Полный текст (3 876 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
صلى الله عليه وسلم، مع أمها وتوركه، فعرض عليها رسول الله، ﷺ ، فجعلت تقول: يتيم ولا مال له، وماعست أمه أن تفعل؟ فخرج النسوة وخلفنها، فقالت حليمة لزوجها: ما ترى؟ قد خرج صواحبي وليس بمكة غلام يسترضع الا هذا الغلام اليتيم، فلو أنا أخذناه فاني أكره ان نرجع إلى بلادنا ولم نأخذ شيئاً، فقال لها زوجها خذيه عسى الله ان يجعل لنا فيه خيراً، فجاءت إلى أمه فأخذته منه فوضعته في حجرها، فأقبل عليه ثدياها حتى يقطرا لبناً، فشرب رسول الله، ﷺ ، حتى روي، وشرب أخوه ولقد كان اخوه لا ينام من الغرث، وقالت أمه: يا ظئر سلي عن ابنك فإنه سيكون له شأن، وأخبرتها ما رأت وما قيل لها فيه حين ولدته، وقالت: قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن أبا هذا الغلام الذي في حجري أبو ذؤيب، وهو زوجي، فطابت نفس حليمة وسرت بكل ما سمعت، ثم خرجت به إلى منزلها، فحدجوا أتانهم، فركبتها حليمة وحملت رسول الله، ﷺ ، بين يديها وركب الحارث شارفهم فطلعا على صواحبها بوادي السرر، وهن مرتعات وهما يتواهقان، فقلن: يا حليمة ما صنعت؟ فقالت: أخذت والله خير مولود رأيته قط وأعظمهم بركة، قال النسوة: أهو بن عبد المطلب؟ قالت: نعم! قالت: فما رحلنا من منزلنا ذلك حتى رأيت الحسد من بعض نسائنا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وذكر بعض الناس أن حليمة لما خرجت برسول الله، ﷺ ، إلى بلادها قالت آمنة بنت وهب:
أعيذه بالله ذي الجلال … من شر ما مر على الجبال
حتى أراه حامل الحلال … ويفعل العرف إلى الموالي وغيرهم من حشوة الرجال …
стр. 107
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن أصحابه قال: مكث عندهم سنتين حتى فطم، وكأنه ابن أربع سنين، فقدموا به على أمه زائرين لها، وأخبرتها حليمة خبره وما رأوا من بركته، فقالت آمنة: أرجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فوالله ليكونن له شأن! فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته في البهم قريباً من الحي، فأتاه الملكان هناك فشقا بطنه واستخرجا علقةً سوداء فطرحاها وغسلا بطنه بماء الثلج في طست من ذهب، ثم وزن بألف من أمته فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دعه، فلو وزن بأمته كلها لوزنهم! وجاء أخوه يصيح بأمه: أدركي أخي القرشي! فخرجت أمه تعدو ومعها أبوه فيجدان رسول الله، ﷺ ، منتقع اللون، فنزلت به إلى آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: أنا لا نرده الا على جذع آنفنا، ثم رجعت به أيضاً فكان عندها سنةً أو نحوها لا تدعه يذهب مكاناً بعيداً، ثم رأت غمامةً تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضاً من أمره، فقدمت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين فأضلها في الناس فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة فقال:
لاهُم أد راكبي محمدا … أده الي واصطنع عندي يدا
أنت الذي جعلته لي عضدا … لا يبعد الدهر به فيبعدا أنت الذي سميته محمدا … قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطي، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجل يقول:
رب رد الي راكبي محمدا … رده الي واصطنع عندي يدا
стр. 108
قال قلت: من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم بعث بابن بن له في طلب إبل له ولم يبعث به في حاجة إلا نجح، فما لبثنا أن جاء فضمه إليه وقال: لا أبعث بك في حاجة.
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا ابن عون عن ابن القبطية قال: كان النبي، ﷺ ، مسترضعاً في بني سعد بن بكر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم النبي، ﷺ ، لما دفعته إلى السعدية التي أرضعته قالت لها: احفظي ابني، وأخبرتها لما رأت، فمر بها اليهود، فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا فاني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أمه، قال: فقال بعضهم لبعض: أقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه! قال: فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي، قال إسحاق: وكان له أخ رضيع، قال: فجعل يقول له: أترى أنه يكون بعث؟ فقال النبي، ﷺ : أما والذي نفسي بيده لآخذن بيدك يوم القيامة ولأعرفنك؛ قال: فلما آمن بعد موت النبي، ﷺ ، جعل يجلس فيبكي ويقول: إنما أرجو أن يأخذ النبي، ﷺ ، بيدي يوم القيامة فأنجو.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا زكريا بن يحيى بن يزيد السعدي عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : أنا أعربكم أنا من قريش ولساني لسان بني سعد بن بكر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أسامة بن زيد الليثي عن شيخ من بني سعد قال: قدمت حليمة بنت عبد الله على رسول الله، ﷺ ، مكة، وقد تزوج خديجة، فتشكت جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول الله، ﷺ ، خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة
стр. 109
وبعيراً موقعاً للظعينة وأنصرفت إلى أهلها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني، أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر قال: أستأذنت امرأة على النبي، ﷺ ، قد كانت أرضعته، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي! وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه.
قال: أخبرنا إبراهيم بن شماس السمرقندي قال: أخبرنا الفضل ابن موسى السيناني عن عيسى بن فرقد عن عمر بن سعد قال: جاءت ظئر النبي إلى النبي، ﷺ ، فبسط لها رداءه وأدخل يده في ثيابها ووضعها على صدرها قال: وقضى حاجتها، قال: فجاءت إلى أبي بكر فبسط لها رداءه وقال لها: دعيني أضع يدي خارجاً من الثياب، قال: ففعل وقضى لها حاجتها، ثم جاءت إلى عمر ففعل مثل ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري وعن عبد الله بن جعفر وابن أبي سبرة وغيرهم قالوا: قدم وفد هوازن على رسول الله، ﷺ ، بالجعرانة بعدما قسم الغنائم وفي الوفد عم النبي، ﷺ ، من الرضاعة أبو ثروان، فقال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكلفك من عماتك وخالاتك وحواضنك، وقد حضناك في حجورنا وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضعاً فما رأيت مرضعاً خيراً منك، ورأيتك فطيماً فما رأيت فطيماً خيراً منك، ثم رأيتك شاباً فما رأيت شاباً خيراً منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك! فقال رسول الله، ﷺ : قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسم النبي، ﷺ ، السبي وجرت فيه السهمان، وقدم عليه أربعة عشر رجلاً من هوازن مسلمين وجاؤوا بإسلام من وراءهم من قومهم، وكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن
стр. 110
صرد فقال: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي هن يكلفنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزلا منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفهما وعائدتهما وأنت خير المكفولين، ويقال انه قال يومئذ أبو صرد: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعماتك وخالاتك وبنات عمك وبنات خالاتك وأبعدهن قريب منك، بأبي أنت وأمي! إنهن حضنك في حجورهن وأرضعنك بثديهن وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله، ﷺ ، إن أحسن الحديث أصدقه وعندي من ترون من المسلمين أفأبناؤكم ونساؤكم أحب اليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، وما كنا لنعدل بالأحساب شيئاً، فرد علينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبي، ﷺ ، أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وأسأل لكم الناس فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس؛ فلما صلى رسول الله، ﷺ ، الظهر قاموا فتكلموا بالذي قال لهم رسول الله، ﷺ ، فرد عليهم رسول الله، ﷺ ، ما كان له ولبني عبد المطلب، ورد المهاجرون ورد الأنصار، وسأل لهم قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم ورضاهم ودفع ما كان في أيديهم من السبي إلا قوماً تمسكوا بما في أيديهم فأعطاهم إبلاً عوضاً من ذلك.
стр. 111
ذكر وفاة آمنة أم رسول الله، ﷺ
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن أبيه عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهراً، فكان رسول الله، ﷺ ، يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أطم بني عدي بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة جاريةً من الأنصار على هذا الأطم وكنت مع غلمانٍ من أخوالي نطير طائراً كان يقع عليه، ونظر إلى الدار فقال: ههنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه فقالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامه؛ ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك، فرجعت به أم أيمن على البعيرين اللذين قدموا عليهما مكة، وكانت تحضنه مع أمه ثم بعد أن ماتت، فلما مر رسول الله، ﷺ ، في عمرة الحديبية بالأبواء قال: إن الله قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فأتاه رسول الله، ﷺ ، فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله، صلى
стр. 112
الله عليه وسلم، فقيل له فقال: أدركتني رحمتها فبكيت.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدي أبو غسان، أخبرنا شريك ابن عبد الله عن سماك بن حرب عن القاسم قال: أستأذن النبي، ﷺ ، في زيارة قبر أمه فأذن له فسأل المغفرة لها فأبي عليه.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة أبو عامر السوائي، أخبرنا سفيان بن سعيد الثوري عن علقمة بن مرئد عن ابن بريدة عن أبيه قال: لما فتح رسول الله، ﷺ ، مكة أتى جذم قبر فجلس اليه وجلس الناس حوله، فجعل كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكي، فأستقبله عمر، وكان من أجرإ الناس عليه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ فقال: هذا قبر أمي سألت ربي الزيارة فأذن لي وسألته الاستغفار فلم يأذن لي فذكرتها فرققت فبكيت؛ فلم ير يوماً كان أكثر باكياً من يومئذ. قال ابن سعد: وهذا غلط وليس قبرها بمكة وقبرها بالأبواء.
ذكر ضم عبد المطلب رسول الله، ﷺ ، إليه بعد وفاة أمه وذكر وفاة عبد المطلب ووصية أبي طالب برسول الله، ﷺ
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة ابن عبد الله قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جهم قال: وحدثنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وحدثنا عبد الرحمن بن
стр. 113
عبد العزيز عن أبي الحويرث قال: وحدثنا ابن أبي سبرة عن سليمان بن سحيم عن نافع بن جبير، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه اليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني انه ليؤنس ملكاً.
وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احفظ به فانا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: أسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن، وكانت تحضن رسول الله، ﷺ ، يا بركة لا تغفلي عن ابني فاني وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، وان أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبي هذه الأمة، وكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلا قال: علي بابني، فيؤتى به إليه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله، ﷺ ، وحياطته، ولما نزل بعبد المطلب الوفاة قال لبناته: أبكينني وأنا أسمع، فبكته كل واحدة منهن بشعر، فلما سمع قول أميمة، وقد أمسك لسانه، جعل يحرك رأسه أي قد صدقت وقد كنت كذلك، وهو قولها:
أعيني جودا بدمعٍ درر … على طيب الخيم والمعتصر
على ماجد الجد واري الزناد … جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذي المكرمات … وذي المجد والعز والمفتخر
وذي الحلم والفضل في النائبات … كثير المكارم جم الفخر
له فضل مجد على قومه … مبينٍ يلوح كضوء القمر
стр. 114
أتته المنايا فلم تشوه … بصرف الليالي وريب القدر قال: ومات عبد المطلب فدفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين، وسئل رسول الله، ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين؛ قالت أم أيمن: رأيت رسول الله، ﷺ ، يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: مات عبد المطلب بن هاشم قبل الفجار وهو ابن عشرين ومائة سنة.
ذكر أبي طالب وضمه رسول الله، ﷺ ، إليه وخروجه معه إلى الشأم في المرة الأولى
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عطاء عن ابن عباس قال: وحدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله، ﷺ ، إليه فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبه حباً شديداً لا يحبه ولده، وكان لا ينام الا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط، وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله، ﷺ ، شبعوا، فكان إذا أراد أن يغذيهم قال:
стр. 115
كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله، ﷺ ، فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا، فيقول أبو طالب: أنك لمبارك! وكان الصبيان يصبحون رمصاً شعثاً، ويصبح رسول الله، ﷺ ، دهيناً كحيلاً.
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا ابن عون عن ابن القبطية قال: كان أبو طالب توضع له وسادة بالبطحاء مثنيةً يتكيء عليها، فجاء النبي، ﷺ ، فبسطها ثم استلقى عليها، قال: فجاء أبو طالب فأراد أن يتكيء عليها فسأل عنها فقالوا: أخذها ابن أخيك، فقال: وحل البطحاء إن ابن أخي هذا ليحسن بنعيم.
قال: أخبرنا عثمان بن عمر بن فارس البصري، أخبرنا بن عون عن عمرو بن سعيد قال: كان أبو طالب تلقى له وسادة يقعد عليها، فجاء النبي، ﷺ ، وهو غلام، فقعد عليها، فقال أبو طالب: وإله ربيعة إن ابن أخي ليحسن بنعيم.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز: أن عبد المطلب أو أبا طالب، شك خالد، قال: لما مات عبد الله عطف على محمد، ﷺ ، قال: فكان لا يسافر سفراً إلا كان معه فيه، وإنه توجه نحو الشأم فنزل منزله فأتاه فيه راهب، فقال: إن فيكم رجلاً صالحاً، فقال: إن فينا من يقري الضيف ويفك الأسير ويفعل المعروف، أو نحواً من هذا، ثم قال: إن فيكم رجلاً صالحاً ثم قال أين أبو هذا الغلام؟ قال: فقال هاءنذا وليه، أو قيل هذا وليه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشأم إن اليهود حسد، وإني أخشاهم عليه، قال: ما أنت تقول ذاك ولكن الله يقوله، فرده، قال: اللهم إني أستودعك محمداً؟ ثم أنه مات.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن صالح وعبد الله بن
стр. 116
جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قالوا: لما بلغ رسول الله، ﷺ ، اثنتي عشرة سنة، خرج به أبو طالب إلى الشأم في العير التي خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرا، فقال لأبي طالب في النبي، ﷺ ، ما قال، وأمره أن يحتفظ به، فرده أبو طالب معه إلى مكة، وشب رسول الله، ﷺ ، مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، وما رئي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه، فلقد كان الغالب عليه بمكة الأمين، وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه ويعضده وينصره إلى أن مات.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: كان اسم أبي طالب عبد مناف، وكان له من الولد طالب بن أبي طالب، وكان أكبر ولده، وكان المشركون أخرجوه وسائر بني هاشم إلى بدر كرهاً، فخرج طالب وهو يقول:
اللهم اما يغزون طالب … في مقنبٍ من هذه المقانب
فليكن المغلوب غير الغالب … وليكن المسلوب غير السالب قال: فلما انهزموا لم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولا رجع إلى مكة ولا يدري ما حاله وليس له عقب، وعقيل بن أبي طالب ويكنى أبا يزيد، وكان بينه وبين طالب في السن عشر سنين، وكان عالماً بنسب قريش، وجعفر بن أبي طالب، وكان بينه وبين عقيل في السن عشر سنين، وهو قديم في الإسلام من مهاجرة الحبشة، وقتل يوم مؤتة شهيداً، وهو ذو الجناحين
стр. 117
يطير بهما في الجنة حيث شاء. وعلي بن أبي طالب، وكان بينه وبين جعفر في السن عشر سنين. وأم هانئ بنت أبي طالب وأسمها هند، وجمانة بنت أبي طالب، وريطة بنت أبي طالب، قال: وقال بعضهم: وأسماء بنت أبي طالب، وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قضي، وطليق بن أبي طالب، وأمه علة، وأخوه لأمه الحويرث ابن أبي ذباب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله، ﷺ ، فوجد عنده عبد الله بن أبي أمية وأبا جهل بن هشام، فقال رسول الله، ﷺ : يا عم قل: لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله؛ فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: ولم يزل رسول الله، ﷺ ، يعرضها عليه ويقول: يا عم قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله؛ ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ حتى قال آخر كلمة تلكم بها: أنا على ملة عبد المطلب، ثم مات، فقال رسول الله، ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه؛ فأستغفر له رسول الله، ﷺ ، بعد موته حتى نزلت هذه الآية: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، وحدثني محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري قال: قال أبو طالب: يا ابن أخي والله لولا رهبة أن تقول قريش دهرني الجزع فيكون سبة
стр. 118
عليك وعلى بني أبيك لفعلت الذي تقول، وأقررت عينك بها، لما أرى من شكرك ووجدك بي ونصيحتك لي.
ثم إن أبا طالب دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فاتبعوه وأعينوه ترشدوا، فقال رسول الله، ﷺ : أتأمرهم بها وتدعها لنفسك؟ فقال أبو طالب: أما لو أنك سألتني الكلمة وأنا صحيح لتابعتك على الذي تقول، ولكني أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أني أخذتها جزعاً ورددتها في صحتي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا ابن جريح وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي سعيد أو عن ابن عمر قال: نزلت: إنك لا تهدي من أحببت؛ في أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله: وهم ينهون عنه وينأون عنه؛ قال: نزلت في أبي طالب ينهى عن أذى رسول الله، ﷺ ، أن يؤذي وينأى أن يدخل في الإسلام.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن علي قال: أخبرت رسول الله، ﷺ ، بموت أبي طالب فبكى ثم قال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه! قال: ففعلت ما قال، وجعل رسول الله، ﷺ ، يستغفر له أياماً، ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل، ﵇، بهذه الآية: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى؛ قال علي: وأمرني رسول الله، ﷺ ، فاغتسلت.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو قال: لما مات أبو طالب
стр. 119
قال له رسول الله، ﷺ : رحمك الله وغفر لك لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله، قال: فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال: أتيت النبي، ﷺ ، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، يعني أباه، قال: اذهب فواره ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فأتيته فقلت له، فأمرني فأغتسلت، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني ما عرض بهن من شيء.
أخبرنا عفان بن مسلم وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قالا: أخبرنا أبو عوانة، أخبرنا عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه قد كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم وهو في ضحضاحٍ من النار ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن علي بن الحسين أخبره أن أبا طالب توفي في عهد رسول الله، ﷺ ، فلم يرثه جعفر ولا علي وورثه طالب وعقيل، وذلك بأنه لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: ما زالوا كافين عنه حتى مات أبو طالب، يعني قريشاً عن النبي ﷺ .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: يا رسول الله أترجو
стр. 120
لأبي طالب؟ قال: كل الخير أرجو من ربي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: توفي أبو طالب للنصف من شوال في السنة العاشرة من حين نبيء رسول الله، ﷺ ، وهو يومئذ ابن بضع وثمانين سنة، وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيام، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة، فأجتمعت على رسول الله، ﷺ ، مصيبتان: موت خديجة بنت خويلد، وموت أبي طالب عمه.
ذكر رعية رسول الله، ﷺ ، الغنم بمكة
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني عن هشام بن عروة عن وهب ابن كيسان عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله، ﷺ : ما من نبي إلا قد رعى الغنم؛ قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا.
قال: أخبرنا سويد بن سعيد وأحمد بن محمد الأزرقي المكي قالا: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي عن جده سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : ما بعث الله نبياً إلا راعي الغنم؛ قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله، قال: نعم، وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مروا على النبي، ﷺ ، بثمر الأراك، فقال رسول الله
стр. 121
صلى الله عليه وسلم: عليكم بما اسود منه فإني كنت أجتنبه إذ أنا راعي الغنم؛ قالوا: يا رسول الله ورعيتها؟ قال: نعم، وما من نبي إلا قد رعاها.
قال: أخبرنا عمر بن عمر بن فارس قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي، ﷺ ، نجني الكباث فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فاني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم؛ قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نعم، وما من نبيٍ إلا قد رعاها.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: كان بين أصحاب الغنم وبين أصحاب الإبل تنازع، فاستطال عليهم أصحاب الإبل، قال: فبلغنا، والله أعلم، أن النبي، ﷺ ، قال: بعث موسى، ﵇، وهو راعي غنم وبعث داود، ﵇، وهو راعي غنمٍ وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجيادٍ.
ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، حرب الفجار
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، حدثني الضحاك بن عثمان عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة قال: وأخبرنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: وحدثنا عبد الله بن يزيد الهذلي عن يعقوب بن عتبة الأخنسي قال: وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني ببعض هذا الحديث قالوا: كان سبب حرب الفجار أن النعمان بن المنذر بعث بلطيمة له إلى سوق عكاظ للتجارة وأجارها له الرحال عروة بن عتبة
стр. 122
ابن جابر بن كلاب، فنزلوا على ماء يقال له أوارة، فوثب البراض بن قيس أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان خليعاً على عروة فقتله وهرب إلى خيبر فأستخفى بها، ولقي بشر بن أبي خازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر وأمره أن يعلم ذلك عبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، ونوفل بن معاوية الديلي، وبلعاء بن قيس، فوافى عكاظاً فأخبرهم فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم، وبلغ قيساً الخبر آخر ذلك اليوم، فقال أبو براء: ما كنا من قريش إلا في خدعة، فخرجوا في آثارهم فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بني عامر يقال له الأدرم ابن شعيب بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل، وإنا لا نأتلي في جمع، وقال:
لقد وعدنا قريشاً وهي كارهة … بأن تجيء إلى ضربٍ رعابيل قال: ولم تقم تلك السنة سوق عكاظ، قال: فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش، وهم: الحارث ابن عبد مناة بن كنانة وعضل والقارة وديش والمصطلق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد مناة، سنةً يتأهبون لهذه الحرب، وتأهبت قيس عيلان، ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش عبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، وأبو أحيحة سعيد بن العاص، وعتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، ومعمر بن حبيب الجمحي، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وخرجوا متساندين، ويقال: بل أمرهم إلى عبد الله ابن جدعان، وكان في قيس أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، وسبيع بن ربيعة بن معاوية النصري، ودريد بن الصمة، ومسعود بن معتب الثقفي، وأبو عروة بن مسعود، وعوف بن أبي حارثة المري، وعباس بن رعل السلمي، فهؤلاء الرؤساء والقادة، ويقال: بل كان أمرهم جميعاً إلى أبي براء، وكانت الراية بيده وهو سوى صفوفهم، فألتقوا فكانت الدبرة
стр. 123
أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلاً ذريعاً، حتى نادى عتبة ابن ربيعة يومئذ، وإنه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة، إلى الصلح فأصطلحوا على أن عدوا القتلى وودت قريش لقيس ما قتلت فضلاً عن قتلاهم، ووضعت الحرب أوزارها، فأنصرفت قريش وقيس. قال رسول الله، ﷺ ، وذكر الفجار فقال: قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهمٍ وما أحب أني لم أكن فعلت؛ فكان يوم حضر ابن عشرين سنة، وكان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن عروة عن حكيم بن حزام قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، بالفجار وقد حضره، قال محمد بن عمر: وقالت العرب في الفجار أشعاراً كثيرة.
ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، حلف الفضول
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار، ورسول الله، ﷺ ، يومئذ ابن عشرين سنة.
قال: قال محمد بن عمر: وأخبرني غير الضحاك قال: كان الفجار في شوال وهذا الحلف في ذي القعدة، وكان أشرف حلف كان قط، وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، فأجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في
стр. 124
دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاماً فتعاقدوا وتعاهدوا بالله القائل: لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة، وفي التآسي في المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الرحمن بن أزهر عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله، ﷺ : ما أحب أن لي بحلف حضرته بدار ابن جدعان حمر النعم وأني أغدر به، هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفةً ولو دعيت به لأجبت وهو حلف الفضول. قال محمد بن عمر: ولا نعلم أحداً سبق بني هاشم بهذا الحلف.
ذكر خروج رسول الله، ﷺ ، إلى الشأم في المرة الثانية
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الربيع عن نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية قالت: لما بلغ رسول الله، ﷺ ، خمساً وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك وقد حضر خروجها إلى الشأم وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، فأرسلت إليه في ذلك وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك.
стр. 125
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثني أبو المليح عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قال أبو طالب: يا ابن أخي قد بلغني أن خديجة استأجرت فلاناً ببكرين ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته، فهل لك أن تكلمها؟ قال: ما أحببت! فخرج إليها فقال: هل لك يا خديجة أن تستأجري محمداً؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلاناً ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكار، قال: فقالت خديجة: لو سألت ذاك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لحبيب قريب؟
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الربيع عن نفيسة بنت منية قالت: قال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ميسرة وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من الشأم، فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم لا تفارقه، قال: هو نبي وهو آخر الأنبياء، ثم باع سلعته فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ فقال له: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله، ﷺ : ما حلفت بهما قط واني أمر فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة وأشتد الحر يري ملكين يظلان رسول الله، ﷺ ، من الشمس، فوعى ذلك كله ميسرة، وكان الله قد ألقى عليه المحبة من ميسرة، فكان كأنه عبد له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا فكانوا بمر الظهران قال ميسرة: يا محمد أنطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك، فإنها تعرف لك ذلك، فتقدم رسول الله، ﷺ ، حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة فيعلية لها فرأت
стр. 126
رسول الله، ﷺ ، وهو على بعيره وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله، ﷺ ، فخبرها بما ربحوا في وجههم، فسرت بذلك، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع؛ وقدم رسول الله، ﷺ ، بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ضعف ما سمت له.
ذكر تزويج رسول الله، ﷺ ، خديجة بنت خويلد
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا موسى بن شيبة عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الربيع عن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة حازمة، جلدة، شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشأم، فقلت يا محمد: ما يمنعك أن تزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ قالت قلت: علي، قال: فأنا أفعل؛ فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن أئت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها
стр. 127
فحضر ودخل رسول الله، ﷺ ، في عمومته، فزوجه أحدهم، فقال عمرو بن أسد: هذا البضع لا يقرع أنفه، وتزوجها رسول الله، ﷺ ، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم وعن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قالوا: إن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله، ﷺ ، وإن أباها مات قبل الفجار.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: زوج عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصي خديجة بنت خويلد النبي، صلى الله، عليه وسلم، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصلبه يومئذ غيره، ولم يلد عمرو بن أسد شيئاً.
قال: أخبرنا خالد بن خداش بن عجلان، أخبرنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يذكر أن أبا مجلز حدث أن خديجة قالت لأختها: أنطلقي إلى محمد فأذكريني له، أو كما قالت، وأن أختها جاءت فأجابها بما شاء الله، وأنهم تواطؤوا على أن يتزوجها رسول الله، ﷺ ، وأن أبا خديجة سقي من الخمر حتى أخذت فيه، ثم دعا محمداً فزوجه، قال: وسنت على الشيخ حلة، فلما صحا قال: ما هذه الحلة؟ قالوا: كساكها ختنك محمد، فغضب وأخذ السلاح وأخذ بنو هاشم السلاح وقالوا: ما كانت لنا فيكم رغبة، ثم إنهم أصطلحوا بعد ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر بغير هذا الإسناد أن خديجة سقت أباها الخمر حتى ثمل، ونحرت بقرة، وخلقته بخلوق، وألبسته حلة
стр. 128
حبرة، فلما صحا قال: ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت: زوجتني محمداً قال: ما فعلت! أنا أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل؟
قال: وقال محمد بن عمر: فهذا كله عندنا غلط ووهل، والثبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله، ﷺ .
ذكر أولاد رسول الله، ﷺ ، وتسميتهم
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أول من ولد لرسول الله، ﷺ ، بمكة قبل النبوة القاسم، وبه كان يكنى، ثم ولد له زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولد له في الإسلام عبد الله فسمي الطيب، والطاهر، وأمهم جميعاً خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد ابن معيص بن عامر بن لؤي، فكان أول من مات من ولده القاسم، ثم مات عبد الله بمكة، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر، فأنزل الله ﵎: إن شانئك هو الأبتر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمرو بن سلمة الهذلي بن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: مات القاسم وهو ابن سنتين.
قال: وقال محمد بن عمر: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلب تقبل خديجة في ولادها، وكانت تعق عن كل غلام بشاتين، وعن
стр. 129
الجارية بشاة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم وتعد ذلك قبل ولادها.
ذكر إبراهيم بن رسول الله، ﷺ تسليماً
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: لما رجع رسول الله، ﷺ ، من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية وكتب معه إليه كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، فلما قرأ الكتاب قال خيراً، وأخذ الكتاب، فكان مختوماً فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، وكتب إلى النبي، ﷺ ، جواب كتابه، ولم يسلم، وأهدى إلى النبي، ﷺ ، مارية القبطية وأختها سيرين وحماره يعفور وبغلته دلدل وكانت بيضاء، ولم يك في العرب يومئذ غيرها.
قال: محمد بن عمر: وأخبرني أبو سعيد رجل من أهل العلم قال: كانت مارية من حفن من كورة أنصنا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: كان رسول الله، ﷺ ، يعجب بمارية القبطية، وكانت بيضاء جعدة جميلة، فأنزلها رسول الله، ﷺ ، وأختها على أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله، ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فأسلمتا، فوطيء مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية، كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف وفي خرافة النخل، فكان يأتيها هناك
стр. 130
وكانت حسنة الدين، ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت الشاعر، فولدت له عبد الرحمن، وولدت مارية لرسول الله، ﷺ ، غلاماً فسماه إبراهيم، وعق عنه رسول الله، ﷺ ، بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي، ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاماً، فجاء أبو رافع إلى رسول الله، ﷺ ، فبشره، فوهب له عبداً، وغار نساء رسول الله، ﷺ ، واشتد عليهن حين رزق منها الولد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق ابن عبد الله عن أبي جعفر أن رسول الله، ﷺ ، حجب مارية وكانت قد ثقلت على نساء النبي، ﷺ ، وغرن عليها ولا مثل عائشة.
قال: محمد بن عمر: وولدته في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم جاء جبريل إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم!
قال: وأخبرنا محمد بن خازم أبو معاوية الضرير عن إسماعيل بن مسلم عن يونس بن عبيد عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ ، حين أصبح فقال: إنه ولد لي الليلة غلام واني سميته باسم أبي إبراهيم.
قال: أخبرنا شبابة بن سوار، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : إنه ولد لي البارحة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم.
стр. 131
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ ، لما ولدت أم إبراهيم إبراهيم: أعتق أم إبراهيم ولدها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: لما ولد إبراهيم تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله، ﷺ ، إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي ابن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول ابن عمرو بن غنم بن عدي بن النجار، فكانت ترضعه وكان يكون عند أبويه في بني النجار ويأتي رسول الله، ﷺ ، أم بردة فيقيل عندها ويؤتى بإبراهيم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثني سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني، أخبرنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم؛ قال: ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف، فأنطلق رسول الله، ﷺ ، وتبعته حتى انتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد أمتلأ البيت دخاناً فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله، ﷺ ، حتى انتهيت إلى أبي سيف، فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله، ﷺ ، فأمسك، ودعا رسول الله، ﷺ ، بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي بن علية عن أيوب عن عمرو بن سعيد عن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله، ﷺ ، كان إبراهيم مسترضعاً له في عوالي
стр. 132
المدينة، فكان يأتيه وتجيء معه، فيدخل البيت وانه ليدخن. قال: وكان ظئره قيناً فيأخذه فيقبله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله، ﷺ ، إلي فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً! فقال رسول الله، ﷺ : ألا ترين إلى بياضة ولحمه؟ فقلت: إنه من قصر عليه اللقاح أبيض وسمن.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة عن النبي، ﷺ ، مثله إلا أنه قال: قالت من سقي ألبان الضأن سمن وأبيض.
قال: قال محمد بن عمر: وكانت لرسول الله، ﷺ : قطعة غنم تروح عليه ولبن لقاح له فكان جسمه وجسم أمه مارية حسناً.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين عن مكحول قال، دخل رسول الله، ﷺ ، وهو معتمد على عبد الرحمن بن عوف وإبراهيم يجود بنفسه، فلما مات دمعت عينا رسول الله، ﷺ ، فقال له عبد الرحمن: أي رسول الله هذا الذي تنهى الناس عنه! متى يرك المسلمون تبكي يبكوا، قال: فلما شريت عنه عبرته قال: إنما هذا رحم وإن من لا يرحم لا يرحم، إنما ننهى الناس عن النياحة وأن يندب الرجل بما ليس فيه، ثم قال: لولا أنه وعد جامع وسبيل مئتاء وأن آخرنا لاحق بأولنا لوجدنا عليه وجداً غير هذا وإنا عليه لمحزونون تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وفضل رضاعه في الجنة.
стр. 133
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني والنضر بن إسماعيل أبو المغيرة قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن عبد الرحمن بن عوف قال: أخذ رسول الله، ﷺ ، بيدي فانطلق بي إلى النخل الذي فيه إبراهيم، فوضعه في حجره وهو يجود بنفسه، فذرفت عيناه، فقلت له: أتبكي يا رسول الله! أولم تنه عن البكاء؟ قال إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نعمةٍ لهو ولعب ومزامير شيطانٍ، وصوت عند مصيبةٍ خمش وجوهٍ وشق جيوبٍ ورنة شيطانٍ؛ قال: قال عبد الله بن نمير في حديبية: إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم. يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صادق وأنها سبيل مأتية وأن أخرانا ستلحق أولانا لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا وإنا بك لمحزونون تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا محمد بن رشاد عن مكحول أن رسول الله، ﷺ ، دخل على ابنه إبراهيم وهو في السوق فدمعت عيناه ومعه عبد الرحمن بن عوف، فقال: أتبكي وقد نهيت عن البكاء؟ فقال: إنما نهيت عن النياحة وأن يندب الميت بما ليس فيه وإنما هذه رحمة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: لما توفي إبراهيم ابن النبي، ﷺ ، قال: إن القلب سيحزن وإن العين ستدمع ولن نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق ويوم جامع لأشتد وجدنا عليك وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون!
قال: أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا بن لهيعة عن بكير بن عبد
стр. 134
الله بن الأشج: أن رسول الله، ﷺ ، بكى على إبراهيم ابنه، فصرخ أسامة بن زيد فنهاه النبي، ﷺ ، فقال: رأيتك تبكي، فقال رسول الله، ﷺ : البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد الطنافسي، أخبرنا الأجلح عن الحكم قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله، ﷺ : لولا أنه أجل معدود ووقت معلوم لجزعنا عليك أشد مما جزعنا، العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إن شاء الله إلا ما يرضي الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون!
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا أبان، أخبرنا قتادة أن إبراهيم ابن نبي الله، ﷺ ، توفي فقال نبي الله: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إن شاء الله إلا خيراً وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون! وقال: تمام رضاعه في الجنة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أيوب عن عمرو بن سعيد قال: لما توفي إبراهيم قال رسول الله، ﷺ : إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: قال رسول الله، ﷺ : إن له مرضعا في الجنة تستكمل له بقية رضاعه.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي ويحيى بن عباد عن شعبة قال: سمعت عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي، ﷺ ، قال رسول الله، ﷺ : أما إن له مرضعاً في الجنة.
стр. 135
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا سليمان بن المغيرة، أخبرنا ثابت، أخبرنا أنس بن مالك قال: رأيت إبراهيم وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله، ﷺ ، فدمعت عينا رسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون!
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي البصري، أخبرنا همام عن قتادة أن رسول الله، ﷺ ، صلى على ابنه إبراهيم وقال: تمام رضاعه في الجنة.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي عن إسرائيل بن يونس عن جابر عن عامر عن البراء قال: صلى رسول الله، ﷺ ، على ابنه إبراهيم ابن القبطية، ومات وهو ابن ستة عشر شهراً، وقال: ان له ظئراً تتم رضاعه في الجنة وهو صديق.
قال: أخبرنا وكيع عن سفيان عن جابر عن عامر أن النبي، ﷺ ، صلى على ابنه إبراهيم وهو ابن ستة عشر شهراً.
قال: أخبرنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر عن البراء عن النبي، ﷺ ، قال: إن له مرضعاً في الجنة تستتم بقية رضاعه، وقال: إنه صديق شهيد.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم ويحيى بن حماد وموسى بن إسماعيل التبوذكي قالوا: أخبرنا أبو عوانة، أخبرنا إسماعيل السدي قال: سألت أنس بن مالك أصلى رسول الله، ﷺ ، على ابنه إبراهيم؟ قال: لا أدري، رحمة الله على إبراهيم، لو عاش كان صديقاً نبياً.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني عن عطاء بن عجلان عن أنس ابن مالك أن النبي، ﷺ ، كبر على ابنه إبراهيم أربعاً.
стр. 136
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي، ﷺ ، صلى على ابنه إبراهيم حين مات.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا مسعر عن عدي بن ثابت أنه سمع البراء يقول: إن لابن رسول الله، ﷺ ، المتوفى لمرضعة في الجنة أو ظئرا؛ شك مسعر.
قال: أخبرنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة عن سليمان، يعني الأعمش، عن مسلم عن البراء قال: توفي إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، لستة عشر شهراً فقال النبي، ﷺ : أدفنوه في البقيع فإن له مرضعاً في الجنة. قال: وكان من جارية له قبطية.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي، حدثني محمد بن موسى قال: أخبرني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون، ثم أتبعه إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، ثم أشار بيده يخبرني أن قبر إبراهيم إذا انتهيت إلى البقيع فجزت أقصى دار عن يسارك تحت الكبا الذي خلف الدار.
قال: أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا إبراهيم بن نوفل ابن المغيرة بن سعيد الهاشمي عن رجل من آل علي أن النبي، ﷺ ، حين دفن إبراهيم قال: هل من أحد يأتي بقربة؟ فأتى رجل من الأنصار بقربة ماء، فقال: رشها على قبر إبراهيم، قال: وقبر إبراهيم قريب من الطريق، وأشار إلى قريب من دار عقيل.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: لما سوي جدثه كأن رسول الله، ﷺ ، رأى كالحجر في جانب الجدث فجعل رسول الله، ﷺ ، يسوي بإصبعه
стр. 137
ويقول: إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه فإنه مما يسلي بنفس المصاب.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن برد عن مكحول أن النبي، ﷺ ، كان على شفير قبر ابنه فرأى فرجة في اللحد، فناول الحفار مدرة وقال: إنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك قال: انكسفت الشمس وتوفي ذلك اليوم إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال رسول الله، ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، ، ولا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموهما فعليكم بالدعاء حتى ينكشفا.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فخرج رسول الله، ﷺ ، حين سمع ذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياة أحدٍ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد؛ ودمعت عيناه، فقالوا: يا رسول الله تبكي وأنت رسول الله! قال: إنما أنا بشر تدمع العين ويخشع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون! ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً
стр. 138
وقال: إن له مرضعاً في الجنة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عمر الأسلمي عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال: توفي إبراهيم وهو بن ثمانية عشر شهراً.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: لما مات إبراهيم دمعت عينا رسول الله، ﷺ ، قال المعزي: يا رسول الله أنت أحق من عرف لله حقه! فقال رسول الله، ﷺ : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق ووعد جامع وأن الآخر لاحق بالأول لوجدنا عليك يا إبراهيم أشد من وجدنا، وإنا بك لمحزونون!
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن المنذر ابن عبيد عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أمه سيرين قالت: حضرت موت إبراهيم فرأيت رسول الله، ﷺ ، كلما صحت أنا وأختي ما ينهانا، فلما مات نهانا عن الصياح، وغسله الفضل بن عباس، ورسول الله، ﷺ ، والعباس جالسان، ثم حمل فرأيت رسول الله، ﷺ ، على شفير القبر والعباس جالس إلى جنبه، ونزل في حفرته الفضل بن عباس وأسامة بن زيد، وأنا أبكي عند قبره ما ينهاني أحد، وخسفت الشمس ذلك اليوم، فقال الناس لموت إبراهيم، فقال رسول الله، ﷺ : إنها لا تخسف لموت أحدٍ ولا لحياته. ورأى رسول الله، ﷺ ، فرجة في اللبن فأمر بها أن تسد، فقيل لرسول الله، ﷺ ، فقال: أما إنها لا تضر ولا تنفع ولكن تقر عين الحي، وإن العبد إذا عمل عملاً أحب الله أن يتقنه. ومات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من
стр. 139
شهر ربيع الأول سنة عشر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: توفي إبراهيم بن رسول الله، ﷺ ، في بني مازن عند أم بردة، فقال رسول الله، ﷺ ، إن له مرضعة تتم رضاعه في الجنة، وحمل من بيت أم بردة على سرير صغير، وصلى عليه رسول الله، ﷺ ، بالبقيع، فقيل له: يا رسول الله، أين ندفنه؟ قال: عند فرطنا عثمان بن مظعونٍ وكان رسول الله، ﷺ ، قد أعطى أم بردة قطعة نخل ناقلت بها بعد مال عبد الله بن زمعة بن الأسود الأسدي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن عاصم الحكمي عن عمر بن الحكم بن ثوبان قال: أمر رسول الله، ﷺ ، بحجر فوضع عند قبره ورش على قبره الماء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يحدث عمي، يعني الزهري، قال: قال رسول الله، ﷺ : لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطي.
قال: أخبرنا الحكم بن موسى أبو صالح البزاز قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، أخبرنا ابن جابر أنه سمع مكحولاً يحدث أن رسول الله، ﷺ ، قال في ابنه إبراهيم لما مات: لو عاش ما رق له خال.
стр. 140
ذكر حضور رسول الله، ﷺ ، هدم قريش الكعبة وبناؤها
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه وعبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي غطفان عن ابن عباس قال: وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كانت الجرف مطلة على مكة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حلية وغزال من ذهب كان عليه در وجوهر، وكان موضوعاً بالأرض فأقبلت سفينة في البحر فيها روم، ورأسهم بأقوم، وكان بانياً، فجنحتها الريح إلى الشعيبة، وكانت مرفأ السفن قبل جدة، فتحطمت السفينة، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها وكلموا الرومي بأقوم فقدم معهم، وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، فأمروا بالحجارة تجمع وتنقى الضواحي منها، فبينا رسول الله، ﷺ ، ينقل معهم، وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله، ﷺ ، فلبط به ونودي: عورتك، فكان ذلك أول مانودي، فقال له أبو طالب: يا بن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابني ما أصابني إلا في تعدي؛ فما رؤيت لرسول الله، ﷺ ، عورة بعد ذلك فلما أجمعوا على هدمها قال بعضهم: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لم تقطعوا فيه رحماً، ولم تظلموا فيه أحداً، فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها، وأخذ المعول ثم قام عليها يطرح الحجارة وهو يقول: اللهم لم ترع إنما نريد الخير، فهدم
стр. 141
وهدمت معه قريش، ثم أخذوا في بنائها، وميزوا البيت، واقرعوا عليه، فوقع لعبد مناف وزهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبد الدار بن قصي ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني، ووقع لسهم وجمح وعدي وعامر بن لؤي ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود، فبنوا، فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن من البيت قالت كل قبيلة نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه، وقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول الله، ﷺ ، أول من دخل من باب بني شيبة، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول الله، ﷺ ، رداءه وبسطه في الأرض، ثم وضع الركن فيه، ثم قال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان في ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي، ثم قال رسول الله، ﷺ : ليأخذ كل رجلٍ منكم بزاوية من زوايا الثوب ثم ارفعوه جميعاً، فرفعوه ثم وضعه رسول الله، ﷺ ، بيده في موضعه ذلك، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي، ﷺ ، حجراً يشد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا، ونحاه، وناول العباس رسول الله، ﷺ ، حجراً فشد به الركن، فغضب النجدي حيث نحي، فقال النبي، ﷺ : إنه ليس يبني معنا في البيت إلا منا، قال: فقال النجدي: يا عجباً لقوم أهل شرف وعقول وسن وأموال عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له، أما والله ليفوتنهم سبقاً وليقسمن
стр. 142
بينهم حظوظاً وجدوداً! ويقال انه إبليس، فقال أبو طالب:
إن لنا أوله وآخره … في الحكم والعدل الذي لاننكره
وقد جهدنا جهده لنعمره … وقد عمرنا خيره وأكثره فإن يكن حقاً ففينا أوفره … ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزاً سقفوا البيت عليه، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا ابن جريج عن الوليد بن عطاء عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ : إن قومك أستقصروا من بنيان الكعبة ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي أريك ما تركوا منه فأراها قريباً من سبع أذرع في الحجر، قالت: وقال رسول الله، ﷺ ، في حديثه ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقياً وغربياً. أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ فقلت له: لا أدري، قال: تعززاً ألا يدخلها إلا من أرادوا؛ وكان الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتى يسقط.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو عن بيه قال: رأيت قريشاً يفتحون البيت في الجاهلية يوم الإثنين ويوم الخميس، فكان حجابه يجلسون على بابه، فيرقى الرجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله دفع فطرح، فربما عطب، وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظمون ذلك، يضعون نعالهم تحت الدرج.
стр. 143
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن خالد بن رباح عن المطلب بن عبد الله بن حنظب عن ابن مرسا مولى لقريش قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: كسا رسول الله، ﷺ ، في حجته البيت الحبرات.
ذكر نبوة رسول الله، ﷺ
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق قال: قال رجل: يا رسول الله متى كنت نبياً؟ فقال الناس: مه مه، فقال رسول الله، ﷺ : دعوه، كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمر بن عاصم الكلابي قالا: أخبرنا حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن ابن أبي الجدعاء قال قلت: يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: إذ آدم بين الروح والجسد.
قال: أخبرنا عمر بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو هلال، أخبرنا داود ابن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أن رجلاً سأل رسول الله، ﷺ : متى كنت نبياً؟ قال: بين الروح والطين من آدم.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا إسرائيل بن يونس عن جابر عن عامر قال: قال رجل للنبي، ﷺ : متى أستنبئت؟ فقال: وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق.
قال: أخبرنا الحسن بن سوار أبو العلاء الخراساني، أخبرنا ليث بن
стр. 144
سعد عن معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية صاحب رسول الله، ﷺ ، قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول: إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم من ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت؛ وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله، ﷺ ، رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها منه قصور الشأم.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، أخبرنا جوبير عن الضحاك أن النبي، ﷺ ، قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، قال وهو يرفع القواعد من البيت: ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم؛ حتى أتم الآية.
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني ربيعة بن عثمان عن عمر بن أبي أنس قال: وحدثنا إسماعيل بن عبد الملك الأنصاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر قال: قال رسول الله، ﷺ : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشر بي عيسى بن مريم.
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة الباهلي قال: قيل يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم وبشر بي عيسى بن مريم.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: وأخبرنا عمر بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو هلال عن قتادة قال: قال رسول الله، ﷺ : كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث.
стр. 145
ذكر علامات النبوة في رسول الله، ﷺ ، قبل أن يوحى إليه
حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد، وأخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: قيل لرسول الله، ﷺ : أخبرنا عن نفسك قال: نعم أنا دعوة إبراهيم وبشر بي عيسى بن مريم ورأت أمي حين وضعتني خرج منها نور أضاءت له قصور الشأم وأسترضعت في بني سعد بن بكرٍ، فبينما أنا مع أخي خلف بيوتنا نرعى بهماً أتاني رجلان عليهما ثياب بياض بطستٍ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجاً فأخذاني فشقا بطني فاستخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقةً سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج ثم قال زنه بمائةٍ من أمته، فوزنوني بهم فوزنتهم، ثم قال زنه بألفٍ من أمته، فوزنوني بهم فوزنتهم، ثم قال دعه فلو وزنته بأمته لوزنها.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن عبيدة عن أخيه قال: لما ولد رسول الله، ﷺ ، فوقع إلى الأرض وقع على يديه رافعاً رأسه إلى السماء وقبض قبضة من التراب بيده، فبلغ ذلك رجلاً من لهب فقال لصاحب له: أنجه لئن صدق الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض.
أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أاس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، كان يلعب مع الصبيان فأتاه آتٍ فأخذه فشق بطنه فاستخرج منه علقة فرمى بها وقال:
следующие страницы →