← Тараджим

Тараджим · id 9351

الطبقات الكبرى - ط دار صادر

ابن سعد

Полный текст (3 876 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إلى الشأم فأمر بخبز كثير فخبز له، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة فهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطهاة فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان، فأشبع أهل مكة، فكان ذلك أول الحيا بعد السنة التي أصابتهم فسمي بذلك هاشماً؛ وقال عبد الله بن الزبعرى في ذلك: عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف قال: وأخبرنا هشام بن محمد قال: فحدثني معروف بن الخربوذ المكي قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك: تحمل هاشم ما ضاق عنه … وأعيا أن يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقاتٍ … من أرض الشأم بالبر النفيض فأوسع أهل مكة من هشيمٍ … وشاب الخبز باللحم الغريض فظل القوم بين مكللاتٍ … من الشيزاء حائرها يفيض قال: فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان ذا مال، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها. وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشأم فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.

стр. 72

قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني علي بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أبيه: أن هاشماً وعبد شمس والمطلب ونوفل بني عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والرفادة والسقاية والندوة، ورأوا أنهم أحق به منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم، وكان الذي قام بأمرهم هاشم بن عبد مناف، فأبت بنو عبد الدار أن تسلم ذلك إليهم، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فصار مع بني عبد مناف بن قصي بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر، وصار مع بني عبد الدار بنو مخزوم وسهم وجمح وبنو عدي بن كعب، وخرجت من ذلك بنو عامر بن لؤي ومحارب ابن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين، فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً ما بل بحر صوفة. فأخرجت بنو عبد مناف ومن صار معهم جفنة مملوءة طيباً فوضعوها حول الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم، فسموا المطيبين. وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا وتحالفوا ألا يتخاذلوا ما بل بحر صوفة، فسموا الأحلاف ولعقة الدم، وتهيؤوا للقتال وعبئت كل قبيلة لقبيلة، فبينما الناس على ذلك إذ تداعوا إلى الصلح إلى أن يعطوا بني عبد مناف بن قصصي السقاية والرفادة. وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار كما كانت، ففعلوا وتحاجز الناس، فلم تزل دار الندوة في يدي بني عبد الدار حتى باعها عكرمة ابن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها معاوية دار الإمارة، فهي في أيدي الخلفاء إلى اليوم. قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: فحدثني يزيد بن عبد الملك

стр. 73

ابن المغيرة النوفلي عن أبيه قال: فأصطلحوا يومئذ أن ولي هاشم بن عبد مناف بن قصي السقاية والرفادة، وكان رجلاً موسراً، وكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال: يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم به، وحفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزوره، يأتون شعثاً غبراً من كل بلد على ضوامر كأنهن القداح، قد أزحفوا وتفلوا وقملوا وأرملوا فاقروهم وأسقوهم، فكانت قريش ترافد على ذلك، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدرهم، وكان هاشم بن عبد مناف ابن قصي يخرج في كل عام مالاً كثيراً، وكان قوم من قريش أهل يسارة يترافدون، وكان كل إنسان يرسل بمائة مثقال هرقلية، وكان هاشم يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، ثم يستقي فيها الماء من البئار التي بمكة فيشربه الحاج، وكان يطعمهم أول ما يطعم قبل التروية بيوم بمكة وبمنًى وجمع وعرفة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويجعل لهم الماء فيسقون بمنًى والماء يومئذ قليل في حياض الأدم، إلى أن يصدروا من منًى فتنقطع الضيافة ويتفرق الناس لبلادهم. قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني القاسم بن العباس اللهبني عن أبيه عن عبد الله بن نوفل بن الحارث قال: كان هاشم رجلاً شريفاً، وهو الذي أخذ الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنةً، وأما من على الطريق فألفهم على أن تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهل الطريق، فكتب له قيصر كتاباً، وكتب إلى النجاشي أن يدخل قريشاً أرضه، وكانوا تجاراً، فخرج هاشم في عير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة فنزلوا بسوق النبط فصادفوا سوقاً تقوم بها في السنة يحشدون لها، فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق فرأى امرأة

стр. 74

تأمر بما يشتري ويباع لها، فرأى امرأة حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها: أأيم هي أم ذات زوج؟ فقيل له: أيم كانت تحت أحيحة بن الجلاح فولدت له عمراً ومعبداً ثم فارقها، وكانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها فإذا كرهت رجلاً فارقته، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه فزوجته نفسها ودخل بها، وصنع طعاماً ودعا من هناك من أصحاب العير الذين كانوا معه، وكانوا أربعين رجلاً من قريش فيهم رجال من بني عبد مناف ومخزوم وسهم، ودعا من الخزرج رجالاً، وأقام بأصحابه أياماً، وعلقت سلمى بعبد المطلب فولدته وفي رأسه شيبة فسمي شيبة، وخرج هاشم في أصحابه إلى الشأم حتى بلغ غزة فاشتكى، فأقاموا عليه حتى مات فدفنوه بغزة ورجعوا بتركته إلى ولده، ويقال إن الذي رجع بتركته إلى ولده أبو رهم بن عبد العزى العامري، وعامر بن لؤي، وهو يومئذ غلام ابن عشرين سنة. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أوصى هاشم بن عبد مناف إلى أخيه المطلب بن عبد مناف، فبنوا هاشم وبنو المطلب يد واحدة إلى اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مناف يد إلى اليوم. قال: وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة: شيبة الحمد وهو عبد المطلب، وكان سيد قريش حتى هلك، ورقية بنت هاشم، ماتت وهي جارية لم تبرز، وأمها سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأخواهما لأمها عمرو ومعبد ابنا أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، وأبا صيفي ابن هاشم، واسمه عمرو وهو أكبرهم، وصيفياً، وأمهما هند بنت عمرو

стр. 75

ابن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وأخوهما لأمهما مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأسد بن هاشم، وأمه قيلة وكانت تلقب الجزور بنت عامر بن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق من خزاعة، ونضلة بن هاشم، والشفاء، ورقية، وأمهم أميمة بنت عدي ابن عبد الله بن دينار بن مالك بن سلامان بن سعد من قضاعة، وأخواهما لأمها نفيل بن عبد العزى العدوي، وعمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب ابن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، والضعيفة بنت هاشم، وخالدة بنت هاشم، وأمها أم عبد الله وهي واقدة بنت أبي عدي، ويقال عدي، وهو عامر بن عبد نهم بن زيد بن مازن بن صعصعة، وحنة بنت هاشم، وأمها عدي بنت حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم ابن قسي وهو ثقيف. قال: وكان هاشم يكنى أبا يزيد، وقال بعضهم: بل كان يكنى بابنه أسد بن هاشم، ولما توفي هاشم رثاه ولده بأشعار كثيرة، فكان مما قيل فيما أخبرنا محمد بن عمر عن رجاله، قالت خالدة بنت هاشم ترثي أباها، وهو شعر فيه ضعف: بكر النعي بخير من وطيء الحصى … ذي المكرمات وذي الفعال الفاضل بالسيد الغمر السميدع ذي النهى … ماضي العزيمة غير نكسٍ واغل زين العشيرة كلها وربيعها … في المطبقات وفي الزمان الماحل بأخي المكارم والفواضل والعلى … عمرو بن عبد مناف غير الباطل إن المهذب من لؤي كلها … بالشأم بين صفائحٍ وجنادل فأبكي عليه ما بقيت بعولةٍ … فلقد رزئت أخا ندًى وفواضل ولقد رزئت قريع فهرٍ كلها … ورئيسها في كل أمرٍ شامل

стр. 76

وقالت الشفاء بنت هاشم ترثي أباها: عين جودي بعبرةٍ وسجوم … واسفحي الدمع للجواد الكريم عين واستعبري وسحي وجمي … لأبيك المسود المعلوم هاشم الخير ذي الجلالة والمجد … وذي الباع والندى والصميم وربيعٍ للمجتدين وحرزٍ … ولزازٍ لكل أمرٍ عظيم شمريٍ نماه للعز صقر … شامخ البيت من سراة الأديم شيظميً مهذبٍ ذي فضولٍ … أريحيٍ مثل القناة وسيم غالبيٍ سميدعٍ أحوذيٍ … باسق المجد مضرحيً حليم صادق الناس في المواطن شهمٍ … ماجد الجد غير نكس ذميم ذكر عبد المطلب بن هاشم أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: كان المطلب بن عبد مناف ابن قصي أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها، وكان شريفاً في قومه مطاعاً سيداً، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته، فولي بعد هاشم السقاية والرفادة؛ وقال في ذلك: أبلغ لديك بني هاشمٍ … بما قد فعلنا ولم نؤمر أقمنا لنسقي حجيج الحرا … م إذ ترك المجد لم يؤثر نسوق الحجيج لأبياتنا … كأنهم بقر تحشر

стр. 77

قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حرام، وهو أبو حسان بن ثابت الشاعر، مكة معتمراً فلقي المطلب وكان له خليلاً، فقال له: لو رأيت بن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالاً وهيبة وشرفاً، لقد نظرت إليه وهو يناضل فتياناً من أخواله فيدخل مرماتيه جميعاً في مثل راحتي هذه ويقول كلما خسق: أنا ابن عمرو العلى، فقال المطلب: لا أمسي حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمى تدفعه إليك ولا أخواله، هم أضن به من ذلك وما عليك أن تدعه فيكون في أخواله حتى يكون هو الذي يقدم عليك إلى ما ههنا راغباً فيك، فقال المطلب: يا أبا أوس ما كنت لأدعه هناك ويترك مآثر قومه وسطته ونسبه وشرفه في قومه ما قد علمت، فخرج المطلب فورد المدينة فنزل في ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيانٍ من أخواله، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمه إليه وكساه حلة يمانية وأنشأ يقول: عرفت شيبة والنجار قد حفلت … أبناؤها حوله بالنبل تنتضل عرفت أجلاده منا وشيمته … ففاض مني عليه وابل سبل فأرسلت سلمى إلى المطلب فدعته إلى النزول عليها، فقال: شأني أخف من ذلك، ما أريد أن أحل عقدة حتى أقبض ابن أخي وألحقه ببلده وقومه، فقالت لست بمرسلته معك، وغلظت عليه، فقال المطلب: لا تفعلي فإني غير منصرف حتى أخرج به معي، ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه ونحن أهل بيتٍ شرف قومنا، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنك حيث كان، فلما رأت أنه غير مقصر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيام، وتحول إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثاً ثم احتمله وانطلقا جميعاً، فأنشأ المطلب يقول كما أنشدني هشام بن محمد عن أبيه:

стр. 78

أبلغ بني النجار ان جئتهم … أني منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوماً إذا جئتهم … هووا لقائي وأحبوا حسيسي ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطلب مكة ظهراً، فقالت قريش: هذا عبد المطلب فقال: ويحكم! إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو، فلما رأوه قالوا: ابنه لعمري! فلم يزل عبد المطلب مقيماً بمكة حتى أدرك، وخرج المطلب بن عبد مناف تاجراً إلى أرض اليمن فهلك بردمان من أرض اليمن، فولي عبد المطلب بن هاشم بعده الرفادة والسقاية، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاج ويسقيهم في حياض من أدم بمكة، فلما سقي زمزم ترك السقي في الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم، وكانت زمزم سقيا من الله، أتي في المنام مرات فأمر بحفرها ووصف له موضعها فقيل له: أحفر طيبة، قال: وما طيبة؟ فلما كان الغد أتاه فقال: أحفر برة، قال: وما برة؟ فلما كان الغد أتاه وهو نائم في مضجعه ذلك فقال: أحفر المضنونة، قال: وما المضنونة؟ أبن لي ما تقول، قال: فلما كان الغد أتاه فقال: أحفر زمزم، قال: وما زمزم، قال: لا تنزح ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم؛ قال: وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم؛ وهي شرب لك ولولدك من بعدك، قال: فغدا عبد المطلب بمعوله ومسحاته معه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فجعل عبد المطلب يحفر بالمعول ويغرف بالمسحاة في المكتل فيحمله الحارث قيلقيه خارجاً، فحفر ثلاثة أيام ثم بدا له الطوي فكبر وقال: هذا طوي إسماعيل: فعرفت قريش أنه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا: أشركنا فيه، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم

стр. 79

فاجعلوا بيننا وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هذيم، وكانت بمعان من أشراف الشأم، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطلب عشرون رجلاً من بني عبد مناف، وخرجت قريش بعشرين رجلاً من قبائلها، فلما كانوا بالفقير من طريق الشأم أو حذوة فني ماء القوم جميعاً فعطشوا فقالوا لعبد المطلب: ما ترى؟ فقال: هو الموت، فليحفر كل رجل منكم حفرة لنفسه فكلما مات رجل دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلاً واحداً فيموت ضيعةً أيسر من أن تموتوا جميعاً، فحفروا ثم قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطلب: والله ان القاءنا بأيدينا هكذا لعجز، ألا نضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فأرتحلوا، وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجر تحت خفها عين ماءٍ عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه وشربوا جميعاً، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء الرواء فقد سقانا الله، فشربوا واستقوا وقالوا: قد قضي لك علينا: الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فو الله لا نخاصمك فيها أبدا! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم. قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز: أن عبد المطلب أتي في المنام فقيل له: احتفر، فقال: أين؟ فقيل له: مكان كذا وكذا، فلم يحتفر، فأتي فقيل له: احتفر عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فأحتفر، فوجد غزالاً وسلاحاً وأظفاراً، فقال: قومه لما رأوا الغنيمة: كأنهم يريدون أن يغازوه، قال: فعند ذلك نذر لئن ولد له عشرة لينحرن أحدهم، فلما ولد له عشرة وأراد ذبح عبد الله منعته بنو زهرة وقالوا: أقرع بينه وبين كذا وكذا من الإبل، وإنه أقرع فوقعت عليه سبع مرات وعلى الإبل مرة، قال: لا أدري السبع عن أبي مجلز أم لا؟ ثم صار من أمره أن ترك ابنه

стр. 80

ونحر الإبل. ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: وكانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعية وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطلب، وكان يتأله ويعظم الظلم والفجور، فضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة، وكانا من ذهب، وعلق الأسياف على البابين يريد أن يحرز به خزانة الكعبة، وجعل المفتاح والقفل من ذهب. وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان الغزال لجرهم، فلما حفر عبد المطلب زمزم أستخرج الغزال وسيوفاً قلعية فضرب عليها بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة، فغدا عليه ثلاثة نفر من قريش فسرقوه. قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن عبد المجيد بن أبي عبس وأبي المقوم وغيرهم قالوا: وكان عبد المطلب أحسن قريش وجهاً وأمده جسماً وأحلمه حلماً وأجوده كفاً وأبعد الناس من كل موبقة تفسد الرجال، ولم يره ملك قط إلا أكرمه وشفعه، وكان سيد قريش حتى هلك، فأتاه نفر من خزاعة فقالوا: نحن قوم متجاورون في الدار، هلم فلنحالفك، فأجابهم إلى ذلك وأقبل عبد المطلب في سبعة نفر من بني عبد المطلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحاك وعمرو ابني أبي صيفي ابن هاشم ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل، فدخلوا دار الندوة فتحالفوا فيها على التناصر والمواساة وكتبوا بينهم كتاباً وعلقوه في الكعبة؛ وقال عبد المطلب في ذلك: سأوصي زبيراً إن توافقت منيتي … بإمساك ما بيني وبين بني عمرو وأن يحفظ الحلف الذي سن شيخه … ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر

стр. 81

هم حفظوا الإل القديم وحالفوا … أباك فكانوا دون قومك من فهر قال: فأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بن عبد المطلب، وأوصى الزبير إلى أبي طالب، وأوصى أبو طالب إلى العباس بن عبد المطلب. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن الأنصاري عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري عن أبيه عن جده قال: كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير، فنزل عليه مرة من المر فوجد عنده رجلاً من أهل اليمن قد أمهل له في العمر، وقد قرأ الكتب، فقال له: يا عبد المطلب! تأذن لي أن أفتش مكاناً منك؟ قال: ليس كل مكان مني آذن لك في تفتيشه، قال: إنما هو منخراك، قال: فدونك، قال: فنظر إلى يار، وهو الشعر في منخريه، فقال: أرى نبوة وأرى ملكاً، وأرى أحدهما في بني زهرة، فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمداً، ﷺ ، فجعل الله في بني عبد المطلب النبوة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك. قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدثني أبي، قال: هشام وأخبرني رجل من أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبيه قالا: كان أول من خضب بالوسمة من قريش بمكة عبد الملك بن هاشم، فكان إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير فقال له: يا عبد المطلب! هل لك أن تغير هذا البياض فتعود شاباً؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخضب بحناء، ثم علي بالوسمة، فقال له عبد المطلب: زودنا من هذا، فزوده فأكثر، فدخل مكة ليلاً ثم خرج عليهم بالغداة كأن شعره حلك الغراب، فقالت له نتيلة بنت جناب بن كليب أم

стр. 82

العباس بن عبد المطلب: يا شيبة الحمد! لو دام هذا لك كان حسناً، فقال عبد المطلب: لو دام لي هذا السواد حمدته … فكان بديلاً من شباب قد انصرم تمتعت منه والحياة قصيرة … ولا بد من موتٍ، نتيلة، أو هرم وماذا الذي يجدي على المرء خفضه … ونعمته، يوماً إذا عرشه انهدم فموت جهيز عاجل لا شوى له … أحب إلي من مقالهم حكم قال: فخضب أهل مكة بالسواد. قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أخبرني رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد وكان عالماً قالا: تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما، فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مذوداً؟ فنفره عليه، فقال حرب: إن من انتكات الزمان أن جعلناك حكماً. قال: وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: كان عبد المطلب نديماً لحرب بن أمية حتى تنافرا إلى نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب، فلما نفر نفيل عبد المطلب تفرقا، فصار حرب نديماً لعبد الله بن جدعان. قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبي مسكين قال: كان لعبد المطلب ابن هاشم ماء بالطائف يقال له ذو الهرم وكان في يدي ثقيف دهراً ثم طلبه

стр. 83

عبد المطلب منهم، فأبوا عليه، وكان صاحب أمر ثقيف جندب ابن الحارث ابن حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف، فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذري، وكان يقال له عزى سلمة، وكان بالشأم، فتنافرا على إبل سموها، فخرج عبد المطلب في نفر من قريش ومعه ابنه الحارث، ولا ولد له يومئذ غيره، وخرج جندب في نفر من ثقيف، فنفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فطلبوا إلى الثقيفين أن يسقوهم، فأبوا، ففجر الله لهم عيناً من تحت جران بعير عبد المطلب، فحمد الله، ، وعلم أن ذلك منة، فشربوا ريهم وحملوا حاجتهم، ونفد ماء الثقفيين فبعثوا إلى عبد المطلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفر عبد المطلب عليهم، فأخذ عبد المطلب الإبل فنحرها، وأخذ الهرم ورجع وقد فضله عليه وفضل قومه على قومه. ذكر نذر عبد المطلب أن ينحر ابنه قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن ابن عباس قال: الواقدي: وحدثنا أبو بكر بن أبي سبرة عن شيبة بن نصاح عن الأعرج عن محمد بن ربيعة ابن الحارث وغيرهم، قالوا: لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم، وانما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره، نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم، فلما تكاملوا عشرة، فهم: الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو لهب والغيداق والمقوم وضرار والعباس، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله به، فما أختلف عليه منهم أحد وقالوا: أوف بنذرك وأفعل ما شئت

стр. 84

فقال: ليكتب كل رجل منكم أسمه في قدحه، ففعلوا، فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن: أضرب بقداحهم، فضرب، فخرج قدح عبد الله أولها، وكان عبد المطلب يحبه، فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية، فبكى بنات عبد المطلب، وكن قياماً، وقالت إحداهن لأبيها: اعذر فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحرم، فقال للسادن: أضرب عليه بالقداح وعلى عشر من الإبل، وكانت الدية يومئذ عشراً من الإبل، فضرب، فخرج القدح على عبد الله، فجعل يزيد عشراً عشراً، كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة، فضرب بالقداح فخرج على الإبل، فكبر عبد المطلب والناس معه، وأحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله، وقدم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصفا والمروة. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سعيد بن مسلم عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نحرها عبد المطلب خلى بينها وبين كل من وردها من إنسي أو سبع أو طائر لا يذب عنها أحداً ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئاً. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الدية يومئذ عشراً من الإبل، وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل، فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل، وأقرها رسول الله، ﷺ ، على ما كانت عليه. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدثني الوليد ابن عبد الله بن جميع الزهري عن ابن لعبد الرحمن بن موهب بن رباح الأشعري حليف بني زهرة عن أبيه قال: حدثني مخرمة بن نوفل الزهري قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف تحدث، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتايعت على قريش سنون ذهبن بالأموال

стр. 85

وأشفين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلاً في المنام: يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا إبان خروجه، وبه يأتيكم الحيا والخصب، فأنظروا رجلاً من أوسطكم نسباً طوالاً عظاماً أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار جعداً سهل الخدين رقيق العرنين، فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل، فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن، ثم أرقوا رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون فانكم ستسقون، فأصبحت فقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا اليه، وخرج من كل بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي، ﷺ ، وهو غلام، فتقدم عبد المطلب وقال: لاهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك، وإماؤك وبنات إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتايعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف وأشفت على الأنفس، فأذهب عنا الجدب وائتنا بالحيا والخصب! فما برحوا حتى سألت الأودية، وبرسول الله، ﷺ ، سقوا؛ فقالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هشام بن عبد مناف: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل … دانٍ فعاشت به الأنعام والشجر مناً من الله بالميمون طائره … وخير من بشرت يوماً به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان عن أبيه قال: وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه قال: وحدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك

стр. 86

الحميري عن عطاء بن يسار قال: وحدثنا محمد بن سعيد الثقفي عن يعلى ابن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال: وحدثنا سعيد بن مسلم عن عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان النجاشي قد وجه أرياط أبا أصحم في أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه: فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى بيت الله الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقال: يحجون إلى بيت الله بمكة، قال: مم هو؟ قالوا: من حجارة، قال: وما كسوته؟ قالوا: ما يأتي من ههنا، الوصائل، قال: والمسيح لأبنين لكم خيراً منه! فبنى لهم بيتاً عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاه بالذهب والفضة، وحفه بالجوهر، وجعل له أبواباً عليها صفائح الذهب، ومسامير الذهب، وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة وجعل له حجاباً، وكان يوقد فيه بالمندلي، ويلطخ جدره بالمسك فيسود حتى يغيب الجوهر، وأمر الناس فحجوه، فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له، وكان نفيل الخثعمي يورض له ما يكره، فأمهل، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحداً يتحرك فقام فجاء بعذرةٍ فلطخ بها قبلته وجمع جيفاً فألقاها فيه، فأخبر أبرهة بذلك فغضب غضباً شديداً وقال: إنما فعلت هذا العرب غضباً لبيتهم، لأنقضنه حجراً حجراً! وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث اليه بفيله محمود، وكان فيلاً لم ير مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوة، فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس، فأصابوا إبلاً لعبد المطلب، وكان نفيل صديقاً لعبد المطلب

стр. 87

فكلمه في ابله فكلم نفيل أبرهة فقال: أيها الملك قد أتاك سيد العرب وأفضلهم وأعظمهم شرفاً يحمل على الجياد ويعطي الأموال ويطعم ما هبت الريح، فأدخله على أبرهة، فقال له: حاجتك؟ قال: ترد علي إبلي، قال: ما رأى ما بلغني عنك الا الغرور وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم هذا الذي هو شرفكم! قال عبد المطلب: أردد علي أبلي ودونك والبيت فان له رباً سيمنعه! فأمر برد إبله عليه، فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هدياً وثبها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي فقال عبد المطلب: لاهم ان المرء يمنع رحله … فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم … غدواً محالك ان كنت تاركهم وقبلتنا … فأمر ما بدا لك قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طائرٍ ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئاً إلا هشمته وإلا نفط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سيلاً أتياً فذهب بهم فألقاهم في البحر، قال: وولى أبرهة ومن بقي معه هراباً، فجعل أبرهة يسقط عضواً عضواً وأما محمود الفيل، فيل النجاشي، فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحصب، ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلاً، ونزل عبد المطلب من حراء فأقبل عليه رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا له: أنت كنت أعلم. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: ولد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اثني عشر رجلاً وست نسوة: الحارث

стр. 88

وهو أكبر ولده وبه كان يكنى ومات في حياة أبيه، وأمه صفية بنت جنيدب بن حجير بن زباب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وعبد الله أبا رسول الله، ﷺ ، والزبير، وكان شاعراً شريفاً، وإليه أوصى عبد المطلب، وأبا طالب واسمه عبد مناف، وعبد الكعبة، مات ولم يعقب، وأم حكيم، وهي البيضاء، وعاتكة، وبرة، وأميمة، وأروى، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ابن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وحمزة، وهو أسد الله وأسد رسوله شهد بدراً وأستشهد يوم أحد، والمقوم، وحجلاً واسمه المغيرة، وصفية، وأمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وأمها العيلة بنت المطلب بن عبد مناف بن قصي، والعباس، وكان شريفاً عاقلاً مهيباً، وضراراً، وكان من فتيان قريش جمالاً وسخاءً، ومات أيام أوحى الله إلى النبي، ﷺ ، ولا عقب له، وقثم بن عبد المطلب لا عقب له، وأمهم نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر، وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأبا لهب بن عبد المطلب واسمه عبد العزى ويكنى أبا عتبة، كناه عبد المطلب أبا لهب لحسنه وجماله، وكان جواداً، وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وأمها هند بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وأمها السوداء بنت زهرة بن كلاب، والغيداق بن عبد المطلب، واسمه مصعب، وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل بن سويد بن أسعد ابن مشنوء بن عبد بن حبتر بن عدي بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وأخوه لأمه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة أبو عبد الرحمن ابن عوف.

стр. 89

قال الكلبي: فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم، شم العرانين، تشرب أنوفهم قبل شفاههم، وقال فيهم قرة بن حجل بن عبد المطلب: اعدد ضراراً إن عددت فتى ندًى … والليث حمزة واعدد العباسا واعدد زبيراً والمقوم بعده … والصنم حجلاً والفتى الرأآسا وأبا عتيبة فاعددنه ثامناً … والقرم عبد مناف والجساسا والقرم غيداقاً تعد جحاجحاً … سادوا على رغم العدو الناسا والحارث الفياض ولى ماجداً … أيام نازعه الهمام الكاسا ما في الأنام عمومة كعمومتي … خيراً ولا كأناسنا أناسا قال: فالعقب من بني عبد المطلب للعباس، وأبي طالب، والحارث، وأبي لهب، وقد كان لحمزة، والمقوم، والزبير، وحجل بني عبد المطلب أولاد لأصلابهم فهلكوا والباقون لم يعقبوا، وكان العدد من بني هاشم في بني الحارث ثم تحول إلى بني أبي طالب ثم صار في بني العباس. ذكر تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني عبد الله ابن جعفر الزهري عن عمته أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: وحدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قالا: كانت آمنة بنت وهب

стр. 90

ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في حجر عمها وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بابنه عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله، ﷺ ، فخطب عليه آمنة بنت وهب فزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وخطب إليه عبد المطلب ابن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه فزوجه إياها، فكان تزوج عبد المطلب بن هاشم وتزوج عبد الله بن عبد المطلب في مجلس واحد، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطلب حمزة بن عبد المطلب، فكان حمزة عم رسول الله، ﷺ ، في النسب وأخاه من الرضاعة. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن أبي الفياض الخثعمي قالا: لما تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثاً، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها. ذكر المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب وقد أختلف علينا فيها، فمنهم من يقول: كانت قتيلة بنت نوفل ابن أسد بن عبد العزى بن قصي أخت ورقة بن نوفل، ومنهم من يقول: كانت فاطمة بنت مر الخثعمية. قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني محمد ابن عبد الله بن أخي الزهري عن عروة قال: وحدثنا عبيد الله ابن محمد بن صفوان عن أبيه، وحدثنا إسحاق بن عبيد الله عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، قالوا جميعاً، هي قتيلة بنت نوفل أخت ورقة ابن نوفل، وكانت تنظر وتعتاف، فمر بها عبد الله بن عبد المطلب فدعته

стр. 91

يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه، فأبى وقال: حتى آتيك، وخرج سريعاً حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها، فحملت برسول الله، ﷺ ، ثم رجع عبد الله بن عبد المطلب إلى المرأة فوجدها تنظره، فقال: هل لك في الذي عرضت علي؟ فقالت: لا، مررت وفي وجهك نور ساطع ثم رجعت وليس فيه ذلك النور. وقال بعضهم: قالت مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ورجعت وليس هي في وجهك. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أن المرأة التي عرضت على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت امرأة من بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل. قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي الفياض الخثعمي قال: مر عبد الله بن عبد المطلب بامرأة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر، وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت: يافتى من أنت؟ فأخبرها، قالت: هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال: أما الحرام فالممات دونه … والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه؟ … ثم مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخراً كما رآه منها أولاً، فقال: هل لك فيما قلت لي؟ قالت: قد كان ذاك مرة فاليوم لا، فذهبت مثلاً؛ وقالت أي شيء صنعت بعدي؟ قال: وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب، قالت: اني والله لست بصاحبة ريبة، ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في وأبى الله إلا أن

стр. 92

يجعله حيث جعله، وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب وتأبيه عليها، فذكروا ذلك لها، فأنشأت تقول: إني رأيت مخيلةً عرضت … فتلألأت بحناتم القطر فلمائها نور يضيء له … ما حوله كاضاءة الفجر ورأيته شرفاً أبوء به … ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت … ثوبيك ما استلبت وما تدري وقالت أيضا: بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه … فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من تلاده … بحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمراً فإنه … سيكفيكه جدان يصطرعان سيكفيكه إما يد مقفعلة … وإما يد مبسوطة ببنان ولما قضت منه أمينة ما قضت … نبا بصري عنه وكل لساني قال: وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم، أخبرنا أبي قال: سمعت أبا يزيد المدني قال: نبئت أن عبد الله أبا رسول الله، ﷺ ، أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نوراً ساطعاً إلى السماء فقالت: هل لك في؟ قال: نعم حتى أرمي الجمرة، فأنطلق فرمى الجمرة، ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب، ثم ذكر، يعني الخثعمية، فأتاها، فقالت: هل أتيت امرأة بعدي؟ قال: نعم أمرأتي آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لي فيك، إنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء فلما وقعت عليها ذهب، فأخبرها أنها قد حملت خير أهل الأرض.

стр. 93

ذكر حمل آمنة برسول الله، ﷺ كثيراً قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني علي بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أبيه عن عمته قالت: كنا نسمع أن رسول الله، ﷺ ، لما حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت له ثقلةً كما تجد النساء، إلا أني قد أنكرت رفع حيضي وربما كانت ترفعني وتعود، وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول ما أدري، فقال: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها، وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنا ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: قولي أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد، قالت: فكنت أقول ذلك، فذكرت ذلك لنسائي، فقلن لي: تعلقي حديداً في عضديك وفي عنقك، قالت: ففعلت، قالت: فلم يكن ترك علي الا أياماً فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه. قال: وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقةً حتى وضعته. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله قال: قالت أم النبي، ﷺ ، قد حملت الأولاد فما حملت سخلة أثقل منه، قال: قال محمد بن عمر الأسلمي: وهذا مما لا يعرف عندنا ولا عند أهل العلم، لم تلد آمنة بنت وهب ولا عبد الله بن عبد المطلب غير رسول الله، ﷺ . قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني قيس مولى عبد الواحد عن سالم عن أبي جعفر محمد بن علي قال: أمرت آمنة وهي حامل برسول

стр. 94

الله، ﷺ ، أن تسميه أحمد. ذكر وفاة عبد الله بن عبد المطلب قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب قال: وحدثنا سعيد بن أبي زيد عن أيوب ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالا: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشأم إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أنا أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضاً شهراً، ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن عبد الله فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار، في الدار التي إذا دخلتها فالدويرة عن يسارك، وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عليه، وما ولوا من أمره، وأنهم قبروه، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجداً شديداً؛ ورسول الله، ﷺ ، يومئد حمل، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة. قال محمد بن عمر الواقدي: هذا هو أثبت الأقاويل والرواية في وفاة عبد الله بن عبد المطلب وسنة عندنا. قال: وأخبرنا محمد بن عمر، حدثني معمر عن الزهري قال: بعث عبد المطلب عبد الله إلى المدينة يمتار له تمراً فمات، قال محمد بن عمر: والأول أثبت.

стр. 95

قال أبو عبد الله محمد بن سعد: وقد روي لنا في وفاته وجه آخر، قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن عوانة بن الحكم قالا: توفي عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله، ﷺ ، ثمانية وعشرون شهراً، ويقال سبعة أشهر. قال محمد بن سعد: والأول أثبت أنه توفي ورسول الله، ﷺ ، حمل. قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: ترك عبد الله بن عبد المطلب أم أيمن وخمسة أجمال أوارك، يعني تأكل الأراك، وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله، ﷺ ، فكانت أم أيمن تحضنه وأسمها بركة؛ وقالت آمنة بنت وهب ترثي زوجها عبد الله بن عبد المطلب: عفا جانب البطحاء من بن هاشم … وجاور لحداً خارجاً في الغماغم دعته المنايا دعوةً فأجابها … وما تركت في الناس مثل بن هاشم عشية راحوا يحملون سريره … تعاوره أصحابه في التزاحم فان يك غالته المنايا وريبها … فقد كان معطاءً كثير التراحم ذكر مولد رسول الله، ﷺ قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني أبو بكر ابن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ولد رسول الله، ﷺ ، يوم الإثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكان قدوم أصحاب الفيل

стр. 96

قبل ذلك للنصف من المحرم، فبين الفيل وبين مولد رسول الله، ﷺ ، خمس وخمسون ليلة. قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: كان أبو معشر نجيح المدني يقول: ولد رسول الله، ﷺ ، يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. قال: أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال: ولد نبيكم يوم الإثنين. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء قال: وحدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن ابن عباس قال: وحدثنا موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وحدثنا محمد بن صالح عن عمران بن مناح قال: وحدثنا قيس بن الربيع عن ابن إسحاق عن سعيد بن جبير قال: وحدثنا عبد الله ابن عامر الأسلمي عن ابنة أبي تجراة قال: وحدثني حكيم بن محمد عن أبيه عن قيس بن مخرمة، قالوا جميعاً: ولد رسول الله، ﷺ عام الفيل. قال: أخبرنا يحيى بن معين، أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا يونس ابن أبي سحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ولد رسول الله، ﷺ ، يوم الفيل، يعني عام الفيل. قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري قال: وحدثنا موسى بن عبيدة عن أخيه ومحمد بن كعب القرظي قال: وحدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عمته أم بكر بنت المسور عن أبيها قال: وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم المدني وزياد بن حشرج عن أبي وجزة قال: وحدثنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:

стр. 97

وحدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به، تعني رسول الله، ﷺ ، فما وجدت له مشقةً حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض معتمداً على يديه ثم أخذ قبضة من تراب فقضبها ورفع رأسه إلى السماء، وقال بعضهم: وقع جاثياً على ركبتيه رافعاً رأسه إلى السماء وخرج معه نور أضاءت له قصور الشأم وأسواقها، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى. قال: وأخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم النبي، ﷺ ، قالت: لما ولدته خرج مني نور أضاء له قصور الشأم، فولدته نظيفاً، ولدته كما يولد السخل ما به قذر، ووقع إلى الأرض وهو جالس على الأرض بيده. قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثنا ابن عون عن ابن القبطية في مولد النبي، ﷺ ، قال: قالت أمه رأيت كأن شهاباً خرج مني أضاءت له الأرض. قال: وأخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة: أن رسول الله، ﷺ ، لما ولدته أمه وضعته تحت برمة فانفلقت عنه، قالت: فنظرت إليه فإذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن ثور بن يزيد عن أبي العجفاء عن النبي، ﷺ ، قال: رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى. قال: أخبرنا سعد بن منصور، أخبرنا فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، ﷺ ، رأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشأم.

стр. 98

قال: أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية: أن النبي، ﷺ ، لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصاً بصره إلى السماء. قال: أخبرنا يونس بن عطاء المكي، أخبرنا الحكم بن أبان العدني، أخبرنا عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبي، ﷺ ، مختوناً مسروراً قال: وأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده، وقال: ليكونن لابني هذا شأن، فكان له شأن. قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني علي ابن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أبيه عن عمته قالت: ولما ولدت آمنة بنت وهب رسول الله، ﷺ ، أرسلت إلى عبد المطلب، فجاءه البشير وهو جالس في الحجر معه ولده ورجال من قومه، فأخبره أن آمنة ولدت غلاماً، فسر ذلك عبد المطلب وقام هو ومن كان معه فدخل عليها، فأخبرته بكل ما رأت وما قيل لها وما أمرت به، قال: فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه. قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: وأخبرت أن عبد المطلب قال يومئذ: الحمد لله الذي أعطاني … هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان … أعيذه بالله ذي الأركان حتى أراه بالغ البنيان … أعيذه من شر ذي شنآن من حاسدٍ مضطرب العنان …

стр. 99

ذكر أسماء رسول الله، ﷺ ، وكنيته قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني عن موسى بن يعقوب الزمعي عن سهل مولى عثيمة أنه كان نصرانياً من أهل مريس، وكان يقرأ الإنجيل، فذكر أن صفة النبي، ﷺ ، في الإنجيل، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد. قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني قيس مولى عبد الواحد عن سالم عن أبي جعفر محمد بن علي قال: أمرت آمنة وهي حامل برسول الله، ﷺ ، أن تسميه أحمد. قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، واسمه عبد الملك بن عمرو، أخبرنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي يعني ابن الحنفية: أنه سمع علي بن أبي طالب، ﵇، يقول قال: رسول الله، ﷺ ، سميت أحمد. قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن جعفر بن أبي وحشية عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: أنا محمد وأحمد والحاشر والماحي والخاتم والعاقب. قال: وأخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم ابن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول في سكة من سكك المدينة، أنا محمد وأحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة. قال: أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي، والفضل بن دكين أبو نعيم، وكثير بن هشام، وهاشم بن القاسم الكناني، قالوا: حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال: سمى لنا رسول

стр. 100

الله، ﷺ ، نفسه أسماءً، منها ما حفظنا، فقال: أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي الرحمة والتوبة والملحمة. قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن مالك، يعني ابن مغول، عن أبي حصين عن مجاهد عن النبي، ﷺ ، قال: أنا محمد وأحمد أنا رسول الرحمة أنا رسول الملحمة أنا المقفي والحاشر بعثت بالجهاد ولم أبعث بالزراع. قال: أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله، ﷺ ، قال: لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب. قال: أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي، ﷺ ، بمثله وزاد: وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي. قال: أخبرنا حجين بن المثنى أبو عمر صاحب اللؤلؤ، أخبرنا الليث ابن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد، يعني ابن أبي هلال، عن عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصي أسماء رسول الله، ﷺ ، التي كان جبير، يعني ابن مطعم، يعدها؟ قال: نعم، هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماحٍ، فأما حاشر فبعث مع الساعة نذيراً لكم بين يدي عذاب شديد. وأما العاقب فإنه عقب الأنبياء، وأما الماحي فان الله محا به سيئات من أتبعه. قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي قال: حدثني الحارث

стр. 101

ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : يا عباد الله أنظروا كيف يصرف الله عني شتمهم ولعنهم؛ يعني قريشاً، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد. ذكر كنية رسول الله، ﷺ قال: أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا داود بن قيس قال: سمعت موسى بن يسار، سمعت أبا هريرة يقول: ان رسول الله، ﷺ ، قال تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فاني أنا أبو القاسم. قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيباني عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : لا تجمعوا أسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم. قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن سليمان ابن بلال عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، في حديث ذكره قال: ومحلوف أبي القاسم؛ يعني نفسه. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي، ﷺ ، كان بالبقيع فنادى رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي، فقال لم أعنك، فقال: ﷺ : سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان عن منصور

стр. 102

عن سالم عن جابر قال: ولد لرجل من الأنصار غلام فسماه محمداً، فغضبت الأنصار وقالوا حتى نستأمر النبي، ﷺ ، فذكروا ذلك له، فقال: قد أحسنت الأنصار، ثم قال: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي فإنما أنا أبو القاسم أقسم بينكم. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: سئل سعيد بن أبي عروبة عن الرجل يكتني بابي القاسم، فأخبرنا عن قتادة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله ان رجلاً من الأنصار اكتنى بأبي القاسم، فقالت الأنصار: ما كنا لنكنيك بها حتى نسأل رسول الله، ﷺ ، عن ذلك، فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي. قال سعيد: وكان قتادة يكره أن يكتني الرجل بأبي القاسم وان لم يكن أسمه محمداً. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: قال النبي، ﷺ : لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي. قال: أخبرنا موسى بن داود الضبي، أخبرنا ابن لهيعة عن أبي يونس مولى أبي هريرة عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: لا تسموا باسمي وتكتنوا بكنيتي؛ نهى أن يجمع بين الأسم والكنية. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي، أخبرنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي قال: أخبرنا إسرائيل عن ثوير عن مجاهد قال: قال رسول الله، ﷺ ، تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي.

стр. 103

ذكر من أرضع رسول الله، ﷺ وتسمية إخوته وأخواته من الرضاعة قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني موسى ابن شيبة عن عميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن برة بنت أبي تجراة قالت: أول من أرضع رسول الله، ﷺ ، ثويبة بلبن ابن لها، يقال له مسروح، أياماً قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. قال: وأخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: كانت ثويبة مولاة أبي لهب قد أرضعت رسول الله، ﷺ ، أياماً قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد معه، فكان أخاه من الرضاعة. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير أن ثويبة كان أبو لهب أعتقها فأرضعت رسول الله، ﷺ ، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم بشر حيبة، فقال: ماذا لقيت؟ قال: أبو لهب: لم نذق بعدكم رخاء، غير أني سقيت في هذه بعتاقي ثويبة، وأشار إلى النقيرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع. قال: وأخبرنا محمد بن عمر عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله، ﷺ ، يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها، وهي يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله، ﷺ ، يبعث إليها بصلة

стр. 104

وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع، مرجعه من خيبر، فقال: ما فعل ابنها مسروح؟ فقيل: مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن إبراهيم بن عباس عن القاسم بن عباس اللهبي قال: كان رسول الله، ﷺ ، بعد أن هاجر يسأل عن ثويبة فكان يبعث إليها بالصلة والكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد ماتت، فسأل: من بقي من قرابتها؟ قالوا: لا أحد. قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : حمزة بن عبد المطلب أخي من الرضاعة. قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مليكة قال: كان حمزة بن عبد المطلب رضيع رسول الله، ﷺ ، أرضعتهما امرأة من العرب، كان حمزة مسترضعاً له عند قوم من بني سعد بن بكر، وكانت أم حمزة قد أرضعت رسول الله، ﷺ ، يوماً وهو عند أمه حليمة. قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب المصري عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: سمعت محمد بن مسلم، يعني أخاه الزهري، يقول سمعت حميد بن عبد الرحمن ابن عوف يقول: سمعت أم سلمة زوج النبي، ﷺ ، قالت: قيل له أين أنت يا رسول الله من ابنة حمزة؟ أو قيل له: ألا تخطب ابنة حمزة؟ قال: إن حمزة أخي من الرضاعة. قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا همام بن يحيى، أخبرنا قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله، ﷺ ، أريد على ابنة حمزة فقال: إنها ابنة أخي من الرضاعة وإنها لا تحل

стр. 105

لي وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب، ﵇، قال: قلت لرسول الله، ﷺ ، في ابنة حمزة وذكرت له من جمالها، فقال رسول الله، ﷺ ، إنها ابنة أخي من الرضاعة أما علمت أن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب؟ حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة عن محمد ابن عبيد الله قال: سمعت أبا صالح عن علي قال: ذكرت ابنة حمزة لرسول الله، ﷺ ، فقال: هي ابنة أخي من الرضاعة. قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطي، أخبرنا ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة قالت لرسول الله، ﷺ : إنا قد حدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة، فقال رسول الله، ﷺ : أعلى أم سلمة؟ وقال: لو أني لم أنكح أم سلمة ما حلت لي، إن أباها أخي من الرضاعة. قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا زكريا بن يحيى بن يزيد السعدي عن أبيه قال: قدم مكة عشر نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن الرضاع، فأصبن الرضاع كلهن الا حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد ابن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان ابن مضر وكان معها زوجها الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملأن ابن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ويكنى أبا ذؤيب وولدها منه عبد الله بن الحارث، وكانت ترضعه، وأنيسة بنت الحارث وجدامة بنت الحارث وهي الشيماء، وكانت هي التي تحضن رسول الله

стр. 106

صلى الله عليه وسلم، مع أمها وتوركه، فعرض عليها رسول الله، ﷺ ، فجعلت تقول: يتيم ولا مال له، وماعست أمه أن تفعل؟ فخرج النسوة وخلفنها، فقالت حليمة لزوجها: ما ترى؟ قد خرج صواحبي وليس بمكة غلام يسترضع الا هذا الغلام اليتيم، فلو أنا أخذناه فاني أكره ان نرجع إلى بلادنا ولم نأخذ شيئاً، فقال لها زوجها خذيه عسى الله ان يجعل لنا فيه خيراً، فجاءت إلى أمه فأخذته منه فوضعته في حجرها، فأقبل عليه ثدياها حتى يقطرا لبناً، فشرب رسول الله، ﷺ ، حتى روي، وشرب أخوه ولقد كان اخوه لا ينام من الغرث، وقالت أمه: يا ظئر سلي عن ابنك فإنه سيكون له شأن، وأخبرتها ما رأت وما قيل لها فيه حين ولدته، وقالت: قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن أبا هذا الغلام الذي في حجري أبو ذؤيب، وهو زوجي، فطابت نفس حليمة وسرت بكل ما سمعت، ثم خرجت به إلى منزلها، فحدجوا أتانهم، فركبتها حليمة وحملت رسول الله، ﷺ ، بين يديها وركب الحارث شارفهم فطلعا على صواحبها بوادي السرر، وهن مرتعات وهما يتواهقان، فقلن: يا حليمة ما صنعت؟ فقالت: أخذت والله خير مولود رأيته قط وأعظمهم بركة، قال النسوة: أهو بن عبد المطلب؟ قالت: نعم! قالت: فما رحلنا من منزلنا ذلك حتى رأيت الحسد من بعض نسائنا. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وذكر بعض الناس أن حليمة لما خرجت برسول الله، ﷺ ، إلى بلادها قالت آمنة بنت وهب: أعيذه بالله ذي الجلال … من شر ما مر على الجبال حتى أراه حامل الحلال … ويفعل العرف إلى الموالي وغيرهم من حشوة الرجال …

стр. 107

قال: أخبرنا محمد بن عمر عن أصحابه قال: مكث عندهم سنتين حتى فطم، وكأنه ابن أربع سنين، فقدموا به على أمه زائرين لها، وأخبرتها حليمة خبره وما رأوا من بركته، فقالت آمنة: أرجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة، فوالله ليكونن له شأن! فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته في البهم قريباً من الحي، فأتاه الملكان هناك فشقا بطنه واستخرجا علقةً سوداء فطرحاها وغسلا بطنه بماء الثلج في طست من ذهب، ثم وزن بألف من أمته فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دعه، فلو وزن بأمته كلها لوزنهم! وجاء أخوه يصيح بأمه: أدركي أخي القرشي! فخرجت أمه تعدو ومعها أبوه فيجدان رسول الله، ﷺ ، منتقع اللون، فنزلت به إلى آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: أنا لا نرده الا على جذع آنفنا، ثم رجعت به أيضاً فكان عندها سنةً أو نحوها لا تدعه يذهب مكاناً بعيداً، ثم رأت غمامةً تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك أيضاً من أمره، فقدمت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين فأضلها في الناس فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة فقال: لاهُم أد راكبي محمدا … أده الي واصطنع عندي يدا أنت الذي جعلته لي عضدا … لا يبعد الدهر به فيبعدا أنت الذي سميته محمدا … قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطي، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجل يقول: رب رد الي راكبي محمدا … رده الي واصطنع عندي يدا

стр. 108

قال قلت: من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم بعث بابن بن له في طلب إبل له ولم يبعث به في حاجة إلا نجح، فما لبثنا أن جاء فضمه إليه وقال: لا أبعث بك في حاجة. قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا ابن عون عن ابن القبطية قال: كان النبي، ﷺ ، مسترضعاً في بني سعد بن بكر. قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم النبي، ﷺ ، لما دفعته إلى السعدية التي أرضعته قالت لها: احفظي ابني، وأخبرتها لما رأت، فمر بها اليهود، فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا فاني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أمه، قال: فقال بعضهم لبعض: أقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا: لو كان يتيما لقتلناه! قال: فذهبت به حليمة وقالت: كدت أخرب أمانتي، قال إسحاق: وكان له أخ رضيع، قال: فجعل يقول له: أترى أنه يكون بعث؟ فقال النبي، ﷺ : أما والذي نفسي بيده لآخذن بيدك يوم القيامة ولأعرفنك؛ قال: فلما آمن بعد موت النبي، ﷺ ، جعل يجلس فيبكي ويقول: إنما أرجو أن يأخذ النبي، ﷺ ، بيدي يوم القيامة فأنجو. قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا زكريا بن يحيى بن يزيد السعدي عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : أنا أعربكم أنا من قريش ولساني لسان بني سعد بن بكر. قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أسامة بن زيد الليثي عن شيخ من بني سعد قال: قدمت حليمة بنت عبد الله على رسول الله، ﷺ ، مكة، وقد تزوج خديجة، فتشكت جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم رسول الله، ﷺ ، خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة

стр. 109

وبعيراً موقعاً للظعينة وأنصرفت إلى أهلها. قال: أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني، أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر قال: أستأذنت امرأة على النبي، ﷺ ، قد كانت أرضعته، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي! وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه. قال: أخبرنا إبراهيم بن شماس السمرقندي قال: أخبرنا الفضل ابن موسى السيناني عن عيسى بن فرقد عن عمر بن سعد قال: جاءت ظئر النبي إلى النبي، ﷺ ، فبسط لها رداءه وأدخل يده في ثيابها ووضعها على صدرها قال: وقضى حاجتها، قال: فجاءت إلى أبي بكر فبسط لها رداءه وقال لها: دعيني أضع يدي خارجاً من الثياب، قال: ففعل وقضى لها حاجتها، ثم جاءت إلى عمر ففعل مثل ذلك. قال: أخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري وعن عبد الله بن جعفر وابن أبي سبرة وغيرهم قالوا: قدم وفد هوازن على رسول الله، ﷺ ، بالجعرانة بعدما قسم الغنائم وفي الوفد عم النبي، ﷺ ، من الرضاعة أبو ثروان، فقال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكلفك من عماتك وخالاتك وحواضنك، وقد حضناك في حجورنا وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضعاً فما رأيت مرضعاً خيراً منك، ورأيتك فطيماً فما رأيت فطيماً خيراً منك، ثم رأيتك شاباً فما رأيت شاباً خيراً منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك! فقال رسول الله، ﷺ : قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسم النبي، ﷺ ، السبي وجرت فيه السهمان، وقدم عليه أربعة عشر رجلاً من هوازن مسلمين وجاؤوا بإسلام من وراءهم من قومهم، وكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن

стр. 110

صرد فقال: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي هن يكلفنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزلا منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفهما وعائدتهما وأنت خير المكفولين، ويقال انه قال يومئذ أبو صرد: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعماتك وخالاتك وبنات عمك وبنات خالاتك وأبعدهن قريب منك، بأبي أنت وأمي! إنهن حضنك في حجورهن وأرضعنك بثديهن وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله، ﷺ ، إن أحسن الحديث أصدقه وعندي من ترون من المسلمين أفأبناؤكم ونساؤكم أحب اليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، وما كنا لنعدل بالأحساب شيئاً، فرد علينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبي، ﷺ ، أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وأسأل لكم الناس فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس؛ فلما صلى رسول الله، ﷺ ، الظهر قاموا فتكلموا بالذي قال لهم رسول الله، ﷺ ، فرد عليهم رسول الله، ﷺ ، ما كان له ولبني عبد المطلب، ورد المهاجرون ورد الأنصار، وسأل لهم قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم ورضاهم ودفع ما كان في أيديهم من السبي إلا قوماً تمسكوا بما في أيديهم فأعطاهم إبلاً عوضاً من ذلك.
следующие страницы →