← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

[المسألة الأولى] : الله ﷻ هو المختص بعلم الغيب فلا يعْلَمُ أحدٌ الغيب، بل الله هو الواحد الأحد وهو العالم بغيب السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، قال ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] ، وقال في سورة النمل ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، وقال ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨] ، الآية وكذلك في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] ، فدَلَّتْ هذه الآيات أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله ، والمقصود به علم الغيب المُسْتَقْبَلْ؛ يعني ما سيكون في الأرض أو في السماء هذا لا يعلمه على اليقين والحقيقة إلا الله ، وإنما الناس يَخْرُصونَ في ذلك فواجبٌ اعتقاد أنَّ الله يعلم الغيب وحده ﷻ وتقدست أسماؤه. ومن ادَّعَى شيئاً من علم الغيب فإنما هو من الشياطين أو من إخوان الشياطين كما قال ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] ، فذكر أَنَّ الجني يستمتع بالإنسي بعبادته له وتقرُّبِهِ له، وأنَّ الإنس يستمتع بالجني بما يخبره من المُغَيَّبَاتْ وما يكون. هذا دلَّتْ عليه أيضاً عدد من الأحاديث عن النبي ﷺ ، وكانت الكهانة وهي ادِّعَاء ما يُسْتَقْبَلْ من الأمور من الغيبيات، أو العِرَافَةْ -سيأتي تفسيرها- كانت من الأمور الشائعة في زمنه ﷺ وقبل ذلك من أمور الجاهلية. وقد روى مسلمٌ في الصحيح (أنَّ معاوية بن الحكم السُّلَمِي أتى النبي ﷺ وقال له إنَّ رجالاً يَتَكَهَّنُونَ فنهاه النبي ﷺ عن ذلك) (١) ، وقد جاء أيضاً في الحديث (ليس منَّا من تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له) (٢) ، وسيأتي باقي الأحاديث في الكهانة. وسبب ادِّعاءْ علم الغيب في الناس من قبيل الكُّهَانْ أو العَرَّافِين أو المُنَجِّمِين أو من شابههم هو أنَّ الشياطين تُمِدُّهُم بالمعلومات. والشياطين قد تُمِدُّهُم بمعلوماتٍ كاذبة، وقد تُمِدُّهُم بمعلومات فيها صدق، وقد يكذب الكاهن أو العراف أو المنجم مع ما أَتَاهُ من المعلومات مائة كذبة أو أكثر. وما يَصْدُقُونَ فيه من الإخبار بالمعلومات سببه أنَّ الله إذا أوحى بالأمر في السماء وأَمَرَ ملائكته به مما يُنْفِذُهُ في خلقه -لأنَّ الملائكة مُنَفِّذُونَ لأوامر الله - فإنَّ الشياطين أعطاهم الله القدرة على الاستماع وعلى الصعود وأن يَعْلُوَ بعضهم بعضاً فيما أَقْدَرَهُمْ الله عليه. فربما استمعوا إلى بعض ما يوحيه الله لملائكته وما يُلْقيه الملائكة بعضُهُمْ إلى بعض. ولأجل هذا مُلِئَتْ السماء بالشهب وحُرِسَتْ بالنجوم التي تقتل من يسترق السمع، كما قال ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر:١٨] ، وقال ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠] وقال ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] في بعض التفاسير. فجعل الله في السماء رُجُومَاً للشياطين وهي هذه الشهب. وإذا كان كذلك فإن مَلْءْ السماء بالشُهُبْ واستراق السمع له تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألةٍ لاحقة.

стр. 702

[المسألة الثانية] : قال (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) العلماء اختلفوا في معنى الكاهن والعَرَّافْ وتفسير هذا وهذا على عدة أقوال. وظاهر صنيع المؤلف الطحاوي ﵀ أنَّهُ يُفَرِّقُ بين العَرَّافْ وبين الكاهن. وسبب التفريق أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ الكاهن مفرداً والعَرَّافْ مُفْرَداً، وجاء فيها ذِكْرُ الكاهن والعرَّافْ مَجْمُوعَينِ مما يَدُلُّ على الفرق بينهما. لهذا إذا نظرت إلى أصل اللغة فإنَّ كلمة تَكَهَّنَ وكاهِنْ غير كلمة تَعَرَّفَ وعارِفَ وصيغة المبالغة عَرَّافْ. لأنَّ التَكَهُّنْ هو رَجْمُ الإنسان بالغيب فيما لا يعلم، يعني أنَّهُ يستقبل ما سيأتي بما لا علم له به. ويدخل في ذلك عموم الظن؛ لكن الظن ليس معه ادِّعاءْ لعلم الغيب، وأما التَّكَهُّنْ فصار فيه ظَنٌّ هو في الأصل يعني في اللغة وظَنٌ فيما سيحصل مُسْتَقْبَلَاً. لهذا يجوز لغَةً أنْ يقول القائل تَكَهَّنْتُ أَنُّهُ سيكونُ كذا وكذا على اعتبار يعني في المستقبل أنَّهُ يظن أنَّه سيكون كذا وكذا. ثم شاع هذا الاسم فيمن يَدَّعُونَ علم الغيب بواسطة الشياطين، فصار لَقَبَاً واسْمَاً على طائفةٍ مخصوصة وهم الذين يَتَوَلَّونَ هذه الصَّنْعَةْ ويُخْبِرُونَ الناس عمّا سيكونُ من أحوالهم فيما يستقبلون من الزّمان. فإذاً صار الكاهن كما عَرَّفَهُ بعض العلماء على هذا الاعتبار هو من يقضي ويُخْبِرُ بالمُغَيَّبات. وأما لفظ العَرَّافْ فهو في اللغة أَصْلُهُ من عَرَفَ أو تَعَرَّفَ يَتَعَرَّفُ فهو مُتَعَرَّفٌ أو عَرَّافْ. فهو الذي يُعَرِّفُ بأمورٍ غيبية يَعْرِفُهَا فَيُخْبِرُ بها. وهذا يشمل الأمور الغيبية في الزمان الماضي مما حدث أو مما سيكون؛ لأنَّ المعرفة والتَّعَرُّفْ تشمل الماضي والمستقبل. لكن خُصَّ في بعض الاستعمالات بأنَّهُ من يُخْبِرُ عن الأمور التي حصلت وانتهت مما خَفِيَ عن الناس كالإخبار عن مكان المسروق أو الضَّالَةْ أو عن شيءٍ أَضَاعَهُ الإنسان أو عن شيءٍ حصل وخَفِيَ عن الناس ونحو ذلك من المسائل. إذا نظرت إلى هذا الأصل اللغوي وارتباط ذلك بحال أهل الجاهلية، فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال: ١ - القول الأول: أنَّ الكاهن: هو القاضي بالغيب، وهو الذي يُخْبِرُ عن أمورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ من الغيب مستعيناً في ذلك بالشياطين. والعراف: هو الذي يُخْبِرُ عما خَفِيَ مما حَدَثَ وغاب عن الناس بالاستعانة أيضاً بالشياطين. ٢ - القول الثاني: أنَّ الكاهن يَعُمُّ الجميع، فالعراف أخص، والكاهن يدخل فيه من يُخْبِرُ باُمورٍ مُسْتَقْبَلَة أو ماضية غابت عن الناس، أو التنجيم أو نحو ذلك، فيجعلون: الكاهن: اسماً عاماً لكل من يَدَّعِي شيئاً من علم الغيب، فيدخل في صور كثير من الضرب بالرمل ومن الوَدَعْ ومن الخشب والاستقسام بالأزلام، خشبة (آبا جاد) والطرق بالحصى ونثر السُّبَح، والخط في الرمل ونحو ذلك مما هو شائعٌ عندهم، وأدْخَلَ فيها طائفة من المعاصرين -كما سيأتي بيانه- التنويم المغناطيسي وما يجري مجراه. والعراف أخص من هذا فيكون مخصوصاً باسْمٍ، والاسم العام الكاهن. هذا القول الثاني هو المشهور عند أهل العلم والأكثر عليه. ٣ - القول الثالث: أنَّ العراف أشمل والكاهن أخص منه. لأنَّ الكاهن مخصوص بالعلم المسْتَقْبَلِي عل حسب قولهم. والعراف لكل من يدَّعي شيئاً من علم الغيب. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. * والراجح من هذه الثلاثة أنَّ الكاهن اسم غير اسم العَرَّافْ. فالكهانة لها صفتها وأحكامها، والعَرَّاف له صفته وأحكامه على نحو ما ذكرنا في القول الأول.

стр. 703

[المسألة الثالثة] : دَلَّتْ الأدلة في سنة النبي ﷺ على أنَّ تصديق الكاهن أو العراف محرَمٌ بل كفر، وعلى أنَّ إتيان الكهنة والعرافين فيها إثمٌ كبير. فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة -ولم يسمها مسلم-؛ بل قال عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي حفصة أم المؤمنين أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) . وجاء في سنن أبي داوود حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » (٢) . وفي مسند الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٣) . وإسناده صحيح. فَدَلَّت هذه الأحاديث على أنَّ: - إتيان الكاهن أو العراف منهي عنه. - وأنَّ سؤاله كبيرة من كبائر الذنوب إثمها عظيم يَتَرتَبْ عليها أن لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة من عِظَمِ الإثم. - وأنه إن سَأَلَ فَصَدَّقْ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . إذا تبين ذلك فقوله ﷺ «من أتى عرافا فسأله عن شيء» هذا فيه عموم، (سأله عن شيء) يعني عن أي شيء سواءٌ أكَانَ فيما مضى عن ضالة أو عن شيءٍ مفقود أو عن شيءٍ في المستقبل فإنه لا تُقْبَلُ له صلاة أربعين ليلة. وسبب ذلك أنَّ العراف لا يستدل على ما غاب بأمورٍ ظاهرة أو بتجربة أو بأسبابٍ معلومة، وإنما يستعين بالجن، والاستعانة بالجن شرك لأنَّ الجن لا يُعينون الإنسان إلا إذا تَقَرَّبَ إليهم وأعطى بعض العبادة لهم ومَكَّنَهُم ليستمتعوا به، كما قال ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] ، يعني زاد الجنيُّ الإنسيَّ رهقاً وإثماً وبلاءً. «لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» اختلف العلماء هنا هل عدم القبول يعني الإجزاء ولكنه لا يثاب؟ أم أنها لا تقبل بمعنى أنها لا تُجْزِئُهُ لو صَلَّى ولكن يجب عليه أن يفعلها -يعني أن يقيمها-، وأنه لا يثاب عليها لأنها لم تُقْبَلْ منه؟ وهذا في نظائره في تفسيره (عدم القبول) هل عدم القبول يعني عدم الإجزاء أو عدم الثواب؟ والظاهر هنا أنَّ عدم القبول بمعنى عدم الثواب؛ لكنه إذا أَدَّاهَا سقط عنه الفرض، لإجماع الأمة أَنَّهُ لا يجب عليه أن يعيدها بعد اقتضاء الأربعين ليلة. وأما تصديق الكاهن أو العراف -يعني إذا سَأَلَ كاهناً فَصَدَّقَه- فما في الحديث ظاهر وهو أنه قال «فقد كفر بما أنزل على محمد» هذا في حال السائل المُصَدِّقْ فكيف بحال الكاهن نفسه؟؟ يعني تُوُعِّدَ السائل الذي يسأل ويُصَدِّق أَنَّهُ قد كفر فكيف بالكاهن أو بالعراف؟ لهذا هنا مسألتان: ١ - المسألة الأولى: في حكم الكاهن أو العراف؟ والصحيح أنهم إذا استعانوا بالشياطين في ذلك، يعني لم يكونوا دجَّالين وإنما فعلاً يُخْبِرُونَ عن اسْتِعَانَةٍ بالشياطين فإنَّ هذا كفر، ويجب استتابتهم إنْ تابوا وإلا قُتِلُوا عند كثير من أهل العلم، على تفصيلٍ مَرَّ معنا في حكم الزنديق وأمثاله. ٢ - المسألة الثانية: في حال السائل؟ قال ﷺ «فقد كفر بما أنزل على محمد» وهنا الكفر هل هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة أم كفرٌ أصغر دون كفر؟ أم يُتَوَقَّفْ فيه فلا يُقَالُ كفرٌ أكبر ولا كفرٌ أصغر لعدم الدليل على ذلك؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: @ من أهل العلم من المعاصرين وممن قبلهم من قال أنه كفرٌ أكبر لظاهر قوله «فقد كفر» ، ويُفْتِي به عدد من مشايخنا هنا. @ ومن أهل العلم من يقول هو كفرٌ دون كفر، وهذا أظهر من حيث الدليل لأمرين: & الأمر الأول: أنَّ النبي ﷺ كما في رواية أحمد قال «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فَصَدَّقَهْ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» فرتَّبَ عدم قبول الصلاة على السؤال والتصديق معاً ولو كان السائل الذي صَدَّقَ كافراً فإنه لا تقبل صلاة حتى يتوب دون تحديدٍ لمدةٍ معلومة. & الأمر الثاني: أنَّ الناس يُصَدِّقُونَ العراف والكاهن لا على اعتبار أنهم يَدَّعُونَ علم الغيب وأنهم ينفُذُونَ على علم الغيب بأنفسهم؛ ولكن يقولون: هذا -يعني ربما قالوا- هذا ممن اخْتَرَقَتْهُ الشياطين. فيكون لهم شبهة في ما يُصَدِّقُونَ به، وهذه الشبهة تمنع من أن يعتقدوا فيهم أنهم يعلمون علم الغيب مطلقاً. وهذا يكثر في حال من يُصَدِّقْ من ينتسبون إلى الصلاح أو يظهر عليهم الوَلَايَةْ والصلاح ويُخْبِرُونَ بالمغيبات، والناس يصدقونهم على اعتبار أنهم يُحَدَّثُونَ بذلك، ولهم في ذلك -كما ذكرنا- شبهة وهذه تمنع من إخراجهم من الملة والكفر الأكبر.

стр. 704

ولهذا صار الصحيح هو القول بأنَّ تصديق الكاهن يعني في الخبر المُغَيَّبْ بخصوصه، يعني (من أتى فسأل فصدق) بالخبر بعينه أنَّ هذا كفر دون كفر لا يُخْرِجُ من الملة؛ لكن يجب معه التعزير البليغ والردع حتى ينتهي عمَّا سَمَّاهُ النبي ﷺ كفراً. @ القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد أنَّه يُتَوَقَّف فيه، فلا يقال هو كفر أكبر ولا أصغر لأنَّ الحديث أطلق ثم لبقاء الردع في الناس والتخويف في هذا الباب.

стр. 705

[المسألة الرابعة] : الشبهة التي ذكرنا من اسْتِرَاقْ السمع هي التي جاءت فيها الآيات أنَّ الشهاب يُرْسَلُ على الشيطان أو على الشياطين الذين يسترقون السمع. واستراق السمع له ثلاثة أزمنة: ١- الزمن الأول: ما كان قبل البعثة، قبل أن يُوحَى إلى محمد ﷺ ، يعني في حال أهل الجاهلية، وهذا كان استراق السمع كثيراً لحكمةٍ لله في ذلك،، ولذلك كان ما يُخْبِرُ به الكُّهَان ويصدقهم الناس فيه كثيراً. ٢- الزمن الثاني: بعد أن أُوحِيَ إلى النبي ﷺ فإنَّ السماء مَلَأَهَا الله حرساً شديداً وشُهُبَاً، كما قال في سورة الجن مخبرا عن قول الجن في صدر السورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أنْ قال ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] فَدَلَّ على أَنَّهَا مُلِئَتْ، ولم يَعْهَدُوا ذلك من قبل؛ يعني أنَّ الله جَعَلَهَا محروسةً لأجل وقت تَنَزُّلِ وحيه على رسوله محمد ﷺ حكمةً منه، وإلا فالله سبحانه قادر على أن لا يأذن بشيء من استراق السمع لكن لله الحكمة والابتلاء لعباده. فمُنِعُوا من الاستماع، ومُنِعُوا من استراق السمع وبَقِيَ ما ينفذ القليل جداً بالنسبة إلى ما سبق. ٣- الزمن الثالث: هو ما بعد عهد النبي ﷺ ، فإنَّ ظاهر الأدلة يدلُّ على أَنَّها لم تَخْلُ بعد ذلك من الشهب ومن حراستها في ذلك لئلا يَدَّعِّيَ أحدٌ النبوة وتكثر الشبهة معه فيما يخبِرُ بالمغيبات ممن يدَّعِي النبوة. وإذا كان الأمر كذلك في هذه الأحوال الثلاثة فإنَّ ادِّعاء علم الغيب كفر: - إما لتَهَجُّمِهِ على ما يختص الله به. - أو لأَنَّهُ لا يدَّعِي علم الغيب إلا من يستعين بالجن ويتقرب إليهم. وأما الذي يُصَدِّقُ من يَدَّعِي علم الغيب في بعض الأحوال مثل ما ذكرنا هذه لها تفاصيل ذلك. والواجب أن يُعْتَقَدَ أَنَّ الغيب كما قدَّمْتُ لك في أول المسائل مختصٌ بالله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ هذا يعمّ لأنَّ أحداً نكرة في سياق النفي، فتعم كل أحد، ثم استثنى الله فقال ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٨] فاستثنى الله الرسول الملكي والرسول البشري فيما يُطْلِعُهُم عليه من علم الغيب لدليل صدقهم أو لحكمةٍ لله في ذلك.

стр. 706

[المسألة الخامسة] : الكِهَانَة والعِرَافَة متنوعة الصور. ففي الزمن الأول كان لها صور متعددة مثل: الضرب بالحصى، ومثل الخط، هذه لو كانت توجد لَوْحَة لَبَيَّنْتُ لكم كيف يضربون بالحصى وكيف يَخُطُّونْ ويَصِلُون إلى النتيجة بزعمهم ويَتَّضِحْ لك أَنَّهُ دَجَلْ؛ لأنَّهُ لا دليل منطقي ولا سبب كوني ولا شرعي يَدُلُّ على النتيجة التي يَدَّعُونَها. لكن يُدَجِّلْ على الناس بأن يجعل شيئاً لا يفهمه الناس يَدَّعِي الكاهن أو العَرَّاف أو الضارب بالحصى والرمل إلى آخره يَدَّعِي أنها تَدُلُّهُ على المعلومة، وهو في الحقيقة لا يستدل عليها بالخط ولا يستدل عليها بالخشبة التي يكتب عليها، ولا يستدل عليها بالحصى وإنما هي من الشياطين. وهذه الأشياء، الصور المختلفة منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث في أنحاء شتى لكن كُلُّهَا يُظْهِرُونَ أَنَّهَا سبب وليست بسبب. وبخصوص الخط فإنهم يَدَّعُون دَجَلاً وكَذِبَاً أَنَّ هذا من عِلْمِ الله لبعض أنبيائه. وهذا قد يَذْكُرُ عليه بعضهم قول النبي ﷺ لما سُئِلَ عن الخط كما رواه مسلم في الصحيح قال «كان نَبِيٌّ يَخُطْ فمن وافق خطه فذاك» (١) يعني أَنَّ أصل الخط آية لنبيٍ من الأنبياء، عَلَّمَهُ الله نبياً من الأنبياء ليكون دِلالَةً على ما يُعَلِّمُهُ الله ، وبقي في الناس لكن لا يوافقون آية النبي؛ لأنَّ آية النبي لا يستطيع أحد أن يفعلها؛ لأنها آية مُخْتَصَّة به، ولو كانت آية نبي تكون لكل أحد لما خُصَّ النبي بالآية. لهذا كان قال «كان نبي يخط» ثم قال «فمن وافق خطه فذاك» . قوله «فمن وافق خطه فذاك» هذا من الإحالة على مستحيل؛ يعني أنَّ أَحَدَاً من هؤلاء الذين يَخُطُّونْ والكهنة والعرافين ومن نحا نحوهم لا يمكن لأحدٍ أن يقول هكذا خَطَّ ذاك النبي أو أَنَّ هذه آية من جنس آية ذاك النبي [ ... ] الكهنة والذين يَخُطُّونْ ويَدَّعُون علم الغيب من أنَّ الخط كان عند الأنبياء فَيُرَدُّ عليهم بهاتين الجهتين: - الأول: أنَّهُ آية وآية النبي لا يمكن لأحدٍ أن يدركها. - الثاني: أَنَّ النبي ﷺ أحَالَ على مستحيلٍ قال «فمن وافق خطه فذاك» ، وهذا لا يمكن لأحد أنْ يُدْرِكَهْ. لهذا الخط في الرمل والضرب بالحصى والخشب وأنواع ذلك هذه من الصور القديمة وهي موجودة الآن في بعض البلاد، وهي كلها من وسائل الكُهَّان ومن نَحَا نحوهم. ومن الصور الحديثة التي اختلف فيها العلماء، هل تدخل من الكهانة أم لا تدخل؟، وهل هي من استخدم الجن وعلم الغيب أم لا تدخُل؟ ما يُسَمَّى بالتنويم المغناطيسي. وهذا له صفته وثَمَّ كتب كثيرة مُؤَلَّفَةْ في ذلك من مختصين في هذا في أوربا وفي مصر وفي لبنان وفيه معاهد تُعَلِّمْ هذا الذي يَدَّعُونَ أَنَّهُ فَنٌ أو علم من العلوم. وقد أفتت اللّجنة الدائمة عندنا في فتوىً مشهورة مُطَوَّلَة بأنَّ التنويم المغناطيسي ضَرْبٌ من ضروب الكهانة واستخدام الجن ليتسلَّطَ -بحسب ما عَبَّرُوا- الجني على الإنسي فيَحْمِلُهُ ويَرْتَفِعْ عن الأرض ويُخْبِرْ بأمورٍ مُغَيَّبَة ويتسلط على نفسه وعلى روحه فيكون له عليها سلطان. وثَمَّ صور كثيرة، واليوم في عدد من البلاد -والعياذ بالله- ثَمَّ معاهد لتعليم عددٍ من هذه الأمور المنكرة، والواجب على المسلمين جميعاً أن يُنْكِرُوا هذا أشد الإنكار، لأنه: - أولاً: تَهَجُّمٌ على ما يختص الله به. - ثانياً: لأنَّهُ لا يكون إلا بالإشراك بالله إذا صَدَقَ استخدامهم للجن. - ثالثاً: إنه فتحٌ لباب الدَّجَلْ وباب الكذب على الناس وأخذ أموال الناس بالباطل. وما يأخُذُهُ المُتَكَهِّنْ من المال فهو حرامٌ عليه وخبيث كما جاء في الحديث الصحيح «حُلْوانُ الكاهن خبيث» (٢) يعني أنه كَسْبٌ مُحَرَّمٌ خبيث. (وقد جاء غلام عند أبو بكر الصديق ﵁ فأعطاه طعاماً فأكله أبو بكر ﵁، ثم قال الغلام: أتدري من أين هذا؟ قال: لا. قال: كنت تَكَهَّنْتُ -يقول غلام أبي بكر لبي بكر ﵁ يقول: كنت تَكَهَّنْتُ لرجلٍ في الجاهلية فأعطاني هذا الحلوان، فجعل أبو بكر الصديق ﵁ يُدْخِلُ أصبعه في فيه حتى قَاءَ كل ما في بطنه) (٣) فهذا من حيث الكسب حرام، ومن حيث السؤال حرام، وذلك لعِظَمِ هذا الذنب، فإنه لا يجوز إقْرَارُهْ ويجب على من يقدر على إنكاره أن يُنْكِرْ، وعلى أهل الحسبة ومن يلي هذا الأمر بخصوصه أن لا يتساهلوا في ذلك، وكذلك على الدعاة إلى الله وأهل العلم أن يُبَيِّنُوا ذلك لأنه من مسائل التوحيد. نكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل أخرى متعلقة بالجملة الأخرى هي قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.) نرجئها إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم.

стр. 707

الأسئلة: س١/ قال بعض أهل العلم إنه لا يُسْتَعَانُ بالجن لا مسلمهم ولا كافرهم، وذكر أَنَّ الجن يُخْبِرُونَ أَنَّهُمْ مسلمون فهذا لا يُصَدَّقْ؛ لأنه من علم الغيب فنؤمن أنه من الجن من هو مسلم وكافر، إلى آخره؟ ج/ الاستعانة بالجن حرام سواءٌ كانت استعانة بالجني الكافر الشيطان أم بالجني المسلم، وذلك لعدة أدلة: ١ - الدليل الأول: أنَّ استمتاع الجني بالإنسي والإنسي بالجني محرمٌ في نصوص الكتاب والسنة وأنه لا يُسْتَثْنَى من ذلك، لم يرد الدليل بالاستثناء ولا بالتخصيص، فبقاء الأمر على عمومه بما يشمل الجميع هذا هو الأصل وهو المتَعَيِّن. ٢ - الدليل الثاني: أنَّ الجن لهم قُدَرْ كما هو معلوم وأنه في زمن النبي ﷺ كان منهم مسلمون كثير أسلموا، قال ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أن قالوا ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن:١١] ، وكذلك قوله ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤] ، وكذلك في آخر سورة الأحقاف ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠] . فالجن في زمن النبوة كان منهم من صَحِبَ النبي ﷺ وأسْلَمَ على يديه، وعندهم من القُدَرْ ما ليس عند غيرهم، وقد مضى زمن النبوة بأزمان ولم يَسْتَعِنْ النبي ﷺ بالجن، ولم يَسْتَعِنْ الصحابة بهم وقد واجهتهم أشياء. فهذا الدليل وهذا الإجماع أعظم وأبْلَغْ مما يُسْتَدَلْ به على أَنَّ هذا الأمر من البِدَعْ لأنَّهُ لم يكن في زمن السلف. هذه المسألة أظهر وأبلغ لأنهم لم يستخدموا ذلك ولم يستعينوا بهم لا بمسلمهم ولا بكافرهم. وهذا له سبب، وهو أنَّ الجني إذا زَعَمَ أَنَّهُ مسلم فإنَّ إثبات إسلامه وإثبات صلاحه متوقِفٌ على أمر باطن لا يَطَّلِعْ عليه الإنسان، فأنت بالظاهر تحكم على الرجل إذا قابلك والجن منهم رجال ومنهم نساء ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦] ، تَحْكُمْ عليه بالظاهر من هيئته وشكله على أنه مسلم ونحو ذلك، والجن لا تعلم صدقهم ولا تعلم حقيقة ما ادَّعَوا فبقي الأمر على الأمْرْ المُغَيَّبْ. ولهذا قال أهل العلم إنَّ رواية الجن للأحاديث ضعيفة، فلو أَتَى جني وروى بالإسناد وقال: قال رسول الله ﷺ كذا وهذا يقول أنا مسلم والثاني يقول أنا مسلم في الإسناد فعند أهل الاصطلاح بَحَثُوا رواية الجن وقالوا: إنها ضعيفة لأنَّ الجن مجاهيل، حتى ولو قال أنا مسلم فلا يُصَدَّقْ في خَبَرِهِ. ٣ - الدليل الثالث: أنَّ فتح باب الاستعانة هذا هو فتحٌ لباب الشرك بالله ، فيجب سَدُّهُ، وهو أولى من سَدِّ بعض أنواع ذرائع الشرك. فالشريعة حَرَّمَتْ البناء على القبور لئلا يكون وسيلة لتعظيم أصحابها، وجاء تحريم بعض وسائل الشرك لئلا يكون وسيلة، بعض وسائل البيوع المحرمة لئلا يكون وسيلةً إلى الربا وهكذا، والاستعانة بالجن الذين يُجْهَلُونَ ولا يُعْلَمْ حقيقة الحال، الاستعانة بهم لاشك أنَّهُ ذريعة لأن يأمر الجني الإنسي إذا فُتِحَ الباب أن يأمره بالتَّقَرُّبْ أو ببعض الأشياء. وقد بَلَغَنِي بيقين عن بعض من يتعاطى القراءة وهو من الجَهَلَة، ليس من أهل العلم ولا من طلبة العلم ممن فَتَحَ هذا الباب فسَيْطَرَ عليه الجن وهو لا يعلم في هذا، وأصبح يأمرونه بأشياء وينهونه عن أشياء، وربما أَذَلُّوهُ في بعض الأمور، فَسَدُّ الذريعة في هذا واجبٌ ولا يجوز التساهل به. وق استدل بعض من قال بجوازه ببعض التعبير، بعض العبارات عن شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر كتاب النبوات وفي الفتاوى معلومة كلام ابن تيمية في الموضوع؛ لكن شيخ الإسلام لا يريد بما قال إباحة الاستعانة، وإنما بَحَثَ في حال المسلم مع الجني، فقال في أوله (وأولياء الله لا يُعَامِلُونَ الجن إلا بأمرهم الشرع ونهيهم عن ضده، كما كانت حال النبي ﷺ وأصحابه) . ثُمَّ ذكر الحال الثالثة: أنه قد يعرض الجني للإنسي في أَمْرٍ يُعِيْنُهُ فيه هذا لا بأس به. فيُحْمَلْ كلامه على أنه في حالة -لأن بعض السلف فعلها- في حالة أنَّهُ يَعْرِضْ له. مثلاً يأتيه ويقول أنا أيقظك لصلاة الفجر، أو يضيع من الطريق مثل ما حصل للإمام أحمد، قد يكون من الملائكة وقد يكون من الجن الله أعلم؛ لكن يقول الطريق من هاهنا فيتبعه. هذا ليس استعانة ليس طلباً للعون، وإنما هو إرشاد، وهذا الإرشاد مُتَوَقِّفْ على صدق المُرْشِدْ وعلى كذبه. يعني ليس هو استعانة طلب للعون. هو يقول له مثلاً: هو كذا أو الطريق من هنا أو هذا الشيء في الفلاني من دون أن يطلب. وهذا خبر قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً.

стр. 708

واختبار الخبر لا ما نع منه، يختبر هل هو صادقٌ فيذلك أم لا. المقصود هذه المسألة لا تتساهلوا فيها، لا في هذا الوقت ولا فيما بعده؛ لأني أخشى أن ينفتح علينا ذرائع الشرك ووسائل البدع من جَرَّاءِ القراء الجهلة الذين فتحوا باب الاستعانة بالجن في هذا الباب. ولأجل طول الجواب نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. س٢/ ما ذكروه عن عمر ﵁ أنه كان يَسِمُ إبل الصدقة، ثم الصحابة سَأَلُوا عنه فقالوا إنَّ امرأة معها قرين، فأخبرته، فأخبرهم الجني أَنَّ عمر كان يسم إبل الصدقة، ذكره بعض العلماء الأثر؟ [الشيخ] : لا أدري ما المقصود. [السائل] : يعني هنا الصحابة استعانوا بهذا القرين في البحث عن عمر ﵁ فأخبرهم أنه كان يسم إبل الصدقة، وهذا ذكره الشيخ ابن عثيمين في القول المفيد، فما رأيك هل هو طلب أو خبر؟ الشيخ: لا أعرف، هذا يحتاج إلى إثبات أولاً ثُمَّ هذا قد يُحْمَلْ على أنَّهُ خبر لكن ما نُعَارِضْ. فيه شُبَهْ أكثر من هذا من الأفعال، لكن ما نعارض الأصول الشرعية. لماذا لم يُسْتَخْدَم في عهد النبوة؟ فيه مسائل في التوحيد لو نأخذ بعض المسائل هي أيضاً تؤثر على كثير. لا نأخذ شيئاً لا يُعْرَفْ، يجب في المشتبهات هذه أن تُحْمَلْ على المُحْكَمْ، المُحْكَمْ هو الأصل ونرد له المشتبهات. كون حادثة حدثت لا تدري عن تأويلها لأنَّ حكايات الأفعال لها عدة توجيهات وعدة أحوال، ما تدري هذه تُوَجِّهُهَا بكذا ولا تُوَجِّهُهَا كذا. ومن قال أنها تُوَجَّهْ إلى الاستعانة فقط هذا يحتاج إلى استدلال. هل هم طلبوا العون؟ أو أُخْبِرُوا؟ وش الحال في الحقيقة؟ فما نحكم على فعل الصحابة بمناقَضَةْ حال النبي ﷺ . هذا في ما لو كان يعني فعلهم حجة في هذا، ومعلوم أنَّ أقوال الصحابة فيها نظر في الاحتجاج، فكيف بأفعالهم إذا خالفهم (١) ...

стр. 709

: [[الشريط الخمسون]] : وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ. وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَاباً، والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً.

стр. 710

[المسألة الأولى] : أنَّ مخالفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، هذه مذمومة وضلال وقد تصل بصاحبها إلى الكفر في باب الاعتقاد أو في باب العمليات أو في أبواب السلوك. والواقع يدلُّ على أنَّ طائفةً ممن ادَّعوا الصلاح والسُّلوك والزُّهد والعبادة، ادَّعوا أشياء تحصل لهم، إمَّا بالإلهام أو بخبر الغيب أو بأحوال لم يدلَّ عليها الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على خلافها. وهذا كثير فيمن يَدَّعُون التَّصَوُف ممن كانوا في زمن الطحاوي وما قبله. والطحاوي ﵀ قرن -فيما ترى- ما بين تصديق الكُهَّانِ والعَرَّافِين وما بين ادِّعَاءِ أشياء تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ لأنَّ الناس قد يظهرُ لهم في موضوع الغيب عدم تصديق الكاهن والعرَّاف لأنَّ الكاهن والعرَّاف حالهما معروف والناس يحذرون من أهل الكهانة لا سيما في الأوقات القريبة من السنة أو التي تظهر فيها ألوية السنة، فيكرهون الكِهَانَةْ والعِرَافَةْ ويكرهون الكاهن والعَرَّاف لأنهم من أولياء وإخوان الشياطين. لكن مسألة الصالحين والأولياء ومن يُظْهِرْ الصلاح فإنَّ هذه قد تشتبه كما هو الواقع في كثيرٍ من أحوال المسلمين الماضية والحاضرة، لهذا قرن بينهما؛ لأنَّ مسألة الكاهن والعَرَّافْ ظاهرة؛ لكن أيضاً لا نُصَدِّقُ من يَدَّعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع ممن ظاهره الصلاح ويدَّعي أحوالاً أو العلم بأمور الغيب.

стр. 711

[المسألة الثانية] : الذين نُسِبوا إلى الوَلَاية -بفتح الواو- وعُدُّوا من الأولياء وأهل الزَّهَادَةْ فئات مختلفة متنوعة: - منهم الغلاة الذين زعموا أنهم يُوحَى إليهم. - ومنهم من هم دونهم ممن يزعمون أنهم يُلهَمون ويُخبَرونَ بالغيب. - ومنهم -وهم دونهم- من يزعمون أنهم على قُدْرَةٍ في تغيير الأحوال والعلم بالضمائر وأنهم يُحَدَّثُونَ بما أحدثه الناس بعدهم؛ يعني فيما مضى والذين قبلهم فيما سيأتي. ولا شك أنَّ طريقة السلف في الزهد والعبادة هي التي أجمعت عليها الأمة، وهي أَنَّهُم يَتَعَبَّدُونَ ويَتَزَهَّدُون، ويرجون الله ولا يَدَّعُونَ شيئاً من أحوال الكُهَّانْ والعَرَّافين ولا إخبار بالغيب ولا الأحوال الشيطانية المختلفة التي تُسَمَّى الكرامات عند بعضهم.

стр. 712

[المسألة الثالثة] : الواجب على كل مسلم أن يعتقد أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله ، وأنه قد يُعْطِي بعض علم الغيب لرسولٍ. والرسول هو الذي جاء في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨] ، فالذي اِسْتُثْنِي هو الرسول. والرسول نوعان: - رسول ملكي، نِسْبَةْ إلى الملائكة. - ورسول بشري. وهؤلاء يُسْتَثْنَونَ فيما أراد الله أن يُعْلِمَهُم إياه من أمور الغيب، لحكمته ولكمال علمه وقدرته. أما من ليس برسول فلا يُكْشَفُ له الغيب، لكن قد يكون لبعضهم كرامة، ليست من باب كشف الغيب المستقبلي، ولكن هي من باب الكشف العلمي الذي سبق أن ذَكَرنَاهُ لكم في نحو قصة عمر ﵁ مع سارية حيث قال له (يا سارية الجبل الجبل) يعني الزم الجبل. فصار بالنسبة إلى عمر كشف علمي، ليس علماً للغيب المستقبلي، كشف علمي أو بصري، فرأى الجبل ورأى سارية. وبالنسبة إلى سارية أيضاً سَمِعَ كلام عمر فصار بالنسبة له كشف سمعي، وهذا من جهة الكرامة، وقد أوضحنا لك ذلك في قوله (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ) فيما مضى.

стр. 713

[المسألة الرابعة] : ذكر لك الشارح هنا -ابن أبي العز ﵀ أحوالاً متنوعة فيمن ادَّعَى أشياء مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ترجع إليه فيها. وننبه زيادة على ذلك من أنَّ طائفة - أظنه ذكرها في هذا الموضع- أسْمَتْ نفسها بـ: (الطائفة المَلَامَكِيَّةْ) أو (الملامِيَّةْ) وهذه الطائفة من الصوفية نشأت في أواخر القرن الثامن الهجري تَزَعَّمَهَا طائفة من الزُّهَادْ والعُبَّادْ الذين أرادوا تصفية النفوس وتحقيق الإخلاص، فصاروا يُظْهِرُونَ حالاً خلاف ما هم عليه، يُظهرون المعصية، يُظْهِرونَ خلاف الطاعة، يُظْهِرونَ التفريق في الواجبات، لأجل أن يذمهم الناس وهم في الحقيقة في داخلهم ليسوا على هذا الأمر ويكرهونه وهم من أهل العبادة والزهد. فأرادوا الإخلاص عن هذا الطريق، وهذه لا شك حال تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة في أنَّ العبد المُكَلَّفْ يجب عليه أن يستقيم على الطاعة وأن يُحَقِّقَ الإخلاص كما أمره الله في حاله ظاهراً وباطناً. فإذن هذه الجملة (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ) تدلُّ على عدم تصديق كل من ادَّعَى الوَلَاية وهو يَدَّعِي شيئاً من علم الغيب أو يَدَّعِي شيئاً من المقامات العلية أو من الوحي أو من الإلهام مما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

стр. 714

قال ﵀ بعد ذلك (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَاباً)

стр. 715

[المسألة الأولى] : في قوله (نَرَى) ، كلمة (نَرَى) في هذا الموطن يُرادَ بها الاعتقاد، يعني ونعتقدُ، وليست مذكورةً لأجل أنَّ المسألة اجتهادية، كما يعبر الفقهاء (أرى كذا، وأرى أنَّ الأظهر كذا) فيما سبيله الاجتهاد. فكلمة (نَرَى) في كتب أهل السنة، في كتب العقائد إذا جاءت بصيغة الجمع فإنه يُرَادُ بها ما قَرَّرَهُ أئمة أهل السنة والجماعة في عقائدهم دون خلافٍ بينهم.

стр. 716

[المسألة الثانية] : الجماعة جاء ذِكْرُهَا في حديث الافتراق وفي أحاديث أُخَرْ كقوله ﷺ : «الجماعة رحمة والفُرْقَةْ عذاب» ، وكقوله «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائناً من كان» (١) وكذلك قوله في حديث الافتراق «إنَّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» ، وفي رواية قال: «هي ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢) . فكلمة (الجَمَاعَةَ) جاءت في عدد من الأحاديث نَصَّاً، وجاءت في القرآن مَعْنَىً في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣] ، وفي قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني جميعاً دون تفريق، و ﴿السِّلْمِ﴾ في الآية يعني الإسلام. ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ يعني ادخلوا في الإسلام كافة. ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨] ، بأن تُفَرِّقُوا بين أمرٍ وأمرٍ من أمور الإسلام، فيجب الدخول فيه كافة، وألَّا يقول المسلم إذا أسلم (أنا أدخل في بعض الإسلام ولا أدخل في بعض، أو ألتزم ببعضٍ ولا ألتزم ببعض أو أُقِرُّ ببعضٍ ولا أُقِرُّ ببعض) ، ونحو ذلك. و (الجَمَاعَةَ) في هذا الموطن اختلف السلف في تفسيرها على عدة أقوال -يعني الآية والحديث وفي غيرهما أيضاً من كلام السلف-. والذي يجمع كلام السلف كما أوضحته لكم في غير موضع: أَنَّ الجماعة نوعان: - جماعَةٌ في الدين. - وجماعَةُ في الأبدان والدنيا. وأنَّ النصوص تشمل هذا وهذا، وأَنَّ من فَسَّرَ من السلف (الجَمَاعَةَ) بجماعة الدين فإنه -يعني من الصحابة والتابعين - تَفْسيرٌ للشيء ببعض أفراده، كما هو عادة السلف، ومن فَسَّرَهَا بأنها جماعة الأبدان والاجتماع على الإمام وولي الأمر فإنَّهُ يعني بها فرداً أو بعض أفراد الجماعة. فالجماعة نوعان: ١ - أولاً: جماعةٌ في الدين: وهي الأساس الأعظم لما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، فإنَّ الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل أن يجتمع الناس في دينهم، وهو توحيد الله ، عبادته وحده دون ما سواه والبراءة من الشرك وأهله، وطاعة رسوله الذي أرسله على الرسل صلوات الله وسلامه. وهذا هو الذي جاء في نحو قوله ﷻ في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] يعني واجتمعوا عليه، وهو المذكور في قوله ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:١٠٣] . وهذا الاجتماع في الدين هو أَعْظَمُ أَمْرٍ لأجله بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَتْ الكتب، وهو الذي من أجله يجاهد المجاهد ويدعو الدَّاعِي، وهو الذي من أجله آتى الله الرسل الآيات والبينات، أن يجتمعوا لأجل تحقيق الدين، لأجل ألا يفترق الناس في الالتزام بما يُرْضِي الله فيما يستحقه في العبادة والطاعة له ولرسوله ﷺ . فيدخل هنا في الاجتماع: الاجتماع في ملازمة الإسلام، والالتزام به، وألا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض، وأن يُدْخَلَ في الإسلام كافَّةْ دون تفريقٍ ما بين مسألة ومسألة -يعني من حيث الاعتقاد والإقرار والإذعان والالتزام-. ٢ - ثانياً: جماعة الأبدان: يعني اجتماع الأبدان والدنيا بملازمة طاعة من وَلَّاهُ الله الأمر، والسمع والطاعة في غير معصية الله . وهذا النوع وسيلة لتحقيق الأوَّلْ، فالأمْرُ به والنهي عن الخروج عن الولاة والأمْرْ بالاجتماع فيما أَحَبَّ الإنسان وكَرِهْ، كما جاء في الحديث «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره» (٣) ، هذا به يتحقق الاجتماع في الدين. والتفريط في الأول أو في بعضه يُعَاقِبُ الله به بالفرقة في الثاني أو بعضه -كما سيأتي بالبحث في الفُرْقَة-، وكذلك التفريط في الثاني وهو: السمع والطاعة لولاة الأمور في غير المعصية والاجتماع وعدم الخروج، التفريط في الثاني يُنْتِجُ التفريط في الأول أو في بعضه. ولهذا ما مِنْ فُرْقَةٍ في الأبدان حصلت في الأمة إلا وكان معها وبعدها من الافتراق في العقائد ونفوذ البدع والمُحْدَثَات ما لا يدخل في حُسْبَان. فالأمران مترابطان، والجماعة مطلوبَةٌ في هذا وهذا ومأمورٌ بها، وجماعة الدِّين واجتماع الناس في دينهم حقٌ وصواب، وإحداث المحدَثَات باطل وغلط وضلال، وكذلك الاجتماع في الأبدان والدنيا حقٌ وصواب وخلافه بالفُرْقَةْ والخروج باطلٌ وزيغٌ وضلال.

стр. 717

[المسألة الثالثة] : جماعة الدين حصل فيها الافتراق أو حصل فيها الخلل ووقعت الفُرْقَة قبل الافتراق في الأبدان أو قبل اختلال جماعة الأبدان، وذلك حين نشأت الخوارج في عهد عثمان ﵁، وحدث منهم ما حدث حتى آل الأمر إلى قتل عثمان ثم بعد ذلك وقعت الفُرْقَة واخْتَلَّتْ الجماعة. وهذا يؤخذ منه أنَّ من دعا إلى الدين والاجتماع عليه وتحقيق التوحيد ونبذ البدع ووسائل الشّرك والبدع وإحلال الحلال وتحريم الحرام والأمر بما أوجب الله والنهي عن ضد ذلك أنَّ هذا في الحقيقة يدعو إلى الاجتماع في الأبدان، لأنّه إذا اجتمع الناس في دينهم آل الأمر إلى اجتماعهم في أبدانهم، والمسائل مرتَبِطٌ بعضها ببعض. لهذا كان من اللَّوازِمْ على كل من يطلب معرفة منهج السلف والأئمة وأهل الحديث أن ينظر إلى التلازم العظيم ما بين الجماعة الأولى والجماعة الثانية أو الاجتماع الأول والاجتماع الثاني. والتوازن فيما بينهما هو سبيل أهل العلم، فإنَّ الناس في هذين الأمرين على ثلاثة أنحاء: @ الفئة الأولى: منهم من قَدَّمَ تحقيق المطالب الدينية ورَعَاهُ حتى ولو حصل خلل في الاجتماع في الأبدان- يعني بحسب اعتقادهم -. وهذا هو طريقة من ضل في هذا الباب وغلا من الخوارج والمعتزلة، ومن رَأَى رأياً يشابه ما قاله الخوارج والمعتزلة ونحوهما. @ الفئة الثانية: من تساهلت فرَأَتْ المحافظة على الجماعة في الأبدان والدنيا سبيلاً لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة الواجبة وإعلان الحق بضوابطه الشرعية في أمر الجماعة، فَتَرَكُوا إنكار المنكر من الشرك والبدع تَسَاهُلَاً وضَعْفَاً. @ الفئة الثالثة: هم الراسخون في العلم ومن تَوَلَّاهُ الله بتوفيقه، فإنهم أخذوا بهذا وهذا، فدعوا إلى الاجتماع في الدين وتحقيق ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبنشر العلم النافع والدعوة إلى ذلك وبالنصيحة بطرقها الشرعية، ولم يروا ذلك مُخَالِفَاً لما أوجب الله من الاجتماع في الأبدان والدنيا، فوازنوا بين هذا وهذا وأَجْرَوا الحكمة في هذا وهذا. ولا شك أَنَّ أحوال الناس تختلف في مثل هذه المقامات ما بين مقام الأمن ومقام الخوف ومقام الفتنة ومقام الاستقرار. والراسخون في العلم ومن تبعهم يضعون لكل شيءٍ موضعه، فلا يتركون الأمر والنهي والدعوة والنصيحة لأجل تَوَهُّم أَنَّ هذا يُفَرِّقْ، ولا يأمرون مع مَظِنَّةِ وجود الفرقة. ولهذا يقول ابن تيمية ﵀ في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أَنَّ الآمر والناهي إذا ظَنَّ أنه ستحدث مفسدة لأمره ونهيه أكبر مما أَمَرَ به ونَهَى، فإنه لا يُنْكِرْ، وقال: يأثم إذا أنكر) . لأنَّ الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها. وهذا بخلاف التَّوَهُّمْ، لأنَّ التَّوَهُّمْ غير الظن الراجح، غير ما يعلمه أهل العلم مما ستُحْدِثُهُ الأمور. التَّوَهُّمْ هذا راجع للخوف، فمن الناس من يخاف أن يقول لفلان: اتق الله في كذا وكذا أو صلّ الصلاة، يَتَوَهَّمْ أَنَّ كل شيءٍ سيؤثر على النفوس وأنَّ كل شيء سَيغَيِّرْ، الخ. وهذه حيلة وطريقة مَنْ تَرَكَ ما أوجب الله ، وهي طريقة بني إسرائيل التي ذم الله الناس عليها. لهذا يجب في هذه المسائل أن يؤخذ بطريقة أئمة الإسلام الراسخين في العلم ممن رَعَوا هذا وهذا، وأَنَّ الاجتماع في الدين هو الأصل الذي يجب أن يُدْعَى إليه، وأنَّ الاجتماع في الأبدان والدنيا أنَّ هذا أصل عظيم يجب المحافظة عليه، والموازنة بين هذا وهذا إنما يدركه أهل العلم الراسخون. وما ضلت الخوارج - يعني في أصلها- إلا لأجل أنهم رأوا أنَّ تحقيق ما يَظُنُّونْ من الشريعة يحصل بقتل عثمان وبجمع الناس على ما يرون، ثم حصل من المعتزلة ما حصل، الخ، فحَصَلَ الفساد والشرّ بسبب التفريط في الموازنة والوسط في هاتين المسألتين العظيمتين.

стр. 718

[المسألة الرابعة] : في قوله (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَاباً) معنى (حَقَّاً) يعني أَنَّهُ واجبٌ وثابتٌ. والحق إمَّا أن يَنُصَّ الله على أنَّهُ الحق أو يُعْلَمْ بما نَصَّ الله عليه. و (الجَمَاعَةَ) علمنا ذلك بدلالة ما نَصَّ الله عليه. (وَصَوَاباً) يعني أَنَّ من سلك غير طريقها فهو على غير السبيل، وأَنَّ من أراد الصراط المستقيم فهذا هو الصواب وهو ملازمة الجماعة.

стр. 719

و قوله (والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً) : فيها أيضاً مسائل:

стр. 720

[المسألة الثانية] : الفُرْقَةَ في الدين التي حصلت في الأمة على مراتب: ١- النوع الأول: هوأعظمها، وهومخالفة أصل الدين بحدوث البدع المختلفة الشركية الكفرية، كإنكار صفات الله وكعبادة غير الله وإقامة المشاهد والحج إليها وتقريب القرابين لها ودعاء الأموات أو التقَرُّبْ للكواكب أو نحو ذلك، كما حصل من الفرق الباطنية أو فرق الرافضة ومن شابههم. ٢ - النوع الثاني: الافتراق البدعي غير الكفري الذي حصل من الخوارج والمرجئة والقدرية ومن نحا نحوهم. وهذان النوعان مذمومان مُتَّفَقٌ على ذمِّهِمَا. ٣ - النوع الثالث: الافتراق في المسائل العملية، في مسائل الفقه في أحكام الطهارة والآنية أحكام الصلاة الصيام، الخ، البيوع الجنايات، ما حصل من الاختلاف في هذه المسائل. والاختلاف والفرقة التي حصلت في المسائل العملية: & أولاً: هي مذمومة من حيث الأصل، وإنْ كان الذي قال قولاً باجتهاده معذور ويُؤْجَرْ؛ لكن في الجملة الافتراقُ مذموم لقوله ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] . & ثانياً: أنَّ الفُرْقَةَ في المسائل الفقهية، والاختلاف الذي وقع بين الصحابة وبين الأئمة المجتهدين اختلافٌ لأصحابه فيه إما أجران وإما أجر واحد، فإذا اجتهد وتَحَرَّى الحق وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وتَحَرَّى الحق فأخطأ فله أجرٌ واحد على اجتهاده وتحريه الحق. وأما من قال قولاً ليس فيه بِمُتَحَرٍ للحق، وإنما هو نتيجة عن هوى ونتيجة عن شهوة، فهذا يأثم ولا يُؤْجَرْ، فإنَّ الذي يُؤْجَرْ هو المجتهد الذي يبحث عن الحق، يجتهد يتَحَرَّى الحق، كما هو صنيع السلف، أما إذا كان ميدانه الهوى والشهوة فإنَّ هذا مذمومٌ على كل حال.

стр. 721

[المسألة الثالثة] : نُفَصِّلْ الكلام في مسألة الخلاف الفقهي أكثر، وهو أنَّ الاختلاف - اختلاف العلماء في المسائل- هو اختلافٌ في مسائل من الدين في الفقهيات. والعلماء إذا اختلفوا في الفقهيات فالواجب أن يُرْعَى معه ألاَّ يكون افتراقٌ في الأبدان ولا افتراقٌ في القلوب؛ لأنَّ هذا الخلاف الذي يُوجَدْ ابتلاء من الله ابْتَلَى به الناس أن يختلف العلماء؛ وهذا يقول بقول وهذا يقول بقول، ويكون لهم فيه سَعَة في بعض البلاد ونحو ذلك، لكن هو ابتلاء يُبْتَلَى به الناس. فالواجب على أنَّهُ إذا وقع هذا الاختلاف في الأقوال الفقهية أن ينظر إليه الناس أنَّ المختلفين إذا اجتهدوا وتَحَرَّوا الحق وخاصةً من الأئمة الذين شُهِدَ لهم بتحري الحق وطلبه أنَّهم ما بين أجرٍ وأجرين، وأنَّ من وَثِقَ بإمام فاتَّبَعَهُ على ذلك ولم يَسْتَبِنْ له الحق، أنَّهُ معذور في اتِّبَاعِه له، وأَنَّ الله إذا أراد بالعباد عقوبة فإنه يجعل هذا الخلاف سبباً للتفريط في الجماعة الثانية وهي جماعة الأبدان. إذا وقعت الفرقة -الاختلاف في الفقهيات- فإذا آل الأمر إلى اختلاف القلوب واختلاف الأبدان والفُرْقَةَ فيها فيكون هذا من العقوبة ومن الزَّيْغْ الذي حصل. ولهذا قال هنا (والفُرْقَةَ زَيْغاً) عما يجب (وَعَذَاباً) يعاقب الله به الناس. ودليل ذلك قوله لما ذَكَرَ أهل الكتاب قال ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [المائدة:١٣] . ﴿نَسُواْ حَظًّا﴾ يعني تركوا نصيباً ﴿مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ يعني مما جاءهم في كتاب الله. ما النتيجة؟ قال ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ [المائدة:١٤] ، ومما أَمَرَ الله به وذَكَّرَنَا به أن نحرص على الاجتماع، الاجتماع في النفوس والاجتماع أيضاً في الأبدان. فإذا صار اختلاف أهل العلم سبباً لوقوع الفرقة ولوقوع التلاعن والتباغض والسبِّ والشتم وطعن كل فئة في أتْبَاعِ العالم الذي اجتهد وتَحَرَّى الحق فإنَّ هذا لاشك أنَّهُ بغيٌ وظلم يُعَاقَبْ عليه الإنسان، وهذا مما نهى الله عنه. وهذا هو الذي حصل، وهو الذي يحصل عند من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإنَّهُ قَلَّ أن يحصل اختلاف إلا ويَبْغِي بعض الناس على بعض، إما بِتَجْهِيلٍ أو بسبٍّ أو بوقوعٍ فيه أو نحو ذلك من الأقوال. والواجب أن يُنْصَرْ الحق وأن يُعْذَرْ من خالف في الفقهيات ويُعْلَمْ أنّه إذا اجتهد وتَحَرَّى الحق فإنَّهُ له أجر لكن لا يُتابع على ذلك. ولا شك أَنَّ زلة العَالِمْ زلة العَالَمْ، ولكن هذا قضاء الله وحكمته، فكم من مسائل ثَمَّ من الأئمة المشهورين من خالفوا فيها السنة وخالفوا فيها الدليل باجتهادهم فهم معذورون، ومن اتَّبَعَهُم بلا معرفةٍ للحق وإنما ثِقَةً بذلك الإمام معذور. ولكن الواجب (١) هو تحرِّي الحق بإتِباعِ ما دَلَّ عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله أو وافق القواعد والأصول العامة للشريعة التي يعلمها أهل العلم. وهذا في الحقيقة هو أعظم ما حصل في كل زمان إلى زماننا الحاضر؛ بل وإلى يومنا هذا، فَقَلَّ من يعذُرُ في المسائل المُخْتَلَفْ فيها في الفقهيات؛ يعني التي فيها بحث، فينْظُرُ هذا فيه يجتهد في كذا وهذا يجتهد في كذا، حتى رمى بعضهم بعضاً بالضلال ورمى بعضهم بعضاً بمخالفة ما أمر الله به؛ بل حُكِمَ على بعضهم بالبدع والمحدثات لأجل بعض المسائل الفقهية التي اختلف فيها الناس. وهذا مما ينبغي أن يُعْلَمَ كعقيدة أَنَّهُ إذا كانت الفُرْقَةَ في الفقهيات والعمليات والاختلاف في ذلك إذا كانت سبباً للفُرقة في الأبدان فقد بَغَى العباد بعضهم على بعض، ووقعت الفتنة، ووقع البلاء فيهم. والواجب أن لا يقع فيهم البغضاء والشّحناء لأجل ذلك، كيف إذا زاد الأمر؟! إذا حصل القتال؟! وحصل التكفير؟! ونحو ذلك كما حصل من بعضٍ في بعضِ الأزمان حيث كَفَّرَ بعض الشافعية بعض الحنفية في مسائل، وكَفَّرَ بعضهم بعض الحنابلة في مسائل ونحو ذلك مما وقع فيه طائفة في أعلى درجات الظلم والبغي والعدوان من الناس بعضهم على بعض، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا لا يزال يوجد إلى يومنا هذا، فكلما زاد العلم زادت البصيرة بأمور: - الأول: أن يحرص طالب العلم على تَحَرِّي الحق. - والثاني: ألا يجعل تَحَرِّيهِ للحق سبباًً لفُرْقَةْ العباد ولا سبباً في وقوع الشحناء والبغضاء بينهم؛ بل يتودد في ذلك كثيراً ولا يجادل في ذلك مجادلة الذي يريد الانتصار والقوة؛ بل يتكلم في ذلك بسكينة وهدوء. وما أجمل قول الإمام مالك ﵀ في نحو هذا لما قيل له (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عنها؟)

стр. 722

قال (لا) يعني يرى من يخالف السنة ويذهب إلى قولٍ آخر، تعرفون المدينة كان فيها مدرسة الرأي ربيعة الرأي ومن معه، مدرسة قريبة من مدرسة الكوفة في الأخذ بالرأي وعدم العلم بتفاصيل السنة، فقيل له: (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عنها؟) قال (لا، يُخْبِرُ بالسنة، فإن قُبِلَتْ منه وإلا سكت) (١) . لماذا؟ لأنَّ الشيطان يأتي فيجعل الإنسان ينتصر لنفسه لا للسنة، وهذا مَسْلَكٌ شائك في النفوس، ويُنَافي الإخلاص وينافي ما يجب، فيبحث فإذا هو يريد ينتصر للحق ثم تنقلب المسألة في النقاش أو في المجادلة أو في الإخبار بالصواب إلى انتصارٍ للنفس دون انتصارٍ للحق وهذا مما ينبغي تداركه. ومما يدخل أيضاً في مثل هذا أنَّ اختلاف الفقهاء في المسائل العملية اختلافٌ كبيرٌ جداً، حتى إنَّ المسائل المُجْمَعْ عليها قليلة، وليس كل قولٍ من الأقوال المختلفة يصحُّ أن يكونَ في الخلاف المعتبر، كما قال أحد مشايخ السيوطي في قصيدةٍ في بعض علوم القرآن: وليس كل خلافٍ جاء مُعْتَبَرَاً ****** إلا خلافٌ له حظٌ من النظر وإذا وقع الخلاف فإنَّ الخلاف على نوعين: - خلافٌ قوي. - وخلافٌ ضعيف. @ والخلاف القوي ضابطه: ما كان الخلاف فيه في فهم الدَّليل ولا مُرَجِّحْ. @ والخلاف الضعيف: ما كان الخلاف فيه بمخالفة الدليل أو بالغَلَطِ في فهم الدليل. والخلاف القوي لا إنكار فيه، فإذا كانت المسألة فيها خلافٌ قوي فلا عَتْبَ من الأصل لمن أَخَذَ بأحد القولين، أخذ بهذا وأخذ بهذا، هذا يرى كذا وهذا يرى كذا، المسألة فيها سَعَة. وأما الخلاف الضعيف فإنَّهُ فيه الإنكار. وقول العلماء (لا إنكار في مسائل الخلاف) يعنون به الخلاف القوي على الصواب دون الخلاف الضعيف، لأنَّ الخلاف الضعيف خلافٌ بلا دليل أو غَلَطٌ في فهم الدليل. ويشتبه هذا -يعني الخلاف- يشتبه بمسألةٍ مهمة وهي مسائل الاجتهاد. * والصواب: التفريق ما بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد. فمسائل الخلاف التي مرجعها الخلاف في فهم الأدلة، وهذه هي التي فيها التفصيل الذي ذكرت لك: في أنَّ الخلاف القوي لا إشكال فيه، وأَما الخلاف الضعيف يلزم فيه البيان والإيضاح بدون أن يُحْدِثَ الفُرْقَةَ وتنافر القلوب. أما المسألة الثانية وهي مسائل الاجتهاد: فهي الاجتهاد في النوازل. إذا نَزَلَتْ نازلة واجتهد العلماء فيها، هل هذه تُلْحَقْ بكذا وهذه تُلْحَقْ بكذا فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد. وشيخ الإسلام ابن تيمية قال في بعض كلامه (لا إنكار في مسائل الخلاف يُعْنَى بها مسائل الاجتهاد) ، -أو نحو كلامه أنا أصوغه بفهمي-؛ لأنَّ مسائل الاجتهاد ليست هي مسائل الخلاف. ولا إنكار في مسائل الخلاف يعنون بها لا إنكار في مسائل الاجتهاد. وهذا يحتاج إلى زيادة وهي أنَّهُ: لا إنكار في مسائل الخلاف، يعنون بها الخلاف القوي. أما مسائل الاجتهاد التي تحدث في الناس فهذه لا إنكار فيها من باب أولى؛ لأنَّ كل مجتهد له اجتهاده ونصيبه في إِلحاقِ النازلة ببعض الأصول والقواعد التي تدل عليها. * نختم هذا الموضع بوصية في هذا الموطن: بأَنَّ طالب العلم يَتَّسِعْ صدره للعلم، وهذا إذا حباك الله اتساع الصدر في العلم فإنَّكَ تُؤْتَى عِلْمَاً جديداً، وهذا هو الواقع والمُشَاهَدْ، أما من يضيق بالأقوال أو من يضيق باختلاف العلماء ولا يبحث في مَأْخَذِ هذا ومأخذ هذا، وإذا أورَدَ عليه أحد قولاً نَظَرْ في كلامه وتَأَمَّلْ فإنه يُحْرَمْ بعض العلم. لهذا كلما اتسع صدر طالب العلم كلما أُوتِيَ الصواب في العلم، وأُوتِيَ الصواب أيضاً في العمل، في عدم التعدي على المسلمين والتعدي على العلماء أو على طلبة العلم أو نحو ذلك، والله يقول لعباده: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] ، والفُرْقَة والخلاف يحصل فيه التعدي في كثيرٍ من الأحيان، ولا يقول: العبد التي هي أحسن، والله أمر بأن تقول التي هي أحسن. وأنا ألحظ وربما منكم كثير لَحَظُوا أنَّ أحداً منا قد يقول قولاً يكون غير واضح، فيأتي أحد ويعترض عليه فهو يتألم ويتَحَرَّجْ لنفسه أنه أخطأ أو أنه ما أدرك الصواب، فيأتي الشيطان فيصرِفُهُ من تقرير المسألة إلى وجود مَخْرَجٍ لنفسه. وهذه من وسائل الحرمان، وإذا قوَّى الله طالب العلم على أن يكون قَوِيَّاً على نفسه في أنه إذا ما اتضحت له صورة المسألة: لا يتكلم فيها، ينتظر، يسكت. يُعَلِّمْ نفسه التؤدة، يُعَلِّمْ نفسه عدم الاستعجال في الكلام، عدم إلقاء الكلام على عواهنه، الدقة في الألفاظ، كيف يُعَبِّرْ عن المسائل. وإذا غلط يقول: غلطت -ما أسهل منها عند من يرى تحقيق الحق- فعلاً. يقول: أنا ما فهمت، أنا ظهر لي كذا، يبدو أنه انحرف ذهني إلى شيء آخر. يقول: أنا ما فهمت، أنا غلطت، ما أسهل منها. وهل من شرط طالب العلم ألا يخطئ؟! ليس من شرطه. إنما من قَلَّتْ غلطاته سواءً في قوله وفي عمله فهو السديد، وهو الذي يُثْنَى عليه. أما أَنَّهُ يأتي أحد لا يخطئ لا يغلَط فيما يتكلم لا يغْلَطْ في تعامله، هذا لا يمكن. النبي ﷺ وهو أكمل الخلق قال «اللهم أيما عبدٍ سببته أو شتمته فاجعلها عليه رحمة» (٢) . يعني من مقتضى الطبيعة أنْ يغلط الإنسان، فالإنسان لا يتحمل. لكنه من يَتَصَبَّر يُصَبِّرُهُ الله، ومن يَتَحَلَّم يعطيه الله الحلم. لهذا عَوِّدْ نفسك على الحلم عَوِّدْ نفسك على الصبر، عَوِّدْ على ألا تنتصر لنفسك في المسائل العلمية. حتى لو جاء المُقَابِل وطعن في علمك، طعن في طريقة الإيراد، لا تتأثر بهذا واجعل الكلام على العلم لأنك مُبَلِّغ للعلم ولستَ منتصراً لنفسك، والمنتصر لنفسه يَحْرِمْ نفسَه انتصار الله له. أسأل الله أن يمنحني وإياكم العلم والحلم والفقه في الدين، وأن يمنّ علينا بسلوك طريق السلف الصالحين، إنه سبحانه جوادٌ كريم، وهو ذو الفضل والإحسان والمنن والعطايا، اللهم فلا تحرمنا فضلك بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنك على كل شيءٍ قدير.

стр. 723

الأسئلة: س١/ جاء حديثٌ يدل على أنَّ الاختلاف في الأمة رحمة؟ ج/ هذا الحديث ليس بصحيح، وليس اختلاف الأمة رحمة، بل الاختلاف في الأمة أوقعها في بلابل كثيرة. س٢/ من اجتهد في إباحة نسبةٍ من الربا، كـ (٥ %) ونحوه، فهل يُؤجر على هذا وهل يُشَنَّعْ عليه؟ ج/ هذا الربا نوعان: ربا مُتَّفَقٌ عليه ومُجْمَعْ عليه، فهذا الذي يخالف فيه الإجماع هو صاحب ضلالٍ وهوى، وهو ربا الجاهلية، الذي فيه القرض الحسن، فيقرضه ثُمَّ بعد ذلك يقول: إما أن تَقْضِيَ وإما أن تُرْبِيَ، ويجعلون الربا أضعافاً مضاعفة. وهذا هو الذي جاء فيه عدد من الآيات والأحاديث. أما الربا غير المتفق على تحريمه: فإنَّ هذا يدخل في باب الخلاف القوي والخلاف الضعيف على نحو ما فَصًّلْنَا. مثلاً خلاف ابن عباس في ربا الفضل وربا النسيئة كما معلوم، وأنه لا ربا في الفضل وإنما الربا ربا النسيئة استدلالاً بالحصر في قوله ﷺ «إنما الربا في النسيئة» (١) ، فهذا اجتهادْ وخلاف، لكنه خلافٌ ضعيف، حتى خلاف الصحابة خلافٌ ضعيف -يعني خلاف ابن عباس في هذه المسألة-. كذلك إباحته للمتعة مثلاً في بعض المواطن أيضاً خلافٌ ضعيف، وما أشبه ذلك. من الصور المعاصرة التي جرى فيها البحث: الفوائد الربوية، ومن أباحَهَا من بعض المنتسبين إلى العلم، فهذه الفوائد الربوية منها ما هو مُتَّفَقْ على تحريمه وهو ربا الجاهلية، ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ في تحريمه. وما اخْتُلِفْ في تحريمه يدخل في الخلاف الضعيف أو في الاجتهاد في ما ليس بصواب، فيدخل في التفصيل الذي ذكرناه. وحسب علمي فإنَّ أول من أباح الفوائد الربوية يعني فوائد البنوك الربوية والقرض - القرض الصناعي ونحوه- الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار المعروف. وهو رَجُلٌ يميل إلى مذهب السلف ونصر التوحيد والعقيدة في مواطن كثيرة، وله إلمام بالحديث والسنة والتخريج، لكنه غَلِطْ في المسائل الفقهية، فلم يكن من صناعته الفتوى، فأباح أشياء تبعه عليها عدد. وله رسالة في هذا الموضوع بخصوصه وهو (الربا والمعاملات المالية) أجاز فيها هذه الفوائد لِشُبَهٍ عنده في ذلك ثم تبعه عليها عدد من المشايخ في مصر ما بين مُقَصِّرٍ وما بين [.....] في هذه المسائل. ومعلومٌ أنَّ الحلاف -كما ذكرت لك في هذا - خلاف شاذ وضعيف وليس له حظ من الدليل. لكنه وجود الخلاف في هذه المسألة يفيد فائدتين: الأولى: أَنَّ مسألة الفوائد والقرض الصناعي ونحو ذلك ليس من مسائل الربا المُجْمَعْ عليها، فاعتقاد إباحتها والإفتاء بذلك أو إجازتها لا يدخل في إجازة واستحلال الربا؛ لأنَّ استحلال الربا المُجْمَعْ عليه كفر، والربا المجمع عليه هو ربا الجاهلية، أما ربا الفوائد وربا القرض وما أشبه ذلك فهذه محرمة ولا تجوز ويجب إنكارها لكن لا تدخل في الربا المتفق عليه. س٣/ أليس يُنكر على من خالف في الفروع الفقهية مع ظهور الدليل؟ ج/ هذا يدخل في التفصيل الذي ذكرته: الخلاف القوي والخلاف الضعيف، أو أَقَلُّ من الضعيف الخلاف الشاذ أو المنكر، يجب فيه الإنكار لأنه ما له س٤/ هل الفوائد الربوية من الخلاف الضعيف؟ كيف؟ أو أقل من الضعيف أيضاً، الخلاف الشاذ المنكر، يجب فيه الإنكار، يعني استدلوا بقوله ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] وأنَّ الفوائد هذه ليس فيها؛ يعني الربا المحرم قالوا: هو الذي فيه ظلم للمسكين، يعني ظلم لصاحب المال، وهذا - يقولون - هذا صاحب المال إذا أودع ماله في البنك ولم يأخذ عليه شيئاً والبنك صار هو المظلوم، فأخذ الفوائد عندهم أنه عدل، وأن ترك الأخذ ظلم له، لأن البنك يستفيد وهو لا يُعْطَى شيئاً، يُشَغِّلْ المال ويستفيد، ومعلوم أن المال يقبل النماء باليوم، يعني كل يوم فيه كسب، يعني على طريقة التجارات العالمية وأشباه ذلك، فعندهم هذه الشبهة. لكن هذا لو أُقِرْ لآل الأمر إلى أَنَّ البنوك - يعني من غير الأدلة النصية في الموضوع لكن على حد تعبيرهم بأن فيه ظلم وعدم ظلم - الحقيقة هو الذي فيه الظلم، لأنه لو أُقِرَ ذلك صارت البنوك تأخذ (١٠٠ %) وتُعْطِيْ هذا صاحب الفوائد (٥ %) (٦ %) (٧ %) ونحو ذلك، والأصل في ذلك أنَّ صاحب المال إذا أراد أن يُعْطِيْ من يشتغل له أن يكون شريكاً له في مكسبه وفي خسارته، فالناس تنمو أموالهم، يعني لو فرضنا أنهم سيودِعُون وسيأخذون هذا (٥ %) وهذا (٦ %) وهذا (٧ %) وهذا (١٠ %) سَيُودِعُون، البنك قد يُحَصِّلْ (٥٠ %) فسيبقى نمو المال عند هذه الفئة قليلاً، ونمو المال عند أهل البنوك عظيماً فتقوى البنوك ويضعف الناس، ظاهر؟ هذا هو حقيقة الظلم، الظلم الجماعي. س٥/ ما الفرق بين الإعتقاد والإعتماد الكلي؟ ج/ مثلاً في ماذا؟ [السائل] مثلاً في فعل الأسباب قال الإعتماد كليا [الشيخ] الإعتقاد قلب والإعتماد فعل.

стр. 724

[السائل] لكنه اعتد اعتماداً كليَّاً على هذا الشيء، فهل يدخل في الإعتقاد؟ [الشيخ] ليس بشرط، فقد يعتمد دون اعتقاد. [السائل] أنَّ..... إعتقاد بسبب الإعتماد؟ [الشيخ] لا الإعتقاد هو أنَّهُ في قلبه ليس فيه أنَّ الله نافعه ولا، إنما هذا السبب مادِّي، يعتقد في داخله أنَّ المادة هي كل شيء، هذا هو الإعتقاد. لكن الإعتماد غفل قلبه واعتمد ظاهره. فلا يُسَوَّى هذا بهذا. لهذا صار الإعتماد على الأسباب –يعني بالكلية- ما هو بالإعتماد على الأسباب فقط، الإعتماد على الأسباب بالكلية يعني دون اعتماد القلب على الله ، هذا محرم، أو نقول يدخل في نقض التوحيد، شرك أصغر أو شرك خفي، أمَّ الإعتقاد فهذا كفر ظاهر، أن يعتقد أنَّ الأسباب كافية ولا نافع........ الله ﷻ . مثلاً الطبيب سيعمل لك عملية، يقول خلاص.......... ما جاء في قلبه أنَّه يعظم الإعتماد على الله، فعله....كذا بالطبيعة،...... هذا عمل يعني فاته الأفضل، لكن في قلبه فيه أصل الإعتماد، لكن فيه من اعتمد على السبب في هذا بالذات. مثلاً جاء وقال: أبد، الطبيب يكفي، ما دام في قلبه أي شيء من التوكل على الله، اعتمد على السبب فقط فهذا يدخل في...... إمَّا محرم أو شرك أصغر أو شرك خفي بحسب الحال. لكن المسألة الثانية: اعتقد أنَّ هذا السبب كافٍ، يعني قال يكفي الطبيب، هذا كفر إذا اعتقد قلبه، ما فيه أحد يعتقد أنَّ الإعتماد على الأسباب فقط، يعتقد الأسباب فقط ويكون عنده إيمان؟، ما يمكن، المؤمن لازم يكون عنده اعتماد على الله لكن يعتمد على الأسباب ظاهراً بحسب الحال. س٦/ ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد أنَّ الخوف الذي يحمل على ترك الواجب وفعل المحرم هذا خوفٌ محرم، والشيخ عبد الرحمن في فتح المجيد قال إنَّه شرك أصغر؟ ايه نعم، وش ظهر لك؟، أنَّه محرم، محرم ما هو بشرك أصغر، وهو توسع، الشرك الأصغر فيه نوع تشريك لأنه ما ترك الأمر والنهي خوفاً، يعني ما هو مصلحة، بس مجرد خوف، إلا أنَّه إيش؟، خاف منهمكخوف، أو قدَّمَ خوفه منهم على خوفه من الله، فيه نوع تشريك، بس الأظهر التعبير بالمحرم. س٧/ الخوف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا التعريف لخوف الشرك يصح؟ لا، لا يصح لأنه الخوف الشركي والخوف السري، يعني يُعطي شيء غيبي ما لله من الخصائص، يعني يؤذي بدون سبب ظاهر. س٨/ لو قال شخص لولا فلان ما كان كذا، بدون....... مع الله هل يكون فيه نوع من الشرك الأصغر؟ هذا شرك أصغر، إذا كان أنَّهُ في مقابلة نعمة أو اندفاع نقمة، يعني فيه نعمة حصلت له، قال (لولا فلان ما حصل لي كذا) ، أو اندفع عنه مصيبة فقال (لولا فلان لك يأتيني كذا) هذا هو الشرك الأَصغر. س٩/ والذي ورد في السنة (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) وقول عمر لحفصة (لولا أنا لطلَّقكِ رسول الله ﷺ ؟ ج/ هل القائل الآن هو المشفع المُتَفَضَّلْ عليه، أو المتفضِّل؟ المُتَفَضِّلْ، وصورتنا التي نتكلم فيها مُتَفَضَّلْ عليه، لأنَّ المُتَفَضَّلْ عليه يتعلَّق قلبه بمن تَفَضَّلَ عليه. مثلاً لو أقول لك (لولا أنا ما كنت من أهل السنة والجماعة) ....... لأنه من المتفضِّل، لكن القلب هنا ما فيه تعلُّق، هنا يدخل بحث آخر كالفخر مثلاً أو يدخل في ضوابط أخرى، لكن الضابط المنهي عنه أن يكون ممن انتفع وليس من النافع، لأنَّ من انتفع تعلَّقَ قلبه بمن أحسن إليه، فالتعلق هذا هو الذي يدخل له التشريك. أمَّا حديث (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) هذا لم يدخل من جهتين: الجهة الأولى: أنَّ النبي ﷺ مُتَفَضِّل، والأحاديث التي فيها النهي إنما هو في المنتفع بالنعمة أو اندفاع النِّقمة. الجهة الثانية: أنَّ قوله (لولا أنا) يقصد به لولا شفاعتي له، وشفاعته ﷺ تُقبَلْ ابتداءً أم بفضل الله؟ بفضل الله، يعني شفاعته ما تُقْبَل إلا بإذن الله، فرجع الأمر –ولو لم يذكر ظاهر- إلى الله . وكذا قول عمر (لولا أنا لطلَّقكِ رسول الله ﷺ لأنَّهُ المُتَفضِّل عليها. ولو قال إنسان (لولا الهوى ما اختلف الناس في هذا) فهذه ما فيها شيء. فأقرب شيء تنضبط به ما كان في أمرين: الأول: أن يكون استعمال لولا في تحصيل نعمة أو اندفاع نقمة بسبب من الأسباس، فيعزوه للسبب ولا يذكر الله. الثاني: أن يكون في ذكره تَعَلَّقَ القلب بهذا السبب، إذا حصل تعلق بالسبب حصل الشرك قلباً ولفظاً. س١٠/ بالنسبة للصلاة خلف الكاهن أو العَرَّاف إذا كان هو إمام مسجد، فهل تصلِّي في بيتك أو تُصَلِّي في المسجد معه؟ لا تصلي في بيتك، تصلي في جماعة أخرى إلَّا إذا اضطررت يعني للصلاة وتخشى من التفريط لأنَّه قصارى الأمر الصلاة خلفه باطلة، ظاهر؟، وفي الصلاة خلفه تقوية له أو تزكية له.

стр. 725

فإذا اضطررت في هذا، لو صليت معه تعيد الصلاة لأنَّهُ كافر. يعني ممكن تصلي معاه في المسجد وترجع في البيت تصلِّي، بس ما هو بدايم، يعني إذا اضطررت. طيِّب إذا لم يكن هناك إلا هذا المسجد في الحي، فماذا تفعل؟ تصلي في بيتك، ولا تصلي خلفه، أو تشوف لك مسجد آخر وجماعة ولو بعيد، أمَّا الكهان والعرافين فلا يُصَلَّى وراءهم. وفقكم الله وأعاننا وإياكم على الحق والهدى.

стр. 726

الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: الأسئلة س١ هل عبارة (الله ما شفناه لكن بالعقل عرفناه) في قول العامة صحيح؟ ج/ هذا القول في غالب معناه صحيح وهو مأخوذ في الأصل من كلام علي ﵁ في خطبه، وهو موجود في نهج البلاغة -نسيت العبارة- لكن حاصلها يقول (والله إن لم تُدْرِكْهُ الأبصار بالشهود لكن عَرَفَتْهُ وعَنْعَنَتْ له العقول بالدليل) أو نحو ذلك. هي موجودة، يعني أصلها من كلام علي ﵁. (١)

стр. 727

: [[الشريط الواحد والخمسون]] : وَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .

стр. 728

[المسألة الأولى] : الإسلام ينقسم إلى قسمين وهو: - الإسلام العام. - والإسلام الخاص. وكلام المؤلف هنا يعني به الإسلام العام وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. فهذا الإسلام وهو الاستسلام، هو الذي اجتمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، فدَعَوا إلى توحيد الله وإلى الاستسلام له بالتوحيد بعبادته وحده دونما سواه وخلع الآلهة والأنداد والبراءة من كل معبودٍ سوى الله ومن كل عبادة لِمَا سوى الرب ﷻ وتقدست أسماؤه. والانقياد لله ظاهراً بطاعته فيما أمر وبالانتهاء عما نهى عنه ﷻ . هذا هو الإسلام العام، وهو الذي ينطبق على رسالة كل رسول، وهو الذي ينطبق على إِسْلَامِ كل شيء له كما قال ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] . فقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ يعني أفَغَير دين الإسلام يبغون، فكل ما في السماوات والأرض، وكل من في السماوات والأرض أسْلَمْ لله طوعاً أو كرهاً، يعني اسْتَسْلَمْ ولا بد، إلا المشرك فإنَّ استسلامه كان استسلامَ انقيادٍ لأمر الله الكوني دون استسلامٍ وانقيادٍ لأمر الله الشرعي. والنوع الثاني الإسلام الخاص وهو شريعة محمد ﷺ . دين كل الأنبياء هو الإسلام بمعناه العام، ودين محمد ﷺ هو الإسلام، وهو شريعة الإسلام، الإسلام الخاص. وهذا الإسلام الخاص هو الذي جاء تفسيره في قول النبي ﷺ «بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أَنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» (١) حديث ابن عمر، وهو الذي جاء في جوابه ﷺ لجبريل حينما سأله عن الإسلام فقال «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، ثم قال في آخره «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (٢) . فالإسلام الخاص يشمل هذه المراتب الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان أيضاً. وكل واحدةٍ منها من شريعة محمد ﷺ . وطبعاً تفاصيل الشريعة قد تدخل مع العقيدة؛ يعني في ما دعا إليه جميع الأنبياء في الإسلام العام. يعني مثلاً الإيمان: أنْ تؤمن بالله وملائكته هذه تدخل في الإسلام العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، كذلك شهادة أن لا إله إلا الله هذه أيضاً لكل المرسلين. فهذا الإسلام الخاص هو الشريعة التي جاءت في قول الله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] ، فالشِّرْعَةْ هي ما خَصَّ الله به كل نَبِيٍّ عن النبي الآخر، خَصَّهُ بهذه الرسالة خَصَّهُ بهذا الوحي، فهذا هو الإسلام.

стр. 729

[المسألة الثانية] : (دِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ) كما قال الطحاوي هنا، فحينئذٍ ليس عندنا أديان سماوية، ولا الأديان الثلاثة. ومن عَبَّرَ عن اليهودية والنصرانية والإسلام أو غيرها أيضاً بأنها أديان سماوية، هذا غلط عَقَدِي، وغلطٌ أيضاً على الشريعة وعلى العقيدة؛ لأنَّ الدين واحد كما قال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، فالدِّيْنُ الذي جاء من السماء من عند الله وارتضاه الله في السماء وارتضاه في الأرض واحدٌ ليس باثنين، وليس بثلاثة. فمن الغلط قول القائل: الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام؛ بل ليس ثَمَّ إلا دينٌ سماويٌ واحد وهو الإسلام فقط، على التفصيل الذي ذكرنا في المسألة الأولى. فشريعة عيسى ﵇ تُسَمَّى النصرانية، وشريعة موسى ﵇ تُسَمَّى اليهودية، أو تقول اليهودية والنصرانية وغير ذلك؛ لكن لا تَنْسِبْ هذه الثلاث بقول القائل الأديان السماوية الثلاثة؛ لأنه كما قال الطحاوي هنا (دِينُ اللَّهِ وَاحِدٌ) ليس متعدداً. وهذه ذَهَبَ إليها جمعٌ من النصارى ومن اليهود في تصحيح كل الديانات، يعني من القرون الأولى في أنَّ النصرانية دين من الله وأنَّ اليهودية دين من الله والإسلام دين من الله. وهذا لاشك أنَّهُ باطل ومخالف لنصوص الكتاب والسنة وللإجماع في أنَّ الله لا يرضى إلا الإسلام، كما قال ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقال ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] يعني من قبل يعني عند الرسل السالفة.

стр. 730

[المسألة الثالثة] : الدّين أصل اشتقاقه في اللغة من دَانَ يَدِينُ إذا التَزَمَ، أو أُلْزِمْ بما يكون مُلَازِمَاً له ومُعْتَادَاً في شأنه. ولذلك قيل أيضاً الدَّيْدَنْ، دَيْدَنُهُ كذا يعني ما اعتاده كذا، دَيْدَنِي يعني ما اعتدته. ومنه أيضاً الدِّين، يقول أنا ديني كذا -يعني في أصل اللغة- يعني أعتاد كذا والتَزِمُهُ. ولهذا صار كل ما يُلْتَزَمْ يقال له دين، لهذا جاء في القرآن ذكر دِيْنْ الملك في قصة يوسف في قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] ، فقوله ﷻ ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ يعني في شريعة الملك؛ لأنها مُلْتَزَمَة والالتزام والحكم بها صارت عادة وصارت دَيْدَناً، يعني صارت ديناً يُعتادُ ويُلْزَمْ به الناس. لهذا يقال فلانٌ دينه ضعيف أو دينه قوي يعني ما اعتاده من الالتزام بأمر الإسلام. إذاً فقوله هنا (دِينُ اللَّهِ) ، هنا إضافة الدين إلى الرب ليست إضافة إلى الفاعل هي إضافة إلى الآمر بها، تقول دين فلان لأنه هو يَتَدَيَّنْ، ودين الله يعني الدين الذي أمر الله به وأَلْزَمَ به الناس ولم يَرْضَ غيره هو الإسلام. وهنا فَرْقْ طبعاً بين الدين وبين الشريعة وبين العقيدة يحتاج إلى وقتٍ أطول لبيانه، يعني تشترك: - الدين يمكن أن يُطْلَقْ على الشريعة والعقيدة جميعا. - والشريعة يمكن أن تُطْلَقْ على الدين وعلى العقيدة أيضاً. - والعقيدة أيضاً يمكن أن تُطْلَقْ على الشريعة وعلى الدِّين. لكن بينها عموم وخصوص، فهي تشترك في أشياء وتختلف في أشياء، ويمكن أن يُعَبَّرْ عن كل واحدٍ بالآخر.

стр. 731

[المسألة الرابعة] : & الإسلام ينقسم من حيث الاستسلام إلى ثلاثة أقسام: - إسلام الوَجْهْ. - وإسلام العمل. - وإسلام القلب. @ القسم الأول: إسلام الوجْه: يُعْنَى به أن لا يَتَوَجَّهْ إلى غير الله في عبادته، فيستسلم لربه ﷻ ويُقْبِلْ عليه بوجهه وحده دون ما سواه. وهذا جاء في نحو قوله ﷻ ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] ، وقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء:١٢٥] . @ القسم الثاني: إسلام العمل لله : وهو أن يكون العمل مُسْتَسْلَمَاً فيه لله مُتَخَلَّصَاً فيه من الهوى. فيُسْلِمْ العمل: يعني يَسْتَسْلِمْ في العمل فلا يُسَلِّطْ دَاعِيَ الهوى على الأعمال الصالحة. @ القسم الثالث: إسلام القلب: وهو أصل هذه الأنواع كلها، وهو أنَّهُ يُخْلِصُ في قوله وفي عمله، ويستسلم لربه في كل أحوال قلبه. & وينقسم الإسلام أيضاً باعتبارٍ آخر إلى شرائع ذكرناها لكم: فكل نبيٍ دينه الإسلام لكن شريعته مختلفة، وقد يقال دين النصرانية، دين اليهودية باعتبار التَّدَيُّنْ كما ذكرنا لك، باعتبار الالتزام، والمقصود الشريعة لكن لا يقال الأديان الثلاثة السماوية كما ذكرنا لك. & باعتبارٍ آخر ينقسم الإسلام الخاص إلى ثلاثة أقسام: - الإسلام. - الإيمان. - الإحسان. & وينقسم أيضاً باعتبارٍ رابع إلى: - إسلامٍ كامل - وإسلامٍ ناقص، يعني باعتبار الاستسلام @ إسلامٌ كامل يعني استسلام كامل. @ إسلام ناقص يعني استسلام ناقص. وهذا بَحَثَهُ أهل العلم واختلفوا فيه، هل الإسلام مثل الإيمان يزيد وينقص؟ أم أنَّ الإسلام شيءٌ واحد، والإيمان هو الذي يزيد وينقص؟ أم أنَّ كلاً منهما شيء واحد؟ أم العكس؟ على أقوال متنوعة، والذي ينطبق على طريقة أهل السنة والجماعة، وإن لم يُصَرِّحْ به الأوائل؛ لكن صَرَّحَ به المتأخرون مثل ابن تيمية ونحوه من أهل العلم، أنَّ الإسلام يزيد وينقص باعتبار الاستسلام، وأنَّ الإسلام له كمال وله نقص، وهذا ظاهر باعتبار الاستسلام. فإذا نظرنا إلى إسلام الوجه والعمل والقلب أو القصد لله، فالناس في ذلك متباينون تبايناً شديداً. وإذا نظرنا إلى التقسيم السالف وهو أنَّ الإسلام ينقسم إلى إسلام وإيمان وإحسان، والناس في الصلاة مختلفو المراتب وفي الصدقة الواجبة الزكاة مختلفو المراتب، وأنَّ الناس في الصيام مختلفو المراتب، وفي الحج مختلفو المراتب، ثُمَّ في الإيمان أيضاً مختلفو المراتب، فلابد أن يكون ما تَكَوَّنْ من هذه مُتَفَاضِلَاً. ولذلك ليس من كان وصفه الإسلام على مرتبة واحدة. كذلك ليس كل مؤمن على مرتبة واحدة. فأهل الإيمان في الإيمان متفاوتو المراتب، وكذلك أهل الإسلام في الإسلام متفاوتو المراتب؛ لأنَّ الإسلام الذي هو الاستسلام يقبل التفاوت ويقبل الزيادة والنقص.

стр. 732

قال ﵀ بعدها (وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْيَأْسِ.)

стр. 733

[المسألة الأولى] : الغلو والتقصير قد يُعَبَّرُ عنه بالغلو والجفاء. والغلوُّ لفظٌ جاء في الكتاب والسنة، كما قال ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء:١٧١] ، وقال في الآية الأخرى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧] ، وقال ﷺ في الحديث الذي في بعض السنن «بمثل هؤلاء فارموا» لما ذَكَرَ أَنَّ مَسَكَ أو قَبَضَ على حصى الحذف «وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (١) فنهى عن الغلو ﷺ . والغلو كما أنه يكون في الاعتقاد كذلك يكون في العبادة. وحقيقة الغلو في تعريفه الشرعي: هو الزيادة عما أُذِنَ به شرعاً في السلوك أو في التَّعَبُّدْ أو في الاعتقاد. يعني في الدين إذا زاد عما أُذِنَ به فإنه يكون غالياً، كما أنه إذا زاد في الإنفاق عَمَّا، أو في الفعل عما أُذِنَ به صار مسرفاً. أما التقصير فهو: ترك ما أُمِرَ به العبد بأن يُقَصِّر ويجفو ويتبع الشهوات وهو عكس الغلو. وأولئك يغلون في الاعتقاد أو يغلون في الإثبات أو يغلون في السلوك. مثاله الخوارج غلوا في جانبين؛ بل في عدة جوانب. غَلَو في العقيدة: فَضَلُّوا، كَفَّرُوا، وتركوا نهج الصحابة. وغلوا في العبادة: حتى إنَّ أحد الصحابة يحقر صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم كما جاء في الحديث. وغلوا أيضاً في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقاتلوا جِهَادَاً من لا يستحق القتال شرعَاً؛ بل من يَحْرُمُ قتاله، حتى آل الأمر بغلوهم أنهم تَعَبَّدُوا بقتل خيار الله ﷻ مثل الصحابة. فأَكْرَمُ الصحابة وأعلاهم منزلة في زمنه علي بن أبي طالب ﵁، ومع ذلك تَقَرَّبُوا إلى الله بقتله؛ بل أساس قتل عثمان هو من فعل الخوارج ﵁. قَتَلُوا علياً وهم يتمنون الجنة بقتل عثمان وبقتل علي من شدة غُلُوِّهِم. وكما وصفهم النبي ﷺ «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» (٢) يعني أهل الشرك. وأما التقصير فهو حال أهل الشهوات الذين تركوا العبادة وتركوا طاعة الله ولم يَبْلُغُوا ما أَمَرَ الله به. بل هم في تقصيرٍ وغِشيانٍ للشهوات والمحرمات والكبائر ولا يَرْعَونَ ولا يثوبون ولايتذكرون. هؤلاء يقابلون المتشددين، يقابلهم أهل التساهل والكبائر والذنوب والمعاصي.

стр. 734

[المسألة الثانية] : في قوله (بَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ) ١ - القسم الأول: التشبيه: التشبيه هو أن يُجْعَلْ شيء شَبَهَاً لشيء. فعملية الجَعْلْ هذه هي تشبيه، شَبَّهَ تَشْبِيْهَاً. والتشبيه قسمان، يعني جَعْلْ الشَّبِيهْ قسمان: @ القسم الأول: جعْل الشبيه لله في صفاته كلها، أو في بعض صفاته، أو في تمام معنى الصفة [.....] . [.....] يمكن أن تقول اختصاراً أنْ يُشَبَّهْ الله بخلقه أو يُشَبَّهْ الخلق بالله في كيفية الصفات أو كيفية صِفَةْ أو في تمام معنى بعض الصفة. @ القسم الثاني: أن تُشَبَّه صفة الله بصفة خلقه في أصل المعنى دون تمامه، أن تُشَبَّه صفة الخالق بصفة المخلوق في بعض المعنى أو في أصل المعنى. وهذان القسمان هل يُنْفَيَان عن الله جميعاً أم ينفى أحدهما عن الآخر؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والذي يوافق طريقة أهل السنة والجماعة أن يُنْفَى القسم الأول وهو المراد بالتمثيل دون نفي القسم الثاني؛ لأنَّ إثبات الصفات إثباتٌ للصفة مع المعنى، والمعنى يشترك المخلوق مع الخالق فيه في أصل الصفة، في أصل المعنى دون كماله. كما أنَّ المخلوق يُوصَفْ بالوجود والله يُوصَفُ بالوجود فبينهما اشتراك في أصل المعنى دون تمامه ودون حقيقته. كذلك يُوصَفُ المخلوق بالسمع، والله يُوصَفُ بالسمع وللمخلوق سمع يناسبه، ولله سمعٌ كامل متنزه عن النقائص وما لا يليق بجلاله وعظمته . فتحَصَّلَ من هذا أَنَّ: - الأول مُتَّفَقٌ على منعه وهو التمثيل. - والثاني مُخْتَلَفٌ في إطلاقه بين أهل العلم. (١) * والأوْلَى أن لا يُسْتَعْمَل التشبيه إلا في معنى التمثيل حتى لا يَظُنْ الظَّان ممن لا يفهم طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يتساهلون في مسألة التشبيه، فَيُصَدِّقُونَ أنهم مُشَبِّهَة أو يؤكدون أنهم مُشَبِّهَة. وهذا وإن استعمله بعض أهل العلم كابن تيمية وغيره؛ ولكن أرادوا منه حَقَاً، وهو أن لا تُنْفَى الصفات. ولكن من حيث الاستعمال لا تُسْتَعْمَلْ، لا يقال أنه هناك تشبيه جائز أو أنَّ من التشبيه ما هو حق، فهذا ليس كذلك. لذلك لفظ التشبيه لم يأت في الكتاب والسنة مَنْفِيَّاً، وإنما جاء نفي المثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ولكن لا نستعمل لفظ التشبيه، فالله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وكذلك ليس له شبيه ، وأهل التشبيه هم أهل الضلال. لهذا قال هنا (وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ) فالمُشَبِّهَة وهم الذين جعلوا صفات الله مُشْبِهَةْ لصفات خلقه، إما جميع الصفات كحال أهل التجسيم أو بعض الصفات، هؤلاء نتبرأ منهم وليس في طريقة أهل السنة لفظ تشبيه مُثْبَتَاً. ما نقول قد يكون مثل ما استعمله بعض المعاصرين ممن لم يتحقق بطريقة أهل السنة والجماعة وأهل الحديث. ٢ - القسم الثاني التعطيل: والتعطيل مأخوذٌ أو معناه الإخلاء، مأخوذ من العُطْلِ وهو التَّخْلِيَة. يقال جِيدٌ المرأة عاطل؛ يعني أنه خالٍ من الحُلِيْ كما قال الشاعر وهو امرئ القيس: وجيدٌ كجيد الرِّيم ليس بفا **** حِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطلِ (بِمُعَطَّلِ) يعني بخالٍ من الحلية. فالتعطيل معناه التخلية. فالتعطيل في حق الله معناه أن يُخْلَى الله من صفاته. فَنُفَاةْ الصفات مُعَطِّلَة، وكل من نفى صفة أو أكثر فله نصيب من التعطيل بقدر ما نفى؛ لأنَّ التعطيل إخلاء من الصفات. فنفاة الصفات مثل المعتزلة والأشاعرة، أو من نفى كل الصفات أو نفى بعضها؛ فإنه يطلق عليه مُعَطِّلَة. وبالمناسبة تجد في كتب أهل العلم، تارَةً يقولون عن هؤلاء نُفَاة الصفات، وتارة يقولون مُثْبِتَةْ الصفات، ففي موضعٍ يجعلونهم مع النفاة، وفي موضع يجعلونهم مع المُثْبِتَةْ بحسب السياق. فإذا نُظِرَ إلى نفيهم للصفات -يعني المعتزلة والأشاعرة- قيل لهم نفاة للصفات مع الجهمية لأنَّ الجهمية هم أصلاً نفاة الصفات. وإذا نُظِرَ إلى ما أثبتوا وأنَّ الجهمية تنفي جميع الصفات قيل عنهم أنهم مُثْبِتَةْ للصفات؛ يعني لأصل الصفات وليسوا منكرين لأصل الاتصاف. فالمقصود من ذلك أنَّ التعطيل ينطبق على نُفَاة الصفات سواءٌ نَفَى كل الصفات أو نفى بعض الصفات. إذا كان كذاك فدين الله بين التشبيه والتعطيل؛ يعني ما بين نفي الصفات، وما بين أن يُجْعَلْ لله صفات كصفات المخلوق. فنُثْبِت لله الصفات؛ لكن (٢) على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وعلى قاعدة أهل العلم أنَّ إثباتُ الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وأنَّ بين الصفة وبين الصفة، يعني بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق كما بين الذات والذات. والله ضَرَبَ لنا مَثَلاً في المخلوقات: المخلوقات ليست متساوية في الصفات، الذباب له قوة تناسبه والإنسان له قوة تناسبه، ولكن هنا ثَمَّ قوة وثَمَّ قوة، البعوض له سمع وله بصر يناسبه والإنسان له سمع وله بصر يناسبه، والفيل له قوة وله سمع وله بصر وله قدرة تناسبه. فإذاً المخلوقون، الأصناف التي خلقها الله جعلها متفاوتة فيما تتصف به، وإذا كان كذلك فإذاً ما بين الخالق وما بين المخلوقين من البون والفرق الكبير في الاتصاف بالصفات كما بين ذات الرب ﷻ وذوات المخلوقين الوضيعة والناس يُدركون هذا تمام الإدراك فيما يزاولونه وينظرون إليه.

стр. 735

[المسألة الثالثة] : في قوله (بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ) الجبر والقدر مر معنا تفصيلاً ذلك. وأنَّ الجبر يعني به الجبرية، وأنَّ الجبرية صنفان: - جبريةٌ غالية. - وجبريةٌ متوسطة. وكذلك القدرية صنفان: - قدريةٌ غلاة وهم الذين نفوا العلم. - وقدريةٌ ليسوا بغلاة وهم المعتزلة الذين نفوا مرتبة من مراتب القدر وهي خلق الله لأفعال للعباد وعموم مشيئته .

стр. 736

[المسألة الرابعة] : في قوله (وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْإِيَاسِ) الأمن كما ذكرت لك هو الأمن من مكر الله واليأس هو اليأ س من روح الله . والواجب على المؤمن والمسلم أن يعلم أنَّ الإسلام لا يُقِرُّ الأمن من مكر الله كما لا يُقِرُّ اليأس من روح الله، فهو بين هذا وهذا، فهو أن يسير خائفاً راجيا يخاف من الله أن يعاقبه، أو أن يستدرجه، وأنه إذا فعل ذنباً فإنه لا ييأس من روح الله . وهاهنا مسألة يذكرها أهل العلم: وهي الأمن والإياس والخوف يعني والرجاء أيهما يُغَلَّبْ؟ هل يكون خائفاً أو يكون راجياً؟ وهم متفقون على أنَّ الخوف الذي يُبْلِغُ المرء إلى اليأس فإنه مذموم، وأنَّ الرجاء الذي يُبْلِغُ المرء إلى الأمن من مكر الله فإنه مذموم. فإذا كان كذلك فهم يبحثون بين الخوف والرجاء ولا يقصدون الخوف الذي يوصل إلى اليأس، ولا الرجاء الذي يوصل إلى الأمن. اختلف أهل العلم في ذلك كما هو معلوم لديكم في أي الخوف والرجاء يُغَلَّبْ؟ - قالت طائفة يُغَلَّبْ جانب الخوف. - وقال آخرون يُغَلَّبْ جانب الرجاء. * والصحيح في ذلك هو التفصيل وهو أنَّ الإنسان لا يخلو في حاله من أحد ثلاثة أحوال: - إما حال صحة. - أو حال مرض. - أو حال قرب للوفاة. @ فإذا كان في حال الصحة: فيغلب جانب الخوف على الرجاء حتى ينتهي عن الذنوب ولا تَغُرَنَّه صحته في الإقدام على الذنوب والمعاصي واقتحام ما لا يُرْضِي الله ، وكذلك يرجو حتى يعمل ويستمر في العمل، وهذه الحال قال فيها طائفة من أهل العلم: إنه يُسَوِّي بين الخوف والرجاء، وهذا ليس بموضعه كما سيأتي. @ وإذا كان في حال المرض: فحال المرض ينبغي على الإنسان أن يُغَلَّبْ جانب الرجاء في الله ويكون أعظم من خوفه؛ لأنه في حالٍ الخوف عنده ولو أُمِرَ بتغليب الخوف خُشِيَ أن يصل به إلى عدم الرجاء في الله ، وقد قال نبينا ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» (١) ويناسب المريض أن يكون راجياً مُغَلِّبَاً على الخوف حتى يَلْطُفْ الله به. @ وإذا كان في حال قرب الوفاة: الأفضل للمرء فيها أن يُسَوِّيَ بين الجانبين، أن يكون خائفاً راجياً، وقد جاء رجل للنبي ﷺ فقال له -أظنه كان مريضا فعاده- فقال: «كيف تجدك» قال: أجدني أخشى ذنوبي وأرجو رحمة ربي. فقال ﷺ له «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا إلا أنجاه الله من النار» (٢) أو كما جاء في الحديث. المقصود أنه اسْتُدِلَّ به أنه في هذه الحال أن يُسَوِّيَ المرء بين الخوف والرجاء.

стр. 737

قال ﵀ بعدها (فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بَرَآءُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ)

стр. 738

الأسئلة: س١/ قال ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥] ؟ ج/ معلومٌ أنَّ موسى ﵇ جاء بالحنيفية مثل دين إبراهيم، جاء بالإسلام، وعيسى ﵇ جاء بالحنيفية عبادة الله وحده دون ما سواه. لكن اليهودية المُحَرَّفَة والنصرانية المُحَرَّفَة هذه إبراهيم ﵇ بريءٌ منها، ولهذا قال ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] ؛ لأنَّ كل طائفة ادَّعَتْهُ على ضلالها. فاليهود حَرَّفُوا دينهم وأرادوا أم ينسبوا التحريف إلى إبراهيم، وهو أنهم يدعون إلى الإبراهيمية، وكذلك النصارى، وكذلك المشركون ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم الخليل وهو بريء من هؤلاء وهؤلاء ﵇. س٢/ هل تنصحون بإهداء كتب موسى الموسوي للرافضة؟ ج/ نعم، كتبه نافعة وتنفع القوم، تقيم الحجة عليهم أو تهز ثقتهم بأصولهم. س٣/ ما رأيك في مقولة لأحد الشباب ممن ينتسب إلى الدعوة يقول (إنَّ زمن القرآن وَلَّى بسبب وجود القنوات الفضائية فلابد أن نواجه الشباب بغير القرآن أن نكون عصريين) هذه رسالة في توجيه الشباب؟ ج/ ما أظن المسلم يقول هذا الكلام، ما أظن احد من الشباب يقول زمن القرآن ولّى هكذا بهذا النص، ما أظن أحد يصلي يقول هذا الكلام (زمن القرآن ولَّى) لا ما يمكن أحد يقول هذا. لكن يجب على الإنسان أن يتحرى في ألفاظه، وكما تعلمون الحديث «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفا» (١) قد يقول كلمة ويقول مقصدي زين، وليست المسألة بالمقاصد، لازم أن تتقي الله في ألفاظك، أن تخاف الله بما تنطق به حتى مع أهلك وحتى مع أولادك وحتى في عملك، المسلم وقور يتحَرَّى في لفظه ويتحرى في تعامله؛ لأن اللسان يحاسب عليه، تحاسب على لسانك في كل ما تقوله. حديث معاذ معلوم لديكم وهو قوله ﷺ «كُفَّ عليك هذا» حديث معاذ الطويل قال «وكف عليك هذا» قال: يا رسول الله أَوَ مؤاخذون بما نقول؟ قال «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم» (٢) . ألحظ أنا من بعض طلبة العلم أو بعض الشباب أو بعض أهل الخير إذا جاوا يمزحون ما يهمه وش يقول أي كلام، هذا سيئ للغاية، أحيانا يطلقون كلاما قبيحا. اضرب لكم مثال، مثلاً يأتي ذكر القبر مثلاً وأنه نور يجيء واحد ويقول والله كهرباء زين، مثل هذا الكلام حرام وقد يهوي به القائل، أو يقول كشاف ألف شمعة أو مثل هذا الكلام؛ يعني قد يحصل أنهم يتناقلون مثل هذا الكلام ويقولونه بينهم؛ لكن مثل هذا لا يجوز البتة. الأمور الشرعية وطِّنْ نفسك على الهيبة فيها، لأنَّ هذا من تعظيم شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ، تطلق لفظ لا تلقي له بالا وآخر لا تلقي له بالا، ما تدري يعاقبك الله بسلب الإيمان منك وأنت لا تشعر. فلذلك يجب على الشباب وعلى طلاب العلم أن يمزحوا بما مزح به النبي ﷺ ما يأتون للأمور الشرعية ويتعرضون لها بأقوال ليست كالتوقير. س٤/ أشكل علي قول بعض المؤلفين في كتب القرآن وغيرها أنَّ (الـ) في قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة بناءً على خلافهم لخلق أفعال العباد فلا يقولون بأنها للاستغراق؟ ج/ تحتاج إلى نظر، يعني معنى الاستغراق هل فعلاً المعتزلة ينكرون الاستغراق هنا؟ ما أعلم. لكن الحمد (الألف واللام) هنا استغراق الجنس؛ يعني جنس أو أجناس الحمد جميعا لله رب العالمين يعني مُسْتَحَقَّة لله ، وأجناس الحمد خمسة: حمد لله في ربوبية، وحمد في الألوهية، وحمد في الأسماء والصفات، وحمد في الشرع، وحمد في الكون والقدر. فأجناس الحمد كلها لله، إيش علاقة هذا بخلق أفعال العباد؟ ما أعلم، وأظن -إذا ما خانتني الحافظة- أظن أن الزمخشري يقول إنها للاستغراق في فاتحة التفسير وقال أل للاستغراق أظنه يقول ذلك. فيحتاج إلى مراجعة. س٥/ هل يجوز أن نَصِفَ القدر بالظلم؟ ج/ لا يجوز لأنَّ القدر فعل الله وتقديره فلا يوصف بالظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] . س٦/ أعرف أناسا جُلُّ مجالسهم الكلام في أعراض علمائنا الكبار من أنهم لا يفقهون واقع المسلمين وفتاواهم في حيضٍ وغيره، ما أفعل مع هؤلاء وكيف التوجيه؟

стр. 739

ج/ أظن حصل من السنين الماضية ما فيه كفاية في وضوح هذه المسألة، وأنَّ من استعجل فوقع في أعراض العلماء أو استنقص رأيهم بَانَ الأمر على خلافه، وأنَّ مصالح الناس في الحال وفي المآل هي بقول أهل العلم الكبار، ورحم الله سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقد كان لموقفه في الأزمة من الخير العظيم على الناس في ذلك الوقت وإلى وقتنا الحاضر ما لم يدركه إلا العالمون بالشرع وأحوال ما يُصْلِحُ الناس. والواجب علينا جميعا ونحن طلاب علم وكلكم حريصٌ على الخير أن نكون متقين لله ، الكلام والغيبة ومحرمة، الكلام في الأعراض والغيبة محرمة. ومن العجب أن يأتي شاب صغير لم يدرك من العلم شيئا فضلاً عن أنه يدرك الواقع، ويقع في حق كبارٍ من أهل العلم الذين عرفوا العلم وعرفوا الواقع؛ ولكن هل الواقع هو الأخبار السياسية؟ هل الواقع هو التفصيلات؟ هل الواقع هو تفصيلات الكيد؟ أم الواقع هو واقع الأعداء وكيف تُطَبِّقُ حالهم على الشرع؟ أو تُطَبِّقُ حالهم على ما في القرآن والسنة؟ يعني لا تنفك المسألة من وجود أعداء للإسلام والمسلمين، وهؤلاء الأعداء فَصَّلَهُمْ الله في القرآن قال سبحانه ﴿للهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥] بَيَّنَ لنا الله حال اليهود وتفاصيل عداوة اليهود لنا والنصارى ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لكن هل من شرط العالم أن يتتبع جميع الجرائد ويقرأها والأخبار والقنوات الفضائية والتحليلات السياسية حتى يكون فقيها بواقع؟ لاشك أنَّ هذا ليس بمقصود. والأحكام الشرعية لابد أن تكون عن فَهْمْ وفقه؛ لكن ليس كل ما عَلِمَهُ الناس يكون مؤثراً في الفتوى أو في الحكم أو في التصرفات، فهناك أشياء تُعْلَمْ لا قيمة لها ولا أثر، وليس كل ما يُعْرَضْ لكم أو تسمعونه أو ينقل يكون صحيحاً؛ لأن الناس الآن يُضَلُّونَ بالأخبار، الأخبار والإعلام يُضِلْ وينوع الأقوال، ويجعل الناس يتصرفون تصرفات ويبنون أحكامَاً على ما نُقِلْ، ربما بعضكم ينظر في الأخبار التي تُعْرَضْ سواءٌ كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية أنَّ تفاصيل الخبر واحدة تُنْقَلْ في جميع الوسائل، في الجرائد في أمريكا وفي أوربا وفي الشرق وفي المسموع في الأخبار، الصياغة متقاربة؛ بل الصورة الواحدة أحيانَاً المعروضة في أخبار في قنوات، تجد أن الصورة الواحدة تتردد في الأخبار في جميع القنوات، من الذي صاغ الخبر الأساسي؟ ومن الذي صَوَّرْ؟ ومن الذي فعل؟ ومن الذي ينشر هذه الأخبار في العالم؟ والناس يدورون حول هذه الأخبار، لاشك أنَّ هناك تسلط إعلامي عالمي على المسلمين وعلى غيرهم؛ يعني لتكون المواقف السياسية ولتكون رغبة الناس ولتكون آراء الناس على نحوٍ ما. لهذا فالذي ينبغي لطلاب العلم أولاً أن ينشغلوا بالعلم عن غيره؛ لأنَّ الأمة بل الدّين والجهاد الآن جهاد علم، الناس بحاجة إليكم، بحاجة إلى طلبة علم إذا ضيعتم الوقت في قيل وقال دون فائدة، نحن مرينا قبلكم بمراحل كان بعض الناس يتتبعون المجلات، يشترون المجلات الحوادث ومجلة الوطن العربي وأنا أذكر من ثلاثين سنة ومجلة كذا وجريدة وجرائد متنوعة لا فَقِهُوا في السياسة ولا فقهوا في العلم فضاعوا بين هذا وهذا. الناس بحاجة إليكم بحاجة إليكم في العلم النافع في توحيد الله ، وفي بيان السنة وفي بيان الأحكام الشرعية، فتعلموا العلم النافع واتركوا المسائل الكبار لأهل العلم فإن هذا أنفع لكم. طالب ينظر إذا رأى تحليلاً جيداً في مجلةٍ مأمونة أو فيه خبر يتعلم ويفهم؛ لكن أن يَنْقُدْ على أهل العلم إذا لم يتتبعوا مثل تَتَبُعِهِ هذا ليس بنَصَفَةْ ولا بعدل فضلاً أن يكون مأمورا به في الشرع. فلنقي ألسنتنا من الغيبة ولنحفظ قليل أعمالنا -وإن أثابنا الله عليها- من الضياع والغيبة كما تعلمون وقوع في العرض فلابد أن يؤخذ ممن اغتاب أن تؤخذ منه المظلمة يوم القيامة. والله المستعان، يعني الواحد الذي يعرف نفسه وحريص على الآخرة وما يقربه إلى الله يُضَيِّعْ نفسه بهذا اللسان الذي يقع دون عمل. وكثير من الأعمال النافعة -وأنتم انظروا- التي بقيت ونفعت في دينهم وفي دنياهم هي أعمال أهل العلم الكبار هي التي هادية ونافعة، وما أحسن قول ابن الوردي في لاميته: ملك كسرى عنه تغني كسرة ****** وعن البحر اجتزاء بالوشل البحر كثير لكنه مالح لا تشرب منه، والوشل ماء عذب قليل لكنه يطفئ الظمأ ويروي الغَلَّةْ. س/ مقولة (من لم يُكَفِّر الكافر فهو كافر) هل هي صحيحة وهل هي على اطلاقها؟ صحيحة، من م يُكَفِّر الكافر الذ ي نصَّ الله على تكفيره فهو كافر، والميتدع..... لا، هذه ما هي بقاعدة. أمَّا اللي نصَّ عليها أهل العلم أنَّ من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويقصدون بالكافر، ابن تيمية ذكرها في موضع قال (والمقصود الكافر الذي جاء كفره في الكتاب والسنة، لأنه تكذيب للكتاب والسنة) ، أمَّا لو كل واحد، هذا ما يكفر، هذا يكفر، يصير، لكن لابد من رجوعه إلى أصل. يعني مثلاً واحد يجي ويقول (والله فرعون مسلم) فيه من يقوله، وفيه من الصوفية من يقول (الجلال والدوافي وشركت، وابن عربي، أو يجي ويقول (أبو لهب أنا لا أكفره) أو يقول أبو طالب عم النبي ﷺ ما أكفره؟، وهو قد ثبت كفره بالكتاب والسنة وأنكر الكتاب والسنة. في هذا القدر كفاية وبارك الله فيكم وعليكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد (١) .

стр. 740

: [[الشريط الثاني والخمسون]] : الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. الأسئلة: س١/ هل الميت يعلم عن الأحياء أخبارَهم؟ فقد سمعتُ من بعض أهل العلم من يقول ذلك وآخر ينفيه، وآخر من يقول هذه المسألة لا أحد يسأل عنها لأنها من علم الغيب؟ ج/ هذه المسألة من المسائل المهمّة جداً، وكما ذكر السائل تنوَّعَتْ أقوال العلم فيها ما بين نافٍ مطلقاً وما بين مثبتٍ مطلقاً وما بين مفصلٍ للمسألة بحسب ما ورد في الدليل. والصواب في ذلك التفصيل. - فمن نَفَى مطلقاً بأنَّ الأموات لا يسمعون ولا يعلمون؛ بل انقطع سبيلهم، استدلوا بقول الله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] ، واستدلوا أيضاً بأنَّ الميت انقطع من هذه الدنيا وارتحل إلى الآخرة وهو مشغولٌ عن هذه الدنيا بالآخرة، وهو في حياة برزخ، وحياة البرزخ مختلفة عن هذه الحياة، فَصِلَتُه بهذه الحياة تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على سماعه مطلَقَاً فلذلك وجب نفيه لدلالة قوله ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، ولم يدل أيضاً الدليل على أنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الأموات الأخبار والأحوال، فبنوا على هذا النفي العام بأنَّ الميت لا يسمع شيئاً. - والقول الثاني أنَّ الأموات يسمعون مطلقاً ويُبَلَّغُون، يعني يسمعون ما يحدث عندهم ويُبَلَّغُونَ ما يحصل من أهليهم وأقاربهم من خيرٍ وشر، فيأنسونَ للخير ويستاءون للشر، وهؤلاء بَنَوا كلامهم على أنَّ في الأدلة ما يدل على جنس سماع الميت لكلام الحي: كقوله ﷺ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» (١) ، واستدلوا بهذا على أنه يسمع. ويستدلون أيضاً ببعض الأحاديث الضعيفة كحديث التلقين، حديث أبي أمامة الضعيف في التلقين ونحوه بأنه يسمع بعض السماع. ويستدلون أيضاً بما ورد من الأحاديث بأنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الميت بأخبار أهله من بعده، ويعرضون عليه ما فعلوا فإن وجد خيراً فَرِحْ واستبشر وإن بُلِّغ غير ذلك استاء من أهله. ويستدلون أيضاً بما يحصل للأحياء من رؤيةٍ لأرواح الأموات في المنام، وأنهم ربما قالوا لهم فعلت كذا وفعلت كذا وأتانا خبرك بكذا ونحو ذلك. وهؤلاء أيضاً في مسألةٍ خاصة استدلوا بفعل النبي ﷺ مع صناديد قريش لمَّا دَفَنَهُم في القليب ورماهم فأطَلَّ عليهم ﷺ ، وقال لهم «هل وجدتُّم ما وعد ربكم حقا؟ فإنّي وجدت ما وعد ربي حقاً» ، قالوا له: يا رسول الله أتُكَلِّمُ أمواتاً؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم» (٢) ، واستدلوا بهذا اللفظ: «ما أنتم بأسْمَعَ لي منهم» على أنهم يسمعون، وإذا كانوا يسمعون فإنهم لهم نوع تعلق بالدنيا فلا يمنع أن يُبَلَّغُوا ويُقَوِّيْ ما جاء في هذا الباب من أحاديث. - والثالث وهو الصواب، التفصيل، وهو أنَّ المَيّت يسمع بعض الأشياء التي ورد الدليل بأنه يسمعها، والأصل أنَّ الميت لا يُسَمَّع لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وأنه أيضاً لا يسمع، فما خَرَجَ عن الأصل احتاج إلى دليل، وكذلك التبليغ -تبليغ الأخبار- أيضاً خلاف الأصل، ولهذا كان من خصائص النبي ﷺ أنَّ الله جعل له ملائكة سيّاحين في الأرض يُبَلِّغُونَهُ من أمته السلام. وهذا هو الأقرب للدليل، وهو الأظهر من حيث أصول الشريعة، وهو أنَّ الميت لا يسمع كل شيء، لا يسمع من ناداه، لا يسمع من أتاه يُخْبِرُهُ بأشياء، وأنه لا دليل على أنّه يُبَلَّغ ما يحصل لأن هذا من خصائص النبي ﷺ ، وأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك بأنه يُبَلَّغ ونحو ذلك أنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها الحجة. فينحصر إذاً سماعه فيما دل الدليل عليه، وهو أنه يسمع قرع النعال وأنَّ أهل بدر سمعوا، يعني أنَّ المشركين من صناديد قريش سمعوا النبي ﷺ ، لهذا في الرواية الثانية الصحيحة أيضاً أنه قال لما قالوا له: أتكلم أمواتاً؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم الآن» (٣) وهذه الرواية ظاهرة الدلالة بأنَّ إسْمَاعَهُمْ وتكليمهم هو نوع تبكيت وتعذيب لهم، وزيادة «الآن» زيادة صحيحة ظاهرة وبها يجتمع قول من نفى وقول من أثبت، فيكون الإثبات بالسماع فيه تخصيصٌ لهم بتلك الحال لازدياد تبكيتهم وتعذيبهم أحياء وميتين.
следующие страницы →