المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد "
لقد تحلى زيدٌ ﵁ وتجمل بمحاسن الصفات الذاتية والمقومات الإيمانية العالية التي تؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة وتحمل مسؤوليتها، وذلك من النشاط والقوة والحيوية المصحوبة برجاحة العقل والورع والأمانة والتقوى المقرونة بالجُرأة في الحق مع تعظيم شعائر الله، إضافة إلى تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة، كل ذلك مع اتقانه وحفظه للقرآن المقرون بتوافر الخبرة السابقة في أداء المهمة نفسها، ألا وهى كتابة الوحي للنبي ﷺ .
ولا شك في أن تلك الصفات التي تحلى بها تعينه على دقة التحرِّي في جمع الكريم على الوجه المطلوب والذي يليق بمكانة كتاب الله تعالى سعيًا في تحقيق وعد الله تعالى الذي لا يتخلف الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
ولنتأمل ما ثبت في الجامع الصحيح في الحديث المشهور الذي رواه البخاري بسنده عن زَيْد بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجمع القرآن، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جمع القرآن. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: ١٢٨) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ- ﵁. (١)
وبدأ زيد بن ثابت ﵁ في مهمته الشاقة، معتمدًا على المحفوظ في صدور القراء والمكتوب لدى الكُتَّاب، وقد راعى غاية التثبت؛ فمع كونه حافظًا لم يكتفِ بمجرد وجدانه الآيات مكتوبة حتى يشهد بها من تلقَّاها سماعًا،
قال ابن شامة:
وكان غرضهم ألا يكتب إلا عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة (لم أجدها مع غيره) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون
стр. 37
الكتابة. (١)
لقد اختاره أبو بكر-﵁ لهذه المهمَّة العظيمة والخطب الجسيم، لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل، وقربه من الرسول ﷺ ، واعتماده- ﷺ ، عليه.
ويقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في ذلك:
" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وشهد العرضة الأخيرة (٢) للقرآن في ختام حياته ﷺ ، وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه (٣).
المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا
يمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:
١ - أنه من الحفاظ الذين اشتهروا بحفظ القرآن واتقانه على عهد النبي ﷺ
٢ - توفر عنصر القوة والنشاط والحيوية فيه، وإنما يؤخذ ذلك من قول أبي بكر-﵁ له: "إنك رجل شاب"؟ والشاب له من القوة والنشاط ما ليس لغيره.
والشباب له ميزة قد تخفى غالبًا، ألا وهي أنهم علموا ما نسخ مما بقيت تلاوته بخلاف الكثير من الكبار الذين تقدم إسلامهم، والذين قد يخفى على البعض منهم ما نسخ، وذلك بخلاف الشباب، والله أعلم.
٣ - اتصافه بالذكاء والفطنة ورجاحة العقل وسرعة البديهة وهي مقومات تعينه على حسن التصرف ولا سيما عند تشابك وتشابه الأمور، ولاشك أن ذلك أدعى لكمال العمل وإتمامه وإحسانه، وإنما يؤخذ ذلك من وصف أبي بكر- ﵁ له بأنه: "عاقل"، ومما يدلل على ذلك أيضًا صدوره عن رأي أبي بكر وعمر- ﵄ ورجوعه إليه بعد أن علم أنه الحق. ويتبين ذلك من قوله: " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- ﵄"، فما كان تردده- ﵁ وتوقفه في بادئ الأمر إلا عن رجاحة عقلٍ وإعمال فكرٍ.
٤ - ما ناله من اطمئنان وتزكية أبي بكر- ﵁ له من خلوه من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الصفات، فلا تتوجس النفس منه ولا ترتاب ولا تشك فيه، وبذلك لا تلحقه أدنى تهمة قادحة في دينه تمنع من قبول عمله وأداء مهمته الجسيمة، ويستنبط ذلك من قوله له: " لا نتهمك ".
٥ - وجود الخبرة السابقة لديه في نفس المهمة التي سيقوم بها ألا وهي كتابة الوحي للنبي- ﷺ ، مع ما - قيل- واشتهر من شهوده للعرضة الأخيرة، وهي ما يشبه ما يسمى بـ" شهادة الخبرة " في عصرنا الحالي.
стр. 38
ذلك لأن زيدًا- ﵁ قيل- أنه شهد العرضة الأخيرة بين يدي النبي ﷺ والتي بيَّنَ لهم فيها ما نُسِخ من القرآن وما استقر بقاؤه، فأمَر- ﷺ بإبقاء الناسخ وتركِ المنسوخ، وقرأ- ﷺ القرآن على الحالة التي استقر عليها على زيدٍ، فكان- ﵁ يؤمُّ الناس به حتى وفاته ﷺ .
ولاشك أن تلك ميزة تميز بها زيدٌ لم تجتمع لأحد من الصحابة- ﵃ سواه، إلا ما كان من ابن مسعود ﵁.
ولقد روى البَغَويُّ (ت: ٥١٦ هـ) عن أبي عبدالرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمِي (ت: ٧٤ هـ) أنه قال: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله- ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين … إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: " شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف- ﵃ أجمعين - ". (١).
"وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله- ﷺ وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة ". (٢)
٦ - تحليه بالتقوى وتعظيم شعائر الله. ويؤخذ ذلك أيضًا من قوله- ﵁ لأبي بكر وعمر ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟!
قال ابن بطال-﵀:
" إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول الله- ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول- ﷺ ". (٣).
ولا شك أن ذلك من شواهد تقوى الله- تعالى- وتعظيم شعائره.
٧ - جُرأته في الحق، ويتبين ذلك من قوله لأبي بكر وعمر- ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟!، فلم يمنعه قول ذلك لأكبر رأسين في الأمة لمَّا ظنَّ أنهما على غير صواب، وهذا من أبين المقومات التي تؤهله للقيام بهذه المهمة الجسيمة بلا مجاملة ولا محابة لأحد أبدًا.
٨ - حرصه على الاتباع وخشيته من الابتداع وحرصه على لزوم حدوده الله، ويؤخذ ذلك من رفضه القيام بالمهمة أول الأمر وتردده في قبولها، فما لبث أن شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر- ﵃ أجمعين-.
٩ - تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة وعظم شأنها وجليل قدرها، ويتبين ذلك من قوله- ﵁: " فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ ".
المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع
أولًا: بيان تلك الدواعي بإيجاز
كان السبب في جمع القرآن الكريم في زمن أبي بكر الصدّيق ﵁ خوفُ الصحابة ﵃ من ضياع شيءٍ منه، خاصّةً بعد استشهاد كثيرٍ من حَفَظة القرآن، فكان الأفضل أن يُجمَع في موضعٍ واحدٍ؛ لِما في ذلك من أمانٍ، وحِفاظٍ عليه؛ خوفاً ممّا قد
стр. 39
يحصل في المستقبل، (١) وكانت معركة اليمامة التي جرتْ أحداثها في السنة الثانية عشرة للهجرة قد استشهد فيها قريبًا من سبعين صحابيًا من كبار القراء وحفّاظ القرآن الكريم. (٢)
ولقد توفي رسول الله ﷺ ولم يتم جمع القرآن الكريم في عهده في المصاحف، بل كان محفوظًا في صدور الصحابة الكرام وبعض سوره مكتوبة في الألواح وبعض الصحُف، وعندما بُويع أبو بكرٍ الصدِّيق بالخلافة صار من الضروري أن يتم جمع القرآن الكريم كلِّه في الصحف وذلك لأسباب عديدة أولُها وفاة رسول الله ﷺ ونهاية الوحي، وكذلك بسبب وفاة الكثير من الصحابة في حروب الردة والذين كان من بينهم كثير من الحفظة لكتاب الله، وقد تنبَّه عمر بن الخطاب ﵁ لذلك فاقترح على الخليفة أبي بكرٍ الصديق أمرَ جمع القرآن الكريم وبسرعة، وتدوينه في الصحف حتى لا تضيع آياتُ الذكر الحكيم بموت الحفظة، واستجاب أبو بكر الصديق لذلك بعد تردده في بداية الأمر، لأنَّه أمرٌ غير مسبوق ولم يحدث في عهد رسول الله ﷺ . (٣) - يعني جمعه بين دفتين في مصحف واحد.
ولقد "كثرة الصُّحُف التي بين أيدي الصحابة الكرام، والتي اعتزَّ كلٌّ منهم أنه كتبها بين يدي رسول الله ﷺ ، وفيهم مَنْ أسلم في بداية العهد المكي. ولا يُعقَل أن يكونوا كتبوها جميعًا، في عهد أبي بكر.
وبهذا يطمئن القلب أن القرآن الكريم كله كان مكتوبًا في عهده النبي الكريم، وإن كان غير مجموع في موضع واحد". (٤)
ولقد ظل القرآن الكريم على هذه الحال مفرقًا غير مجموع في مصحف واحد، إلى أن كانت خلافة أبي بكر، فواجهته أحداث جسيمة، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي استشهد فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. هالَ ذلك عمر بن الخطاب، وخاف أن يضيع شيء من القرآن بموت حفظته، فدخل على أبي بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من مقالته، وكَبُرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبي ﷺ ، فظل عمر يراوده حتى اطمئن أبو بكر لهذا الأمر. ثم كلف أبو بكر زيد بن ثابت بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال.
حرص زيد بن ثابت على التثبت مما جمعه، ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة، وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ ومكتوب، وعلى أن الآية من المصدرين جميعًا. فكان ذلك أول جمع للقرآن بين دفتين في مصحف واحد. واحتفظ أبو بكر بالمصحف المجموع حتى وفاته، ثم أصبح عند حفصة بنت عمر. (٥)
ثانيًا: بيان الباعث الرئيس لجمع الصديق
إن جمع أبي بكر الصِّدِّيق للقُرْآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القُرْآن شيء بذهاب حَمَلتِه؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف
стр. 40
مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ . (١)
ثالثًا: تتلخص أبرز الأسباب والدواعي لهذا الجمع فيما يلي:
١ - انقطاع الوحي بوفاة رسول الله ﷺ ، فكان لزامًا على المسلمين حفظ كتاب ربهم من الضَّياع.
٢ - ويعد من الأسباب الرئيسة والباعثة على كتابة القرآن وجمعه في عهد الصديق ﵁ مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، إذا كان الخوف من ضياع شيء من القرآن وذهابه بذهاب وموت حملته وحفاظه في حروب الردة.
٣ - كما كان خشية تكرار تحري القتل في حفاظ القرآن فيما يستقبل من معارك وجهاد المشركين من الأسباب الداعية لجمعه في مكان واحد كذلك، ويخشى أن يكون عند أحد من الصحابة شيء من القرآن المكتوب فيذهب بموت حامله.
لذا فإنه لمّا تحر القتل في القراء يوم اليمامة وخشي الصحابة ﵃ ذهاب القرآن بذهاب حملته الذين قتلوا في حرب المرتدين، وخشيتهم استمرار ذلك القتل فيما يستقبل من معارك كذلك؛ فأجمعوا أمرهم على جمع القرآن في مكان واحد بقيادة أبي بكر- ﵃ أجمعين.
و إن أمر هذا الجمع كان معتمده على المحفوظ في الصدور والمكتوب في السطور، ولذلك اعتنى الصديق بتلك الصحف عناية بالغة بالصحف فبقيت عنده حتى وفاته، ثم عند عمر حتى وفاته، ثم بقيت عند حفصة حتى طلبها عثمان ﵁ في جمع الأمة على " الإمام".
"وكان الغرض من هذا الجمع تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف واحد حتى لا يضيع منه شيء، دون أن يحمل الناس عليه لعدم ظهور الخلاف في قراءته". (٢)
المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر- ﵁ -
أما عن مميزات هذا الجمع فيُجملها الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في مناهله فيما يلي:
مزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر
كان لِجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ منزلة عظيمة بين المسلمين، فلم يَحصل خلاف على شيء مِمَّا فيه، وامتاز بِمزايا عديدة، منها:
أولًا: أنه جمع القرآن على أدقِّ وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي ..
ثانيًا: حصول إجماع الأمة على قبوله، ورضى جميع المسلمين به.
ثالثًا: بلوغ ما جُمِع في هذا الجمع حدّ التواتر، إذ حضره وشهد عليه ما يزيد على عدد التواتر من الصحابة.
رابعًا: أنه اقتصر في جمع القرآن على ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة، بثبوت عرضه في العرضة الأخيرة، فكان شاملاً لما بقي من الأحرف السبعة (٣)، ولم يكن
стр. 41
فيه شيء مِمَّا نُسِخَت تلاوته.
خامسًا: أنه كان مرتب الآيات دون السور.
ومن هنا يتأكد لدينا:
أن هذا الجمع كان مرتب الآيات في مواضعها في السور، ولم يُكتب منه إلا نسخة واحدة من القرآن، وقد حظى هذا الجمعُ على إجماع الصحابة ومن ثم على الأمة قاطبة، كما أجمعوا على تواتر ما فيه.
ولا يطعن في ذلك التواتر أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبي خزيمة؛ فإن المراد أنه لم يوجد مكتوبًا إلا عنده، وذلك لا ينافي أنه وجد محفوظًا عند كثرة من الصحابة بلغت حد التواتر، وكان المعتمد عليه وقتئذ هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط، ومبالغة في الدقة والحذر. (١)
وختامًا لهذا المبحث الهام يحسن التنبيه هنا والتأكيد على خلاصة ما يلي:
أولًا: إن المتأمل في جمع الصديق ﵁ يعلم يقينًا أن الباعث الأول عليه هو تحرِّ القتل في القراء يوم اليمامة، وقد قُتِلَ منهم عدد كبير ينتهي إلى السبعين وقد أنهاه بعضهم إلى خمسمائة. وكان الهدف الأسمى منه جمع القرآن في مكان واحد خشية ذهابه بذهاب حفظته.
ثانيًا: أن عمل الصديق ﵁ هو جمع القرآن النازل الثابت قراءته في مصحف واحدٍ بعد أن كان مفرقًا في الرقاع واللخاف والأقطاب والعسيب، وهو القرآن الذي جمعه وكتبه كتَّابُ الوحي ودوّنوه بين يدي رسول ﷺ ، فكان عمل أبي بكر ﵁ هو جمع ما تفرق من القرآن في مصحف واحدٍ فحسب، ذلك لأن القرآن الذي جمع في عهد النبي ﷺ لم يجمع في مصحف واحد بل كان متفرقًا، فَجَمْعُ الصديق هو نفس الجمع النبوي، غير أن الجمع النبوي كان مفرقًا، وجمع الصديقِ صار جمعًا للقرآن بين دفتي مصحف واحد.
ثالثًا: أن الصديق ﵁ التزم في جمعه ترتيب سور وآيات القرآن وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهذا الترتيب هو الموافق للقرآن المثبت في اللوح المحفوظ لأنه توقيفي على القول الراجح، ولذا يبقى جمع الصديق للأصل الذي كان عليه القرآن في الجمع النبوي الأول مرتب السور والآيات، وهذا الأمر لا يمكن الحيد عنه إلا بنص واضح الدلالة؛ لأن الصديق انحصرت مهمته في جمع القرآن الذي جمع في العهد الأول مفرقًا، يجمعه في مصحف واحد متأسيًا ومتبعًا فيه ما انتهى إليه أمر الجمع الأول الذي أتمه النبي ﷺ ، ولم يلحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وقد اتضحت أماكن السور والآيات واستقرت في ترتيبها المصحفي وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، أما كونه قد اقتصر في جمعه على إثبات وتقيد وكتابة ما ثبتت تلاوته وقرآنيته في العرضة الأخيرة مما لم تنسخ تلاوته فحسب، وإهمال المنسوخ منها، فهذا القول وإن
стр. 42
كان هو أقرب الأقوال للصواب، غير أنه يحتاج لزيادة تحقيق واستيثاق واستقراء للأدلة وتثبُّت منها، وإن كانت النفس تميل إليه. مع وجوب التنبه إلى ما سيأتي في فقرة "رابعًا".
وقد نتج من جراء ذلك الجمع أن جمعت نسخة واحدة من القرآن بين اللوحين في مكان واحد وليس نُسَخًا متعددة لكل حرف نسخة، وبقيت في مصحف واحد عند خليفة المسلمين حياته.
رابعًا: أن جمع الصديق ﵁ لم يتضمن نوع الزام للمسلمين وحملهم على هذا الجمع ولزومه، ولذا كان بعض من لم يشهد العرضة الأخيرة من الصحابة لا يعلم بنسخ بعض الآيات، فكان يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن مما سمعه من رسول الله ﷺ ، دون علمه بالنسخ المتأخر الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة.
خامسًا: أن جمع الصديق ﵁ يصعب الجزم والقطع بأنه اشتمل على الأحرف السبعة، ومما يدلل حتمًا على ذلك أن هناك كلمات لا يكفي فيها الكتابة وحدها، إذ لابد فيها من الجمع بين الكتابة وطريقة النطق الصحيحة بها، ولا مجال لذلك البتة إلا بالصوت، ولنأخذ على سبيل المثال كلمة "الصراط" والتي قد كتبت في جميع المصاحف بالصاد، وقد قرئت بـ "الزاي" إشمامًا، أي بإشمام الصاد زايًا، وقد قرأ بها خلف عن حمزة، فالمعتمد فيها على الصوت نطقًا لا على المرسوم خطًا، وقل كذلك أيضًا في الإمالة والتقليل والإدغام وما شابه ذلك مما لا يمكن ضبطه إلا بالنقل والضبط الصوتي، ولاشك أن هذه الأمور لم ينقل ولم يحفظ أن جمع الصديق قد حواها، ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان ساطع ودليل قاطع.
وأقصى ما يُقال في ذلك أن جمع الصديق ﵁ لم يهمل وجوه القراءة وفق الرسم، وذلك لأن جمعه لم يكن بواسطة المكتوب في السطور فحسب، بل كان معتمدًا كذلك على مطابقته لما هو محفوظ في الصدور، ذلك لأنَّ الأصل في قراءة القرآن نقله وتلقيه بالمشافهة، ولا يفهم من هذا أن جمعه كان محتملًا لوجه واحد من الرسم فيكون قد أهمل إعمال وجوه القراءة الأخرى التي يحتملها الرسم؛ فإن مثل هذا لا يُنقل إلا عن طريق التلقي والمشافهة لا عن طريق الرسم المكتوب، ذلك لأن أخذ القراءة بالتلقي والمشافهة قاض على الرسم، ولذا فإن الصحابة حين كتابة الصحف لم يعتبروا اختلاف الرسم بل اعتبروا القراءة أولًا وجعلها قاضية وحاكمة على الرسم وذلك باعتبار أنها الأصل والرسم تابع لها.
والقول بثبوت الأحرف السبعة في الصحف البكرية قول يفتقر لحُجّة واضحة قاطعة ودليل ثابت صحيح يُعتمد عليه، لأن مثل هذه الدعوى لا يمكن قبولها أبدًا إلا بنقل ثابت صحيح يصلح للاحتجاج، إذ يلزم من هذا القول أن تكون الصحف البكرية قد كتبت جمعًا بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر محال،
стр. 43
إذ يلزم بثبوتها في الصحف البكرية تكرار كتابة الكلمات التي فيها اختلاف في أوجه القراءة على غرار كتابة المصاحف العثمانية التي بعثها عثمان ﵁ إلى الأمصار، ويترتب على ذلك الجزم بعدم احتواء جمع الصديق ﵁ للأحرف السبعة، والباحث في حدود بحثه لا يعلم عن أحد من السلف قال خلاف هذا القول. والله أعلم. (١)
قال ابن أبي داوود- ﵀ (ت: ٣١٦ هـ) في "كتاب المصاحف":
" ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة ﵃ على صحته ودقته وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان وتَلقَّوه بالقبول والعناية التي يستحقها
حتى قال عليّ بن أبي طالب- ﵁:
"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين ". (٢)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وإذا تأمَّل المنصف ما فعله أبو بكرٍ من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته؛ لثبوت قوله ﷺ : من سنَّ سنة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بِها. (٣)
ثم قال: فما جمع القرآن أحدٌ بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة. (٤)
وجمع أبي بكرٍ هو الذي نسخ منه المصحف الإمام ولم يتغير منه شيء.
المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ " زيد بن ثابت " في جمع وتدوين القرآن الكريم
لقد نهج الصديق-رضي الله الله عنه- نهجًا محكمًا وطريقة متقنة بلغتا مبلغًا عظيمًا من الدقة والإحكام والإتقان في جمع القرآن الكريم، ثم أمر زيدًا- رضي الله الله عنه - بجمعه القُرْآن وفق الخطة والطريقة التي وضعها له والتي فيها من أخذ الحيطة ووضع الضمان والأمان لصيانة كتاب الله ولوزم الحذر والدقة والتأني والتثبُّت، فلم يكتفِ- ﵁ بما حفظ في صدره ولا بما سطره بيده ولا بما سمع بأذنه، بل جعل يتتبع ويستقصي كل أسباب التحري والدقة والإتقان والحيطة، آخذًا على نفسه الاعتماد في على مصدرين رئيسين:
المصدر الأول: المكتوب في السطور، وهو ما كتب بين يدَيْ رسول الله ﷺ . -
والمصدر الثاني: المحفوظ في الصدور، وهو ما كان محفوظًا في صدور الصحابة ﵃.
فلا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد له شاهدان عدلان أنه كُتب بين يدَيْ رسول الله- ﷺ وذلك لأخذ الحيطة والحذر والتأكد من إنه كُتِبَ فعلًا بين يدي رسول الله- ﷺ .
روى ابن شبة عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب (ت: ١٠٤ هـ) قال:
أراد عمر- ﵁ أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقَّى من رسول الله- ﷺ شيئًا من القُرْآن فليأتِنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان. (٥)
المراد بالشاهدين:
قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: المراد بالشاهدين:
стр. 44
الحِفظ والكتابة.
ويبين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀ المراد بالشاهدين فيقول:
المراد بهما رجُلان عدلان يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتب بين يدَيْ رسول الله- ﷺ ، ولم يعتمد زيدٌ على الحفظ وحده؛ ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري: إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة؛ أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدًا كان يحفظها، وكان الكثير من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادةً في التوثُّق، ومبالغة في الاحتياط، وعلى هذا المنهج الرشيد تم بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار". (١)
وما ختم به السخاوي - رحمه لله- كلامه آنفًا يُكتب بماء العين.
ونختم هذا المبحث باختصار كيفية تنفيذ زيد لمهمة جمع القرآن في الفقرات التالية:
أولًا: قام الفاروق بالإعلان للناس عن إحضار ما لديهم من القرآن مكتوبًا.
ثانيًا: جلس زيد والفاروق على باب المسجد يستقبلون ما يجيء به الصحابة من القرآن. وهو مروي بسند منقطع كما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح.
فَيُرْوَى أن أبا بكر قال لزيد وعمر بن الخطاب:
اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. (٢)
ثالثًا: كان يطلب من كل من جاء بشيء من القرآن إحضار شاهدين على أنه كتب هذا بين يدي النبي ﷺ . (٣)
رابعًا: قام زيد بكتابة القرآن من خلال مطابقة ما كتب من القرآن في زمن النبي ﷺ بما يحفظه الصحابة في صدورهم من القرآن.
قال زيد:
فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره. (٤)
أي لم يجدها مكتوبة إلا عند أبي خزيمة، وإلا فزيد وغيره من الصحابة يحفظ هذه الآيات، لكنه يريد أن تكون الآيات محفوظة ومكتوبة، وذلك لزيادة التوثيق والاحتياط.
قال الحافظ ابن حجر:
وفائدة التتبع المبالغة في الاستظهار والوقوف على عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ . (٥)
خامسًا: كان بداية مهمة جمع القرآن بعد معركة اليمامة في نهاية السنة ١١ للهجرة، وانتهت قبل وفاة أبي بكر في منتصف سنة ١٣ للهجرة.
سادسًا: بعد كتابة القرآن وجمعه، سُلم لأبي بكر الصديق وبقي عنده حتى وفاته، ثم بقي عند عمر حتى استشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسي، فبقي عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵄، ثم طلبها عثمان لينسخ منها نسخ للأمصار وأعادها لحفصة،
стр. 45
فلما توفيت حفصة سنة ٤١ للهجرة، طلب أمير المدينة مروان بن الحكم هذا الصحف من عبد الله بن عمر وأتلفها، حتى تجتمع كلمة المسلمين على المصاحف التي نسخت عن مصحف الصديق ووزعت في البلاد بأمر عثمان ﵁.
وبهذا أصبح القرآن الكريم مكتوبًا ومرتبًا ومجموعًا في مكان واحد، وذلك وفق أعلى معايير الضبط والتوثيق، ومن خلال عمل جماعي وعلمي وشفاف، أجمع كافة الصحابة رضوان الله عليهم على دقته وصحته وسلامته من الزيادة أو النقصان، بفضل الله وتوفيقه لأصحاب رسول الله ﷺ ، بعد وفاة النبي ﷺ بسنة واحدة فقط. (١)
وختامًا فإنه قد تبين لنا تميز هذا الجمع بما يلي:
١ - تميز هذا الجمع بمنتهى الدقة والإتقان
٢ - وإهماله لما نسخ من الآيات، واشتماله على ما ثبت في العرضة الأخيرة دون سواه
٣ - وظفر بإجماع الأمة عليه، وتواتر ما فيه
٤ - ولم يكن منه إلا نسخة واحدة حفظت عند إمام المسلمين أبي بكر ﵁ باتفاق العلماء. (٢)
المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر- ﵁ -
يبين السخاوي مصير صحف أبي بكر ﵁ فيقول:
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بن ثابت بما تستحق من عناية فائقة؛ فحفِظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمرُ بعده، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر، حتى طلبها منها خليفة المسلمين عثمان بن عفان- ﵃ أجمعين-، حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القُرْآن، ثم ردها. (٣)
ويؤكد أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀ مصير تلك الصحف فيقول:
بعد أن أتمَّ زيد- ﵁ في المصحف سَلَّمَه لأبي بكر الصديق- ﵁ فحفظه عنده حتى وفاته ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁ وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين- ﵂ لأن عمر- ﵁ جعل أمرَ الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان- ﵁ لنسخه بعد ذلك ثم أعاده إليها، ولما توفِّيت حفصة ﵂ أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر- ﵄ ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان- ﵁. (٤)
وقد روى هذا الخبر عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" من طريق حفص بن عمر الدوري فقال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما ماتت حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمر ﵄ بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلًا. (٥)
وهكذا جُمِعَ القرآنُ في عهد أبي
стр. 46
بكر- ﵁-الجمع الثاني- على قطع متناسقة متساوية في الحجوم، مرتب الآيات والسور، بطريقة توثيقية لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلاً من حيث الضبط والإتقان، يقول علي بن أبي طالب- ﵁: أعظم الناس أجرًا في المصحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. (١)
الفصل الرابع
تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه
وفيه مبحثان
المبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر- ﵁
لاشك أن الدافع لهذا الجمع هو خوف ذهاب حملته إبَّان مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، وكان بداية جمعه بعد تلك المعركة أي في قرابة نهاية السنة الحادية عشرة من الهجرة تقريبًا، وانتهت مهمة الجمع قبل وفاة أبي بكر-﵁ في منتصف السنة الثالثة عشرة من الهجرة.
فإن فترة خلافته-رضي لله عنه- كانت من: الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١١ هـ إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ.
وقيل إن فترة الجمع قد استغرقت خمسة عشر شهرًا، وقيل غير ذلك أيضًا.
والحقيقية أن هذا الكلام تقريبي ولا يمكن الجزم به لعدم الوقوف على شيء ثابت موثق يثبت ويؤكد تلك المدة بالتحديد تمامًا. والله أعلم.
وفي ختام الكلام عن هذا الجمع نبحث مسألتين هامتين:
أولًا: لقد تم هذا الجمع بإجماع من الصحابة الكرام-﵃ أجمعين-.
ثانيًا: حصل بجمعه نوع اطمئنان من الخوف من ضياعه أو تفلت من توثيقه بكماله وتمامه أي شيء.
ثالثًا: تم هذا الجمع على أوثق طرق الجمع والحيطة لكتاب الله تعالى، فقد جمع بطريقي الحفظ- صدرًا وسطرًا- ثم دون كل ما جُمِعَ في مكان واحد بناء على ذلك، ولم يقبل تدوين أي شيء فيه إلاّ ما أجمع الصحابة-﵃-على أنه قرآن وتواترت روايته كذلك.
رابعًا: أصبح هذا الجمع هو النسخة الوحيدة الموثوقة والمقيدة والتي أجمع الصحابة كلهم- ﵃ أجمعين- على صحتها وسلامة كل ما فيها من الزيادة والنقصان.
خامسًا: بإجماع الصحابة- ﵃ واتفاقهم على هذا الجمع زالت كل شبهة ولاسيما شبه التبديع والإحداث في الدين.
وختامًا: فإنه قد تبين معنا في ثنايا البحث:
"أن جمع أبي بكر الصديق للقرآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ". (٢)
وبهذا يتبين الفرق بين الجمع في عهديه: الأول، والثاني.
стр. 47
المبحث الثاني: أوّل من سمى القرآن بالمصحف
قال الزركشي- ﵀ في البرهان: " ذكر المظفري (ت: ٦٤٢ هـ) في تاريخه:
لَمَّا جَمعَ أبو بكر القرآنَ قال: سَمُّوهُ. فقال بعضُهم: سَمُّوهُ إِنْجيلًا. فَكرهوه. وقال بعضُهم: سَمُّوهُ السِّفْرَ. فكرهوه مِنْ يهود. فقال ابنُ مَسعودٍ: رأيتُ للحَبَشَةِ كِتَابًا يدعونهُ المُصْحَفَ، فسمُّوهُ بهِ ". (١)
والحقيقة أن رواية مثل هذه لا يُعتمد عليها لأن ليس لها أي سند يُعتمد عليه، وقد رويت مرسلة بغير عزو ولا إسناد، وهي مغايرة لما ثبت من حديث أنس- ﵁ عند البخاري وقد ذكر فيه الصحف في قوله:
فأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف …
إلى أن قال:
ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (٢).
وهناك آثار أخر كالتي ذكرها المظفري- كذلك- لكنها لا ترتقي لدرجة الثبوت واليقين.
"المصحف" كلمة عربية:
وكلمة صَحيفة اسم: والجمع صَحيفات وصَحائفُ صِحَاف وصُحُف، الجمع: صَحِيفٌ، والصَّحِيفَةُ: ما يكتب فيه من وَرَقٍ ونحوه ويطلق على المكتوب فيها والجمع: صُحُفٌ. (٣)
فالكلمة إذًا عربية بحتة، وعلى فرض ثبوت ما نُسِب من استعمال الحبشة لها - كذلك، فلعلها من مشترك الألفاظ بين اللغتين.
ضبط كلمة "مصحف" وبيان معناها في اللغة:
والأصل المشهور في ضبط كلمة: "مُصْحَفُ" بضم الميم، ويجوز "مِصْحَفُ" بكسرها، وهي لغة تميم.
والمصحف: اسمٌ لكلِّ مجموعة من الصُّحُف المكتوبة ضُمَّت بين دفَّتين، وجاء في (اللِّسان) عن الأزهري- ﵀: "وإنَّما سُمِّي المصحفُ مصحفًا؛ لأنه أُصْحِفَ، أي جُعل جامعًا للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفتَّين". (٤)
ومقتضى كلام الفيروز آبادي- ﵀:
أنَّ المُصحف (بالضم): اسم مفعول من أصْحَفَه إذا جمعه. والمَصحف (بالفتح): موضع الصُّحُف، أي: مجمع الصَّحائف. والمِصحف (بالكسر): آلة تَجْمع الصُّحف. (٥)
وقال الشهاب الخفاجي: (١٠٦٩ هـ):
"المصحف بضم الميم وكسرها ونقل فيه التثليث وهو مجمع الصحف من أصحف إذا جمع وهو مخصوص بالقرآن". (٦)
قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ):
"وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسرت ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد؛ لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف جمعت فيه الصحف … ". (٧)
قال أبو إسحاق الوهراني المعروف بابن قُرْقُول: (ت: ٥٦٩ هـ):
"والمصحف مأخوذ من الصحيفة". (٨)
وقال المطرزي (ت: ٦١٠ هـ):
"والمصحف الكراسة وحقيقتها مجمع
стр. 48
الصحف". (١)
وقال السمين الحلبي (ت: ٧٥٦ هـ):
"والمصحف هو الجامع للصحف المكتوبة … وغلب على ما كتب من القرآن". (٢)
المصحف اصطلاحًا:
وأما المصحف في اصطلاح العلماء ﵏ فهو اسمٌ للمكتوب فيه كلام الله تعالى بين الدَّفتَّين. (٣)
ويصدق المصحف على ما كان حاويًا للقرآن كلِّه، أو كان ممَّا يُسمَّى مصحفًا عُرفًا ولو قليلًا كحزب، على ما صرَّح به القليوبي- ﵀، أو أقلَّ من ذلك كورقة فيها بعض سورة، أو لوحًا، أو كتفًا مكتوبة. (٤)
"وقيل للقرآن مصحف؛ لأنَّه جُمِعَ من الصَّحائِف المتفرِّقة في أيدي الصَّحابة، وقيل: لأنَّه جَمَعَ وحَوَى - بطريق الإجمال - جميعَ ما كان في كتب الأنبياء، وصُحُفِهم، (لا) بطريق التَّفصيل". (٥).
و" المصحف "اسمٌ للمكتوبِ من القرآن الكريم، المجموع بين الدَّفَّتين، و"القرآن" اسمٌ لكلامِ الله تعالى المكتوبِ في المصاحف (٦).
وفي نحو ما سبق يقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) ﵀:
" والفرق بين الصحف والمصحف: أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت، ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا ". (٧)
ونختم هذ المبحث الهام ببعض نظم أبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀ في "الأرجوزة المنبهة":
القَوْلُ فِي المَصَاحِفِ وَجَمْعِ القُرْآنِ فِيهَا
وَاصْغَ إلى قَوْلِيَ فِي المَصَاحِفِ … وَمَا أَنُصُهُ عَنْ الأسَالِفِ
مِنْ شَأنِهَا فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ … وَالمُرْتَضَى عُثْمَانَ ذِي التَوْفِيقِ
لَمَّا تُوُّفِيَّ رَسُولُ اللَّهِ … صَلَى عَلَيهِ دَائِمَاً إلَهِي
وَوَلِيَ الصِّدِّيقُ أمْرَ الأُمَّهِ … مِنْ بَعْدِ مَا جَرَتْ أُمُورٌ جَمَّه
ارْتَدَّتْ العْرَبُ فِي البُلْدَانِ … وَأعْلَنَتْ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ
وَمَنَعَتْ فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ … وَفَرْضُهَا قُرِنَ بِالصَّلاةِ
رَأى خَلِيفَةُ النَّبِيِّ المُصْطَفَى … جِهَادَهُم فَرِيضَةً وَشَرَفَا
فَجَيَّشَ الجُيُوشَ وَالعَسَاكِرَا … نَحْوَهُمُ وَوَجَّهَ الأَكَابِرَا
مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ … مُرْتَجِيًا لِنُصْرَةِ القَهَّارِ
فَحَقَقَ الإلَهُ مَا رَجَاهُ … وَرَضِيَ الرَأيَ الَّذِي رَآهُ
وَأُيِّدَ الجَيْشُ الَّذِي أعَدَّه … فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا المُرْتَدَّه
وَلَجَأَ البَعْضُ إلى الحُصُونِ … وَصَالَحُوا عَلَى التِزَامِ الدِّينِ
وَذَاكَ بَعْدَ مِحْنَةٍ وَشِدَّه … جَرَتْ عَلَى الصَّحْبِ مِنَ اهْلِ الرِدَّه
وَاسْتُشْهِدَ القَرَأَةُ الأَكَابِرُ … يَوْمَئذٍ هُنَاكَ وَالمَشَاهِرُ
стр. 49
وَوَصَلَ الأمْرُ إلى الصِّدِّيقِ … فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى التَوْفِيقِ
وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الفَارُوقُ … مَقَالَةً أيَّدَهَا التَوْفِيقُ
إنِّي أرَى القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّا … بِحَامِلِي القُرْآنِ وَاسْتَمَرَّا
وَرُبَّمَا قَدْ دَارَ مِثْلُ ذَاكَا … عَلَيهِمو فَعُدِمُوا بِذَاكَا
فَاسْتَدْرِكْ الأمْرَ وَمَا قَدْ كَانَا … وَاعْمَل عَلَى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَا
وَرَاجَعَ الصِّدِّيقَ غَيْرَ مَرَّه … فَشَرَحَ اللَّهُ لِذَاكَ صَدْرَه
فَقَالَ لابْنِ ثَابِتٍ إذْ ذَاكَا … إنِّي لِهَذَا الأمْرِ قَدْ أرَاكَا
قَدْ كُنْتَ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ … تَكْتُبُ وَحْيَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ
فَأنْتَ عِنْدَنَا مِنَ السُّبَّاقٍ … فَاجْمَعْ كِتَابَ اللهِ فِي الأَوْرَاقِ
فَفَعَلَ الَّذِي بِهِ قَدْ أَمَرَه … مُعْتَمِدًا عَلَى الَّذِي قَدْ ذَكَرَه
وَجَمَعَ القُرْآنَ فِي الصَّحَائِفِ … وَلَمْ يُمَيْزْ أَحْرُفَ التَخَالُفِ (١)
بَلْ رَسَمَ السَّبْعَ مِنَ اللُّغَاتِ … وَكُلَّ مَا صَحَّ مِنَ القِرَاتِ
فَكَانَتْ الصُّحُفُ فِي حَيَاتِه … عِنْدَ أبِي بَكْرٍ إلى مَمَاتِه
ثُمَّةَ عِنْدَ عُمَرَ الفَارُوقِ … حِينَ انْقَضَتْ خِلافَةُ الصِّدِّيقِ
ثُمَّةَ صَارَتْ بَعْدُ عِنْدَ حَفْصَه … لَمَّا تُوُّفِيَّ كَمَا فِي القِصَّه. (٢) وبانتهاء المبحث الثاني ينتهي الفصل الرابع والأخير. و الحمد لله العلي الكبير.
خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.
الحمد لله الذي أنعم عليّ عبده الفقير إليه سبحانه في كل أحواله، الظاهر ضعفه وذله واستكانته بين يديه جل في علاه في كل أطواره وفي حله وترحاله.
وبعد:
فقد توصلت تلك الدراسة المختصرة والمتواضعة إلى عدة حقائق ونتائج، ولعل من أبينها وأبرزها وأهمها ما يلي:
١ - بيان عظم قدر الكتاب الخاتم المنزل من عند الله، ومدى تحقق حفظ الله له، وذلك بتقدير الأسباب والسنن الكونية التي قدرها سبحانه ويسر سبلها لحفظه، والتي في طليعتها الجمع في عهد الصديق ﵁.
٢ - تحقق الخيِّرية لصدر هذه الأمة -الصحابة الكرام الأطهار الأبرار ﵃ أجمعين-، علمًا، وعملًا، ديانة وأمانة، همة وعلو قدر، سبقًا في كل خير ومسارعة في كل فضل، وقد تمثل ذلك في قيامهم بحفظ كتاب ربهم بعد نبيهم ﷺ خير قيام-جمعًا له- حفظًا له في الصدور، - وكتابته وتدوينه- حفظًا له في السطور.
٣ - إن حفظ القرآن بطريقي " الحفظ في الصدور- والكتابة في السطور" يدلل ويشير إلى أبرز اسمين علمين على القرآن ألا وهما:
стр. 50
"القرآن والكتاب"، فـ"اسم القرآن" يشير إلى حفظه في الصدور لأنه مقروء، و"اسم الكتاب" يشير إلى حفظه في السطور، لأنه مكتوب.
٤ - ولقد تم هذا الجمع على أعلى درجة من الاحتياط لكتاب الله تعالى تحقيقًا، وتدقيقًا، وتوثيقًا وتحريًا لما جمعوه، واختيارًا لمن قاموا بجمعه على أحسن وأجود وأدق أساليب الاختيار- أداءًا للأمانة وإبراءً للذمة، ووفاء بالعهد لتحمل أمانة حفظ وصيانة القرآن من الضياع بعد نبيهم الخاتم - رسول رب العالمين ﷺ .
٥ - وعلى هذا المنهج الرشيد تم- جمع القرآن- بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل، لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار". (١)
٦ - أن هذا الجمع لا يُعد من الابتداع في الدين، لأن القرآن قد جمع في عهد النبوة لكنه كان مفرقًا، وهذا الجمع لم يأت بجديد، غير أنه جمع القرآن بين دفتين بعد أن كان مفرقًا فحسب.
٧ - التحقق من أن ترتيب الآيات في السور توقيفي
٨ - توصلت الدراسة إلى أن القول في ترتيب السور توقيفي لا اجتهادي.
٩ - أن معارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي مخالف لإجماع الأمة-سلفًا، وخلفًا.
١٠ - باكتمال هذا الجمع، وعلى هذه الدقة تم الاطمئنان على حفظ كتاب الله تعالى، والتأكد والتثبت من أن الذي بين دفتيه هو كلام الله ووحيه المنزل المتحقق قرآنيته، المنقول بالتواتر، وأنه ليس فيه أي آية من القرآن المنسوخ، وهو القرآن الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهو القرآن الموافق لما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ عند رب العزة جل في علاه، وأنه لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا تحريف فيه ولا تغيير ولا تبديل، لأنه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: من آية: ٤٢)، وذلك لأنه: (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: من آية: ٤٢)، وهو متضمن لتحقيق وعد الله الذي لا يتخلف ولا يتبدل الذي قال فيه : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (الحجر: ٩).
وهناك نتائج كثيرة متحققة في ثنايا البحث، وهي جلية غير خفية، ولم يذكرها الباحث هنا لوضوحها وجلائها.
стр. 51
أ- فهرس المراجع
١ - الإتقان في علوم القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م، عدد الأجزاء: ٤
٢ - الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات، عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو الأندلسي (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، تحقيق: محمد بن مجقان الجزائري، الطبعة الأولى عن دار المغني- الرياض- ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م، عدد المجلدات: ١
٣ - البرهان في علوم القرآن المؤلف: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: ٧٩٤ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه (ثم صوَّرته دار المعرفة، بيروت، لبنان - وبنفس ترقيم الصفحات) عدد الأجزاء: ٤
٤ - البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥
٥ - تفسير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، المحقق: أحمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤
٦ - تفسير ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ)، المحقق: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار
стр. 52
الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ
٧ - عرفة بن طنطاوي، التفاسير التي رُتِبَت على ترتيب النزول والرد عليها. عرض، ودراسة، ومناقشة (د. ط). عدد الأجزاء: ١
٨ - عرفة بن طنطاوي، الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة (د. ط) عدد الأجزاء: ٢
٩ - زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ)، المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ
١٠ - شرح السنة المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٦ هـ، تحقيق: شعيب الأرناؤوط-محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م عدد الأجزاء: ١٥
١١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣
١٢ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، المؤلف: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ)، الناشر: دار الفكر، الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م عدد الأجزاء: ٢
١٣ - كتاب المصاحف، المؤلف: أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: ٣١٦ هـ)، المحقق: محمد بن عبده الناشر: الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١
١٤ - المقنع في رسم مصاحف الأمصار المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ)، المحقق: محمد الصادق قمحاوي الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة عدد الأجزاء: ١
١٥ - الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءًا، الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة.
١٦ - مباحث في علوم القرآن، المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١
١٧ - مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م
١٨ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: ١٠١٤ هـ)، الناشر: دار الفكر، بيروت.
١٩ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ)، المحقق: طيار آلتي قولاج، الناشر: دار صادر - بيروت سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م عدد الأجزاء: ١
стр. 53
٢٠ - مناهل العرفان في علوم القرآن، المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: ١٣٦٧ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الثالثة، عدد الأجزاء: ٢
٢١ - مجلة الأزهر، رئيس التحرير: محمد فريد وجدي بكّ، تحت إدارة ديوان الإدارة للأزهر، والمعاهد الدينية، بالقاهرة، عدد شهر رمضان سنة (١٣٧٠ هـ/ ١٩٥٠ م، مجلد ٢٢). مطبعة الأزهر.