← Тараджим

Тараджим · id 9351

الطبقات الكبرى - ط دار صادر

ابن سعد

Полный текст (3 876 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره،، وكانوا قوما من يهود حلفاء لعبد الله بن أبي بن سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة فوادعوا النبي، ﷺ ، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد والمرة، فأنزل الله، ﵎، على نبيه: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فقال رسول الله، ﷺ : أنا أخاف بني قينقاع، فسار إليهم بهذه الآية. وكان الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء رسول الله، ﷺ ، أبيض ولم يكن الرايات يومئذ، واستخلف على المدينة لبابة بن عبد المنذر العمري ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فكانوا أول من عدر من اليهود وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم أشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، أن لرسول الله، ﷺ ، أموالهم وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل رسول الله، ﷺ ، على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي من بني السلم، رهط سعد بن خيثمة، فكلم فيهم عبد الله بن أبيّ رسول الله، ﷺ ، وألح عليه فقال: خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم! وتركهم من القتل وأمر بهم أن يجلو من المدينة، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت فلحقوا بأذرعات فما كان أقل بقاءهم بها، وأخذ رسول الله، ﷺ ، من سلاحهم ثلاث قسي: قوسا تدعى الكتوم كسرت بأحد، وقوسا تدعى الروحاء، وقوسا تدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم: درعا يقال لها الصغدية وأخرى فضة، وثلاثة أسياف سيف قلعي وسيف يقال له بتار وسيف آخر، وثلاثة أرماح، ووجدوا في حصنهم سلاحا كثيرا وآله الصياغة فأخذ رسول الله، ﷺ ، صفيه والخمس وفض

стр. 527

أربعة أخماس على أصحابه، فكان أول خمس خمس بعد بدر، وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة. غزوة السويق ثم غزوة النبي، ﷺ ، التي تدعى غزوة السويق. خرج رسول الله، ﷺ ، يوم الأحد لخمس خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره،، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم الدهن حتى يثئر من محمد وأصحابه، فخرج في مائتي راكب، في حديث الزهري، وفي حديث بن كعب في أربعين راكبا، فسلكوا النجدية فجاؤوا بني النضير ليلا فطرقوا حيي بن أخطب ليستخبروه من أخبار رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سلام بن مشكم ففتح لهم وقراهم وسقاهم خمرا وأخبرهم من أخبار رسول الله، ﷺ ، فلما كان بالسحر خرج أبو سفيان بن حرب فمر بالعريض، وبينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال، فقتل به رجلا من الأنصار وأجيرا له وحرق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلت ثم ولى هاربا، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فندب أصحابه وخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق وهي عامة أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها فسميت غزوة السويق ولم يلحقوهم، وانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وكان غاب خمسة أيام.

стр. 528

غزوة قرقرة الكدر ويقال: قرارة الكدر. ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، قرقرة الكدر، ويقال قرارة الكدر، للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره،، وهي بناحية معدن بني سليم قريب من الأرحضية وراء سد معونة، وبين المعدن وبين المدينة ثمانية برد، وكان الذي حمل لواءه، ﷺ ، علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد في المجال أحدا، وأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم رسول الله، ﷺ ، في بطن الوادي فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار، فسأله عن الناس فقال: لا علم لي بهم إنما أورد لخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا إلى المياه ونحن عزاب في النعم. فانصرف رسول الله، ﷺ ، وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بعيران، وكانوا مائتي رجل، وصار يسار في سهم النبي، ﷺ ، فأعتقه؛ وذلك أنه رآه يصلي. وغاب رسول الله، ﷺ ، خمس عشرة ليلة. سرية قتل كعب بن الأشرف ثم سرية قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول

стр. 529

الله، ﷺ ، وكان سبب قتله أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبي، ﷺ ، وأصحابه ويحرض عليهم ويؤذيهم، فلما كانت وقعة بدر كبت وذل وقال بطن الأرض خير من ظهرها اليوم، فخرج حتى قدم مكة فبكى قتلى قريش وحرضهم بالشعر، ثم قدم المدينة فقال رسول الله، ﷺ : اللهم اكفني بن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار، وقال أيضا: من لي بابن الأشرف فقد آذاني؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله وأنا أقتله، فقال: افعل وشاور سعد بن معاذ في أمره. واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن معاذ وأبو عبس بن جبر فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل؛ فقال: قولوا. وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة فخرج إليه، فأنكره كعب وذعر منه فقال: أنا أبو نائلة إنما جئت أخبرك أن قدوم هذا الرجل كان علينا من البلاء، حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ونحن نريد التنحي منه، ومعي رجال من قومي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة، فسكن إلى قوله قال: جيء بهم متى شئت. فخرج من عنده على ميعاد فأتى أصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى، ثم أتوا رسول الله، ﷺ ، فأخبروه فمشى معهم حتى أتى البقيع ثم وجههم وقال امضوا على بركة الله وعونه؛ قال: وفي ليلة مقمرة، فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف له أبو نائلة فوثب، فأخذت امرأته بملحفته وقالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب! وكان حديث عهد بعرس، قال: ميعاد علي وإنما هو أخي أبو نائلة، وضرب بيده الملحفة وقال: لو دعي الفتى لطعنة أجاب، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة حتى انبسط إليهم وأنس بهم، ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره وأخذ بقرون رأسه وقال لأصحابه: اقتلوا عدو الله! فضربوه بأسيافهم فالتفت عليه فلم تغن شيئا ورد بعضها

стр. 530

بعضا ولصق بأبي نائلة؛ قال: محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا كان في سيفي فانتزعته فوضعته في سرته ثم تحاملت عليه فقططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهود إلا أوقدت عليه نار؛ ثم حزوا رأسه وحملوه معهم، فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا وقد قام رسول الله، ﷺ ، تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أفلحت الوجوه! فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه! فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت بن الأشرف. أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر بن راشد عن الزهري، في قوله تعالى: ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا؛ قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على رسول الله، ﷺ ، وأصحابه يعني في شعره، يهجو النبي، ﷺ ، وأصحابه. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة ورجل آخر يقال له أبو عبس، فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي، فلما رآهم ذعر منهم وأنكر شأنهم، قالوا: جئناك في حاجة، قال: فليدن إلي بعضكم فليخبرني بحاجته، فجاءه رجل منهم فقالوا: جئناك لنبيعك أدراعا عندنا لنستنفق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد جهدتم مذ نزل بكم هذا الرجل. فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدأ عنهم الناس، فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم. أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن أيوب عن عكرمة أنه أشرف عليهم فكلموه وقال: ما ترهنون عندي؟ أترهنوني أبناءكم؟ وأراد أن يسلفهم تمرا، قالوا: إنا نستحي أن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق

стр. 531

وهذا رهينة وسقين! قال: فترهنوني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم! قال: نعم ائتوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم، قالوا: فانزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا، فذهب ينزل، فتعلقت امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك، قال: لو وجدوني هؤلاء نائما ما أيقظوني، قالت: فكلمهم من فوق البيت، فأبى عليها فنزل إليهم تفوح ريحه فقالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: عطر أم فلان لامرأته، فدنا بعضهم يشم رأسه ثم اعتنقه وقال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه. ثم رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين، فجاؤوا النبي، ﷺ ، فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكرهم النبي، ﷺ ، صنيعه وما كان يحض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا أحسبه. قال: وكان ذلك الكتاب مع علي، رضي الله تعالى عنه بعد. غزوة رسول الله، ﷺ ، غطفان ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، غطفان إلى نجد، وهي ذو أمر، ناحية النخيل، في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره،، وذلك أنه بلغ رسول الله، ﷺ ، أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله، ﷺ ، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الحارث من بني محارب، فندب رسول الله، ﷺ ، المسلمين وخرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلا

стр. 532

ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فأصابوا رجلا منهم بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله، ﷺ ، فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام فأسلم. وضمه رسول الله، ﷺ ، إلى بلال ولم يلاق رسول الله، ﷺ ، أحدا إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال. وأصاب رسول الله وأصحابه مطر، فنزع رسول الله، ﷺ ، ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع، فجاء رجل من العدو يقال له دعثور بن الحارث ومعه سيف حتى قام على رأس رسول الله، ﷺ ، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله، ﷺ : الله! ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله، ﷺ ، وقال له: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله! ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم (الآية) ثم أقبل رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة ولم يلق كيدا وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة. غزوة رسول الله، ﷺ ، بني سليم ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، بني سليم ببحران لست خلون من جمادي الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره،، وبحران بناحية الفرع وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وذلك أنه بلغه أن بها جمعا من بني سليم كثيرا، فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة

стр. 533

ابن أم المكتوم، وأغذ السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال. سرية زيد بن حارثة ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله، ﷺ ، وهي أول سرية خرج فيها زيدا أميرا، والقردة من أرض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق، بعثه رسول الله، ﷺ ، يعترض لعير قريش، فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعه مال كثير نقر وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فرات بن حيان العجلي، فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق، فبلغ رسول الله، ﷺ ، أمرهم فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله، ﷺ ، فخمسها فبلغ الخمس فيه عشرين ألف درهم، وقسم ما بقي على أهل السرية، وأسر فرات بن حيان فأتي به النبي، ﷺ ، فقيل له: إن تسلم تترك! فأسلم فتركه رسول الله، ﷺ ، من القتل. غزوة رسول الله، ﷺ ، أحدا ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، أحدا يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره،. قالوا: لما رجع

стр. 534

من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي؛ فباعوها فصارت ذهبا فكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارا، وفيهم نزلت: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله؛ وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب يدعونهم إلى نصرهم، فأوعبوا وتألب من كان معهم من العرب وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظعن، يعني النساء، معهم ليذكرنهم قتلى بدر فيحفظنهم فيكون أحد لهم في القتال. وكتب العباس بن عبد المطلب بخبرهم كله إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبر رسول الله، ﷺ ، سعد بن الربيع بكتاب العباس، وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكة ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمى قبل ذلك الراهب، في خمسين رجلا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظعن خمس عشرة امرأة، وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا الحليفة، فبعث رسول الله، ﷺ ، عينين له أنسا ومؤنسا ابني فضالة الظفريين، ليلة الخميس لخمس ليال مضين من شوال، فأتيا رسول الله، ﷺ ، بخبرهم وأنهم قد خلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم أيضا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة، في عدة ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله، ﷺ ، وحرست المدينة حتى أصبحوا. ورأى رسول الله، ﷺ ، تلك الليلة كأنه

стр. 535

في درع حصينة، وكأن سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظبته، وكأن بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا، فأخبر بها أصحابه، وأولها فقال: أما الدرع الحصينة فالمدينة، وأما انفصام سيفي فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتل في أصحابي، وأما مردف كبشا فكبش الكتيبة يقتله الله إن شاء الله، فكان رأي رسول الله، ﷺ ، أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحب أن يوافق على مثل رأيه فاستشار أصحابه في الخروج فأشار عليه عبد الله بن أبي بن سلول أن لا يخرج، وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله، ﷺ : امكثوا في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فقال: فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا فطلبوا من رسول الله، ﷺ ، الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة وقالوا: اخرج بنا إلى عدونا، فغلب على الأمر الذي يريدون الخروج، فصلى رسول الله، ﷺ ، الجمعة بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ففرح الناس بالشخوص، ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثم دخل رسول الله، ﷺ ، بيته ومعه أبو بكر وعمر فعمماه ولبساه وصف الناس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله، ﷺ ، على الخروج والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه. فخرج رسول الله، ﷺ ، قد لبس لأمته وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل السيف، واعتم وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك، فقال رسول الله، ﷺ : لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه وامضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء

стр. 536

الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال إلى سعد بن عبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، ﵁، ويقال إلى مصعب بن عمير، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ركب رسول الله، ﷺ ، فرسه وتنكب القوس وأخذ قناة بيده والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع فيهم مائة دارع، وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وكل واحد منهما دارع والناس عن يمينه وشماله. فمضى حتى إذا كان بالشيخين، وهما أطمان، التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء بن أبي من يهود؛ فقال رسول الله، ﷺ : لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك. وعرض من عرض بالشيخين فرد من رد وأجاز من أجاز، وغابت الشمس وأذن بلال المغرب فصلى النبي، ﷺ ، بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلا في بني النجار، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطيفون بالعسكر. وكان المشركون قد رأوا رسول الله، ﷺ ، حيث راح ونزل، فاجتمعوا واستعملوا على حرسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين، وأدلج رسول الله، ﷺ ، في السحر ودليله أبو حثمة الحارثي فانتهى إلى أحد إلى موضع القنطرة اليوم فحانت الصلاة، وهو يرى المشركين، فأمر بلالا وأذن وأقام فصلى بأصحابه الصبح صفوفا، وانخزل بن أبي من ذلك المكان في كتيبة كأنه هيق يقدمهم وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له، وانخزل معه ثلاثمائة، فبقي رسول الله، ﷺ ، في سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبي بردة بن نيار، وأقبل يصف أصحابه ويسوي الصفوف على رجليه، وجعل ميمنة وميسرة وعليه درعان ومغفر وبيضة، وجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة، وجعل عينين جبلا بقناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرماة، واستعمل عليهم عبد الله بن

стр. 537

جبير وأوعز إليهم فقال: قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وأقبل المشركون قد صفوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ولهم مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية، ويقال عمرو بن العاص، وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة، وكانوا مائة رام، ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وسأل رسول الله، ﷺ : من يحمل لواء المشركين؟ قيل: عبد الدار، قال: نحن أحق بالوفاء منهم، أين مصعب بن عمير؟ قال: هاأنذا، قال: خذ اللواء، فأخذه مصعب بن عمير فتقدم به بين يدي رسول الله، ﷺ ، فكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق، طلع في خمسين من قومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال: المسلمون: لا مرحبا بك ولا أهلا، يا فاسق! قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ومعه عبيد قريش، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار والدفوف والغرابيل ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر ويقلن: نحن بنات طارق … نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق … أو تدبروا نفارق فراق غير وامق … قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل فتولى هوازن، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فالتقيا بين الصفين فبدره علي فضربه على رأسه حتى فلق هامته فوقع، وهو كبش الكتيبة، فسر رسول الله، ﷺ ، بذلك وأظهر التكبير، وكبر المسلمون وشدوا على كتائب

стр. 538

المشركين يضربونهم حتى نغضت صفوفهم، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة وهو أمام النسوة يرتجز ويقول: إن على أهل اللواء حقا … أن تخضب الصعدة أو تندقا وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره، ثم رجع وهو يقول: أنا بن ساقي الحجيج، ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فأدلع لسانه إدلاع الكلب فقتله، ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم حمله كلاب بن طلحة بن أبي طلحة فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب، ثم حمله شريح بن قارظ فلسنا ندري من قتله، ثم حمله صواب غلامهم وقال قائل: قتله سعد بن أبي وقاص، وقال قائل: قتله علي بن أبي طالب، وقال قائل: قتله قزمان، وهو أثبت القول. فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلم الرماة الذين على عينين واختلفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة مكانهم، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله، ﷺ ، ووعظ أصحابه وذكرهم أمر رسول الله، ﷺ ، فقالوا: لم يرد رسول الله، ﷺ ، هذا، قد انهزم المشركون فما مقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم وخلوا الجبل، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل وتبعه عكرمة

стр. 539

بن أبي جهل فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتل أميرهم عبد الله بن جبير، ﵀، وانتقضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم وحالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا. ونادى إبليس لعنه الله أن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون به من العجلة والدهش، وقتل مصعب بن عمير فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى! يا لهبل! وأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا، وولى من ولى منهم يومئذ وثبت رسول الله، ﷺ ، ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمي بالحجر، وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وسبعة من الأنصار، حتى تحاجزوا ونالوا من رسول الله، ﷺ ، في وجهة ما نالوا، أصيبت رباعيته وكلم في وجنتيه وجبهته وعلاه بن قميئة بالسيف فضربه على شقه الأيمن، واتقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلت إصبعه، وادعى بن قميئة أنه قد قتله، وكان ذلك مما رعب المسلمين وكسرهم. من قتل من المسلمين يوم أحد وقتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب، ﵀، قتله وحشي، وعبد الله بن جحش. قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، ومصعب بن عمير، قتله بن قميئة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي، قتله أبي بن خلف الجمحي. وعبد الله وعبد الرحمن ابنا الهبيب من بني سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المزني، وابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس.

стр. 540

وقتل من الأنصار سبعون رجلا، فيهم عمرو بن معاذ، أخو سعد بن معاذ واليمان أبو حذيفة، قتله المسلمون خطأ، وحنظلة بن أبي عامر الراهب، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر. وسعد بن الربيع، ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري، والعباس بن عبادة بن نضلة، ومحذر بن ذياد. وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في ناس كثير من أشرافهم. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا، فيهم حملة اللواء وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وأبو عزيز بن عمير، وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي. قتله علي بن أبي طالب، وسباع بن عبد العزى الخزاعي، وهو بن أم أنمار قتله حمزة بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه، وهشام بن أبي أمية بن المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وخالد بن الأعلم العقيلي، وأبي بن خلف الجمحي قتله رسول الله، ﷺ ، بيده وأبو عزة الجمحي واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح، وقد كان أسر يوم بدر فمن عليه رسول الله، ﷺ ، فقال: لا أكثر عليك جمعا، ثم خرج مع المشركين يوم أحد فأخذه رسول الله، ﷺ ، أسيرا ولم يأخذ أسيرا غيره فقال: من علي يا محمد! فقال: رسول الله، ﷺ : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسك عارضيك تقول: سخرت بمحمد مرتين، ثم أمر به عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه. فلما انصرف المشركون عن أحد أقبل المسلمون على أمواتهم وأتي رسول الله، ﷺ ، بحمزة بن عبد المطلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال: لفوهم بدمائهم وجراحهم، أنا الشهيد على هؤلاء، ضعوهم. فكان حمزة أول من كبر عليه رسول الله، ﷺ ، أربعا ثم جمع إليه الشهداء

стр. 541

فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد حتى صلى عليه سبعين مرة، وقد سمعنا من يقول: لم يصل رسول الله، ﷺ ، على قتلى أحد. وقال رسول الله، ﷺ : احفروا وأعمقوا وأوسعوا وقدموا أكثرهم قرآنا. فكان ممن نعرف أنه دفن في قبر واحد عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر، وخارجة بن زيد وسعد بن الربيع في قبر، والنعمان بن مالك وعبدة بن الحسحاس في قبر واحد، فكان الناس أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها. فنادى منادي رسول الله، ﷺ : ردوا القتلى إلى مضاجعهم. فأدرك المنادي رجلا واحدا لم يكن دفن فرد، وهو شماس بن عثمان المخزومي. ثم انصرف رسول الله، ﷺ ، يومئذ فصلى المغرب بالمدينة وشمت بن أبي والمنافقون بما نيل من رسول الله، ﷺ ، في نفسه وأصحابه، فقال رسول الله، ﷺ : لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن، وبكت الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله، ﷺ ، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله، ﷺ ، فبكين على حمزة فدعا لهن رسول الله، ﷺ ، وأمرهن بالانصراف؛ فهن إلى اليوم إذا مات الميت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة ثم بكين على ميتهن. أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: مكر رسول الله، ﷺ ، يوم أحد بالمشركين، وكان ذلك أول يوم مكر فيه. أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي، ﷺ ، كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سأل الدم على وجهه، صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته. فقال:

стр. 542

كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت هذه الآية: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم. قال: فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: عباد الله، أبي! أبي! قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زال حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله. أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله، ﷺ ، قال: رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا منحرة فأولت أن الدرع المدينة والبقر نفر، فإن شئتم أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها. فقالوا: والله ما دخلت علينا في الجاهلية فتدخل علينا في الإسلام. قال: فشأنكم إذا، فذهبوا فلبس رسول الله، ﷺ ، لأمته. فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله، ﷺ ، رأيه. فجاؤوا فقالوا: شأنك يا رسول الله. فقال: الآن ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. حدثنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة: أن رباعية النبي، ﷺ ، أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في جبهته، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي، ﷺ ، الدم والنبي، ﷺ ، يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟ فأنزل الله ﵎: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم (إلى آخر الآية). أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن الزهري أن الشيطان صاح يوم

стр. 543

أحد إن محمدا قد قتل. قال كعب بن ملك: فكنت أنا أول من عرف النبي، ﷺ ، عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله! فأشار إلي أن اسكت فأنزل الله، تعالى جده: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل (الآية). أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبي بن خلف الجمحي أسر يوم بدر. فلما افتدي من رسول الله، ﷺ ، قال لرسول الله، ﷺ : إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرق ذرة لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله، ﷺ : بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله، فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله، ﷺ ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله، ﷺ : استأخروا استأخروا! فقام رسول الله، ﷺ ، بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعا من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه حتى ولوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك! فقال لهم أبي: ألم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه. قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله، ﵎: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (الآية). أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال: كانت على رسول الله، ﷺ ، يوم أحد درعان. أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا بن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: لقد أصيب مع رسول الله، ﷺ ، يوم أحد نحو من ثلاثين كلهم يجيء حتى يجثو بين يديه، أو قال: يتقدم بين يديه، ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء ونفسي لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودع.

стр. 544

أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصري قالا: أخبرنا زهير بن معاوية، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد جعل رسول الله، ﷺ ، على الرماة، وكانوا خمسين رجلا، عبد الله بن جبير الأنصاري ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال: فهزمهم رسول الله، ﷺ ، فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل قد بدت أسؤقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة! أي قوم الغنيمة! قد ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال: لكم رسول الله، ﷺ ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. قال: فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله، ﷺ ، غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا، وكان رسول الله، ﷺ وأصحابه، أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فأقبل أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، قال: فنهاهم رسول الله، ﷺ ، أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ قال أبو إسحاق: اتهم، قال: الحسن بن موسى أي ليس فوقهم أحد. ثم أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله! إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك. قال: فقال يوم بيوم بدر والحرب سجال ثم إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم جعل يرتجز ويقول: أعل هبل، أعل هبل! فقال رسول الله، ﷺ : ألا تجيبونه؟

стр. 545

قالوا: يا رسول الله بماذا نجيبه؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم! فقال رسول الله، ﷺ : ألا تجيبوه؟ قالوا: وبماذا نجيبه يا رسول الله؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي عن سهل بن سعد قال: كسرت رباعية رسول الله، ﷺ ، يوم أحد وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة، ﵍، تغسل جرحه وعلي يسكب الماء عليها بالمجن يعني الترس، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت فاطمة قطعة حصير فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدم. أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا الفضل بن موسى السياني عن محمد بن عمرو عن سعد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي: أن رسول الله، ﷺ ، خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع إذا هو بكتيبة خشناء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في ستمائة من مواليه من اليهود من أهل قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام. قال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين. أخبرنا أبو المنذر البزاز، أخبرنا سفيان الثوري عن حصين عن أبي مالك: أن رسول الله، ﷺ ، صلى على قتلى أحد. غزوة رسول الله، ﷺ ، حمراء الأسد ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، حمراء الأسد يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره،. قالوا:

стр. 546

لما انصرف رسول الله، ﷺ ، من أحد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله، ﷺ ، الصبح يوم الأحد أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فقال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي فلم أشهد الحرب فأذن لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله، ﷺ ، فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره. ودعا رسول الله، ﷺ ، بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى علي بن أبي طالب، ويقال إلى أبي بكر الصديق، ﵄، وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجوج في جبهته ورباعيته قد شظيت وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة بن قميئة وركبتاه مجحوشتان، وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله، ﷺ ، فرسه وخرج الناس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد، وهي من المدينة على عشرة أميال طريق العقيق متياسرة عن ذي الحليفة إذا أخذتها في الوادي، وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فعلوهما ومضوا ومضى رسول الله، ﷺ ، بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلين في قبر واحد، وهما القرينان، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي، خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله، ﵎، بذلك عدوهم. فانصرف رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غاب خمس ليال. وكان استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.

стр. 547

سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن، وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة، في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله، ﷺ . وذلك أنه بلغ رسول الله، ﷺ ، أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله، ﷺ ، فدعا رسول الله، ﷺ ، أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وقال: سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم، فخرج فأغذ السير ونكب عن سنن الطريق وسبق الأخبار وانتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم فضموه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم فجاؤوا جمعهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة. سرية عبد الله بن أنيس ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة. خرج من المدينة يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله، ﷺ ، وذلك أنه بلغ رسول الله، ﷺ ، أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه وغيرهم، قد جمع الجموع لرسول

стр. 548

الله، ﷺ ، فبعث رسول الله، ﷺ ، عبد الله بن أنيس ليقتله فقال: صفه لي يا رسول الله، قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، قال: وكنت لا أهاب الرجال، واستأذنت رسول الله، ﷺ ، أن أقول فأذن لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه، فعرفته بنعت رسول الله، ﷺ ، وهبته فرأيتني أقطر فقلت: صدق الله ورسوله، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. قال: أجل إني لأجمع له، فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارا في الجبل وضربت العنكبوت علي، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين. ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله، ﷺ ، في المسجد فلما رآني قال: أفلح الوجه! قلت أفلح وجهك يا رسول الله! فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري فدفع إلي عصا وقال: تخصر بهذه في الجنة! فكانت عنده، فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه ففعلوا، وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. سرية المنذر بن عمرو ثم سرية المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: وقدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلاني على رسول الله

стр. 549

صلى الله عليه وسلم، فأهدى له فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد. فقال: أنا لهم جار إن يعرض لهم أحد. فبعث معه رسول الله، ﷺ ، سبعين رجلا من الأنصار شببة يسمون القراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا ببئر معونة، وهو ماء من مياه بني سليم وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم، كلا البلدين يعد منه وهو بناحية المعدن، نزلوا عليها وعسكروا بها وسرحوا ظهورهم وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله، ﷺ ، إلى عامر بن الطفيل فوثب على حرام فقتله واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لا يخفر جوار أبي براء، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعلا وذكوان فنفروا معه ورأسوه. واستبطأ المسلمون حراما فأقبلوا في أثره فلقيهم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتل أصحاب رسول الله، ﷺ ، وفيهم سليم بن ملحان والحكم بن كيسان في سبعين رجلا، فلما أحيط بهم قالوا: اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام. فأخبره جبرائيل، ﷺ ، بذلك فقال: وعليهم السلام؛ وبقي المنذر بن عمرو فقالوا: إن شئت آمناك، فأبى وأتى مصرع حرام فقاتلهم حتى قتل فقال: رسول الله، ﷺ : أعنق ليموت، يعني أنه تقدم على الموت وهو يعرفه، وكان معهم عمرو بن أمية الضمري فقتلوا جميعا غيره، فقال عامر بن الطفيل: قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها، وجز ناصيته. وفقد عمرو بن أمية عامر بن فهيرة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطفيل فقال: قتله رجل من بني كلاب يقال له جبار بن سلمى، لما طعنه قال: فزت والله! ورفع إلى السماء علوا. فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قتل عامر بن فهيرة ورفعه وقال رسول الله، ﷺ : إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين.

стр. 550

وجاء رسول الله، ﷺ ، خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضا مصاب خبيب بن عدي ومرثد بن أبي مرثد وبعث محمد بن مسلمة فقال: رسول الله، ﷺ : هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها. ودعا رسول الله، ﷺ ، على قتلتهم بعد الركعة من الصبح فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر! اللهم سنين كسني يوسف! اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة وزغب ورعل وذكوان وعصية فإنهم عصوا الله ورسوله، ولم يجد رسول الله، ﷺ ، على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة، فأنزل الله فيهم قرآنا حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. وقال رسول الله، ﷺ : اللهم اهد بني عامر واطلب خفرتي من عامر بن الطفيل. وأقبل عمرو بن أمية سار أربعا على رجليه، فلما كان بصدور قناة لقي رجلين من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله، ﷺ ، أمان فقتلهما وهو لا يعلم ذلك ثم قدم على رسول الله، ﷺ ، فأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله، ﷺ : أبت من بينهم وأخبر النبي، ﷺ ، بقتل العامريين فقال: بئس ما صنعت! قد كان لهما مني أمان وجوار، لأدينهما، فبعث بديتهما إلى قومهما. أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان أتوا رسول الله، ﷺ ، فاستمدوه على قومهم فأمدهم سبعين رجلا من الأنصار، كانوا يدعون فينا القراء، كانوا يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، فلما بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم، فبلغ ذلك نبي الله، ﷺ ، فقنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال: فقرأنا بهم قرآنا زمانا ثم إن ذلك رفع أو نسي: بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا عنا وأرضانا.

стр. 551

أخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا عمارة بن زاذان، حدثني مكحول قال: قلت لأنس بن مالك: أبا حمزة القراء، قال: ويحك قتلوا على عهد رسول الله، ﷺ ، كانوا قوما يستعذبون لرسول الله، ﷺ ، ويحطبون حتى إذا كان الليل قاموا إلى السواري للصلاة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن بن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورجال من أهل العلم: أن المنذر بن عمرو الساعدي قتل يوم بئر معونة، وهو الذي يقال له: أعنق ليموت، وكان عامر بن الطفيل استنصر لهم بني سليم فنفروا معه فقتلوهم غير عمرو بن أمية الضمري، أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم على رسول الله، ﷺ ، قال له رسول الله، ﷺ : أبت من بينهم. وكان من أولئك الرهط عامر بن فهيرة، قال بن شهاب: فزعم عروة بن الزبير أنه قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوا. قال عروة: كانوا يرون أن الملائكة هي دفنته. أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ودعا رسول الله، ﷺ ، على الذين قتلوهم ثلاثين غداة، يدعو على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله. أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال: سمعت أنس بن مالك قال: ما رأيت رسول الله، ﷺ ، وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.

стр. 552

سرية مرثد بن أبي مرثد ثم سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى الرجيع في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله، ﷺ . أخبرنا عبد الله بن إدريس الأودي، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الظفري، وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن بن شهاب عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من جلساء أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله، ﷺ ، رهط من عضل والقارة وهم إلى الهون بن خزيمة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله، ﷺ ، معهم عشرة رهط: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ومرثد بن أبي مرثد وعبد الله بن طارق وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه وهما من بلي حليفان في بني ظفر، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، وهو ماء لهذيل بصدور الهدة، والهدة على سبعة أميال منها، والهدة على سبعة أميال من عسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلا، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله، ﷺ ، سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة ولكم العهد والميثاق ألا نقتلكم. فأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البكير ومعتب بن عبيد فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، فقاتلوهم حتى قتلوا. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة

стр. 553

بنت سعد بن شهيد، وكانت نذرت لتشربن في قحف عاصم الخمر، وكان قتل ابنيها مسافعا وجلاسا يوم أحد، فحمته الدبر فقالوا: أمهلوه حتى تمسي، فإنها لو قد أمست ذهبت عنه. فبعث الله الوادي فاحتمله وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة. فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا، فخبيب أول من سن ركعتين عند القتل. أخبرنا عبد الله بن إدريس، حدثني عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب مولى الحارث بن عامر قال: قال موهب قال لي خبيب وكانوا جعلوه عندي: يا موهب أطلب إليك ثلاثا: أن تسقيني العذب وأن تجنبني ما ذبح على النصب وأن تؤذني إذا أرادوا قتلي. أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفرا من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قتل زيد فقال قائل منهم: يا زيد أنشدك الله، أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا عندنا مكانك نضرب عنقه؟ قال: لا والله ما أحب أن محمدا يشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي؛ قال: يقول أبو سفيان والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له.

стр. 554

غزوة رسول الله، ﷺ ، بني النضير ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجره، وكانت منازل بني النضير بناحية الغرس وما والاها مقبرة بني خطمة اليوم فكانوا حلفاء لبني عامر. قالوا: خرج رسول الله، ﷺ ، يوم السبت فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهموا بالغدر به. وقال عمرو بن جحاش بن كعب بن بسيل النضري: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه. وجاء رسول الله، ﷺ ، الخبر بما هموا فنهض سريعا كأنه يريد حاجة، فتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا: أقمت ولم نشعر؟ قال: همت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت. وبعث إليهم رسول الله، ﷺ ، محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر وتكاروا من ناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم بن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. فطمع حيي فيما قال: بن أبي فأرسل إلى رسول الله، ﷺ : إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله، ﷺ ، التكبير وكبر

стр. 555

المسلمون لتكبيره وقال: حاربت يهود، فصار إليهم النبي، ﷺ ، في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وعلي، ﵁، يحمل رايته، واستخلف على المدينة بن أم مكتوم، فلما رأوا رسول الله، ﷺ ، قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم بن أبي وحلفاؤهم من غطفان فأيسوا من نصرهم، فحاصرهم رسول الله، ﷺ ، وقطع نخلهم فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فقال: لا أقبله اليوم ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة. فنزلت يهود على ذلك، وكان حاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ثم أجلاهم عن المدينة وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على ستمائة بعير، فقال رسول الله، ﷺ : هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون عليهم حزنا شديدا، وقبض رسول الله، ﷺ ، الأموال والحلقة فوجد من الحلقة درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة سيف وأربعين سيفا. وكانت بنو النضير صفيا لرسول الله، ﷺ ، خالصة له حبسا لنوائبه ولم يخمسها ولم يسهم منها لأحد، وقد أعطى ناسا من أصحابه ووسع في الناس منها، فكان ممن أعطي ممن سمي لنا من المهاجرين أبو بكر الصديق بئر حجر وعمر بن الخطاب بئر جرم وعبد الرحمن بن عوف سوالة وصهيب بن سنان الضراطة والزبير بن العوام وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة وسهل بن حنيف وأبو دجانة مالا يقال له مال بن خرشة. أخبرنا محمد بن حرب المكي وهاشم بن القاسم الكناني قالا: أخبرنا الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله، ﷺ ، حرق نخل النضير، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها.

стр. 556

أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن: أن النبي، ﷺ ، لما أجلى بني النضير قال: امضوا فإن هذا أول الحشر وأنا على الأثر. غزوة رسول الله، ﷺ ، بدر الموعد ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، بدر الموعد وهي غير بدر القتال وكانت لهلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره. قالوا: لما أراد أبو سفيان بن حرب أن ينصرف يوم أحد نادى: بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقي بها فنقتتل. فقال رسول الله، ﷺ ، لعمر بن الخطاب: قل نعم إن شاء الله. فافترق الناس على ذلك ثم رجعت قريش فخبروا من قبلهم بالموعد وتهيؤوا للخروج، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب وإنما يصلحنا عام خصب غيداق وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجتريء علينا فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد، قال: نعم. ففعلوا وحملوه على بعير فأسرع السير فقدم المدينة فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح. فقال رسول الله، ﷺ : والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد! فنصر الله المسلمين وأذهب عنهم الرعب. واستخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن رواحة وحمل لواءه علي بن أبي طالب وسار في المسلمين. وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم

стр. 557

وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمعا يجتمع فيه العرب وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ثم يتفرق الناس إلى بلادهم، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة وقامت السوق صبيحة الهلال فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا ما خرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهما وانصرفوا، وقد سمع الناس بسيرهم، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة،، وهي مر الظهران، ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن. وإن عامكم هذا عام جدب فإني راجع فارجعوا. فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم معبد بن أبي معبد الخزاعي مكة بخبر رسول الله، ﷺ ، وموافاته بدرا في أصحابه فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترؤوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم ثم أخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لغزوة الخندق. أخبرنا حجاج بن محمد عن بن جريج عن مجاهد: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، قال هذا أبو سفيان، قال يوم أحد: يا محمد موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا! فقال محمد، ﷺ : عسى! فانطلق النبي، ﷺ ، لموعده حتى نزلوا بدرا فوافقوا السوق، فذلك قول الله ﵎: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. والفضل ما أصابوا من التجارة. وهي غزوة بدر الصغرى.

стр. 558

غزوة رسول الله، ﷺ ، ذات الرقاع ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، ذات الرقاع في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله، ﷺ ، أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع؛ فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه، ويقال سبعمائة. فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، وهو جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض قريب من النخيل بين السعد والشقرة، فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم فصلى رسول الله، ﷺ ، صلاة الخوف فكان ذلك أول ما صلاها. وانصرف رسول الله، ﷺ ، راجعا إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله في سفره ذلك جمله بأوقية وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه وأخبره به، فاستغفر له رسول الله، ﷺ ، في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة وبعث رسول الله، ﷺ ، جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صرارا يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهي بئر جاهلية على طريق العراق، وغاب خمس عشرة ليلة. أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبان بن يزيد وحدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله، ﷺ ، حتى إذا كنا بذات الرقاع كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله، ﷺ ، قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله، ﷺ ، معلق بشجرة

стр. 559

فأخذه فاخترطه وقال لرسول الله، ﷺ : أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك! قال: فتهدده أصحاب رسول الله، ﷺ ، فأغمد السيف وعلقه. قال: فنودي بالصلاة. قال: فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا. وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله، ﷺ ، أربع ركعات وللقوم ركعتان. غزوة رسول الله، ﷺ ، دومة الجندل ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، دومة الجندل في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره. قالوا: بلغ رسول الله، ﷺ ، أن بدومة الجندل جمعا كثيرا وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة، فندب رسول الله، ﷺ ، الناس واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة يقال له مذكور، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل رسول الله، ﷺ ، بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحدا، وأخذ منهم رجل فسأله رسول الله، ﷺ ، عنهم فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة ولم يلق

стр. 560

كيدا لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر. وفي هذه الغزاة وادع رسول الله، ﷺ ، عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاه إلى المراض، وكان ما هناك قد أخصب وبلاد عيينة قد أجدبت، وتغلمين من المراض على ميلين، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق الربذة. غزوة رسول الله، ﷺ ، المُريسيع ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، المريسيع في شعبان سنة خمس من مهاجره. قالوا: إن بلمصطلق من خزاعة، وهم من حلفاء بني مدلج وكانوا ينزلون على بئر لهم يقال لها المريسيع، بينها وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن أبي ضرار فسار في قومه ومن قدر عليه من العرب فدعاهم إلى حرب رسول الله، ﷺ ، فأجابوه وتهيؤوا للمسير معه إليه، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره خبرهم فندب رسول الله، ﷺ ، الناس إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرسا في المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، وخرج معه بشر كثير من المنافقين ولم يخرجوا في غزاة قط مثلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فرسان لزاز والظرب. وخرج يوم الإثنين لليلتين خلتا من شعبان. وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله، ﷺ ، وأنه قد قتل عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبر رسول الله، ﷺ ، فسيء بذلك الحارث ومن معه وخافوا

стр. 561

خوفا شديدا وتفرق من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله، ﷺ ، إلى المريسيع وهو الماء فاضطرب عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيؤوا للقتال وصف رسول الله، ﷺ ، أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فرموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى رسول الله، ﷺ ، الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، وكان بن عمر يحدث أن النبي، ﷺ ، أغار عليهم وهم غارون ونعمهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، والأول أثبت، وأمر بالأسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقران مولاه، وجمع الذرية ناحية واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء، واقتسم السبي وفرق وصار في أيدي الرجال، وقسم النعم والشاء فعدلت الجزور بعشر من الغنم وبيعت الرثة في من يزيد، وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتي أهل بيت وصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عمر له فكاتباها على تسع أواقي ذهب فسألت رسول الله، ﷺ ، في كتابتها وأداها عنها وتزوجها، وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها، وكان السبي منهم من من عليه رسول الله، ﷺ ، بغير فداء، ومنهم من افتدي فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبي فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها، وهو الثبت عندنا. وتنازع سنان بن وبر الجهني حليف بني سالم من

стр. 562

الأنصار وجهجاه بن سعيد الغفاري على الماء فضرب جهجاه سنانا بيده فنادى سنان: يا للأنصار! ونادى جهجاه: يا لقريش! يا لكنانة! فأقبلت قريش سراعا وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح، فتكلم في ذلك ناس من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقه وعفا عنه واصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم؛ وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبي، ﷺ ، قوله فأمر بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه الناس، فقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي الناس حتى وقف لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنك الذليل ومحمد العزيز، فمر به رسول الله، ﷺ ، فقال: دعه فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا! وفي هذه الغزاة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. قال: وأنزل الله، ﵎، براءتها. وغاب رسول الله، ﷺ ، في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما وقدم المدينة لهلال شهر رمضان. غزوة رسول الله، ﷺ ، الخندق وهي غزاة الأحزاب ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، الخندق، وهي غزوة الأحزاب في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره. قالوا: لما أجلى رسول الله، ﷺ ، بني النظير ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله، ﷺ ، وعاهدوهم وجامعوهم على

стр. 563

قتاله ووعدوهم لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليما ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي، وخرجت فزارة فأوعبت، وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، وقد روى الزهري أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة، والأول أثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحارث ابن عوف، وهجاه حسان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب؛ فلما بلغ رسول الله، ﷺ ، فصولهم من مكة ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله، ﷺ ، إلى سفح سلع وجعل سلعا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ثم خندق على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم عليهم وعمل رسول الله، ﷺ ، معهم بيده لينشط المسلمين، ووكل بكل جانب منه قوما فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى بني عبيد، وكان سائر المدينة مشبكا بالبنيان فهي كالحصن، وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج

стр. 564

إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار بن أبي الجنوب اليوم، وفرغوا من حفره في ستة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام، وخرج رسول الله، ﷺ ، يوم الإثنين لثماني ليال مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زيد بن حارثة، وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة، ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، ويكونوا معهم عليه، فامتنعوا من ذلك ثم أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبي، ﷺ ، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل! قال: ونجم النفاق وفشل الناس وعظم البلاء واشتد الخوف وخيف على الذراري والنساء، وكانوا كما قال الله، ﵎: " إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. " ورسول الله، ﷺ ، والمسلمون وجاه العدو لا يزولون غير أنهم يتعقبون خندقهم ويحرسونه. وكان رسول الله، ﷺ ، يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة، وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله، ﷺ ، مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة؛ فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما ويغدو خالد بن الوليد يوما ويغدو عمرو بن العاص يوما ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما ويغدو ضرار بن الخطاب الفهري يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله، ﷺ ، ويقدمون رماتهم فيرمون؛ فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله فقال: خذها وأنا بن العرقة! فقال رسول الله، ﷺ : عرق الله وجهك في النار! ويقال الذي رماه أبو أسامة الجشمي؛ ثم أجمع

стр. 565

رؤساؤهم أن يغدوا يوما فغدوا جميعا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقا من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى النبي، ﷺ ، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلا فارسيا أشار عليه بذلك. قالوا: فمن هناك إذا! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود، فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول: ولقد بححت من النداء … لجمعهم هل من مبارز وهو بن تسعين سنة، فقال علي بن أبي طالب: أنا أبارزه يا رسول الله. فأعطاه رسول الله، ﷺ ، سيفه وعممه وقال: اللهم أعنه عليه؛ ثم برز له ودنا من صاحبه وثارت بينهما غبرة وضربه علي فقتله وكبر، فعلمنا أنه قد قتله وولى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم. وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه باثنين، ثم اتعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبئون أصحابهم وفرقوا كتائبهم ونحوا إلى رسول الله، ﷺ ، كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم ولا صلى رسول الله، ﷺ ، ولا أصحابه ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء حتى كشفهم الله فرجعوا متفرقين إلى منازلهم وعسكرهم وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله، ﷺ ، وأقام أسيد بن الحضير في الخندق في مائتين من المسلمين وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة من المسلمين، فناوشوهم ساعة ومع المشركين وحشي، فزرق الطفيل بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله وانكشفوا وصار رسول الله، ﷺ ، إلى قبته فأمر بلالا فأذن وأقام الظهر فصلى، ثم أقام
следующие страницы →