Полный текст (3 876 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
محمد بن سعد وكتاب الطبقات
ترجم له ابن النديم في الفهرست: ٩٩ (ط. فلوجل)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل رقم: ١٤٣٣، والخطيب في تاريخ بغداد ٥: ٣٢١، وابن خلكان في وفيات الأعيان رقم: ٦١٧ (ط. محيي الدين عبد الحميد) والصفدي في الوافي ٣: ٨٨ (رقم ١٠٠٩)، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في تهذيب التهذيب، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (وفيات ٢٣٠) والجزري في طبقات القراء (١: ١٤٢). ووردت عنه إشارات في كتاب بغداد لابن طيفور، ومعجم الأدباء لياقوت، والإعلان بالتوبيخ للسخاوي. وألف عنه أتولث Otto Loth رسالة عام ١٨٦٩ ثم درس طريقته في الطبقات في مقال له نشر بمجلة ZAMD ص ٥٩٣ - ٦١٤ العدد ٢٣، وكتب سخاو Sachau تحليلاً لكتابه في مقدمة الجزء الثالث من الطبقات، وتحدث عنه هوروفتز Horovitz بين كتاب المغازي الأول ص ١٢٦ - ١٣٢ (ترجمة حسين نصار). يستطيع القارئ أن يراجع ما كتب عنه في دائرة المعارق الإسلامية وفي تاريخ بروكلمان (لأصل ١: ١٣٦ والتكملة ١: ٢٠٨).
ومع كل ذلك، فإن المعلومات التي نحتاجها لنرسم منها هيكلاً لسيرته قليلة بسيرة لا تفي بشيء من هذا، لأن محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري المكنى بأبي عبد الله، يمثل شخصية الراوية الذي لم يسمح لذاته وعلاقاته وأحواله بأن ترسم على ما يرويه، أو أن تتدخل فيه، وإنه لمن
стр. 2
المفارقات أن ترى الشخص الذي حفظ لنا الصفات الخلفية والخلقية وأدق المظاهر أحياناً عن حياة الأشخاص، لا يجد من يكتب عنه ترجمة موضحة.
فكل ما لدينا عنه أنه ولد سنة ١٦٨ هـ؟. بالبصرة، فنسب إليها، وارتحل إلى بغداد وأقام فيها ملازماً لأستاذه الواقدي يكتب له، حتى عرف باسم " كاتب الواقدي ". وكانت له رحلة إلى المدينة والكوفة، ولا ريب في أن رحلته إلى المدينة تمت قبل سنة ٢٠٠ هـ؟، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض الشيوخ عام ١٨٩ كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنية قبل مطلع القرن الثالث. وقد كان أحد أجداده مولى لبني هاشم، ولكن ابن سعد نفسه كان قد تحلل من عهدة الولاء، وفي نسبته أنه زهري، وهي نسبة غريبة بعدما صرحت الروايات بولاء أهله لبني هاشم.
وفي أثناء حله وترحاله، كان شغله الشاغل هو لقاء الشيوخ وكتابة الحديث وجمع الكتب، ولذلك اتصل بأعلام عصره من المحدثين فروى عنهم وقيد مروياته، وأفاد منها في تصنيف كتبه حتى وصف بأنه كان كثير العلم، كثير الحديث والرواية، كثير الكتب. وهذا الخبر قد يدل على أن نشاطه لم يقف به عند تأليف الطبقات، وعلى سعة باعه في نواحٍ علمية كثيرة فإن المصادر لم تذكر له من المؤلفات إلا كتابين آخرين - عدا الطبقات الكبير - وهما كتاب الطبقات الصغير، وهو مستخرج من المؤلف الأول، وكتاب أخبار النبي - وهو الكتاب الوحيد الذي ذكره ابن النديم - وربما لم يكن شيئاً سوى الجزأين الأولين من الطبقات الكبير، أي أن الكتب الثلاثة في حقيقتها كتاب واحد، وتسكت المصادر عما سوى ذلك من مؤلفات.
ونستطيع أن نقول إن محمد بن سعد كان على اتصال بأكبر رجال الحديث في عصره، سواء أكانوا شيوخاً أم تلامذة. ومن يطلع على الطبقات
стр. 3
يجد له شيوخاً كثيرين منهم سفيان بن عيينة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن سعدان الضرير ووكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وهيثم والفضل بن دكين والوليد بن مسلم ومعن بن عيسى وعشرات غيرهم، ولو راجع القارئ تراجم هؤلاء الشيوخ في كتب الرجال، لوجد معظمهم ممن لا يشك في عدالته. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن المادة التي نقلها ابن سعد قد وجهت بالنقد الضمني لأنه تحرى قبل نقلها أن تكون في الأكثر مأخوذة عن العدول الثقات. وهذا الموقف هو الذي كسب لابن سعد تقدير معاصريه ومن بعدهم، فكلهم تقريباً وثقه وأثنى عليه حتى قال فيه الخطيب: " محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته ". وقال ابن خلكان: " كان صدوقاً ثقة " وقال ابن حجر: " أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين " ووصفوه بالفضل والفهم والنبل، وفضلوه على أستاذه الواقدي ضعيف ". وقد تستوقفنا هنا ثلاث روايات تتصل بعدالته:
أولاها: أن ابن فهم - تلميذه - كان مرة عند مصعب الزبيري فمر بهم يحيى بن معين فقال له مصعب: يا أبا زكريا، حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا، فقال له يحيى: كذب. وقد اعتذر عنه الخطيب بأن تلك الأحاديث التي أنكرها يحيى ربما كانت من المناكير التي يرويها الواقدي، أي أنه ألقى اللوم على أستاذه أيضاً. ومن أجل هذه القصة فيما يبدو قال ابن تغري بردي: وثقه جميع الحفاظ ما عدا يحيى بن معين.
الثانية: أن ابن أبي حاتم سأل أباه عنه فقال له: " يصدق " (١) - ولم يستعمل نعتاً قوياً في توثيقه - وزاد قائلاً: رأيته إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدثه.
_________
(١) أصبحت هذه اللفظة في مصدر متأخر «صدوق» انظر ابن الجزري ١: ١٤٣.
стр. 4
الثالثة: ما ذكر ابن طيفور (١) من أن المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة من الفقهاء - بينهم محمد بن سعد كاتب الواقدي - فأشخصوا إليه، فسألهم وامتحنهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعاً: إن القرآن مخلوق. فهذه الرواية إن صحت تدل أولاً على ما كان يتمتع به ابن سعد من شهرة وتقدم في بغداد، ولكنها قد تشير ثانياً إلى شيء من عدم الرضي عنه بين فئة من أهل الحديث. ومن ذلك فقد نرى بينه وبين أحمد بن حنبل الذي وقف أصلب موقف في فتنة خلق القرآن علاقة قوية إذ كان أحمد يوجه في كل جمعة برجل إلى ابن سعد يأخذ منه جزائين من حديث الواقدي فينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى ثم يردهما ويأخذ غيرهما.
أما تلامذته فهم كثيرون أيضاً، ومنهم أحمد بن عبيد وابن أبي الدنيا والبلاذري والحارث بن أبي أسامة والحسين بن فهم وغيرهم.
وتكاد المصادر تجمع على أن ابن سعد توفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٣٠ هـ؟، بمدينة بغداد ودفن في مقبرة باب الشام وهو يومئذ ابن اثنتين وستين سنة. وهذا الخبر منقول عن الحسين بن فهم أحد تلامذته الأدنين، وأحد اثنين رويا كتاب الطبقات. ولكن ابن أبي حاتم يذكر أنه توفي سنة ست وثلاثين (يعني ومائتين) وقال الصفدي في الوافي أنه توفي سنة ٢٢٢ على خلاف في ذلك. ويبدو أن رواية ابن فهم هي الصحيحة، فأما رواية الصفدي في الوافي فواضحة الخطأ لأن ابن سعد يؤرخ لأناس توفوا سنة ٢٢٨ و ٢٢٩ هـ؟ (٢) وليس هناك ما يدل على أن ذلك مما زاده الرواة الذين نقلوا الكتاب. أما رواية ابن أبي حاتم فقد كتبت بالأرقام لا بالحروف وهي في شكلها الذي كتبت به لا تسلم من الخطأ.
_________
(١) جاء هذا الخبر على نحو أكمل في النجوم الزاهرة ٢: ٢١٩.
(٢) انظر الطبقات ٥: ٣٢٦.
стр. 5
ولم يقتصر ثقافة ابن سعد على الحديث والأخبار والسير بل إنه كتب الغريب والفقه، وربما دلت صلته بالنحويين واللغويين مثل أبي زيد الأنصاري (١) على استكماله للنواحي اللغوية والنحوية، على نحو واسع. أما صلته بمحمد ابن سعدان الضرير وهو من مشهوري القراء فتدل على اهتمامه بالقراءات. وقد صرح ابن الجزري بأن ابن سعد روى الحروف عن محمد بن عمر الواقدي ثم رواها عنه الحارث بن أبي أسامة. وكان توفره على كتابة تراجم الرجال سبباً في اطلاعه الواسع على علم الأنساب، ويبدو من الطبقات أنه أحكم هذا الفرع إحكاماً جيداً بحيث تمكن فيه من المناقشة والترجيح، وعمدته في ذلك رواية أستاذه الواقدي، ورواية ابن إسحاق، ورواية ابن عمارة الأنصاري في نسب الأنصار، ورواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وعن هذا الأخير روى ابن سعد كتابه " جمهرة الأنساب " (٢).
و " الطبقات " معرض لنواح كثيرة من ثقافته، وهو عمل ضخم أراده أن يكون في خمسة عشر مجلداً، ليخدم به السنة أو علم الحديث، فتحدث فيه عن الرسول والصحابة والتابعين إلى عصرهن مقتفياً خطى أستاذه الواقدي الذي ألف أيضاً كتاب " الطبقات "، ويبدو أن عمل ابن سعد شمل رواية الواقدي نفسه في السيرة والتراجم مضافاً إليها روايات أخذها عن غير الواقدي في السيرة والتراجم أيضاً، فإذا كتابه صورة أكمل وأوسع لأنه يمثل نشاط المحدثين والإخباريين والنسابين في عصره وفيما قبله. غير أن الواقدي يغلب على من عداه في توجيه كثير من المادة، وإن كنا نجد فصولاً استجدها ابن سعد، فلم يرد فيها ذكر للواقدي إطلاقاً (مثل " ذكر كنية رسول الله، ﷺ " ١/ ١: ٦٦؛ ومثل " ذكر ما كان
_________
(١) انباه الرواة ٢: ٣٠ - ٣١.
(٢) ياقوت ٧: ٢٥٠ (ط. مرجوليوث).
стр. 6
رسول الله، ﷺ ، يعوذ به ويعوذه به جبريل " ٢/ ١: ١٤) وقد كان الواقدي قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلي، ولذلك نجد رواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي قد غلبت على الفصول المتصلة بتاريخ الأنبياء وبالأنساب القديمة، على وجه الإجمال؛ غير أن الفصول التي لم يذكر فيها الواقدي قليلة، وأهم الفصول إنما هي من اجتهاده وتحريره، حتى ليصدق قول ابن النديم على ابن سعد " ألف كتبه من تصنيفات الواقدي ". وفي حديثه عن الوفود التي وفدت على الرسول نجد رواية الواقدي تسير جنباً إلى جنب - في أكثر الأحيان - مع رواية هشام بن الكلبي. بل لم يقتصر ابن سعد على الإفادة من " طبقات " الواقدي وإنما استقى معلومات من كتبه الأخرى مثل كتاب " أزواج النبي، ﷺ "، وكتاب " وفاة النبي، ﷺ "، وكتاب " أخبار مكة "، وكتاب " السيرة "، وكتاب " طعم النبي "، وأفاد بخاصة من كتاب " المغازي "، فقد دخل هذا الكتاب كله ضمن طبقات ابن سعد. غير أنه لك يكتف به في هذا الموضوع فأضاف إليه المعلومات التي رواها عن ثلاثة الرواة تتصل رواية الأول منهم (وهو رويم بم يزيد المقرئ) بمغازي ابن إسحاق، وتتصل وراية الثاني بأبي معشر أحد الذين كتبوا في المغازي، أما الثالث وهو إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني فتتصل روايته بمغازي موسى ابن عقبة. وهكذا يجيء هذا الفصل ممثلاً لأربعة كتب في المغازي (عدا روايات أخرى). ولا بد لنا من أن نتذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة وهما موسى بن عقبة وابن إسحاق كانا من تلامذة الزهري، وأن إحدى روايات الواقدي تتصل بالزهري، كما أن الواقدي نفسه اعتمد كثيراً على مغازي موسى بن عقبة ومغازي ابن إسحاق، دون أن يشير إليهما كثيراً. وفي هذا ما يدل على اختلاط الروايات واتفاقها في منبع واحد. أما أبو معشر فقد اعتمد عليه الواقدي أيضاً وكان موثقاً في السيرة والمغازي بصيراً بهما
стр. 7
غير أن ابن سعد نفسه وصفه بأنه " كان كثير الحديث ضعيفاً ".
ويتبين لنا من هذا الغرض أن في رواة ابن سعد ثلاثة على الأقل بضعفهم أهل الحديث، وهم: هشام بن محمد بن السائب الكلبي (وإن كان عندهم أوثق من أبيه) ولكنه يروي عن أبيه، وكان ابن سعد يعرف أن المحدثين يضعفونه. ثم الواقدي نفسه فقد اتهموه بأنه أغرب على الرسول بعشرين ألف حديث وأنه كان يروي المناكير. والثالث أبو معشر هذا المذكور. غير أنهم جميعاً يوثقون في السيرة والمغازي. وهذا الانفصال بين الحديث من ناحية والسير والأخبار والمغازي من ناحية أخرى أمر يستحق النظر. ولعل التحري الدقيق يثبت أن المحدثين الذين جرحوا هؤلاء المؤرخين كانوا ينظرون من زاوية خاصة، لعلها ضيقة محدودة، آية ذلك أن الواقدي نفسه وهو ما يهمنا هنا - لأن أكثر علم ابن سعد مأخوذ عنه - كان موثقاً عند فريق كبير من المحدثين فكان ابن سلام الجمحي يقول: " محمد بن عمر الواقدي عالم دهره " وكان الإمام مالك يسأله إذا أشكل عليه أمر، وقال فيه الدراوردي " ذلك أمير المؤمنين في الحديث " وقال مصعب الزبيري " والله ما رأينا مثله قط "، إلى غير ذلك من شهادات الأئمة الأعلام فيه. وقد كان الواقدي ذا إحساس عميق بمهمة المؤرخ وواجبه وحدوده. وحسبنا شاهداً على ذلك أنه عند تأريخه المغازي لم يترك موضعاً حدثت فيه غزاة إلا كان يذهب لمعاينته، وقد شهد بعضهم أنه رآه وهو ذاهب إلى حنين ليرى موضع الوقعة. وأكبر ما عابه عليه المحدثون شيء اتبعه ابن سعد تلميذه أيضاً وهو جمع أسانيد كثيرة وإيراد متن واحد لها، وإدخال حديث الرجال بعضهم في بعض، مبتغياً بذلك الإيجاز إذا كثرت الروايات وتشابهت.
على أن اعتماد مغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبي معشر ورواة الواقدي من المدنين حقيقة هامة يمكن أن نرى فيها ما يسمى " مدرسة المدينة " في السيرة، وهذه المدرسة التي انتقل مركز الثقل فيها من المدينة إلى
стр. 8
بغداد بانتقال ابن إسحاق وأبي معشر والواقدي، ثم انضم إليها ابن سعد نفسه بدراسته على الواقدي، قد علمت في ظل الخلافة العباسية وكان بعضهم يجد الحظوة التامة لدى العباسيين كابن إسحاق والواقدي.
وبعد أن انتهى ابن سعد في أكثر الجزأين الأولين من سيرة الرسول، أضاف فصلاً عن الذين كانوا يفتون بالمدينة على عهد الرسول، ثم أخذ يترجم الأخير الذي خصصه للنساء. وقد راعى في التراجم عنصرين: عنصر الزمان وعنصر المكان - أما عنصر الزمان فقد تدخل في بناء الطبقات من أولها إلى آخرها، وكانت السابقة إلى الإسلام هي المحور الأكبر فيه، سواء اتصلت بالهجرة إلى الحبشة ثم بموقعة بدر أو وقتت بما قبل فتح مكة، أو غير ذلك من النقط الزمنية التي وجهت التقسيم في ذلك الكتاب. ومن ثم بدأ بالمهاجرين البدريين ثم بالأنصار البدريين ثم بمن أسلم قديماً ولم يشهد بدراً وإنما هاجر إلى الحبشة أو شهد أُحداً (فالبدريون مفضلون على من عداهم) ثم من أسلم قبل فتح مكة وهكذا. ونلاحظ في هذه القسمة أن ابن سعد احتذى فيها شيئاً شبيهاً بما صنعه عمر بن الخطاب عندما دون الدواوين. وبعد هذا تدخل العنصر المكاني فأخذ يترجم للصحابة ومن بعدهم على حسب الأمصار التي نزلوا فسمى من كان بالمدينة ومكة والطائف واليمن واليمامة، ثم من نزل الكوفة، ثم من نزل البصرة، ومن كان موطنه الشام ومصر وغيرهم. وفي أثناء هذا التقسيم التفت إلى التقسيمات المكانية، وبخاصة عند الحديث عن التابعين لأنه ترجم لهم في الطبقات، والطبقة في العادة تساوي جيلاً أو عشرين سنة أو عشر سنين، وهي تساوي في كتاب ابن سعد عشرين سنة تقريباً، فمثلاً تراوح نهاية الطبقة الثالثة بين سنتي ١٠٨ - ١١٣ وتراوح نهاية
стр. 9
الطبقة الرابعة بين سنتي ١٢٦ - ١٣٢.
وقد أظهر هذا التقسيم عيباً واحداً في الكتاب إذ قد يكون أحد الأشخاص داخلاً في غير موضع واحد في هذا المنهج الكبير، أي قد يكون أحد الناس بدرياً، ممن يفتي ايام الرسول، ثم هاجر إلى مصر من الأمصار وعلى هذا فلا بد له من ثلاث تراجم، غير أن ابن سعد كان على وهي بهذا ولذلك ففي مثل هذه الأحوال تجده يطيل الترجمة في موطن واحد ويوجز في المواطن الأخرى. وهناك مظهر آخر لهذا التقسيم نتج من الاعتماد الكلي على الرواية وذلك هو أننا كلما ابتعدنا عن الطبقات الأولى التي تهم ابن سعد الرواية عنها من جميع النواحي، أخذت الترجمة تتذاءل وتقل قيمتها، وبدلاً من أن يكتب ابن سعد ترجمات مستفيضة لمن عاصرهم، نجده اكتفى في هذا بقولة موجزة وأفاض كثيراً في تراجم الصحابة وكبار التابعين وبلغ من الدقة حداً يجعل من كتابه وثيقة بالغة القيمة.
وقد اختفت شخصية ابن سعد أو كادت وراء السند، بل إنه لا يضيرنا كثيراً أن نعتبر كتاب الطبقات رواية نقلها تلميذ ابن سعد " الحارث بن ابي أسامة " - مثلاً - بل إننا نجد في بعض المواطن هذه العبارة " حدثنا محمد بن سعد " أي أن الذي يروي النص تلميذه لا هو؛ وقد كفل هذا للكتاب قسطاً وافراً جداً من الموضوعية، كما هي الحال في أكثر نواحي الثقافة الإسلامية المعتمدة على الأسانيد. وليس لابن سعد في الكتاب تعليقات كثيرة ولكن ما يوجد منها يدل على قدرة نقدية طيبة. فمن ذلك قوله في التعليق على اختلاف العلماء في نسب معد: " ولم أر بينهم اختلافاً أن معداً من ولد قيذر بن إسماعيل، وهذا الاختلاف في نسبته يدل على أنه لم يحفظ وإنما أخذ ذلك من أهل الكتاب وترجموه لهم فاختلفوا فيه، ولم صح ذلك لكان رسول الله، ﷺ ، أعلم الناس به، فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معد بن عدنا ثم الإمساك
стр. 10
عما وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم " (١). وهو يذكر رواية ابن الكلبي أن والد الرسول توفي بعد ما أتى على الرسول ثمانية وعشرون شهراً، ويقال سبعة اشهر ثم يعلق على ذلك بقوله: " والأول أثبت أنه توفي ورسول الله، ﷺ ، حمل " (٢) وأورد رواية يستفاد منها أن النبي بكى عند قبر أمه لما فتح مكة فقال " وهذا غلط وليس قبرها بمكة، وقبرها بالأبواء " (٣). وقال في موطن آخر يذكر وفاة حميد بن عبد الرحمن: " وقد سمعت من يذكر أنه توفي سنة خمس ومائة وهذا غلط وخطأ ليس يمكن أن يكون ذلك كذلك، لا في سنة ولا في روايته، وخمس وتسعون أشبه واقرب إلى الصواب " (٤). ونقل عن هشام الكلبي قوله إن الذي حضر بدراً هو السائب ابن مظعون (لا السائب بن عثمان بن مظعون) فقال في التعليق عليه: " وذلك عندنا منه وهل لأن أصحاب السيرة ومن يعلم المغازي يثبتون السائب الخ " (٥). وهو يضعف شعراً يرويه (٦)، وروايته للشعر وبخاصة في السيرة، ليست قليلة، ولكنها في باب المغازي مثلاً أقل بكثير مما رواه الواقدي أو ابن إسحاق. وهذا الميل النقدي الذي تصوره هذه النصوص موجود عند أستاذه الواقدي أيضاً.
ويجب أن نذكر أم متاب الطبقات من أوائل ما ألف في هذا الموضوع، وإننا لا نعلم كتاباً سبقه إلا طبقات الواقدي، وتذكر هذه الحقيقة يجعلنا ندرك قيمة الكتاب من حيث هو مصدر قديم ومن حيث هو أحد النماذج الأولى في موضوع " الرجال ". حقاً إن التأليف في هذه الناحية كثر من
_________
(١) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٢) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٣) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٤) الطبقات ٥: ١١٥.
(٥) الطبقات ٣ - ١: ٢٩٢.
(٦) الطبقات ١ - ١: ٤٧.
стр. 11
بعده، وربما انقسم التأليف في الطبقات بعده قسمين، قسم خاص بالصحابة وقسم خاص بسائر رجال الحديث من بعدهم، ولكن أثر كتاب ابن سعد، سواء ذكر اسمه أو لم يذكر، قد ظهر في التواليف التي جاءت من بعد. وإذا كنا لا نعرف لابن سعد أثراً في " طبقات " خليفة بن خياط لأن هذا لم يصلنا، فنحن نعلم أن الصلة بين ابن سعد والبلاذري مثلاً كانت وثيقة، وأن مادة ابن سعد قد تركت أثراً واضحاً في كتاب " فتوح البلدان "، وكتاب " أنساب الأشراف "، والثاني من هذين الكتابين صورة أخرى للتأليف في الطبقات. وفي كتاب ابن سعد فصول هي الأصل الذي احتذاه المؤلفون في " دلائل النبوة " كأبي نعيم والبيهقي وعنه نقل ابن مندة في طبقاته، ويمكن أن تقارن أصول السند عنده بما عند ابي نعيم الأصفهاني في " حلية الأولياء " فإن المتن متشابه وطرق الإسناد هي نفس طرق ابن سعد، متجهة اتجاهاً آخر، على أيدي رواة آخرين. ومن الغريب أن ابن عبد البر القرطبي في " الاستيعاب " لا يذكر أنه اعتمد على طبقات ابن سعد ويقول أنه استمد من طبقات الواقدي نفسه عن طريق محمد بن سعد عن طرق إبراهيم بن موسى بن جميل (س ٠ ٣٠٠) وهذا الأخير أندلسي هاجر إلى المشرق وسمع ابن حنبل وابن أبي الدنيا وابن قتيبة وابن سعد نفسه. وتظل شهرة ابن سعد بين الأندلسيين محدودة - بعكس طبقات الواقدي - حتى إن الكلاعي مؤلف " الاكتفاء " اعتمد على ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومصعب الزبيري ولم يذكر شيئاً عن ابن سعد وطبقاته. على أنّا نجد أندلسياً متأخراً ينقل عنه وهو ابن أبي بكر (- ٧٤١) في كتابه " التمهيد والبين في مقتل الشهيد عثمان "، وهو كتاب ما يزال مخطوطاً. وأغرب من هذا أمر المشارقة وبخاصة ابن الأثير مؤلف " أسد الغابة " فإنه اكتفى في كتابه هذا بالاعتماد على أربعة كتب هي: كتاب ابن مندة وكتاب أبي نعيم وكتاب ابن عبد البر ثم تذييل الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني. وواضح من هذا أن
стр. 12
كتاب ابن سعد يدخل في " أسد الغابة " دخولاً غير مباشر، ولكن إغفال ابن الأثير له أمر يستوقف النظر.
غير أن طبقات ابن سعد، مع ذلك كله، مصدر هام عند ابن عساكر في كتابه " تاريخ دمشق " ومصدر هام في " تاريخ الإسلام " للذهبي وفي " تجريد أسماء الصحابة " و " سير أعلام النبلاء " ومعتمد في " الإصابة " و " تهذيب التهذيب " لابن حجر. وينقل عنه ابن كثير في تاريخه ويصرح ابن تغري بردي بقوله: " ونقلنا عنه كثيراً في هذا الكتاب " - أي كتاب النجوم الزاهرة - وكذلك كان مرجعاً لمن كتبوا في السيرة من المتأخرين كالمقريزي في " إمتاع الأسماع "، ولكثير من الكتب في الرجال.
وقد وصلنا هذا الكتاب برواية الحارث بن أبي اسامة لبعضه، والحسين ابن فهم لبعضه الآخر - كلاهما يرويه عن ابن سعد - ونحن نعلم أن الأول منهما له رواية مباشرة عن الواقدي نفسه. ثم تنقسم هذه الرواية فيأخذ أبو أيوب سليمان بن إسحاق الحلاب عن الحارث، ويأخذ أبو الحسن أحمد بن معروف الخشاب عن ابن فهم، وتعود الروايتان فتجتمعان عند أبي الحسن ابن حيويه الخزاز وتتسلسل الرواية من بعد ذلك خلال عدد من الرواة حتى تصل إلى محدث الشام ومسنده شمس الدين أبي الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي ومنه إلى شرف الدين محمد بن عبد المؤمن الدمياطي.
ومنذ سنة ١٩٠٣ عمل في نشر هذا الكتاب جماعة من العلماء الألمان فأشرف عليه سخاو وعانه فيه هوروفنز ومنوخ وبروكلمان وشوالي ولبرت وميسنر وسترستين، وكان اعتمادهم على مخطوطات خمس وجدوها، فجاء عملهم في حدود الإمكانات التي توفرت لهم جيداً مضبوطاً دقيقاً. فإعادة طبع هذا الكتاب اليوم عمل هام ضروري، غايته تقريبه من أيدي الدارسين وتسهيل وصوله إليهم، ففي صفحاته كنز لا ينضب من المعرفة لمن شاء أن يدرس سيرة الرسول وحياة القرنين الأولين من تاريخ الإسلام، وهو المنيع الذي
стр. 13
يمد الباحثين بموضوعات جديدة في كتابة السير والبحث عن طرق الإسناد وكيفية تدوين الحديث، ويعلمنا الشيء الكثير عن الأمور الاجتماعية المتصلة بحياة البيت والسوق وأمور الزي والطعام والشراب وعن جوانب من الأعمال والمهن والحياة التجارية، وعن كثير من النواحي الثقافية والأحكام الفقهية، والصراع بين السنة والأهواء، وعن عشرات من الموضوعات، كل ذلك في لغة سهلة مستوية جزلة، وفي اعتدال وقصد وموضوعية وتجرد لا يستطيعه إلا من كان مخلصاً، كابن سعد، يقدم الغاية العلمية على كل شيء آخر.
إحسان عباس
стр. 14
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي العربي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم
أخبرنا الشيخ الإمام العالم الحافظ العلامة النسابة شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي ﵀ قراءة عليه وأنا أسمع قال أخبرنا الشيخ الإمام محدث الشام ومسنده شمس الدين أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن دهبل بن علي بن كارة قال أخبرنا القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله الأنصاري قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله الجوهري عن أبي عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن يحيى بن معاذ بن حيويه الخزاز عن أبي الحسن أحمد بن معروف بن بشر بن موسى الخشاب عن أبي محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي عن أبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع ﵀ قال:
стр. 15
ذكر من انتمى إليه رسول الله ﷺ
أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني، أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: وأخبرنا الحكم ابن موسى، أخبرنا هقل بن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : أنا سيد ولد آدم.
وأخبرنا محمد بن مصعب، أخبرنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله، ﷺ : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.
قال: وأخبرنا أبو ضمرة المدني أنس بن عياض الليثي، أخبرنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن النبي، ﷺ ، قال: قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب.
أخبرنا عارم بن الفضل السدوسي ويونس بن محمد المؤدب قالا: أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو، يعني بن دينار، عن محمد بن علي قال: قال رسول الله، ﷺ : إن الله اختار العرب فاختار منهم كنانة أو النضر بن كنانة ثم اختار منهم قريشا ثم اختار منهم بني هاشم ثم اختارني من بني هاشم.
стр. 16
قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أخبرنا العلاء بن خالد، أخبرنا عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: قال رسول الله، ﷺ : ان الله اختار العرب فاختار كنانة من العرب واختار قريشا من كنانة واختار بني هاشم من قريش واختارني من بني هاشم.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ ، أنا سابق العرب.
أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: رسول من أنفسكم. قال: قد ولدتموه يا معشر العرب.
أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال: كان النبي، ﷺ ، في سفر فبينا هو يسير بالليل ومعه رجل يسايره إذ سمع حادياً يحدو وقوم أمامه فقال لصاحبه: لو أتينا حادي هؤلاء القوم! فقربنا حتى غشينا القوم، فقال رسول الله، ﷺ : ممن القوم! قالوا: من مضر، فقال: وأنا من مضر، ونى حادينا فسمعنا حاديكم فأتيناكم.
أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي قال: أخبرنا سفيان بن سعيد الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: لقي رسول الله، ﷺ ، ركبا فقال: ممن القوم! فقالوا: من مضر، فقال وأنا من مضر، قالوا: يا رسول الله إنا رداف وليس معنا زاد إلا الأسودان، فقال رسول الله، ﷺ : ونحن رداف ما لنا زاد إلا الأسودان التمر والماء.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن طاوس قال: بينما رسول الله، ﷺ ، في سفر
стр. 17
إذ سمع صوت حاد فسار حتى أتاهم، فلما أتاهم قال: ونى حادينا فسمعنا صوت حاديكم فجئنا نسمع حداءه. فقال: من القوم؟ قالوا: مضريون، فقال، ﷺ : وأنا مضري، فقالوا: يا رسول الله إن أول من حدا، بينما رجل في سفر فضرب غلاما له على يده بعصاً فانكسرت يده، فجعل الغلام يقول وهو يسير الإبل: وايداه؟ وايداه! وقال: هيبا هيبا، فسارت الإبل.
أخبرنا معن بن عيسى الأشجعي القزاز، أخبرنا معاوية بن صالح عن يحيى بن جابر، وكان أدرك بعض أصحاب النبي، ﷺ ، قال: جاءت بنو فهيرة إلى رسول الله، ﷺ ، قال: فقالوا إنك منا، فقال: إن جبريل ليخبرني أني رجل من مضر.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة: أنه ذكر مضر في كلام له فقال: إن منكم سيد ولد آدم، يعني النبي، ﷺ .
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا عبد الواحد بن زياد، أخبرنا معمر عن الزهري قال: جاء وفد كندة إلى رسول الله، ﷺ ، عليهم جباب الحبرة وقد لفوا جيوبها وأكمتها بالديباج، فقال: أليس قد أسلمتم؟ قالوا: بلى، قال: فألقوا هذا عنكم. قال: فخلعوا الجباب. قال: فقالوا للنبي، ﵇: أنتم بنو عبد مناف بنو آكل المرار. قال: فقال لهم النبي، ﷺ : ناسبوا العباس وأبا سفيان. قال: فقالوا لا نناسب غيرك، قال: فلا! نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ندعى لغير أبينا.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن بن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله، ﷺ ، قال لوفد كندة حين قدموا عليه المدينة، فزعموا أن بني هاشم منهم، فقال رسول الله
стр. 18
صلى الله عليه وسلم: بل نحن بنو النضر بن كنانة لن نقفو أمنا ولن ندعى لغير أبينا.
قال: أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا ابن أبي ذئب عن أبيه أنه قيل لرسول الله، ﷺ : إن ههنا ناساً من كندة يزعمون أنك منهم، فقال رسول الله، ﷺ : إنما ذلك شيء كان يقوله العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب ليأمنا باليمن، معاذ الله أن نزني أمنا أو نقفو أبانا، نحن بنو النضر ابن كنانة، من قال غير ذلك فقد كذب.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عقيل بن أبي طلحة عن مسلم بن الهيصم عن الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله، ﷺ ، في وفد من كندة لا يروني أفضلهم، قال عفان: فقلت يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا، قال فقال: نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا. قال فقال الأشعث ابن قيس: لا أسمع أحداً ينفي قريشاً من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد.
قال أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا ابن أبي ذئب عمن لا يتهم عن عمرو بن العاص أن رسول الله، ﷺ ، قال: أنا محمد بن عبد الله؛ فانتسب حتى بلغ النضر بن كنانة، فمن قال غير ذلك فقد كذب.
أخبرنا يزيد بن هارون وعبد الله بن نمير قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن رجلاً أتى رسول الله، ﷺ ، فقام بين يديه فأخذه من الرعدة أفكل فقال رسول الله، ﷺ : هون عليك فإني لست بملكٍ إنما أنا بن امرأةٍ من قريشٍ كانت تأكل القديد.
قال: أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا حصين عن أبي مالك قال:
стр. 19
كان رسول الله، ﷺ ، أوسط النسب في قريش، ليس من حي من أحياء قريش إلا وقد ولدوه، قال فقال الله له: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني في قرابتي منكم وتحفظوني.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا هشيم قال: أخبرنا داود عن الشعبي قال: أكثروا علينا في هذه الآية: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. فكتب إلى ابن عباس، فكتب ابن عباس أن رسول الله، ﷺ ، كان أوسط النسب في قريش، لم يكن حي من أحياء قريش إلا وقد ولدوه، فقال الله، ﵎: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا المودة، تودوني لقرابتي وتحفظوني في ذلك.
أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أخبرنا عمرو بن أبي زائدة قال: سمعت عكرمة يقول في قول الله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى؛ قال قل بطن من قريش إلا وقد كانت لرسول الله، ﷺ ، فيهم ولادة، فقال: إن لم تحفظوني فيما جئت به فاحفظوني لقرابتي.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا إسرائيل عن سالم عن سعيد بن جبير في قوله: قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى؛ قال: أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن أبيه عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: وأخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي، وقبيصة بن عقبة السوائي، والضحاك بن مخلد الشيباني أبو عاصم النبيل، قالوا: أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم وعفان بن مسلم وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قالوا: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب أنه سمع
стр. 20
النبي، ﷺ ، يوم حنين يقول:
أنا النبي لا كذب … أنا بن عبد المطلب قال: وأخبرنا الضحاك بن مخلد الشيباني عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن بن عباس في قوله تعالى: وتقلبك في الساجدين. قال: من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً.
قال: وأخبرنا سعيد بن سليمان الواسطي ومحمد بن الصباح البزاز عن إسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمرو، يعني بن أبي عمرو مولى المطلب، عن سعيد، يعني المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، قال: إن الله إذا أراد أن يبعث نبيا نظر إلى خير أهل الأرض قبيلة فيبعث خيرها رجلاً.
ذكر من ولد رسول الله، ﷺ ، من الأنبياء
قال: ذذ أخبرنا محمد بن حميد أبو سفيان العبدي عن سفيان بن سعيد الثوري عن هشام بن سعد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : الناس ولد آدم وآدم من تراب.
أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: خلق آدم من أرض
стр. 21
يقال لها دحناء.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وخلاد بن يحيى قالا: أخبرنا مسعر عن أبي حصين قال: قال لي سعيد بن جبير أتدري لم سمي آدم؟ لأنه خلق من أديم الأرض.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن قسامة بن زهير قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله، ﷺ : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا المعتمر بن سليمان عن عاصم الأحول عن أبي قلابة قال: خلق آدم من أديم الأرض كلها من أسودها وأحمرها وأبيضها وحزنها وسهلها. قال: وقال الحسن مثله: وخلق جؤجؤه من ضرية.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن، أخبرنا شعبة عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وإنما سمي إنساناً لأنه نسي.
قال: أخبرنا حسين بن حسن الأشقري، أخبرنا يعقوب بن عبد الله القمي عن جعفر، يعني ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود قال: إن الله بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها، فخلق منها آدم، فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنة وإن كان بن كافر، وكل شيء خلقه من ملحها فهو صائر إلى النار وإن كان بن تقي، قال فمن ثم قال إبليس: أأسجد لمن خلقت طيناً؛ لأنه جاء بالطينة، قال فسمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض.
стр. 22
قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب ويونس بن محمد المؤدب قالا: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : إن الله لما صور آدم تركه ما شاء أن يتركه فجعل إبليس يطيف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك.
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبري، أخبرنا سليمان التيمي، أخبرنا أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أن بن مسعود قال: خمر الله طينة آدم أربعين ليلة، أو قال أربعين يوماً، ثم ضرب بيده فيه فخرج كل طيب في يمينه، وخرج كل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، قال: فمن ثم يخرج الحي من الميت والميت من الحي.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، حدثني أبي عن عون بن عبد الله بن الحارث الهاشمي عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله خلق آدم بيده.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال: حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: خلق الله بن آدم كما شاء ومما شاء فكان كذلك، تبارك الله أحسن الخالقين، خلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشعره وعظامه وجسده كله، فهذا بدء الخلق الذي خلق الله منه بن آدم، ثم جعلت فيه النفس، فبها يقوم ويقعد ويسمع ويبصر، ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقي ما تتقي، ثم جعل فيه الروح، فبه عرف الحق من الباطل، والرشد من الغي، وبه حذر وتقدم، واستتر وتعلم، ودبر الأمور كلها.
قال: أخبرنا خلاد بن يحيى، أخبرنا هشام بن سعد، أخبرنا زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
стр. 23
وسلم: لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمةٍ هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نورٍ ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم أعجبه نور ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال: هذا رجل من ذريتك في آخر الأمم يقال له داود. قال: أي رب كم عمره؟ قال: ستون سنةً. قال: فزده من عمري أربعين سنةً. قال: إذاً تكتب وتختم ولا تبدل. قال: فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت. قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنةً؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال رسول الله، ﷺ : فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطيء آدم فخطئت ذريته.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن ريد عن يوسف بن مهران عن بن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله، ﷺ : إن أول من جحد آدم، ﵇، وكررها ثلاثاً، إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه، فرأى فيهم رجلا يزهر فقال: أي رب! أي بني هذا؟ قال: هذا ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: ستون سنةً. قال: أي رب زده في عمره. قال: لا إلا أن تزيده أنت من عمرك، قال وكان عمر آدم ألف سنة، قال: أي رب زده من عمري. قال: فزاده أربعين سنة وكتب عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه فقال: إنه قد بقي من عمري أربعون سنةً، فقالوا: إنك جعلتها لابنك داود.
стр. 24
فقال: أي رب ما فعلت؟ فأنزل الله عليه الكتاب وأقام عليه البينة، ثم أكمل الله، ، لآدم ألف سنةٍ، وأكمل لداود مائة سنةٍ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، وهو ابن علية، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا. فمسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة، فأخذ ميثاقهم: ألست بربكم قالوا بلى شهدنا.
قال إسماعيل: فحدثنا ربيعة بن كلثوم عن أبيه في هذا الحديث: قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مسح ربك ظهر آدم بنعمان هذه، فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم أخذ عليهم الميثاق قال: ثم تلا: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل.
أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطي، أخبرنا منصور، يعني ابن أبي الأسود، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله آدم بدحناء فمسح ظهره، فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، قال: ألست بربكم قالوا بلى. قال: يقول الله: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. قال سعيد: فيرون أن الميثاق أخذ يومئذ.
стр. 25
قال: أخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي، أخبرنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري عن أبي لبابة بن عبد المنذر أن رسول الله، ﷺ ، قال: يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، خلق الله فيه آدم وأهبط فيه آدم إلى الأرض وفيه توفى الله آدم.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم في آخر يوم الجمعة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم، أخبرنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: قال سلمان إن أول ما خلق من آدم رأسه فجعل يخلق جسده وهو ينظر، قال: فبقيت رجلاه عند العصر، قال: يا رب الليل أعجل قد جاء الليل، قال الله: وخلق الإنسان من عجلٍ.
قال: أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة في قوله: من طينٍ، قال استل آدم من الطين.
قال أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة في قوله: أنشأناه خلقاً آخر؛ قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر، وقال بعضهم نفخ الروح.
أخبرنا حماد بن خالد الخياط عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال: حدثني عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي، ﷺ ، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: إن الله خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره، فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي. فقال قائل: يا رسول الله على ماذا نعمل؟ قال على مواقع القدر.
أخبرنا محمد بن مقاتل الخراساني قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال:
стр. 26
أخبرنا إسماعيل بن رافع أنه سمع سعيداً المقبري يقول: قال أبو هريرة: كان أول ما جرى فيه الروح من آدم، بصره وخياشيمه، فلما جرى الروح منه في جسده كله عطس، فلقاه الله حمده فحمد ربه، فقال الله له: رحمك ربك، ثم قال الله له: اذهب يا آدم إلى أولئك الملأ فقل لهم: سلام عليكم، فانظر ماذا يردون عليك، ففعل ثم رجع إلى الجبار، فقال الله له، وهو أعلم: ماذا قالوا لك؟ فقال: قالوا وعليك السلام ورحمة الله، فقال له: هذا يا آدم تحيتك وتحية ذريتك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما نفخ في آدم الروح عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله له: يرحمك ربك. قال ابن عباس: سبقت رحمته غضبه.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم والحسن بن موسى الأشيب قالا: أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان يمس رأسه السماء، قال: فوطده الله إلى الأرض حتى صار ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب عن النبي، ﵇، أنه قال: إن آدم كان رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، فلما ركب الخطيئة بدت له عورته وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هاربا في الجنة، فتعلقت به شجرة، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. قال: وناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال رب إني استحييتك.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب بمثل هذا الحديث ولم يرفعه.
стр. 27
أخبرنا حفص بن عمر الحوضي، أخبرنا إسحاق بن الربيع أبو حمزة العطار عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب قال: كان آدم طوالا آدم جعدا كأنه نخلة سحوق.
قال: أخبرنا يحيى بن السكن قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله، ﷺ : يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً جعاداً مكحلين أبناء ثلاثٍ وثلاثين على خلق آدم ستين ذراعاً في سبع أذرع.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال: بكى آدم على الجنة ثلاثمائة سنة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم وهاشم بن القاسم الكناني قالا: أخبرنا المسعودي عن أبي عمر الشآمي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: قلت للنبي، ﵇: أي الأنبياء أول؟ قال: آدم. قلت: أو نبيا كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قال: قلت فكم المرسلون؟ قال ثلاثمائةٍ وخمسة عشر جماً غفيراً.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، أخبرنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان لآدم أربعة أولاد تؤام، ذكر وأنثى من بطن، وذكر وأنثى من بطن، فكانت أخت صاحب الحرث وضيئةً، وكانت أخت صاحب الغنم قبيحة، فقال صاحب الحرث: أنا أحق بها، وقال صاحب الغنم: أنا أحق بها. فقال صاحب الغنم: ويحك! أتريد أن تستأثر بوضاءتها علي؟ تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك كنت أحق بها، وإن تقبل قرباني كنت أحق بها، قال: فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وجاء صاحب الحرث بصبرةٍ من طعامه، فقبل الكبش
стр. 28
فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم، ﷺ ، فقال صاحب الحرث: لأقتلنك. فقال صاحب الغنم: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك؛ إلى قوله: وذلك جزاء الظالمين. فقتله فولد آدم كلهم من ذلك الكافر.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كان آدم يزوج ذكر هذا البطن بأنثى هذا البطن، وأنثى هذا البطن بذكر هذا البطن.
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي، أخبرنا إسحاق بن الربيع عن الحسن عن عتي عن أبي بن كعب أن آدم لما حضره الموت قال لبنيه: يا بني أطلبوا لي من ثمرة الجنة فإني قد اشتهيتها، فذهب بنوه، وذاك في مرضه، يطلبون له من ثمرة الجنة، فإذا هم بملائكة الله، قالوا لهم: يا بني آدم ما تطلبون؟ قالوا: إن أبانا أشتاق إلى ثمرة الجنة فنحن نطلبها. قالوا: ارجعوا، فقد قضي الأمر؛ فإذا أبوهم قد قبض. فأخذت الملائكة آدم فغسلوه وحنطوه وكفنوه وحفروا له قبراً وجعلوا له لحداً ثم إن ملكا من الملائكة تقدم فصلى عليه وخلفه الملائكة وبنو آدم خلفهم، ثم وضعوه في حفرته وسووا عليه، فقالوا: يا بني آدم هذا سبيلكم وهذه سنتكم.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم قال: أخبرنا يونس ابن عبيد عن حسن قال: أخبرنا عتي السعدي عن أبي بن كعب قال: لما احتضر آدم قال لبنيه: انطلقوا فاجتنوا لي من ثمار الجنة. فخرج بنوه فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا أبونا لنجتني له من ثمار الجنة. قالوا: ارجعوا فقد كفيتم، فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم، فلما رأتهم حواء ذعرت، فجعلت تدنو إلى آدم فتلزق به، فقال لها آدم: إليك عني فمن قبلك أتيت، خلي بيني وبين ملائكة ربي.
стр. 29
فقبضوا روحه، ثم غسلوه وكفنوه وحنطوه، ثم صلوا عليه وحفروا له، ثم دفنوه، فقالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم في موتاكم.
قال: أخبرنا خالد بن خداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن من حدثه عن أبي ذر قال: سمعت النبي، ﷺ ، يقول: إن آدم خلق من ثلاث تربات سوداء وبيضاء وخضراء.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا حماد بن زيد عن خالد الحذاء قال: خرجت خرجة لي فجئت وهم يقولون: قال الحسن: فلقيته فقلت يا أبا سعيد! آدم للسماء خلق أم للأرض؟ فقال: ما هذا يا أبا منازل؟ للأرض خلق! قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: للأرض خلق، فلم يكن بد من أن يأكل منها.
أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا خالد بن عبد الله عن بيان عن الشعبي عن جعدة بن هبيرة قال: الشجرة التي افتتن بها آدم الكرم، وجعلت فتنة لولده.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب عن جعفر بن ربيعة وزياد مولى مصعب قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن آدم: أنبياً كان أو ملكاً؟ قال: بل نبي مكلم.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن بن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: الناس لآدم وحواء كطف الصاع لن يملؤوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا أنسابكم يوم القيامة، أكرمكم عند الله أتقاكم.
قال أخبرنا هشام بن محمد أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن
стр. 30
عباس قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتين، صلاة الظهر وصلاة العصر، فأنزل إلى الأرض، وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا، فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نوذ، وأهبطت حواء بجدة، فنزل آدم معه ريح الجنة، فعلق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيباً، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم، ﷺ ، وقالوا: أنزل معه من آس الجنة أيضا، وأنزل معه بالحجر الأسود، وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ﷺ ، ومر ولبان ثم أنزل عليه بعد العلاة والمطرقة والكلبتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل، فقال: هذا من هذا، فجعل يكسر أشجاراً عتقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصن حتى ذاب، فكان أول شيء ضرب منه مدية، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالهند بالعذاب، فلما حج آدم، وضع الحجر الأسود على أبي قبيسٍ فكان يضيء لأهل مكة في ليالي الظلم كما يضيء القمر، فلما كان قبيل الإسلام بأربع سنين، وقد كان الحيض والجنب يصعدون إليه يمسحونه فاسود فأنزلته قريش من أبي قبيسٍ، وحج آدم من الهند إلى مكة أربعين حجة على رجليه، وكان آدم حين أهبط يمسح رأسه السماء، فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع، ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشاً من يومئذ، فكان آدم وهو على ذلك الجبل قائماً يسمع أصوات الملائكة ويجد ريح الجنة، فحط من طوله ذلك إلى ستين ذراعاً، فكان ذلك طوله حتى مات، ولم يجمع حسن آدم لأحد من ولده إلا ليوسف، وأنشأ آدم يقول: رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك، ولا رقيب دونك، آكل فيها رغداً، وأسكن حيث أحببت
стр. 31
فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحفون بعرشك وأجد ريح الجنة وطيبها، ثم أهبطتني إلى الأرض وحططتني إلى ستين ذراعاً، فقد انقطع عني الصوت والنظر، وذهب عني ريح الجنة.
فأجابه الله، ﵎: لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك، بك فلما رأى الله عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة، فأخذ آدم كبشا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو وحواء، فنسج آدم جبة لنفسه وجعل لحواء درعا وخمارا فلبساه، وقد كانا اجتمعا بجمعٍ فسميت جمعاً، وتعارفا بعرفة فسميت عرفة، وبكيا على ما فاتهما مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على نوذ، الجبل الذي أهبط عليه آدم، ولم يقرب حواء مائة سنة، ثم قربها فتلقت فحملت، فولدت أول بطن قابيل وأخته لبود توأمته، ثم حملت فولدت هابيل وأخته اقليما توأمته، فلما بلغوا أمر الله آدم أن يزوج البطن الأول البطن الثاني، والبطن الثاني البطن الأول، يخالف بين البطنين في النكاح، وكانت أخت قابيل حسنة وأخت هابيل قبيحة، فقال آدم لحواء الذي أمر به، فذكرته لابنيها، فرضي هابيل وسخط قابيل وقال: لا والله ما أمر الله بهذا قط، ولكن هذا عن أمرك يا آدم، فقال آدم: فقربا قرباناً فأيكما كان أحق بها أنزل الله ناراً من السماء فأكلت قربانه، فرضيا بذلك، فعدا هابيل، وكان صاحب ماشية، بخير غذاء غنمه وزبد ولبن، وكان قابيل زراعاً فأخذ طناً من شر زرعه، ثم صعدا الجبل، يعني نوذ، وآدم معهما، فوضعا القربان ودعا آدم ربه، وقال قابيل في نفسه: ما أبالي أيقبل مني أم لا، لا ينكح هابيل أختي أبداً، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتجنبت قربان قابيل لأنه لم يكن زاكي القلب، فانطلق هابيل فأتاه قابيل وهو في غنمه فقال: لأقتلنك! قال لم تقتلني؟
стр. 32
قال: لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني ورد علي قرباني ونكحت أختي الحسنة ونكحت أختك القبيحة، ويتحدث الناس بعد اليوم أنك كنت خيراً مني، فقال له هابيل: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين؛ أما قوله بإثمي؛ يقول: تأثم بقتلي إذا قتلتني إلى إثمك الذي كان عليك قبل أن تقتلني، فقتله فأصبح من النادمين فتركه لم يوار جسده، فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه؛ وكان قتله عشية، وغدا إليه غدوة لينظر ما فعل، فإذا هو بغراب حي يبحث على غراب ميت، فقال: يا ويلتا! أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي كما يواري هذا سوءة أخيه؟ فدعا بالويل، فأصبح من النادمين؛ ثم أخذ قابيل بيد أخيه ثم هبط من الجبل، يعني نوذ، إلى الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوباً أبداً لا تأمن من تراه! فكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل بن لقابيل أعمى ومعه بن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال بن الأعمى: يا ابتاه قتلت أباك، فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات ابنه؛ فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي، وقتلت ابني بلطمتي! ثم حملت حواء فولدت شيثاً وأخته عزورا، فسمي هبة الله، اشتق له من أسم هابيل، فقال لها جبريل حين ولدته: هذا هبة الله لك بدل هابيل، وهو بالعربية شث، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدم، صلوات الله عليه، وكان آدم يوم ولد شيث بن ثلاثين ومائة سنة، ثم تغشاها آدم فحملت حملاً خفيفاً فمرت به؛ يقول: قامت وقعدت، ثم أتاها الشيطان في غير صورته فقال لها: يا حواء ما هذا في بطنك؟ قالت: لا أدري! قال فلعله يكون بهيمة من هذه البهائم؟
стр. 33
ثم قالت: ما أدري! ثم أعرض عنها حتى إذا أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك يا حواء؟ قالت: إني لأخاف أن يكون كالذي خوفتني، ما أستطيع القيام إذا قمت، قال: أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنساناً مثلك ومثل آدم تسميه بي؟ قالت: نعم، فانصرف عنها؛ وقالت لآدم: لقد أتاني آتٍ فأخبرني أن الذي في بطني بهيمة من هذه البهائم، وإني لأجد له ثقلاً وأخشى أن يكون كما؛ قال فلم يكن لآدم ولا لحواء هم غيره حتى وضعته فذلك قول الله، ﵎: دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين؛ فكان هذا دعاؤهما قبل أن تلد، فلما ولدت غلاماً سوياً أتاها فقال لها: ألا سميته كما وعدتني؟ قالت: وما اسمك؟ وكان اسمه عزازيل، ولو تسمى به لعرفته، فقال: اسمي الحارث، فسمته عبد الحارث فمات، يقول الله: لما أتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون؛ وأوحى الله إلى آدم: أن لي حرماً بحيال عرشي، فانطلق فابن لي بيتاً فيه، ثم حف به كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي، فهنالك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي، فقال آدم: أي ربي وكيف لي بذلك: لست أقوى عليه ولا أهتدي له، فقيض الله له ملكاً فانطلق به نحو مكة فكان آدم إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بنا ههنا، فيقول له الملك: مكانك، حتى قدم مكة فكان كل مكان نزل به عمراناً وكان كل مكان تعداه مفاوز وقفاراً فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سينا، وطور زيتون، ولبنان، والجودي، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة فطاف بالبيت أسبوعاً ثم رجع إلى أرض الهند فمات على نوذ، فقال شيث لجبريل: صل على آدم، فقال: تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس وهي الصلاة وخمس وعشرون تفضيلا لآدم، ولم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده
стр. 34
أربعين ألفاً بنوذ ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد، فأوصى أن لا يناكح بنو شيث بني قابيل، فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليه حافظاً لا يقرأ أحدا من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث، فكان عمر آدم تسعمائة سنة وستاً وثلاثين سنة، فقال مائة من بني شيث صباح: لو نظرنا ما فعل بنو عمنا، يعنون بني قابيل، فهبطت المائة إلى نساء قباح من بني قابيل، فأحبس النساء الرجال ثم مكثوا ما شاء الله، ثم قال مائة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا، فهبطوا من الجبل إليهم فاحتبسهم النساء، ثم هبط بنوا شيث كلهم، فجاءت المعصية وتناكحوا واختلطوا وكثر بنو قابيل حتى ملأوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح.
وولد شيث بن آدم أنوش ونفراً كثيراً وإليه أوصى شيث، فولد أنوش قينان ونفراً كثيراً وإليه الوصية، فولد قينان مهلاليل ونفراً معه وإليه الوصية، فولد مهلاليل يرذ، وهو اليارذ، ونفراً معه وإليه الوصية، وفي زمانه عملت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام، فولد يرذ خنوخ وهو إدريس النبي ﵇ ونفرا معه.
ذكر حواء
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن بن جريج عن مجاهد في قوله: وخلق منها زوجها؛ قال: خلق حواء من قصيري آدم، ﷺ ؛ والقصيري: الضلع الأقصر؛ وهو نائم، فاستيقظ فقال: أثا! امرأة بالنبطية.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن مولى لابن عباس عن ابن عباس قال: إنما سميت حواء
стр. 35
لأنها أم كل حي.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس قال: أهبط آدم بالهند وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى جمعاً فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت بالمزدلفة، واجتمعا بجمعٍ فلذلك سميت جمعاً.
ذكر إدريس النبي، ﷺ
أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أول نبي بعث في الأرض بعد آدم إدريس، وهو خنوخ بن يرذ، وهو اليارذ، وكان يصعد له في اليوم من العمل مالا يصعد لبني آدم في الشهر، فحسده إبليس وعصاه قومه، فرفعه الله إليه مكاناً علياً، كما قال وأدخله الجنة وقال: لست بمخرجه منها: وهذا في حديث لإدريس طويل، فولد خنوخ متوشلخ ونفراً معه وإليه الوصية، فولد متوشلخ لمك ونفراً معه وإليه الوصية، فولد لمك نوحاً، ﷺ .
ذكر نوح النبي، ﷺ
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان للمكٍ يوم ولد نوحاً اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهى عن منكر، فبعث الله نوحاً إليهم وهو بن أربعمائة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو بن ستمائة سنة وغرق من غرق، ثم مكث بعد
стр. 36
السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام، وفي ولده بياض وأدمة، وحام، وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث، وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان، وهو الذي غرق، والعرب تسميه يام، وذلك قول العرب: إنما هام عمنا يام؛ فأم هؤلاء واحدة.
وبجبل نوذ نجر نوح السفينة، ومن ثم تبدأ الطوفان، فركب نوح السفينة ومعه بنوه هؤلاء، وكنائنه نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون من بني شيث ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه من كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعاً وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً وخرج منها من الماء ستة أذرع، وكانت مطبقة، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، فأرسل الله المطر أربعين ليلة وأربعين يوماً، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له، فحمل فيها كما أمره الله من كل زوجين اثنين، وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزاً بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين، فذلك قول الله: ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ؛ يقول منصب؛ وفجرنا الأرض عيوناً؛ يقول: شققنا الأرض؛ فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر؛ فصار الماء نصفين: نصف من السماء، ونصف من الأرض، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمس عشرة ذراعاً فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً ورفع البيت الذي بناه آدم، رفع من الغرق، وهو البيت المعمور، والحجر الأسود على أبي قبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي، وهو جبل بالحصنين من أرض الموصل، فاستقرت على الجودي بعد ستة
стр. 37
أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة الأشهر: بعداً للقوم الظالمين؛ فلما استوت على الجودي قيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي؛ يقول: احبسي ماءك؛ وغيض الماء؛ نشفته الأرض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، قال: فآخر ما بقي في الأرض من الطوفان ماء بحسمي، بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، فهبط نوح إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً، فسميت سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام، قال: ودعا نوح على الأسد أن تلقى عليه الحمى، وللحمامة بالأنس، وللغراب بشقاء المعيشة.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة السوائي، أخبرنا سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، قال: ثم رجع الحديث إلى حديث هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: وتزوج نوح امرأة من بني قابيل، فولدت له غلاماً فسماه يوناطن، فولد بمدينة بالمشرق يقال لها معلنور شمسا، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها، وهي بين الفرات والصراة، وكانت اثني عشر فرسخاً في اثني عشر فرسخاً، وكان بابها موضع دوران اليوم فوق جسر الكوفة يسرةً إذا عبرت، فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف، وهم على الإسلام، ولما خرج نوح من السفينة دفن آدم ببيت المقدس، ومات نوح، ﷺ .
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم.
قال: أخبرنا خالد بن خداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولد
стр. 38
نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى موسى: إنك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العال من ولد سام بن نوح. قال: ابن عباس: والعرب والفرس والنبط والهند والسند والبند من ولد سام بن نوح.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: الهند والسند والبند بنو يوفير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: ومكران بن البند وجرهم اسمه هذرم بن عامر بن سبا بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وحضرموت بن يقطن بن عابر ابن شالخ، ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح في قول من نسبه إلى غير إسماعيل، والفرس بنو فارس بن ببرس بن ياسور بن سام بن نوح، والنبط بنو نبيط بن ماش بن إرم بن سام بن نوح، وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام بن نوح، وعمليق، وهو عريب وطسم وأميم، بنو لوذ بن سام بن نوح، وعمليق هو أبو العمالقة ومنهم البربر، وهم: بنو تميلا بن مازرب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو فريقيس بن قيس بن صيفي بن سبإ، ويقال أن عمليق أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل، وكان يقال لهم ولجرهم العرب العاربة، وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح؛ والروم بنو النطي بن يونان بن يافث بن نوح، ونمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب بابل، وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن، ﷺ ، قال: وكان يقال لعاد في دهرهم
стр. 39
عاد إرم، فلما هلكت عاد قيل لثمود ثمود إرم، فلما هلكت ثمود قيل لسائر بني إرم إرمان، فهم النبط، فكل هؤلاء كان على الإسلام، وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوا وكلامهم السريانية، ثم أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لساناً، ولبني حام ثمانية عشر لساناً، ولبني يافث ستة وثلاثون لساناً، ففهم الله العربية عاداً وعبيل وثمود وجديس وعمليق وطسم وأميم، وبني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان الذي عقد لهم الأولوية ببابل يوناطن بن نوح، فنزل بنو سام المجدل سرة الأرض، وهو فيما بين ساتيدما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أدمة وبياضاً قليلاً وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعشر والغاف والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم، ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى الله أرضهم فاشتد بردها، وأخلى سماءها فليس يجري فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطاعون، ثم لحقت عاد بالشحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فخلفت بعدهم مهرة بالشحر، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلاً، فنزلوا موضع الجحفة فأقبل سيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة، ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثم، ولحقت طسم وجديس باليمامة، وإنما سميت اليمامة بامرأة منهم، فهلكوا، ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر، ولا يصل
стр. 40
إليها اليوم أحد غلبت عليها الجن، وإنما سميت أبار بأبار بن أميم، ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بن حام بالشام فسميت الشام حيث تشاءموا إليها، وكانت الشام يقال لها أرض بني كنعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها، فكانت الشام لبني إسرائيل، ووثبت الروم على بني إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم، ثم جاءت العرب فغلبوا على الشام فكان فالغ وهو فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو الذي قسم الأرض بين بني نوح كما سمينا في الكتاب.
قال أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة، أخبرنا الحسن بن الحكم النخعي، أخبرنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي ثم المرادي قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فقال: بلى، ثم بدا لي، فقلت: يا رسول الله، لا بل أهل سبأ هم أعز وأشد قوة، قال: فأمرني رسول الله وأذن لي في قتال سبأ، فلما خرجت من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل، فقال رسول الله، ﷺ : ما فعل الغطيفي؟ فأرسل إلى منزلي فوجدني قد سرت فردني، فلما أتيت رسول الله، ﷺ ، وجدته قاعدا وحوله أصحابه، فقال: أدع القوم فمن أجابك منهم فاقبل ومن أبى فلا تعجل عليه حتى تحدث إلي؛ فقال رجل من القوم: يا رسول الله وما سبأ؟ أرض هي أو امرأة؟ قال: ليست بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فأما ستة فتيامنوا وأما أربعة فتشاءموا، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير والأشعرون وأنمار ومذحج، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: هم الذين منهم خثعم وبجيلة.
следующие страницы →