← Тараджим

Тараджим · id 9351

الطبقات الكبرى - ط دار صادر

ابن سعد

Полный текст (3 876 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من الصلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام. ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، قبائل العرب في المواسم أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أيوب بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وحدثنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان، وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ثلاث سنين من أول نبوته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردون على رسول الله، ﷺ ، أقبح الرد، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ويكلمونه ويجادلونه ويكلمهم ويدعوهم إلى الله ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا، فكان من سمي لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله، ﷺ ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم

стр. 212

وعبس، وبنو نضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجيب منهم أحد. ذكر دعاء رسول الله، ﷺ ، الأوس والخزرج أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نافع بن كثير عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن أبي منصور عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد ابن ربيع قال: وحدثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عبد الله بن عثمان ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: وحدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: وحدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع أبي محمد قال: سمعت أبا هريرة قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كل سنة بمجنة وعكاظ ومنى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فليست قبيلة من العرب تستجيب له ويؤذى ويشتم حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، فساقه إلى هذا الحي من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وواسوا، وكانوا والله أطول الناس ألسنةً، وأحدهم سيوفاً، فاختلف علينا في أول من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه

стр. 213

وذكروا الرجلين، وذكروا أنه لم يكن أحد أول من الستة، وذكروا أن أول من أسلم ثمانية نفر، وكتبنا كل ذلك، وذكروا أن أول من أسلم من الأنصار أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، خرجا إلى مكة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما: قد شغلنا هذا المصلي عن كل شيء، يزعم أنه رسول الله، قال: وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان يتكلمان بالتوحيد بيثرب، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين سمع كلام عتبة: دونك هذا دينك، فقاما إلى رسول الله، ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم رجعا إلى المدينة، فلقي أسعد أبا الهيثم بن التيهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول الله، ﷺ ، وما دعا إليه، فقال أبو الهيثم: فأنا أشهد معك أنه رسول الله، وأسلم. ويقال: إن رافع بن مالك الزرقي ومعاذ بن عفراء خرجا إلى مكة معتمرين فذكر لهما أمر رسول الله، ﷺ ، فأتياه، فعرض عليهما الإسلام فأسلما، فكانا أول من أسلم، وقدما المدينة، فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق. ويقال: أن رسول الله، ﷺ ، خرج من مكة فمر على نفر من أهل يثرب نزول بمنًى ثمانية نفر، منهم: من بني النجار معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة، ومن بني زريق رافع بن مالك وذكوان ابن عبد قيس، ومن بني سالم عبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، ومن بني عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيهان حليف لهم من بلي، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فعرض عليهم رسول الله، ﷺ ، الإسلام فأسلموا، وقال لهم رسول الله، ﷺ : تمنعون لي ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلم، أعداء متباغضون، وإنما كانت

стр. 214

وقعة بعاث، عام الأول، يوم من أيامنا اقتتلنا فيه فإن تقدم ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام المقبل. ويقال: خرج رسول الله، ﷺ ، في الموسم الذي لقي فيه الستة نفر من الأنصار، فوقف عليهم فقال: أحلفا يهودٍ؟ قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا، وهم: من بني النجار أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث بن عفراء، ومن بني زريق، رافع بن مالك، ومن بني سلمة قطبة بن عامر بن حديدة، ومن بني حرام بن كعب عقبة بن عامر بن نابيء، ومن بني عبيد بن عدي بن سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب، لم يكن قبلهم أحد، قال محمد بن عمر: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المجتمع عليه. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني زكريا بن زيد عن أبيه قال: هؤلاء الستة فيهم أبو الهيثم بن التيهان، ثم رجع الحديث إلى الأول. قالوا: ثم قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام فأسلم من أسلم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر من رسول الله، ﷺ كثيراً. ذكر العقبة الأولى الإثني عشر ليس فيهم عندنا اختلاف، أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد ابن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: وحدثنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن

стр. 215

أبيه وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الرحمن بن عسيلة الصناجي عن عبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذي لقي فيه رسول الله، ﷺ ، النفر الستة لقيه اثنا عشر رجلاً بعد ذلك بعام، وهي العقبة الأولى، من بني النجار أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ وهما ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، ومن بني زريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك، ومن بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن، ومن بني عامر بن عوف عباس بن عبادة ابن نضلة، ومن بني سلمة عقبة بن عامر بن نابيء، ومن بني سواد قطبة ابن عامر بن حديدة، فهؤلاء عشرة من الخزرج، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التيهان من بلي حليف في بني عبد الأشهل، ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، قال: فإن وفيتم فلكم الجنة ومن غشي من ذلك شيئاً كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، ولم يفرض يومئذ القتال، ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، ﷺ ، ابعث إلينا مقرئاً يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير العبدري فزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القرآن، فروى بعضهم أن مصعباً كان يجمع بهم ثم خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله، ﷺ .

стр. 216

ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني محمد ابن يحيى بن سهل عن أبيه عن جده عن أبي بردة بن نيار قال: وحدثني أسامة بن زيد الليثي عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: وحدثني عبد الله بن يزيد عن أبي البداح بن عاصم عن عبد الرحمن ابن عويم بن ساعدة عن أبيه قال: وحدثني عبيد بن يحيى عن معاذ بن رفاعة قال: وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبي سفيان قال: وحدثني بن أبي سبرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال: وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد ابن رومان، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب رسول الله، ﷺ ، الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله، ﷺ ، والإسلام يومئذ فاشٍ بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلاً أو رجلين في خمرالأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، مكة، فسلموا على رسول الله، ﷺ ، ثم وعدهم منًى وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا أنحدروا من منًى بأسفل العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً، قال: فخرج القوم بعد هدأة يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله، ﷺ ، إلى ذلك الموضع معه العباس بن عبد المطلب ليس معه أحد غيره، فكان أول من طلع على رسول الله، ﷺ رافع بن مالك الزرقي

стр. 217

ثم توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زرارة: فكان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه إليه، ومحمد من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله يمنعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة، فارتأوا رأيكم وأتمروا بينكم ولا تفترقوا إلا عن ملإ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه، فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله، ﷺ ، قال: وتلا رسول الله، ﷺ ، عليهم القرآن ثم دعاهم إلى الله ورغبهم في الإسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البراء ابن معرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أول من تكلم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله، ﷺ ، وصدقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ولغطوا، فقال العباس بن عبد المطلب وهو آخذ بيد رسول الله، ﷺ : أخفوا جرسكم فإن علينا عيوناً، وقدموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم، فتكلم البراء بن معرور فأجاب العباس بن عبد المطلب، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، فكان أول من ضرب على يد رسول الله، ﷺ ، البراء بن معرور، ويقال أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله، ﷺ : إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ

стр. 218

غيره فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، فلما بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله، ﷺ : انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منًى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله، ﷺ : إنا لم نؤمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايم الله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء ابن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه ولا تعدوا طرق المدينة، وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعةٍ وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكان ذا جمةٍ، حتى أدخلوه مكة، فجاءه مطعم بن عدي والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعاً إلى المدينة.

стр. 219

ذكر مقام رسول الله، ﷺ ، بمكة من حين تنبأ إلى الهجرة أخبرنا أنس بن عياض ويزيد بن هارون وعبد الله بن نمير قالوا: أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله، ﷺ ، نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وأقام بمكة عشر سنين. أخبرنا أنس بن عياض عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، أقام بمكة عشر سنين. أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالا: أخبرنا سفيان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة، رضي الله تعالى عنها، وابن عباس أن رسول الله، ﷺ ، مكث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن النبي، ﷺ ، أقام بمكة عشراً، وخرج منها في صفر، وقدم المدينة في شهر ربيع الأول. أخبرنا يحيى بن عباد وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم عن ابن عباس قال: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثماني سنين يوحى إليه، زاد عفان في حديثه: وأقام بالمدينة عشر سنين. أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير أن رجلاً أتى ابن عباس فقال: أنزل على رسول الله

стр. 220

صلى الله عليه وسلم، عشراً بمكة وعشراً بالمدينة، فقال: من يقول ذاك؟ لقد أنزل عليه بمكة عشراً وخمساً، يعني سنين أو أكثر. أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن وقرأ: وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ ونزلناه تنزيلاً؛ قال: كان الله ينزل بها القرآن بعضه قبل بعض لما علم أنه سيكون في الناس ويحدث، لقد بلغنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة، أنزل عليه ثماني سنين بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة وعشر سنين بالمدينة. أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة بعد أن بعث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة. أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: مكث رسول الله، ﷺ ، بمكة ثلاث عشرة سنة. أخبرنا كثير بن هشام وموسى بن داود وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي حمزة قال: سمعت ابن عباس يقول: أقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه. ذكر إذن رسول الله، ﷺ ، للمسلمين في الهجرة إلى المدينة أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعن عروة عن عائشة قالا: لما صدر

стр. 221

السبعون من عند رسول الله، ﷺ ، طابت نفسه وقد جعل الله له منعةً وقوما أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم. ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله، ﷺ ، واستأذنوه في الهجرة، فقال: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين، وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخلٍ وسباخ لقلت هي هي، ثم مكث أياماً ثم خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها؛ فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله، ﷺ ، أبو سلمة ابن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله، ﷺ ، أرسالاً فنزلوا علىالأنصار في دورهم، فآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول الله، ﷺ ، فلما خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة كلبت قريش عليهم وحربوا واغتاظوا على من خرج من فتيانهم، وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله، ﷺ ، في العقبة الآخرة ثم رجعوا إلى المدينة، فلما قدم أول من هاجر إلى قباء خرجوا إلى رسول الله، ﷺ ، بمكة حتى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبق بمكة منهم إلا رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر، وعلي، أو مفتون محبوس، أو مريض، أو ضعيف عن الخروج.

стр. 222

ذكر خروج رسول الله، ﷺ ، وأبي بكر إلى المدينة للهجرة أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: وحدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين بن أبي غطفان عن ابن عباس قال: وحدثني قدامة بن موسى عن عائشة بنت قدامة قال: وحدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: وحدثني معمر عن الزهري عن عبد الرحمن ابن مالك بن جعشم عن سراقة بن جعشم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله، ﷺ ، قد حملوا الذراري والأطفال الى الأوس والخزرج عرفوا أنها دار منعة وقوم أهل حلقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله، ﷺ ، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجى منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصماء في بت، فتذاكروا أمر رسول الله، ﷺ ، فأشار كل رجل منهم برأي، كل ذلك يرده إبليس عليهم ولا يرضاه لهم، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نهداً جليداً، ثم نعطيه سيفاً صارماً فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، قال: فقال النجدي: لله در الفتى! هذا والله الرأي وإلا فلا، فتفرقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وأتى جبريل رسول الله، ﷺ ، فأخبره الخبر وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة، وجاء رسول الله، ﷺ ، إلى أبي بكر فقال: إن الله، ، قد أذن لي في الخروج، فقال أبو

стр. 223

بكر: الصحابة يا رسول الله؟ فقال رسول الله، ﷺ : نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله، ﷺ : بالثمن، وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نعم بني قشير، فأخذ إحداهما وهي القصواء، وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه علي وتغشى برداً أحمر حضرمياً كان رسول الله، ﷺ ، ينام فيه، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش، فخرج رسول الله، ﷺ ، عليهم وهم جلوس على الباب، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرها على رؤوسهم ويتلو: يس والقرآن الحكيم؛ حتى بلغ: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمون؛ ومضى رسول الله، ﷺ . فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا محمداً؛ قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم ابن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا قام علي عن الفراش فسألوه عن رسول الله، ﷺ ، فقال: لا علم لي به، وصار رسول الله، ﷺ ، إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله، ﷺ ، أشد الطلب حتى انتهوا إلى باب الغار، فقال: بعضهم إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد، فانصرفوا. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عون بن عمرو القيسي أخو رياح

стр. 224

القيسي، أخبرنا أبو مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون أن النبي، ﷺ . ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي، ﷺ ، فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش، من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبي، ﷺ ، قدر أربعين ذراعاً، نظر أولهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، قال: فسمع النبي، ﷺ ، قوله فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، فسمت النبي، ﷺ ، عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في حرم الله؛ رجع الحديث إلى الأول، قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فهيرة، وكان يأتيهم بها ليلاً فيحتلبون فإذا كان سحر سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهزناهما أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، وقطعت أخرى فصيرته عصاماً لفم القربة، فبذلك سميت ذات النطاقين. ومكث رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً يقال له عبد الله بن أريقط، وهو على دين الكفر، ولكنهما أمناه، فارتحلا ومعهما عامر بن فهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يرتجز، فما شعرت قريش أين وجه رسول الله، ﷺ ، حتى سمعوا صوتاً من جني من أسفل مكة، ولا يرى شخصه: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد

стр. 225

أخبرنا الحارث قال: حدثني غير واحد من أصحابنا، منهم محمد ابن المثنى البزاز وغيره قالوا: أخبرنا محمد بن بشر بن محمد الواسطي، ويكنى أبا أحمد السكري، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجي عن الحر ابن الصياح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله، ﷺ ، لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة جلدةً، برزة، تحتبي وتقعد بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمراً أو لحماً يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله، ﷺ ، إلى شاةٍ في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً! فدعا رسول الله، ﷺ ، بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها في شاتها! قال: فتفاجت ودرت واجترت، فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجاً حتى علبه الثمال فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب، ﷺ ، آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعاً عللاً بعد نهلٍ حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حيلاً عجافاً هزلى ما تساوق، مخهن قليل لا نقي بهن، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي يطلب، صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، متبلج

стр. 226

الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل أزج أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابث ولا مفند؛ قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولو كنت وافقته يا أم معبد لألتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، وأصبح صوت بمكة عالياً بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقول، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصيٍ ما زوى الله عنكم … به من فعالٍ لا يجازي وسودد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت … له بصريحٍ ضرة الشاة مزبد فغادره رهناً لديها لحالب … تدر بها في مصدر ثم مورد وأصبح القوم قد فقدوا نبيهم، وأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا النبي، ﷺ ، قال: فأجابه حسان بن ثابت فقال: لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم … وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قومٍ فزالت عقولهم … وحل على قوم بنور مجدد

стр. 227

وهل يستوي ضلال قوم تسلعوا … عمى وهداة يهتدون بمهتد؟ نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد لتهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته، من يسعد الله يسعد ويهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد قال عبد الملك: فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبي، ﷺ ، وأسلمت، وكان خروج رسول الله، ﷺ ، من الغار ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول فقال يوم الثلاثاء بقديد، فلما راحوا منها عرض لهم سراقة بن مالك بن جعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله، ﷺ ، فرسخت قوائم فرسه، فقال: يا محمد أدع الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأرد من ورائي، ففعل، فأطلق ورجع فوجد الناس يلتمسون رسول الله، ﷺ ، فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا وقد عرفتم بصري بالأثر، فرجعوا عنه، أخبرنا عثمان بن عمر عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال: خرج رسول الله، ﷺ ، ومعه أبو بكر فعرض لهما سراقة بن جعشم فساخت فرسه، فقال: يا هذان أدعوا لي الله ولكما ألا أعود، فدعوا الله فعاد فساخت فقال: أدعوا لي الله ولكما ألا أعود، قال: وعرض عليهما الزاد والحملان فقالا: اكفنا نفسك، فقال: قد كفيتكماها. ثم رجع الحديث إلى الأول، قال: وسلك رسول الله، ﷺ ، في الخرار ثم جاز ثنية المرة ثم سلك لقفاً ثم أجاز مدلجة لقفٍ ثم استبطن مدلجة مجاج ثم سلك مرجح مجاج ثم بطن مرجح

стр. 228

ثم بطن ذات كشد ثم على الحدائد ثم على الأذاخر ثم بطن ريغ فصلى به المغرب ثم ذا سلمٍ ثم أعدا مدلجة ثم العثانية ثم جاز بطن القاحة ثم هبط العرج ثم سلك في الجدوات ثم في الغابر عن يمين ركوبة ثم هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجثجاثة، فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوفٍ فلا يقرب المدينة؟ فسلك على طريق الظبي حتى خرج على العصبة، وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله، ﷺ ، في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرة العصبة فيتحينون قدومه في أول النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله، ﷺ ، وهو يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ويقال لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، جلسوا كما كانوا يجلسون، فلما أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيح على أطم بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء، فخرجوا، فإذا رسول الله، ﷺ ، وأصحابه الثلاثة، فسمعت الرجة في بني عمرو بن عوف والتكبير، وتلبس المسلمون السلاح، فلما انتهى رسول الله، ﷺ ، إلى قباء جلس رسول الله، ﷺ ، وقام أبو بكر يذكر الناس، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله، ﷺ ، ونزل رسول الله، ﷺ ، على كلثوم بن الهدم، وهو الثبت عندنا، ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب، فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر الصديق كان رديف النبي، ﷺ ، بين مكة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشأم فكان يعرف، وكان النبي، ﷺ ، لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا

стр. 229

الغلام بين يديك؟ فقال: هذا يهديني السبيل، فلما دنوا من المدينة نزلا الحرة، وبعث إلى الأنصار فجاؤوا فقالوا: قوما آمنين مطمئنين، قال: فشهدته يوم دخل المدينة علينا، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت قط يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات. أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال: ركب رسول الله، ﷺ ، وراء أبي بكر ناقته، قال: فكلما لقيه إنسان قال: من أنت؟ قال: باغ أبغي، فقال: من هذا وراءك؟ قال: هادٍ يهديني. أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله، ﷺ ، المدينة أضاء منها كل شيء. أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: جاء النبي، ﷺ ، يعني إلى المدينة، في الهجرة فما رأيت أشد فرحاً منهم بشيء من النبي، ﷺ ، حتى سمعت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء قد جاء! أخبرنا يحيى بن عباد وعفان بن مسلم قالا: أخبرنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء يقول: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئان الناس القرآن، قال: ثم جاء عمار وبلال وسعد، قال: ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، قال ثم جاء رسول الله، ﷺ ، قال: فما رأيت الناس فرحوا بشيء قط فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء! فما قدم حتى قرأت: سبح

стр. 230

اسم ربك الأعلى، وسوراً من المفصل. أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا عوف بن زرارة ابن أوفى قال: قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة انجفل الناس، إليه وقيل: قدم رسول الله، ﷺ ، قال: فجئت في الناس لأنظر إليه، قال: فلما رأيت وجه رسول الله، ﷺ ، إذا وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام وادخلوا الجنة بسلام. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا أبو التياح عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله، ﷺ ، فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملإٍ من بني النجار فجاؤوه متقلدين سيوفهم، قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقي بفناء أبي أيوب. أخبرنا أبو معمر المنقري، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا عبد العزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك قال: أقبل نبي الله، ﷺ ، إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، قال: وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله، ﷺ ، شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، قال: والتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا، قال: فالتفت نبي الله، ﷺ ، فقال: اللهم اصرعه، قال: فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم

стр. 231

قال فقال: يا نبي الله مرني بما شئت، قال فقال: قف مكانك فلا تتركن أحداً يلحق بنا، قال: فكان أول النهار جاهداً على رسول الله، ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحةً له قال: فنزل نبي الله، ﷺ ، جانب الحرة وبعث إلى الأنصار، فجاؤوا نبي الله، ﷺ ، فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، قال: فركب نبي الله، ﷺ ، وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح، قال: فقيل في المدينة جاء نبي الله! جاء نبي الله! فاستشرفوا نبي الله ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، ﷺ ! قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جنب دار أبي أيوب، قال فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله، ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله، ﷺ ، أي بيوت أهلنا أقرب؟ قال فقال أبو أيوب: يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، قال فقال: اذهب فهييء لنا مقيلاً، قال فذهب فهيأ لهما مقيلاً ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هيأت لكما مقيلاً، قوما على بركة الله فقيلا. قال: ثم رجع الحديث إلى الأول، قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، ببني عمرو بن عوف يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمع في بني سالم، ويقال: أقام ببني عمرو ابن عوف أربع عشرة ليلة، فلما كان يوم الجمعة ارتفاع النهار دعا راحلته وحشد المسلمون وتلبسوا بالسلاح وركب رسول الله، ﷺ ، ناقته القصواء والناس معه عن يمينه وشماله فاعترضته الأنصار لا يمر بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيراً ويدعو لهم ويقول: إنها مأمورة فخلوا سبيلها، فلما أتى مسجد بني سالم جمع بمن كان معه من المسلمين وهم مائة.

стр. 232

أخبرنا يحيى بن محمد الجاري قال: حدثني مجمع بن يعقوب أنه سمع شرحبيل بن سعد يقول: لما أراد رسول الله، ﷺ ، أن ينتقل من قباء اعترضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله، وأخذوا بخطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فقال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ثم اعترضت له بنو الحارث بن الخزرج فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، ثم اعترضت له بنو عدي فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، حتى بركت حيث أمرها الله. قال: ثم رجع الحديث إلى الأول، قال: ثم ركب رسول الله، ﷺ ، ناقته وأخذ عن يمين الطريق حتى جاء بلحبلى ثم مضى حتى انتهى إلى المسجد فبركت عند مسجد رسول الله، ﷺ ، فجعل الناس يكلمون رسول الله، ﷺ ، في النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحط رحله فأدخله منزله، فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: المرء مع رحله! وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة رسول الله، ﷺ ، فكانت عنده، وهذا الثبت. قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله، ﷺ ، في منزل أبي أيوب هدية دخلت بها إناء قصعة مثرودة فيها خبز وسمن ولبن فقلت: أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيك! ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله، ﷺ ، الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك، حتى تحول رسول الله، ﷺ ، من منزل أبي أيوب وكان مقامه فيه سبعة أشهر، وبعث رسول الله، ﷺ ، من منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله، ﷺ ، وسودة بنت زمعة

стр. 233

زوجته وأسامة بن زيد، وكانت رقية بنت رسول الله، ﷺ ، قد هاجر بها زوجها عثمان بن عفان قبل ذلك، وحبس أبو العاص بن الربيع امرأته زينب بنت رسول الله، ﷺ ، وحمل زيد بن حارثة امرأته أم أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان. ذكر مؤاخاة رسول الله، ﷺ ، بين المهاجرين والأنصار أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: وحدثنا موسى ابن ضمرة بن سعيد عن أبيه قالوا: لما قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمؤاساة ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلاً، خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، ويقال: كانوا مائة، خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر، فلما كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله إن الله بكل شيءٍ عليم؛ فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، وأنقطعت المؤاخاة في الميراث، ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول

стр. 234

عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، حالف بين المهاجرين والأنصار في دار أنس. ذكر بناء رسول الله، ﷺ ، المسجد بالمدينة أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال: بركت ناقة رسول الله، ﷺ ، عند موضع مسجد رسول الله، ﷺ ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين وكان مربداً لسهل وسهيل، غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد ابن زرارة، فدعا رسول الله، ﷺ ، بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله، ﷺ ، حتى ابتاعه منهما، قال محمد بن عمر وقال غير معمر عن الزهري: فابتاعه منهما بعشرة دنانير، قال وقال معمر عن الزهري: وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جداراً مجدراً ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه فكان يصلي بأصحابه فيه ويجمع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله، ﷺ ، فأمر رسول الله، ﷺ ، بالنخل الذي في الحديقة والغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها رسول الله، ﷺ ، فنبشت، وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريباً من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، وبنى رسول الله، صلى

стр. 235

الله عليه وسلم، وأصحابه، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجره وجعل يقول: هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر، ربنا، وأطهر وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخره، وباباً يقال له باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل فيه رسول الله، ﷺ ، وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار بسطةً، وعمده الجذوع، وسقفه جريداً، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: عريش كعريش موسى خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك، وبنى بيوتاً إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو التياح عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ ، يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد فأرسل إلى ملإ من بني النجار فجاؤوه، فقال: ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكانت فيه قبور المشركين، وكان فيه نخل، وكانت فيه خرب، فأمر رسول الله، ﷺ ، بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، وكانوا يرتجزون ورسول الله، ﷺ ، معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة

стр. 236

قال أبو التياح: فحدثني ابن أبي الهذيل أن عماراً كان رجلاً ضابطاً وكان يحمل حجرين حجرين فقال رسول الله، ﷺ : ويهاً ابن سمية تقتلك الفئة الباغية. أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثني معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت معمر بن راشد يحدث عن الزهري قال: قال نبي الله، ﷺ ، وهم يبنون المسجد: هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر، ربنا، وأطهر قال: فكان الزهري يقول أنه لم يقل شيئاً من الشعر إلا قد قيل قبله أو نوى ذاك إلا هذا. ذكر صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الأخنسي وعن غيرهما أن رسول الله، ﷺ ، لما هاجر إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة فقال: يا جبريل وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود، فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك وسله، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء، فنزلت عليه: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلةً ترضاها؛ فوجه إلى الكعبة إلى الميزاب، ويقال: صلى رسول الله، ﷺ ، ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: بل زار رسول الله، صلى الله عليه

стр. 237

وسلم، أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاماً، وحانت الظهر فصلى رسول الله، ﷺ ، بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسمي المسجد مسجد القبلتين، وذلك يوم الإثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً، وفرض صوم شهر رمضان في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً، قال محمد بن عمر: وهذا الثبت عندنا. أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله، ﷺ ، صلى إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً ثم حول إلى الكعبة قبل بدر بشهرين. أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء أن رسول الله، ﷺ ، صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلاها أو صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله، ﷺ ، قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله، ﷺ ، كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلةً ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام؛ فمر رجل من بني سلمة يقوم وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فمالوا إلى الكعبة. أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، أخبرنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أنه قال: كنا مع رسول الله، ﷺ ، حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً.

стр. 238

أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا قيس بن الربيع، أخبرنا زياد بن علاقة عن عمارة بن أوس الأنصاري قال: صلينا إحدى صلاتي العشي فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى: إن الصلاة قد وجهت إلى الكعبة، فتحول أو انحرف إمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان. أخبرنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: كان رسول الله، ﷺ ، وهو بمكة يصلي نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة شتة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة. أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: ما خالف نبي نبياً قط في قبلة ولا في سنة إلا أن رسول الله، ﷺ ، استقبل بيت المقدس من حيث قدم المدينة ستة عشر شهراً ثم قرأ: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً. أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء أن رسول الله، ﷺ ، كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر، وصلاها معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله، ﷺ ، قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان يعجبه أن يحول قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم، إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا

стр. 239

فلم ندر ما يقول فيهم فأنزل الله: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم. ذكر المسجد الذي أسس على التقوى أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد، وحدثنا عبد العزيز بن محمد وسليمان بن بلال عن إسحاق بن المستورد عن محمد بن عمر بن جارية عن أبي غزية، وحدثنا عبد الله بن محمد عن أبيه عن جده عن أبي سعيد الخدري قالوا: لما صرفت القبلة إلى الكعبة أتى رسول الله، ﷺ ، مسجد قباء فقدم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسسه وقال رسول الله، ﷺ ، جبريل يؤم بي البيت، ونقل رسول الله، ﷺ ، وأصحابه الحجارة لبنائه، وكان رسول الله، ﷺ ، يأتيه كل سبت ماشياً، وقال رسول الله، ﷺ : من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرةٍ؛ وكان عمر يأتيه يوم الإثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل، وكان أبو أيوب الأنصاري يقول: هو المسجد الذي أسس على التقوى، وكان أبي بن كعب وغيره من أصحاب رسول الله، ﷺ ، يقولون: هو مسجد رسول الله، ﷺ . أخبرنا محمد بن الصلت، أخبرنا أبو كدينة عن هشام بن عروة عن أبيه في قوله تعالى: لمسجد أسس على التقوى؛ قال: مسجد قباء.

стр. 240

أخبرنا سفيان بن عيينة عن زيد بن عمر قال: قال ابن عمر: دخل رسول الله، ﷺ ، مسجد بني عمرو بن عوف وهو مسجد قباء، قال: فدخلت عليه رجال الأنصار يسلمون عليه، قال ابن عمر: ودخل معه صهيب، فسألت صهيباً: كيف كان رسول الله، ﷺ ، يصنع إذا كان يسلم عليه؟ قال: كان يشير بيده. أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة، حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله، ﷺ ، يوم الإثنين إلى قباء. أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن سالم أو نافع عن ابن عمر قال: لقد رأيت رسول الله، ﷺ ، يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً. أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي، ﷺ ، كان يأتي قباء ماشياً وراكباً. أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي، أخبرنا عبيد الله، يعني ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يأتي مسجد قباء فيصلي فيه ركعتين. أخبرنا معن بن عيسى والفضل بن دكين قالا: أخبرنا هشام بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى قباء فقام يصلي فجاءته الأنصار تسلم عليه، فقال ابن عمر فقلت: لبلال: كيف رأيت رسول الله، ﷺ ، يرد عليهم؟ قال: يشير إليهم بيده وهو يصلي. أخبرنا خالد بن مخلد وأبو عامر العقدي قالا: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن عمته أم بكر بنت المسور أن عمر بن الخطاب قال: لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل. أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال: أخبرنا أبو أسامة، أخبرنا

стр. 241

عبد الحميد بن جعفر، أخبرنا أبو الأبرد مولى بني خطمة عن أسد بن ظهير، وكان من أصحاب النبي، ﷺ ، قال: قال رسول الله، ﷺ : من أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة. ذكر الأذان أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، أخبرنا سليمان بن سليم القاري عن سليمان بن سحيم عن نافع بن جبير قال: وحدثنا عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: وحدثنا هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم قال: وحدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب قالوا: كان الناس في عهد النبي، ﷺ ، قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي، ﷺ ، الصلاة جامعةً، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وكان رسول الله، ﷺ ، قد أهمه أمر الأذان وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة فقال بعضهم البوق وقال بعضهم الناقوس، فبينا هم على ذلك إذ نام عبد الله ابن زيد الخزرجي فأري في النوم أن رجلاً مر وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس، قال فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: ماذا تريد به؟ فقلت: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك، تقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فأتى عبد الله بن زيد رسول الله، ﷺ ، فأخبره، فقال له: قم مع بلالٍ فألق عليه ما قيل لك وليؤذن

стр. 242

بذلك، ففعل، وجاء عمر فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله، ﷺ : فلله الحمد فذلك أثبت، قالوا: وأذن بالأذان وبقي ينادي في الناس الصلاة جامعةً للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به مثل فتح يقرأ أو أمر يؤمرون، به فينادي الصلاة جامعةً، وإن كان في غير وقت صلاة. أخبرنا محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سليمان بن كثير، أخبرنا حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد الأنصاري ثم من بني النجار قال: استشار رسول الله، ﷺ ، الناس في الأذان فقال: لقد هممت أن أبعث رجالاً فيقومون على آطام المدينة فيؤذنون الناس بالصلاة حتى هموا أن ينقسوا، قال: فأتى عبد الله بن زيد أهله فقالوا: ألا نعشيك؟ قال: لا أذوق طعاماً فإني قد رأيت نبي الله، ﷺ ، قد أهمه أمره للصلاة، فنام فرأى في المنام كأن رجلاً عليه ثياب خضر وهو قائم على سقف المسجد فأذن ثم قعد قعدةً ثم قام فأقام الصلاة، قال: فقام إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره بالذي رأى، فأمره أن يعلم بلالاً ففعل، قال: فأقبل الناس لما سمعوا ذلك، وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله لقد رأيت الذي رأى، فقال له نبي الله، ﷺ : فما منعك أن تأتيني؟ قال: استحييت لما رأيتني قد سبقت يا رسول الله. أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني عبد الرحيم بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر أن رسول الله، ﷺ ، أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس للصلاة فذكر عنده البوق وأهله فكرهه، وذكر الناقوس وأهله فكرهه، حتى أري رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد الأذان، وأريه عمر بن الخطاب تلك الليلة، فأما عمر فقال: إذا أصبحت

стр. 243

أخبرت رسول الله، ﷺ ، وأما الأنصاري فطرق رسول الله، ﷺ ، من الليل فأخبره، وأمر رسول الله، ﷺ ، بلالاً فأذن بالصلاة، وذكر أذان الناس اليوم، قال: فزاد بلال في الصبح: الصلاة خير من النوم، فأقرها رسول الله، ﷺ ، وليست فيما أري الأنصاري. ذكر فرض شهر رمضان وزكاة الفطر وصلاة العيدين وسنة الأضحية أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي عن الزهري عن عروة عن عائشة قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: وأخبرنا عبد العزيز بن محمد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده قالوا: نزل فرض شهر رمضان بعدما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجر رسول الله، ﷺ ، وأمر رسول الله، ﷺ ، في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفرض الزكاة في الأموال، وأن تخرج عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأثنى، صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو مدان من بر، وكان يخطب رسول الله، ﷺ ، قبل الفطر بيومين فيأمر بإخراجها قبل أن يغدو إلى المصلى وقال: أغنوهم، يعني المساكين، عن طواف هذا اليوم، وكان يقسمها إذا رجع، وصلى رسول الله، ﷺ ، صلاة العيد يوم الفطر بالمصلى قبل الخطبة، وصلى العيد يوم الأضحى، وأمر بالأضحية، وأقام بالمدينة عشر سنين يضحي في

стр. 244

كل عام. أخبرنا عبد الله بن نمير عن حجاج عن نافع قال: سئل بن عمر عن الأضحية فقال: أقام رسول الله، ﷺ ، بالمدينة عشر سنين لا يدع الأضحى، ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر الأول، قالوا: وكان يصلي العيدين قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكانت تحمل العنزة بين يديه، وكانت العنزة للزبير بن العوام قدم بها من أرض الحبشة فأخذها منه رسول الله، ﷺ . أخبرنا حماد بن خالد الخياط عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي، ﷺ ، أنه كانت تحمل له عنزة يوم العيد يصلي إليها، ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قالوا: وكان رسول الله، ﷺ ، إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بيده بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه هو عن نفسه بيده ثم يقول: هذا عن محمدٍ وآل محمدٍ، فيأكل هو وأهله منه ويطعم المساكين، وكان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية، قال محمد بن عمر: وكذلك تصنع الأئمة عندنا بالمدينة. ذكر منبر رسول الله، ﷺ أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: وحدثني غير محمد ابن عبد الرحمن أيضاً ببعض ذلك قالوا: كان رسول الله، صلى الله عليه

стр. 245

وسلم، يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائماً فقال: إن القيام قد شق علي، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور رسول الله، ﷺ ، المسلمين في ذلك فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له كلاب أعمل الناس، فقال رسول الله، ﷺ : مره أن يعمله، فأرسله إلى أثلةٍ بالغابة فقطعها، ثم عمل منها درجتين ومقعداً، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم، فجاءه رسول الله، ﷺ ، فقام عليه وقال: منبري هذا على ترعةٍ من ترع الجنة وقوائم منبري رواتب في الجنة، وقال: منبري على حوضي، وقال: ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، وسن رسول الله، ﷺ ، الأيمان على الحقوق عند منبره وقال: من حلف على منبري كاذباً ولو على سواك أراكٍ فليتبوأ مقعده من النار، وكان رسول الله، ﷺ ، إذا صعد على المنبر سلم، فإذا جلس أذن المؤذن، وكان يخطب خطبتين ويجلس جلستين، وكان يشير بإصبعه ويؤمن الناس، وكان يتوكأ على عصاً يخطب عليها يوم الجمعة وكانت من شوحط، وكان إذا خطب استقبله الناس بوجوههم وأصغوا بأسماعهم ورمقوه بأبصارهم، وكان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وكان له برد يمني طوله ست أذرع في ثلاث أذرع وشبر، وإزار من نسج عمان طوله أربع أذرع وشبر في ذراعين وشبر، فكان يلبسهما في الجمعة ويوم العيد ثم يطويان. أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك بن أنس قال: حدثني سليمان بن بلال عن سعد بن سعيد بن قيس عن عباس ابن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه أن النبي، ﷺ ، كان يقوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين، قال: اراها من دومٍ

стр. 246

وكانت في مصلاه فكان يتكيء إليها، فقال له أصحابه: يا رسول الله، إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس؟ فقال: ما شئتم، قال سهل: ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد فذهبت أنا وذاك النجار إلى الخافقين فقطعنا هذا المنبر من أثلة، قال: فقام عليه النبي، ﷺ ، فحنت الخشبة، فقال النبي، ﷺ : ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة؟ فأقبل الناس وفرقوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم، فنزل النبي، ﷺ ، حتى أتاها فوضع يده عليها فسكنت، فأمر النبي، ﷺ ، بها فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف. قال: أخبرنا يحيى بن محمد الجاري عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل ابن سعد الساعدي عن أبيه عن جده قال: قطع للنبي، ﷺ ، ثلاث درجات من طرفاء الغابة، وإن سهلاً حمل خشبة منهن حتى وضعها في موضع المنبر. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: حدثني من سمع جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله، ﷺ ، كان يقوم إلى جذع نخلة منصوب في المسجد حتى إذا بدا له أن يتخذ المنبر شاور ذوي الرأي من المسلمين فرأوا أن يتخذه، فاتخذه رسول الله، ﷺ ، فلما كان يوم الجمعة أقبل رسول الله، ﷺ ، حتى جلس على المنبر، فلما فقده الجذع حن حنيناً أفزع الناس، فقام رسول الله، ﷺ ، من مجلسه حتى انتهى إليه فقام إليه ومسه فهدأ، ثم لم يسمع له حنين بعد ذلك اليوم. أخبرنا عبد الله بن جعفر الرفي قال: حدثني عبيد الله بن عمرو عن ابن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله، صلى

стр. 247

الله عليه وسلم، يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشاً، فكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن أعمل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر أعلى المنبر، فلما صنع المنبر ووضع في موضعه وأراد رسول الله، ﷺ ، أن يقوم على المنبر فمر إليه، فخار الجذع حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله، ﷺ ، فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إلى ذلك الجذع، فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتاً. أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أن النبي، ﷺ ، كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر فتحول إليه حن الجذع حتى أتاه فاحتضنه، فقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة. أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي، أخبرنا عبد العزيز ابن أبي حازم عن أبيه أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن المنبر من أي عود هو، فقال: أرسل رسول الله، ﷺ إلى فلانة، امرأة سماها، فقال: مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاث الدرجات من طرفاء الغابة، فأمر رسول الله، ﷺ ، فوضعت هذا الموضع، قال سهل: فرأيت رسول الله، ﷺ ، أول يوم جلس عليه كبر فكبر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقهرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من صلاته، فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي

стр. 248

ولتعلموا صلاتي. أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك الأنصاري أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان المسجد في زمان النبي، ﷺ ، مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان النبي، ﷺ ، إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، قال: فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار حتى جاءه النبي، ﷺ ، فوضع يده عليه فسكن. أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد ابن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، قال: والترعة الباب. أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: كنا نقول إن المنبر على ترعة من ترع الجنة، قال سهل: أتدرون ما الترعة؟ قالوا: نعم، الباب، قال: نعم هو الباب. أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد الله بن عمر عن خبيب ابن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي. أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان عن عمار الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله، ﷺ : قوائم منبري رواتب في الجنة. أخبرنا أنس بن عياض الليثي، أخبرنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي

стр. 249

وقاص الزهري عن عبد الله بن نسطاس قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله، ﷺ : لا يحلف رجل على يمينٍ آثمةٍ عند هذا المنبر إلا تبوأ مقعده من النار ولو على سواكٍ أخضر. أخبرنا الضحاك بن مخلد عن الحسن بن يزيد أبي يونس الضمري قال: سمعت أبا سلمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله، ﷺ : لا يحلف أحد عند هذا المنبر، أو عند منبري، على يمينٍ آثمةٍ ولو على سواكٍ رطبٍ إلا وجبت له النار. أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني أن رسول الله، ﷺ ، قال: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني بن أبي ذئب عن حمزة بن أبي جعفر عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وضع يده على مقعد النبي، ﷺ ، من المنبر ثم وضعها على وجهه. أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي وخالد بن مخلد البجلي قالا: أخبرنا أبو مودود عبد العزيز، مولى لهذيل، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت ناساً من أصحاب النبي، ﷺ ، إذا خلا المسجد أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. قال أبو عبد الله محمد بن سعد: ذكر عبد الله بن مسلمة الصلعاء ولم يذكرها خالد بن مخلد.

стр. 250

ذكر الصفة ومن كان فيها من أصحاب النبي ﷺ قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني واقد بن أبي ياسر التميمي عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: كان أهل الصفة ناساً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، لا منازل لهم، فكانوا ينامون على عهد رسول الله، ﷺ ، في المسجد ويظلون فيه ما لهم مأوى غيره، فكان رسول الله، ﷺ ، يدعوهم إليه بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله، ﷺ ، حتى جاء الله تعالى بالغنى. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن مسلمة عن عمر ابن عبد الله عن ابن كعب القرظي في قوله، جل ثناؤه: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله؛ قال: هم أصحاب الصفة وكانوا لا مساكن لهم بالمدينة ولا عشائر فحث الله عليهم الناس بالصدقة. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رأيت ثلاثين رجلاً من أهل الصفة يصلون خلف رسول الله، ﷺ ، ليس عليهم أردية. أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني زيد بن فراس عن محمد بن كعب قال: سمعت واثلة بن الأسقع قال: رأيت ثلاثين رجلاً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، يصلون خلف رسول الله، ﷺ ، في الأزر، أنا منهم. قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن خوط عن إسحاق
следующие страницы →