← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 736–757 · переход к 741.

стр. 736

[المسألة الرابعة] : في قوله (وَبَيْنَ الْأَمْنِ وَالْإِيَاسِ) الأمن كما ذكرت لك هو الأمن من مكر الله واليأس هو اليأ س من روح الله . والواجب على المؤمن والمسلم أن يعلم أنَّ الإسلام لا يُقِرُّ الأمن من مكر الله كما لا يُقِرُّ اليأس من روح الله، فهو بين هذا وهذا، فهو أن يسير خائفاً راجيا يخاف من الله أن يعاقبه، أو أن يستدرجه، وأنه إذا فعل ذنباً فإنه لا ييأس من روح الله . وهاهنا مسألة يذكرها أهل العلم: وهي الأمن والإياس والخوف يعني والرجاء أيهما يُغَلَّبْ؟ هل يكون خائفاً أو يكون راجياً؟ وهم متفقون على أنَّ الخوف الذي يُبْلِغُ المرء إلى اليأس فإنه مذموم، وأنَّ الرجاء الذي يُبْلِغُ المرء إلى الأمن من مكر الله فإنه مذموم. فإذا كان كذلك فهم يبحثون بين الخوف والرجاء ولا يقصدون الخوف الذي يوصل إلى اليأس، ولا الرجاء الذي يوصل إلى الأمن. اختلف أهل العلم في ذلك كما هو معلوم لديكم في أي الخوف والرجاء يُغَلَّبْ؟ - قالت طائفة يُغَلَّبْ جانب الخوف. - وقال آخرون يُغَلَّبْ جانب الرجاء. * والصحيح في ذلك هو التفصيل وهو أنَّ الإنسان لا يخلو في حاله من أحد ثلاثة أحوال: - إما حال صحة. - أو حال مرض. - أو حال قرب للوفاة. @ فإذا كان في حال الصحة: فيغلب جانب الخوف على الرجاء حتى ينتهي عن الذنوب ولا تَغُرَنَّه صحته في الإقدام على الذنوب والمعاصي واقتحام ما لا يُرْضِي الله ، وكذلك يرجو حتى يعمل ويستمر في العمل، وهذه الحال قال فيها طائفة من أهل العلم: إنه يُسَوِّي بين الخوف والرجاء، وهذا ليس بموضعه كما سيأتي. @ وإذا كان في حال المرض: فحال المرض ينبغي على الإنسان أن يُغَلَّبْ جانب الرجاء في الله ويكون أعظم من خوفه؛ لأنه في حالٍ الخوف عنده ولو أُمِرَ بتغليب الخوف خُشِيَ أن يصل به إلى عدم الرجاء في الله ، وقد قال نبينا ﷺ «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» (١) ويناسب المريض أن يكون راجياً مُغَلِّبَاً على الخوف حتى يَلْطُفْ الله به. @ وإذا كان في حال قرب الوفاة: الأفضل للمرء فيها أن يُسَوِّيَ بين الجانبين، أن يكون خائفاً راجياً، وقد جاء رجل للنبي ﷺ فقال له -أظنه كان مريضا فعاده- فقال: «كيف تجدك» قال: أجدني أخشى ذنوبي وأرجو رحمة ربي. فقال ﷺ له «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا إلا أنجاه الله من النار» (٢) أو كما جاء في الحديث. المقصود أنه اسْتُدِلَّ به أنه في هذه الحال أن يُسَوِّيَ المرء بين الخوف والرجاء.

стр. 737

قال ﵀ بعدها (فَهَذَا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بَرَآءُ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ)

стр. 738

الأسئلة: س١/ قال ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة:١٣٥] ؟ ج/ معلومٌ أنَّ موسى ﵇ جاء بالحنيفية مثل دين إبراهيم، جاء بالإسلام، وعيسى ﵇ جاء بالحنيفية عبادة الله وحده دون ما سواه. لكن اليهودية المُحَرَّفَة والنصرانية المُحَرَّفَة هذه إبراهيم ﵇ بريءٌ منها، ولهذا قال ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] ؛ لأنَّ كل طائفة ادَّعَتْهُ على ضلالها. فاليهود حَرَّفُوا دينهم وأرادوا أم ينسبوا التحريف إلى إبراهيم، وهو أنهم يدعون إلى الإبراهيمية، وكذلك النصارى، وكذلك المشركون ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم الخليل وهو بريء من هؤلاء وهؤلاء ﵇. س٢/ هل تنصحون بإهداء كتب موسى الموسوي للرافضة؟ ج/ نعم، كتبه نافعة وتنفع القوم، تقيم الحجة عليهم أو تهز ثقتهم بأصولهم. س٣/ ما رأيك في مقولة لأحد الشباب ممن ينتسب إلى الدعوة يقول (إنَّ زمن القرآن وَلَّى بسبب وجود القنوات الفضائية فلابد أن نواجه الشباب بغير القرآن أن نكون عصريين) هذه رسالة في توجيه الشباب؟ ج/ ما أظن المسلم يقول هذا الكلام، ما أظن احد من الشباب يقول زمن القرآن ولّى هكذا بهذا النص، ما أظن أحد يصلي يقول هذا الكلام (زمن القرآن ولَّى) لا ما يمكن أحد يقول هذا. لكن يجب على الإنسان أن يتحرى في ألفاظه، وكما تعلمون الحديث «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفا» (١) قد يقول كلمة ويقول مقصدي زين، وليست المسألة بالمقاصد، لازم أن تتقي الله في ألفاظك، أن تخاف الله بما تنطق به حتى مع أهلك وحتى مع أولادك وحتى في عملك، المسلم وقور يتحَرَّى في لفظه ويتحرى في تعامله؛ لأن اللسان يحاسب عليه، تحاسب على لسانك في كل ما تقوله. حديث معاذ معلوم لديكم وهو قوله ﷺ «كُفَّ عليك هذا» حديث معاذ الطويل قال «وكف عليك هذا» قال: يا رسول الله أَوَ مؤاخذون بما نقول؟ قال «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال على وجوههم- إلا حصائد ألسنتهم» (٢) . ألحظ أنا من بعض طلبة العلم أو بعض الشباب أو بعض أهل الخير إذا جاوا يمزحون ما يهمه وش يقول أي كلام، هذا سيئ للغاية، أحيانا يطلقون كلاما قبيحا. اضرب لكم مثال، مثلاً يأتي ذكر القبر مثلاً وأنه نور يجيء واحد ويقول والله كهرباء زين، مثل هذا الكلام حرام وقد يهوي به القائل، أو يقول كشاف ألف شمعة أو مثل هذا الكلام؛ يعني قد يحصل أنهم يتناقلون مثل هذا الكلام ويقولونه بينهم؛ لكن مثل هذا لا يجوز البتة. الأمور الشرعية وطِّنْ نفسك على الهيبة فيها، لأنَّ هذا من تعظيم شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ، تطلق لفظ لا تلقي له بالا وآخر لا تلقي له بالا، ما تدري يعاقبك الله بسلب الإيمان منك وأنت لا تشعر. فلذلك يجب على الشباب وعلى طلاب العلم أن يمزحوا بما مزح به النبي ﷺ ما يأتون للأمور الشرعية ويتعرضون لها بأقوال ليست كالتوقير. س٤/ أشكل علي قول بعض المؤلفين في كتب القرآن وغيرها أنَّ (الـ) في قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] للاستغراق عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة بناءً على خلافهم لخلق أفعال العباد فلا يقولون بأنها للاستغراق؟ ج/ تحتاج إلى نظر، يعني معنى الاستغراق هل فعلاً المعتزلة ينكرون الاستغراق هنا؟ ما أعلم. لكن الحمد (الألف واللام) هنا استغراق الجنس؛ يعني جنس أو أجناس الحمد جميعا لله رب العالمين يعني مُسْتَحَقَّة لله ، وأجناس الحمد خمسة: حمد لله في ربوبية، وحمد في الألوهية، وحمد في الأسماء والصفات، وحمد في الشرع، وحمد في الكون والقدر. فأجناس الحمد كلها لله، إيش علاقة هذا بخلق أفعال العباد؟ ما أعلم، وأظن -إذا ما خانتني الحافظة- أظن أن الزمخشري يقول إنها للاستغراق في فاتحة التفسير وقال أل للاستغراق أظنه يقول ذلك. فيحتاج إلى مراجعة. س٥/ هل يجوز أن نَصِفَ القدر بالظلم؟ ج/ لا يجوز لأنَّ القدر فعل الله وتقديره فلا يوصف بالظلم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] . س٦/ أعرف أناسا جُلُّ مجالسهم الكلام في أعراض علمائنا الكبار من أنهم لا يفقهون واقع المسلمين وفتاواهم في حيضٍ وغيره، ما أفعل مع هؤلاء وكيف التوجيه؟

стр. 739

ج/ أظن حصل من السنين الماضية ما فيه كفاية في وضوح هذه المسألة، وأنَّ من استعجل فوقع في أعراض العلماء أو استنقص رأيهم بَانَ الأمر على خلافه، وأنَّ مصالح الناس في الحال وفي المآل هي بقول أهل العلم الكبار، ورحم الله سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقد كان لموقفه في الأزمة من الخير العظيم على الناس في ذلك الوقت وإلى وقتنا الحاضر ما لم يدركه إلا العالمون بالشرع وأحوال ما يُصْلِحُ الناس. والواجب علينا جميعا ونحن طلاب علم وكلكم حريصٌ على الخير أن نكون متقين لله ، الكلام والغيبة ومحرمة، الكلام في الأعراض والغيبة محرمة. ومن العجب أن يأتي شاب صغير لم يدرك من العلم شيئا فضلاً عن أنه يدرك الواقع، ويقع في حق كبارٍ من أهل العلم الذين عرفوا العلم وعرفوا الواقع؛ ولكن هل الواقع هو الأخبار السياسية؟ هل الواقع هو التفصيلات؟ هل الواقع هو تفصيلات الكيد؟ أم الواقع هو واقع الأعداء وكيف تُطَبِّقُ حالهم على الشرع؟ أو تُطَبِّقُ حالهم على ما في القرآن والسنة؟ يعني لا تنفك المسألة من وجود أعداء للإسلام والمسلمين، وهؤلاء الأعداء فَصَّلَهُمْ الله في القرآن قال سبحانه ﴿للهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥] بَيَّنَ لنا الله حال اليهود وتفاصيل عداوة اليهود لنا والنصارى ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لكن هل من شرط العالم أن يتتبع جميع الجرائد ويقرأها والأخبار والقنوات الفضائية والتحليلات السياسية حتى يكون فقيها بواقع؟ لاشك أنَّ هذا ليس بمقصود. والأحكام الشرعية لابد أن تكون عن فَهْمْ وفقه؛ لكن ليس كل ما عَلِمَهُ الناس يكون مؤثراً في الفتوى أو في الحكم أو في التصرفات، فهناك أشياء تُعْلَمْ لا قيمة لها ولا أثر، وليس كل ما يُعْرَضْ لكم أو تسمعونه أو ينقل يكون صحيحاً؛ لأن الناس الآن يُضَلُّونَ بالأخبار، الأخبار والإعلام يُضِلْ وينوع الأقوال، ويجعل الناس يتصرفون تصرفات ويبنون أحكامَاً على ما نُقِلْ، ربما بعضكم ينظر في الأخبار التي تُعْرَضْ سواءٌ كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية أنَّ تفاصيل الخبر واحدة تُنْقَلْ في جميع الوسائل، في الجرائد في أمريكا وفي أوربا وفي الشرق وفي المسموع في الأخبار، الصياغة متقاربة؛ بل الصورة الواحدة أحيانَاً المعروضة في أخبار في قنوات، تجد أن الصورة الواحدة تتردد في الأخبار في جميع القنوات، من الذي صاغ الخبر الأساسي؟ ومن الذي صَوَّرْ؟ ومن الذي فعل؟ ومن الذي ينشر هذه الأخبار في العالم؟ والناس يدورون حول هذه الأخبار، لاشك أنَّ هناك تسلط إعلامي عالمي على المسلمين وعلى غيرهم؛ يعني لتكون المواقف السياسية ولتكون رغبة الناس ولتكون آراء الناس على نحوٍ ما. لهذا فالذي ينبغي لطلاب العلم أولاً أن ينشغلوا بالعلم عن غيره؛ لأنَّ الأمة بل الدّين والجهاد الآن جهاد علم، الناس بحاجة إليكم، بحاجة إلى طلبة علم إذا ضيعتم الوقت في قيل وقال دون فائدة، نحن مرينا قبلكم بمراحل كان بعض الناس يتتبعون المجلات، يشترون المجلات الحوادث ومجلة الوطن العربي وأنا أذكر من ثلاثين سنة ومجلة كذا وجريدة وجرائد متنوعة لا فَقِهُوا في السياسة ولا فقهوا في العلم فضاعوا بين هذا وهذا. الناس بحاجة إليكم بحاجة إليكم في العلم النافع في توحيد الله ، وفي بيان السنة وفي بيان الأحكام الشرعية، فتعلموا العلم النافع واتركوا المسائل الكبار لأهل العلم فإن هذا أنفع لكم. طالب ينظر إذا رأى تحليلاً جيداً في مجلةٍ مأمونة أو فيه خبر يتعلم ويفهم؛ لكن أن يَنْقُدْ على أهل العلم إذا لم يتتبعوا مثل تَتَبُعِهِ هذا ليس بنَصَفَةْ ولا بعدل فضلاً أن يكون مأمورا به في الشرع. فلنقي ألسنتنا من الغيبة ولنحفظ قليل أعمالنا -وإن أثابنا الله عليها- من الضياع والغيبة كما تعلمون وقوع في العرض فلابد أن يؤخذ ممن اغتاب أن تؤخذ منه المظلمة يوم القيامة. والله المستعان، يعني الواحد الذي يعرف نفسه وحريص على الآخرة وما يقربه إلى الله يُضَيِّعْ نفسه بهذا اللسان الذي يقع دون عمل. وكثير من الأعمال النافعة -وأنتم انظروا- التي بقيت ونفعت في دينهم وفي دنياهم هي أعمال أهل العلم الكبار هي التي هادية ونافعة، وما أحسن قول ابن الوردي في لاميته: ملك كسرى عنه تغني كسرة ****** وعن البحر اجتزاء بالوشل البحر كثير لكنه مالح لا تشرب منه، والوشل ماء عذب قليل لكنه يطفئ الظمأ ويروي الغَلَّةْ. س/ مقولة (من لم يُكَفِّر الكافر فهو كافر) هل هي صحيحة وهل هي على اطلاقها؟ صحيحة، من م يُكَفِّر الكافر الذ ي نصَّ الله على تكفيره فهو كافر، والميتدع..... لا، هذه ما هي بقاعدة. أمَّا اللي نصَّ عليها أهل العلم أنَّ من لم يكفر الكافر فهو كافر، ويقصدون بالكافر، ابن تيمية ذكرها في موضع قال (والمقصود الكافر الذي جاء كفره في الكتاب والسنة، لأنه تكذيب للكتاب والسنة) ، أمَّا لو كل واحد، هذا ما يكفر، هذا يكفر، يصير، لكن لابد من رجوعه إلى أصل. يعني مثلاً واحد يجي ويقول (والله فرعون مسلم) فيه من يقوله، وفيه من الصوفية من يقول (الجلال والدوافي وشركت، وابن عربي، أو يجي ويقول (أبو لهب أنا لا أكفره) أو يقول أبو طالب عم النبي ﷺ ما أكفره؟، وهو قد ثبت كفره بالكتاب والسنة وأنكر الكتاب والسنة. في هذا القدر كفاية وبارك الله فيكم وعليكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد (١) .

стр. 740

: [[الشريط الثاني والخمسون]] : الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. الأسئلة: س١/ هل الميت يعلم عن الأحياء أخبارَهم؟ فقد سمعتُ من بعض أهل العلم من يقول ذلك وآخر ينفيه، وآخر من يقول هذه المسألة لا أحد يسأل عنها لأنها من علم الغيب؟ ج/ هذه المسألة من المسائل المهمّة جداً، وكما ذكر السائل تنوَّعَتْ أقوال العلم فيها ما بين نافٍ مطلقاً وما بين مثبتٍ مطلقاً وما بين مفصلٍ للمسألة بحسب ما ورد في الدليل. والصواب في ذلك التفصيل. - فمن نَفَى مطلقاً بأنَّ الأموات لا يسمعون ولا يعلمون؛ بل انقطع سبيلهم، استدلوا بقول الله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] ، واستدلوا أيضاً بأنَّ الميت انقطع من هذه الدنيا وارتحل إلى الآخرة وهو مشغولٌ عن هذه الدنيا بالآخرة، وهو في حياة برزخ، وحياة البرزخ مختلفة عن هذه الحياة، فَصِلَتُه بهذه الحياة تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على سماعه مطلَقَاً فلذلك وجب نفيه لدلالة قوله ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، ولم يدل أيضاً الدليل على أنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الأموات الأخبار والأحوال، فبنوا على هذا النفي العام بأنَّ الميت لا يسمع شيئاً. - والقول الثاني أنَّ الأموات يسمعون مطلقاً ويُبَلَّغُون، يعني يسمعون ما يحدث عندهم ويُبَلَّغُونَ ما يحصل من أهليهم وأقاربهم من خيرٍ وشر، فيأنسونَ للخير ويستاءون للشر، وهؤلاء بَنَوا كلامهم على أنَّ في الأدلة ما يدل على جنس سماع الميت لكلام الحي: كقوله ﷺ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» (١) ، واستدلوا بهذا على أنه يسمع. ويستدلون أيضاً ببعض الأحاديث الضعيفة كحديث التلقين، حديث أبي أمامة الضعيف في التلقين ونحوه بأنه يسمع بعض السماع. ويستدلون أيضاً بما ورد من الأحاديث بأنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الميت بأخبار أهله من بعده، ويعرضون عليه ما فعلوا فإن وجد خيراً فَرِحْ واستبشر وإن بُلِّغ غير ذلك استاء من أهله. ويستدلون أيضاً بما يحصل للأحياء من رؤيةٍ لأرواح الأموات في المنام، وأنهم ربما قالوا لهم فعلت كذا وفعلت كذا وأتانا خبرك بكذا ونحو ذلك. وهؤلاء أيضاً في مسألةٍ خاصة استدلوا بفعل النبي ﷺ مع صناديد قريش لمَّا دَفَنَهُم في القليب ورماهم فأطَلَّ عليهم ﷺ ، وقال لهم «هل وجدتُّم ما وعد ربكم حقا؟ فإنّي وجدت ما وعد ربي حقاً» ، قالوا له: يا رسول الله أتُكَلِّمُ أمواتاً؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم» (٢) ، واستدلوا بهذا اللفظ: «ما أنتم بأسْمَعَ لي منهم» على أنهم يسمعون، وإذا كانوا يسمعون فإنهم لهم نوع تعلق بالدنيا فلا يمنع أن يُبَلَّغُوا ويُقَوِّيْ ما جاء في هذا الباب من أحاديث. - والثالث وهو الصواب، التفصيل، وهو أنَّ المَيّت يسمع بعض الأشياء التي ورد الدليل بأنه يسمعها، والأصل أنَّ الميت لا يُسَمَّع لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ، وأنه أيضاً لا يسمع، فما خَرَجَ عن الأصل احتاج إلى دليل، وكذلك التبليغ -تبليغ الأخبار- أيضاً خلاف الأصل، ولهذا كان من خصائص النبي ﷺ أنَّ الله جعل له ملائكة سيّاحين في الأرض يُبَلِّغُونَهُ من أمته السلام. وهذا هو الأقرب للدليل، وهو الأظهر من حيث أصول الشريعة، وهو أنَّ الميت لا يسمع كل شيء، لا يسمع من ناداه، لا يسمع من أتاه يُخْبِرُهُ بأشياء، وأنه لا دليل على أنّه يُبَلَّغ ما يحصل لأن هذا من خصائص النبي ﷺ ، وأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك بأنه يُبَلَّغ ونحو ذلك أنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها الحجة. فينحصر إذاً سماعه فيما دل الدليل عليه، وهو أنه يسمع قرع النعال وأنَّ أهل بدر سمعوا، يعني أنَّ المشركين من صناديد قريش سمعوا النبي ﷺ ، لهذا في الرواية الثانية الصحيحة أيضاً أنه قال لما قالوا له: أتكلم أمواتاً؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم الآن» (٣) وهذه الرواية ظاهرة الدلالة بأنَّ إسْمَاعَهُمْ وتكليمهم هو نوع تبكيت وتعذيب لهم، وزيادة «الآن» زيادة صحيحة ظاهرة وبها يجتمع قول من نفى وقول من أثبت، فيكون الإثبات بالسماع فيه تخصيصٌ لهم بتلك الحال لازدياد تبكيتهم وتعذيبهم أحياء وميتين.

стр. 741

والعلماء ألَّفُوا في هذا أيضاً تواليف في الثلاث اتجاهات، يعني في القول الأول والثاني والثالث، وابن القيم ﵀ في كتاب (الرّوح) توسَّعَ في هذا على القول الثاني، توسَّعَ فيه على القول الثاني، لكنه ليس هذا القول أو غيره موافقاً لقول المشركين الذين يجيزون مناداة الميت وسؤال الميت الحاجات وطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وفي النذر والنذور أن يخاطبوه ليستغيثوا به أو يستشفعوا به. هذا غير داخل في المسألة، لكن هذه المسألة أساس يُرَوِّجُ به من دعا إلى الشرك لأنهم يعتمدون على مثل هذه الأقوال. ألّف ابن القيم كتاب الروح وبَحَثْ في هذه المسألة وتوسع فيها جداً حتى أنه ﵀ نقل منامات وحكايات في هذا المقام، هي من قبيل الشواهد على طريقته، لكن العبرة بما دلّ عليه الدليل من الكتاب والسنة ولا مُتَمَسَّكْ في كلام ابن القيم لمن زعم أنَّ الموتى يُغِيثُونْ وأنهم يسمعون ويجيبون من سألهم إلخ. بل ابن القيم ﵀ مع ما أورد فإنه ردَّ على المشركين والخرافيين وأهل البدع والضلال الذين يصفون الأموات بأوصاف الإله جلّ الله عمَّا ادَّعى المدَّعُون. وهناك من ذهب إلى المنع مطلقاً، وعدد من أهل العلم ومذهب الحنفية بالخصوص و (التواليف) طائفة من الحنفية في هذا الباب على هذا الأساس من أنَّ الأموات لا يسمعون أصلاً، فكيف يُبَلَّغُون وكيف يجيبون، والصواب اللي عليه الدليل هو التفصيل الذي مرَّ ذِكْرُهُ. سلام النبي ﷺ ، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري قاعدة مهمَّة في فحوى كلامه، وهو أنَّ الميت على القول بسماعه، وسماع النبي ﷺ بخصوصه فإنّه لا يسمع بقوة هي أكبر من قوته في الدنيا، لا يسمع البعيد لأنَّ إعطاءه قوة أكبر من قوته في الدنيا على السَّمَاع، هذا باطل ولم يدلَّ عليه أصل ولم يقل به أحد، ولهذا جاء في بعض الآثار، أو جاء في بعض الأحاديث وإن كان فيها مقال، طبعاً فيها تعليل والبحث معروف: «من سلَّمَ عَلَيَّ عند قبري أجبته أو رددت عليه، ومن سلَّمَ علي بعيداً بُلِّغتُهُ» . وهذا الصواب أنه من قول بعض السلف، يعني إستظهاراً، في أنه من سلّم قريباً أُجِيب ومن سلّم بعيداً بُلّغ، ولا يصح الحديث في ذلك. المقصود من هذا أنَّ تبليغ سلام من سَلَّمَ للنبي ﷺ يدل على أنَّهُ ليس عنده قوة تحضر في كلِّ مكان، من سَلَّمَ عليه ﷺ عند قبره فله حكم من سَلَّمَ عليه عند القبر، يَرُدْ ﵇. والآن القبر بعيد، قبر النبي ﷺ الآن بعيد، ليس قريب، وبينك وبينه أربع جدران كبيرة، فإذا تَكَلَّمَ المرء خافتاً بأدب وسَلَّمْ (السلام عليك يا رسول الله) بهدوء، فإنه لو كان ﷺ حياً في مكانه أي في غرفته، في حجرته التي دُفِنَ فيها لَمَا سمع. ولهذا ليس ثَمَّ فيه إلا التبليغ، يعني أنه يُبلَّغ، الملائكة تبلغه من سَلَّمَ عليه، لأنَّ الذي يُسَلّم بعيد ولا يَسْمَع. ذكر ابن تيمية أنه لم يَدُلَّ دليل على أنه يُعطَى قوّة غير القوة التي كانت معه في الدنيا، ولو قيل أنَّ الميت عامةً يسمع، فإنه لا يسمع من يُكَلِّمُهُ من خلف المقبرة، أو بينه وبينه عشرين متر (٢٠م) يتكلم بهدوء، أو نحو ذلك فإن هذا من وسائل الاعتقادات الباطلة أو من وسائل الشرك والخرافة. أما النبي ﷺ فحياته حياةٌ كاملة برزخية ولا شك أكمل من حياة الشهداء، على كل حال. س٢/ هل يجوز أن يقال لليهودي والنصراني يا أخ فلان؟ وما المراد بقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء:١٦١] ؟ ج/ الأخوة تختلف، فيه أُخُوَّةْ نسب، وثَمَّ أُخُوَّةْ دين، وفيه أخوة في صناعة، والأخ يُطلَقُ على المُصَاحِبْ أيضاً والقريب، فما يأتي في قصص القرآن مِنْ جَعْلِ النبي أخاً للمشركين الذين كَذَّبُوه، هذا من قبيل أُخُوَّةْ النسب لأنه منهم نسباً كما نصَّ على ذلك أهل العلم، أمَّا أُخُوَّةْ الدِّين أو أُخُوَّةْ الملة أو أُخُوَّةْ المحبة فهذه لا شك منفية وباطلة. ولهذا من قال لليهود والنصارى إخواننا ويقصد بذلك التودُّد فهذا يدخل من الموالاة المحرَّمَة، وإذا كان له للنصراني نسب أو صلة أو كان مشترك معه في صناعة أو في تجارة ويَقْصِدْ هذا الاشتراك فهذا له بابٌ آخر وفيه نوع موالاة ومُقَارَبَة والواجب تجنُبُهَا، أما أُخُوَّةْ النسب والقبيلة فهذه أمرها واسع كما في القرآن. س٣/ ما حكم الرقية على الكافر والحيوان؟

стр. 742

ج/ الرقية هي دواء وعلاج فلا يختَصُّ بها مسلم أو آدمي، فإذا رَقَى كافراً فلا بأس، إذا رقى أيضاً حيواناً فلا بأس فهي دواء وعلاج، حديث أبي سعيد الخدري المعروف «بأنهم مَرُّوا بقومٍ فاستطعموهم أو استضافوهم فلم يُضَيِّفُوهُمْ، فلُدِغَ سَيِّدُ أولئك القوم، فأتوا لهؤلاء النفر من الصحابة، فقالوا: أفيكم راق؟ قالوا: نعم ولكن لا نرقي إلا بجُعْلٍ. فجَاعَلُوهُمْ على قطيعٍ من الغنم ثم جَعَلَ يرقي بفاتحة الكتاب ويتفل ويقرأ فاتحة الكتاب ويتفل حتى برأ كأن لم يصبه شيء. فلما أتوا للنبي ﷺ قالوا، قصوا عليه القصة، فقال: «وما يدريكم أنها رقية!! اضربوا لي معكم بسهم» . فالرقية علاج وقراءة القرآن على الكافر نوع إسماعٌ له أيضاً القرآن وليست من جنس مس المصحف، والله قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ، ففيها علاج وفيها إقامة لِحُجَّةٍ من الحُجَجْ عليه ونحو ذلك.

стр. 743

وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ، مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلَالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَآءٌ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلَّالٌ وَأَرْدِيَاءُ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.

стр. 744

فإذاً طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في الحقيقة لمن أَحْسَنَ هذا الطلب وطلبه بحق وتضرّع إلى الله به، رغبةً في تحقيق هذا المراد الأعظم هو عدم رضاً عن النفس؛ لأنَّ النفس لابد أن يكون فيها نقص عن تمام الهداية للصراط المستقيم، فلا دعاء الإنسان أحوج إليه من هذا الدعاء، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، ولهذا كان من لطف الله بعباده أن جَعَلَ هذا الدعاء هو أوَّل دعاء في القرآن وأوَّل سؤال في القرآن، وهو أوَّل سؤال واجبٍ أيضاً في الصلاة، يعني أوَّل سؤال في الصلاة واجب -دعاء الاستفتاح ليس بواجب-، هو الهداية للصراط، وهذا من أعظم الأدعية لأنَّ القلب يتقلب، والإيمان يتغيّر، والإسلام يتغير في العبد وهذا كله بحكم ضعف العلم وزيادته وضعف التطبيق وزيادته. لهذا أحسَنَ العَلَّامة أبو جعفر الطحاوي ﵀ حين دعا بهذا الدعاء في خاتمة هذه الرسالة والعقيدة الطيبة، فقال (نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ) ، وهذا يُبَيِّنْ مقام هذا السؤال عند هؤلاء العلماء الربّانيين لأنهم يسألون الله الثبات على الإيمان الذي شَرَحَ في هذه العقيدة أركانها، وبَيَّنَهَا ومع ذلك هو أشد ما يكون حاجة إلى الثبات على الإيمان وإلى الخَتْمِ له في حياته به لشدة معرفته بأنَّ هذا الإيمان يُسْلَبْ سواءٌ أكان سَلْبَاً كاملاً أم سلب بعض كماله أو بعض التفاصيل فيه أو بعض أجزائه. فدعا بهذا الدعاء المتضمن الثبات على الإيمان، والذي تَضَمَّنَ أيضاً العصمة من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة. وهل مثل هذا العالم الذي عَلِمَ أحوال هذه الفرق الضالة من المُشَبِّهَة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية ومن نحا نحوهم والمرجئة والخوارج والرافضة وأشباه هؤلاء، هل من عَلِمَ هذا العلم الواسع يخشى على نفسه؟ نعم، من عَلِمْ خَشِيَ وهذا هو الواقع لأنَّ الشيطان حريص ولأن الإنسان ضعيف جداًّ. فلما كان الأمر كذلك كان واجباً على العبد وجوب وسائل أن يحرص على أمرين: ١- الأمر الأول: العلم النافع بالعقيدة الصحيحة والتوحيد بدلائله من الكتاب والسنة، وأن يكون ذلك ظاهراً في قلبه لا شُبْهَةَ عنده فيه مُسْتَحْضِرَاً له، مُرَاجِعَاً له في كل حال، حتى يسلم قلبه من أن يكون فيه فجوة يدخل منها شيطان. ٢- الأمر الثاني: لا بُدَّ من إستغاثته بالله وسؤاله لمولاه أن لا يُزيغَ قلبه بعد إذ هداه. هذه مسألة عظيمة، وسؤال جليل، وإنما يَعْرِفُ شدة الخطر من علم حَقَّ الله وما له من الأسماء والصفات وعلم أثر هذه الأسماء والصفات في ملكوت الله ، فكم تَقَلَّبْ قلب أحد وكم ضَلَّ فلان وخُذِلْ فلان، وكم ضل من إنسان وكم زاغ من قلب إلخ ... فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُثَبِّتَنَا على الإيمان وأن يختم لنا ولوالدين ولأحبابنا به، وأن يعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتَفَرِّقَة والمذاهب الرَّدِيَّة إنه سبحانه جواد كريم. والأهواء المختلفة هذه منها ما هو كفري ومنها ما هو دون ذلك. وإمام الحنفاء ابراهيم ﵇ دعا بتلك الدعوات الصالحة التي قال فيها ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كًثِراً مِنَ النَّاسْ﴾ [إبراهيم: ٣٥-٣٦] ، فَجَعَلَ الأصنام المُضلة لكثيرٍ من الناس لما يقع في القلوب منها أو من أوليائها من الشبهة، فسأل ربه أن يُجَنِّبَهُ وأن يُجَنِّبَ بنيه عبادة الأصنام. وهذا يدلّ على عظم خوف الخليل إبراهيم ﵇ من هذا الزَّيْغْ وهو الكامل وهو الخليل وهو المجْتَبَى عند ربه . ولذلك تحفظون كلمة إبراهيم التيمي، من التابعين ﵀ عند تفسير هذه الآية كما رواه ابن جرير وغيره، حين تلا هذه الآية قال (ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم) (١) . وهذا يدل على أنَّ الناصح حقاًّ لنفسه وللأُمَّةْ ولأئمة المسلمين وعامّتهم حقاً، من نصح حقاًّ، فإنه يوصيهم بالاهتمام بتوحيد الله الذي هو حقّ الله على العبيد وبتصفية القلب من أدران العقائد الفاسدة؛ لأنَّهُ بصلاح القلب وبسلامة عقيدته يُبارِكُ الله ﷻ في قليل العمل، فإنَّ في العمل القليل يُبَارَكْ ويزيد ويضاعفه الله إذا سلِمَ القلب وسلمت العقيدة فإنَّ الله يبارك، أما إذا كان العمل كثيرا والعقيدة فاسدة فإن هذا ليس بشيء.

стр. 745

ومن محاسن كلام أبي الدرداء الذي ذَكَرَهُ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه "فضل الإسلام": أنَّ أبا الدرداء ﵁ كان يقول (يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يَغْبِنُونَ سَهَرْ الحمقى وصومهم؟ ولمثقالُ ذَرَّةِ من بر مع تقوى ويقين) ، (بِرْ) يعني في الأعمال الظاهرة مع تقوى لله وخوف ويقين في اعتقاده ويقين فيما ضَمَّهُ قلبه، قال (ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين، أعظم من أمثال الجبال عبادة من المغترين) (١) . وهذا هو الواقع ومن تَأَمَّلَ الكتاب والسنة وَجَدَ ذلك صحيحاً. فنسأل الله العصمة من الأهواء المختلفة وأن لا يُزيغَ قلوبنا بعد إذ هداها. وهذه الجملة إلى آخره فيها مسائل:

стр. 746

[المسألة الأولى] : عِظَمِ شأن الدعاء ، وخاصَّة إذا ذُكِرَ في المذاهب الرَّدِيَّة وذُكِرَ الاعتقاد الحق فإنَّ الواجب على المسلم أن لا يَأمَنْ، بل الواجب عليه أن يخاف ويحذر ويعمل بأسباب الحَذَرْ، وأن يَتَقَرَّبْ إلى الله بالدعاء العظيم لأنَّ الله ﷻ يجيب من سأله ويُعْطِي من دعاه سبحانه. فهذا الأصل يدخل تحت ما مَرَّ الكلام عليه من منفعة الدعاء وإجابة الله للدعاء وقضاء الحاجات.

стр. 747

[المسألة الثانية] : ذَكَرَ هنا الثبات على الإيمان، والثبات على الإيمان نوعان: - ثباتٌ على أصله. - وثباتٌ على كماله. والعبد محتاجٌ إلى هذا وهذا، وأهل العلم بالله يسألون الله سبحانه ويُلِحُّونَ في السؤال أن يُثَبَّتُونَ على كمال الإيمان وأن يُغْفَرَ لهم ما فيهم من نقص. فقوله هنا (أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ) يعني على كماله، وكمال الاعتقاد وكمال العمل.

стр. 748

[المسألة الثالثة] : قوله هنا (وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ) ،ِ الخاتمة من أعظم وسائل النجاة إذا أَحْسَنَهَا الله . فمن حَسُنَتْ خاتمته فهو إلى الجنة إن شاء الله ومن ساءت خاتمته فهو على خطر. ولهذا جاء في الحديث الصحيح «أنَّ العبد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» (١) ، فالخاتمة هي المقصود، أن يُختَم للعبد بما يحب الله ويرضاه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن حُسْنَ الخاتمة منوطٌ بمعرفتها، يعني إحسان العبد خاتمته منوطٌ بمعرفتها، أن يعرف متى تنتهي حياته حتى يستعد. وإذا كان ذلك محالاً أن يعلم متى سيموت ومتى سينتهي فإنَّ الواجب حينئذ أن يَحْذَرَ صباح مساء وليلاً ونهاراً، أن من سوء الخاتمة. هذا هو عمل الأكياس وعمل الصالحين جعلنا الله منهم وغَفَرَ لنا ذنوبنا، أنهم يستعدون للخاتمة. الاستعداد للخاتمة من وسائل النجاة، وهما استعدادان: - استعدادٌ في صلاح القلب. - واستعدادٌ في صلاح العمل. والاستعداد في صلاح القلب هو بالعلم النافع الذي يُورِثْ في القلب العلم بالله ومعرفته وأسمائه وصفاته وبيقين في ذلك. ثم العمل الصالح، يعني يمتثل الأمر ويجتنب ما نَهَى الله عنه، أونهى عنه رسوله ﷺ وأن يستغفر من الذنوب والخطايا.

стр. 749

[المسألة الرابعة] : عَبَّرَ هنا بالعِصْمَة في قوله (وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ) والعِصْمَة كلمة لم يكن لها استعمال شائع عند السلف ولم تَأتِ بهذا المعنى في الكتاب ولا في السنة. لهذا العِصْمَة في الحقيقة تحتاج إلى تفصيل لأنها بهذا المعنى -يعني العِصْمَة من الذنوب، العِصْمَة من البدع-، فيها حق وفيها باطل. وسبب ذلك أنَّ العِصْمَة معناها أن يُعْصَمَ من الذنب، والذنْبُ قد يكون في العقيدة فيكون بدعَةً، وقد يكون في العبادة تقصيراً أو زيادةً فيكون ما بين الإثم في البِدَعْ أو في ترك الواجبات. ولهذا وجب أن تُفسَّر العِصْمَة في هذا الموضع وفي كُلُّ موضعٍ استعملها فيه أهل العلم، أن تُفَسَّرْ بالمعنى الصحيح لأنها مجملة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ يُنَزَّهْ عن جنس الذنب، وقد يكون الذنب ذنب قلب، وقد يكون الذنب ذنب عمل جوارح. والعِصْمَة تُوهَب كما قال هنا (نسأل الله العِصْمَة) لأنَّ العِصْمَة يَهَبُهَا الله . وإذا كانت معناها عدم الوُقوع في الذنوب المُخِلَّة، فهي إنّما وَهَبَهَا الله لرسوله ﷺ ، أمّا الأُمَّة فلم تُوهَبْ هذا النوع وهو أنه يُعْصَمُ مُطْلَقَاً من كل ذنب: ذنب اعتقاد ذنب قول أو ذنب عمل. وإذا كانت توهب فالعِصْمَة ليست لله ، أو يقال (الله معصومٌ عن كذا) ، أو كما قال بعضهم (العِصْمَة لله ولرسوله ﷺ . فالعِصْمَة لله مُلْكَاً، هو الذي يملكها لكنه لا يوصَفُ بها، يملكها مُلْكْ كما يَمْلِكُ سائر ما في الملكوت من أعيانٍ وغيرها، فهو الذي يُعْطِي العصمة ويهبها لمن شاء من أنبيائه. فإذا كان كذلك تَلَخَّصَ الأمر بأنَّ العِصْمَة الكاملة هي للنبي ﷺ ، وأما من عداه من الأمة فلم يُعطَ العِصْمَة الكاملة، ولا بد أن يقع في الذنب يصيبه. والذنوب كما ذكرنا قسمان: - ذنوب اعتقاد. - وذنوب عمل. @ وذنوب الاعتقاد ليست موجودةً في الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا يَصِحْ أن تقول: عَصَمَ الله الصحابةَ من الخَلَلْ في العقيدة. عَصَمَ الله السلفَ من مجانبة الحق في الاعتقاد. وهذا هو الواقع لأنهم أجمعوا على مسائل التوحيد والعقيدة، والأمة لا تجتمع على ضلالة. @ أما العمل فلم يُعْصَمُوا -يعني الذنوب لم يعصموا لهم ذنوب-، والنبي ﷺ عَلَّمَ أبا بكر أن يدعو بقوله (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي) (١) . حتى صغائر الذّنوب ربما حَصَلَتْ من النبي ﷺ مما لا يقدح في الرسالة، ولهذا قال الله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] . فإذاً مقصده هنا من الدعاء هذا (أن يَعْصِمَنَا مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ) يعني أن يَسْلُكَ الله به سبيل السلف لأنهم عُصِمُوا من أن يَسْلُكُوا الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ، والآرَاءِ المُتَفَرِّقَةِ، أو المَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ. فمعنى سؤال العِصْمَة هنا أن يلزم طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين لم تظهر فيهم هذه الأهواء والآراء والمذاهب الردية.

стр. 750

[المسألة الخامسة] : مَثَّلَ بعد ذلك بأمثلةٍ للأهواء والآراء والمذاهب فقال (مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، الخ) هذه الفئات يُطْلَقُ عليها أهواء، ويُطْلَقُ عليها فِرَقْ، ويُطْلَقُ عليها أراء، ويُطْلَقُ عليها مذاهب. فيصح أن تقول المعتزلة من الأهواء كما يستعملها السلف أو يعني أئمة السنة في القرون الأولى، وقد يقولون (الجهمية مذهبٌ رَدِي) ، أو (إياك وهذه الأهواء) (١) ،، وهو جَمَعَهَا لاستعمال الأئمة في وقته وما قبله لها. فإذاً المعتزلة أهواء، والجهمية أهواء وآراء ومذاهب. إذا تَبَيَّنَ ذلك فنفصل الكلام في معنى هذه الفِرَقْ: ١- الفرقة الأولى الْمُشَبِّهَةِ: ظهرت فرق شَبَّهَتْ الله في الصفات بخلقه سواءٌ أكانت صفات الذات أو صفات الأفعال، ويُحْكَى هذا عن طائفة كالجَوَارِبِيِّ ونحوه ويقال لهم المُجَسِّمَة كما عند مقاتل بن سليمان ونحوه. والمقصود بها تشبيه الله بخلقه، ويريدون بالتشبيه التمثيل، فيقولون: وجه الله كوجه الإنسان، كوجه ابن آدم، ويده كيده، وعيناه كعيني ابن آدم، وأصابعه كأصابعه الخ. ويقولون: إنَّ هذا مقتضى النص، مقتضى النص المشابهة، مقتضى النص المماثلة. وهؤلاء يقال لهم أيضاً المُجَسِّمَة، وقد ذكرت لكم فيما سبق أنَّ كلمة (التشبيه) فيها بحث، وأنَّ الذي جاء في النصوص هو التمثيل، فهم مُجَسِّمَة مُمَثِّلَة مُشَبِّهَة، تصح هذه الاستعمالات جميعها. وثَمَّ قسم ثاني من التشبيه لا يدخل في هذه الفئة أو الطائفة أو المذهب، وهو تشبيه المخلوق بالخالق، وأن يُجعَلْ للإنسان صفات مثل صفات الله . مثل عيسى ﵇ جَعَلُوهُ إلهًا وجعلوا له صفات، تُخْتَصُّ به كصفات الله، ومثل الذين عبدوا الأولياء والموتى، جعلوا لهم التَّصَرُّفْ في الربوبية، وجعلوا لبعضهم ربع العالم، ولبعضهم سبع العالم، ولبعضهم جزءًا من أربعين جزءًا من العالم، حتى إنَّ بعضهم أَلَّفْ في أَنَّ في بلدة كذا أربعين من الأولياء الصّالحين هم الذين بيدهم تصريف أمورها من الأموات، وثَمَّ رسائل كثيرة في ذِكْرِ هذا الأمر. وهؤلاء الذين شَبَّهُوا المخلوق بالخالق في التصرف في الربوبية، -يعني في الملك- جعلوه بتفويض الله له نعم، لكنهم جعلوا التَّصَرُّفَ له. وهم على أربع فئات: - منهم من جَعَلَهُ لواحد وهو المُسَمَّى عندهم الغوث الأكبر أو القطب الأعظم أو نحو ذلك. - ومنهم من جَعَلَ التصرف في الأرض بهذا الملكوت لأربعة من الأولياء، ويختلفون في تحديد الأربعة. - ومنهم من جعله لسبعة. - ومنهم من جعله لأربعين. والصوفية الغلاة الذين يَدَّعُونَ هذه الادعاءات الباطلة التي خالفوا بها طريقة السلف أصلاً وفرعاً وسلوكاً، واتَّبَعُوا أهل الضلال والكفر، ألَّفُوا كُتُبَاً كثيرة في هذا الباب في تَصَرُّفِ هؤلاء في الملكوت أو في أرزاق أهل الأرض أو في أحوالها. والكلام حول الفِرَقْ يطول تأخذونه من المطولات. ٢- الفئة الثانية المعتزلة: والمعتزلة هم أتباع عمر بن عبيد وواصل بن عطاء اللذيْن كانا من تلامذة الحسن البصري كما هو معلوم، ولما دَخَلُوا في البحث في مسائل الإيمان يعني الأسماء والأحكام، الإيمان والحكم على مرتكب الكبيرة والكلام على الصحابة الذين تقاتلوا، خالف عمرو بن عبيد الحسن، كذلك واصل ابن عطاء فاعْتَزَلَا حلقة الحسن البصري، فسُئِل الحسن البصري عنهم فقال هؤلاء المعتزلة، فبقي الاسم عليهم، فكثر أتْبَاعُهُمَا حتى تَقَعَّدَ مذهبهم وسُمِّيَ بمذهب المعتزلة. فبنوا ذلك بعد الانعزال وتفصيل المذهب والنقاشات وما حَصَلَ من تطوّر فيه، بنوه على أصولٍ خمسة عندهم، وهي المسماة بالأصول الخمسة عند المعتزلة وهي: - التوحيد. - والعدل. - والوعد والوعيد. - والمنزلة بين المنزلتين. - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأُلِّفَتْ فيها المؤلفات لتقعيدها في القرن الثاني الهجري. وهذه الأصول الخمسة جعلوها أُصُولَاً عقلية، دَلَّ عليها العقل، وأما الدليل النقلي أو السمع، فهو تابعٌ لها، ولهذا جعلوا دليلهم في الغيبيات ودليلهم في الأصول الخمسة، جعلوه دليلاً واحداً وهو العقل، هوالحجة والنقل مُفَصِّلٌ له أو تابِعْ أو شاهد كما يزعمون. فهذه الأصول الخمسة تَمَّ تفاصيل لهم فيها تأخذونها من مواطنها. والمعتزلة فئات وفِرَقْ مُخْتَلِفَة، فيه معتزلة البصرة وهم الأوائل، وثَمَّ معتزلة بغداد وهؤلاء هم الذين قَعَّدُوا مذهب الاعتزال وأَلَّفُوا فيه وأجابوا عن الشُبَهِ عليه. وهناك من أَلَّفَ في طبقات المعتزلة وفِرَقْ المعتزلة. والمعتزلة قد يتفقون في المسألة وقد لا يتفقون، ولذلك تجد في بعض المسائل يقال مذهب المعتزلة كذا، لكن إذا بحثت وجد فيه اختلاف، فمن أثبت يكون مصيباً ومن نفى يكون مصيباً باعتبار من نقل عنه، وباعتبار مدارس المعتزلة وفرق أهل الاعتزال.

стр. 751

فليسوا فرقة واحدة لكن في تفسير الأصول الخمسة وفي أصولها، أصول التوحيد عندهم، أصول العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الأصول يتفقون، لكن في التفاصيل يختلفون. ٣- الفرقة الثالثة: الجهمية: والجهمية يُنْسَبُونَ إلى جهم بن صفوان الترمذي وكان عالماً فقيهاً، يُنْسَبُ إلى الحنفية في الفقه، ولكنه لشدة اعتنائه بالرأي كان يُناظِرُ ويُكْثِر من المناظرة حتى ناظر طائفة من دُهْرِيَّةِ الهند، الدُّهْرِيَّةْ بضم الدال يُنْسَبُونَ إلى القول بالدهر ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٨] ، يُنْسَبُ إلى الدَّهْرِ، دُهري بضم الدال على غير [اعتياد] كما قاله المرتضى في كتاب تاج العروس وقاله غيره. المقصود ناظره قوم من الدُّهْرِيَّةْ يقال لهم السُّنَّمية في الصفات لأنهم لا يؤمنون بوجود الله أصلاً ويريد أن يقنعهم بوجود الله، فجرى منه معهم مناظرة ذكرتها لكم في مكانٍ آخر، فآل به الأمر، نتيجة المناظرة وتوابعها وما حصل -وقد ذكر أصل القصة البخاري في خلق أفعال العباد-، نتج عن ذلك أنَّهُ نفى الصّفات وعطَّلَ الرب من صفاته وآمن بالوجود المطلق. فالجهمية في مسائل العقيدة يذهبون في الصفات إلى النَّفْيِ، فينفون عن الله كلّ الصفات، ويجعلون الصفة الواحدة الموجودة هي صفة الوجود المطلق، ويقولون بِشَرْطِ الإطلاق. وفي الأسماء يثبتون الأسماء كدِلالات على الذات -أسماء أعلام- ويفسِّرُونَهَا بمخلوقاتٍ منفصلة، فيجعلون الكريم هو الذات التي حصل عنها إكرام فلان -يعني يفسرونها بالكرم الذي خلقه الله-، القوي بالقوة التي خلقها الله، العزيز بالعزّة التي خلقها الله يعني في الإنسان، في المخلوق يعني من حيث هو، ويجعلون تفسير الأسماء في القرآن وفي السنة يفسرونها بمخلوقات منفصلة؛ لأنه لا دِلَالَةَ للأسماء على صفة، لأنهم ينفون الصفات، وإنما يجعلونها دالة على علم لا تفسير لها من حيث العلمية لكن تفسيرها من حيث الصّفة بأنها مخلوقات منفصلة. لهذا قال بعض أهل العلم ينفون الأسماء والصفات، الجهمية ينفون الأسماء والصفات، وهذا صحيح باعتبار الحقيقة. وطائفة يقولون لا، لا ينكرون الأسماء باعتبار أنهم يثبتون شيئاً من الأسماء على طريقتهم لأنَّ عندهم الأسماء دلالات على ذات بدون صفة في الاسم، وإنما هو مثل ما تقول مثلاً (ماء سلسبيل) أو تقول في السيف حسام ومهند وسيف إلخ للدلالة على شيء واحد بدون صفة، أما صفة أنه يحكم فلا، أما صفة أنه صُنِعَ في الهند فلا، أما صفة أنه كذا فلا. فهم يجعلونها من جهة الدلالة على الذات واحدة ومن جهة الدلالة على الصفات أنها لا تدل على صفة. ولهذا في الآيات يفسرون الأسماء في الآيات بالمخلوقات المنفصلة، يعني أثر الصفة في المخلوق ويجعلونه مخلوقاً. أما في الإيمان فالجهمية مرجئة، وهم أشد فِرَقْ الإرجاء لأنهم قالوا يكفي في الإيمان المعرفة فقط. ففرعون عندهم مؤمن وإبليس عندهم مؤمن. ولم يكفر فرعون عندهم بعدم الإيمان وإنما بمخالفة الأمر، وإبليس لم يكفر بعدم الإيمان؛ بل بمخالفة الأمر، وهكذا، وهذا القول مشهور عنهم في أنه يَثْبُتُ الإيمان بالمعرفة. وفي القدر هم جبرية يرون أنَّ الإنسان في أفعاله هو كالريشة في مهب الريح لا اختيار له البتة، هو مُجْبَرٌ على كل شيء، وأنه يُفْعَلُ به ولا يَفْعَلُ شيئاً. وفي الغيبيات يُنْكِرُونَ كل ما لا يوافق العقل من أمور الغيب. وفي الآخرة يُنْكِرُونَ دوام الجنة والنار. يقولون الجنة لا تدوم والنار لا تدوم لأنَّ دوام الجنة والنار ظلم، فتفنى الجنة وتفنى النار معاً. بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون بفناء النار والجنة كدار نعيم وعذاب، لكن التَّلَذُّذُ والألم يبقى، فيستمر التلذذ ويستمر الألم ولا تستمر الدار. فيه أقوالٌ مختلفة نسأل الله السلامة منها ومما جَرَّ إليها. المقصود فيه مباحث ترجعون إليها في مواطنها. ٤- الفرقة الرابعة: الجبرية: والجبرية مذهبٌ منسوبٌ إلى القول بالجبر. والجبر هو أنَّ الله أجبر الإنسان المكلف على أفعاله. والجبرية قسمان: - جبرية غلاة. - وجبرية متوسطة أو غير غلاة. @ أما الجبرية الغلاة فهم الجهمية وغلاة الصوفية الذين ينفون أصل الاختيار، ويقولون أنَّ الإنسان كالريشة في مهب الريح. @ وأما الجبرية غير غلاة فهم الذين يُثبتون الجبر باطناً والاختيار ظاهراً، يقولون: هو مجبورٌ في الباطن ومختارٌ في الظاهر، هؤلاء الأشاعرة ومن نحا نحوهم. وقد مَرَّ مَعَنَا البحث في هذه المسألة وأنهم اخترعوا لفظ الكسب وجعلوه مَخْرَجَاً للعلاقة ما بين جبر الباطن واختيار الظاهر مما ابتدعوه وأحدثوه. وذكرت لكم أنَّ الكسب على ثلاثة إطلاقات: فيه كسب عند أهل السنة وكسب عند الجبرية وكسب عند القدرية ترجعون له في مكانه. ٥- الفرقة الخامسة: القدرية:

стр. 752

القدرية يُنْسَبُونَ إلى القَدَرْ لا لإثباته ولكن لنفيه، وهي نِسْبَةٌ إلى من لا يُثبت. نَسَبُوهُمْ إلى القَدَرْ لأنهم لا يُثبتونه. والذين ينفون القَدَرْ أقسام متنوعة يجمعهم أنّهم ينفون مرتبةً من مراتب القَدَرْ. وأشهر المسائل التي نُفِيَ فيها القَدَرْ مسألتان: - المسألة الأولى: العلم السابق وقد نفته طائفة. - المسألة الثانية: عموم خلق الله في الأشياء ومشيئته الشاملة لكل شيء فقد نفته طائفة. @ أما الذين نفوا العلم فهم القدرية الغلاة الذين خرجوا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وردَّ عليهم الصحابة وتبرؤوا منهم، وأخبروا بأنهم ليس لهم في الإيمان ولا في الإسلام نصيب. وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِموا وإن أنكروه كفروا) ؛ لأنهم ينكرون علم الله السابق ويقولون إن الأمر أُنُفْ يعني مُستَأنَفْ، لا يعلم الله الأشياء عندهم إلا بعد وقوعها، لا يعلم الأشياء قبل أن تقع. أعاذنا الله منهم. @ أما القدرية الذين نفوا مرتبة عموم المشيئة وعموم خلق الله للأفعال فهؤلاء طائفة كبيرة، أصَّلَ مذهبهم أهل الاعتزال: المعتزلة، حتى صار عند الكثير أنَّ المراد بالقدرية النفاة: المعتزلة. وفي الحقيقة القدرية لفظٌ يصح إطلاقه على كل من لم يؤمن بالقدر على ما جاء في الكتاب والسنة بِنَفْيٍ لشيء منه. ولهذا يدخل في القدرية من اعترض على القَدَرْ، أو على أفعال الله أو على الحكمة وقد قال فيه ابن تيمية في تائيته القدرية: وَيُدْعَى خُصُومُ الله يَوْمَ مَعَادِهِم ****** إِلى النَّارِ طُرّاً مَعْشَرَ الْقَدَرِيَةِ يعني يا معشر القدرية هَلُمُّوا إلى النار جميعاً، سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا ****** به الله أو ماروا به للشريعة فجعل نفي شيء من القَدَرْ يَدْخُلُ صاحبه في القَدَرِيَّة، وجعل أيضاً المخاصمة والمجادلة كحال المشركين، القدرية الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، هؤلاء يدخلون في القدرية لأنهم نفوا حكمة الله التي هي أساسٌ في القول بالقَدَرِ كما جاء في القرآن وسنة النبي العدنان ﷺ . ثَمَّ بحوث أخرى أيضاً تُأخذ من كتبهم. قال (وَغَيْرِهم) لأنَّ الفِرَقْ كثيرة والمذاهب الرَّدِيَّةْ والأهواء والآراء مختلفة. وليشمل أيضاً ما ظهر في زمانه وما قبله وما سيظهر أيضاً في الأزمنة الأخرى. فممن لم يذكرهم: الخوارج والشيعة الغلاة والمرجئة الغلاة قد يدخلون مع هؤلاء في شيءٍ من الأقوال. ويدخل أيضاً العقلانيون في ذلك الزمان وما بعده، ويدخل غلاة المتصوفة، ويدخل الذين ابتدعوا طرقاً بين هذا وهذا. لهذا أوصلهم النبي ﷺ إلى اثنتين وسبعين فرقة.

стр. 753

[المسألة السادسة] : في قول الطحاوي (مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ) ، قال (خَالَفُوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةِ) ، هذا مما يُؤكد لك أنَّ قصده بالثبات على الإيمان والعصمة من الأهواء هي موافقة الجماعة، وهي الجماعة الأولى جماعة الصحابة، وجماعة التابعين الذين لم يُفَرِّقُوا بين ما أنزل الله على رسوله؛ بل آمنوا به جميعاً، وحملوا المتشابه على المحكم ولم يبتدعوا ديناً لم يأذن به الله . فمخالفة السنة والجماعة: - قد تكون مخالفةً كبيرةً جداً توصِلُ صاحبها إلى الكفر والعياذ بالله كحال الجهمية ومن نحا نحوهم، والمشبهة المجسمة. - وقد تكون المخالفة أقل من ذلك فتوصِلُ صاحبها إلى ما دون الكفر. - وقد تكون بِدَعَاً مُغَلَّظَة وقد تكون بِدَعَاً خفيفة. فكل مخالفة للسنة والجماعة على النحو الذي أوضحنا في معنى السنة والجماعة في مكان سابق، هذا مذهبٌ ردي ولا شك؛ لكن صاحبه يكون ذنبه بقدر ما خالف. فمن خالف السنة والجماعة فإنه لا بد أن يكون حليفاً للضلالة، ولهذا قال بعدها (وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ) . فلا يمكن للإنسان أن يكون مخالفاً للجماعة وعلى مذهبٍ رديٍ في الاعتقاد ولا يقال إنه ضال. الله وصف المرأة إذا أخطأت أو لم تدرك تمام الحقيقة في الشهادة بأنها تَضِلْ، فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] ، لأنها لم تصل إلى الحق والصواب الواقع، فكيف بحال بهؤلاء فلا شك أنهم ضُلاَّلْ. وأرى أنَّ بعض الناس يستنكف في ذكر بعض مسائل العقائد والتوحيد أن يصف المخالف للسنة والجماعة بأنه ضال؛ بل هو ضال لأنه ضلّ الطريق، وقد يكون ضلاله كبيراً جداً وقد يكون قليلاً لكنه ضلّ السبيل لأنه خالف السنة والجماعة وحالف الضلالة كما ذكر المؤلف ﵀.

стр. 754

[المسألة السابعة] : أعلن المصنف ﵀ براءته منهم فقال (وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلاَّلٌ وأَرْدِيَاءُ) ، (ونَحْنُ مِنْهُم بَرَآءٌ أو بَرَاء) ، وهذا هو الواجب على المسلم أن يتبرأ جُمْلَةً وتفصيلا، أن يتبرأ من القول ومن المذاهب الردية ومن أصحابها. لأنَّ هذا عقيدة، لأنَّ ذلك اهتداء بهدي إبراهيم الخليل ﵇ إذ قال الله في شأنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ، يعني من المرسلين. ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ ، يعني لأقوامهم. ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤] ، فأعلن البراءة منهم ومما عَبَدُوا، يعني من العبادة ومن العابدين، أي من العبادة ومن الذين عُبِدُوا ومن العابدين. وهذا هو الواجب أنَّ المرء يتبرّأ ولا يقول أتبرأ من العمل دون صاحب العمل، فإنَّ هذا لا أصل له؛ بل نتبرّأ من العمل ومن صاحبه الذي عَمِلَ بالبدع والضلالات أو بالشركيات، فلا مكان للتفريق ما بين العمل وبين صاحب العمل. إذا كان كذلك، فهل البراءة من العمل ومن صاحبه هل هي في حكمٍ واحد؟ الجواب أنها ليست في حكمٍ واحد، البراءة من العمل -العمل الكفري الشرك في نفسه- واجبٌ، فمن لم يتبرّأ فإنه لم يُوَحِّد. فهو داخلٌ في معنى الشهادتين -يعني إذا دخلنا في الشرك-. الولاء والبراء في نفس العمل هذا داخلٌ في حقيقة التوحيد، ولاءٌ للتوحيد وبراءٌ من الشرك، ولاءٌ للتوحيد كفعل وعقيدة وبراءٌ من الشرك كفعل وعقيدة. أما موالاة أهل التوحيد والبراءة من أهل الشرك فهي واجبٌ لكن ليس تركها كفراً إلا بشروطٍ وتفاصيل. ولهذا يذكر العلماء في التوحيد وفي غيره أنَّ البراءة متلازمة. البراءة ملازمة لمعنى التّوحيد، لمعنى الشهادة لله بالوحدانية. فهكذا البراءة من أهل البدع ملازمة للسنة، فكما أنَّ البراءة من الشرك ملازمة لكلمة التوحيد. ليست ملازمة، يعني هي من معنى كلمة التوحيد، فكذلك البراءة من البدع ملازمة للسنة. فلا يُتصوَّرْ من جهة الحق أن يكون موالياً للسنة وهو ليس مُتَبَرِئاً من أهل البدع إلا إذا كان لم يفهم السنة أو أنَّ عنده هوى تفريق. فمن والى السنة فلا بد عليه أنه يتبرأ من البدعة، ومن والى أهل السنة فلا بد أن يتبرأ من أهل البدعة. لكن إذا حصل هذا التَّبَرُؤُ عقيدةً فهل يلزم منه أن يُظْهَر في كل حال؟ لا، إظهاره بحسب المصلحة الشرعية. قد يُظْهَرْ ويكون إعلان للبراءة ظاهراً في التبرؤ من الأشخاص. وقد يُؤَخّر بحسب ظهور السنة وخفائها وما يُنْظَرْ في ذلك من المصالح.

стр. 755

[المسألة الثامنة] : قال في آخرها (وَبِالله العِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ) ، وذكرنا لكم ما في العِصْمَة من البحث سابقاً وأنَّ الله لم يعطِ العِصْمَة لأحد بعد الأنبياء، الأنبياء هم المعصومون وأما سائر البشر فهم على خطر في قلوبهم وفي أعمالهم. (وَبِالله َالتَّوْفِيقُ) التوفيق هو الهداية إلى طريق الرشاد والإعانة على سلوك هذا الطريق جملةً وتفصيلاً. رحم الله أبا جعفرٍ الطحاوي رحمةً واسعة وجزاه خيرا، فكم انتفع بكتابه هذا وبعقيدته الناس. ونسأل الله أن يغفر لنا وله زلَلَنَا وخَطَأَنَا وجدنا وهزلنا. اللهم إنا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك مما لا نعلم، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا واغفر لنا ذنوبنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعلنا سالكين لسبيل السلف الصالحين، ومستمسكين بطريق السنة والجماعة. ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وأعنا على ذلك ووفقنا إليه. وكم استفدنا من هذا الكتاب من فوائد، ولا شك أنَّ طالب العلم لا يستغني عن مطالعة المختصرات ومعرفة شروحها مهما ظن أنَّ المسائل واضحة عنده، فَثَمَّ مسائل في هذا الكتاب كما ترون ما مررنا عليها لا في الواسطية ولا في لمعة الاعتقاد، ثَمَّ مسائل جديدة فيه لم تكن في غيره، فطالب العلم بتكراره لقراءة كتب العلم ولشرحها استماعاً أو أداءً فإنه ما بين معلومة يُؤَكِدُهَا ويثبتها، وما بين شيء جديد يستفيده. وفي الختام أرجوا وآمل لي ولكم أن نصبر على طريق العلم لأنه في الحقيقة من أراد نجاة نفسه فإنه لا نجاة إلا بالعلم والعمل الصالح، وأنَّ أعظم ما تكون به النجاة العلم بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة، لأنَّ هذا فيه قساءُ القلب وسلامته من الأهواء والشبهات المضلة. فأنا أوصي نفسي وإياكم بالتأكيد على ذلك ومطالعة هذه الكتب ونشر العلم بحسب ما تستطيعون، يعني المرء ينشره بحسب ما يستطيع في بيته مع زملائه، بل في أي مقام، ينشره بحسب ما يستطيع، والناس محتاجون إلى طلبة العلم أعظم حاجة. والحمد لله أن هيَّأ لكم من العلم النافع ومن سُبُلِ تحصيله وجود العلماء وسهولة الكتب ووفرة الأمن والصحة وعدم الشواغل التي تشغل الإنسان في أموره العامة، يعني في الأمن وما يُشْغِلْ القلوب والعقول ما يهيئ لنا أن نطلب العلم وأن نبذل فيه، فلا ندري ربما يأتي في وقت قد لا يتمكن الإنسان من أن يطلبه على هذا الوجه، أو أن يتعلم على هذا الوجه. لهذا احرصوا واغتنموا فراغكم قبل شغلكم، وتفقهوا قبل أن تسوّدوا. وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.

стр. 756

الأسئلة: س١/ لو أنَّ طالب العلم المستجد قرأ في هذه العقيدة وشرع فيها قبل الشروع في طلب العلم أجملت الاعتقاد العام؟ ج/ لا بأس، الواحد يحْضُر ما استطاع ويُكمل، يُكمل فيما فات. س٢/ هل من صفات الله تعالى الجَنْبْ لقوله تعالى ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ؟، وهل من صفات الله التردد لحديث «ما ترددت في شيء أنا فاعله» ؟ ج/ هذه مما اختلف فيها من أهل السنة، هل يُطْلَقُ القول بإثباتها أم لا؟ والواجب هو الإيمان بظاهر الكلام، وهل الظاهر هنا في إطلاق صفة الجنب هل هو الظاهر الصفة؟ أم الظاهر غير ذلك؟ الراجح أنَّ الظاهر غير ذلك وأنه ليس المقصود من قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أنَّ المقصود الجنب الذي هو الجنب، لأنَّ العرب تستعمل هذه الكلمة وتريد بها الجَنَاب لا الجَنْبْ يعني الجهة، إنما تقصد الجناب المعنوي. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يعني في حق الله، في ما يستحق الله . فمن أهل العلم من أثبتها لكن ليس ذلك هو ظاهر الكلام. أما صفة التردد فهي تُثْبَتُ لله على ما جاء، لكن تَرَدُّدُهُ بحق، وتردده ليس تَعَارُضَاً بين علمٍ وجهل أو بين علمٍ بالعاقبة وعدم علمٍ بالعاقبة، وإنما هو تردُّدٌ فيما فيه مصلحة العبد، هل يقبض نفس العبد أم لا يقبض نفسه، وهذا تردّدٌ فيه رحمة بالعبد، وفيه إحسان إليه ومحبة لعبده المؤمن وليس من جهة التردد المذموم الذي هو عدم الحكمة أو عدم العلم بالعواقب. يعني تردد فلان في كذا، صفة مذمومة أنه يتردّد، إذا كان تردده أنه ما يعلم، أتردد والله أفعل كذا أو أروح ولا ما أروح، لأنه إما عنده ضعف في نفسه أو أنه يجهل العاقبة، فتردد أتزوج ولا ما أتزوج، أشتري أم لا أشتري لأنه ما يدري هل فيه مصلحة له، أم ليس فيه مصلحة، هذا هو التردد الذي هو صفة نقص في من اتصف بها، ترددٌ ناتجٌ عن عدم العلم بالعاقبة، أما التردد الذي ورد في هذا الحديث هو تردد بين إرادتين لأجل محبة العبد «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدٍ مؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من ذلك» ، وهو تردد لا لأجل عدم العلم ولكن لأجل إكرام العبد المؤمن ومحبة الرب ﷻ لعبده المؤمن. فهو إذاً ترددٌ بحق وصفة كمال لا صفة نقص فيُثبَتُ على ما جاء في هذا الحديث مُقَيَّدَة لا مطلقة. س٣/ يوجد من أعلام أهل السنة قديماً وحديثاً من خالف عقيدة أهل السنة وطريقة السلف في بعض الأقوال وليس كلها فما موقفنا منها؟ ج/ ذكرت أنا عدة مرات الجواب يعني على مثل هذا، وهو أنَّ مخالفة من خالف على قسمين: ١- القسم الأول: مخالفة في الأصول، الأصول العامة ما هي؟ مثلاً الأصل في الغيبيات الإثبات، الأصل في صفات الله الإثبات وعدم تجاوز القرآن والحديث، الأصل في الإيمان هو أنه قول وعمل، وقول اللسان واعتقاد الجنان وعمل الجوارح والأركان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. في مسائل القدر، إثبات القدر على المراتب التي جاءت وأن الله خلق كل شيء بقدر وأنه خالق الأفعال إلخ. هذه الأصول العامة التي يتفق عليها، هذه الأصول التي من خالفها فهو ليس من أهل السنة، الذي خالف في أصل من الأصول ليس من أهل السنة والجماعة على التمام. ٢- القسم الثاني: أن يتفق معهم في الأصول لكن يخالف في بعض التفصيلات، يعني يؤمن بأنَّ الصفات لا نتجاوز القرآن والحديث لكن يظهر له فيه صفة أنها غير مثبتة، أنها منفية، فهذه ننظر في الصفة هل السلف متفقون عليها، أو هل الأئمة نصوا عليها واتفقوا وهذا خالف، أم أنه هو خالف ولم ينص عليها أحد من قبله، تختلف. يعني مثلاً من قال في مسألة الخلو من العرش هذه معروفة في النزول: هنا هذه المسألة من قال يخلو من العرش قول، لكنه هو موافق على أنَّ الله مستوٍ على العرش، كما يليق بجلاله وعظمته ومثبت لنزول الله ، لكن جاء بقول لم يُسبق إليه وهذا يكون مما لا يَنْفِيهِ من أهل السنة ولكن يُغَلَّطْ في هذه الجهة. مثل نفي ابن خزيمة، صورة الرب ﷻ ، يعني أنها على صورة، صورة آدم أنها على صورة الرحمان، نفي إثبات الصورة، وتفسير الصورة بشيء آخر. مثل ابن قتيبة لما نفى النزول، يعني حقيقة النزول وفسره بنزول الأمر، أو نزول الرحمة أو، هذه أغلاط لكنهم موافقون في الأصل، فانتبه إلى هذا، كذلك في الإيمان بالقدر، فمن وافق في الأصول فهو من أهل السنة فإذا غلط في التطبيق فيكون مخطئ فيه. الصفات، أن لا تُؤَوَّلْ الصفات، إذا قال: لا شك الصفات لله تُثْبَتْ على ظاهرها بلا تأويل، ويُطبِّقْ هذه في كل الصفات، جاء في صفة أوَّلْ. مثل ما فَعَلَ الشوكاني في بعض المسائل، تجد أنه يُثبت ويجيء في صفة أو صفتين يتأول، لماذا تأولها؟

стр. 757

لأنه لا يعرف حقيقةً كلام السلف فيها، أشكلت عليه، ظنَّ أن تأويلها هو الموافق لقول السلف، نَظَرْ في بعض الكتب وجد كلام بعض أهل التفسير ظنه أنه موافق لأهل السلف ولقول أهل السلف وهكذا. المقصود من هذا أنَّ موافقة الأصول بها يكون المرء من أهل السنة، إذا أخطأ في مسألة أو في مسألتين في التطبيق لا ينفي أن يكون من أهل السنة فيقال أخطأ في هذا ولا حرج، يعني لا إخراج له من ذلك، أخطأ ويُناصح ويُبَيَن له أو يُبَيَن ما في كلامه من خطأ. (١) : [[الشريط الثالث والخمسون]] : س٤/ يقول في قوله تعالى ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] ، قال هل هي هنا باعتبار الإضافة أم هي غير ما يُراد فيما نحن بصدده، يعني يقصد بحث العصمة اللي مرّ معنا؟ ? ج/هذه العصمة مقيدة، يعني العصمة من الغرق، وهي ظاهرة، لا عاصم من الغرق هذا اليوم إلا من ﵀ ، فهي غير داخلة في العصمة العامة. س٥/ أهل المذاهب الردية كالمعتزلة والأشاعرة والجبرية والقدريّة أين يوجدون في هذا الزمان؟ ج/ في كلّ مكان يوجدون، المعتزلة والأشاعرة والجبرية والقدريّة، يوجدون في كل مكان، في كل مكان، وأيضاً كتبهم في كل مكان، ربما يَدُسُّون، يعني الواحد مثلا يقرأ كتاب أو تعليق ويجد أنه أدخلوا فيه بعض هذه الكلمات. س٦/ ما حال من يقول إنَّ العلماء لا يفهمون الاقتصاد وبالتالي لا يستطيعون إيجاد واستنباط الأحكام فيه؟ ج/ العلماء لا يُشترطُ فيهم أن يفهموا كل ما يجري في العالم من أمورٍ حادثة حالة وجودها أو حصولها. يعني جاءت مسألة في العالم اقتصادية، تَفْتَرِضْ أَنَّ العالم يفهمها مباشرة؟ أصلاً حتى بعض المتخصصين لا يفهم الشيء في حقيقته بسرعة. يعني مثلاً الآن عندك مسألة البطاقات هذه: بطاقات الخصم أو بطاقات الائتمان أو أنواع البطاقات هذه الموجودة، هذه حقيقتها يجيء واحد يقول مفهومة، هو طبعاً يفهم استعمالُهُ هو لها، لكن هل يفهم حقيقة ما يجري في هذه الشركات؟ قد ما يفهم، الشركات هذه كيف تتكوّن وكيف تخصم وفعلاً ما الذي يحصل؟، وهل ما يحصل في كل بلد ما يحصل في كل بلد ما أو يحصل في كل بلد، وفعل الشركات العظمى، يعني مثلاً إذا أخذت فيزا في شركة، هي تصدر عدد أنواع من القروض إلخ، هل هي تخصم من البنك أو تخصم من البائع؟، وكيف تسدّد وهل تُجْلِسْ الأموال عندها فترة أو ما تُجْلِسْ، وصفة المشتري، هل صفته حين اشترى هل الشركة ضامنة أو هي حوالة؟؛ يعني هنا الآن تكييف المسألة، أحياناً تجيء الصورة تكون واضحة في صورة معيّنة، لكن تكييف المسألة فقهياً يُشْكِلْ، تكييف المسألة فقهياً. طبعاً العلماء يتباينون في مثل التكييف لكن شرح الصورة تُفْهَمْ الصورة. الآن النقد مثلاً، النقد، وتغطية النقد، وكيف يُغَطَّى النقد وكيف تصدر العملات، كيف يكون؟ هذا لا شك أنه يختلف. يعني مثلاً بلد اقترضت فيها، لنفرض مثلاً -مع اعتذاري للإخوة السودانيين-، لنفرض السودان اقترضت من واحد عشرة آلاف دينار سوداني قبل عشر سنين، وجاء الآن بيردها، إذا يردها الآن عشرة آلاف سوداني كيف تمثل؟ لا تمثل، لا تمثل قيمة عشرة آلاف دينار سوداني اللي كانت قبل عشر سنين، ممكن ما تمثّل ١٠% منها، الآن هل يرد العدد أو يرد ما يساوي القوة الشرائية له؟ فيُطْلَبْ أنه يُعَادَلْ هذا بهذه. هذه مسائل لها تعلق بفهم حقيقة الأمر، كيف يمشي، فيه من يقول لا يرد العدد هذا قرض، والقرض إحسان والعشرة آلاف هي العشرة آلاف. طيب لما أنا سلَّفتَهُ العشرة آلاف قبل عشر سنين، كان راتبه هو، كان راتبه خسمائة دينار والآن راتبه هو عشرين ألف دينار، كيف يعني يكون؟ يتضاعف راتبه أربعين ضعف؟ ما يكون، الآن الدينار السوداني بكم يا أخ صلاح؟ كم الدينار السوداني؟ (مجيب من الحاضرين) قبل عشر سنوات كان يساوي ٣ دولارات) ، يعني حوالي إحدى عشر ريال (والآن الدولار بمائتين) مئتين، يعني كم يطلع؟ ميتين؟ الدولار بمائتين، يعني أنا بعد مثالي كان متساهل، إذاً المسألة تحتاج إلى يعني معرفة بحركات كثيرة وأشياء. الأسهم الآن العالمية وما يدخل فيه والبورصة و، يعني فيه قضايا كثيرة لا يُشترط في العالم أن يفهمها فوراً، ويعطيك تفاصيلها فورا وإلا ما يكون عالم، ليس صحيحا، أيضاً فهمها على الدقة مشكل. والعالم لا تشترط فيه أنه متجرئ أنه دائماً يُبَيِّنْ، أحياناً يتورّع حفظاً لدينه، مو ملزم، هذا أمر الله، مو ملزم بأنه يبين للناس ما لم يصل فيه إلى اجتهادٍ واضح. إذا قال أنا والله ما وصلت فيه إلى اجتهاد واضح، هل يلزمه أن يبين ما لم يصل فيه إلى حق عنده؟ ما يلزمه، هو يكون فهم المسألة لكن أنا والله ما أتحمل ذمة الناس، تأتيه أشياء ديانية، يعني من جهة التدين تمنعه، فالأصل طبعاً في هذا هو حسن الظن بالعلماء وأنهم يفهمون، لكن يفهمون ما يُعرَض عليهم لكن يعترض الأمور أشياء قد تسبب التأخير. س٧/ متى يكون الرياء شركاً أكبر؟ ج/يكون إذا كان كرياء المنافقين يُبطن الكُفر ويُظهر الإسلام. س٨/ ما حكم قول المسلم للكافر كلمة "سيد" أو "السيد"؟ ج/ كلمة "سيد" لا يجوز أن تُطلق على كافر ولا على منافق لأنه لا سيادة لهما؛ لكن طبعاً هذه لأن دلالتها بالعربية سيادة، لكن أحياناً تكون بالإنجليزية مثلاً أو بلغة أخرى تُتَرجم بالعربية على أنها "سيد" لكن ليست ترجمتها صحيحة، يعني مثلاً كلمة "ميستر"، "ميستر" تُتَرجم سيد، وهو في الواقع ليس معناها، يعني السيادة معناها التصرف والملك الخ، لكن كلمة "ميستر" بالإنجليزي لا تعني السيادة والتصرف ونحو ذلك، هي أقرب إليها كلمة "لورد" يعني اللي هو الربوبية أو السيادة، أما كلمة "ميستر" يعني مثل ما تقول إيش؟ نعم؟ يعني المحترم أو وجيه أو، يعني كلمة تقدير. لكن تُرجمت في بعض البلاد المجاورة على أنها كلمة مجاملة، ويضعون بدلها كلمة سيد لأنها مستعملة عندهم، فإذاً إطلاقها باللغة العربية سيد، لا يصلح لكن لو قيل مثلاً "ميستر" فلان هذه لا تدخل في معنى السيادة في اللغة العربية. نكتفي بهذا القدر ونلتقي نحن وإياكم على خيرٍ وهدى، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. ******************************************** هذا ختام الشرح المبارك النافع للعقيدة الطحاوية للشيخ العلامة صالح بن عبد العزيز بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ -حفظه الله-. وقد انتهى منه يوم السبت بعد العشاء الموافق ٢٠/١١/١٤٢٠هـ. جزا الله الشيخ ومن قام بتسجيل هذا الشرح ومن قام بتفريغه، ومن قام بتنسيقه عن الموحدين خير الجزاء.