات بالأسانيد الثابتة عن الصحابة أقل بكثير مما يُروَى عن التابعين، وهكذا فيمن بعدهم؛ لأنَّ المرء إذا قَوِيَ إيمانه وقَوِيَ يقينه فإنه قد يُتْرَكْ للابتلاء لا للتفريج كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي في الصحيحين: «يُبتلى الرجل على قدر دينه، أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» ، «يُبتلى الرجل على قدر دينه» (١) . وهذا يدل على أَنَّ الله قد يختار للولي الصالح وللعبد الصالح الذي تَعْظُمُ منزلته في وَلَايَةِ الله وإكرامه ومحبته له في أن يتركه للإبتلاء، وأن يتركه لغير هذه الأمور الخارقة للعادة. فتكون إذاً هذه الخوارق للعادة وهذه الكرامات لحاجته إليها ولأنه قد يصيبه ضعف في الإيمان لو لم يُعطَ. فبعض الناس قد يكون عنده عبادات عظيمة وقيام وصلاة وصيام ثُمَّ إذا أصابته شدة ولم يُفَرَّجْ عنه فإنه قد يعود على قلبه بالضعف في الإيمان، فيُكْرِمُهُ الله لأجل ضعفه لا لأجل كماله. ولهذا فإنَّ باب الكرامة ليس معناهُ تفضيل من جرت له، فقد يكون مُفَضَّلاً وقد لا يكون، فليست الكرامة بمجردها دليلاً عند السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام؛ بل الإيمان بالكرامات -كرامات الأولياء- لأجل وجودها وأنَّ الله يُكْرِمْ بها عباده وأَنَّ الأدلة دَلَّتْ على ذلك وليس من أجل تفضيل من حصلت له الكرامة فقد يكون أقل درجة بكثير ممن من لم تحصل له الكرامة. إذا كان كذلك، فإنه حينئِذْ من دُوِّنَتْ عنه الكرامات لا يلزم أن يكون أعلم ولا أفضل ولا أن يُقْتَدَى به ولا أن تُؤْخَذْ أقواله لأجل أنَّهُ حصلت منه الكرامة؛ بل لم يزل الصَّالحون إذا حصلت لهم مثل هذه الأنواع من الكرامات لم يزالوا يكتمونها ولا يُشيعُونَها لأَنَّهَا قد تكون في حقّهم من الفتنة، وهم لِعِلْمِهِمْ بالله وما يستحقه ﷻ من الطاعة والإنابة والإقبال عليه أَنْ لا يَفْتِنُوا الناس بذلك. وهذا من أسباب أنَّ المنقول عن الصحابة من الكرامات قليل جداً، وعند التابعين أكثر، ثُمَّ هكذا، كلما ضَعُفَ الناس كلما أَحَبُّوا إذا حصل لهم أي شيء أن ينشروه وأنْ لا يكتموه. لهذا نقول: الواجب على الناس أن لا يعتقدوا فيمن حصل له إكرام أو كرامة. أن لا يعتقدوا فيه؛ بل يقولون: هذا دليل على إيمانه وتقواه إذا كان مُتَحَقِّقَاً بالإيمان والتقوى، وهذا دليلٌ على محبة الله له. وهو يَسْأَلْ لنفسه الثبات ويحرص على ذلك. وهم أيضاً لا يأمنون عليه الفتنة، وإذا مات على هذه الحال أيضاً من الصّلاح والطاعة فإنه يُرْجَى له الخير ولا تتعلق القلوب به، أو يُستغَاثْ به أو يُؤْتَى لقبره ويُسْتَنْجَدْ به أو يُطْلَبْ منه تفريج الكربات أو يُرَاعَى وهو في غيبته في حال الحياة ونحو ذلك كما يفعله ضُلَّالْ أصحاب الطرق الصوفية ومن يعتقدون فيه ممن ينتسبون للأولياء وربما لم يكونوا منهم. لهذا فالواجب على المؤمن أن لا يتحدث بهذه إلا إذا رأى ثَمَّ حاجة دينية لذلك، أما إذا كانت لأجل إظهار منزلته أو لإظهار إكرام الله له ونحو ذلك، فهذا الأفضل كتمانها سِيَّمَا إذا كان مع إظهارها والتحدث بها فتنة قد تصيب البعض، وإذا كان في مثل هذه الأزمنة التي يظهر فيها الجهل ويتعلق الناس بمن ظهر عليهم الصلاح لأجل الاعتقاد فيهم فإنه يجب على المؤمن أن يصد وسائل الشر وأن يسد ذرائع الشرك والغلو التي منها ذكر الكرامات وتداول ذلك.

стр. 682

[المسألة العاشرة] : مما يتصل بالكرامة من المباحث مبحث الفِرَاسَةْ؛ لأنَّ الفِرَاسَةْ الإيمانية بها يَعْلَمْ صاحب الفِرَاسَةْ ما في نفس الآخرين. والفِرَاسَةْ لفظٌ جاء في السنة: «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (١) ، والحديث حَسَّنَهُ جماعة من أهل العلم، وهو في الترمذي وفي غيره. هذه الفِرَاسَةْ عُرِِّفَتْ بأنها: شيء من العلم يُلْقَى في رُوعِ المؤمن به يعلم حالْ من أَمَامَهْ، إمَّا حالُهُ الإيماني وإما حالُهُ في الصدق والكذب، وإما بمعرفة ما في نفسه ويجول في خاطره. ولهذا عُرِّفت الفِرَاسَةْ أيضاً بأنها نور يقذفه الله في قلب بعض عباده، بها يعلم مُخَبَّئَاتْ ما في صدور بعض الناس. والعلماء قسموا الفِرَاسَةْ إلى أقسام أشهرها ثلاثة: ١- الأول: الفِرَاسَةْ الإيمانية: وهي التي قد يُدْخِلُهَا بعضهم في باب الكرامة وليست منها. ٢- الثاني: فراسةٌ رياضية: يعني تحصل بالترويض وبالتعود وبتخفيف ما في النفس من العلائق، وهي التي يحصل فيها دُرْبَة عند بعض أصحاب الطُّرُقْ. ٣- الثالث: فراسة خَلْقِيَّة: وهذه ليست راجعت إلى استبطان ما في النفوس ولكن باعتبار الظَّاهر. يُنْظَرُ إلى الخَلْقْ فيستدل بشكل الوجه على الخُلُق، ويستدل بشكل العينين على مزاج صاحبها، يستدل بشكل البدن أو شكل اليد أو تقاطيع الوجه على حاله مِنْ جِهَةْ الأخلاق. فهذه اعتنى كثير من الناس، وصُنِّفَتْ فيها مصنفات عند جميع الأمم، من الأمم السابقة لأمة الإسلام، وفي أمة الإسلام أيضاً لأنها فراسة خَلْقِيَّةْ، ويقولون: إنَّهُ ثَمَّ ترابط ما بين الخَلْقْ والخُلُقْ. ومن الأئمة الذين اعتنوا بهذا الباب وتَعَلَّمُوهُ الشافعي ﵀ وصَنَّفَ طائفة من أصحاب الشافعي في الفِراسة مصنفات الفراسة الخَلقية. المقصود من ذلك أَنَّ الفراسة -وهي النوع الأول الفراسة الإيمانية-، ليست من الكرامة لأنها أقرب ما تكون إلى الإلهام، والإلهام قد يكون خارقاً للعادة وقد لا يكون. فجنس الفراسة الإيمانية ليست من جنس الكرامات، وقد يكون من أنواع الفراسة ما يكون فيه خرق للعادة فيكون كالعلوم والمُكَاشَفَات التي يُجريها الله على يد أوليائه.

стр. 683

[المسألة الحادية عشر (١) ] : كرامات الأولياء قد تجري للمجموع لا للأفراد، وهذا في حال الجهاد سواءٌ أكان جهاداً علمياً أم كان جهاداً بدنياً -يعني بالسِّنان-. فقد يُكْرِمُ الله الأُمَّةَ المجاهدة، جماعة المجاهدين من أهل العلم، يعني من الجهاد باللسان بقوة في التأثيرات الشّرعية وبالنصر على من عاداهم بالمَلَكَة والحُجَّة وبما يعلمون به مواقع الحُجَجْ وما في نفوسهم بما يكون أقوى من قُدَرِهِمْ في العادة. قد يُكرمهم الله بذلك وإن لم يكونوا من الملتزمين بالسنة. وقد يكون كما ذُكِرْ بعض أهل البدع يُعْطَى قوّة وينتصر على عَدُوِّهِ من النصارى مثلاً أو من اليهود أو من الملاحدة في أبواب المناظرات ويُكْشَفُ له من مُخَبَّآتِ صدر الآخر ما لا يكون لأفراد الناس، ويُكْشَفْ له من القوة والحجة في التأثير على الناس ما يدخل في باب التأثير في الكونيات والشرعيات كما ذكرت لك سابقاً. وكذلك في أبواب جهاد الأعداء بالسيف، فقد يُؤْتَى طائفة من المسلمين من أهل البدع والذنوب والمعاصي بعض الكرامات إذا جاهدوا الأعداء. وهذا يُنْظَرُ فيه إلى المجموع لا إلى الفرد، والمجموع أرادَ نُصْرَةْ القرآن والسنة ودين الله ضِدْ من هو كافِرٌ بالله ﷻ وضد من هو مُعَارِضٌ لرسالة الرسل أو من يريد إذلال الإسلام وأهل الإسلام. فيُعطى هؤلاء بعض الكرامات وهي لا تدل على أنهم صالحون وعلى أنَّ مُعْتَقَدْ الأفراد أَنَّهُ مُعْتَقَدٌ صالحٌ صحيح؛ بل تدل على أَنَّ ما معهم من أصل الدين والاستجابة لله والرسول في الجملة أنهم أحَقُّ بنصر الله وبإِكرامه في هذا الموطن لأنهم يجاهدون أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ . ولهذا لا يُغْتَرْ بما يُذْكَرْ عن بعض المجاهدين أنهم حصلت لهم كرامات وكرامات وكرامات. وهذه الناس فيها لهم أنحاء: - منهم من يُكَذِّبْ ويقول هؤلاء عندهم وعندهم من البِدَعْ والخُرَافات وإلخ، وبالتالي الكرامة لا تكون لهم، فينفي وجود هذه الكرامات. - ومنهم من يُصَدِّقُ بها ويجعل هذا التصديق دليلاً على أنهم صالحون وأنَّهُ لا أثر للبدعة وأنَّ الناس يتشددون في مسائل السنَّةْ والبدعة. وأما أهل العلم المتبعون للسلف كما قَرَّرَ ذلك ابن تيمية بالتفصيل في كتابه النَّبُوَاتْ فإِنَّهُم يعلمون أنَّ المجاهد قد يُعْطَى كرامَةً ولو كان مُبتدعاً، لا لذاته ولكن لما جاهد له، فهو جاهد لرفع راية الله ضد ملاحدة، ضد كفرة، ضد نصارى، ضد يهود، ضد وثنيين، وهذا يستحق الإكرام لأنَّهُ بَذَلَ نفسه في سبيل الله . والبدع ذنوب، والجهاد طاعة، ومن أعظم الأعمال قُرْبَةْ، ومعلوم أَنَّ الحسنات تُذْهِبْ ما يقابلها من السيئات، فقد تكون في حَقِّ البعض حسنة الجهاد أعظم من سيئة بعض البدع والذنوب؛ بل الجهاد سبب في تكفير الذنوب والآثام كما قال : ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠-١٢] الآية. من أعظم أسباب مغفرة الذنوب الجهاد، ومن أعظم أسباب تحقيق وَلَايَةْ الله ومحبته أَنْ يُجَاهِدْ العبد، لكن هذا يكون في موازنة الحسنات والسيئات والله أعلم بنتيجة هذه الموازنة. المقصود من ذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة يُقَرِّرُون أَنَّ الكرامة هي للولي الصالح كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] ، وقد يُعْطِيْ الله الكرامة لجَمْعٍ من المسلمين، أو لفردٍ في جَمْعٍ من المسلمين لأجل ما ذكرتُ لك من الحال إذا كان على غير التقوى والإيمان ومتابعة السّنة أو الأخذ ببعض البدع. ولهذا لا يَغْتَرْ مُغْتَرْ بما يحدث من ذلك ويَزِنْ الأمور بموازينها: - فمن نَفَى مُطْلَقَاً فهو مَتَجَنِّي لأنَّهُ لا عِلْمَ له بذلك. - ومن قَبِلَ مُطْلَقَاً وجعلها دليلاً على الصلاح والطاعة وأنَّهُ لا أثر للعقائد ولا أثر للسنة في مثل هذه المسائل هذا أيضاً تَجَنَّى على الشرع وتَجَنَّى نفسه، والعلم يقضي بما ذكرته لك في ذلك.

стр. 684

[المسألة الثانية عشر] : الواجب على المؤمنين أن يَسْعَوا في الإيمان (١) وفي شُعَبِهِ -امْتِثَالَاً للأوامر واجتناباً للنواهي- طلباً لمرضاة الله وأن يبذلوا أنفسهم في الجهاد بأنواعه: الجهاد في العلم والجهاد في العمل والدعوة، أو الجهاد بالسيف والسنان إذا جاء وقته، أو إذا حَضَرَهُ المؤمن، أن يسعوا فيه طَلَبَاً لرضا ربهم ، وأن لا يلتفت العبد مهما بَذَلْ إلى حصول الكرامة أو عدم حصول الكرامة. فمن الناس من تعلّقت قلوبهم بالكرامات؛ بل بما هو دونها من الرُؤَى وربما الأحلام ومن القصص والحكايات والأخبار وأَثَّرَ ذلك على إيمانه سلباً أو إيجاباً، ضعفاً أم زيادة. وهذه الأمور نؤمن بها -يعني مسائل الكرامات-، نؤمن بها لأَنَّهَا جاءت في النصوص؛ لكن العبد لا يَتَطَلَّبُهَا، لا يبحث عنها، كما ذكرت لك ربما كان الأكمل في حقه أن لا تحصل له الكرامة، وربما كان الأكمل في حقه أن يُبْتَلَى، وربما كان الأكمل في حقه أن يُذَلْ ولا يُعْرَفْ ما يقضي الله به في هذه المسائل. ومن نظر لسيرة من نعتقد فيهم أنهم من أفضل أهل زمانهم إيمانَاً وتقوى ومُتابعة للسنة وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ومُجَاهدةً لأعداء الله، حصل لهم من الابتلاء والفتنة ما حصل، كما حصل لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فالجميع حصل لهم من البلاء والسجن والفتنة، يعني والصد والإيذاء ما حصل لهم، ومع ذلك هم أكمل ممن هم دونهم ممن حصل لبعضهم من الكرامات فيما نُقل بأسانيد ثابتة. بل ابن القيم ﵀ طِيْفَ به في دمشق وهو العالم الإمام على حمار ظهره إلى السماء ووجهه إلى الأرض تنكيلاً به، ومع ذلك ما ضَرَّهُ لا في وقته ولا فيما بعده فالتراجم طافحة بالثناء عليه، لأنَّ هذه مسائل من الابتلاء التي يَبْتَلِي بها الله بعض عباده كيف شاء. فالمقصود من هذا أنَّ الميزان هو متابعة السنة. تحقيق الإيمان والتقوى، متابعة طريقة السلف الصالح قد يحصل معه إكرام وقد لا يحصل معه، يحصل معه ضد ذلك من الابتلاء والإيذاء، وقد يكون المُبْتَلَى أكمل ممن لم يُبْتَلَ. فالعبرة بلزوم منهج السلف الصالح وطريقة السلف الصالح، فقد يُبْتَلَى من هو من أهل البدع، وقد يُبْتَلَى من هو من أهل السنة، وقد يُبْتَلَى العاصي المذنب، وقد يُبْتَلَى التقي الناصح، وهكذا. فإذاً الميزان هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وملازمة طريقة السلف الصالح في ذلك. أسأل الله أن يجعلنا من أوليائه وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يُكَفِّرَ عنا الخطايا والآثام، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.

стр. 685

الأسئلة: س١/ يقول أشكل عند قول الطحاوي: (حب الصحابة دين وإيمان) (١) ، وذلك من جهة تسمية حب الصحابة إيمان، والحب عمل القلب وليس هو التصديق، فيكون العمل داخِلَاً في مُسَمَّى الإيمان. ج/ هذا مُشْكِلْ وقد ذكر الشارح أنه مُشْكِلٌ على أصل الشيخ، وهذا ظاهر أنه مُشْكِلْ، وما من أحد يخالف السّنة إلا ويقع في التناقض، لأنَّ الميزان الذي لا يختلف هو الكتاب والسنة، أما الرأي فيختلف، الإنسان يرى رأياً اليوم وغداً يبدو له شيء آخر، ما يلتزمه في كل كلمة، يلتزمه إذا جاء في التعريف، يلتزمه إذا جاء في الوصف ثُمَّ يخالفه في سَنَنْ كلامه وهكذا. ولهذا بعض أهل البدع حتى في مسائل الصفات، إذا جاؤوا يتكلمون مثلاً عن الاستواء على العرش، لو تَحَقَّقَ هو من نفسه لوجد أنَّ نفسه تغلبه إلى أنَّ الله مستوٍ على عرشه بذاته بائنٌ من خلقه حتى وهو يتكلم فيها. لكن إذا أراد أن يُقَرِّرْ المسألة ذهب إلى ما تَعَلَّمَهُ فَثَمَّ فرق مابين الشيء الفطري وهو التسليم لكلام الله وكلام رسوله وما يأتي في باب التعليم تارَةً. ولهذا نبهناكم مراراً إلى غلط قول من يقول إنَّ أكثر المسلمين أشاعرة أو أكثر المسلمين ليسوا من أهل السنة والجماعة، وإنما أكثر المسلمين أشاعرة، أو أكثر المسلمين ماتريدية أو نحو ذلك، والقليل هم من يتبعون منهج السلف الصالح، هذا غلط كبير. بل أكثر المسلمين في المسائل الغيبية على الطريقة المرضية، لكن ليس أكثر العلماء؛ لأَنَّ العلماء هم الذين عندهم ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة، وما يُخالف الفطرة، أما لو تسأل أي عامي في البلاد التي هي بلاد لنصرة المذاهب المخالفة لطريقة السلف، إما للأشعرية والماتريدية بحسب اختلاف البلدان وتأخذ عامي وتسأله عن الاستواء على العرش، ما يستحضر إلا ما يدل عليه الظاهر وما يؤمن به، إلا إذا أتى أحد من العلماء وعَلَّمَهْ أَنَّ هذه تأويلها كذا وكذا، فيذهب إلى كلام العالم. والإيمان بالظاهر في الصفات ما يستحضر أَنَّ الله لا يُوصَفْ بالرحمة، ما يستحضر أنَّ الله لا يوصف بالرضا. لو تسأل عامي: هل الله يرضى؟ يقول: نعم الله يرضى، في القرآن. هل الله يغضب؟ يقول: نعم يغضب. فلذلك عامة الناس حتى في مسائل الإيمان، العمل، لو تسأل عامة الناس: هل العمل من الإيمان؟ أكثر المسلمين يقولك نعم العمل من الإيمان، كذلك مسائل القَدَرْ ما عندهم مبحث الجبر ولا يعرفون الجبر الداخلي لا الظاهري الذي هو الكسب عند الأشاعرة، هذه مسائل مُخَالِفَة للفطرة ومخالفة لظاهر النصوص، والناس لا يستوعبونها إلا بالدرس والتعليم. ولهذا مِيْزَةْ هَدْيْ السلف الصالح ومِيْزَةْ طريقة أئمة الحديث أنَّهُم على ظاهر القرآن والحديث، وهذا هو الذي يسع الذكي والبليد والعامي وغير العامي والعالم وغير العالم، يسع الجميع لأنها سهلة ميسورة، وإنما فصَّلنا في المسائل وكَثُرَ الكلام لأجل كثرة المخالفين وحماية للشريعة. مثل الإعداد بالسلاح، عندنا مال كثير نحتاج فيه إلى بناء مساجد فنذهب نبني المساجد لكن إن دَهَمَنَا عدو وَجَّهنَاه في العدو، أَخَّرْنَا بناء المساجد لأن لا يقضي ما هو موجود من الدين والمساجد. فلهذا النفوس، نفوس المسلمين هي على ظاهر الكتاب والسنة ما عندهم التأويل والعقلانيات إلخ. فأكثر المسلمين على طريقة السلف في الاعتقاد. لكن، أما العلماء فهذه هي المصيبة هم الذين تعلموا، منذ نشؤوا دخلوا في مدارس تعلمهم الأشعرية بقوانينها، دخلوا في مدارس تعلمهم دين الخوارج أو دين الرافضة أو إلخ، فأخذوا منها شيئاً فشيئاً بالتعليم وبالقصد، ولهذا كما جاء في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٢) . المقصود من ذلك أنَّ المُعَلِّمْ قد يكون أعظم من الأبوين في التأثير أو المربي أو الذي تخالط. ولهذا احرص تمام الحرص على أن يسلم القلب من مخالفة الكتاب والسنة في الاعتقاد. الأعمال والذنوب فهي على باب الغفران كما قال ابن القيم ﵀ في النونية: فَوَالله مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا ******* لَعَلَى سَبِيلِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ لَكِنَمَا أَخْشَى انْسِلاَخَ الْقَلْبِ مِنْ ****** تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ تحكيمه ليس معناه الدولة اللَّتي تُحَكِّمْ فقط، لا أنت أيضا تُحَكِّمْ الوحي والقرآن في المسائل، تعتقد ما في القرآن وتعتقد ما في السنة. فالمقصود من ذلك أنَّ الإشكال الذي وقع فيه الطحاوي يُبَيِّنُ لك أَنَّ بعض العلماء حتى من الذين ربما أصَّلُوا شيئاً مُخَالِفاً للسنة، مثل ما أصَّلْ في مسألة الإيمان شيئاً وبَيَّنَا عدم صحت ذلك هو يُخالفه. نحن نقول إشكال، لكن هو في الواقع مُخَالف وهو الصحيح أَنَّ حب الصحابة إيمان وحب الصحابة عمل القلب وأَدْخَلَهْ في الإيمان، حب الصحابة إيمان، خلاص واضح أنَّ هذا العمل إيمان. ولهذا قال الشارح: وهذه الكلمة مُشْكِلَةْ على أصل الشيخ. كما ذكره السائل. س٢/ هل تُقاس الرؤية الصالحة على الكرامة؟ أي هل هي من الكرامة أم لا؟ ج/ الرؤية الصالحة ليست أمراً خارقاً للعادة، الرؤية الصالحة تحصل لآحاد الناس ليست خارقة لعادة البشر ولا لعادة بعض الجن، فهي رؤية يَضْرِبُهَا الملك، فهي رؤية صالحة وليس لها دخل في الكرامات. أمَّا وهل هي مما قد يحتاج إليه المؤمن أو لا؟ لا، المؤمن لا يتعلق قلبه بالرُّؤَى، إذا رأى رؤية صالحة حَمِدَ الله ولازَمَ الطاعة حتى لا يفتتن، وإذا رأى رؤية لا تسره أو فيها سوء بالنسبة له فيعمل ما أَوْصَى به النبي ﷺ ، أنه ينفث عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من شرها وينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره. س٣/ هل العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه أم بشماله؟ ج/ العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه، أما الذي يُعْطَى كتابه يوم القيامة بشماله فهو الكافر، يُعْطَى كتابه بشماله وراء ظهره، أما المؤمن فيُعْطَى كتابه باليمين سواءٌ أكَانَ من السابقين أم من المقتصدين أم ممن ظلم نفسه، ثم يأتي بعد ذلك الحساب والوزن ثم تأتي الْمُجَازات. س٤/ هل تصح هذه العبارة: كرامات الأولياء معجزات الأنبياء، ومعجزات الأنبياء كرامات الأولياء؟ ج/ يعني ما أدري من اللي قالها، ولكنها عبارة حلوة: كرامات الأولياء معجزات الأنبياء. لو قال كرامات الأولياء معجزاتٌ للأنبياء أو كرامة الولي معجزةٌ للنبي، يعني من حيث الجنس فربما صَحَّتْ، يعني باعتبار جميع الأولياء، كرامات جميع الأولياء ما حصلت لهم إلا باتِّبَاعِهِم لهذا النبي، فكل أنواع الخوارق التي حصلت للولي الأول والولي الثاني والعاشر والمائة، كل أنواع هذه الخوارق والكرامات في مجموعها هي معجزة للنبي؛ لأنها ما حصلت لهم إلا بالإتباع، قال: ومعجزات الأنبياء كرامات الأولياء. هذا عكس الكلمة السابقة، فهي إيضاحها على ما ذَكَرْتُ لك، إذا كان المقصود أنَّ كرامات جميع الأولياء هي معجزة وآية وبرهان للنبي الذي تابعوه، فهذا صحيح. نكتفي بهذا القدر ونراكم إن شاء الله على خير حال، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد (٣)

стр. 686

: [[الشريط الثامن والأربعون]] : الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لمجده، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، أما بعد: الأسئلة: س/ ما معنى قول (منه بدأ وإليه يعود) ؟ ج/ قول طائفة من السلف في القرآن الكريم الذي هو كلام الله ﷻ : (منه بدأ وإليه يعود) ، يعني منه ﷻ بدأ قولاً وكلاماً وتنزيلاً، فلما تَكَلَّمَ به سمعه منه جبريل ﵇ فبلَّغَهُ جبريل نبينا محمدا ﷺ كما سمعه، وقولهم (وإليه يعود) يعني في آخر الزمان حين لا يُعْمَلُ بالقرآن فَيُكَرِّمُ الله كلامه أن يبقى في الأرض ولا ثَمَّ من يعمل به فيُسْرَى على القرآن في ليلةٍ، من الأوراق من الصحف ومن الصدور فلا يبقى منه في الأرض آية. هذا معنى قولهم (منه بدأ وإليه يعود) . نكتفي بهذا القدر ...

стр. 687

وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّال، ونُزُولِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵇ مِنَ السَّماءِ، وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا.

стр. 688

[المسألة الأولى] : الأشراط جمع شرط، والشّرط هو العلامة التي تُفَرِّقُ الشيء وتُمَيِّزُهُ عن غيره. وأشراط الساعة المقصود به الآيات والعلامات التي تدل على قرب قيام الساعة، إما دُنُواًّ فتكون أشراطاً كبرى، وإما دِلَالَةً على القُرْبْ فتكون من جملة الأشراط الصغرى. وقد جاء ذكر كلمة الأشراط في القرآن الكريم في سورة محمد، قال : ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أنَّ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ، وأفادت الآية فائدتين: - الفائدة الأولى: أنَّ الساعَةَ لها أشراط وعلامات. - الفائدة الثانية: أنَّ أشراط الساعة قد وقعت في وقت تَنَزُّلِ القرآن على محمد ﷺ . وهذا يعني أنَّ مِنَ الأشراط ما يكون بعيداً عن وقوع الساعة ومنها ما يكون قريباً من وقوع الساعة. ومن الأحاديث في ذلك: أنَّ النبي ﷺ لما تَذَاكَرُوا عنده الساعة قال: «إنها لن تكون حتى تروا قبلها عشر آيات» (١) ، فدلَّ ذلك على أنَّ ثمَّتَ أشراط قريبة منها سَمَّاهَا النبي ﷺ آيات. والآيات جمع آية وهي: ما يَدُلُّ دِلَالَةً واضحةً ظاهرة على المراد وعلى الشيء حيث لا يكون فيه لَبْسْ.

стр. 689

[المسألة الثانية] : أشراط الساعة قَسَمَهَا العلماء إلى قسمين: - إلى أشراطٍ كبرى. - وإلى أشراطٍ صغرى. ومن أهل العلم من قَسَمَهَا إلى ثلاثة أقسام: - أشراط صغرى. - ووسطى. - وكبرى. والأول هو المعتمد والثاني اصطلاح تفسيري ولكن ليس ثَمَّ ما يدل عليه من وجود الوسطى وإن كانت موجودةً وداخلة في الصغرى. أما تعريف الأشراط الصغرى: فهي ما دلَّ الدليل على أنَّهُ مِنْ علامات قُرْبْ الساعة وليس من العشر آيات التي جاءت في الحديث أنها تكون بين يدي الساعة. فحصلت الأشراط الصغرى في زمن النبي ﷺ ولا تزال تحصل وتحصل إلى بَدْءِ الأشراط الكبرى. وسيأتي تفصيل الأشراط الصغرى والكبرى إن شاء الله. فمن أهل العلم من جعل الأشراط الصغرى كما ذكرت لك: - ما قَرُبَ من عهد النبي ﷺ فهي صغرى. - وما بَعُد من عهده فهي وسطى إلى حدوث الأشراط الكبرى. والأول هو المعتمد في ذلك.

стр. 690

[المسألة الثالثة] : الأشراط الصغرى كثيرة جداً ومتنوعة، ولا يدلُّ كون الحَدَثْ من أشراط الساعة على مدحه أو ذمه، بل هي آيات ودلائل على القرب: - فتارةً تكون ممدوحةً غاية المدح، منها بعثة محمد ﷺ وانشقاق القمر باعتباره آية لمحمد ﷺ ، ومنها فتح بيت المقدس. - وقد تكون مذمومةً مُحَرَّمَةً أو مكروهة، أو تكون واقِعَةً كونِيَّةً فيها ابتلاء أو عقوبة للعباد. والمقصود من ذلك أنَّ ما جاء في الدليل أنَّهُ من آيات أو أشراط الساعة فلا يدلُّ كونه من أشراط الساعة على أنَّهُ ممدوحٌ أو مذموم إلا بدليلٍ آخر أو بحقيقة الأمر. وأشراط الساعة الصغرى كثيرةٌ جداً جداً، فمما يشار إليه فيها ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره، حديث عوف بن مالك أنَّ النبي ﷺ قال: «أُعْدُدْ سِتَّاً بين يدي الساعة، موتي ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَانٌ يَأْخُذُ فيكم كقٌعَاصِ الغنم، ثم استفاضة المال» (١) ... إلخ الحديث. ومنها مما حَدَثَ وهذه حدثت قريباً من عهده ﷺ . ومنها مما حَدَثَ بعيداً عن عهده ﷺ ، النار التي خرجت من المدينة في القرن السابع الهجرى، في نحو سنة أربع وخمسين وستمائة، وقال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من الحجاز» أو «من المدينة تُضيئ لها أعناق الإبل ببُصرى» (٢) . منها ما يكون قريباً من الأشراط الكبرى. وأشراط الساعة الصغرى والكبرى أُلِّفَتْ فيها مؤلفات كثيرة في جمعها وجمع الأحاديث التي جاءت في ذِكْرِ أشراط الساعة، وهي من العلم النافع الذي يدلُّ على صدق النبي ﷺ فيما أخبر به، لأنَّهُ ولا شك أخبر عن أمرٍ غيبيٍ لم يحدث، وكان خبره صِدْقاً ويقيناً. فهذه الأخبار التي فيها أنَّهُ بين يدي الساعة يكون كذا، أو لا تقوم الساعة حتى يكون كذا، أو من أشراط الساعة كذا، أو أُعْدُدْ بين يدي الساعة كذا، هذه كلها تدلّ: - على صدقه ﷺ . - ثُمَّ أيضاً تدلّ على أنَّ الساعة آتية لا ريب فيها؛ لأنَّ النبي ﷺ أخبر بحدوث هذه الأمور وحدوثها حَصَلَ وكان حقاً كما أخبر به ﷺ . لهذا كان التّحديث بأشراط الساعة الصغرى والكبرى وذِكْرُهَا مما يُقَوِّي اليقين ويُقَوِّي الإيمان وهو من دلائل نبوة محمد ﷺ .

стр. 691

[المسألة الرابعة] : الأشراط الكبرى يُعْنَى بها العلامات والآيات التي تكون قريبةً من الساعة، بحيث إذا حدثت فإنَّ يوم القيامة قريبٌ جداً جداً. وسُمِّيَتْ كبرى لأنها آيات عظيمة تحدث ليس في حُسْبَانْ العِبَادْ أنْ تحدُثْ ولم يكن لها دليلٌ قبلها أو لها ما يشابهها. وهذه الأشراط الكبرى عشر كما جاءت في الأحاديث؛ ولكنها جاء في عدة أحاديث غير مرتبة، يعني من جهة الوقوع. وهنا ذَكَرَ الطحاوي ﵀ في هذه الجملة، أربعة من أشراط الساعة: - ذكر خروج الدجال. - ونزول عيسى ابن مريم. - وطلوع الشمس من مغربها. - وخروج الدابة. وهذه أربعة من عشرة أشراط، وهُوَ إنَّمَا ذَكَرَ هنا الأشراط الكبرى لأنها هي العظيمة وهي الآيات الكبيرة التي يجب الإيمان بها وهذه العشرة وهي مرتبة في الحدوث كما أسوقها: - أول ما يحدث خروج الدجال. - ثم نزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء. - ثم خروج يأجوج ومأجوج. - ثم ثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب. - ثم طلوع الشمس من مغربها. - ثم خروج الدابة على الناس ضحى. - ثم الدُّخان. - ثم خروج النار التي تحشر الناس إلى أرض المحشر. وفي ترتيب الدخان هل هو قبل طلوع الشمس من مغربها أو هو بعد طلوع الشمس فيه خلاف بين أهل العلم، والأظهر هو ما ذكرت لك مِنَ الترتيب. & خروج الدجال: فالدجال جاءت النصوص الكثيرة بخروجه وأنه سيخرج من مَحْبَسٍ هُوَ فيه، إذا أَذِنَ الله بخروجه، وأنَّهُ بَشَرْ من جنس البشر؛ لكنَّهُ أعور العين كأنَّ عينه عنبة طافية أو عنبة طافئة، مكتوب بين عينه (كَافْ- فَاءْ- رَاءْ) ثلاثة حرف يقرؤها كل مؤمن يعني (كافر) ، يعطيه الله من القدرة ما تَحَارُ معه الألباب، فيقول للناس (إني ربكم) فيكون معه جنة ومعه نار وتكون فتنته تستمر في الأرض أربعين، وتكون فتنته أعظم فتنة حدثت في الأرض؛ لأنَّهُ يَدَّعِي أنَّهُ رب العالمين وأنَّ معه جنة وأنَّ معه نار وأنه يُحيي الموتى. فيأتي في ذلك وتُحرَّم عليه مكة والمدينة والملائكة تحرسها، ويخرج إليه شاب فيقول له: أنا ربك. فيقول له: أنت الدجال الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ . فيقول للناس: أنا أقتل هذا ثم أحييه، فيَقْتُلُه ثم يُحْيِيه. فيقول: قد ازددت الآن بك علماً، -يعني أنك الدجال-. وهذا من خِيرة الناس على وجه الأرض، أو خير الناس على وجه الأرض في زمانه. والدجال لا يخرج حتى لا يُذْكَرَ في الأرض، وما من نبي إلا حذَّرَ أمَّتَهُ فتنة المسيح الدجال، ولهذا كان من المتأكدات على المؤمن في كل صلاة قبل السّلام أن يستعيذ بالله من أربع ومنها فتنة المسيح الدجال. وأخبار المسيح الدجال والأحاديث التي جاءت فيه كثيرةٌ متنوعة معروفةٌ في كتب السنة وفي كتب من ألَّفَ في أشراط الساعة، لكن ننبه في هذا على عدة أمور: ١- الأمر الأول: أنَّ المسيح الدجال لم يكن حياً في عهده ﷺ ، والأحاديث التي جاء فيها أنَّهُ حَيْ وأنه رُئِيَ إمَّا في المدينة كقصة ابن صائد أو ابن صيّاد، أو في حبسه في جزيرةٍ خرج إليها بعض الصحابة فرأوه فقصوا ذلك على رسول الله ﷺ ، كل هذا لا يدلُّ أنَّهُ كان في ذلك الزمن، وأنه يبقى إلى وقت خروجه. وإنَّمَا في قصة الجزيرة في قصة الرجل المحبوس وسؤاله عن النبي ﷺ ، الحديث الذي رواه مسلم المعروف، من العلماء من حَكَمَ عليه بالشذوذ، ومنهم من قال خَرَجَ آيَةً، جعله الله آية للدلالة على صدق رسول الله ﷺ وليس مستمر الحياة. والمقصود من هذا أنَّ الدجال بَشَرْ يخلقه الله في وقتٍ من الأوقات ثم يأذَنُ بخروجه من مكانٍ هو فيه على ما يشاء ربنا ﷻ . ٢- الأمر الثاني: أنَّ خروج الدجال يكون بعد خروج المهدي، والمهدي ليس من أشراط الساعة الكبرى، وإنَّمَا يكون قريباً من خروج الدجال. والمهدي سُمِّيَ مَهْدِيَّاً لأنَّ الله سيهديه ويُصْلِحُه في ليلة كما جاء في الحديث الصحيح أنَّهُ يذهب إلى مكة في حين اختلافٍ من الناس؛ يعني أنَّ الناس لا أمير لهم ولا إمام ولا جماعة، فيعود بالبيت فيخرج إلى الحرم يعني إلى مكة فيلوذ بالكعبة، ثم يأتيه الناس فيأمرونه بالخروج ويبايعونه. وقوله ﷺ : «يصلحه الله في ليلة» (١) ، اختلف العلماء فيه، هل معناه: أنَّهُ يُصْلِحُهُ في أمر دينه ولم يكن صالحاً؟ أو أنَّهُ يصلحه لأمر الوَلاية وإمارة الناس؟ * والأظهر هو الثاني أنَّهُ يصلحه الله في ليلة لإمارة الناس ولقيادتهم. وهو من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، واسمه كاسم محمد ﷺ ، محمد بن عبد الله، وجاء في الأحاديث صفاته، وبلغت الأحاديث التي فيها ذكر المهدي بأسانيد صحيحة وحِسَانْ وضعاف أكثر من أربعين حديثاً.

стр. 692

ولهذا قال طائفة من أهل العلم إنَّ أحاديث المهدي تبلغ مبلغ التواتر المعنوي، يعني الذي في جملته، لا في أفراده، يدل على أنَّ المهدي سيخرج في آخر الزمان قُرْبْ خروج الدجال. وفي قصة المهدي أنَّهُ حين [....] يصيح صائح إنَّ الدجال خَلَفَكُم في أهليكم وأولادكم أو أموالكم، وينقسم الناس، في القصة المعروف التي لا مجال لسردها بطولها. [.....] أنَّهُ في أثناء ولاية المهدي وغزوِهِ وجهاده وانتشار الخيرات في وقته يخرج الدجال فتعظُمُ فتنته. & نزول عيسى ابن مريم ﵇: ثم ينزل عيسى ﵇ وهو حَيٌّ الآن، ينزل من السَّماء في دمشق عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. والنبي ﷺ كما روى ابن ماجه وغيره أنَّهُ ينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق ثم يدرك الدجال بباب لُدْ فيقتله هناك، وأصله في مسلم (١) . وهذا قبل وجود المنارة وقبل بناء المسجد الأموي، والمنارة البيضاء الآن معروفة في دمشق. فما أصدق رسول الله ﷺ وما أعظم ما بيَّنَهُ لأمته ﷺ . ثاني أشراط الساعة نزول عيسى بن مريم، والله دلَّ على نزوله في القرآن بقوله ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء:١٥٩] ، وقد جاء في الصحيح أنَّ أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أنْ ينزل فيكم عيسى ابن مريم حَكَماً عَدْلاً مُقْسِطَاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال في عهده -أو في وقته- حتى لا يقبله أحد ويؤمن به أهل الكتاب» ، قال أبو هريرة ﵁ واقْرَأُوا إنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (٢) . فقوله هنا ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ، المقصود به قبل موت الكتابي أو قبل موت عسى ابن مريم؟ من أهل العلم من قال بالأَوَّلْ أنَّهُ قبل موت الكتابي فيؤمن بعيسى ابن مريم. وأكثر أهل العلم وأهل التفسير على أنَّ المقصود به ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني قبل موت عيسى ابن مريم لأنَّ سياق الآية والآيات قبلها يدل على ذلك، وظاهرها أيضاً وهو قوله ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ، يعني بعيسى ابن مريم ﵇، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ، يعني موت عيسى أيضاً ابن مريم ﵇. وهذا في معنى الآية التي في سورة الزخرف وهي قوله ﷻ في ذِكْرِ عيسى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١] ، وفي القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ والعَلَمْ هو العلامة والشرط، ﴿لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ يعني شرط من أشراط الساعة، وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة واتفق عليه [......] حتى أنَّ أبا هريرة ﵁ إذا ساق ذلك قال لمن يروي له هذا الحديث: فإذا رأيت عيسى ابن مريم فأقرئه منّي السلام (٣) ، ويرويها مَنْ بَعْدَه لمن بعده، فإذا رأيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام، وهذا من شدة إيمانهم وتصديقهم بنبينا ﷺ الذي ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . عيسى ﵇ يمكث ما شاء الله في الأرض أنْ يمكث ثم يموت ثم يُصَلَّى عليه. & خروج يأجوج ومأجوج: ويخرج في عهد عيسى ﵇ يأجوج ومأجوج، وقد جاء ذكرهم في القرآن في سورتين، في سورة الكهف وفي سورة الأنبياء، قال : ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦-٩٧] ، يعني الساعة، وفي سورة الكهف: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ [الكهف:٩٤] الآيات، فأفادت الآيتان فائدتين: ١- الفائدة الأولى: أنَّ يأجوج ومأجوج موجودان اليوم وموجودان قبل ذلك فهما قبيلان أو قبيلتان أو شَعْبَانِ كبيران يعْظُمُ أمرهما عند قيام الساعة. ٢- الفائدة الثانية: أنَّهُمْ يأتون من كل حَدَبْ، قال في آية الأنبياء: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ، والحَدَبْ هو الجهة، و (يَنْسِلُونَ) هذا من النَسَلاَن وهو السير ليلاً، فهم يأتون من كل جهة، فربما مروا على البحيرة العظيمة فشربوا ماءها إلخ. فخروج يأجوج ومأجوج في عهد عيسى ﵇، هذا من آيات الساعة الكبرى. ثم يدعوا عليهم عيسى ﵇ فيموتون ثم تُنْتِنُ الأرض التي هم فيها بنَتَنِ أجسادهم فيأمر الله ريحاً أو طيوراً بحملهم في البحر.

стр. 693

& ثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب: وهذه الخسوف الثلاثة، خسوفٌ عظيمة لم يسبق أَنْ حَدَثَ مثلها. فالزلازل وخسوف الأرض تحدث في الأرض وهي من آيات الله ﷻ يبتلي بها ويعذِّبُ بها، ولكنها آيات عند قرب قيام الساعة لم يحدث لها مثيل، فهي غير مألوفة. خسوف عظيمة كبيرة تكون في الشرق وفي الغرب وفي جزيرة العرب. والخَسْفْ معروف أنَّهُ ذهاب الأرض إلى أسفلها، يعني ذهاب علو الأرض إلى أسفلها. (١) & طلوع الشمس من مغربها: وطلوع الشمس من مغربها جاء ذكره في القرآن وكذلك في السنة الصحيحة، كما في قوله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] . والتوبة (٢) لا تزال مقبولة من العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها. وطلوع الشمس من مغربها حقٌ وصدق وهي آية غير مألوفة؛ لأنَّ المألوف أنَّ الشمس تطلع من الشرق ثم تغرب في الغرب، فكونها تعود من حيث جاءت أو من حيث غَرَبَتْ، تعود من الغرب إلى الشرق هذه آية عظيمة غير مألوفة تجعل الناس جميعاً يؤمنون. ولهذا إذا طلعت الشمس من مغربها فإنَّ الناس يؤمنون لكن ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ، فيبقى بعد طلوع الشمس من مغربها الناس فيهم المؤمنون الذين آمنوا قبل طلوع الشمس من مغربها، وفيهم المنافقون والكافرون والمشركون. & خروج الدابة على الناس ضحى: ثم تخرج الدابة، والدابة حيوان عظيم الخِلْقَةْ يُعْطِيهْ الله القدرة على وَسْمْ الناس، كما قال في آخر سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] . ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني بقيام الساعة وبطلوع الشمس من مغربها. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ وفي قراءة أخرى: ﴿تَكْلِمُهُمْ أنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ وأيضاً ﴿إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ، يعني بفتح الهمزة من ﴿أَنَّ﴾ وكسرها. وقوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ و ﴿تَكْلِمُهُمْ﴾ قراءتان صحيحتان تدلاَّنِ على معنيين مختلفين: ١- المعنى الأول: أنها تُكَلِّمْ وتحدِّثْ الناس، وهي آية، والعادة في الحيوان أنَّهُ لا يُكَلِّمُ الناس، فهي تكلم الناس بلغاتهم وبما يفهمون عنها. ٢- المعنى الثاني: أنها تَكْلِمْ الناس بمعنى أنَّهَا تَسِمُ الناس، والوسْمُ سَمَّاهُ الله هنا كَلْماً لأنه يكون معه كَلْمُ الجلد والتأثير في الجلد كما يحصل في وسْمِ الدواب فإنه لا بد فيه من جُرْحٍ فيها أو من أثرٍ فيها، فتَسِمُ الناس هذا مؤمن وهذا كافر، وهذه هي الآية الثامنة. ثم بعد ذلك تأتي وليست من الآيات تأتي ريح يرسلها الله خفيفة في ليلة فتقبض أرواح أهل الإيمان أو يموت معها أهل الإيمان، فيبقى أهل الكفر والنفاق والشرك يتهارجون في الأرض كتهارج الحُمُرْ فلا يقال في الأرض (الله الله) (٣) كما جاء في الصحيح، يعني لا يُقَال في الأرض اتق الله اتق الله، أو أذكر الله أذكر الله. & الدخان: ثم يكون الدخان، والدخان حَصَلَ مَرَّةً كما في سورة الدخان؛ ولكنه ليس بالآية العظيمة كالدخان الذي يحصل قرب قيام الساعة، فذاك دخان يغشى الناس من أولهم إلى آخرهم في الأرض كلها ويشتد معه الخطب والأمر. ومن أهل العلم من قال: إنَّ الآية في سورة الدخان المقصود بها ما هو في قرب قيام الساعة، وفي الأحاديث والسنة أنَّ الدخان حَصَلَ في المسلمين، يعني قد رآه المسلمون والمشركون في مكة، وهذا غير هذا. & خروج النار التي تحشر الناس إلى أرض المحشر: وآخرها نار تخرج من جنوب الجزيرة من قعر عدن؛ يعني يبدأ خروجها من هذا الموطن، ثم تنتشر في الأرض فتحيط بالناس تحشُرُهُمْ إلى أرض المحشر، تبيت معهم وتَقِيلُ معهم، وهذا أيضاً آية عظيمة أنَّ ناراً تتحرك تمشي تقف مع الناس ومع خوفهم حتى تحشر الناس إلى أرض المحشر. ثم بعد ذلك يحصل النفخ في الصور: النفخة الأولى، نفخة الفزع والصّعق، ثم تكون أربعون وتكون نفخة البعث أعاننا الله على كربات يوم القيامة وغفر الله لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

стр. 694

[المسألة الخامسة] : الناس في ما كتبوا من أهل العلم في أشراط الساعة ما بين مُصِيبٍ مُدَقِّقْ وما بين متساهل. ولهذا المؤلفات في هذا الباب كثيرة جِدَّاً، يعني وما بين كُتُبٍ مُؤَلَّفَة مستقلة وما بين شروحٍ في كتبٍ مطولة. لكن ينبغي لطالب العلم أنْ يتحَرَّزْ في هذا الأمر وذلك لأنَّ أشراط الساعة أمرٌ غيبي، والأمور الغيبية يجب أنْ يُسَلَّمَ لها إذا صح فيها دليل، إذا كان الدليل من كتاب الله ﷻ أو كانَ الدّليل مما صح من كلام النبي ﷺ . وفيها ما في جنس أخبار الغيب بأنه لا يُتَعَرَضُ لها بمجاز ولا بما يَنْفِيْ حقيقتها ولا بالتأويل الذي يصرفها عن ظواهرها. فباب التأويل والمجاز مرفوضٌ في مسائل الغيب جميعهاً، أو رَدْ هذه الآيات بالعقلانيات وأنَّ العقل يُحيلُ مثل هذا، هذا كله مردود. ولهذا تجد في الكتب المؤلفة والشروح، ربما ما يصرف الأحاديث عن ظاهرها والواجب هو التسليم لها. وهذا يَدْخُلْ في مقتضى الشهادة بالنبي ﷺ ، لأنه من مقتضى الشهادة معناها تصديقه ﷺ فيما أخبر، فكل ما أخبر به من أمور الغيب ومن قصص السالفين ومما لم تُدْرِكْهُ فيجب التصديق به والإيمان بذلك لأنه ﷺ يُبَلِّغُ عن ربه ﷻ وتقدست أسماؤه. والناس في مسائل أشراط الساعة كما ذكرت لك في أول الكلام: - منهم من يتأولها وينفي ما لا يدل عليه العقل، ويأخذ بما دلَّ عليه العقل. - ومنهم من يتأول بعضاً. - ومنهم من يؤمن بها على ظاهرها كما جاءت لأنها أمورٌ غيبية وهذا هو الذي ينبغي. لهذا تجد مثلاً أنَّ في نزول عيسى ﵇ والمهدي إذا جاء أنَّهُ يكون مثلاً بالسيف وبالخيل، والسيف والخيل قال فيها ﷺ : «إني لأعرف -أو لأعْلَمُ- أسماء خيولهم وألوانها» (١) ، أو كما جاء عنه ﷺ ، وهذا تأكيد للحقيقة. وكذلك أشراط الساعة الأخرى مثل خروج الدجال وأن يسمع به الناس: فمِنَ الناس من قال أنَّ الدجال مثلاً يركب الطائرة، مما أُلِّفْ في هذا الباب، يركب الطائرة وأنه يَسْمَعْ الناس بخبره عن طريق كذا وكذا من الآلات التي هي موجودة الآن، وهذا مما لا يصلح أنْ يُثْبَتْ ولا أنْ يُنْفَى. بل الواجب في مثل هذا التسليم للخبر لأنه إثباته فيه إثبات أنَّ هذه الأشياء ستبقى إلى خروجه، وهذا ما ليس لنا به علم، والنفي أيضاً نفيٌ بما لم نُدْرِكْ علما. والواجب في هذا التسليم وأن لا يخوض الناس في عقليات تنفي ظاهر الأدلة. فنؤمن بها كما جاءت ولا ندخل فيها كما ذكرت بتأويلٍ أو بمجازٍ يصرفها عن ظواهرها.

стр. 695

[المسألة السادسة] : عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل فإنَّهُ ينزِلُ تابِعَاً لشريعة محمد ﷺ ، لأنَّهُ ببعثة محمد ﷺ وَجَبَ على من يكون حَيَّاً أنْ يؤمن به. ولهذا عيسى ﵇ إذا نَزَلْ وكان الإمام يُصَلِّيْ بالناس أو يريد الصلاة، فيأتي يَتَأَخَّرْ ليتقدم عيسى ﵇، فيقول عيسى ﵇ (لا، إمامكم منكم تَكْرِمَةُ الله لهذه الأمة) (١) . وهذا فيه الدِّلالة من أول وهلة ومن أول لحظة على أنَّهُ تابعٌ لمحمد ﷺ ، وليس رسولاً مُتَجَدِّدَاً يعني كما كان قبل بعثة محمد ﷺ . ولهذا إذا نزل ﵇ فإنه يكون حاكماً بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وينطَبِقُ في حَدِّهِ ﵇ أنَّهُ صحابي أيضاً لأنَّهُ رأى النبي ﷺ ليلة المعراج حياًّ وينزل بعد ذلك مُتَّبِعَاً له ويموت على اتِّبَاعِهِ لمحمدٍ ﷺ . وهذا ينطبق عليه حد الصحابي أنَّهُ من لقي النبي ﷺ ساعَةً مؤمناً به ومات على ذلك. ولهذا بعض أهل العلم ربما ألْغَزْ فقال: مَنْ رجل مِنْ أمة محمد ﷺ هو أفضل من أبي بكر بالإجماع؟ ربما ألْغَزْ بعض أهل العلم وليس من الألغاز السائرة -يعني المشهورة- مَنْ رجل مِنْ أمة ﷺ هو أفضل من أبي بكر بالإجماع؟ والجواب أنَّهُ عيسى ﵇ لأنَّهُ تفضيله لأنه رسول ومن أولي العزم من الرسل وهو من أتْبَاعِ محمدٍ ﷺ بعد نزوله. فبعد أنْ ينزل ويُخَاطَبْ ويحكم في الأرض بشريعة الإسلام لأنَّ شريعة الإسلام ناسخةٌ لما قبلها من الشرائع.

стр. 696

[المسألة السابعة] : أشراط الساعة ربما حَلاَ لبعض الناس أنْ يُنَزِّلَهَا على الواقع الذي يعيش فيه، دون تحقيقٍ في انطباقها على ما ذكر. ولهذا ألَّفَ مَنْ أَلَّفْ من المعاصرين في أنَّ هذه العلامة أو هذا الشرط هو كذا بعينه. وهذا مما لا يتجاسر العلماء عليه بل يتحرون فيه أَتَمْ التَّحَرِّيْ فإنَّ تطبيق الواقع على أنَّهُ هو ما أخبر به النبي ﷺ هذا يحتاج إلى علم لأنَّهُ إخبارٌ بما تؤول إليه أحاديثه ﷺ وهذا يحتاج إلى علم، والله يقول: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣] ، يعني ما تؤول إليه حقائق أخباره، وهذا ربما لم يظهر لكل أحد، -يعني الآية في يوم القيامة لكن انتظار التأويل يعني ما تؤول إليه حقائق الأخبار-. بعضها ظاهر مثل بعثة النبي ﷺ ، انشقاق القمر، موت النبي ﷺ ، الموتان يعني الطاعون الذي حصل، طاعون عمواس في سنة ١٨ من الهجرة ونحو ذلك، مثل النار التي خرجت من المدينة. لكن في بعضها يكون ثَمَّ اشتباه، هل هو منطبق أو ليس بمنطبق، هل هو تمت، يعني هل الصفات منطبقة أو ليست كذلك. ولهذا كما ذكرت لك في أول الكلام أنَّ أشراط الساعة إيرادُهَا من الشارع إنما هو لأمرين: ١ - لأجل الإيمان بها. ٢ - ثُمَّ لتكون دِلَالَةْ من دلائل نبوة محمد ﷺ . فوجود الأحاديث أو ذِكْرِ الشيء من أشراط الساعة لا يقتضي مدحاً ولا ذمَّاً ولا نستفيد منه حكماً شرعياً. مثلاً حديث: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» (١) ، وكما في حديث عمر المشهور في قصة جبريل، قال: أخبرني عن السَّاعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ، قال: فأخبرني عن أشراطها، قال: «أنْ تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٢) . منهم من طَبَّقْ (أنْ تلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا) على عصرٍ من العصور أو على وضعٍ من الأوضاع. ومنهم من طَبَّقَ (الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) على وقتٍ من الأوقات. ومثل ما جاء من نُطْقْ الحديد، مثل (وأَنْ تُحَدِّثَ المرأة عَذَبَةُ سوطه) (٣) . ومثل الحديث الذي في السنن: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد» ، هل هذا يقتضي ذمّ هذا الفعل أو لا يقتضي ذمَّاً ولا مدحَاً؟ يعني هل يُحكم عليه بالكراهة لأجل هذا الحديث؟ المعتمد عند أهل العلم أنَّ مثل هذه الأحاديث لم تَرِدْ للأحكام الشرعية وإنما وردت للإخْبَارِ بها لتكون دليلاً على نبوته ﷺ ولابتلاء الناس بالإيمان بخبره ﷺ حتى يظهر المُسَلِّمْ له ﷺ من غير المُسَلِّمْ. لهذا احذر من التطبيق، وخاصَّةً في ما يشتبه. قد مَرَّتْ أَزَمَاتْ ومَرَّتْ فِتَنْ ومَرَّتْ أشياء، من الناس من طَبَّقْ فأخطأ في ذلك، وهو ربما بَنَى على تطبيقه أشياء من التصرفات أو الآراء أو الأحوال فأخطأ في ذلك خطأً بليغاً، وظَهَرَ بيان خطئه. لهذا ما المقصود من إيراد أهل السنة والجماعة الإيمان بأشراط الساعة؟ وذكر أشراط الساعة وتقسيمات ذلك؟ ليس المقصود منه التطبيق، وإنما المقصود منه ما ذكرت لك من الأمرين العظيمين: ١ - الأمر الأول: دلالة من دلالات نبوة النبي ﷺ كي يدخل ذكر أشراط الساعة في دلائل النبوة. ٢ - الأمر الثاني: أنْ يُبتلى الناس بالإيمان بها كما أخبر بذلك النبي ﷺ . نكتفي بهذا القدر، وعلى العموم مباحث أشراط الساعة كثيرة وأُلِّفَ فيها عدة مؤلفات يمكن أنْ ترجعوا إليها للمزيد، حتى الشارح ابن أبي العز ررحمه الله اقْتَضَبَ جداً في شرحه فاقتصر على إيراد الأحاديث الواردة في هذا الباب. من أفضلها كتاب "النهاية" للحافظ ابن كثير لأنه مُحَرر، ومن الكتب المعاصرة كتاب أشراط الساعة ليوسف الوابل، وكذلك كتاب: "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة" للشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري ﵀، ونحو هذه الكتب.

стр. 697

الأسئلة: س١/ هل إيمان أهل الكتاب بعيسى ﵇ إيمانٌ ينفعهم أو إيمانُ إقرار لا ينفع؟ ج/ إذا نزل فكسر الصليب وقتل الخنزير ووضع الجزية فآمَنَ به أهل الكتاب واتَّبَعُوهُ، يعني اتَّبَعُوا ما أَمَرَ به من شريعة الإسلام فإنَّهُ ينفعهم؛ أما إذا آمنوا به يعني إيماناً بنزوله لا بما جاء به وإلى ما دعا إليه فهذا لا ينفع. المسألة ترجع إلى الأصول العامة. س/ [.....] ؟ هل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ الحديث هذا صحيح كما هو معلوم، لكن هل هذا في زمن عيسى أم في غيره؟ أنا ما اتحدث وربما يكون قبل ذلك ثم تحدث فتنة وربما المقصود منه بعض البيوت لا كل بيوت الأرض. س٣/ ما رأيكم في القول بأنَّ قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، على نحو قول تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] ؟ ج/ إذا كان المراد بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، الأشراط الكبرى فهو على نحو قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ، يعني قَرُبَ المجيئ ودَنَا، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعني بقيام الساعة، ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يعني قَرُبَ جداً، و ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، إذا كان المقصود بالأشراط الأشراط الكبرى يعني فُسِّرَتْ الأشراط بالأشراط الكبرى فيكون ﴿جَاءَ﴾ ، بمعنى قَرُبِ ودَنَا مجيؤها مثل ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ هذا صحيح. لكن التخصيص بأنَّ الأشراط هنا هي الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والنبي ﷺ في حديث جبريل جاء ذكر أشراط الساعة وفسَّرَهَا بالأشراط الصغرى، قال (أخبرني عن الساعة) ، ثم قال له (أخبرني عن أشراطها) ، قال: «أنْ تلد الأمة ربتها» إلخ ... ، كما ذكرت لك آنفاً وهذه من الأشراط الصغرى. إذن حَمْلْ آية سورة محمد ﷺ على الأشراط الكبرى دون الصغرى يحتاج إلى دليل، والأمران وشمول الآية للأمرين أولى. س٤/ إنَّ المسيح الدجال لم يكن حياً في زمن النبي ﷺ ألا يُعارِضْ هذا شك النبي ﷺ في ابن صياد هل هو المسيح الدجال أم لا؟ وكذلك إقسام بعض الصحابة؟ ج/ المسألة معروفة من جهة البحث لكن في قصة ابن صائد أنَّهُ لما ذَهَبَ إليه النبي ﷺ ليراه، قال «ما ترى؟» . قال له: (إني أرى الدُّخْ) ولم يُكْمِلْ. فقال له ﷺ «اخسأ فلن تعدو قدرك» (١) . لأنه علم أنَّهُ كاهن، لهذا الأظهر فيه أنَّهُ كاهن صفته كانت مقاربة للصفة، لكن الدجال أمره يختلف، وابن صائد مات ودُفِنْ بإجماع الناس في ذلك الزمان. س٥/ أين يوجد يأجوج ومأجوج؟ ج/ لا أعلم. س٦/ ما علاقة ابن الصيّاد بالدجال، وهل رأى الصحابة ابن صائد؟ ج/ نعم ابن صيّاد أو ابن صائد كان موجوداً في المدينة، وظَهَرَ عليه بعض العلامات وخُشِيَ أنْ يكون الدجال، لكن من المعلوم أنَّ الدجال لا يخرج من المدينة، الدجال يخرج من مكان هو فيه محبوس وهذا الرجل مات ودُفن إلخ، فالقول أنَّ الدجال هو ابن صائد ليس [......] ، الصحابة شَكُّوا ثم تبَيَّنْ لهم هذا الأمر، ومن أقسم على أنَّ ابن صياد هو الدجال هذا بحسب ظنه أو أنَّ المقصود أنَّهُ دجالٌ من الدجاجلة. س٧/ ما رأيكم في من قال أنَّ يأجوج ومأجوج هم شعوب الصين؟ ج/ هذا محتمل؛ لكن ما فيه ما يدل على الجزم به، لأنَّ بعض الصفات التي وردت منطبقة عليهم، في أشكالهم لأنهم قصيرو القامة جداً وبعض الصفات قد ما تنطبق من كل جهة، والتحديد ما الذي يفيد فيه؟ يعني كانوا شعوب الصين أو شعوب أخرى أو ناس يكثرون بقرب زمن خروج عيسى ﵇، يكثرون جداً، يتناسلون ثم يذهبون للناس، يعني ما الذي يختلف من ذلك؟ ويأجوج ومأجوج مثل ما ذكرنا لك سابقاً هم موجودون من زمن الأنبياء قبل ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤] ، وأنهم يخرجون في زمن، فهم شَعْبان أو قبيلان أو قبيلتان كبيرتان موجودة، لكن ما المقصود بها؟ قد يكون الصين وقد يكون غير ذلك، أنا ما أعلم لأنَّ ما عندي ما يحدد ذلك بالدليل. س٨/ ورد حديث فيه التردد بين خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، أيهما أول خروجاً فما الجواب عنه؟ ج/ يعني الحديث الذي في صحيح مسلم بأنها إذا خرجت إحداهما كانت الأخرى تليها، وهذا الحديث إذا كان فيه التَّرَدُّدْ، فإنَّ الأحاديث الأخرى دلت على أنَّ خروج الدابة تكون على الناس ضُحَى، طلوع الشمس، الطلوع ما يكون بعد الضحى، الطلوع يكون وقت الطلوع، يعني في أول إدبار الليل وإقبال الصباح، والصحيح أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول ثُمَّ بعد ذلك خروج الدابة. وهذا يقتضيه أيضاً المعنى، لأنَّ طلوع الشمس من مغربها، هذا خلاص فاصلة الإيمان، يعني من لم يؤمن من قبل لا ينفعه إيمانه، ثمّ الدابة التي تَسِمْ الناس وتَكْلِمَهُمْ. س٩/ ألا يكون مفرد أشراط هو شَرَطْ؟ أما شَرْطْ فجمعه شروط؟

стр. 698

ج/ هذا صحيح لكن هو يصح شَرْطٌ وشَرَطْ، وهذا كثير، أعني شَرْطْ وشَرَطْ في المفرد يتبادلان، يعني من حيث القياس ومن حيث النقل، مثل نَهْرْ ونَهَرْ، وسَمْعْ وسَمَعْ، وفي القرآن في القراءات في كثير تناويع بين فَعْل وفَعَلْ في المفرد الذي جمعه أفعال، والنهر: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهْراً﴾ [الكهف:٣٣] ، وفي القراءة الأخرى: ﴿ [وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ ، اللي هو قراءتنا، وجمع نَهْرْ، أنهار وأنْهُر. فالمسألة صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ، ولا يعني استعمال الشَرْطْ فيما ذُكر أنَّه. المقصود أنها صحيح شَرْطٌ وشَرَطْ كلها. س١٠/ كيف تكون أطوار حياة الدجال الأولى؟ ج/ الله أعلم، الله يعيذنا من فتنتة. هم حذروا من الفتنة، خوفوا الناس من الفتنة، من فتنة المسيح الدجال. وبالمناسبة لم أذَكُرْ: في المسيح الدجال والمسيح عيسى ابن مريم، اشتركا في اسم المسيح والمعنى مختلف. المسيح الدجال: فعيل بمعنى مفعول، يعني لأنَّهُ ممسوح العين اليسرى وعينه الأخرى كأنها عنبةٌ طافية، يعني بالية، فمسيح بمعنى ممسوح، يعني إحدى العينين غير موجودة، أعور. وأما المسيح عيسى ابن مريم ﵇: فهو مسيح بمعنى ماسح فاعل لأنَّهُ كان إذا مَسَحَ على مريضٍ أو من يشتكي أبرأه الله كما جاء في القرآن في سورة آل عمران والمائدة: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة:١١٠] . في بعض الكتب يقولون المسيخ، أو لا؟ هذه أنا ما أعرف إيش أصلها، المسيخ يعني بمعنى ممسوخ! هل هو ممسوخ هو؟ هل جاء في الأحاديث ممسوخ أو مسيخ؟ أنا ما أعلم فيها، ولكن الأحاديث كلها اللي في السنن اللي في الصحيح، اللي في السنن كلها المسيح بالحاح لا بالخاء. س١١/ حبذا لو أبَنْتَ لي معنى قول بعض العلماء إنَّ القدرة لا تتعلق بالمستحيل، بل لا تتعلق القدرة إلا بالممكن بخلاف العلم، وهل هذا القول صحيح؟ ج/ يحتاج تَأَمُّلْ، ما أستحضر يعني، لكن كأنها من كلمات الأشاعرة، القدرة لا تتعلق بالمستحيل بل تتعلق القدرة بالممكن، قدرة الله تتعلق بكل شيء كما هو نص القرآن: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] ، ونحو ذلك، فالقُدْرَةْ متعلقة بكل شيء. وكل شيء هذه تشمل ما أَذِنَ الله بوقوعه وما لم يأذن بوقوعه. أما تَعَلُّقْهَا بالممكن، من قال تَتَعَلَّقْ بالممكن، فالممكن وقوعاً أو الممكن إذناً؟ فهذا الكلام فيه صلة بكلام الأشاعرة والماتريدية ونحوهم ممن يُعَلِّقُونَ القدرة بما يشاؤه الله وما يأذن به. والقرآن فيه الرد على هذا القول من جهتين: - الأولى: في عموم كل شيء في الآيات التي ذكرت لك. - الثانية: في آية سورة الأنعام، في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام:٦٥] ، قال : ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ ، هل حصل هذا العذاب من فوق؟ قال ﷺ لما قرأها «أعوذ بوجهك» ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال «أعوذ بوجهك» ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ قال «هذه أهون» (١) . وهذه وقعت كما في الحديث الثاني أنَّ النبي ﷺ سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومَنَعَهُ واحدة. فهناك أشياء كما في نص الآية الله قادرٌ عليها ولم يأذن بوقوعها، فهي من جهة الوقوع ما دام أنَّهُ لم يأذن الله بها ولم تقع لكن تعلّقت بها قدرته، فإذاً دلت الآية على أنَّ قدرته متعلقة بكل شيء بما يشاء أنْ يقع وبما لم يشأ أنْ يقع، وهذا هو قول أهل السنة خلافاً لقول الآخرين.

стр. 699

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: الأسئلة: س١/ هل هذا [.....] عمار يعني، يقول ﷺ لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» (١) ، هل هذا معناه أنَّ فرقة معاوية فرقة باغية؟ ج/ قول النبي ﷺ لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية» هذا حديثٌ صحيح، وأهل العلم يستدلون به على أنَّ الحق مع علي ﵁ وأصحابه، وأنَّ معاوية ﵁ ومن معه أنهم كانوا متأولون وبغوا على علي ﵁، وإنما فعلوا ذلك باجتهاد كما هو معلوم. ولهذا لما قيل لمعاوية هذا الحديث: (إنَّ عماراً تقتله الفئة الباغية) ، قال: (إنما قتله الذين أخرجوه) (٢) ، يعني ما قتلناه، قتله الذين أخرجوه في أمرٍ ليس بحق، فتأوَّلَ حتى الحديث وجعل علياً ﵁ ومن معه الذين بغوا على أولياء بني عثمان ﵁. والصواب في ذلك هو ما عليه مُعتَقَد أهل السنة والجماعة من الترضي عن الجميع، واعتقاد أنَّ الصواب والحق مع علي ﵁ وأصحابه، وأنَّ معاوية ﵁ بَغَى على عليٍ في ما ذهب إليه وأنه لم يكن أيضاً كل ما حصل باختيار معاوية ﵁، بل كان ثَمَّ من يفسد بين الفئتين وهم الخوارج قاتلهم الله. فالمقصود من ذلك أنَّ محبة الجميع فرض، ومعاوية ﵁ كاتب وحي النبي ﷺ ولا يجوز التَّنَقُّص منه، وولايته كانت من خير الولايات، يعني هو خير ملِكٍ مَلَكْ لأنه صحابي وأقام الجهاد واجتمعت عليه الأمة في وقته، وعلي ﵁ من هذه الجهة لم تجتمع عليه الأمة، فلذلك حصل من الخير ومراغمة الأعداء وقتال أعداء الله وجهاد المشركين وسَعَةْ انتشار الإسلام في وقت معاوية ما لم يحصل في خلافة علي ﵁. فلهذا الله أعلم بمواقع حكمته وقدَرِهِ ولكن علي ﵁ هو المصيب وهو الحق وهو الخليفة الراشد وهو رابع الخلفاء ورابع المبشرين بالجنة وهو أفضل وأعلى مقاماً من معاوية ﵃ جميعاً بلا شك، ولكن معاوية كان في ذلك متأولاً وكان في عهده من الخير ما يُحمد له. س٢/ ما رأيكم بموسى الموسوي؟ قرأت له ردوداً على الإمامية وقيل إنَّهُ شيعي؟ ج/ هذا موسى الموسوي أحد الإمامية الرافضة، نَقَمَ ما على الخميني دعوته في ولاية الفقيه وفي بعض أمور السياسة فرحل إلى أمريكا وأنشأ له هناك داراً ومركزاً، وألَّفَ بعض الكتب باللغة الإنجليزية والبعض باللغة العربية، وبعض كتبه كـ: (الشيعة والتصحيح) و (التشيع والتشيع) ، و (يا شيعة العالم استيقضوا) ونحو هذه الكتب مفيدة في الرّد على الشيعة وبيان أنَّ منهم من يردُّ عليهم من كتبهم وأنهم متناقضون، وأنَّ الحقّ ليس معهم وأنَّ عندهم من التناقض وعندهم من مخالفة ما عليه أكابرهم المتقدمون ما يدل على فساد ما ذهبوا إليه، فكتبه مفيدة في ذلك. لكنه هو يذهب إلى شيء يجب أنْ تنتبه إليه، وهو أنَّ الشيعة حق وأنَّ التشيع حق وأنَّ الجعفرية حق، وأنه لا يجوز أنْ يُتَعَدَّى على التشيع من حيث هو، وأنَّ السنة والشيعة فرقتان من فرق الإسلام لا ينبغي أنْ يكون بينهما كبير فرق، ومع هذا فهو رَدْ على الشيعة في مواضع كثيرة. مَثَلَاً أذكر له في كتابه (الشيعة والتصحيح) ذَكَرَ عدة مسائل منها مسألة العصمة، مسألة ترك يوم الجمعة وزواج المتعة. وأيضاً ذَكَرَ وهي مسألة مهمة عقد لها باباً سماه (الشيعة ومراقد الأئمة) ، وذَكَرَ في هذا نقداً واضحاً وتضليلاً للذين يُقَدَّسُون الأئمة ويتجهون إلى مراقدهم بالحج يعني إلى قبورهم، وقال حتى في صدر هذا الباب إنْ صح حفظي يقول في أول أسطر منه (يحلو لبعض الفئات أنْ تجعل مُعَظَّمَهُم مُقَدَّسَاً ويجعلون عليه خِلَعَاً من صفات الإله كما فعل الناس من المسلمين بمُعَظَّمِيْهِمْ، فلدى السنة مُعَظَّمُونْ خلعوا عليهم من صفات الإله وجعلوا يذهبون إليهم بالذبائح والنذور والطلبات والاستغاثات، وللشيعة أيضاً مُقَدَّسُون ومُعَظَّمُون خلعوا عليهم من صفات الإله ولم يَنْجُ -هذه عبارته- ولم ينجُ من هذا التخريف إلا الطائفة الموسومة بالسلفية) (٣) . فعلى العموم عنده ما عنده وكتبه تستفيد منها، يستفيد منها طالب العلم في بعض الأمور وخاصة في مسألة متى بدأ القول بالعصمة؟، ومتى بدأ انحراف الشيعة عن أقوال الأوائل؟ أرَّخَهَا في كتبه تَأْرِيْخَاً جيداً، وبَيَّنَ أَنَّ بداية الانحراف كانت في أوائل المائة الرابعة بدأ القول بالعصمة وبدأ الانحراف عن طريقة أئمتهم الأولين، فيُرَدُّ عليهم من كلام بعضهم (٤) .

стр. 700

: [[الشريط التاسع والأربعون]] : وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.

стр. 701

[المسألة الأولى] : الله ﷻ هو المختص بعلم الغيب فلا يعْلَمُ أحدٌ الغيب، بل الله هو الواحد الأحد وهو العالم بغيب السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، قال ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] ، وقال في سورة النمل ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، وقال ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨] ، الآية وكذلك في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] ، فدَلَّتْ هذه الآيات أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله ، والمقصود به علم الغيب المُسْتَقْبَلْ؛ يعني ما سيكون في الأرض أو في السماء هذا لا يعلمه على اليقين والحقيقة إلا الله ، وإنما الناس يَخْرُصونَ في ذلك فواجبٌ اعتقاد أنَّ الله يعلم الغيب وحده ﷻ وتقدست أسماؤه. ومن ادَّعَى شيئاً من علم الغيب فإنما هو من الشياطين أو من إخوان الشياطين كما قال ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] ، فذكر أَنَّ الجني يستمتع بالإنسي بعبادته له وتقرُّبِهِ له، وأنَّ الإنس يستمتع بالجني بما يخبره من المُغَيَّبَاتْ وما يكون. هذا دلَّتْ عليه أيضاً عدد من الأحاديث عن النبي ﷺ ، وكانت الكهانة وهي ادِّعَاء ما يُسْتَقْبَلْ من الأمور من الغيبيات، أو العِرَافَةْ -سيأتي تفسيرها- كانت من الأمور الشائعة في زمنه ﷺ وقبل ذلك من أمور الجاهلية. وقد روى مسلمٌ في الصحيح (أنَّ معاوية بن الحكم السُّلَمِي أتى النبي ﷺ وقال له إنَّ رجالاً يَتَكَهَّنُونَ فنهاه النبي ﷺ عن ذلك) (١) ، وقد جاء أيضاً في الحديث (ليس منَّا من تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له) (٢) ، وسيأتي باقي الأحاديث في الكهانة. وسبب ادِّعاءْ علم الغيب في الناس من قبيل الكُّهَانْ أو العَرَّافِين أو المُنَجِّمِين أو من شابههم هو أنَّ الشياطين تُمِدُّهُم بالمعلومات. والشياطين قد تُمِدُّهُم بمعلوماتٍ كاذبة، وقد تُمِدُّهُم بمعلومات فيها صدق، وقد يكذب الكاهن أو العراف أو المنجم مع ما أَتَاهُ من المعلومات مائة كذبة أو أكثر. وما يَصْدُقُونَ فيه من الإخبار بالمعلومات سببه أنَّ الله إذا أوحى بالأمر في السماء وأَمَرَ ملائكته به مما يُنْفِذُهُ في خلقه -لأنَّ الملائكة مُنَفِّذُونَ لأوامر الله - فإنَّ الشياطين أعطاهم الله القدرة على الاستماع وعلى الصعود وأن يَعْلُوَ بعضهم بعضاً فيما أَقْدَرَهُمْ الله عليه. فربما استمعوا إلى بعض ما يوحيه الله لملائكته وما يُلْقيه الملائكة بعضُهُمْ إلى بعض. ولأجل هذا مُلِئَتْ السماء بالشهب وحُرِسَتْ بالنجوم التي تقتل من يسترق السمع، كما قال ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر:١٨] ، وقال ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠] وقال ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] في بعض التفاسير. فجعل الله في السماء رُجُومَاً للشياطين وهي هذه الشهب. وإذا كان كذلك فإن مَلْءْ السماء بالشُهُبْ واستراق السمع له تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألةٍ لاحقة.

стр. 702

[المسألة الثانية] : قال (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) العلماء اختلفوا في معنى الكاهن والعَرَّافْ وتفسير هذا وهذا على عدة أقوال. وظاهر صنيع المؤلف الطحاوي ﵀ أنَّهُ يُفَرِّقُ بين العَرَّافْ وبين الكاهن. وسبب التفريق أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ الكاهن مفرداً والعَرَّافْ مُفْرَداً، وجاء فيها ذِكْرُ الكاهن والعرَّافْ مَجْمُوعَينِ مما يَدُلُّ على الفرق بينهما. لهذا إذا نظرت إلى أصل اللغة فإنَّ كلمة تَكَهَّنَ وكاهِنْ غير كلمة تَعَرَّفَ وعارِفَ وصيغة المبالغة عَرَّافْ. لأنَّ التَكَهُّنْ هو رَجْمُ الإنسان بالغيب فيما لا يعلم، يعني أنَّهُ يستقبل ما سيأتي بما لا علم له به. ويدخل في ذلك عموم الظن؛ لكن الظن ليس معه ادِّعاءْ لعلم الغيب، وأما التَّكَهُّنْ فصار فيه ظَنٌّ هو في الأصل يعني في اللغة وظَنٌ فيما سيحصل مُسْتَقْبَلَاً. لهذا يجوز لغَةً أنْ يقول القائل تَكَهَّنْتُ أَنُّهُ سيكونُ كذا وكذا على اعتبار يعني في المستقبل أنَّهُ يظن أنَّه سيكون كذا وكذا. ثم شاع هذا الاسم فيمن يَدَّعُونَ علم الغيب بواسطة الشياطين، فصار لَقَبَاً واسْمَاً على طائفةٍ مخصوصة وهم الذين يَتَوَلَّونَ هذه الصَّنْعَةْ ويُخْبِرُونَ الناس عمّا سيكونُ من أحوالهم فيما يستقبلون من الزّمان. فإذاً صار الكاهن كما عَرَّفَهُ بعض العلماء على هذا الاعتبار هو من يقضي ويُخْبِرُ بالمُغَيَّبات. وأما لفظ العَرَّافْ فهو في اللغة أَصْلُهُ من عَرَفَ أو تَعَرَّفَ يَتَعَرَّفُ فهو مُتَعَرَّفٌ أو عَرَّافْ. فهو الذي يُعَرِّفُ بأمورٍ غيبية يَعْرِفُهَا فَيُخْبِرُ بها. وهذا يشمل الأمور الغيبية في الزمان الماضي مما حدث أو مما سيكون؛ لأنَّ المعرفة والتَّعَرُّفْ تشمل الماضي والمستقبل. لكن خُصَّ في بعض الاستعمالات بأنَّهُ من يُخْبِرُ عن الأمور التي حصلت وانتهت مما خَفِيَ عن الناس كالإخبار عن مكان المسروق أو الضَّالَةْ أو عن شيءٍ أَضَاعَهُ الإنسان أو عن شيءٍ حصل وخَفِيَ عن الناس ونحو ذلك من المسائل. إذا نظرت إلى هذا الأصل اللغوي وارتباط ذلك بحال أهل الجاهلية، فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال: ١ - القول الأول: أنَّ الكاهن: هو القاضي بالغيب، وهو الذي يُخْبِرُ عن أمورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ من الغيب مستعيناً في ذلك بالشياطين. والعراف: هو الذي يُخْبِرُ عما خَفِيَ مما حَدَثَ وغاب عن الناس بالاستعانة أيضاً بالشياطين. ٢ - القول الثاني: أنَّ الكاهن يَعُمُّ الجميع، فالعراف أخص، والكاهن يدخل فيه من يُخْبِرُ باُمورٍ مُسْتَقْبَلَة أو ماضية غابت عن الناس، أو التنجيم أو نحو ذلك، فيجعلون: الكاهن: اسماً عاماً لكل من يَدَّعِي شيئاً من علم الغيب، فيدخل في صور كثير من الضرب بالرمل ومن الوَدَعْ ومن الخشب والاستقسام بالأزلام، خشبة (آبا جاد) والطرق بالحصى ونثر السُّبَح، والخط في الرمل ونحو ذلك مما هو شائعٌ عندهم، وأدْخَلَ فيها طائفة من المعاصرين -كما سيأتي بيانه- التنويم المغناطيسي وما يجري مجراه. والعراف أخص من هذا فيكون مخصوصاً باسْمٍ، والاسم العام الكاهن. هذا القول الثاني هو المشهور عند أهل العلم والأكثر عليه. ٣ - القول الثالث: أنَّ العراف أشمل والكاهن أخص منه. لأنَّ الكاهن مخصوص بالعلم المسْتَقْبَلِي عل حسب قولهم. والعراف لكل من يدَّعي شيئاً من علم الغيب. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. * والراجح من هذه الثلاثة أنَّ الكاهن اسم غير اسم العَرَّافْ. فالكهانة لها صفتها وأحكامها، والعَرَّاف له صفته وأحكامه على نحو ما ذكرنا في القول الأول.

стр. 703

[المسألة الثالثة] : دَلَّتْ الأدلة في سنة النبي ﷺ على أنَّ تصديق الكاهن أو العراف محرَمٌ بل كفر، وعلى أنَّ إتيان الكهنة والعرافين فيها إثمٌ كبير. فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة -ولم يسمها مسلم-؛ بل قال عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي حفصة أم المؤمنين أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) . وجاء في سنن أبي داوود حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٢) . وفي مسند الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٣) . وإسناده صحيح. فَدَلَّت هذه الأحاديث على أنَّ: - إتيان الكاهن أو العراف منهي عنه. - وأنَّ سؤاله كبيرة من كبائر الذنوب إثمها عظيم يَتَرتَبْ عليها أن لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة من عِظَمِ الإثم. - وأنه إن سَأَلَ فَصَدَّقْ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . إذا تبين ذلك فقوله ﷺ «من أتى عرافا فسأله عن شيء» هذا فيه عموم، (سأله عن شيء) يعني عن أي شيء سواءٌ أكَانَ فيما مضى عن ضالة أو عن شيءٍ مفقود أو عن شيءٍ في المستقبل فإنه لا تُقْبَلُ له صلاة أربعين ليلة. وسبب ذلك أنَّ العراف لا يستدل على ما غاب بأمورٍ ظاهرة أو بتجربة أو بأسبابٍ معلومة، وإنما يستعين بالجن، والاستعانة بالجن شرك لأنَّ الجن لا يُعينون الإنسان إلا إذا تَقَرَّبَ إليهم وأعطى بعض العبادة لهم ومَكَّنَهُم ليستمتعوا به، كما قال ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] ، يعني زاد الجنيُّ الإنسيَّ رهقاً وإثماً وبلاءً. «لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» اختلف العلماء هنا هل عدم القبول يعني الإجزاء ولكنه لا يثاب؟ أم أنها لا تقبل بمعنى أنها لا تُجْزِئُهُ لو صَلَّى ولكن يجب عليه أن يفعلها -يعني أن يقيمها-، وأنه لا يثاب عليها لأنها لم تُقْبَلْ منه؟ وهذا في نظائره في تفسيره (عدم القبول) هل عدم القبول يعني عدم الإجزاء أو عدم الثواب؟ والظاهر هنا أنَّ عدم القبول بمعنى عدم الثواب؛ لكنه إذا أَدَّاهَا سقط عنه الفرض، لإجماع الأمة أَنَّهُ لا يجب عليه أن يعيدها بعد اقتضاء الأربعين ليلة. وأما تصديق الكاهن أو العراف -يعني إذا سَأَلَ كاهناً فَصَدَّقَه- فما في الحديث ظاهر وهو أنه قال «فقد كفر بما أنزل على محمد» هذا في حال السائل المُصَدِّقْ فكيف بحال الكاهن نفسه؟؟ يعني تُوُعِّدَ السائل الذي يسأل ويُصَدِّق أَنَّهُ قد كفر فكيف بالكاهن أو بالعراف؟ لهذا هنا مسألتان: ١ - المسألة الأولى: في حكم الكاهن أو العراف؟ والصحيح أنهم إذا استعانوا بالشياطين في ذلك، يعني لم يكونوا دجَّالين وإنما فعلاً يُخْبِرُونَ عن اسْتِعَانَةٍ بالشياطين فإنَّ هذا كفر، ويجب استتابتهم إنْ تابوا وإلا قُتِلُوا عند كثير من أهل العلم، على تفصيلٍ مَرَّ معنا في حكم الزنديق وأمثاله. ٢ - المسألة الثانية: في حال السائل؟ قال ﷺ «فقد كفر بما أنزل على محمد» وهنا الكفر هل هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة أم كفرٌ أصغر دون كفر؟ أم يُتَوَقَّفْ فيه فلا يُقَالُ كفرٌ أكبر ولا كفرٌ أصغر لعدم الدليل على ذلك؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: @ من أهل العلم من المعاصرين وممن قبلهم من قال أنه كفرٌ أكبر لظاهر قوله «فقد كفر» ، ويُفْتِي به عدد من مشايخنا هنا. @ ومن أهل العلم من يقول هو كفرٌ دون كفر، وهذا أظهر من حيث الدليل لأمرين: & الأمر الأول: أنَّ النبي ﷺ كما في رواية أحمد قال «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فَصَدَّقَهْ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» فرتَّبَ عدم قبول الصلاة على السؤال والتصديق معاً ولو كان السائل الذي صَدَّقَ كافراً فإنه لا تقبل صلاة حتى يتوب دون تحديدٍ لمدةٍ معلومة. & الأمر الثاني: أنَّ الناس يُصَدِّقُونَ العراف والكاهن لا على اعتبار أنهم يَدَّعُونَ علم الغيب وأنهم ينفُذُونَ على علم الغيب بأنفسهم؛ ولكن يقولون: هذا -يعني ربما قالوا- هذا ممن اخْتَرَقَتْهُ الشياطين. فيكون لهم شبهة في ما يُصَدِّقُونَ به، وهذه الشبهة تمنع من أن يعتقدوا فيهم أنهم يعلمون علم الغيب مطلقاً. وهذا يكثر في حال من يُصَدِّقْ من ينتسبون إلى الصلاح أو يظهر عليهم الوَلَايَةْ والصلاح ويُخْبِرُونَ بالمغيبات، والناس يصدقونهم على اعتبار أنهم يُحَدَّثُونَ بذلك، ولهم في ذلك -كما ذكرنا- شبهة وهذه تمنع من إخراجهم من الملة والكفر الأكبر.

стр. 704

ولهذا صار الصحيح هو القول بأنَّ تصديق الكاهن يعني في الخبر المُغَيَّبْ بخصوصه، يعني (من أتى فسأل فصدق) بالخبر بعينه أنَّ هذا كفر دون كفر لا يُخْرِجُ من الملة؛ لكن يجب معه التعزير البليغ والردع حتى ينتهي عمَّا سَمَّاهُ النبي ﷺ كفراً. @ القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد أنَّه يُتَوَقَّف فيه، فلا يقال هو كفر أكبر ولا أصغر لأنَّ الحديث أطلق ثم لبقاء الردع في الناس والتخويف في هذا الباب.

стр. 705

[المسألة الرابعة] : الشبهة التي ذكرنا من اسْتِرَاقْ السمع هي التي جاءت فيها الآيات أنَّ الشهاب يُرْسَلُ على الشيطان أو على الشياطين الذين يسترقون السمع. واستراق السمع له ثلاثة أزمنة: ١- الزمن الأول: ما كان قبل البعثة، قبل أن يُوحَى إلى محمد ﷺ ، يعني في حال أهل الجاهلية، وهذا كان استراق السمع كثيراً لحكمةٍ لله في ذلك،، ولذلك كان ما يُخْبِرُ به الكُّهَان ويصدقهم الناس فيه كثيراً. ٢- الزمن الثاني: بعد أن أُوحِيَ إلى النبي ﷺ فإنَّ السماء مَلَأَهَا الله حرساً شديداً وشُهُبَاً، كما قال في سورة الجن مخبرا عن قول الجن في صدر السورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أنْ قال ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] فَدَلَّ على أَنَّهَا مُلِئَتْ، ولم يَعْهَدُوا ذلك من قبل؛ يعني أنَّ الله جَعَلَهَا محروسةً لأجل وقت تَنَزُّلِ وحيه على رسوله محمد ﷺ حكمةً منه، وإلا فالله سبحانه قادر على أن لا يأذن بشيء من استراق السمع لكن لله الحكمة والابتلاء لعباده. فمُنِعُوا من الاستماع، ومُنِعُوا من استراق السمع وبَقِيَ ما ينفذ القليل جداً بالنسبة إلى ما سبق. ٣- الزمن الثالث: هو ما بعد عهد النبي ﷺ ، فإنَّ ظاهر الأدلة يدلُّ على أَنَّها لم تَخْلُ بعد ذلك من الشهب ومن حراستها في ذلك لئلا يَدَّعِّيَ أحدٌ النبوة وتكثر الشبهة معه فيما يخبِرُ بالمغيبات ممن يدَّعِي النبوة. وإذا كان الأمر كذلك في هذه الأحوال الثلاثة فإنَّ ادِّعاء علم الغيب كفر: - إما لتَهَجُّمِهِ على ما يختص الله به. - أو لأَنَّهُ لا يدَّعِي علم الغيب إلا من يستعين بالجن ويتقرب إليهم. وأما الذي يُصَدِّقُ من يَدَّعِي علم الغيب في بعض الأحوال مثل ما ذكرنا هذه لها تفاصيل ذلك. والواجب أن يُعْتَقَدَ أَنَّ الغيب كما قدَّمْتُ لك في أول المسائل مختصٌ بالله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ هذا يعمّ لأنَّ أحداً نكرة في سياق النفي، فتعم كل أحد، ثم استثنى الله فقال ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٨] فاستثنى الله الرسول الملكي والرسول البشري فيما يُطْلِعُهُم عليه من علم الغيب لدليل صدقهم أو لحكمةٍ لله في ذلك.
следующие страницы →