← Тараджим

Тараджим · id 9351

الطبقات الكبرى - ط دار صادر

ابن سعد

Полный текст (3 876 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ابهار الليل، إذ نعس النبي، ﷺ ، فمال على راحلته فدعمته، يعني أسندته، من غير أن أوقظه، فاعتدل على راحلته ثم سرنا، ثم تهور الليل فنعس النبي، ﷺ ، فمال على راحلته ميلة أخرى فدعمته من غير أن أوقظه، فاعتدل على راحلته ثم سرنا حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد أن ينجفل فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ فقلت: أبو قتادة، فقال: متى كان هذا من مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منك منذ الليلة، قال: حفظك الله بما حفظت نبيه به، ثم قال: أترانا نخفى على الناس؟ هل ترى من أحد؟ كأنه يريد أن يعرس، قال: قلت هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب، فاجتمعنا وكنا سبعة ركبة، فمال النبي، ﷺ ، عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول ما أستيقظ هو بالشمس فقمنا فزعين، قال: اركبوا، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل فدعا بميضأة كانت معي فيها ماء فتوضأنا وضوءاً دون وضوء وبقي فيها شيء من ماء، فقال النبي، ﷺ : يا أبا قتادة احفظ علينا ميضأتك هذه فإنه سيكون لها نبأ، ثم نودي بالصلاة فصلى النبي، ﷺ ، ركعتين قبل الفجر ثم صلى الفجر كما كان يصلي كل يوم، ثم قال: اركبوا، فركبنا فجعل بعضنا يهمس إلى بعض، فقال النبي، ﷺ : ما هذا الذي تهسمون دوني؟ قال قلنا: يا رسول الله تفريطنا في صلاتنا، قال فقال: أما لكم في أسوة؟ إنه ليس في النوم تفريط ولكن التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصل حين ينبته لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو

стр. 177

بكر وعمر: رسول الله يعدكم لم يكن ليخلفكم، فقال الناس: النبي، ﷺ ، بين أيديكم فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، فأنتهينا إلى الناس حين حمي كل شيء، أو قال حين تعالى النهار، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشاً، قال: لا هلك عليكم، فنزل فقال: أطلقوا لي غمري، يعني بالغمر القعب الصغير، ودعا بالميضأة فجعل النبي، ﷺ ، يصب وأسقيهم، فلما رأى الناس ما فيها تكابوا، فقال النبي، ﷺ : أحسنوا الملء فكلكم سيروى، قال: فجعل النبي، ﷺ ، يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغيره، قال: فصب، وقال: اشرب، قال: فقلت يا رسول الله لا أشرب حتى تشرب، فقال النبي، ﷺ : إن ساقي القوم آخرهم، قال: فشربت وشرب النبي، ﷺ ، قال: فأتى الناس الماء جامين رواءً، فقال عبد الله بن رباح: إني لفي مسجدكم هذا الجامع أحدث هذا الحديث، إذ قال لي عمران بن حصين: أنظر أيها الفتى، أنظر كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت يا أبا نجيد فأنت أعلم، قال: ممن أنت؟ قال: قلت من الأنصار، قال: فأنتم أعلم بحديثكم، حدث القوم، قال: فحدثت القوم، فقال عمران: وقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحداً من الناس حفظه كما حفظته. حدثنا فضيل بن عبد الوهاب أبو محمد الغطفاني، أخبرنا شريك عن سماك عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فقال: بم كنت نبياً؟ قال: أرأيت إن دعوت شيئاً من النخلة فأجابني أتؤمن بي؟ قال: نعم، فدعاه فأجابه فآمن به وأسلم. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شعبة قال: أخبرني عمرو بن مرة

стр. 178

وحصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله، ﷺ ، وبين يديه تور فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيه، وقال: خذوا باسم الله، قال: فجعل الماء يتخلل من أصابعه كأنها عيون فوسعنا وكفانا، وقال حصين في حديثه: فشربنا وتوضأنا. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، قال: فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله، ﷺ ، ليس أحد يقبلنا، قال: فانطلقنا إلى رسول الله، ﷺ ، فانطلق بنا إلى أهله، قال: فإذا ثلاثة أعنز، فقال رسول الله، ﷺ : احتلبوا هذا اللبن بيننا، قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان نصيبه، ونرفع لرسول الله، ﷺ ، نصيبه، قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان، ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشربه، قال: فأتاني الشيطان ذات ليلة فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة فاشربها، قال: ما زال يزين لي حتى شربتها، فلما وغلت في بطني وعرف أنه ليس إليها سبيل ندمني قال: ويحك ما صنعت! شربت شراب محمد فيجء فلا يراه فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، قال: وعلي شملة من صوف كلما رفعت على رأسي خرجت قدماي، وإذا أرسلت على قدمي خرج رأسي، قال: وجعل لا يجيئني نوم، قال: وأما صاحباي فناما، فجاء رسول الله، ﷺ ، فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، وأتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئاً قال: فرفع رأسه إلى السماء، قلت الآن يدعو علي فأهلك، فقال: اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني!

стр. 179

قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أجسهن أيتهن أسمن فأذبح لرسول الله، ﷺ ، فإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ما كانوا يطعمون أن يحلبوا فيه، فحلبت فيه حتى علته الرغوة، ثم جئت به إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ قال قلت: أشرب يا رسول الله، قال: فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله أشرب، فشرب ثم ناولني، فأخذت ما بقي فشربت، فلما عرفت أن رسول الله، ﷺ ، قد روي وأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال رسول الله، ﷺ : إحدى سوءاتك يا مقداد، قال قلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وصنعت كذا، فقال رسول الله، ﷺ : ما كانت هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت أدنيتني فتوقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها؟ قال قلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذ أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا زهير أبو خيثمة، أخبرنا سليمان الأعمش عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: ما أعترف لأحد أسلم قبلي، أتاني رسول الله، ﷺ ، وأنا في غنم أهلي فقال: أفي غنمك لبن؟ قال قلت: لا، قال: فأخذ شاة فلمس ضرعها فأنزلت، فما أعترف لأحد أسلم قبلي. أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي عن أبي زكريا العجلاني عن محمد بن كعب القرظي وعن علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، وهو في جنازة رجل من أصحابه، فلما رآني مقبلاً قال لي: در خلفي، وطرح رداءه فرأيت

стр. 180

الخاتم وقبلته، ثم درت إليه فجلست بين يديه، فقال: كاتب، فكاتبت على ثلاثمائة ودية عالقة وأربعين أوقية من ذهب، فقال رسول الله، ﷺ : أعينوا أخاكم، فكان الرجل يأتي بالودية والثنتين والثلاث حتى جمعوا لي ثلاثمائة، فقلت: كيف لي بعلوقها؟ فقال لي: انطلق ففقر لها بيدك، ففقرت لها ثم أتيته فجاء معي فوضعها بيده، فما أخلفت منها واحدة وبقي الذهب، فبينا أنا عنده أتي بمثل بيضة الحمامة من ذهب صدقة فقال: أين العبد المكاتب الفارسي فقمت فقال: خذ هذه فأد منها، فقلت: وكيف تكفيني هذه! فمسح رسول الله، ﷺ ، لسانه عليها، فوزنت منها أربعين أوقية وبقي عندي مثل ما أعطاهم. أخبرنا علي بن محمد عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر العقيلي قال: خرجت إلى المدينة فتلقاني رسول الله، ﷺ ، بين أبي بكر وعمر يمشي، فمر بيهودي ومعه سفر فيه التوراة يقرؤها على ابن أخ له مريض بين يديه، فقال النبي، ﷺ : يا يهودي نشدتك بالذي أنزل التوراة على موسى وفلق البحر لبني إسرائيل أتجد في توراتك نعتي وصفتي ومخرجي؟ فأومأ برأسه أن لا، فقال ابن أخيه: لكني أشهد بالذي أنزل التوراة على موسى، وفلق البحر لبني إسرائيل، أنه ليجد نعتك وزمانك وصفتك ومخرجك في كتابه، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي، ﷺ : أقيموا اليهودي عن صاحبكم، وقبض الفتى، فصلى عليه النبي، ﷺ ، وأجنه. أخبرنا علي بن محمد عن يعقوب بن داود عن شيخ من بني جمح قال: لما أتى النبي، ﷺ ، أم معبد قال: هل من قرى؟ قالت: لا، قال: فأنتبذ هو وأبو بكر، وراح ابنها بشويهات فقال لأمه:

стр. 181

ما هذا السواد الذي أرى منتبذا؟ قالت: قوم طلبوا القرى فقلت ما عندنا قرًى، فأتاهم ابنها فاعتذر وقال: إنها أمرأة ضعيفة، وعندنا ما تحتاجون إليه، فقال رسول الله، ﷺ : انطلق فأتني بشاةٍ من غنمك، فجاء فأخذ عناقاً، فقالت أمه: أين تذهب؟ قال: سألاني شاةً، قالت: يصنعان بها ماذا؟ قال: ما أحبا، فمسح النبي، ﷺ ، ضرعها وضرتها فتحفلت، فحلب حتى ملأ قعباً وتركها أحفل ما كانت وقال: انطلق به إلى أمك وأتني بشاةٍ أخرى من غنمك، فأتى أمه بالقعب فقالت: أنى لك هذا؟ قال: من لبن الفلانة، قالت: وكيف ولم تقر سلا قط؟ أظن هذا واللات الصابئ الذي بمكة! وشربت منه، ثم جاءه بعناق أخرى، فحلبها حتى ملأ القعب ثم تركها أحفل ما كانت ثم قال: اشرب، فشرب، ثم قال: جئني بأخرى، فأتاه بها، فحلب وسقى أبا بكر، ثم قال: جئني بأخرى، فأتاه بها، فحلب ثم شرب وتركهن أحفل ما كن. أخبرنا علي بن محمد عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: بينا رسول الله، ﷺ ، في مسجده إذ أقبل جمل ناد حتى وضع رأسه في حجر النبي، ﷺ ، وجرجر، فقال النبي، ﷺ : إن هذا الجمل يزعم أنه لرجلٍ وأنه يريد أن ينحره في طعامٍ عن أبيه الآن فجاء يستغيث، فقال رجل: يا رسول الله هذا جمل فلان، وقد أراد به ذلك، فدعا النبي، ﷺ ، الرجل فسأله عن ذلك، فأخبره أنه أراد ذلك به، فطلب إليه النبي، ﷺ ، أن لا ينحره، ففعل. أخبرنا علي بن محمد عن حباب بن موسى السعيدي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي، رضي الله تعالى عنه: بتنا ليلة بغير عشاء، فأصبحت فخرجت ثم رجعت إلى فاطمة، ﵍، وهي محزونة، فقلت:

стр. 182

ما لك؟ فقالت: لم نتعش البارحة ولم نتغد اليوم وليس عندنا عشاء، فخرجت فالتمست فأصبت ما اشتريت طعاماً ولحماً بدرهم، ثم أتيتها به فخبزت وطبخت، فلما فرغت من إنضاج القدر قالت: لو أتيت أبي فدعوته، فأتيت رسول الله، ﷺ ، وهو مضطجع في المسجد وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً! فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، عندنا طعام فهلم! فتوكأ علي حتى دخل والقدر تفور، فقال: اغرفي لعائشة، فغرفت في صحفة، ثم قال: اغرفي لحفصة، فغرفت في صحفة حتى غرفت لجميع نسائه التسع، ثم قال: اغرفي لأبيك وزوجك، فغرفت، فقال: اغرفي فكلي، فغرفت ثم رفعت القدر وإنها لتفيض فأكلنا منها ما شاء الله. أخبرنا علي بن محمد عن يزيد بن عياض بن جعدية الليثي عن نافع عن سالم عن علي قال: أمر رسول الله، ﷺ ، خديجة وهو بمكة فاتخذت له طعاماً، ثم قال لعلي، رضي الله تعالى عنه: أدع لي بني عبد المطلب، فدعا أربعين، فقال لعلي: هلم طعامك، قال علي: فأتيتهم بثريدة إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، فأكلوا منها جميعاً حتى أمسكوا، ثم قال: اسقهم، فسقيتهم بإناء هو ري أحدهم، فشربوا منه جميعاً حتى صدروا، فقال أبو لهب: لقد سحركم محمد، فتفرقوا ولم يدعهم، فلبثوا أياماً، ثم صنع لهم مثله، ثم أمرني فجمعتهم فطعموا، ثم قال لهم، ﷺ : من يؤازرني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنة؟ فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سناً وأحمشهم ساقاً، وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يألو ابن عمه خيراً. أخبرنا علي بن محمد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم وغيره أن عين قتادة بن النعمان أصيبت فسالت على خده، فردها رسول الله، صلى الله عليه

стр. 183

وسلم، بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما. أخبرنا علي بن محمد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم ويزيد بن رومان وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وغيرهم أن عكاشة بن محصن أنقطع سيفه في يوم بدر، فأعطاه رسول الله، ﷺ ، جذلاً من شجرة، فعاد في يده سيفاً صارماً صافي الحديدة شديد المتن. أخبرنا علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: قال عبد الله بن عباس: كان رسول الله، ﷺ ، يخطب إلى خشبة كانت في المسجد، فلما صنع المنبر فصعده رسول الله، ﷺ ، حنت الخشبة، فنزل رسول الله، ﷺ ، فاحتضنها فسكنت. أخبرنا علي بن محمد عن أبي معشر عن زيد بن أسلم وغيره أن سراقة بن مالك ركب في طلب النبي، ﷺ ، بعدما استقسم بالأزلام أيخرج أم لا يخرج فكان يخرج له أن لا يخرج ثلاث مرات، فركب فلحقهم، فدعا النبي، ﷺ ، أن ترسخ قوائم فرسه فرسخت، فقال: يا محمد أدع الله أن يطلق فرسي فأرد عنك، فقال النبي، ﷺ ، اللهم إن كان صادقاً فأطلق له فرسه، فخرجت قوائم فرسه. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الحكم بن القاسم عن زكريا بن عمرو عن شيخ من قريش أن قريشاً لما تكاتبت على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا إليهم رسول الله، ﷺ ، وكانوا تكاتبوا ألا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم في شيء ولا يكلموهم، فمكثوا ثلاث سنين في شعبهم محصورين إلا ما كان من أبي لهب فإنه لم يدخل معهم، ودخل معهم بنو المطلب بن عبد مناف، فلما مضت ثلاث سنين أطلع الله نبيه على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد

стр. 184

أكلت ما كان فيها من جور أو ظلم، وبقي ما كان فيها من ذكر الله، فذكر ذلك رسول الله، ﷺ ، لأبي طالب، فقال أبو طالب: أحق ما تخبرني يا ابن أخي؟ قال: نعم والله! قال: فذكر ذلك أبو طالب لإخوته، فقالوا له: ما ظنك به؟ قال: فقال أبو طالب: والله ما كذبني قط، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ما تجدون من الثياب ثم تخرجون إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، قال: فخرجوا حتى دخلوا المسجد، فصمدوا إلى الحجر وكان لا يجلس فيه إلا مسان قريش وذوو نهاهم، فترفعت إليهم المجالس ينظرون ماذا يقولون، فقال أبو طالب: إنا قد جئنا لأمر فأجيبوا فيه بالذي يعرف لكم، قالوا: مرحباً بكم وأهلاً وعندنا ما يسرك فما طلبت؟ قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط أن الله سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فلمست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كل ما ذكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو أستحييتموه إن شئتم، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فلما أتي بها قال أبو طالب: أقرؤوها، فلما فتحوها إذا هي كما قال رسول الله، ﷺ ، قد أكلت كلها إلا ما كان من ذكر الله فيها، قال: فسقط في أيدي القوم ثم نكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: هل تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟ فلم يراجعه أحد من القوم، وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، فمكثوا غير كثير، ورجع أبو طالب إلى الشعب وهو يقول: يا معشر قريش علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر؟ ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللهم انصرنا ممن ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستحل منا ما يحرم عليه منا! ثم انصرفوا. أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن ابن

стр. 185

عقيل عن جابر أو غيره قال: إن أول خبر جاء إلى المدينة عن رسول الله، ﷺ ، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاء في صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت المرأة: انزل حدثنا ونحدثك وتخبرنا ونخبرك، قال: إنه قد بعث بمكة نبي حرم علينا الزنا ومنع منا القرار. ذكر مبعث رسول الله، ﷺ ، وما بعث به أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان الثوري قال: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ووجدك ضالاً فهدى، قال: كان على أمر قومه أربعين عاماً. أخبرنا عبد الله بن مسملة بن قعنب، أخبرنا سليمان بن بلال قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس جميعاً عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمع أنس بن مالك يقول: بعث رسول الله، ﷺ ، على رأس أربعين سنة، يعني من مولده. أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله، ﷺ ، لأربعين سنة. أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري، أخبرنا عبد الوارث ابن سعيد، أخبرنا أبو غالب الباهلي أنه شهد العلاء بن زياد العدوي يسأل أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله، ﷺ ، إذ بعث؟ قال: كان ابن أربعين سنة، قال: ثم كان ماذا؟ قال: كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، قال: هذا قول أنس أنه كان بمكة عشر سنين ولم يكن يقوله غيره.

стр. 186

أخبرنا المعلى بن أسد العمي، أخبرنا وهيب بن خالد عن داود بن أبي هند عن عامر، وأخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن عامر، وأخبرنا نصر بن سائب الخراساني عن داود بن أبي هند عن عامر أن رسول الله، ﷺ ، أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، وكان معه إسرافيل ثلاث سنين، ثم عزل عنه إسرافيل وأقرن به جبريل عشر سنين بمكة وعشر سنين مهاجره بالمدينة، فقبض رسول الله، ﷺ ، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ قال: محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي، ﷺ ، وإن علماءهم وأهل السيرة منهم يقولون لم يقرن به غير جبريل من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض، ﷺ . أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي محمد قال: سمعت زرارة بن أوفى يقول: القرن مائة وعشرون عاماً، قال: فبعث رسول الله، ﷺ ، في قرن كان العام الذي مات فيه يزيد بن معاوية. أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سالم بن العلاء الأنصاري عن عبد الملك أبي سليمان عن أبي جعفر قال: قال رسول الله، ﷺ : بعثت إلى الأحمر والأسود؛ قال عبد الملك: الأحمر الناس والأسود الجن. أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن عوف عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : أنا رسول من أدركت حياً ومن يولد بعدي. أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عباس عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه

стр. 187

وسلم: بعثت إلى الناس كافةً فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريشٍ فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشمٍ فإن لم يستجيبوا لي فإلى وحدي. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: أرسلت إلى الناس كافة وبي ختم النبيون. أخبرنا عبد الله بن نمير الهمداني عن مجالد بن سعيد عن عامر عن جابر قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: إني خاتم ألف نبي أو أكثر. أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد المكي، أخبرنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدثني زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر وعن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : بعثت على أثر ثمانية آلافٍ من الأنبياء، منهم أربعة آلاف نبي من بني إسرائيل، أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي، أخبرنا برد الحريري عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال رسول الله، ﷺ : بعثت بالحنيفية السمحة. أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق. حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا مسعر عن معبد بن خالد قال: قال رسول الله، ﷺ : تعلمون أني رحمة مهداة بعثت لرفع قومٍ ووضع آخرين. أخبرنا وكيع بن الجراح، أخبرنا الأعمش عن أبي صالح قال: قال رسول الله، ﷺ : أيها الناس إنما أنا رحمة

стр. 188

مهداة. أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله، ﷺ ، قال: إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق. حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله، وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً قد أستكبروا، فقال: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الموالي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: وحدثني محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها منعوا مني أنفسهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . ذكر اليوم الذي بعث فيه رسول الله، ﷺ أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن أبي حنش الصنعاني عن ابن عباس قال: نبيء نبيكم، ﷺ ، يوم الإثنين. أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا علي بن عابس الكوفي عن مسلم عن

стр. 189

أنس قال: استنبأ النبي، ﷺ ، يوم الإثنين. أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي جعفر قال: نزل الملك على رسول الله، ﷺ ، بحراء يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان ورسول الله يومئذ ابن أربعين سنة وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي. ذكر نزول الوحي على رسول الله، ﷺ أخبرنا محمد بن حميد أبو سفيان العبدي عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: وأيدناه بروح القدس؛ قال: هو جبريل. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن راشد ومحمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان أول ما بديء به رسول الله، ﷺ ، من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، قالت: فمكث على ذلك ما شاء الله، وحبب إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه منها، وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: فبينا رسول الله، ﷺ ، على ذلك وهو بأجياد إذ رأى ملكاً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمد، أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل، فذعر رسول الله، ﷺ ، من ذلك، وجعل

стр. 190

يراه كلما رفع رأسه إلى السماء، فرجع سريعاً إلى خديجة فأخبرها خبره وقال: يا خديجة والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئاً قط ولا الكهان وإني لأخشى أن أكون كاهناً، قالت: كلا يا ابن عم لا تقل ذلك، فإن الله لا يفعل ذلك بك أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة، وإن خلقك لكريم، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهي أول مرة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله، ﷺ ، فقال ورقة: والله إن ابن عمك لصادق، وإن هذا لبدء نبوة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر، فمريه أن لا يجعل في نفسه إلا خيراً. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة أن رسول الله، ﷺ ، قال: يا خديجة إني أرى ضوءاً وأسمع صوتاً، لقد خشيت أن أكون كاهناً، فقالت: إن الله لا يفعل بك ذلك يا ابن عبد الله، إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم. أخبرنا يحيى بن عباد وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار، قال يحيى بن عباد، قال حماد بن سلمة: أحسبه عن ابن عباس، أن النبي، ﷺ ، قال: يا خديجة إني أسمع صوتاً وأرى ضوءاً وإني أخشى أن يكون في جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا ابن عبد الله، ثم أتت ورقة ابن نوفل فذكرت له ذلك فقال: إن يك صادقاً فهذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن يبعث وأنا حي فسأعزره وأنصره وأومن به.

стр. 191

ذكر أول ما نزل عليه من القرآن وما قيل له، ﷺ أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن رشاد عن الزهري عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سمعت بعض علمائنا يقول: كان أول ما أنزل على النبي، ﷺ : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم؛ فهذا صدرها الذي أنزل على النبي، ﷺ ، يوم حراء، ثم نزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله. أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال: أول سورة أنزلت على النبي، ﷺ : اقرأ باسم ربك. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس أن رسول الله، ﷺ ، لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياماً لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله، ﷺ ، كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله، ﷺ ، صعقاً للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعاً عليه يقول: يا محمد أنت رسول الله حقاً وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله، ﷺ ، وقد أقر الله عينه وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمي. أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله

стр. 192

ابن أبي مريم أن رسول الله، ﷺ ، قال: قيل لي يا محمد لتنم عينك ولتسمع أذنك وليع قلبك، قال النبي، ﷺ : فنامت عيني ووعى قلبي وسمعت أذني. ذكر شدة نزول الوحي على النبي، ﷺ أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة وحميد عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت أن النبي، ﷺ ، كان إذا نزل عليه الوحي كرب له وتربد وجهه. أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عكرمة قال: كان إذا أوحي إلى رسول الله، ﷺ ، وقذ لذلك ساعة كهيئة السكران. أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن صالح بن محمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أروى الدوسي قال: رأيت الوحي ينزل على النبي، ﷺ ، وأنه على راحلته، فترغو وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعها تنقصم، فربما بركت وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان. أخبرنا حجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمه أنه بلغه أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل فذلك يتفلت مني، ويأتيني في شيءٍ

стр. 193

مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا يتفلت مني. أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله، ﷺ : أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً. أخبرنا عبيدة بن حميد التيمي قال: حدثني موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي، ﷺ ، إذا نزل عليه الوحي يعالج من ذلك شدة، قال: كان يتلقاه ويحرك شفتيه كي لا ينساه، فأنزل الله عليه: لا تحرك به لسانك لتعجل به؛ لتعجل بأخذه، إن علينا جمعه وقرآنه؛ إن علينا أن نجمعه في صدرك، قال: قرآنه أن يقرأه، قال: فاتبع قرآنه؛ قال: أنصت؛ إن علينا بيانه؛ أن نبينه بلسانك، قال: فانشرح رسول الله، ﷺ . أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة، أخبرنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه؛ قال: كان رسول الله، ﷺ ، يعالج من التنزيل شدة يحرك به شفتيه، فأنزل الله، ﵎: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه؛ علينا جمعه في صدرك ثم تقرؤه، قال: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه؛ قال: استمع له وأنصت، قال: ثم إن علينا بيانه؛

стр. 194

قال: ثم علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع له فإذا انطلق جبريل قرأه كما أقرئه. ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، الناس إلى الإسلام أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه قال: أمر رسول الله، ﷺ ، أن يصدع بما جاء من عند الله، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفياً إلى أن أمر بظهور الدعاء. أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن محمد: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين؛ قال: هو رسول الله، ﷺ . أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال: دعا رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام سراً وجهراً، فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء، فكان ذلك حتى عاب الله آلهتهم التي يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فشنفوا لرسول الله، ﷺ ، عند ذلك وعادوه. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة

стр. 195

عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أنزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين؛ صعد رسول الله، ﷺ ، على الصفا فقال: يا معشر قريش! فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: مالك يا محمد؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذباً قط، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ يا بني عبد المطلب يا بني عبد منافٍ يا بيني زهرة، حتى عدد الأفخاذ من قريش، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله، قال: يقول أبو لهب: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله ﵎: تبت يدا أبي لهبٍ وتب؛ السورة كلها. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن موهب عن يعقوب بن عتبة قال: لما أظهر رسول الله، ﷺ ، الإسلام ومن معه وفشا أمره بمكة ودعا بعضهم بعضاً، فكان أبو بكر يدعو ناحية سراً، وكان سعيد ابن زيد مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية، وحمزة بن عبد المطلب، وأبو عبيدة بن الجراح، فغضبت قريش من ذلك، وظهر منهم لرسول الله، ﷺ ، الحسد والبغي، وأشخص به منهم رجال فبادوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلا أنهم ينزهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله، ﷺ ، وكان أهل العداوة والمباداة لرسول الله، ﷺ ، وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل: أبو جهل بن هشام، وأبو لهب بن عبد المطلب، والاسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس بن عدي، وهو ابن الغيطلة والغيطلة أمه، والوليد بن المغيرة، وأمية وأبي ابنا خلف، وأبو قيس بن الفاكه

стр. 196

ابن المغيرة والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي بن عابد، والاسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هاشم، وعقبة بن أبي معيط، وابن الأصدى الهذلي، وهو الذي نطحته الأروى، والحكم بن أبي العاص، وعدي بن الحمراء، وذلك أنهم كانوا جيرانه، والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله، ﷺ ، إليهم: أبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط، وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو فيان بن حرب أهل عداوة ولكنهم لم يشخصوا بالنبي، ﷺ ، كانوا كنحو قريش، قال ابن سعد: ولم يسلم منهم أحد إلا أبو سفيان والحكم. أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ : كنت بين شر جارين، بين أبي لهبٍ وعقبة بن أبي معيطٍ إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحون من الأذى فيطرحونه على بابي، فيخرج به رسول الله، ﷺ ، فيقول: يا بني عبد منافٍ أي جوارٍ هذا؟ ثم يلقيه بالطريق. ذكر ممشى قريش إلى أبي طالب في أمره، ﷺ أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني محمد بن لوط النوفلي عن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: وحدثني عائذ بن يحيى عن أبي الحويرث قال: وحدثني محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن

стр. 197

أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأت قريش ظهور الإسلام وجلوس الملسمين حول الكعبة سقط في أيديهم، فمشوا إلى أبي طالب حتى دخلوا عليه فقالوا: أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا، وجاؤوا بعمارة ابن الوليد بن المغيرة فقالوا: قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ونهادة وشعراً ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مغبةً، قال أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه؟ ما هذا بالنصف، تسومونني سوم العرير الذليل! قالوا: فأرسل إليه فلنعطه النصف، فأرسل إليه أبو طالب، فجاء رسول الله، ﷺ ، فقال: يا ابن أخي هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله، ﷺ : قولوا أسمع، قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله، ﷺ : أرأيتم إن أعطيتكم هذه هل أنتم معطي كلمة إن أنتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: إن هذه لكلمة مربحة، نعم وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها، قال: قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال: المتكلم بهذا عقبة بن أبي معيط، وقالوا: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن يغتال محمد، فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله، ﷺ ، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى

стр. 198

منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد ابن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه، فخرج زيد سريعاً حتى أتى رسول الله، ﷺ ، وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله، ﷺ ، إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال: نعم، قال: أدخل بيتك، فدخل رسول الله، ﷺ ، فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي، ﷺ ، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون، فقال يا معشر قريش: هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: أكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل. ذكر هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلى أرض الحبشة في المرة الأولى أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا هشام بن سعد عن الزهري قال: لما كثر المسلمون وظهر الإيمان وتحدث به ثار ناس كثير من المشركين من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم فعذبوهم وسجنوهم وأردوا فتنتهم عن دينهم، فقال لهم رسول الله، ﷺ : تفرقوا في الأرض، فقالوا: أين نذهب يا رسول الله؟ قال: ههنا، وأشار

стр. 199

إلى الحبشة، وكانت أحب الأرض إليه أن يهاجر قبلها، فهاجر ناس ذوو عدد من المسلمين منهم من هاجر معه بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، حتى قدموا أرض الحبشة. أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه عن رجل من قومه قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلي عن الحارث ابن الفضيل قالا: فخرجوا متسللين سراً وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبيء رسول الله، ﷺ ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحداً قالوا: وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن يحيى بن حبان قال: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله، ﷺ ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد بن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وعثمان بن مظعون الجمحي، وعامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر، وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة.

стр. 200

ذكر سبب رجوع أصحاب النبي، ﷺ ، من أرض الحبشة أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد بن فضالة الظفري عن أبيه قال: وحدثني كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: رأى رسول الله، ﷺ ، من قومه كفاً عنه فجلس خالياً فتمنى فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم عني! وقارب رسول الله، ﷺ ، قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم: والنجم إذا هوى؛ حتى إذا بلغ: أرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فتكلم رسول الله، ﷺ ، بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم جميعاً ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، ويقال: إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه رفعه إلى جبهته، وكان شيخاً كبيراً، فبعض الناس يقول إنما الذي رفع التراب الوليد، وبعضهم يقول أبو أحيحة، وبعضهم يقول كلاهما جميعاً فعل ذلك، فرضوا بما تكلم به رسول الله، ﷺ ، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله، ﷺ ، من قولهم حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل، ﵇، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله، ﷺ : قلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: وإن

стр. 201

كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لأتخذوك خليلاً؛ إلى قوله: ثم لا تجد لك علينا نصيراً. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: فشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلغ أصحاب رسول الله، ﷺ ، أن أهل مكة قد سجدوا وأسلموا حتى أن الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبي، ﷺ ، فقال القوم: فمن بقي بمكة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحب إلينا، فخرجوا راجعين حتى غذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركباً من كنانة فسألوهم عن قريش وعن حالهم، فقال الركب: ذكر محمد وآلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فأتمر القوم في الرجوع الى أرض الحبشة ثم قالوا: قد بلغنا ندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهداً من أراد بأهله ثم يرجع. أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: دخلوا مكة ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود فإنه مكث يسيراً ثم رجع إلى أرض الحبشة. قال محمد بن عمر: فكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان وشهر رمضان وكانت السجدة في شهر رمضان وقدموا في شوال سنة خمس.

стр. 202

ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني سيف بن سليمان عن ابن أبي نجيح قال: وحدثني عتبة بن جبيرة الأشهلي عن يعقوب بن عمر بن قتادة قال: سمعت شيخاً من بني مخزوم يحدث أنه سمع أم سلمة قال: وحدثنا عبد الله بن محمد الجمحي عن أبيه عن عبد الرحمن بن سابط قالوا: لما قدم أصحاب النبي، ﷺ ، مكة من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذًى شديداً فأذن لهم رسول الله، ﷺ ، في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الآخرة أعظمها مشقة ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً ونالوهم بالأذى، واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا؟ فقال رسول الله، ﷺ : أنتم مهاجرون إلى الله وإلي، لكم هاتان الهجرتان جميعاً، قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله؛ وكان عدة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين رجلاً، ومن النساء إحدى عشرة أمرأة قرشية، وسبع غرائب، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي بأحسن جوار، فلما سمعوا بمهاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً، ومن النساء ثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً، فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة كتب رسول الله، ﷺ ، إلى النجاشي كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث به مع عمرو بن أمية الضمري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيته، وكتب إليه

стр. 203

رسول الله، ﷺ ، أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصر هناك ومات، فزوجه النجاشي إياها وأصدق عنه أربعمائة دينار، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص، وكتب إليه رسول الله، ﷺ ، أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم، ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فأرسلوا بهم إلى ساحل بولا وهو الجار، ثم تكاروا الظهر حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله، ﷺ ، بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر، فكلم رسول الله، ﷺ ، المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم ففعلوا. ذكر حصر قريش رسول الله، ﷺ وبني هاشم في الشعب أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي عن ابن عباس، وحدثني معاذ بن محمد الأنصاري عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثنا محمد بن عبد الله عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: وحدثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما بلغ قريشاً فعل النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله، ﷺ ، وأصحابه وأجمعوا على قتل رسول الله، ﷺ ، وكتبوا كتاباً على بني هاشم ألا يناكحوهم، ولا

стр. 204

يبايعوهم، ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري، فشلت يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقال بعضهم: بل كانت عند أم الجلاس بنت مخربة الحنظلية خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين تنبئ رسول الله، ﷺ ، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبة مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريش من سره ذلك ومنهم من ساءه وقال: أنظروا ما أصاب منصور بن عكرمة، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله . أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فياض عن عكرمة قال: كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، كتاباً وختموا عليه ثلاثة خواتيم فأرسل الله، ، على الصحيفة دابة فأكلت كل شيء إلا اسم الله . أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد ابن علي وعكرمة قالا: أكل كل شيء كان في الصحيفة إلا باسمك اللهم. أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال: حدثني شيخ من قريش من أهل مكة، وكانت الصحيفة عند جده، قال: أكل كل شيء كان في الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللهم؛ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر الأول، قال: فذكر ذلك رسول الله، ﷺ ، لأبي طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد

стр. 205

فقال أبو طالب لكفار قريش إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط أن الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كل ما ذكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو أستحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله، ﷺ ، فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر؟ ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللهم أنصرنا ممن ظلمنا وقطع أرحامنا، واستحل ما يحرم عليه منا، ثم انصرفوا إلى الشعب، وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، فيهم: مطعم بن عدي، وعدي بن قيس، وزمعة بن الأسود، وأبو البحتري بن هاشم، وزهير بن أبي أمية، ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة. أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمد ابن علي قال: مكث رسول الله، ﷺ ، وأهله في الشعب سنتين، وقال الحكم: مكثوا سنين. ذكر سبب خروج رسول الله، ﷺ ، إلى الطائف أخبرنا محمد بن عمر عن محمد بن صالح بن دينار وعبد الرحمن بن عبد العزيز والمنذر بن عبد الله عن بعض أصحابه عن حكيم بن حزام قال:

стр. 206

وحدثنا محمد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قالوا: لما توفي أبو طالب وخديجة بنت خويلد، وكان بينهما شهر وخمسة أيام، اجتمعت على رسول الله، ﷺ ، مصيبتان فلزم بيته وأقل الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به، فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعاً إذ كان أبو طالب حياً فاصنعه، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت! وسب ابن الغيطلة النبي، ﷺ ، فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولى وهو يصيح: يا معشر قريش صبأ أبو عتبة! فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب، فقال: ما فارقت دين عبد المطلب ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم؛ فمكث رسول الله، ﷺ ، كذلك أياماً يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب: يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال مع قومه، فقالا: يزعم أنه في النار، فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله، ﷺ : نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار، فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدواً أبداً، وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار! فاشتد عليه هو وسائر قريش. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير بن مطعم قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله، ﷺ ، واجترؤوا عليه فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من حين نبيء رسول الله، ﷺ ، قال محمد بن عمر بغير هذا

стр. 207

الإسناد، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمد أخرج من بلدنا والحق بمجابك من الأرض، وأغروا به سفهاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله، ﷺ ، لتدميان وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاج، فانصرف رسول الله، ﷺ ، من الطائف راجعاً إلى مكة وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة، فلما نزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن، سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا عليه وهو يقرأ سورة الجن ولم يشعر بهم رسول الله، ﷺ ، حتى نزلت عليه: وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن؛ فهم هؤلاء الذين كانوا صرفوا إليه بنخلة، وأقام بنخلة أياماً، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، يعني قريشاً، وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وان الله ناصر دينه ومظهر نبيه، ثم انتهى إلى حراء، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي: أدخل في جوارك؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: تلبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمداً، فدخل رسول الله، ﷺ ، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمداً فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله، ﷺ ، إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده مطيفون به.

стр. 208

ذكر المعراج وفرض الصلوات أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله، ﷺ ، يسأل ربه أن يريه الجنة والنار، فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، ورسول الله، ﷺ ، نائم في بيته ظهراً، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرجا به إلى السماوات سماءً سماءً فلقي فيها الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، وأري الجنة والنار، قال رسول الله، ﷺ : لما انتهيت إلى السماء السابعة لم أسمع إلا صريف الأقلام؛ وفرضت عليه الصلوات الخمس، ونزل جبريل، ﵇، فصلى برسول الله، ﷺ ، الصلوات في مواقيتها. ذكر ليلة أسري برسول الله، ﷺ إلى بيت المقدس أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: وحدثني موسى بن يعقوب الزمعي عن أبيه عن جده عن أم سلمة، قال: موسى وحدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة، قال: محمد بن عمر: وحدثني إسحاق بن حازم عن وهب بن كيسان عن أبي مرة مولى عقيل عن أم هانئ ابنة أبي طالب، وحدثني عبد الله بن جعفر عن زكريا بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس

стр. 209

وغيرهم أيضا قد حدثني، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أسري برسول الله، ﷺ ، ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله، ﷺ : حملت على دابةٍ بيضاء بين الحمار وبين البغلة في فخذيها جناحان تحفز بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست فوضع جبريل يده على معرفتها ثم قال: ألا تستحيين يا براق مما تصنعين؟ والله ما ركب عليك عبد لله قبل محمدٍ أكرم على الله منه! فاستحيت حتى أرفضت عرقاً ثم قرت حتى ركبتها فعملت بأذنيها وقبضت الأرض حتى كان منتهى وقع حافرها طرفها وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته حتى انتهى بي إلى بيت المقدس، فانتهى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فربطه فيه، وكان مربط الأنبياء قبل رسول الله، ﷺ ، قال: ورأيت الأنبياء جمعوا لي فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى فظننت أنه لابد من أن يكون لهم إمام فقدمني جبريل حتى صليت بين أيديهم وسألتهم فقالوا: بعثنا بالتوحيد، وقال بعضهم: فقد النبي، ﷺ ، تلك الليلة فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه ويلتمسونه، وخرج العباس بن عبد المطلب حتى بلغ ذا طوًى فجعل يصرخ: يا محمد يا محمد! فأجابه رسول الله، ﷺ : لبيك! قال: يا ابن أخي عنيت قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: أتيت من بيت المقدس، قال: في ليلتك! قال: نعم، قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: ما أصابني إلا خير؟ وقالت أم هانئ ابنة أبي طالب: ما أسري به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة صلى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبهناه للصبح

стр. 210

فقام فلما صلى الصبح قال: يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء كما رأيت بهذا الوادي ثم قد جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم، ثم قام ليخرج فقلت: لا تحدث هذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، فقال: والله لأحدثنهم، فأخبرهم، فتعجبوا وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط! وقال رسول الله، ﷺ ، لجبريل: يا جبريل إن قومي لا يصدقونني، قال: يصدقك أبو بكرٍ وهو الصديق، فأتيت ناساً كثيراً كانوا قد صلوا وسلموا وقمت في الحجر فخيل إلي بيت المقدس فطففت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للسمجد من باب؟ ولم أكن عددت أبوابه، فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم وأخبرتهم عن عيرات لهم في الطريق وعلامات فيها فوجدوا ذلك كما أخبرتهم، وأنزل الله، ، عليه: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس؛ قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه. أخبرنا حجين بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كرباً ما كربت مثله قط فرفعه الله إلي أنظر إليه ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت

стр. 211

من الصلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام. ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، قبائل العرب في المواسم أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أيوب بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وحدثنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان، وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردون على رسول الله، ﷺ ، أقبح الرد، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ويكلمونه ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى الله ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا، فكان من سمي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله، ﷺ ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم

стр. 212

وعبس، وبنو نضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجيب منهم أحد. ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، الأوس والخزرج أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نافع بن كثير عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن أبي منصور عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد ابن ربيع قال: وحدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: وحدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: وحدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع أبي محمد قال: سمعت أبا هريرة قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كل سنة بمجنة وعكاظ ومنى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فليست قبيلة من العرب تستجيب له ويؤذى ويشتم حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، فساقه إلى هذا الحي من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وواسوا، وكانوا والله أطول الناس ألسنةً، وأحدهم سيوفاً، فاختلف علينا في أول من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه

стр. 213

وذكروا الرجلين، وذكروا أنه لم يكن أحد أول من الستة، وذكروا أن أول من أسلم ثمانية نفر، وكتبنا كل ذلك، وذكروا أن أول من أسلم من الأنصار أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، خرجا إلى مكة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما: قد شغلنا هذا المصلي عن كل شيء، يزعم أنه رسول الله، قال: وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان يتكلمان بالتوحيد بيثرب، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين سمع كلام عتبة: دونك هذا دينك، فقاما إلى رسول الله، ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم رجعا إلى المدينة، فلقي أسعد أبا الهيثم بن التيهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله، ﷺ ، وما دعا إليه، فقال أبو الهيثم: فأنا أشهد معك أنه رسول الله، وأسلم. ويقال: إن رافع بن مالك الزرقي ومعاذ بن عفراء خرجا إلى مكة معتمرين فذكر لهما أمر رسول الله، ﷺ ، فأتياه، فعرض عليهما الإسلام فأسلما، فكانا أول من أسلم، وقدما المدينة، فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق. ويقال: أن رسول الله، ﷺ ، خرج من مكة فمر على نفر من أهل يثرب نزول بمنًى ثمانية نفر، منهم: من بني النجار معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زريق رافع بن مالك وذكوان ابن عبد قيس، ومن بني سالم عبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيهان حليف لهم من بلي، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فعرض عليهم رسول الله، ﷺ ، الإسلام فأسلموا، وقال لهم رسول الله، ﷺ : تمنعون لي ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلم، أعداء متباغضون، وإنما كانت

стр. 214

وقعة بعاث، عام الأول، يوم من أيامنا اقتتلنا فيه فإن تقدم ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام المقبل. ويقال: خرج رسول الله، ﷺ ، في الموسم الذي لقي فيه الستة نفر من الأنصار، فوقف عليهم فقال: أحلفا يهودٍ؟ قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا، وهم: من بني النجار أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث بن عفراء، ومن بني زريق، رافع بن مالك، ومن بني سلمة قطبة بن عامر بن حديدة، ومن بني حرام بن كعب عقبة بن عامر بن نابيء، ومن بني عبيد بن عدي بن سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب، لم يكن قبلهم أحد، قال محمد بن عمر: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المجتمع عليه. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني زكريا بن زيد عن أبيه قال: هؤلاء الستة فيهم أبو الهيثم بن التيهان، ثم رجع الحديث إلى الأول. قالوا: ثم قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام فأسلم من أسلم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر من رسول الله، ﷺ كثيراً. ذكر العقبة الأولى الإثني عشر ليس فيهم عندنا اختلاف، أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد ابن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: وحدثنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن

стр. 215

أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عسيلة الصناجي عن عبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذي لقي فيه رسول الله، ﷺ ، النفر الستة لقيه اثنا عشر رجلاً بعد ذلك بعام، وهي العقبة الأولى، من بني النجار أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ وهما ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، ومن بني زريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، ومن بني عامر بن عوف عباس بن عبادة ابن نضلة، ومن بني سلمة عقبة بن عامر بن نابيء، ومن بني سواد قطبة ابن عامر بن حديدة، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التيهان من بلي حليف في بني عبد الأشهل، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، قال: فإن وفيتم فلكم الجنة ومن غشي من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، ولم يفرض يومئذ القتال، ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، ﷺ ، ابعث إلينا مقرئاً يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير العبدري فزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القرآن، فروى بعضهم أن مصعباً كان يجمع بهم ثم خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله، ﷺ .
следующие страницы →