← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إهداء إهداء إلى أمي وأبي (رحمهما الله) فقد تعبا كثيرًا في تربيتي وتوجيهي، وصبرا عليَّ صبرًا جميلًا فجزاهما الله عني خير ما جزى والدًا عن ولده. أسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهما، وأن يرحمهما رحمةً واسعةً لا عذاب بعدها أبدًا، وأن يسكنهما الفردوس الأعلى من الجنة دون سابقة حساب ولا عذاب وجميع موتى المسلمين. إلى إخوتي الذين تولوا تربيتي بعد وفاة أمي وأبي، وتعاونوا معي كثيرًا، ووفروا لي كل الوسائل حتى خرج هذا البحث، فجزاهم الله عني خير الجزاء. إلى أمي الثانية (د / ناهد مصطفى الكاشف) التي علمتني وربتني وصبرت عليَّ كثيرًا فجزاها الله عني خير الجزاء. إليهم جميعًا أهدي كتابي.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أعظم العلوم التي يفني المرء عمره في تعلمها هي علوم القرآن، وتفسيره، وتدبره، حتى يعبد الله على بصيرة، وحتى يتدبر كتاب الله، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ومن أجل العلوم التى عُنيت بالقرآن وإظهار كنوزه (علم المتشابه اللفظي)، الذي اهتم علماؤه بتوضيح سبب اختلاف التعبير القرآني من موضع لآخر، وإبطال مزاعم التكرار في النص القرآني، وإبراز بلاغة التعبير القرآني في كل موضع من المواضع. فإن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفيّ ولا جليّ؛ لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضرّ، والمحكم يعرف بالمتشابه. وإن مما يفيد في حفظ القرآن، معرفة الآيات المتشابهة الألفاظ وكيفية التمييز بينها. وقد كُنت عند تلاوة القرآن أقف عند بعض الآيات المتشابهة الألفاظ لمعرفة أماكن ورودها في القرآن، وأتأمل في التمييز بين تلك الآيات، فتيسّر لي معرفة آيات كثيرة متشابهة الألفاظ، وذلك بالتقديم والتأخير، أو زيادة حرف أو أكثر، أو كلمة فأكثر. وقد تصدى كثير من العلماء والمفسرين لتوجيه آيات المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وكان من أهم التفاسير التي تناولت آيات المتشابه اللفظي بالتوجيه تفسيرا الإمامين الرازي والألوسي، فعكفت عليهما دراسة وتطبيقًا مع استقراء توجيه آيات المتشابه اللفظي التي نص عليها الإمامان، مع بيان ما أضافه هذان العالمان الجليلان لهذا العلم.

стр. 3

والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقني ويلهمني الرشد والصواب في كل ما أقول وأعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. هذا الكتاب يتكون من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. أما المقدمة: فتتضمن مشكلة البحث، أسباب اختيار الموضوع، أهداف البحث، الدراسات السابقة، وجه اختلاف هذه الدراسة عن الدراسات السابقة، والاسئلة الافتراضية التي يجيب عنها البحث، وخطته، ومنهجه. الفصل الأول: التعريف بعلم المتشابه اللفظي، ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم المتشابه لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: أهمية علم المتشابه اللفظي. المبحث الثالث: أبرز من صنف في علم المتشابه اللفظي. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. الفصل الثاني: الإمام الرازي ومنهجه في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالإمام الرازي ونشأته وحياته وأهم كتبه. المبحث الثاني: التعريف بتفسير الإمام الرازي (مفاتيح الغيب). المبحث الثالث: منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الثاني: مصادر الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الرازي وذكرهم في تفسيره.

стр. 4

ثانيًا: موقف الإمام الرازي من علماء المتشابه اللفظي. ثالثًا: أثره في المعاصرين المطلب الثالث: ما انفرد به الإمام الرازي عن جميع علماء المتشابه اللفظي. المطلب الرابع: مآخذ على منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الرازي مع ذكر بعض النماذج. الفصل الثالث: الإمام الألوسي ومنهجه في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالإمام الألوسي ونشأته وحياته وأهم كتبه. المبحث الثاني: التعريف بتفسير الإمام الألوسي (روح المعاني). المبحث الثالث: منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الثاني: مصادر الإمام الآلوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الألوسي وذكرهم في تفسيره. ثانيًا: موقف الإمام الألوسي من علماء المتشابه اللفظي. ثالثًا: أثره في المعاصرين المطلب الثالث: ما انفرد به الإمام الألوسي عن جميع علماء المتشابه اللفظي. المطلب الرابع: مآخذ على منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الألوسي مع ذكر بعض النماذج. الفصل الرابع: مقارنة بين الإمامين الرازي والألوسي، ويشتمل على أربعة مباحث:

стр. 5

المبحث الأول: مقارنة عامة بين منهج الإمامين في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الثاني: أوجه التشابه بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في الحروف. المطلب الثاني: مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب. المبحث الثالث: أوجه الاختلاف بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في الحروف. المطلب الثاني: مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب. المبحث الرابع: ما انفرد به كل إمامٍ عن الآخر. المطلب الأول: ما انفرد به الإمام الرازي عن الإمام الألوسي. المطلب الثاني: ما انفرد به الإمام الألوسي عن الإمام الرازي الخاتمة: وتشمل أهم النتائج التي توصلت إليها، مع ذكر بعض التوصيات. الفهارس: واشتملت على فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الحديث الشريف، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.

стр. 6

الفصل الأول التعريف بعلم المتشابه اللفظي ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم المتشابه لغةً واصطلاحًا. المبحث الثاني: أهمية علم المتشابه اللفظي. المبحث الثالث: أبرز من صنف في علم المتشابه اللفظي. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم.

стр. 7

المبحث الأول مفهوم المتشابه لغةً واصطلاحًا تعريف المتشابه في اللغة: الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله، وصفاء ولونا، يقال: شَبه وشِبه ومشبه، والشبه من الجواهر الذي يشبه الذهب والمشبهات من الأمور: المشكلات، واشتبه الأمر إذا أُشكلا (١). والشِّبه والشَّبَه والشبيه: المِثْلُ، والجمع: أشباه. وأشبه الشيءُ الشيءَ: ماثله (٢). وشبه: ما له شِبْه وشَبَهٌ وشبيه، وفيه شَبَه منه، وقد أشبه أباه وشابهه، وما أشبهه بأبيه، وتشابه الشيئان واشتبها، وشبّهته به وشبّهته إياه، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضًا (٣). وشابهه وأشبهه: ماثله، وتشابها واشتبها: أشبه كل منهما الآخر حتى التبسا (٤). ويفصل القول فيه الإمام «ابن قتيبة» (٥) فيقول: «وأصل التشابه: أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان، قال الله في وصف الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (٦)، أي متفق المناظر، مختلف الطعوم، وقال: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧)، أي يشبه بعضها بعضًا في الكفر والقسوة.

стр. 8

ومنه يقال: اشتبه عليَّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما، وَشَبَّهْتَ عليَّ: أي إذا لَبَّسْتَ الحق بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشُّبه لأنهم يشَبِّهُون الباطل بالحق» (١). كما عده بعض العلماء من المشكل فيقول «المناوي» (٢): «المتشابه: المشكل الذي يحتاج إلى فكر وتأمل» (٣). من هذا يتبين لنا أن المتشابه عند أهل اللغة يطلق على ما تماثل من الأشياء، وأشبه بعضها بعضًا. تعريف المتشابه في الاصطلاح: فينقسم إلى نوعين: الأول: المتشابه المقابل للمحكم: قيل: المتشابه: ما يحتمل وجوهًا، والمحكم: ما يَحتمل وجهًا واحدًا (٤). وقيل: «المحكم: ما استقل بنفسه والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره» (٥). الثاني: المتشابه اللفظي: يعد الإمام «الزركشي» (٦) أول من عرَّف المتشابه اللفظي تعريفًا محددًا في كتابه: «البرهان» حيث عرفه بأنه: «هو إيراد القصة الواحدة في سور شتى وفواصل مختلفة ويكثر في إيراد

стр. 9

القصص والأنباء، وحكمته التصرف في الكلام، وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع ذلك مبتدأ به ومكررًا» (١). وقد تناوله الإمام «السيوطي» (٢) في الوجه السادس في كتابه: «معترك الأقران» وعرَّفه بأنه: «القصة الواحدة ترد في سورٍ شتى وفواصل مختلفة بأن يأتي في موضع واحد مقدمًا وفي آخر مؤخرًا، كقوله في سورة البقرة: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٣) وفي سورة الأعراف: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٤)، ثم ذكر أمثلة متعددة على الآيات المتشابهات (٥). ومن الأقوال التي ذكرها ابن جرير الطبري (٦) في معنى المتشابه اللفظي: «هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار في السور، بقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني وبقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني» (٧). وعرفه د/ محمد الصامل بأنه: «ما توارد من الآيات بنوع من التبديل والتغيير» (٨). قال د/ صالح الشثري: «المراد بالمتشابه اللفظي في القرآن: الآيات التي تكررت في القرآن الكريم في القصة الواحدة من قصص القرآن أو موضوعاته في ألفاظ متشابهة وصور متعددة، وفواصل شتى، وأساليب متنوعة، تقديمًا وتأخيرًا، وذكرًا وحذفًا، وتعريفًا وتنكيرًا، وإفرادًا وجمعًا، وإيجازًا وإطنابًا، وإبدال حرف بحرف آخر، أو كلمة بكلمة أخرى، ونحو ذلك. مع اتفاق المعنى العام،

стр. 10

لغرض بلاغي، أو لمعنى دقيق يراد تقريره لا يدركه إلا من أتاه الله علمًا وفهمًا لأسرار كتابه، وهي بحق كنز ثمين من كنوز إعجازه وسر من أسرار بيانه» (١). وما يعنيني في بحثي هو النوع الثاني (المتشابه اللفظي).

стр. 11

المبحث الثاني أهمية علم المتشابه اللفظي ترجع أهمية علم المتشابه اللفظي إلى اهتمامه بجانب دقيق من جوانب علوم القرآن والتفسير وهو توجيه الفرق بين الآيات المتشابهات والوقوف على أسرار اختيار اللفظ في هذا الموضع واختلافه في الموضع الآخر وهذا يعين القارئ على: ١ - تدبر كلام الله وفهمه جيدًا، والوقوف على سبب اختلاف الألفاظ، وفهم الآيات جيدًا. ٢ - يعين الحافظ على ضبط حفظه، ورسوخ الآيات المتشابهات في قلبه، وعدم حدوث أي لحن أو خطأ في حفظه بين مواضع المتشابه، بالإضافة إلى فهمه لهذه المواضع وتدبرها. ولهذا الغرض تحديدًا صنف العلماء مؤلفات في المتشابه اللفظي. وقد نبه الإمام ابن المنادى (١) ﵀ على الأسباب التي دفعت القراء إلى جمع المتشابه اللفظي في القرآن فقال: «أما الأنواع المرجوة منافعها في تقوية حفظ الحافظ، والمجربة معاونتها لأدارب المتحفظ فقد قدمنا ذكرها، وذكر شواهدها المأثورة فيها، ولم يبق إلا النوع الذي استحدثه فريق من القراء ولقبوه (المتشابه) وإنما حملهم على وضعهم إياه للقراءة ردًا على سوء الحفظ، وحداهم كون القرآن ذا قصص، وتقديم وتأخير كثير، ترداد أنبائه ومواعظه، وتكرار أخبار من سلف من الأنبياء والمهلكين والأشقياء، يأتي بعضه بكلام متساوي الأبنية والمعاني على تفريق ذلك في آي القرآن وسوره، وقد يجئ حرف غير هذا الضرب، فيأتي بالواو مرة وبالفاء مرة، وآخر يأتي بالإدغام تارة وبالبيان تارة، وأسماء متماثلة، فاستحبوا أن يجمعوا من حروف متشابه القرآن ما إذا حفظ منع من الغلط» (٢). ٣ - يجعل قلب العبد ممتلئًا بقدرة الله وعظمته خاصة مع الاجتهاد في فهم كتاب الله والوقوف على أسراره ومعانيه، وبيان وجوه الإعجاز بين المواضع المختلفة، ومعرفة دقائق الأسلوب البياني في القرآن الكريم.

стр. 12

يقول الدكتور محمد الصامل: «وإن من أعظم مظاهر إعجازه البياني ذلك التشابه العجيب بين كثير من آياته. فقد تتشابه الآيتان أو الثلاث، أو أكثر من ذلك في معظم ألفاظها وتختلف في بعضها، ويكون الاختلاف على وجوه منها، تقديم بعض الألفاظ في موضع، وتأخرها في موضع آخر، أو ذكر حرف مكان آخر، أو كلمة مكان أخرى، أو مجيء كلمة في مكان وخلو المكان الآخر منها أو غير ذلك من مظاهر التشابه اللفظي» (١). ٤ - الرد على الملحدين الطاعنين في كتاب الله الذين يدَّعون أن القرآن به تكرار لا هدف له فيُثبت علم المتشابه اللفظي بلاغة التكرار، ووجه الحكمة في كل موضع. يؤكد الإمام الزركشي على فائدة التكرار وأنه من الفصاحة فيقول: «وقد غلط من أنكر كونه – التكرار – من أساليب الفصاحة ظنًا أنه لا فائدة له، وليس كذلك، بل هو من محاسنها، لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض؛ وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيدا، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصِد الدعاء؛ وإنما نزل القرآن بلسانهم، وكانت مخاطباته جاريةً فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة. وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع» (٢). ٥ - يدعو إلى البحث والتأمل في كتاب الله خاصة مع وعورة مسلكه، وتحير الكثير في معرفة سبب توجيه المتشابه، واختلاف المتشابه من موضع لآخر، وهذا ما حثنا عليه الله فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣)، كما أن هذا يجعل المرء يجتهد أكثر وأكثر فيزيد ثوابه وأجره. يقول الدكتور صالح الشثري: «ولعل من دواعي قلة التأليف في هذا العلم وعورة مسلكه، ودقة مباحثه وغموضها إلا لمن امتلك الأدوات، ورزق الصبر والنظر الدقيق المكرر» (٤).

стр. 13

٦ - أيضًا علم المتشابه اللفظي يعد دلالة على صدق نبوة محمد ﷺ حيث تتجلى الصور البدعية والمعاني العظيمة مطوية في ثناياه، مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١). ٧ - يعين علم المتشابه اللفظي على المحافظة على علوم القرآن، وذلك لأن البحث في أوجه التشابه ومحاولة توجيهها يحتاج إلى النظر في اللغة والنحو والبلاغة وأصول الفقه وغيرها، فكان المتشابه اللفظي بذلك سببًا في تحصيل علوم كثيرة (٢). ٨ – علم المتشابه اللفظي يجعل الباحث يتيقن أن علمه قليلٌ متدبرًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)؛ لأن الباحث مهما حاول توجيه المتشابه لابد أن يقف عند بعض المواضع قائلًا: الله أعلم بمراده أو يقولها بعد توجيهه لبعض المواضع، فمثلًا الإمام الرازي وهو عالم بحر ذكر بعض المواضع دون أن يوجهها، وبعضها الآخر بعد توجيهها قال: الله أعلم بمراده.

стр. 14

المبحث الثالث: أبرز من صنف في علم المتشابه اللفظي المتأمل في كتب المتشابه اللفظي يجد أن التصنيف فيه انقسم إلى اتجاهين: الأول: جمع آيات المتشابه اللفظي دون توجيه: بدأ التصنيف في علم المتشابه اللفظي بجمع الآيات المتشابهات دون التوجيه، وبيان سبب الاختلاف بين الموضعين، وكان من أوائل ما صُنف في هذا الشأن كتاب متشابه القرآن لعلي بن حمزة الكسائي (١) في القرن الثاني الهجري وقد صرح فيه بهدفه من تأليفه قائلًا: «ليكون كتابنا هذا عونًا للقارئ على قراءته وتقوية على حفظه» (٢). الثاني: توجيه آيات المتشابه اللفظي: معنى التوجيه لغةً: الوجه: مستقبل كل شئ ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣)، وَوَجَّه فلانًا في حاجة: أرسله، والوجه في المسألة: ما ظهر لك منها، ويقال: واجَهَهُ بقول أو نقد: جَبَهَه به وراجعه (٤). وقد تحدث الإمام الكرماني (٥) في مقدمة كتابه «البرهان في متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان» عن معنى توجيه المتشابه اللفظي حيث قال: «ولكني أفردت هذا الكتاب لبيان المتشابه؛ فإن الأئمة - رحمهم الله تعالى - قد شرعوا في تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرتها، ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها» (٦).

стр. 15

وظهر هذا الاتجاه مع ظهور الطاعنين والقائلين بالتكرار في النص القرآني. فقد ذكر الإمام الإسكافي (أول من صنف كتابًا مستقلًا في توجيه المتشابه اللفظي) أن من أسباب تأليفه لدرة التنزيل: ((" ولطعن الجاحدين ردًا، ولمسلك الملحدين سدًا " وفي نهاية الكتاب يقول: " هذا آخر ما تكلمنا عليه من الآيات التي يقصد الملحدون التطرق منها إلى عيبها)) (١) وقد مر علم المتشابه اللفظي بعدة مراحل حتى وصل إلى مرحلة التوجيه ومعرفة سبب اختلاف المواضع، وقد قامت عدة محاولات اجتهادية لمعرفة المراحل المختلفة التي مر بها علم المتشابه اللفظي. قال الدكتور محمد البركة: «إن القول في تقسيم علم من العلوم إلى مراحل متغايرة قول اجتهادي، يختلف باختلاف الباحثين، ومدى اطلاعهم وسبرهم لذلك العلم. وعلى كل فالأمر فيه واسع، وليس في ذلك قول فصل يُذعن له كل أحد» (٢). ومن هذه المحاولات الاجتهادية: وضع آيدين محقق الدرة تصورًا لمراحل نشأة علم المتشابه اللفظي وتطورها ولخصها في أربع مراحل وها هي بإيجاز شديد: ١ – النشأة والتأليف وذكر فيها كتاب الكسائي: (متشابه القرآن)، وكتاب ابن المنادي: (متشابه القرآن العظيم). ٢ – التوسع في هذا الباب والتأليف. ٣ - حصر المتشابهات على أساس كل سورة سورة بحسب ترتيب المصحف. ٤ - توجيه الأسباب وبيان السبب (٣). كما قام أحد الباحثين بالتوسع في تقسيم المراحل التي مر بها علم المتشابه اللفظي وخَلُص في بحثه إلى تقسيمها إلى سبع مراحل:

стр. 16

الأولى: مرحلة ما قبل الجمع والتدوين، الثانية: مرحلة الجمع والتدوين، الثالثة: مرحلة التوجيه، الرابعة: مرحلة النظم، الخامسة: مرحلة الركود، السادسة: مرحلة الفهارس والمعاجم القرآنية، السابعة: مرحلة الدراسة والتجديد (١)، وقد قام الباحث بالحديث عن كل مرحلة من المراحل (٢). وعلى هذا يمكن أن نقسم المؤلفات التي اهتمت بجمع وتوجيه الآيات المتشابهة إلى قسمين: القسم الأول: كتب ركزت على توجيه آيات المتشابه اللفظي في كتب مستقلة أُلفت في توجيه المتشابه اللفظي. ومن أشهر تلك الكتب: - كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) للخطيب الإسكافي (٣)، وهو أهم كتاب في هذا الباب، وأول كتاب صُنف في توجيه آيات المتشابه اللفظي. - كتاب (البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان) لمحمود بن حمزة الكرماني. - كتاب (ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل) لابن الزبير الغرناطي وهو من أوسع الكتب التي تناولت الكثير من المواضع. - كتاب (كشف المعاني في المتشابه من المثاني) لبدر الدين ابن جماعة (٤). - كتاب (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن)، للشيخ زكريا الأنصاري (٥) وهو اختصار لكتاب (البرهان).

стр. 17

وقد قام د/ صالح الشثري بتناول هذه الكتب، وأصحابها، ومناهجهم في رسالته (المتشابه اللفظي في القرآن الكريم وأسراره البلاغية) (١). القسم الثاني: توجيه آيات المتشابه اللفظي في كتب التفسير وعلوم القرآن التي اهتمت بهذا الأمر وقد تطرق محقق درة التنزيل د/ مصطفى آيدين إلى كتب التفسير التي تناولت بعض مسائل المتشابه اللفظي بالتوجيه. يقول د/ مصطفى آيدين: "ويلحق بهذا النوع كتب تعرض أصحابها- في بعض المواضع للحديث عن توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، أثناء تفسير القرآن الكريم، أو رد شبهات الطاعنين، ولكنهم تناولوا هذا النوع من التوجيه بمنهج آخر، غير الذي لجأ إليه أصحاب الكتب المتخصصة في هذا الفن، من طرح سؤال وجواب» (٢). ولا ننسى في هذا المقام التنبيه إلى أن هؤلاء قد يفوقون وإن كان في قليل من المواضع على تعليلات وتوجيهات أصحاب هذا الشأن، وقد أشرت إليها في هوامش الكتاب في كثير من الأحيان. ومن تلك الكتب: «تأويل مشكل القرآن»، لابن قتيبة ت ٢٧٦ هـ، و «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، لابن جرير الطبري ت ٣١٠ هـ، و «معاني القرآن» لأبي جعفر النحاس ت ٣٣٨ هـ، و «تنزيه القرآن عن المطاعن»، للقاضي عبد الجبار بن أحمد ت ٤١٥ هـ، و «الكشاف» للزمخشري ٥٣٨ هـ، و «المحرر الوجيز»، لابن عطية ت ٥٤٢ هـ، و «زاد المسير» لابن الجوزي ت ٥٩٧ هـ، و «التفسير الكبير» للفخر الرازي ٦٠٦ هـ، و «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ت ٦٧١ هـ، و «أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل» لمحمد بن أبي بكر الرازي صاحب مختار الصحاح توفي بعد سنة ٦٩١ هـ، و «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» للحسين بن محمد

стр. 18

النيسابوري ت ٧٢٨ هـ، و «لباب التأويل في معاني التنزيل» للخازن ت ٧٤١ هـ، و «البحر المحيط» لأبي حيان ت ٧٤٥ هـ، و «الدر المصون في علوم الكتاب المكنون» للسمين الحلبي ت ٧٥٦ هـ، و «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ت ٧٧٤ هـ، و «بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز»، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي ت ٨١٧ هـ، و «الفتوحات الإلهية»، المعروف بحاشية الجمل للشيخ سليمان بن عمر ت ١٢٠٤ هـ، و «روح المعاني» للآلوسي ت ٢٧٠ هـ، و «تفسير التحرير والتنوير» لابن عاشور ت ١٣٩٣ هـ) (١). كما قال محقق كتاب البرهان للكرماني: «لقد وجدت أن بعض المفسرين كأبي السعود وأبي حيان تعرضوا في قليل من المواضع للحديث عن المكرر، ولكنهم عالجوه بمنهج آخر غير الذي لجأ إليه الكرماني. وإن كان قليل منها تفوق على تعليلات الكرماني» (٢). - فإن كان هناك علماء اهتموا بتوجيه آيات المتشابه اللفظي في كتب مستقلة مثل الإسكافي صاحب درة التنزيل الذي كان أول من قدم كتابًا مستقلًا في توجيه الآيات المتشابهات، وابن الزبير الثقفي الأندلسي فارس هذا الميدان صاحب ملاك التأويل الذي يُعتبر أوسع الكتب التي توسعت في توجيه آيات المتشابه اللفظي، وكذلك الكرماني صاحب كتاب البرهان في متشابهات القرآن، وابن جماعة في كشف المعاني، والأنصاري في فتح الرحمن. - فإني أجد أن هناك من المفسرين من حرص على توجيه آيات المتشابه اللفظي أثناء تفسيرهم للآيات المتشابهات أمثال: الزمخشري، والرازي، وأبي حيان، وأبي السعود، والألوسي، وابن عاشور، وبعض المفسرين قد يفوقون في تعليلاتهم وتوجيهاتهم أصحاب الكتب التي استقلت بالتأليف في المتشابه، بل نجد تأثر علماء المتشابه اللفظي بهم في كتبهم كما تأثر الإمام ابن الزبير الثقفي الأندلسي بعدد من المفسرين في ملاك التأويل، ونقل رأي الإمام الرازي في بعض المسائل كما سأوضح عند الحديث عن منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. - فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير إلا وقد تطرق لتوجيه بعض آيات المتشابه اللفظي بل حتى كتب التفسير بالمأثور لم تخلُ من توجيه بعض آيات المتشابه اللفظي فنجد مثلًا في تفسير ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

стр. 19

وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١). هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات، فقيل: تأكيد؛ لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره، وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبًا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان، هكذا وجهه فخر الدين الرازي. وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي، وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله أو بعده من السياق، فقال: أولًا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها. وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤)، فذكر أنه الحق من الله وارتقى عن المقام الأول، حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ فبين أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون وأعجبهم استقبال الرسول ﷺ إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها فخر الدين الرازي وغيره، والله – سبحان الله – أعلم (٥).

стр. 20

*بل حتى نجد في التفاسير المجملة توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي: فقد قال الإمام السعدي (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢): «تقدم تفسيرها، وكررها؛ لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرد للرجال» (٣). أيضًا قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٤): «وذكر الله الظلمات بالجمع، لكثرة موادها، وتنوع طرقها. ووحد النور؛ لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة، لا تعدد فيها، وهي: الصراط المتضمنة للعلم بالحق، والعمل به كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٥)» (٦). فنوع المتشابه هنا بالجمع والإفراد جمع (الظلمات) وإفراد (النور). *وفي ضوء عنايتي بالنظر في كتب التفسير ودورها في توجيه المتشابه اللفظي يمكنني القول أن المفسرين ليسوا على درجة واحدة، فمنهم المكثر ومنهم المقل. *فمن المكثرين: - فخر الدين الرازي: يُعَد تفسيره " مفاتيح الغيب " من أوسع التفاسير التي تعرضت لتعليل أوجه المتشابه اللفظي، وربما أطال في بعض المواضع، وقد أخذ فريق من المفسرين بعده نص كلامه في ذلك وضمَّنوه في تفاسيرهم كالألوسي (أخذ منه الكثير من المسائل وتعقبه في بعضها) وابن كثير وابن عاشور وغيرهم، وأخذ منه بعض علماء المتشابه اللفظي كابن الزبير وابن جماعة.

стр. 21

((وممن سلكوا هذا السبيل أيضا الإمام الرازي في التفسير الكبير، إذ نلحظ حرصه الواضح على توجيه بعض المتشابهات، وخاصة ما جاء في الجزء الأول من سورة البقرة، فلا يكاد يترك موضعًا من مواضع التشابه في أول جزء إلا ويبدي فيه رأيًا، وإن لم يجد فيه رأي تجده يفوض علمه إلى الله تعالى.)) (١) - الإمام الطاهر بن عاشور: يُعد تفسيره التحرير والتنوير من أنفس تفاسير المتأخرين التي تُعنى بالدقائق اللفظية والمباحث اللغوية والنحوية والبلاغية، وفيه ما لا يوجد في غيره من التفاسير على كثرتها. *ومن المقلين: - الزمخشري: يُعد تفسيره " الكشّاف " من أهم التفاسير التي تعرضت لبيان المتشابه وتوجيهه، وهو من المقلين المقتصدين في التعليل، ولكن مع قلة مسائل المتشابه اللفظي التي تناولها إلا أنها اتسمت بقوة التوجيه حتى استمد منه كثير من المفسرين كالرازي والبيضاوي والنسفي وأبي السعود والألوسي وابن عاشور، وأخذ منه بعض علماء المتشابه اللفظي كابن الزبير توجيه العديد من المسائل. وبهذا يتبين لنا أن للمفسرين جهودًا واضحةً في إثراء علم المتشابه اللفظي وتوجيهه، وسأتطرق في بحثي للحديث عن اثنين من أهم المفسرين، وهما الإمام فخر الدين الرازي، والإمام الألوسي متحدثة عن منهجيهما في تناول المتشابه اللفظي، ثم أقوم بعمل مقارنة بينهما في الفصل الأخير بإذن الله.

стр. 22

المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم قامت محاولات اجتهادية لحصر أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. فقد قسم ابن الجوزي المتشابه اللفظي إلى ثلاثة أنواع: «أحدها إبدال كلمة بكلمة، أو حرف بحرف، الثاني: الزيادة والنقصان في الحروف والكلمات، والثالث: التقديم والتأخير» (١). وهذا التقسيم ناقص؛ لأنه لم يستوعب كل الأنواع، بل وقد قام أيضًا الراغب الأصفهاني بوضع تقسيم للمتشابه في كتابه المفردات في غريب القرآن (٢). ومن أشهر من وضع تقسيم معتبر لأنواع المتشابه اللفظي بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان فقد قسم المتشابه اللفظي إلى ثمانية أنواع وأفرد له خمسة عشر فصلًا من كتابه البرهان في علوم القرآن (٣). وقد اكتفى السيوطي بذكر أمثلة على أنواع المتشابه اللفظي في كتابه الإتقان في علوم القرآن (٤). وقد قام د/ محمد فاضل السامرائي بإضافة ثمانية أنواع أخرى على ما ذكره الزركشي (٥). وفيما يلي أفضل تقسيم لأنواع المتشابه اللفظي حسب ما قرأت في هذا الشأن: النوع الأول: المتشابه بالتقديم والتأخير: وهو أربعة أقسام: الأول: تقديم كلمة وتأخيرها مثاله؛ قوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (٧).

стр. 23

الثاني: تقديم جملة وتأخيرها: مثاله قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) الثالث: الاختلاف في ترتيب المتعاطفات: مثاله قوله سبحانه: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ (٤) الرابع: تقديم الضمير وتأخيره: مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٦). النوع الثاني: المتشابه بالإبدال: وهو ثلاثة أنواع: الأول: إبدال حرف بآخر: مثاله قوله سبحانه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٨) الثاني: إبدال كلمة بكلمة: مثاله قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٩)، وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (١٠). الثالث: إبدال جملة بجملة: مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١١). وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢).

стр. 24

النوع الثالث: المتشابه بالإثبات والحذف: وهو ثلاثة أنواع: الأول: إثبات حرف وحذفه، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ (٢). الثاني: إثبات كلمة وحذفها، مثاله قوله سبحانه: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٤). الثالث: إثبات أكثر من كلمة وحذفها، مثاله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥)، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦). النوع الرابع: المتشابه بالجمع والإفراد: مثاله قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٨). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (١٠). النوع الخامس: المتشابه بالتذكير والتأنيث:

стр. 25

مثاله قوله سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ (٤). النوع السادس: المتشابه بالتعريف والتنكير: مثاله قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٥). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٧). النوع السابع: المتشابه بالإظهار والإضمار: وهو نوعان: الأول: وضع المظهر موضع المضمر، ومثاله قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَالنَّاسِلَا يَعْلَمُونَ﴾ (٩). ومن هذا القبيل قوله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ (١١).

стр. 26

الثاني: الاختلاف في الضمائر، ومثاله قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ (٢). ومن هذا القبيل قوله : ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (٤). النوع الثامن: المتشابه باختلاف الصيغة الصرفية: وهو أنواع: الأول: متشابه بالإدغام والفك، مثاله قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ (٦)، ومن هذا القبيل قوله : ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٨). الثاني: متشابه بالتضعيف وعدمه، مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٩)، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (١٠). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ (١١)، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ (١٢) الثالث: متشابه بالتجريد والزيادة، مثاله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (١٣)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ (١٤). ومن هذا القبيل قوله : ﴿سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٢] (١٥)، وقوله تعالى: ﴿سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (١٦).

стр. 27

الرابع: متشابه بالماضي والحاضر، مثاله قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ (٢). الخامس: متشابه بالبناء للفاعل والبناء للمفعول، مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا﴾ (٤). السادس: متشابه بجمع السلامة وجمع التكسير، مثاله قوله سبحانه: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (٦). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ﴾ (٨). النوع التاسع: المتشابه بالإجمال والتفصيل: مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٩)، وقوله سبحانه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (١٠). النوع العاشر: المتشابه بالإضافة وعدمها: مثاله قوله سبحانه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ (١١)، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١٢). ومن هذا القبيل قوله : ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١٤).

стр. 28

لم يذكر هذا التقسيم التكرار من أنواع المتشابه اللفظي وذكره د/ محمد فاضل السامرائي في الأنواع التي أضافها على تقسيم الزركشي (١). وقد ذكر د/ عبد الجواد خلف محقق كتاب كشف المعاني في المتشابه من المثاني لبدر الدين بن جماعة أن التشابه قد يكون باعتبار عدد المرات التي يتكرر فيها اللفظ أو الجملة، ثم ذكر أنه ورد في القرآن الكريم على أربعة عشر ضربًا على سبيل الحصر، ثم أوردها، فلترجع إليها إذا شئت (٢). أيضًا قام د/ محمد القاضي بالحديث عن أنواع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم حيث قسم كتابه: (المتشابه اللفظي في القرآن الكريم رؤية في التفسير من خلال اللغة والسياق) إلى فصول، ذكر في الفصل الأول: (آيات التشابه العام)، وفي الفصل الثاني: (المتشابه المختلف في إبدال كلمة)، وفي الفصل الثالث: (المتشابه المختلف في أحوال الاسم)، وفي الفصل الرابع: (المتشابه المختلف في أحوال الفعل)، وفي الفصل الخامس: (المتشابه المختلف في زيادة أو حذف)، وفي الفصل السادس: (المتشابه المختلف في تقديم أو تأخير). (٣).

стр. 29

الفصل الثاني الإمام الرازي ومنهجه في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالإمام الرازي ونشأته وحياته وأهم كتبه. المبحث الثاني: التعريف بتفسير الإمام الرازي (مفاتيح الغيب). المبحث الثالث: منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الثاني: مصادر الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الرازي وذكرهم في تفسيره. ثانيًا: موقف الإمام الرازي من علماء المتشابه اللفظي. ثالثًا: أثره في المعاصرين المطلب الثالث: ما انفرد به الإمام الرازي عن جميع علماء المتشابه اللفظي. المطلب الرابع: مآخذ على منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الرازي مع ذكر بعض النماذج.

стр. 30

المبحث الأول التعريف بالإمام الرازي ونشأته وحياته وأهم كتبه أولًا: نسبه وكنيته ولقبه: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي الرازي المولد، الطبرستاني الأصل القرشي التيمي البكري الشافعي الأشعري المُلقب بفخر الدين الرازي أو ابن خطيب الري. هو إمام مفسر فقيه أصولي (١). ثانيًا: مولده: ولد في مدينة الري (٢)، سنة أربع وأربعين وخمس مائة في شهر رمضان المبارك، ونشأ في بيت علم، فقد كان والده أحد علماء الشافعية في مدينة الري، فنهل من علمه إلى أن مات (٣). ثالثًا: نشأته العلمية: كان الإمام الرازي شديد الإعجاب بوالده (٤) فيذكر اسمه بإجلال واحترام ويدعوه "بالإمام السعيد" ويجعله شيخه وأستاذه ويذكر السلسلة العلمية التي تلقاها عنه بكل اعتزاز. يقول ابن خلكان متحدثًا عن السلسلة العلمية للرازي: وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه تحصيل الحق أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن علي

стр. 31

بن إسماعيل الأشعري، وهو على أبي علي الجبائي (١) أولًا، ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة، وأما اشتغاله في المذهب - يعني الفقه - فإنه اشتغل على والده، ووالده على أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي وهو على القفال المروزي، وهو على أبي زيد المروزي، وهو على أبي إسحاق المروزي، وهو على أبي العباس بن سريج، وهو على أبي القاسم الأنماطي، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي ﵁» (٢). وإلى جانب ذلك نجد أن الإمام الرازي قد رزقه الله همة عالية في الطلب ونهمة شديدة في التحصيل جعلت منه عالمًا فذًا، بحرًا زاخرًا في شتى العلوم. رابعًا: مذهبه وعقيدته: كان الرازي شافعي المذهب (٣)، أشعري العقيدة (٤) كما اهتم الرازي بالفلسفة وعلم الكلام، واضطراب الرازي إنما نشأ من تعمقه في علم الكلام والفلسفة، واختلاطهما في فكره، وقد أورثه ذلك حيرةً واضطرابًا، فتاره يميل إلى المتكلمين تارةً، وإلى المتفلسفة تارةً، ويحار ويقف تارةً أخرى، وليس هذا تعمدًا منه لنصر الباطل؛ بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه (٥)، وقد ندم الرازي على اشتغاله بالفلسفة وعلم الكلام، وعدل عن ذلك.

стр. 32

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، فقد قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٤)، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٥)، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وكان يتمثل كثيرًا: نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عقالُ … وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي غَفْلَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا (٦) خامسًا: مصنفاته: له تصانيف كثيرة ومفيدة في كل فن، وقد بلغ عدد مصنفاته نحو مائتي مصنف (٧) من أهمها: التفسير الكبير الذي سماه "مفاتيح الغيب"، وقد جمع فيه ما لا يوجد في غيره من التفاسير، وله" المحصول في علم الأصول" و"الكتاب الكبير في الطب" و "ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" في البلاغة، و "الأربعين في أصول الدين"، و" كتاب الهندسة. (٨).

стр. 33

سادسًا: وفاته: توفي سنة ست وستمائة بهراة (١)، في يوم الاثنين، يوم عيد الفطر سنة ٦٠٦ هـ (٢)، وكتب وصية قبل وفاته (٣).

стр. 34

المبحث الثاني التعريف بتفسير الإمام الرازي (مفاتيح الغيب) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب هو كتاب تفسير للقرآن من تأليف شيخ الإسلام الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ما هما إلا وجهان لعملة واحدة،؛ وذلك لأنهما اسمان مشهوران بين العلماء والباحثين لتفسير واحد ألفه الإمام فخر الدين الرازي، وقد حاول بعض العلماء الجمع بين هذين الاسمين قائلين: ألف الرازي تفسيره الكبير المسمى مفاتيح الغيب. وهذا التفسير يعد أهم تفاسير المدرسة التفسيرية المنتمية إلى التفسير بالرأي المحمود، بل وأفضلها على الإطلاق، إذ يعد هذا التفسير موسوعة علمية متخصصة في مجال الدين الإسلامي عامة، وعلم التفسير على وجه الخصوص، بالإضافة إلى ذلك، أنه عمدة التفاسير العقلية للقرآن الذي يمثل ذروة المحاولة العقلية لفهم القرآن، بل هو مستودع ضخم للتوجيهات العقلية والأقوال النظرية في التفسير، ويعد تفسيراً شاملاً لكونه اشتمل على الجمع بين التفسير بالعقل السليم والنقل الصحيح، فضلاً عن شموله لأبحاث فياضة تضم أنواعاً شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أطول التفاسير القديمة والحديثة، وأكثرها تفصيلاً وعرضاً للآراء، ومناقشة للمعتقدات والمذاهب المختلفة (١). يقع تفسير الرازي في اثنين وثلاثين جزءًا في ستة عشر مجلدًا من القطع الكبير، مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم، حيث يحظى بين دارسي القرآن بالشهرة الواسعة؛ نظرًا لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعًا شتى من مسائل العلوم المختلفة، كما يعد من أمهات كتب التفسير بالرأي (٢).

стр. 35

بدأ الإمام الرازي كتابة تفسيره في آخر حياته، بعد أن جاوز الخمسين من عمره، وبعد أن حصل من العلوم المختلفة ما يؤهله للقيام بهذا العمل، وبعدما نضج عقله وكون فكره واكتملت أدواته، فأعطى عصارة جهده لهذا التفسير الضخم الكبير (١). وقد بين الإمام الرازي سبب تأليفه لتفسيره فقال في مقدمته: (اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة (يقصد سورة الفاتحة) يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغي والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعليقات الفارغة عن المعاني، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول (٢). اختلف العلماء في مسألة نسبة التفسير الكبير كله إلى الرازي، والذي يقرأ التفسير الكبير لا يكاد يلحظ فيه تفاوتًا في المنهج والمسلك، بل يجري الكتاب من أوله إلى آخره على نمط واحد وطريقة واحدة، تجعل الناظر فيه يجزم أن الكتاب من أوله إلى آخره هو من تأليف الرازي (٣). وقد سار الإمام الرازي في تفسيره على المنهج التحليلي، فتراه يتبع طريقة التحليل والتفصيل التام للنص القرآني (٤)، وما يتعلق به من مباحث أصولية، وكلامية، وفقهية، ولغوية، ونحوية، وبلاغية، وكونية ورياضية وغيرها (٥). وقد جمع الإمام الرازي في تفسيره من الغرائب والعجائب، فاتسم تفسيره بكثرة الاستنباطات والاستطرادات التي تبعد كثيرًا عن مجال التفسير (٦).

стр. 36

تأثر الإمام الرازي في تفسيره بمن سبقه من العلماء، وخير شاهد على ذلك أنه اعتمد في تأليف تفسيره على مؤلفات مجموعة من العلماء حيث نقل من كتب أبي داود، والترمذي، والإمام أحمد، والبيهقي وغيرهم. كذلك ذكر آراء أئمة المفسرين كابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعبد الله بن مسعود، إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، والسدّي، وسعيد بن جبير، وابن الكلبي، والجصاص صاحب تفسير أحكام القرآن. وفي اللغة نقل عن كبار الرواة كالأصمعي، وأبي عبيدة، والفراء، والزجاج وغيرهم. ومن المفسرين الذين نقل عنهم: مقاتل بن سليمان، وأبو إسحاق الثعلبي، وعلي بن أحمد الواحدي، وابن قتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والباقلاني، وابن فورك وسماه الرازي بالأستاذ، والقفال. ونقل عن كثير من علماء المعتزلة منهم: الجبائي، وأبو مسلم الأصفهاني، وأبو بكر الأصم، وأبو الحسن الرماني، والقاضي عبد الجبار، والزمخشري صاحب التفسير المشهور بالكشاف؛ وذلك لما في تفسيره من دقائق اللغة والبلاغة أفاد منها كثير من المفسرين من بعده (١). الإمام الرازي له تأثير كبير في المفسرين الذين جاؤوا بعده ومما يدل على ذلك أن كثيراً منهم أخذ من تفسيره، ومن هؤلاء: ناصر الدين البيضاوي، أبو حيان الأندلسي (٢)، ابن كثير (٣)، نظام الدين النيسابوري، الآلوسي (٤)، محمد رشيد رضا (٥)، وغيرهم.

стр. 37

إنَّ التفسير الكبير للرازي له مزايا عديدة: تتمثل في إبراز الصلة بين جمل الآية وبين آيات السورة، باعتبارها وحدة موضوعية متكاملة، كما أنه اهتم بإظهار النظم القرآني، واستخدام العلوم المختلفة في تفسير القرآن، والإكثار من توليد المسائل والمباحث، وترك الإسرائيليات والخرافات والأساطير التي لا طائل تحتها وما إلى ذلك من ميزات عديدة، والكتاب بين يدي القارئ بذلك يعتبر مائدة كبرى، حوت أطيب المآكل والمشارب وقطوف الثمرات، يشبع ويروي بها أهل العلم ودارسوا القرآن وعلومه أفئدتهم وظمأهم من هذا التفسير (١).

стр. 38

المبحث الثالث منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم الإمام الرازي قام بتوجيه مسائل كثيرة من مسائل المتشابه اللفظي حوالي ثلاثمائة مسألة (موضع)، أطال التوجيه أحيانًا، واختصر أحيانًا، ومن يقرأ تفسير الإمام الرازي يشعر بكثرة توجيهه لآيات المتشابه اللفظي، وأنه أمام عالم فذ لا يقل توجيهه لمسائل المتشابه اللفظي عن أي عالم من علماء المتشابه اللفظي الذين خصصوا كتبًا مستقلة في علم المتشابه اللفظي؛ بل أجد تأثر غيره من علماء المتشابه اللفظي بتوجيهاته كابن الزبير، وابن جماعة مثلا، كما سأوضح من خلال البحث بإذن الله. (وممن سلكوا هذا السبيل أيضا الإمام الرازي في التفسير الكبير، إذ نلحظ حرصه الواضح على توجيه بعض المتشابهات، وخاصة ما جاء في الجزء الأول من سورة البقرة، فلا يكاد يترك موضعًا من مواضع التشابه في أول جزء إلا ويبدي فيه رأيًا، وإن لم يجد فيه رأي تجده يفوض علمه إلى الله تعالى.) (١) ومن خلال هذا المبحث سأبين بعون الله وتوفيقه أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وأهم العلماء الذين تأثر بهم، وأهم العلماء الذين تأثروا به في كتبهم، وما انفرد به عنهم.

стр. 39

المطلب الأول أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم سأجعل الكلام مقسوما على قسمين؛ أحدهما لبيان بعض الأمور الوصفية العامة بطريقة الرازي في التعامل مع توجيه المتشابه اللفظي والثاني يوصف الجانب التطبيقي عند الرازي في توجيه المتشابه. القسم الأول: المسلك العام للرازي في توجيه المتشابه: أولًا: طريقة الإمام الرازي في عرض المتشابه: *الإمام الرازي في كثير من الأحيان يعرض المتشابه اللفظي بأسلوب المناقشة ومخاطبة القارئ، وهو الأسلوب الذي اعتمده الإمام الإسكافي، وسار عليه أكثر من صنف في هذا العلم (١). يبدأ بعرض المتشابه بأسلوب التشويق كقوله: «لِم قال ههنا … »، أو «وفي موضع آخر … »، أو «فإن قال قائل … »، أو «فإن قيل … »، وأحيانا يبدأ صيغة السؤال بقوله: «ما الفرق؟»، وأحيانا بقوله: «ما الفائدة؟»، كما فعل الإمام الإسكافي ومن سار خلفه من علماء المتشابه اللفظي في كتبهم المستقلة التي خصصوها لتوجيه آيات المتشابه اللفظي. *مثال: قال الإمام الرازي: «لم قال ههنا: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢)، وفي موضع آخر ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٣)؟ الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاب آخر حصل الريب فيه لا هاهنا، كما قصد في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا» (٤).

стр. 40

*مثال آخر: قال الإمام الرازي: «فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (١)، وههنا قال في صفة المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) فلم ذكر في المنافقين لفظ (من) وفي المؤمنين لفظ ﴿أَوْلِيَاءُ﴾؟ قلنا: قوله في صفة المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يدل على نفاق الأتباع، كالأمر المتفرع من نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وقال في المؤمنين ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾» (٣). *وأحيانا يذكر الموضعين ثم يذكر (فما الفرق)، تمامًا كما فعل علماء المتشابه اللفظي في كتبهم التي خصصوها لتوجيه المتشابه اللفظي. مثال: قال الإمام الرازي: «فإن قيل: قال ههنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٤) ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في سورة آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٥) نكرة وكذلك في هذه السورة ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦) فما الفرق؟ الجواب: الحق معلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، قال ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» (٧)، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما
следующие страницы →