← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تأثر الإمام الرازي في تفسيره بمن سبقه من العلماء، وخير شاهد على ذلك أنه اعتمد في تأليف تفسيره على مؤلفات مجموعة من العلماء حيث نقل من كتب أبي داود، والترمذي، والإمام أحمد، والبيهقي وغيرهم. كذلك ذكر آراء أئمة المفسرين كابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعبد الله بن مسعود، إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، والسدّي، وسعيد بن جبير، وابن الكلبي، والجصاص صاحب تفسير أحكام القرآن. وفي اللغة نقل عن كبار الرواة كالأصمعي، وأبي عبيدة، والفراء، والزجاج وغيرهم. ومن المفسرين الذين نقل عنهم: مقاتل بن سليمان، وأبو إسحاق الثعلبي، وعلي بن أحمد الواحدي، وابن قتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والباقلاني، وابن فورك وسماه الرازي بالأستاذ، والقفال. ونقل عن كثير من علماء المعتزلة منهم: الجبائي، وأبو مسلم الأصفهاني، وأبو بكر الأصم، وأبو الحسن الرماني، والقاضي عبد الجبار، والزمخشري صاحب التفسير المشهور بالكشاف؛ وذلك لما في تفسيره من دقائق اللغة والبلاغة أفاد منها كثير من المفسرين من بعده (١). الإمام الرازي له تأثير كبير في المفسرين الذين جاؤوا بعده ومما يدل على ذلك أن كثيراً منهم أخذ من تفسيره، ومن هؤلاء: ناصر الدين البيضاوي، أبو حيان الأندلسي (٢)، ابن كثير (٣)، نظام الدين النيسابوري، الآلوسي (٤)، محمد رشيد رضا (٥)، وغيرهم.

стр. 37

إنَّ التفسير الكبير للرازي له مزايا عديدة: تتمثل في إبراز الصلة بين جمل الآية وبين آيات السورة، باعتبارها وحدة موضوعية متكاملة، كما أنه اهتم بإظهار النظم القرآني، واستخدام العلوم المختلفة في تفسير القرآن، والإكثار من توليد المسائل والمباحث، وترك الإسرائيليات والخرافات والأساطير التي لا طائل تحتها وما إلى ذلك من ميزات عديدة، والكتاب بين يدي القارئ بذلك يعتبر مائدة كبرى، حوت أطيب المآكل والمشارب وقطوف الثمرات، يشبع ويروي بها أهل العلم ودارسوا القرآن وعلومه أفئدتهم وظمأهم من هذا التفسير (١).

стр. 38

المبحث الثالث منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم الإمام الرازي قام بتوجيه مسائل كثيرة من مسائل المتشابه اللفظي حوالي ثلاثمائة مسألة (موضع)، أطال التوجيه أحيانًا، واختصر أحيانًا، ومن يقرأ تفسير الإمام الرازي يشعر بكثرة توجيهه لآيات المتشابه اللفظي، وأنه أمام عالم فذ لا يقل توجيهه لمسائل المتشابه اللفظي عن أي عالم من علماء المتشابه اللفظي الذين خصصوا كتبًا مستقلة في علم المتشابه اللفظي؛ بل أجد تأثر غيره من علماء المتشابه اللفظي بتوجيهاته كابن الزبير، وابن جماعة مثلا، كما سأوضح من خلال البحث بإذن الله. (وممن سلكوا هذا السبيل أيضا الإمام الرازي في التفسير الكبير، إذ نلحظ حرصه الواضح على توجيه بعض المتشابهات، وخاصة ما جاء في الجزء الأول من سورة البقرة، فلا يكاد يترك موضعًا من مواضع التشابه في أول جزء إلا ويبدي فيه رأيًا، وإن لم يجد فيه رأي تجده يفوض علمه إلى الله تعالى.) (١) ومن خلال هذا المبحث سأبين بعون الله وتوفيقه أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وأهم العلماء الذين تأثر بهم، وأهم العلماء الذين تأثروا به في كتبهم، وما انفرد به عنهم.

стр. 39

المطلب الأول أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم سأجعل الكلام مقسوما على قسمين؛ أحدهما لبيان بعض الأمور الوصفية العامة بطريقة الرازي في التعامل مع توجيه المتشابه اللفظي والثاني يوصف الجانب التطبيقي عند الرازي في توجيه المتشابه. القسم الأول: المسلك العام للرازي في توجيه المتشابه: أولًا: طريقة الإمام الرازي في عرض المتشابه: *الإمام الرازي في كثير من الأحيان يعرض المتشابه اللفظي بأسلوب المناقشة ومخاطبة القارئ، وهو الأسلوب الذي اعتمده الإمام الإسكافي، وسار عليه أكثر من صنف في هذا العلم (١). يبدأ بعرض المتشابه بأسلوب التشويق كقوله: «لِم قال ههنا … »، أو «وفي موضع آخر … »، أو «فإن قال قائل … »، أو «فإن قيل … »، وأحيانا يبدأ صيغة السؤال بقوله: «ما الفرق؟»، وأحيانا بقوله: «ما الفائدة؟»، كما فعل الإمام الإسكافي ومن سار خلفه من علماء المتشابه اللفظي في كتبهم المستقلة التي خصصوها لتوجيه آيات المتشابه اللفظي. *مثال: قال الإمام الرازي: «لم قال ههنا: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢)، وفي موضع آخر ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٣)؟ الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاب آخر حصل الريب فيه لا هاهنا، كما قصد في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا» (٤).

стр. 40

*مثال آخر: قال الإمام الرازي: «فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (١)، وههنا قال في صفة المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) فلم ذكر في المنافقين لفظ (من) وفي المؤمنين لفظ ﴿أَوْلِيَاءُ﴾؟ قلنا: قوله في صفة المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يدل على نفاق الأتباع، كالأمر المتفرع من نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وقال في المؤمنين ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾» (٣). *وأحيانا يذكر الموضعين ثم يذكر (فما الفرق)، تمامًا كما فعل علماء المتشابه اللفظي في كتبهم التي خصصوها لتوجيه المتشابه اللفظي. مثال: قال الإمام الرازي: «فإن قيل: قال ههنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٤) ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في سورة آل عمران ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٥) نكرة وكذلك في هذه السورة ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦) فما الفرق؟ الجواب: الحق معلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، قال ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» (٧)، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما

стр. 41

الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة» (١). ثانيا: أسلوب الإمام الرازي في التوجيه: أ. يمتاز في أغلب المواضع بالإيجاز والسهولة والاختصار الذي لا يُشعر القارئ بالملل وأيضا يُحقق بُغيته في معرفة الفرق بين الموضعين،، لكنه قام باختصار بعض المسائل في حين أنها تحتاج إلى بسط، وهذا مما يؤخذ عليه. والأمثلة على هذا كثيرة منها: ما ذكره الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٢) قال: «أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟ الجواب أن من ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ففائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين» (٣). وفي تفسير قول الله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤): يقول: «فإن قيل: لم قالوا في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ وقالوا في تلك الآية ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ (٥). قلت: الفرق والله أعلم أن هذه الآية في مقام الهيبة، يعني أن

стр. 42

الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام، أما قوله في آخر السورة ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام هيبة» (١). وفي تفسير قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) يقول: «لقائل أن يقول: إنه تعالى قال ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ فقدم ذكر النفس على ذكر المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهًا على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهًا على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب» (٣). من خلال الأمثلة السابقة يتضح سهولة أسلوب الإمام الرازي في التوجيه وإيجازه الذي يجعل القارئ لا يشعر بالملل وفي نفس الوقت يحقق نهمه وبُغيته في معرفة الفرق بين المواضع وهذا هو الغالب على أكثر توجيهات الإمام الرازي لآيات المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. *ومن الأمثلة على أنه قام باختصار بعض المسائل في حين أنها تحتاج إلى بسط: عند ذكر الفرق بين (نَزَّل - أنزل) قال الإمام الرازي: «قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ (٤) أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٥)، إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد هاهنا من قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا،

стр. 43

لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال» (١). الإمام الرازي لم يُذكر سائر الأقوال كما أن قوله: «أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج» لا يناسب قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (٢). وقد أطال د/ فاضل السامرائي في ذكر الفرق بين (أنزل - نزَّل) ونقل رأي ابن الزبير وخلاصة ما ذكره: «نَزَّل يمكن أن يُستعمل لأكثر من معنى، فإن هذا الفعل قد يكون للتدرج والتكثير كما ذكرت، وقد يكون للمبالغة والاهتمام، فما استعمل فيه " نزَّل " يكون أهم وآكد مما استعمل فيه (أنزل)» (٣)، ثم ذكر أمثلة كثيرة. ب. إطالة التوجيه أحيانًا، بل وذكر عدة أوجه لاختلاف الألفاظ من موضع لأخر: ومن الأمثلة على ذلك: *قال الإمام الرازي في تفسير قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤). ذكر الإمام الرازي الفرق بين درجة ودرجات (٥)، فقال الإمام الرازي: «لقائل أن يقول: إنه ذكر أولًا درجة، وههنا درجات، وجوابه من وجوه:

стр. 44

الأول: المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد، بل بالجنس، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع، وذلك هو الأجر العظيم، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة. الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء. الثالث: فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الفضل والرحمة والمغفرة. الرابع: قال في أول الآية ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)، ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط، وإلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهدًا على الإطلاق في كل الأمور أعني من عمل الظاهر، وهو جهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة، كما قال ﵇ «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٢) وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة، وفضيلة هذا الثاني درجات» (٣). *وعند ذكر الفرق بين موضعي سورتي البقرة والأعراف في الفرق بين (فانفجرت - فانبجست) أطال الإمام الرازي التوجيه وذكر عدة وجوه حيث قال: «أنه تعالى ذكر ههنا (فانفجرت) وفي

стр. 45

الأعراف (فانبجست) وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروج الماء قليلا. الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: الفجر الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر؛ لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل فهما مختلفان اختلاف العام والخاص فلا يتناقضان. وثانيها: لعله انبجس أولا ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون يظهر منها الماء قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيرًا ثم كانت تقل فكان ينبجس أي يخرج قليلًا (١). من خلال الأمثلة يتضح أن الإمام الرازي أطال التوجيه وذكر عدة أوجه لاختلاف اللفظ من موضع لآخر وهذا مُلاحظ في بعض مسائل المتشابه اللفظي التي تناولها الإمام الرازي بالتوجيه (٢). ج. طول النفس في توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي بين الآيات في بعض المواضع: أطال النفس في توجيه المتشابه اللفظي بين الآيات في بعض المواضع، وتناول توجيه جميع المتشابهات الواردة بين الآيات، ووصل أحيانا إلى عشرة فروق بين الآيتين تناولهم جميعًا بالتوجيه والتحليل دون كلل. ومن ذلك توجيه الإمام الرازي للفروق بين الآيات في سورتي البقرة والأعراف: قول الله في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣).

стр. 46

قول الله في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١). الإمام الرازي تناول الفروق العشرة بين الآيات بالتوجيه ولم يغفل عن أي موضع من مواضع المتشابه اللفظي. قال الإمام الرازي: (وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: ﴿وإِذْ قُلْنَا﴾، وَقَالَ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾؟ الجواب: أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢)، ثم أخذ يعدد [نعمه] نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول: وإذ قلنا أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى وإذ قيل لهم إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة. السؤال الثاني: لم قال في البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ وفي الأعراف: ﴿اسْكُنُوا﴾؟ الجواب: الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة. السؤال الثالث: لم قال في البقرة: ﴿فَكُلُوا﴾ بالفاء وفي الأعراف: ﴿وَكُلُوا﴾ بالواو؟ والجواب هاهنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: وكلا منها رغدا وفي الأعراف: ﴿فَكُلَا﴾. السؤال الرابع: لم قال في البقرة: نغفر لكم خطاياكم وفي الأعراف: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾. الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه

стр. 47

وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة. السؤال الخامس: لم ذكر قوله: رغدا في البقرة وحذفه في الأعراف؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه. السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفي الأعراف قدم المؤخر؟ الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون بقوله: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولا «حطة» ثم يدخلوا الباب سجدا، وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانيا: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا أولا ثم يقولوا حطة ثانيا، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى. السؤال السابع: لم قال: وسنزيد المحسنين في البقرة مع الواو وفي الأعراف ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ من غير الواو؟ الجواب: أما في الأعراف فذكر فيه أمرين: أحدهما: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، وثانيها: دخول الباب سجدا وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزاءين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ وهو واقع في مقابلة قول الحطة

стр. 48

والآخر: قوله: سنزيد المحسنين وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجدا فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزاءين على كل واحد من الشرطين. وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحدا لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة. السؤال الثامن: قال الله تعالى في سورة البقرة: فبدل الذين ظلموا قولا وفي الأعراف: فبدل الذين ظلموا منهم قولا فما الفائدة في زيادة كلمة «منهم» في الأعراف؟ الجواب: سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة هاهنا مبني على التخصيص بلفظ «من» لأنه تعالى قال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١) فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى: فبدل الذين ظلموا منهم فذكر لفظة: منهم في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقا لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وهاهنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: فبدل الذين ظلموا تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق. السُّؤَالُ التَّاسِعُ: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَة ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ (٢) وقال في الأعراف ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ (٣)؟ الجواب: الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة. السؤال العاشر: لم قال في البقرة: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤)، وَفِي الأعراف: بِما ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (٥)؟

стр. 49

الجواب: أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقا اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة والله أعلم)) (١). من خلال المثال المذكور يتضح طول نفس الإمام الرازي في توجيه جميع مواضع المتشابه اللفظي بين بعض الآيات وهو ما قام به في بعض المواضع كمقارنته بين آيتي سورة التوبة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢). *تناول الإمام الرازي توجيه الفروق الأربعة بين الآيتين ثم بين الحكمة من تكرار الآية في سورة التوبة (٣). *وكما فعل عند المقارنة بين آيتي سورتي البقرة وآل عمران في قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥)، فقد أطال النفس في ذكر الفروق بين الآيتين (٦)، وفعل ذلك أيضًا في عدة مواضع (٧) *وأحيانا يذكر الفرق بين قصتين ويطيل النفس في ذلك ويذكر توجيه جميع مواضع المتشابه اللفظي بين القصتين كما فعل أثناء توجيهه لمواضع المتشابه اللفظي بين قصتي نوح وهود في سورة الأعراف (٨).

стр. 50

*كما قام الإمام الرازي بتوجيه آيات المتشابه اللفظي الخاصة بالحروف المقطعة وأطال التوجيه، ونقل العديد من الأراء وناقشها وحللها (١)، ورجح رأى الإمام قطرب (٢). *يقول الإمام الرازي: «واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب: من أن المشركين قال بعضهم لبعض ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٣) فكان إذا تكلم رسول الله ﷺ في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئا، والإنسان حريص على ما منع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه، رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم، ويوضح ذلك المشكل. فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه. والذي يؤكد هذا المذهب أمران: أحدهما: أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا والثاني: أن العلماء قالوا: إن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئا يقوي قوله وينصر مذهبه، فيصير ذلك سببا لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئا من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى. أقصى ما في الباب أن يقال: لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض، وأيضا فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبيانا، لكنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي- وكان ذلك متضمنا لمثل هذه المصلحة- فإن ذلك يكون جائزا؟ وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة، وقد يكون غيرها، قوله: «إنه يكون هذيانا» قلنا: إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت إن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر

стр. 51

من المصلحة سوى هذا الوجه؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبيانا فذلك لا ينافي ما قلناه، لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم» (١). ثالثًا: ذكر توجيه المتشابه في الموضع الأول: *أ. الإمام الرازي غالبًا يذكر توجيه المتشابه اللفظي في الآية الأولى (الموضع الأول)، وحين يعرض متشابه الآية الثانية (الموضع الثاني) يقول سبق توجيه المتشابه، كما فعل الإمام الإسكافي ومن سار خلفه من علماء المتشابه اللفظي في كتبهم المستقلة التي خصصوها لتوجيه آيات المتشابه اللفظي. ومثال ذلك: الموضع الأول: قال: «قال ههنا ﴿الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ يقصد قول الله ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ (٢) بتقديم الضال، وقال في آخر السورة ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ (٣) بتقديم المكذبين، فهل بينهما فرق؟ قلت نعم، وذلك أن المراد من الضالين ههنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل الله ولم يصلوا إليه ولم يوحدوه، وذلك ضلال عظيم ثم كذبوا رسله وقالوا ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ (٤)، فكذبوا بالحشر فقال: ﴿أَيُّهَا الضَّالُّونَ﴾ الذين أشركتم ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ الذين أنكرتم الحشر، لأكلون ما تكرهون، وأما هناك فقال لهم (أيها المكذبون) الذين كذبتم بالحشر ﴿الضَّالُّونَ﴾ في طريق الخلاص الذين يهتدون إلى النعيم، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: ياأيها الذين ضللتم أولًا وكذبتم ثانيًا والخطاب في آخر السورة مع محمد ﷺ يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم، وأصحاب اليمين في سلام، وأما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد ﷺ حيث بين أن أقوى في عقابهم تكذبيهم والذي يدل على أن هذا الكلام هناك مع محمد ﷺ قوله ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (٥).

стр. 52

الموضع الثاني: قال الإمام الرازي: «قال ههنا: ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ (١)، وقال من قبل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ (٢) وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك» (٣). فالإمام الرازي قام بتوجيه المتشابه في الموضع الأول عند ذكر الآية الأولى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ فبين الفرق بين الآيتين وحين ذكر الآية الثانية ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ قال: وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك، وهذا ما فعله في كثير من المواضع (٤). *ب. لكنه أحيانًا لا يأتي بتوجيه المتشابه في الآية المتقدمة، ويأتي به في الآية المتأخرة. فعند تفسير الإمام الرازي لقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٥)، قال: «لم قال في سورة البقرة ﴿مِنْ مِّثْلِهِ﴾ (٦)، وقال ههنا: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾؟ والجواب: أن محمدًا ﷺ كان رجلًا أميًا، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتابًا، فقال في سورة البقرة: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ يعني فليأت إنسان يساوي محمدًا ﵇ في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الانشغال بالعلوم، بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز. فهذا لا يدل على أن السورة نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة مثل إنسان مثل محمد ﷺ في عدم التلمذ والتعلم معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال في هذه الآية: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز» (٧).

стр. 53

فقد قام الإمام الرازي بتوجيه المتشابه في الموضع الثاني في سورة يونس، ولم يوجهه في الموضع الأول في سورة البقرة. وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ (١): قال: «قال تعالى في سورة الحاقة ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (٢)، والضريع غير الغسلين (والجواب) من وجهين: (الأول) أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزموم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد، لكل باب منهم جزء مقسوم (الثاني) يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع، ويكون ذلك كقوله: مالي طعام إلا من الشاء، ثم يقول: مالي طعام إلا من اللبن، ولا تناقض لأن اللبن من الشاء» (٣). أرى هنا أن الإمام الرازي قام بتوجيه المتشابه اللفظي في الآية المتأخرة (في الموضع الثاني) ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾، ولم يوجهه في الآية الأولى (في الموضع الأول) ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾، وهذا ما قام به في بعض المواضع (٤). ج. إلا أنه أحيانًا يذكر بعض التوجيه في الآية الأولى (الموضع الأول) ولكنه يفصله أكثر في الآية الثانية (الموضع الثاني). ومثال ذلك: الموضع الأول: قوله ههنا ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٥)، يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٦) يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب

стр. 54

الحسن البصري فقال ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعًا، وهو كقوله ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١). الموضع الثاني عند تفسيره لسورة الأعراف قال: واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية. فإن قيل: وما الحكمة ههنا من ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟ وأيضًا فقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ كلام عار عن الفائدة؛ لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين. قلنا: أما الجواب عن السؤال الأول من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى أمر موسى عليه وسلم يصوم ثلاثين يومًا وهو شهر ذي القعدة، فلم أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. الوجه الثاني: في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يومًا وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى ثم أنزلت التوارة عليه في العشر البواقي، وكلمه أيضًا فيه. فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة. الوجه الثالث: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى بادر إلى ميقات ربه قبل موته، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ (٢) فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين، فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى، فتم أربعين ليلة.

стр. 55

الوجه الرابع: قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى ﵇، وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى، فصار الوعد مختلفًا لاختلاف حال الحاضرين. والله أعلم والجواب عن السؤال الثاني: أنه تعالى إنما قال: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام (١). بعرض موضعي المتشابه نجد أن الرازي ذكر بعض توجيه المتشابه في الآية الأولى (في الموضع الأول)، ولكنه فصله أكثر في الآية الثانية (في الموضع الثاني)، وهذا ما قام به أحيانًا (٢). *د. وأحيانًا يذكر توجيه المتشابه في الموضع الذي يذكره ولا يبين توجيه الموضع الآخر، وهذا مما يؤخذ عليه. ومثال ذلك: قال الإمام الرازي: «لقائل أن يقول: إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٣)، وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٤) وحكى عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٥)، فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت حيث قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٦)؟ (والجواب) لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، وإطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة ههنا في الذكر» (٧).

стр. 56

من خلال المثال يتضح أن الإمام الرازي قام بتوجيه المتشابه في الموضع الثاني (تقديم الحياة على الموت)، ولم يذكر التوجيه في الموضع الأول (سبب تقديم الموت على الحياة في الآيات التي استدل بها) وهذا ما قام به في بعض المواضع (١). *هـ. وأحيانًا يذكر التوجيه مرة أخرى، ولكن مختصرًا في الموضع الثاني. ومثال ذلك: قال: «ذكر في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (٢)، وفي سورة الأعراف: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ (٣) وههنا (ويذبحون) مع الواو فما الفرق؟ والجواب: قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو لأنه تفسير لقوله ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٤)، وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول: أتاني القوم زيد وعمرو. لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥)، فالآثام لما صار مفسرًا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضًا فقوله ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ نوع آخر من العذاب، لا أنه تفسير لما قبله» (٦). أرى هنا أن الإمام الرازي ذكر التوجيه في الموضع الثاني أثناء تفسيره لسورة إبراهيم مختصرًا، أما الموضع الأول في سورة البقرة فقد ذكره بتفصيل أكثر. قال: «ذكر في هذه السورة ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره بالواو والوجه فيه أنه إذا جعل قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٧) مفسرًا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئًا آخر سوى سوء العذاب احتيج فيه إلى الواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهين إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال: إنه تعالى

стр. 57

قال قبل تلك الآية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (١). والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعداد نعم الله تعالى فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٢) نوعًا من العذاب والمراد من قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٣) نوعًا آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة؛ فلهذا وجب ذكر العطف هناك، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلًا فظهر الفرق (٥). من خلال المثال وبعرض موضعي المتشابه يتضح أن الإمام الرازي قام بتوجيه المتشابه في الآية الأولى (الموضع الأول في سورة البقرة) بشئ من التفصيل، وأعاد التوجيه مرة أخرى في الآية الثانية (الموضع الثاني في سورة إبراهيم)، ولكنه مختصر، وهذا ما قام به في بعض المواضع (٦). *و. أحيانًا يأتي بتوجيه مختلف للمتشابه في الموضع الثاني عنه في الموضع الأول: مثال: الآيات في سورتي البقرة والأعراف (الأمر بدخول القرية)، فقد قام في سورة البقرة بتوجيه عشر مسائل من مسائل المتشابه اللفظي في سورة البقرة وأعاد توجيه ثمانية مسائل في سورة الأعراف باختلاف في التوجيه في بعض مسائل المتشابه اللفظي في سورة البقرة عنها في سورة الأعراف (٧)، وقد قام بهذا في مسائل أخرى (٨).

стр. 58

*رابعًا: في بعض الأحيان يأتي بالمتشابه ولا يوجهه، ويرد العلم إلى الله. ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (١): «فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) وَفِي سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٣) فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع «الصابئين» في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم والله أعلم (٤). أرى أنه لم يُوضح الفرق بين الآيات الثلاثة فقد ذكر المتشابه ولم يوجهه *وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ (٥) يقول: «فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ وفي قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (٦)، ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة» (٧). *فالإمام الرازي ذكر المتشابه اللفظي، ولكنه لم يوجهه وقام بهذا في مواضع أخرى (٨).

стр. 59

وأحيانًا يوجه المتشابه، بل ويطيل النفس في ذكر جميع المواضع، ثم يرد العلم إلى الله ويقول: الله أعلم بأسرار كتابه، أو يقول: وتمام العلم بها عند الله تعالى حتى لا يدعي لنفسه الصواب الكامل (١). ومثال ذلك: حين ذكر الإمام الرازي الفروق بين آيتي سورتي البقرة والأعراف عند تفسيره لسورة الأعراف (٢). *قول الله في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، وقول الله في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، بعد أن قام بتوجيه مواضع المتشابه اللفظي بين الآيتين قال: «فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة، وتمام العلم بها عند الله تعالى» (٥).

стр. 60

القسم الثاني: ملامح الاشتغال التطبيقي عند الرازي في توجيه المتشابه اللفظي: أولًا: ما اعتمد عليه الإمام الرازي في التوجيه: إن توجيه المتشابه عمل ليس باليسير ولكي يتمكن العالم من بيان الفروق الدقيقة بين المواضع فإنه يحتاج ليس فقط لعدة تفسيرية متكاملة كاللغة والحديث والقراءات وإنما كذلك يلزمه توظيف معطيات فنون أخرى كالبلاغة والسياق والفقه. والناظر في توجيه المتشابه عند الرازي يجد بروز هذه التكاملية في الادوات وهو ما مكنه من توجيه المتشابه على نحو مدقق بارع. فقد اعتمد على اللغة والمعنى، وعلم النحو، والقراءات، والفقه، والحديث، والسياق، وظهرت بلاغة المتشابه اللفظي من تقديم وتأخير، وذكر وحذف، وتعريف وتنكير، وعناية فائقة بتوجيه المكرر من الآيات والألفاظ، وغيرهم واضحة في توجيهه للمتشابه اللفظي فهو عالم بحر فمن الطبيعي أن نجد علمه الواسع في مختلف العلوم ظاهرًا جليًا في توجيه آيات المتشابه اللفظي. أ. علم النحو: *ومن الأمثلة على استشهاد الإمام الرازي بعلم النحو في التوجيه: قال الإمام الرازي في قول الله : ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (١)، ((قوله: (مما في بطونه) الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيها وجوهًا: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو التذكير، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث؛ فلهذا السبب قال ههنا في بطونه، وقال في سورة المؤمنين (في بطونها) (٢).

стр. 61

الثاني: قوله (في بطونه) أي في بطون ما ذكرناه، وهذا جواب الكسائي، قال المبرد: هذا شائع في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (١) يعني هذا الشئ الطالع ربي، وقال ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٢) أي ذكر هذا الشئ. واعلم أن هذا يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي تأنيثه حقيقًا، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهبت على تقدير أن نحمله على النسمة، الثالث: أن فيه إضمارًا، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن)) (٣) *وقال أيضًا في الفرق بين ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ (٤)، و ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ (٥)، في سورتي البقرة والجمعة: «فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ولن يتمنوه أبدا وقال في سورة الجمعة: ولا يتمنونه أبدا فلم ذكر هاهنا (لن) وفي سورة الجمعة «لا» قلنا: إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ: «لن» لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم» (٦). *من خلال هذه الأمثلة وغيرها يتضح اعتماد الإمام الرازي على علم النحو في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وهذا ما قام به في مسائل كثيرة (٧).

стр. 62

* ب. علم القراءات: كما يتضح اعتماد الإمام الرازي على علم القراءات في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. فيقول في الفرق بين (أنجينا - نجَّينا): ((المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي (قل من ينجيكم) بالتشديد في الكلمتين، والباقون بالتخفيف. قال الواحدي: والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا، فإن شئت نقلت بالهمزة، وإن شئت نقلت بتضعيف العين: مثل: أفرحته وفرحته، وأغرمته وغرمته، وفي القرآن ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (١)، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) ولما جاء التنزيل باللغتين معا ظهر استواء القراءتين في الحسن، غير أن الاختيار التشديد، لأن ذلك من الله كان غير مرة، وأيضا قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون بالضم، وهما لغتان، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان، وأيضا الخفية من الإخفاء، والخفية من الرهب، وأيضا ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ (٣). قرأ عاصم وحمزة والكسائي لئن أنجانا على المغايبة، والباقون لئن أنجيتنا على الخطاب، فأما الأولون: وهم الذين قرءوا على المغايبة، فقد اختلفوا. قرأ عاصم بالتفخيم، والباقون بالإمالة، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة، فأما ما قبله فقوله: تدعونه وأما ما بعده فقوله: قل الله ينجيكم منها وأيضا فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار، والتقدير: يقولون لئن أنجيتنا، والإضمار خلاف الأصل. وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾)) (٤). *ويقول في تفسير قول الله ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٥): «قُرئ خطيئاتهم بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها وخطاياهم وخطيئتهم

стр. 63

بالتوحيد على إرادة الجنس، ويجوز أن يراد به الكفر. واعلم أن الخطايا والخطيئات كلامها جمع خطيئة؛ إلا أن الأول جمع التكسير والثاني جمع سلامة، وقد تقدم الكلام فيها في البقرة عند قوله (نغفر لكم خطاياكم) وفي الأعراف عند قوله (خطيئاتكم)» (١). *بل أحيانًا يستفيد حكمًا فقهيًا من اختلاف القراءات في آيات المتشابه اللفظي: حيث قال: «الفرع الثاني: أنه إذا أفطر كيف يقضي؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعا وقال الباقون: التتابع مستحب وإن فرق جاز حجة الأولين وجهان الأول: أن قراءة أبي (فعدة من أيام متتابعات) والثاني: أن القضاء نظير الأداء فلما كان الأداء متتابعا، فكذا القضاء. حجة الفرقة الثانية: أن قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) نكرة في سياق الإثبات، فيكون ذلك أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقا، فيكون التقييد بالتتابع مخالفا لهذا التعميم، وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر وإن شئت ففرق والله أعلم» (٣). فقد استفاد الإمام الرازي حكمين فقهيين من اختلاف القراءات بين آيتي المتشابه اللفظي ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾ (٤)، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). من خلال الأمثلة السابقة يتضح اعتماد الإمام الرازي على علم القراءات في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. كما يتضح اتجاه الإمام الرازي الفقهي في توجيهه لآيات المتشابه اللفظي فهو شافعي، وكثيرًا ما يستشهد بالإمام الشافعي حتى في توجيهه لآيات المتشابه اللفظي حيث قال: «إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات، والأيام المعلومات فقال هنا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٦) وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٧)،

стр. 64

فمذهب الشافعي ﵁ أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق» (١)، فقد نقل رأى الإمام الشافعي عند ذكر آيتي المتشابه اللفظي (أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ)، (أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) (٢). ج. اللغة والمعاني: كما اعتمد على اللغة والمعاني في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم ومثال ذلك: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (٣): «فإن قيل: لِم قال في الشفاعة الحسنة ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ وقال في الشفاعة السيئة ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة؟ قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمى الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن: كفيل وقال ﵊: «أنا وكافل اليتيم كهاتين» (٤). فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول: قوله (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى» (٦).

стр. 65

* د. السياق: كما اعتمد الإمام الرازي على السياق في التوجيه ومن الأمثلة على ذلك عند ذكر الفرق بين (خطايا- خطيئات) قال: «لِم قال في البقرة: نغفر لكم خطاياكم وفي الأعراف: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾؟ الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة» (١). هـ. بلاغة المتشابه اللفظي في تفسير الرازي: ظهرت بلاغة المتشابه اللفظي من تقديم وتأخير، وذكر وحذف، وتعريف وتنكير، وعناية فائقة بتوجيه المكرر من الآيات والألفاظ، وغيرهم واضحة في توجيهه للمتشابه اللفظي، وسأذكر العديد من الأمثلة على ذلك عند الحديث عن أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الرازي. ثانيًا: الإمام الرازي أحيانًا يعقد مقارنة في المتشابه اللفظي بين آية وحديث: ومن الأمثلة على ذلك: «لقائل أن يقول لم وُصف المهديون بالكثرة -يقصد قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٢) - والقلة صفتهم لقوله ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣)، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، ولحديث «الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة» (٤)، وحديث «الناس أخبر قلة» (٥).

стр. 66

والجواب: أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضًا فإن قليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهابًا إلى الحقيقة» (١). أيضًا قال تفسير قول الله : ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٢): «قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال ﵇ حاكيا عنه: «سبقت رحمتي غضبي» (٣). فنقول ذلك لوجهين: (أحدهما): أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، وكما ذكر، بعد إثبات الأصل الأول وهو التوحيد - التهديد بقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤) كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب، وذكر الرحمة وقع تبعًا لئلا يكون العذاب مذكورًا وحده وهذا يحقق قوله (سبقت رحمتي غضبي) وذلك؛ لأن الله حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر بل ذكر الرحمة معه (٥). ثالثًا: ومن أهم ما يميز توجيه الإمام الرازي للمتشابه اللفظي في القرآن الكريم أنه يكثر من توجيه المكرر، سواء كان التكرار في الآية كلها فيبين سبب تكرار الآية، أو كان التكرار بين بعض الألفاظ في الآيتين، فيبين سبب تكرار تلك الألفاظ، وينفي مزاعم حدوث التكرار في كتاب الله، ويثبت بلاغة تكرار بعض الألفاظ والآيات.

стр. 67

*فأحيانا يذكر أن الفائدة من التكرار هي التأكيد، وأحيانا يضيف فائدة أخرى، وأحيانا يذكر عدة وجوه للتكرار بين الآيات. *ومن الأمثلة على ذلك: *قال الإمام الرازي في تفسير قول الله : ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١): «أن في تكرار (الذين ظلموا) زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانًا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم» (٢). *وفي تفسير قول الله ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) يقول: «فإن قيل لِم كررت الآية؟ قلنا فيه قولان: (أحدهما) أنه عنى بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه والثانية أسلاف اليهود قال الجبائي، قال القاضي: هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح، وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا هودًا فكأنهم قالوا إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود، فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ويعينهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه، فقوله ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يجب أن يكون عائدًا إليهم، والقول الثاني أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التكرارعبثًا؛ فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا بشر فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت، ويُنظروا فيما دعاهم إليه محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن عملكم» (٤). *وذكر خمسة أوجه في تكرار قول الله : ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٥). (٦)، وقام بتوجيه العديد من المواضع (٧).

стр. 68

*وأحيانًا يذكر الآيات المكررة من باب الأمر بالشئ نهي عن ضده * حيث قال: «لقائل أن يقول: لا فرق بين أن يقول (﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) وبين قوله ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (٢)؛ لأن الأمر بالشئ نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار؟ (والجواب): الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة، فلا يتناول كل الأوقات، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات، فلعله يمسكها بمعروف في الحال، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل، فلما قال تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات» (٣). *وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٤) يقول: «فإن قيل: لما قال (أموات) علم أنهم غير أحياء فما الفائدة في قوله (غير أحياء)؟ الجواب من وجهين: الأول: إن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياة موت، وهذه الأصنام أموات لا يحصل عقب موتها الحياة. والثاني: أن هذا الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأصنام، وهم في نهاية الجهالة والضلالة، ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد بالعبارت الكثيرة، وغرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة وإنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في غاية الجهالة، وإنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة» (٥). *كما أجد أن الإمام الرازي قد عرض السر في تكرار بعض القصص في بعض السور، وأبطل مزاعم القائلين بالتكرار، وبيَّن سبب تكرار القصة وبلاغته. *فيقول في سر تكرار قصة سيدنا نوح في سورتي يونس وهود: «فإن قال قائل: إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس إنه أعادها ههنا مرة أخرى، فما الفائدة من هذا التكرار؟

стр. 69

قلنا: إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه: ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر، فكذا في واقعة محمد ﷺ ، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الايحاش، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والايحاش كان حاصلًا في زمان نوح إلا أنه لما صبر نال الفتح والظفر، فكن يامحمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خاليًا من الفائدة» (١). رابعًا: الإمام الرازي أحيانا أثناء توجيهه للمتشابه يحاول الجمع بين الموضعين: *قال الإمام الرازي: «أما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢) ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: تلك حدود الله إشارة إلى كل ما تقدم، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل فلا تقربوها والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣)، وقال في آية المواريث ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (٤) وقال هاهنا: فلا تقربوها فكيف الجمع بينهما؟ والجواب عن السؤالين من وجوه: الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز الحق والباطل، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدا عن الطرف فضلا أن يتخطاه كما قال ﵊: «إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (٥).

стр. 70

الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ (١). الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، وقبل هذه الآية قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار، وقبل هذه الآية قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤) وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتى وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها (٥). *والشاهد أن الإمام الرازي قال (فكيف الجمع بينهما؟) فحاول الجمع بين الموضعين وهذا كثير في توجيهه لآيات المتشابه اللفظي (٦). * خامسًا: أحيانا يجعل موضعي المتشابه اللفظي بمعنى واحد: مثال: قال الإمام الرازي: «والعرب تضع هذه اللام في موضع " أن " قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٧)، وفي موضع آخر ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ (٨) وهما بمعنى واحد» (٩). *فالإمام الرازي جعل موضعي المتشابه (أن يطفئوا - ليطفئوا) بمعنى واحد؛ استنادًا لما ذهب إليه بعض النحاة من أن العرب تضع اللام في موضع "أن".

стр. 71

*في حين أجد أن الإسكافي فرق بين الموضعين، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). للسائل أن يسأل فيقول: قال تعالى في الآية الأولى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، وقال في الثانية ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ فما الذي أوجب اختصاص الأولى بما اختصت به؟، والثانية باللام دون أن تكون مثل الأولى بـ أن وهي الأصل في تعدي الإرادة إليه؟ والجواب أن يقال: إن الإرادة في الآية الأولى تعلقت بإطفاء نور الله بأفواههم، وإطفاء نور الله إنما يكون بما حاولوا من دفع الحق بالباطل فالحق يسمى نورا، لأن حججه وبراهينه تضيء لطالبه بها إليه، والباطل هو قوله بأفواههم، وهو ما أخبر الله تعالى به قبل عن اليهود والنصارى فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٣) أي: هو قول لا حقيقة له، ولا محصول له، وبمثله لا يدفع الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج؛ لأن هذا النور وإن أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل، فهو بخلافه في الامتناع من الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج. والنور يجوز أن يكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن يكون المراد به القرآن، ويجوز أن يكون المراد به النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤). فالسراج المنير يسمى نورا، وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن يقال: حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال فيهم : ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٥) أي: يشاكلون بإثباتهم لله بنا وشريكا قول من أثبت مع الله آلهة: ﴿وَمَا

стр. 72

أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وهذا واضح الإرادة إلى هذا المراد ظاهر، وهو وجه الكلام والأصل. وأما الآية في سورة الصف، وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة اللام، فإن للنحوين في ذلك مذهبين: أحدهما: أن اللام توضع موضع أن لكثرة ما يقال: زرتك لتكرمني، فاللام لما شهرت بنيابتها عن أن وقيامها مقامها في الموقع، كان تعدى الفعل إليها مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى أن وما تنصبه من المسقبل فيقال قصدت أن تفرح وقصدت لتفرح، وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة. فأما المذهب الآخر فللمحققين وهو أن الفعل معدى إلى المفعول محذوف، واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون منبئة على العلة التي لها أنشئ الفعل. والمراد في الآية على هذا التحقيق: يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور الله بأفواههم لأن قبلها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، فقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ لم يذكر فيه مفعول ما يريدون اعتمادا على ما نبه عليه بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٣) فكأنه قيل: يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور الله، وهو على نحو قوله: أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود، وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود أي: أردت أن انزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها على أنها عادي القامة، ثمودي الخلقة. فلهذا خصت الآية الثانية بدخول اللام على يطفئوا، ولما كان المراد في الآية الأولى الإطفاء بالأفواه لما دل عليه مفتتح العشر وهو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٤)، كانت الإرادة معداة إلى إطفاء نور الله تعالى بأفواههم، وهو ما

стр. 73

حكى الله تعالى عنهم أنه قولهم بأفواههم، أي: يريدون أن يدفعوا الحق بالباطل من أفواههم، وهذا واضح» (١). مثال آخر: قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢): «فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي من خوف الفقر أي من ذكر الخوف وقد صرح بذكر الخوف في قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣) والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب» (٤). *فالإمام الرازي جعل موضعي المتشابه (من إملاق - خشية إملاق) بمعنى واحد وهو خوف الفقر دون أن يفصل ويبين الفرق بين الموضعين. *في حين نرى أن الإمام الإسكافي في درة التنزيل بيّن الفرق بين الموضعين حيث قال: «فأما قوله في سورة الأنعام: (نحن نرزقكم وإياهم) فلأن قبله (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) أي: من أجل إملاق وانقطاع مال وزاد، وهذا نهي عن قتلهم مع فقرهم وخوفهم على أنفسهم إذا لزمتهم مؤونة غيرهم، فكأنه قال: الذي يدعوكم إليه من حالكم في أنفسكم ثم في غيركم يجب أن تشفقوا منه فإني أرزقكم وإياهم. وأما الآية التانية فإنه قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ والإملاق غير واقع، فكأنه قال: خوف الفقر على الأولاد، وكان عقب هذا إزالة الخوف عنهم، ثم عن القائلين، أي لا تقتلوهم لما تخشون عليهم من الفقر، فالله يرزقهم وإياكم، فقدم في كل موضع من الموضعين ما اقتضى تقديمه، وأخر ما اقتضى الموضع تأخيره. والله أعلم» (٥).

стр. 74

وقد ذهب أيضًا ابن الزبير إلى رأى الإسكافي، قال: «قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١)، وفى سورة بنى إسرائيل (الإسراء): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢)، ففى الأولى "من إملاق" و"نرزقكم" بتقديم ضمير المخاطبين فللسائل أن يسأل عن وجه هذا الاختلاف فى الآيتين مع اتحاد المقصد فيهما؟ والجواب عن ذلك: والله أعلم أن المخاطبين بآية الأنعام إنما كان فعلهم ذلك من أجل الفقر الحاصل حين فعلهم ذلك، فقيل من إملاق أى من أجل الاملاق الحاصل، ثم قيل لهم "نحن نرزقكم وإياهم" فقدم رزقه تعالى لهم لحصول فقرهم فى الحال ليكون أمنع لهم، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد فى رفع فقر الآباء القاتلين فكأن قد قيل لهم: إنما ترزقون بهم فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم ضمير الآباء لهذا الغرض. *وأما الآية الآخرى فقصد بها كفار العرب، وكأن وأدهم البنات خشية الفقر المتوقع والعجز عن مؤنتهن فيما يتوقعونه مستقبلا فقيل "خشية إملاق" فجعلت الخشية هى العلة فى فعلهم، فانتصبت على ذلك، والمعلول الذي هو الإملاق لم يقع بعد وضمن تعالى لهم رزقهم ورزق أولادهم ودفع ذلك المتوقع ليرفع ذلك خشيتهم، فلهذا قدم هنا ضمير الأولاد ثم عطف عليه ضمير الآباء. وكان الأهم هنا فقدم، وجاء كل فى الموضعين على ما يجب ويناسب، والله أعلم» (٣).

стр. 75

المطلب الثاني مصادر الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الرازي وذكرهم في تفسيره: تأثر بالعالم النحوي عبد القاهر النحوي (١) حين ذكر الفرق بين قوله تعالى (ناصح أمين) و (أنصح لكم) (٢). كما نقل رأى الإمام الواحدي (٣) في الفائدة في تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] (٤)، ورحج رأى الإمام قطرب في الحروف المقطعة (٥)، كما نقل رأي الزمخشري في عدة مسائل (٦)، ونقل رأي الإمام الكلبي في مسألة وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون ووصفه بأنه هدى للناس (٧)، ونقل رأي الإمام القفال في تكرار الرؤية في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٨)، ونقل رأي غيره بصيغة (العلماء) أحيانا (٩)، ونقل رأي غيره بصيغة (قالوا) دون أن يصرح أحيانًا (١٠).
следующие страницы →